Полный текст (1 175 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الكلام على مسألة الاسم والمسمى
قال المؤلف ﵀: [وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره، وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو (سمع الله لمن حمده) ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن: من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال: فان أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى.
والشيخ ﵀ أشار بقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادراً على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه، لكونه صار الفعل والكلام ممكناً بعد أن كان ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي.
وعلى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكناً له بعد أن كان ممتنعاً منه.
وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته.
وأصل هذا الكلام من الجهمية فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئته، بل يمتنع أن يكون قادراً على ذلك، لأن القدرة على الممتنع ممتنعة.
وهذا فاسد، فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً فلا بد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، فليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادراً عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها] .
معنى ذلك: أن صاحب المتن لما ذكر قدم أسماء الله التي هي في الأصل تتضمن صفات كالرازق الذي يستلزم أن يكون هناك مرزوقون، والخالق الذي يستلزم أن يكون هناك مخلوقون، وكذلك المحيي والمميت الذي يلزم منهما أن يكون هناك خلق يحييهم ويميتهم، وكذلك اسم العليم يلزم أن يكون هناك ما يعلمه، وهكذا المعز والمذل والخافض والرافع والمعطي والمانع، لا شك أنها أسماء لها آثار في الخلق، فآثارها كونه يعطي هذا ويمنع هذا ويحرم هذا ويميت هذا ويحيي هذا ويعز هؤلاء ويذل هؤلاء ويخفض قوماً ويرفع آخرين.
وهذه الصفات موصوف بها الرب تعالى في الأزل قبل أن يوجد الخلق، خلافاً لقول المعتزلة والجهمية والكلابية ونحوهم الذين يقولون: إنما حدثت بعد حدوث المخلوقات، وهذا خطأ، بل قولهم: بامتناع حوادث لا أول لها، الأولى بنا عدم الخوض في مثل ذلك، وأن نقول: الله أعلم بالمخلوقات التي خلقها أولاً، ومتى ابتدأ خلقه لها، لا نقول: إن المخلوقات ليس لها مبدأ، لكن نعلم أن ما سوى الرب تعالى حادث، والرب تعالى قديم أزلي أول، ونعلم أن حكمة الله تعالى في هذه الموجودات أنه أوجد هذا الكون بما فيه؛ ليعرف بذلك قدره ولتعرف بذلك أهليته للعبادة، وليعرف المسلمون بذلك أنهم مخلوقون لأداء حقوق ربهم الذي هذا خلقه وهذا تكوينه، قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] ، هكذا يجب أن يعتقد المسلم.
стр. 142
مسألة تسلسل الحوادث
стр. 143
منع الجهمية من حوادث لا أول لها والرد عليهم
قال المؤلف ﵀: [قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له؛ وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له بخلاف جنس الحوادث.
فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكناً بعد أن لم يكن ممكناً، وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء] .
شبهة أيضاً من شبهات المعتزلة أو الجهمية ونحوهم، ولا يحتاج المسلم إلى معرفة أصول الرد عليهم في قولهم بأن هذه حادثة في وقت كذا وكذا؛ وذلك لأنا لا نعلم وقت حدوث هذه المحدثات، ويمكن إذا قدرنا أنها حدثت مثلاً قبل مائة ألف سنة أن يقول قائل: يمكن أنها قبل مائتين، ويقول آخر: يمكن أنها قبل ألفين، ويقول آخر: قبل ذلك بألوف.
فإذاً ليس هناك وقت يلزم العباد بأنه حدثت فيه هذه المحدثات، لكن نعرف أنها حادثة، فالله تعالى ذكر أنه خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] يعني: كان معدوماً، وخلق الجن بعد أن كانوا معدومين، وخلق الملائكة بعد أن كانوا عدماً، وهكذا أيضاً خلق السموات والأرض في ستة أيام بعد أن لم تكن موجودة، وهكذا سائر المخلوقات الله الذي ابتدأ خلقها، ولا شك أنه أوجد هذه الموجودات وبث هذه الدواب مثلاً على هذه الأرض، وخلق هذه الأنهار وهذه البحار والأشجار والثمار والآبار ونحو ذلك، هو الذي ابتدأها بعد أن لم تكن موجودة، ويمكن أنه خلق قبلها مخلوقات لا ندركها ولا نعلمها، فالله تعالى هو المنفرد بالخلق والتصرف، وإنما علينا أن نعتبر بما نرى، نعرف أن هذه الموجودات التي خلقت خلقت لنا للاعتبار، نأخذ منها دلالة وعبرة على أن خالقها هو خالق كل شيء، وأن الذي هو خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده؛ فنعبده ونخلص العبادة له ولا نتجاوز ذلك، هذا هو الأولى بالمسلم.
قال المؤلف ﵀: [ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث، أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان، وهو مصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كان ممتنعاً، من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل، وهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكناً، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً، وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه، فإنه يعقل كون الحادث ممكناً، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكناً فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه] .
الممكن: هو الذي يتصور وجوده وحدوثه، الممتنع: هو ما لا يتصور العقل وجوده، أو ما لا يمكن أن يحدث، الممتنعات: هي المستحيلات.
ومعلوم أن هذه المخلوقات كانت معدومة فوجدت لإمكان حدوثها، وأن هناك أشياء مستحيلة ولم تكن، وممتنعة ولم تحدث، مثل: الجمع بين الضدين، فلا يمكن مثلاً أن يكون المكان الضيق مظلماً ومنيراً في وقت واحد، فلا يجتمع فيه النور والظلمة لكونهما ضدين، ولا يجتمع في وجه إنسان كونه أبيض وأسود، ولا في ثوبه مثلاً أنه أحمر وأبيض؛ لأن اجتماع الضدين من الممتنعات، ومعلوم أن الله تعالى لا يعجزه شيء وأنه قادر على أن يجمع بين الضدين، وقادر على أن يخلق المستحيل، ولكن جرت العادة بامتناع هذا في التصور، وأخبر بأنه قد يوجد بعض الأشياء مثل الأمور الغيبية، كقوله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ، كأن العاقل يقول: مستحيل أن يكون الشيء لا ميتاً ولا حياً، يقال: ليس بمستحيل بل يمكن في قدرة الله أن يكون ميتاً حياً في آن واحد، وإن كان المراد أنه لا يحيا حياة يستلذ بها في النار، ولا يموت موتاً يستريح منه، بل هو متألم يتمنى الموت ولا يحصل له؛ لهذا السبب نفيت عنه الحياة والموت، وعلى كل حال وصف الرب سبحانه بالأفعال عام في أنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر على أن يجمع بين المختلفات، وأن يوجد المتضادات، ولكن جرت العادة بأن هذا الممتنع لم يحدث ولم نره مع قدرته على أن يحدثه.
стр. 144
مذاهب الناس في تسلسل الحوادث
[فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط، أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم.
أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.
وثانيها: قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم.
والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار، ولم يقل أحد: يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل.
ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع محال، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيء؛ فإن الرب لم يزل ولا يزال، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] .
والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، وحينئذٍ فإذا كان النوع دائماً فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه، وأما دوام الفعل فهو أيضاً من الكمال؛ فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه دوام كمال] .
الأفعال التي ذكرها ودوامها في الماضي، أو دوامها في المستقبل، أو في الماضي والمستقبل هذه من الأمور الغيبية، ومعنى دوامها في الماضي أن الله تعالى قديم، وأنه لم يزل يخلق، لم يكن في زمن معطلاً عن الخلق، ولم يكن في زمن غير موجود خلْق يدبرهم ويتصرف فيهم، وكذلك في المستقبل، أي: أنه لا يزال موجوداً، وأنه بعدما يفنى هذا الخلق يحييهم مرة ثانية ويبقى متصرفاً فيهم، يعني: يعلم أحوالهم وما يصيرون إليه، ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء، ويعطي ويمنع وتظهر آثار أفعاله على المخلوقات، فلا شك أن هذا ونحوه من جملة ما يعتقده المسلمون.
стр. 145
التوقف عن القول بتسلسل الحوادث بالماضي
ولكن قد ذهب بعض الفلاسفة إلى أن هذا الوجود لم يسبق بعدم، وأن هذا النوع الإنساني قديم ليس له بداية وليس له أول، وأنكروا أن يكون هناك بشر اسمه آدم خلق من تراب، وأنكروا أن يكون لهذا الخلق نهاية، وأن تكون هناك الساعة التي تقوم، وأن يكون هناك النفخ في الصور وما أشبه ذلك، واعتقدوا أن هذا النوع لم يزل، وأن جنس هذا المخلوق أزلي قديم، وأنه مستمر بلا نهاية، ولا شك أن هذا فيه إنكار من وجوه: أولاً: إنكار للأمور الغيبية التي أخبر الله تعالى بها.
ثانياً: إنكار للجزاء على الأعمال التي أخبر الله بأنه يجازي عليها عباده في الآخرة.
ثالثاً: إنكار لشرع الله وأمره ونهيه وأحكامه التي حكم بها على العباد.
وإنكار ذلك كله يخرج من الملة، والواجب على المسلم أن يكون معتقداً لما أخبر الله به من كونه هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال، ومن كونه هو المتصف بالخلق وبالتصرف وبالتدبير لشئون العباد، ويعتقد أيضاً أنه هو المتفرد بإيجادهم وحده ولم يكن هناك من أوجدهم غيره، وكونه يعتقد أن قبلهم خلقاً غيرهم، وقبل الخلق خلقاً، وقبل الأولين أولين، فهذا من الأمور الغيبية التي لم يطلعنا الله عليها.
ونقول: الله أعلم بمن كان قبل ذلك وبأفعاله قبل ذلك، إلا أننا نعتقد أنه موصوف بهذه الصفات وإن لم تظهر آثارها، كما ذكر في المتن أنه ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بعد وجود من يرزقهم استفاد اسم الرازق، بل اسمه الخالق قبل أن يبدأ الخلق، واسمه الرازق قبل أن يوجد الخلق الذين يرزقهم؛ لأنه خالق بالقوة قبل أن يخلق وإن لم يكن خالقاً بالفعل.
ونتوقف عن تسلسل الحوادث في الماضي، ونقول الأمر غيب، ولم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك، وليس لنا التدخل في هذه الأمور؛ لأنها من الأمور التي لا يضر جهلها ولا يفيد علمها، وقد توقع في شيء من الحيرة ومن الاضطراب، والمسلم عليه أن يقتصر على ما فيه فائدة له في العقيدة، وأن يعتقد ما ينفعه وما يكون دافعاً له إلى معرفة ربه بأسمائه وبصفاته، وإلى التقرب إلى الله تعالى بموجب تلك الأسماء.
стр. 146
الأسئلة
стр. 147
أصل ديانة المجوس وأخذ الجزية منهم
السؤال
هل ثبت أنه كان المجوس أصحاب كتاب ثم رفع عنهم، وهل ورد ذلك في السنة أو في التاريخ؟ وهل يؤخذ بهذا القول؟ ولماذا أخذ الرسول ﷺ من مجوس هجر الجزية التي لا تؤخذ إلا من أصحاب كتاب؟
الجواب
ورد ذلك في حديث عن علي أنه كان لهم كتاب، وأن أحد ملوكهم وجد يفجر بأمه أو ببعض محارمه، ثم إنهم لما أرادوا إقامة الحد عليه، احتج عليهم بأن آدم زوج أولاده بعضهم ببعض ذكورهم بإناثهم، وقال: نحن على شريعة آدم.
فلما فعل ذلك رفع كتابهم، ولكن الحديث في ذلك عن علي لم يصح، أشار إليه الشافعي في مسنده والطيالسي كذلك، ولكن لم يثبت هذا الحديث.
وأما كون الجزية أخذت منهم فتؤخذ منهم لكونهم دولة وأمة على شريعة أو على دين يدعون أنهم عليه أصلاً وإن لم يكن لهم كتاب سابق، ومع ذلك فقد ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى جواز أخذ الجزية من كل المشركين، وأنه ليس خاصاً بأهل الكتاب، وما دام الأمر كذلك فإن المجوس من جملة المشركين الذين تؤخذ منهم كغيرهم.
стр. 148
طمس الصور ومعناه
السؤال
ما معنى الطمس الوارد في حديث علي ﵁ الذي تبرأ به الذمة؟
الجواب
قوله: (لا تدع صورة إلا طمستها) المراد به طمس الوجه؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، فإذا جعل على وجه الصورة ما تزول به خلقتها إذا كانت -مثلاً- منقوشة كفى ذلك، فإن كانت منحوتة فإنه لا بد من قطع رأسها أو ما لا يبقى معه حياة، فإذا كانت منحوتة -مثلاً- أو مصورة لها ظل ولها جرم فلا بد من قطع رأسها حتى تكون كهيئة الشجرة، وهكذا ورد ذلك، وإذا كانت في لباس فإنه يكتفى بقطعها، فإذا قطعت إلى ألا تبقى معها حياة اكتفي بذلك.
стр. 149
الرد بطريق العقل والسمع على وجود صانعين للعالم
السؤال
كيف نرد على أهل النظر الزاعمين أن للعالم صانعين، عن طريق العقل والنقل؟
الجواب
أما عن طريق العقل فبدلالة السماع على العلة، وهي أنه لو كان للعالم إلهان أو ربان خالقان فأراد أحدهما تحريك شيء وأرد الآخر تسكينه فإما أن يحصل مرادهما وهو ممنوع، وإما أن لا يحصل مراد واحد منهما فيستلزم عجزهما، وإما أن يحصل مراد واحد، فالذي لم يحصل مراده عاجز لا يصلح أن يكون إلهاً ولا أن يكون خالقاً، فدل على أن الخالق واحد ليس معه من يزاحمه في هذا التصرف، فهذه الدلالة العقلية.
وأما الدلالة السمعية فالآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، ونحوها من الآيات.
стр. 150
حكم تخصيص القبر بالزيارة
السؤال
هل يجوز أن يزار قبر شخص بعينه مع زيارة القبور الأخرى، وما حكم تعيين قبر بعلامة أو بإشارة من أجل معرفة صاحب هذا القبر؟
الجواب
زيارة القبور مشروعة لسببين: تذكر الآخرة، والدعاء للموتى.
وتجوز مثلاً كل أسبوع أو كل شهر أو نحو ذلك، أو إذا أحس بقسوة قلبه فزارهم حتى يتعظ وحتى يلين قلبه أو نحو ذلك، ويجوز أن يخص قبر أبيه أو قبر أخيه أو قريبه أو نسيبه، فيجوز أن يزور ذلك القبر ثم يسلم على القبور جميعاً، ويجوز أن يعلم القبر بعلامات يعرف بها، فقد ثبت أنه ﵇ لما دفن عثمان بن مظعون جعل عند قبره حجراً وقال: (أعرف به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي) ، فيجوز أن يجعل علامة كحجر أو لبنة أو خشبة أو نحو ذلك يتميز بها هذا القبر حتى يزوره ويعرفه، أما أن يكتب عليه فقد نهي أن يكتب عليه حتى ولو كتب اسمه، وكذلك نهي أن يرفع رفعاً زائداً عن غيره، فيجوز أن يجعل عليه علامة كحديدة أو قطعة بلاط أو ما أشبه ذلك لأجل التمييز فقط.
стр. 151
توضيح قوله: (بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها)
السؤال
ذكر في كتاب العقيدة أن من أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها، فما المقصود بقوله: (بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها) ؟
الجواب
يقولون: إن هناك من يعبد الكواكب، والذين يعبدونها يبنون هياكل، والهيكل هو الصورة التي يظنونها على صورة نجم أو نوء من الأنواء، ثم ينظرون إلى حركة ذلك النجم فيسندون إليه بعض التأثير، فيقولون: من طبيعة هذا النجم الحرارة، أو: من طبيعته البرودة، أو: من طبيعته الرطوبة، أو: من طبيعته الجفاف واليبس، أو ما أشبه ذلك، فإذا مطروا مطراً قالوا: هذا صدق نجم أو نوء كذا وكذا فيجعلون المطر من طبيعته، وإذا أصابتهم رياح قالوا: أثارها النجم الفلاني أو النوء الفلاني، وإذا ثارت سحب نسبوها إلى الأنواء.
فالطبائع هي إما شدة البرد، أو شدة الحر أو الجفاف واليبس وقلة الأمطار ونحوها، أو كثرة الأمطار، أو هبوب الرياح، أو إثارة السحب أو ما أشبه ذلك، فيزعمون أنها هي التي تثيرها هذه الكواكب ونحوها، ونسوا أن الله تعالى هو الذي يتصرف في الكون: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧] ، وهو الذي سخرها كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل:١٢] ، فإذا كانت كلها مسخرات فكيف يكون لها تأثير؟! وكيف يكون لها طبائع تلائمها؟!
стр. 152
إطلاق لفظ (الصانع) على الله تعالى
السؤال
نجد أن الشارح ابن أبي العز ﵀ يطلق كلمة الصانع على الخالق، فهل هذه تجوز في حق الله ؟
الجواب
هذه تجوز على وجه الصفة، فنعتقد أن الله هو الصانع بمعنى أنه المبدع الذي صنع الكون بذاته وأبدعه، فلذلك يكثر إطلاقها في الكتب، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية التي ذكرنا، وهي قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ، وذكر ذلك أو أطلق ذلك شيخ الإسلام في عدة مواضع من الجزء الثاني من مجموع الفتاوى ونحو ذلك، فإطلاق الصانع معناه أنه وصف لله بأنه مبدع الكون.
стр. 153
حكم الأموات قبل وصول الرسالة والأطفال يموتون قبل البلوغ
السؤال
أناس ماتوا بعد مجيء الإسلام ولكن قبل أن تصلهم الرسالة، فهل يعاملون معاملة الكافرين يوم القيامة أم لا؟ وما هو القول الفصل فيمن مات قبل البلوغ، هل يعامل معاملة أبويه أم يدخل الجنة مباشرة؟
الجواب
السؤال الأول يدخل فيه أهل الفترات، فهؤلاء على الصحيح أنهم يمتحنون في الآخرة، أعني أهل الفترات الذين ما بلغتهم الرسالة أو كانوا في زمنها ولكنه ما وصل إليهم خبرها وتفاصيلها، وكذلك الذين في أطراف البلاد ولم تصل إليهم تفاصيل الشريعة، يقولون: يا ربنا! ما جاءتنا الشريعة ولا علمنا بتفاصيلها فبقينا على جهل! فيمتحنون في الآخرة، ويروى أن الله يخلق أمامهم شبه نار ويقول: ادخلوها، فمن علم الله أنه سعيد دخلها وكانت عليه برداً، ومن علم الله شقاوته امتنع، فيقول الله: عصيت أمري فكيف لو جاءتك رسلي؟ أدخلوه النار.
وتجد الأدلة على ذلك في تفسير ابن كثير عند قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ، حيث أورد مثل هذه الأحاديث.
وأما الذي مات قبل البلوغ فإن كان من أولاد المشركين فحكمه حكم أهل الفترات، وإن كان من أولاد المسلمين فإنه من أهل الجنة؛ حيث إنه نشأ بين أبوين مسلمين وفطرته فطرة الإسلام، وهو على ما عليه آباؤه وأهله، فأولاد المسلمين يكونون أفراطاً لهم ويدخلون معهم الجنة ويرفعون إلى منازل آبائهم، والأدلة على أن أفراط المؤمنين يتقدمونهم كثيرة، وعلى رفع الأولاد حتى يكونوا مساوين للآباء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] ، يعني رفعنا الأولاد إلى مرتبة الآباء تكريماً لهم.
стр. 154
معنى دلالة التضمن
السؤال
مر في كلام المصنف قول: فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية.
فهلا بينتم لنا دلالة التضمن؟
الجواب
كون الشيء في ضمن غيره يسمى تضمناً، فنقول: إنه لا يمكن أن يعبد الله بتوحيد الإلهية إلا أن يعترف بأن الرب هو الخالق المتصرف، وهو توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية في ضمن توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية كأنه الدافع إلى توحيد الإلهية، فالتضمن معناه الاشتمال عليه وكونه في ضمنه، يعني أن الأصل في التكليف أن الله أمرنا بتوحيد الإلهية، ولكن جعل توحيد الربوبية دليلاً عليه.
стр. 155
فطرة الطفل ومدى دلالتها له على الاستقامة
السؤال
الرأي فيمن قال: إنه من ترك طفلاً في مكان ليس فيه أحد فإنه لا يستدل على الطريق السليم عن طريق فطرته؛ لأنه إذا تركته شياطين الإنس لم تتركه شياطين الجن؟
الجواب
قد يكون هذا، ولكن إذا لم يكن عنده من يدفعه دفعاً إلى البدع وإلى الشركيات فيوقفه عليها من الإنس لم يفعلها، ولكن على كل حال فالإنسان مسلط عليه في هذه الحياة أعداء من شياطين الإنس وشياطين الجن، وعليه أن يدفع شياطين الإنس بالمكافحة والدفع وشياطين الجن بالاستعاذة، ولكن الغالب والأصل أن الذي يكون في بلدة أو في ناحية ليس عنده من يضله أنه يبقى متحيراً ولكن فطرته باقية على الاستقامة.
стр. 156
قسم التوحيد الذي تدخل فيه شهادة التوحيد
السؤال
قول (أشهد أن لا إله إلا الله) من أي أنواع التوحيد؟ وأي توحيد يعصم الدم والمال؟
الجواب
شهادة أن لا إله إلا الله هي توحيد الإلهية الذي هو الاعتقاد، وشهادة أن محمداً رسول الله هي مكملة لها وفيها الاتباع، فهي من توحيد الإلهية أو من توحيد العبادة، أي أن النطق بالشهادة بلفظ الإلهية من تكميل توحيد العبادة.
стр. 157
علم الله تعالى والنسخ في القرآن
السؤال
كيف نرد على من يقول: بما أن الله يعلم الأمور، فكيف يكون هناك ناسخ ومنسوخ في القرآن والله يعلم ذلك كله؟
الجواب
الله تعالى حكيم بأمره ونهيه، فينزل الحكم لمناسبة، فإذا زالت تلك المناسبة أبدله بغيره مما يناسب في وقت آخر غير الوقت الأول، فمثلاً أمرهم باستقبال بيت المقدس تأليفاً لليهود؛ لأنه قبلة الأنبياء من بني إسرائيل، ولما ظهر عنادهم أمرهم باستقبال الكعبة؛ لأنه لم يبق في ذلك مصلحة، فهذا الاستقبال في حال مناسبة وهذا الاستقبال في حالة مناسبة، وهكذا بقية الأحوال في الناسخ والمنسوخ.
стр. 158
حكم الصور في الستائر ونحوها
السؤال
ما حكم وجود الصور من الحيوانات والأطفال وغيرها في ستائر المنزل أو ملابس الأطفال أو السجاد، علماً بأن ذلك غير مقصود؟
الجواب
ورد الأمر بهتكه لما دخل ﵊ وقد سترت عائشة فرجة أو نافذة بقرام فيه تماثيل، فغضب لذلك وأمر بهتكه فشققته وجعلته وسادتين منبوذتين، فهذا دليل على أنها إذا كانت كالمنبوذ المستعمل الذي يعطى ويمتهن ويجلس عليه فذلك أخف، بخلاف ما إذا كانت منصوبة أمام الناظر كما في الستائر التي على الأبواب أو على النوافذ فإن هذا لا يجوز، وعلى كل حال فالأولى أنها لا تترك في الثياب ولا في السراويلات ولا في الفرش ولا في اللحف، ولكن إذا وجدت ولم يستطع تغييرها في اللحف والفرش ونحو ذلك من الأشياء المستعملة فهو أخف، وأما كونها في المنصوب الذي أمام الناظر فهذا لا يجوز بحال كما في هذه الأحاديث.
стр. 159
تفسير قوله تعالى: (شهد الله)
السؤال
ما معنى قول الشارح: (وعبارات السلف في (شهد) تدور على الحكم) ، فما معنى (على الحكم) ؟
الجواب
يقول: إن كثيراً من الصحابة فسروا قوله تعالى: (شهد الله) بـ (حَكم الله) ، وبعضهم فسر (شهد الله) بـ (أخبر الله) ، وبعضهم فسرها بـ (أعلم الله) ، وبعضهم فسرها بـ (أمر الله) ، فقال بعضهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] أمر أن لا إله إلا هو، وقيل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] حكم أن لا إله إلا هو، وقيل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] أخبر أن لا إله إلا هو، فهي تدور حول هذه الأشياء.
فبعضهم فسر بكذا، وبعضهم فسر بكذا، والمعنى أن الآية تشهد لذلك كله.
стр. 160
الفرق بين الخبر والإخبار
السؤال
ما الفرق بين مرتبة التكلم والخبر وبين مرتبة الإعلام والإخبار؟
الجواب
التكلم معناه أن يتكلم حتى يسمعه غيره، فبعد ما يعلم بقلبه يتكلم حتى يسمعه غيره، وأما الإخبار والإعلام فمعناه أن يعلم غيره بقوله: اعلموا أن الأمر كذا وكذا، فهنا أمر زائد على التكلم، وقد يتكلم ولا يقول: اعلموا.
ثم بعد ذلك يعلم غيره، وهنا تكلم للتذكر أو للحفظ، وهنا إخبار للناس وإعلام لهم.
стр. 161
توضيح قوله: (فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية)
السؤال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية) ، فما معنى ذلك؟
الجواب
إذا فسر قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٨] بـ (حكم الله) ، و ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٨] بـ (قضى الله) ، فإنه في هذا جملة خبرية بمعنى أخبر الله بكذا، ويلزمكم أن تقبلوا خبره.
стр. 162
زيادة (ولا يرقون) في حديث التوكل وحكمها
السؤال
قرأنا في (كتاب التوحيد) للشيخ محمد بن عبد الوهاب في حديث السبعين أنهم: (لا يرقون) ، وقرأنا في (زاد المعاد) لـ ابن القيم أن الرسول ﷺ رقى أحد أصحابه وقال بعض الأدعية، فهل فعله ﷺ نسخ لما ورد في الحديث، أم أنه من الأفعال الخاصة به؟
الجواب
أنا قرأت كتاب التوحيد ولم أجد فيه هذه الكلمة، وهي كلمة (لا يرقون) ، وهذا السائل إذا كان قد وجدها فيمكن أن هذه نسخة غير معتمدة، والرواية التي قرأناها في كتاب التوحيد فيها (لا يسترقون) ، في قوله ﷺ : (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون) ، وإذا كان في بعض النسخ (لا يرقون) فيمكن أنها أخذت من رواية ضعيفة؛ وذلك لأن الحديث موجود في الصحيحين في بعض رواياته: (لا يرقون ولا يسترقون) ، ولكن صحح العلماء أن كلمة: (لا يرقون) خطأ من بعض الرواة، وأن الصواب (لا يسترقون) .
فكونك ترقي غيرك وتنفع غيرك لا مضرة عليك في ذلك وقد نفعت غيرك، وأما كونك تطلب من غيرك أن يرقيك فإن ذلك دليل على ضعف التوحيد، ودليل على أنك ما وثقت بالتوكل على الله، والراقي يجوز أن يرقي غيره، ولكن يكره له أن يطلب من يرقيه.
стр. 163
كيفية التقاء النبي ﷺ بالأنبياء ﵈ في السماء
السؤال
جاء في حديث الإسراء والمعراج أن الرسول ﷺ لقي بعض الأنبياء والرسل كموسى وهارون ويوسف وإبراهيم وعيسى، فهل لقيهم حقيقة، أو أنهم مثلوا له لكونهم أمواتاً؟ وماذا عن عيسى هل هو مثلهم في هذا؟
الجواب
لا شك أنهم مثلوا له، وأرواحهم -بلا شك- في السموات، ولكن قد ذكر في بعض الأحاديث أنهم قبروا في الأرض، وأخبر بقبر موسى، وأن موسى لما أتاه الموت سأل ربه أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي ﷺ : (فلو كنت ثم لأريتكم قبره) ، وتواتر أيضاً أن قبر إبراهيم الخليل ﵇ موجود في (سيناء) أو قريباً منها، فهم مقبورون في الأرض، ولكن أرواحهم -بغير شك- في السماء، ومثلت أجسادهم له وقيل: هذا فلان وهذا فلان.
وأما عيسى فقد ذكر الله أنه رفعه ولم يذكر أنه دفن في الأرض، فلعل جسده في السماء، ولا يحسب ذلك من عمره، حيث ذكر في الأحاديث أنه سينزل حتى يتمم بقية عمره.
стр. 164
أطفال المسلمين وحكمهم في الآخرة
السؤال
ما الرأي في حديث عائشة ﵂ عندما مات أحد أطفال جيرانها فقالت: هنيئاً لكم من طيور الجنة، فقال لها الرسول ﷺ : (وما يدريك أنه من أهلها؟) ، فهل فيه تناقض مع ما قلته من أن أطفال المسلمين يدخلون الجنة؟
الجواب
الحديث فيه أنه ﵊ دعي للصلاة على طفل فقالت: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال ﷺ : وما يدريك! إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) إلى آخره.
فهو ﵊ ينهى أن يجزم أحد لأحد بجنة أو نار، ويقول: إن العلم عند الله تعالى، فالله هو الذي يعلم مقادير الخلائق، وهو الذي يقدر آجالهم وهو الذي يعلم ما خلق له هذا، وماذا يكون عليه.
واعتقادنا أن أولاد المسلمين مع آبائهم لأنهم تبع لهم، ولكن حكمنا على الآباء هو الذي نتوقف فيه، فالله أعلم ماذا عليه الآباء، وعلى كل حال فلا ينافي هذا الحكم بأن أولاد المؤمنين مع آبائهم وأنهم الذين يجتذبونهم، كما ورد في كثير من الأحاديث أن أباه ينتظره أو أنه ينتظر أباه وأن الأطفال يرجحون ميزان آبائهم ونحو ذلك.
стр. 165
الحلف والاستغاثة بغير الله تعالى
السؤال
إنسان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم، ولكنه يحلف بغير الله، وقد يستغيث بغير الله إما بالشيوخ أو الأولياء والأنبياء، أينقض ذلك التوحيد ويدخله في الشرك الأكبر؟
الجواب
الحلف بغير الله من أنواع الشرك ولكنه من الشرك الأصغر، ويرجع إلى نية الحالف، فإذا كان يعتقد أن ذلك المحلوف يستحق التعظيم الذي يبجل به حتى يعظم ويحلف به كما يحلف بالله فهذا أكبر، وإذا كان له نوع تعظيم فهو من الأصغر.
أما الاستغاثة بغير الله فمعلوم أنها من الأكبر؛ وذلك لأن الاستغاثة دعاء من مكروب، فالدعاء من الإنسان إذا وقع في كرب وفي شدة يسمى استغاثة، والإنسان عندما يصيبه الكرب يلجأ إلى الرب تعالى، والمشركون إذا أصابهم الكرب في البحر لجئوا إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] ، فإذا كان المشركون في لجة البحر لا يذكرون إلا ربهم، فالذي يذكر غير الله ويستغيث بغير الله في حالة الشدائد أكبر شركاً من المشركين الأولين الذين نزل فيهم القرآن والذين كفرهم الله تعالى وقاتلهم النبي ﵊، فيسأل هذا المستغيث هل هو يقول: يا ولي الله! أغثني فأنا في ذمتك، ولا حول لي إلا أنت، ولا أحد ينجيني إلا أنت، وأنا معتمد عليك، يا ولي الله! أنجني مما أنا فيه، فمن الذي ينجيني؟ وإذا كان في البحر وتلاطمت به الأمواج أخذ يقول كقول الرافضة: يا علي أو: يا حسين نجنا! من الكرب.
أو ما أشبه ذلك، أو يقول: يا عبد القادر يا جيلاني، أو: يا بدوي، أو ما أشبه ذلك، فلا شك أن هذا شرك أكبر، فهذا معنى الاستغاثة، فإذا كان هذا المسئول عنه يفعل مثل هذا فهو من الشرك الأكبر.
стр. 166
تفسير النظر والقصد بالنظر والشك
السؤال
أرجو شرح هذه العبارة شرحاً وافياً، وهي قول المؤلف: (ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك) ، فما المقصود بالنظر، والقصد إلى النظر، والشك؟
الجواب
هذه تقدمت في أول الكتاب، وذكرنا أن أول واجب العمل، ولكن العمل مسبوق بالعلم، فالعلم هو الشهادة بيقين ومعرفة، فأول واجب على الإنسان أن يعلم ثم يعمل، وذهبت الصوفية وبعض المتكلمين إلى أن أول واجب عليه النظر، والنظر أن يبدأ بالنظر فيما بين يديه وفيما خلفه من المخلوقات، أن ينظر بنفسه وينظر في الذي بين يديه من السماء والأرض ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يظهر بنتيجة من هذا النظر، وهذا قول باطل، بل أول واجب العلم مع العمل.
وذهب بعضهم إلى أن أول واجب القصد إلى النظر، والقصد بمعنى نية النظر، أي: أن ينوي أن ينظر وينوي أنه سوف ينظر في هذه المخلوقات وفي دلالتها، وهذا أيضاً باطل، فالقصد يعني نية النظر، وليس بواجب، بل الواجب القبول والتقبل والعمل.
وذهب آخرون إلى أن أول واجب الشك، فإذا عقل وكلف وتم عقله يشك، ثم بعد ذلك يتحير في أمره، ثم بعد ذلك يطلب ما يزيل به ذلك الشك، فيقول: أنا أشك وأنا في حيرة من أمري، ولكن بأي وسيلة أدفع هذا الشك؟ فيسأل وينظر ويستدل إلى أن يتبدل الشك باليقين، وهذه مقامات ومقالات صوفية لا يلتفت إليها، بل أول واجب هو ما ذكره من العلم والعمل.
стр. 167
معنى الآيات الأفقية والنفسية ومعنى اسم الله (المؤمن)
السؤال
نريد منكم توضيح هذه العبارة، (استدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته) ، وكذا في تفسير اسم الله (المؤمن) أنه: (المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم) ؟
الجواب
معلوم أن الاستدلال بالآيات مما يثبت الدليل، والله تعالى قد نصب الآيات ليستدل بها العباد على معرفة ربهم، والآيات هنا يراد بها الآيات الكونية والآيات النفسية.
فالآيات الكونية هي المخلوقات التي في الكون، يقول الله تعالى: انظروا في هذه الآيات لتعتبروا، انظروا في خلق السماء وارتفاعها، وانظروا في تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وانظروا في هذه الأرض وما فيها من النبات وما فيها من الحيوانات، وانظروا في هذه البحار وما احتوت عليه، وما أشبه ذلك.
فالنظر يعني الاعتبار ليكون دليلاً إلى اليقين فيقوي الإيمان.
كذلك الآيات النفسية، الله تعالى يقول: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يعني: في أنفسكم آيات.
فإن الإنسان لو فكر في نفسه لزالت عنه الشكوك والتوهمات؛ فإن نفس الإنسان فيها أعظم عبرة وأعظم آية على أنه مخلوق مكون، فإذا فكر في أول أمره كيف كان نطفة ثم تقلبت به الأحوال إلى أن أصبح رجلاً سوياً، ثم ينظر إلى أن حواسه كاملة وحاجاته كاملة؛ فإن ذلك -بلا شك- مما يلفت نظره ويوضح له أمره أنه مخلوق وأن له خالقاً، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] .
وأما الاستدلال بأنه سبحانه من أسمائه (المؤمن) الذي يصدق عباده، فهذا التصديق يكون في يوم القيامة أو في الدنيا، فيصدق عباده الرسل بما يقيم على أيديهم من الآيات والمعجزات، ويصدق عباده المؤمنين في الآخرة بأن يثيبهم ويظهر بذلك صدقهم ونصحهم لأممهم.
стр. 168
معنى الخواص
السؤال
يقول الشارح: [والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله] ، فمن هم الخواص؟
الجواب
هم العارفون بالله وبآياته، وهم الذين رزقهم الله معرفة ثاقبة يستدلون بآيات الله على قدرته، ويستدلون بأفعاله على كماله، فينظرون في هذه المخلوقات ويأخذون منها القدرة على أنه سبحانه متصف بأتم الصفات، وبأن له الصفات العلى وله الأسماء الحسنى.
стр. 169
حديث افتراق الأمة
السؤال
في حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، هل هذه الفرق تعد من المسلمين أو خارجة عن الإسلام؟
الجواب
ظاهر الحديث أنهم ليسوا من المسلمين، وأنهم فرق خارجة عن الإسلام، ولو حسبنا بعضهم بأنهم مسلمون؛ لأنه قال: (كلها في النار إلا واحدة) ، فدل على أن تلك الفرق ضالة مخطئة، وأن الفرقة الناجية واحدة، ولكن مع ذلك فإن في تلك الفرق من هو معذور، وهذا إذا جعلنا الفرق متفرعة عن أمة الدعوة.
وأما إذا جعلناها فرقاً لأمة الإجابة فإن الجميع يصيرون من المسلمين وتحت مشيئة الله تعالى ويكون هذا من أحاديث الوعيد.
стр. 170
أيهما أضر بالإسلام الجهمية أم الرافضة ؟
السؤال
أيهما أشد على الإسلام الجهمية أم الرافضة؟
الجواب
لكل من الجهمية والرافضة ميزة تتميز بها عن الأخرى: فالجهمية ميزتها التي وقعت فيها أن الجهم بن صفوان ابتدع ثلاث بدع: بدعة التعطيل، وبدعة الجبر، وبدعة الإرجاء، فهو يقول بأن العباد مجبرون على الأفعال، وهو يقول بالإرجاء، فيغلب جانب الرجاء، وهو مع ذلك ينفي الصفات، فكانت الجهمية قد جمعت هذه البدع الثلاث، ولا شك أن هذا أشد كفراً من كفر الرافضة، ولكن من قرأ كتب الرافضة وجد أغلبهم جهمية، فيكونون قد جمعوا بين البدعتين، فأخذوا بدعة الجهمية وزادوا عليها بسب الصحابة وبتكفير الخلفاء الراشدين وبتضليل الصحابة وتخطئتهم، وزادوا أيضاً -أو زاد متأخروهم- بعبادة أهل البيت ودعائهم مع الله تعالى زيادة على الغلو، فالذين يجمعون هذا مع هذا لا شك أنهم أشد كفراً، أخذوا بدعة الجهمية وزادوا عليها هذه البدعة.
стр. 171
الاتفاق بين الخالق والمخلوق في الاسم والصفة ودلالته
السؤال
إذا اتفق اسم أو صفة للخالق مع المخلوق فهل نقول: إن الاتفاق في المسمى، والاختلاف في المعنى والمدلول؟
الجواب
متفقان في الاسم ومتفقان في المعنى العام، ومختلفان في الكيفية والمدلول، فإذا قلنا مثلاً: إن الله يسمع وإن المخلوق يسمع فالسمع هو إدراك الأقوال، وهذا فيه اتفاق، وإذا قلنا: إن الله تعالى له سمع وللمخلوق سمع فمعلوم أن سمع الله ليس كسمع المخلوق بل بينهما تفاوت، فهما متفقان في الاسم، ومتفقان في المعنى العام، وأما الكيفية والصفة فإن بينهما تفاوتاً.
стр. 172
الإجمال في التشبيه
السؤال
ما معنى قول المؤلف ﵀: (ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح) ؟
الجواب
يعني كلمة (التشبيه) ، فأهل السنة يريدون بها المعنى الصحيح، والمعتزلة يريدون بها نفي الصفات، فأهل السنة يريدون بكلمة (ليس لله شبيه) أن ننفي عن الله التشبيه، وصحيح قصدهم، فيقولون: إن الله لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا تشبهه المخلوقات، وهذا معنىً صحيح، وتارة يراد به المعنى الباطل وهو نفي الصفات؛ فإن المعتزلة يقولون: ليس لله سمع، فمن أثبته فهو مشبه، وليس لله علم، فمن أثبته فهو مشبه، فإثبات السمع عندهم تشبيه، وإثبات القدرة عندهم تشبيه، وإثبات الحياة تشبيه، وإثبات الكلام تشبيه، فصار لفظ التشبيه لفظاً مجملاً، فتارة يراد به المعنى الصحيح، وتارة يراد به المعنى الباطل.
стр. 173
شرح العقيدة الطحاوية [١٢]
من المسائل التي اشتد الخلاف فيها مسألة وجود حوادث لا أول لها، والإعراض عن الكلام في مثل هذه المسألة خير من الخوض فيها، ولكن تعرض لها العلماء لبيان ضلال الفلاسفة والملحدين.
стр. 174
الكلام على مسألة حوادث لا أول لها
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٨-٢٠] .
نقرأ في هذه العقيدة التي كتبها هذا الإمام لبيان ما يجب أن يعتقده المسلم، وبيان الرد على بعض المبتدعة الذين أنكروا شيئاً من صفات الله تعالى أو أنكروا صفاته، وكذلك الرد على من أنكر القدر أو عموم قدرته، وسائر المبتدعين الذين أحدثوا بدعاً تتعلق بالعقيدة، والتي شرحها أو وفق لشرحها هذا العالم الذي تقيد بمذهب السلف واختار ما عليه أئمة العلم وعلماء المسلمين، وإن كان قد استطرد وذكر شيئاً من حجج أهل الكلام ومن شبهاتهم وما قصد إلا حكايتها ثم تعقيبها والرد عليها.
ويمر بنا في هذا الشرح عبارات من عبارات أهل الكلام قد يصعب فهمها لأول مرة، ولكن معلوم أن القصد من إيرادها مناقشة المستدلين بها حيث إنهم يعتقدونها أدلةً واضحة وبراهين قوية وحججاً قاطعة على ما هم عليه من إنكار الأمور التي جاءت بها السنة ونطق بها الكتاب وتتابع عليها أئمة العلم واعترفوا بها وأقروا بها، فجاء أولئك المبتدعة وضللوا من اعتقدها وصاروا يبدعونهم، ويحتجون على بدعهم بأنواع من الشبهات.
وذلك مثلما مر بنا من قولهم إنه لا تقوم به الحوادث، ويستدلون بذلك على أنه ليس له صفات، وأن صفات الفعل تحدث شيئاً فشيئاً.
ومثله كلامهم في التسلسل في القدم، والتسلسل في الأزل وفي الأبد وما أشبه ذلك، والقصد منها مناقشة أدلتهم، وسيمر بنا في أثناء الكتاب كلام فيه الفائدة إن شاء الله وفيه المعرفة، وبالأخص فيما يتعلق بعموم معتقد أهل السنة، سواء في الأسماء والصفات، أو في القرآن وكلام الله ، أو في البعث والنشور، أو في الإيمان والأحكام، أو في الصحابة وما يقال فيهم، أو في الأمور الغيبية وما أشبهها.
ويمر بنا -إن شاء الله- ما إذا اعتقده المسلم عرف نعمه الله عليه حيث وفقه لهذا المعتقد السليم الذي تؤيده السنة ودرج عليه السلف، والذي تقره العقول والفطر السليمة وإن أنكرته تلك الفطر الزائغة والقلوب المنحرفة، فلا عذر لمن أنكره واعتمد على العقل.
وكان من جملة ما مر بنا أن الله قديم بصفاته، وأنه لم يحدث له صفة قد كانت معدومة ولا اسم قد كان معدوماً، وأنه سبحانه لم يكن معطلاً عن الأفعال، بل هو فاعل في كل وقت وحال، وأن أسماءه قد تسمى بها قبل أن توجد الموجودات وبعدما وجدت الموجودات، فهو له اسم (الخالق) قبل أن يوجد الخلق الذين خلقهم، ومن أسمائه (البارئ) قبل أن يوجد من برأهم، ومن أسمائه (الرازق أو الرزاق) قبل أن يوجد خلق يرزقهم، ومن أسمائه (الرحيم) قبل أن يخلق من يرحمهم، ولكن يعرف بذلك أنه سبحانه لم يزل يرحم ويعطي ويمنع ويخلق ما يشاء ويحيي ويميت، فأسماؤه قديمة وأفعاله قديمه، وكذلك سائر صفاته.
والقصد من معرفة هذا كله أن يرغب الإنسان إليه ويدعوه بتلك الأسماء، فدعاؤه بتلك الأسماء كأن يدعوه باسم (الرزاق أو الرازق) ليرزقه، وباسم (الرحمن) ليرحمه، وباسم (العزيز) ليعزه أو لينتقم ممن عاداه؛ فإنه العزيز الذي لا يغالب، وهكذا بقية أسمائه، على أنه متى اعتقد مضمون تلك الأسماء وآثارها عظم قدر ربه في قلبه فعبده وحده وخافه ورجاه واعتمد عليه، واتخذه حسيباً ووكيلاً وأعرض بقلبه وقالبه عن غيره، فأصبح بذلك من الذين عرفوا ربهم حق المعرفة وعبدوه حق العبادة.
فهذه من نتائج معرفة هذه المعتقدات التي تتعلق بالأسماء والصفات.
стр. 175
حديث عمران بن حصين ودلالته
[والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله لم يزل غير فاعل، ثم صار فاعلاً.
ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له من نفسه إلا العدم والفقر، والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تعالى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له ] .
[وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ واختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟ وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] .
وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين ﵁، قال: (قال أهل اليمن لرسول الله ﷺ : (جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، -وفي رواية: (ولم يكن شيء معه) وفي رواية: (غيره) - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) وفي لفظ: (ثم خلق السموات والأرض) ، فقوله: (كتب في الذكر) ، يعني: اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] سمى ما يكتب في الذكر ذكراً، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتاباً.
والناس في هذا الحديث على قولين، منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجوداً وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلاً بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتداء الفعل ولا كان الفعل ممكناً.
والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن في غير موضع.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) .
فأخبر ﷺ أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على الماء] .
[ودليل صحة هذا القول الثاني من وجوه: أحدها: أن قول أهل اليمن: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر) ، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي: الذي كونه الله بأمره، وقد أجابهم النبي ﷺ عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السموات والأرض حال كون عرشه على الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السموات والأرض.
وأيضاً فإنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ، وقد روي (معه) ، وروي (غيره) ، والمجلس كان واحداً، فعلم أنه قال أحد الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى، ولفظ (القَبْل) ثبت عنه في غير هذا الحديث.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) الحديث.
واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ (القَبْل) ، كـ الحميدي والبغوي وابن الأثير.
وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق.
وأيضاً فإنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله -أو (معه) أو (غيره) - وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء) .
فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و (خلق السموات والأرض) روي بالواو وبثم] .
قال رحمه الله تعالى: [فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له، وأيضا فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد (كان الله ولا شيء معه) ، مجرداً، وإنما ورد على السياق المذكور، فلا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب تعالى دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض، وأيضا فقوله ﷺ : (كان الله ولاشيء قبله أو معه أو غيره، وكان عرشه على الماء) ، لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا؛ لأن قوله: (وكان عرشه على الماء) ، يرد ذلك؛ فإن هذه الجملة -وهي: (وكان عرشه على الماء) - إما حالية أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد: ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود] .
يتكلم المصنف على أحاديث عمران بن حصين لما جاء أهل اليمن يسألون عن أول هذا الأمر، فقال النبي ﷺ : (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء) ، أخبر في هذا أن الله تعالى هو الأول ولم يكن شيء قبله، وذلك تحقيق للأولية المذكورة في الآية: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ، فلم يكن شيء قبله، وهذا لا يدل على أنه تعالى كان معطلاً عن الأفعال لم يكن يخلق، بل يدل على أنه خالق، فإنه ذكر أن عرشه على الماء دليل على أنه قد خلق العرش، وأنه قد خلق الماء، وأنه قد خلق مخلوقات قد تكون موجودة وقد تكون معدومة، فلا بد أن يكون خالقاً، فالله تعالى لم يكن معطلاً عن الخلق، ويعتقد المسلمون أن الله تعالى قديم، وأنه قديم بأفعاله، وأنه الذي ليس قبله شيء، وأن من أعظم مخلوقاته العرش، وقد ورد في عظم العرش ما يدل على أنه أقدم وأعظم أو من أعظم المخلوقات، فقد ذكر الله سعة كرسيه في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقيل: إن الكرسي كالمرقاة بين يدي العرش، فالكرسي قد وسع السماوات والأرض مع عظم السماوات ومع عظم الأرض.
وورد في بعض الآثار أن السماوات والأرض في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس، والترس: هو المجن الذي يلبس على الرأس وما عسى أن تغطي الدراهم السبعة، فالدرهم قطعة من الفضة صغيرة بقدر الظفر أو نحوه، فماذا تغطي من ذلك الترس؟ فالسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي هذا مقدارها منه، والكرسي صغير أيضاً بالنسبة إلى العرش، كما ورد أن الكرسي نسبته إلى العرش كحلقه ملقاة بأرض فلاة، والحلقة: القطعة من الحديد ملتقية الطرفين.
فإذا ألقيت حلقة في فلاة فماذا تشغل من تلك الفلاة؟ فالكرسي صغير بالنسبة إلى العرش، فهو كحلقة ملقاة بأرض فلاة، فهذا دليل على عظم هذا الكرسي ثم عظم هذا العرش، وإذا كان هذا عظمه فإنه مخلوق، فالعرش مخلوق ليس قديماً، بل هو مخلوق، وإذا كان هذا عظم هذا المخلوق فما ظنك بعظمة الخالق؟ والله تعالى قد ذكر أنه يقبض المخلوقات في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، وذكر ابن عباس أن السماوات والأرض في كف الرحمن كحبة خردل في يد العبد.
وماذا تشغل حبة الخردل في يد عبد؟ وكل ذلك دليل على عظمة الخالق، ولا شك أن من اعتقد عظمته وكبرياءه خافه وهابه وعبده حق العبادة، ولكن لا ينبغي الخوض في الأمور الغيبية التي ليس عليها دليل وبرهان، والتي يؤدي الخوض فيها إلى حيرة وإلى شك، وكثيراً ما يشتكي بعض النساء وبعض الرجال أنهم يلاقون حيرة ويلاقون شكاً وتأتيهم وساوس إذا بحثوا في مثل هذه الأمور، فقد ثبت أن النبي ﷺ أمر عند ذلك بالاستعاذة من الشيطان وبالإيمان بالله، فإذا وقعت في قلب الإنسان هذه الأوهام وهذه التشكيكات فإنما عليه أن يقول: آمنت بالله، وأن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن يقبل كل ما جاءه عن الله، وأن يتقبل ذلك كله، ويبعد عنه كل ما يجلب حيرة أو وهماً أو وسوسة أو نحو ذلك، فيقطعها ويجعل حديث نفسه وخوضه وخوضها في الشيء الذي ينفعه، ويؤمن بالإجمالات التي أخبر الله بها عنه حتى يكون بذلك مطمئن القلب.
стр. 176
اتصاف الله تعالى بالربوبية والخلق قبل وجود متعلقهما
قال المؤلف ﵀: [قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق) .
يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق، قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: له معنى الربوبية ومعنى الخالق دون الخالقية؛ لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وتبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني وهي الربوبية.
انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير أيضاً] .
هذا مثل ما سبق قبله أن الله تعالى من أسمائه (الخالق) قبل أن يوجد المخلوقون، ومن أسمائه (الرازق) قبل أن يوجد المرزوقون، فمن صفاته (الربوبية) قبل أن يوجد المربوبون ومن صفة أسمائه (الخالق) قبل أن يأتي أو يوجد المخلوقون، وله معنى ذلك.
ولا شك أن الربوبية تقتضي أنه الرب بمعنى (المالك) ، وتقتضي أنه الرب بمعنى (المربي) الذي يربي خلقه بالنعم أو الذي يربيهم بالعلوم ويفتح عليهم المعارف، فالكل من حق الله تعالى أنه الرب، بمعنى المالك المنعم المتصرف المربي المتفضل على خلقه، وكذلك الخالق، فالخالق بمعنى المنشئ للخلق المبتدئ لهم على غير مثال سابق، وكل ذلك له وحده.
стр. 177
اتصاف الله تعالى بإحياء الموتى وخلق الخلق
قال المؤلف ﵀: [قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم) .
يعني أنه موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم، وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء] .
ويعتقد المسلم أن الله تعالى يفعل ما يشاء، فإن من صفاته أنه يحيي ويميت، فمن شاء أحياه ومن شاء أماته، ومن شاء رزقه، ومن شاء أفقره ومن شاء أغناه، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، ويعز من يشاء ويذل، وهذه الأوصاف التي هي من صفاته هي أيضاً قديمة، بمعنى أنه موصوف بها أزلاً، أي: أن من أسمائه المحيي قبل أن يخلق الذين يحييهم، وكذلك المميت، وكذلك المعطي والمانع والخافض والرافع وما أشبه ذلك.
والقصد من معرفة هذه الأسماء أن يعرف العبد أنها لله تعالى فيرغب إليه أن يعزه، ويعلم أن من أذله الله فلا معز له.
ويرغب إليه أن يرفع قدره، ويعرف أن من خفضه الله فلا رافع له.
ويرغب إليه بالهداية، ويعلم أن من يضلل الله فما له من هاد، وهكذا بقية الصفات.
وذلك أن هناك فرقاً من المبتدعة كالمعتزلة الذين يعتقدون أنه لا يفعل إلا ما يقدر عليه، وأن العبد يفعل بغير قدرة الله -تعالى الله عن قولهم-، وأن العبد هو الذي يفعل باختياره وهو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا شك أن هذا فيه اعتراض على الله وحجر لصفته، وأنه لا يفعل أو لا يقدر إلا على ما يقدر عليه بدون بعض الأشياء التي لا يقدر عليها، فالله تعالى قد وصف نفسه بعموم القدرة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، وسيأتينا هذا إن شاء الله.
стр. 178
عموم قدرته تعالى وضلال المعتزلة
قال المؤلف ﵀: [قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) ] .
قال الشارح: (ذلك) إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه والكلام على (كل) وشمولها، وشمول (كل) في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.
وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء.
وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال.
وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] أي: لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]] .
يعتقد المسلمون ما أخبر الله به عن نفسه من عموم قدرته أنه على كل شيء قدير، وكلمة (شيء) يدخل فيها ما هو موجود وما هو معلوم مما يقدره الله تعالى، وتدخل فيها أعمال العباد، فيدخل فيها عمل العبد مثل عباداته وطاعاته وحسناته، وكذا سيئاته وخطاياه كلها داخلة في عموم (كل) في قوله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] ، فيدخل في ذلك كل الممكنات.
أما غير الممكن المستحيل فإنه لا يدخل في هذا العموم، مثل كون الشيء معدوماً موجوداً في آن واحد، فهذا من المستحيل أن يوجد ويعدم في آن واحد، أو يكون الشخص حياً ميتاً في آن واحد، ومثل ما يورده بعض المتعنتين فيقولون: هل يقدر الله أن يخلق مثل نفسه؟ نقول: هذا محال، ولا ينبغي الخوض فيه، فهو من المحال؛ حيث إنه تعالى هو المنفرد الذي ليس له شريك وليس له شبيه ولا معين.
والمعتزلة ينكرون هذا العموم (على كل شيء قدير) ، ويقولون: على ما يقدر عليه قدير.
ولا شك أن هذا فيه تنقص؛ فإنه بمعنى: قدير على ما يقدر عليه، ولا شك أن هذا لا فائدة فيه.
فقولهم: قدير على ما يقدر عليه، معناه أنه لا يقدر على كل شيء، وأن هناك أشياء لا يقدر عليها -تعالى الله عن قولهم- فيكون في هذا تنقص، فالآيات فيها العموم، فهو على كل شيء قدير عموماً لا يستثنى منه شيء مما يدخل في الإمكان.
وأما كلامهم في المعدوم هل هو شيء أو ليس بشيء، فالمعدوم -على الصحيح- لا يقال له شيء حتى يوجد، ولكن الله تعالى عالم بما يوجد من المعدومات التي توجد، وقادر على إيجاده في الوقت الذي قدر إيجاده، وإلا فقد نفى أن يكون المعدوم شيئاً في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ، وكذلك قوله تعالى مخاطباً لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] يعني: لم تكن موجوداً، بل كنت معدوماً وقد خلقتك، فنفى أن يكون المعدوم شيئاً على الوجود، ولكن هو في علم الله شيء إذا قدر أنه سيوجد، فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] .
فالله تعالى أخبر بأنه إذا قال للشيء كن وهو معدوم كان، فسماه شيئاً مع كونه معدوماً؛ لأنه يوجد إذا قال الله له: (كن) ، وهذا معنى أن أمره تعالى بين الكاف والنون، فخلقه للمعدومات التي قدر أنها توجد بقول: (كن) ، وهكذا حقق المحققون أن المعدوم شيء في علم الله، وليس شيئاً في الوجود فيما يرى ولا فيما يشاهد.
стр. 179
التشبيه والتعطيل وموقف أهل السنة منهما
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة، فهو موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه؛ إذ صفات المخلوق كما يليق به وصفات الخالق كما يليق به، ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم على البيان؛ فإنك إن نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد ﷺ ، وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه كنت كافرا به، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها.
وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي ﵀: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) ] .
بعض الآية الذي هو قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على طائفتين متقابلتين: إحداهما غلت في الإثبات، وهم الممثلة المشبهة.
والأخرى غلت في النفي وهم المعطلة النفاة.
فرد الله على الأولى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: لا تجعلوا لله مثلاً.
فليس له مثل في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله، لا في صفاته الفعلية ولا في صفاته الذاتية، أي: لا يشبهه شيء.
وذلك لأن الذين غلوا في الإثبات وجعلوا يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا.
أو قالوا: إنه يسمع بكذا وبكذا.
أو: إنه ينظر بكذا وما أشبه ذلك مما غلوا فيه إلى أن أثبتوا له خصائص المخلوقين لا شك أنهم قد وقعوا فيما هو كفر، ولهذا يقول نعيم: من شبه الله بخلقه فقد كفر.
ويقول آخر: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً, وهو الموحد الذي يثبت لله الصفات ويجعلها لله وحده لا يشبهه فيها شيء، وفي ذلك أيضاً يقول ابن القيم: لسنا نشبه ربنا بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه إن المعطل عابد البهتان والمعطل: هو الذي ينكر صفات الله، والذي ينفي أن الله متصف بصفات الكمال كالسمع والبصر والعلم المحبة والرحمة، وصفات الذات كاليد التي أثبتها لنفسه أو اليدين وكالعين والوجه وما أشبه ذلك من الصفات.
ولا شك أن من نفى ذلك فقد عطل الله تعالى، وتعطيل الصفات يلزم منه تعطيل الذات، فكأنه لم يثبت إلهاً يعبد.
стр. 180
شرح العقيدة الطحاوية [١٣]
من عقائد أهل السنة والجماعة اعتقادهم أن الله تعالى قدر الأقدار وضرب الآجال، فكل ما يجري في الكون من خلق وإحياء وإماتة وأعمال العباد؛ كل ذلك بتقديره وبعلمه، ولم يخالف في ذلك إلا من أعمى الله بصيرته عن الهدى، فلم يوفق للتسليم بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
следующие страницы →