← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نقض عبد العزيز المكي لأدلة المعتزلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشراً المريسي بين يدي المأمون بعد أن تكلم معه ملتزماً أن لا يخرج عن نص التنزيل، وألزمه الحجة، فقال بشر: يا أمير المؤمنين! ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال. قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: (اسأل أنت) . وطمع فيَّ، فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لابد منها: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن - وهو عندي أنا كلامه في نفسه-، أو: خلقه قائماً بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب، فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشراً فقد انقطع. فقال عبد العزيز: إن قال: خلق كلامه في نفسه فهذا محال؛ لأن الله لا يكون محلاً للحوادث المخلوقة، ولا يكون منه شيء مخلوقاً، وإن قال: خلقه في غيره؛ فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره، فهو كلامه فهو محال أيضاً؛ لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله، وإن قال: خلقه قائماً بنفسه وذاته فهذا محال؛ لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً علم أنه صفة لله. هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في الحيدة] . هي رسالة مطبوعة اسمها (الحيدة) كتبها عبد العزيز الكناني، ذكر فيها أنه لما اشتهر عن بشر المريسي أنه يقول: إن القرآن كلام الله حاول أن يجادله، فذكر أنه لما صلى مرة الجمعة قدم ولده أمام الناس، فسأله بصوت رفيع وقال: يا بني! ما تقول في القرآن؟ فقال بصوت رفيع: القرآن كلام الله، فلما سمع قبض عليه؛ لأن ذلك في زمن فتنة قد افتتن بها خلق كثير، وقد انتشر القول بأن القرآن مخلوق، وقد هددوا وتوعدوا من يقول بأن القرآن كلام الله، عند ذلك أحضر بين يدي المأمون وهو أحد خلفاء بني العباس، وكان ممن دخله كلام المعتزلة وزينوا له حتى اعتقد ما يقولونه بأن القرآن مخلوق. فلما حضر بين يديه أمره بأن يحضر من يناظره، فأحضر بشراً المريسي وهو رأس المعتزلة أو رأس الجهمية في ذلك الزمان، فتناظرا بين يدي المأمون، فكلما أتى بحجة قوية حاد عنها ذلك المعتزلي الجهمي، فسمى رسالته بالحيدة. وفي هذه المقالة أنه ألزمه بإحدى ثلاث، قال له: إذا قلت بأن القرآن مخلوق فلابد من واحدة من ثلاث: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن في ذاته، وإما أن تقول: خلقه في غيره. وإما أن تقول: إنه خلقه مستقلاً بنفسه. ولابد من واحدة، فحاد ولم يجب المريسي، ولم يستطع أن يتخلف، فشرحها الكناني ﵀ وقال: إذا قلت: إن الله خلقه في ذاته، فهذا محال؛ لأنه يكون محلاً للحوادث، والله تعالى منزه عن أن يكون محلاً للحوادث، أي: أنه لم يحدث له صفة كانت مفقودة، بل هو قديم بصفاته كما تقدم في قول المؤلف: (رازق قبل خلق من يرزقه، خالق قبل وجود الخلق) ، فبطل أن يكون خلقه في ذاته. وإذا قلت: إنه خلقه مستقلاً -أي أنه مخلوق مستقل اسمه القرآن- فيلزم بذلك أن نشاهد ذلك المخلوق، فالمخلوقات لابد أنها تشاهد، وأيضاً لا بد أنه يأتي عليه التغير. وقد سمعت أيضاً حكاية أن أحد الذين امتحنوا في القرآن لما أحضروه مرة قالوا له: ماذا عندك؟ قال: رأيت رؤيا. رأيت أني قمت في الليل لأصلي، فلما كبرت قرأت الفاتحة وقرأت سورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ، وفي الركعة الثانية قرأت الفاتحة وأردت أن أقرأ سورة الإخلاص فلم أستطع ولم أقدر، فرفعت رأسي فإذا القرآن مسجى، فقلت: ما هذا؟ قالوا: القرآن ميت، فأنزلته أنا ومن ومعي وغسلناه وكفناه وصلينا عليه، فقالوا له: القرآن يموت؟! قال: نعم، أنتم تقولون: إن القرآن مخلوق، وكل مخلوق يموت، فخاصمهم بذلك وبين لهم أن هذه وإن كانت رؤيا فإنها رد عليكم، فإذا قلتم: إن القرآن مخلوق منفصل مستقل يرى فلابد أنه يأتي عليه التغير، فيمرض ويشفى، ويكبر ويصغر، ويزيد وينقص، وينطق بنفسه، فهو مخلوق مستقل، فمن الذي لمسه؟ ومن الذي شاهده؟ القرآن إنما هو هذا الكلام الذي نقرؤه، فهو عرض من الأعراض، وإذا نطقنا به فإنا لا نشاهد الكلمات التي نتكلم بها تخرج ويراها من يراها، فهو عرض تكلم الله تعالى به ليس بمخلوق. وإذا قلتم: إنه كلام خلقه الله في غيره، لزمكم أن كل ما يتكلم به الناس فهو كلام الله خلقه في غيره، يعني: خلقه في ألسنة الناس وخلقه في قلوبهم، فما ينطقون به فهو من كلام الله. وقد طرد ذلك كثير من الملاحدة الذين يقال لهم: (أهل الاتحاد) ، حتى قال بعضهم: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فجعلوا كل ما ينطق به الناس كلام الله ولو كان كفراً، ولو كان هجاء، ولو كان شعراً، ولو كان سخرية أو ما أشبه ذلك، جعلوا كل ما تكلم به الناس من كلام الله تعالى، تعالى الله عن قولهم. فإذاً لما بطلت هذه الثلاثة ما بقي إلا أنه كلام الله ليس بمخلوق. قال المؤلف ﵀: [وعموم (كل) في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح، وذلك لأن المراد: تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير. وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام؛ إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمّل به أمر ملكها، ولهذا نظائر كثيرة. والمراد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] أي: كل مخلوق وكل موجود سوى الله فهو مخلوق فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره؛ لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه، كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله: (ما زال قديماً بصفاته قبل خلقه) ، بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم، فإذاً: كان قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) مخلوقاً لا يصح أن يكون دليلاً. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف:٣] فما أفسده من استدلال! فإن (جعل) إذا كان بمعنى (خلق) يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠-٣١] . وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى (خلق) ، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩١] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَة﴾ [البقرة:٢٢٤] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَة إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الإسراء:٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَة الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ [الزخرف:١٩] ونظائره كثيرة، فكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣٠]] . هذا دليل مما استدلوا به، وذكر نقضه، فالدليل الأول -كما تقدم- استدلوا بعموم (كل) في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] ، قال بشر المريسي لـ عبد العزيز الكناني: إن قلت: إن كلام الله شيء خاصمناك؛ لأنه داخل في هذه الآية، وإن قلت: إنه ليس بشيء ضللت وكفرت، وذلك لأن المحسوسات كلها داخلة في كل شيء. ولكن بشراً لما قال ذلك اعتقد أنه قد غلب الكناني، وأنه ظهر عليه بالحجة، فقال له الكناني: ما أمرتك بأن تجيب على الآية، دعني أتولى الجواب، فقال: إن القرآن شيء لا كالأشياء، القرآن شيء ولكن ليس كالأشياء التي في هذه الآية، والجواب الثاني هو ما سمعنا من أن كلمة (كل) قد ترد عامة، ولكن تأتي عامة بحسب ما يراد منها لا أنها يدخل فيها كل الأشياء. واستدل الشارح بدليلين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] يحكي الله تعالى عن الريح التي أرسلها على عاد أنها تدمر كل شيء، ومع ذلك بقيت أشياء موجودة ما دمرتها، فدل على أن كلمة (كل شيء) يراد بها: كل شيء يقبل التدمير. والدليل الثاني: قوله تعالى في قصة بلقيس ملكة اليمن: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] ، ومعلوم أن هناك أشياء لم تؤت منها كالذي أوتي سليمان، فإنه أوتي ذلك الصرح، وأوتي الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر، وسخرت له الشياطين كل بناء وغواص، ومع ذلك ما أوتيت مثل ذلك، وهي في زمنه، ومع ذلك ملكها لم يتجاوز الجهة التي هي بها، فإذاً قوله تعالى: (أوتيت من كل شيء) عام، ولكنه مخصوص بما يؤتاه مثلها.

стр. 247

نداء الله لموسى ودلالاته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنَ الشَّجَرَة﴾ [القصص:٣٠] على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها، وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَن﴾ [القصص:٣٠] ، والنداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي، ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَة الْمُبَارَكَة مِنَ الشَّجَرَة﴾ [القصص:٣٠] أي أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة. كما يقول: سمعت كلام زيد من البيت، فيكون (من البيت) لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ولو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] ، وهل قال: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) غير رب العالمين؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] صدقاً؛ إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله، وقد فرقوا بين الكلامين على أصلهم أن ذلك كلام خلقه في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقاً غير الله، وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد إن شاء الله تعالى] . مما استدلوا به -وهي شبهة داحضة- أن استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص:٣٠] قالوا: إن موسى سمع الصوت من الشجرة، فالشجرة هي التي تكلمت، أو خلق الله الكلام في الشجرة. فلذلك قالوا: إن كلام الله مخلوق، وهذا قول بعيد، ويقول المؤلف: إنهم عموا عما بعد الآية وعما قبلها، فإن قوله تعالى: (نودي) النداء يكون بصوت مسموع، وهذا مما استدلوا به على أن الله تعالى متكلم؛ حيث أثبت لنفسه النداء في عدة آيات، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠] وقال: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات:١٦] ، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم:٥٢] وقال: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢] ، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] ونحو ذلك، فالنداء من الله بكلام مسموع، فإذاً: قوله (نودي) ، يعني ناده ربه بكلام سمعه. وأما قوله تعالى: (في البقعة المباركة) يعني أنه نودي وهو في البقة المباركة التي ذكرها بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢] ، هذه البقعة ذكر الله بها البركة فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢] ؟ ثم قال: (من الشجرة) سمع الصوت من جهة الشجرة لا أن الشجرة هي التي نطقت، وإنما سمع الصوت من جهتها، ورأى تلك النار التي قال عنها: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه:١٠] أي: رأى ضوءاً يشتعل عند تلك الشجرة فظن أنه نار، فذهب ليأتي بوقود لأهله لعلهم يصطلون، وكان ذلك في شدة برد، فقال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧] ، فلما جاء إلى الشجرة سمع هذا النداء، وفي ذلك النداء قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٤-١٧] ، كل هذا تكلم الله به وسمعه، ولأجل ذلك يسمى موسى كليم الله، بمعنى أن الله كلمه وأسمعه كلامه، وليست هي الشجرة التي نطقت بذلك، وإنما سمع الصوت من جهة الشجرة، أي: جاء من تلك الجهة. كما يقول القائل: كلمني زيد من الدار، بمعنى أن الصوت خرج من الدار، لا أن الدار هي التي نطقت. فإذاً هذا دليل بعيد أن يتعلق به، وهذا من جملة أدلتهم الباطلة.

стр. 248

علاقة الأمينين بالقرآن الكريم قال المؤلف ﵀: [فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] وهذا يدل على أن الرسول أحدثه، إما جبرائيل أو محمد ﷺ ! قيل: ِذكْرُ الرسول معرَّف أنه مبلِّغ عن مرسله؛ لأنه لم يقل إنه قول ملك أو نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأ من جهة نفسه، وأيضاً: فالرسول في إحدى الآيتين جبرائيل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ؛ إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر، وأيضاً فقوله: ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٧] دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه، بل هو أمين على ما أرسل به يبلغه عن مرسله، وأيضاً فإن الله قد كفَّر من جعله قول البشر، ومحمد ﷺ بشر، فمن جعله قول محمد بمعنى أنه أنشأه فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر أو جني أو ملك، والكلام كلام من قاله مبتدئاً لا من قاله مبلغاً، ومن سمع قائلاً يقول: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قال هذا شعر امرئ القيس، ومن سمعه يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قال هذا كلام الرسول، وإن سمعه يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٢-٥] قال: هذا كلام الله إن كان عنده خبر ذلك، وإلا قال: لا أدري مِن كلام مَن هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذَّبه، ولهذا من سمع من غيره نظماً أو نثراً يقول له: هذا كلام مَن؟ أهذا كلامك أو كلام غيرك؟] . يقول: قد يعترض معترض بهذه الآية التي في سورة الحاقة وفي سورة التكوير، وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٢] وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] ، فالرسول هاهنا هو جبريل الذي بلغه عن الله، فمعنى قوله: (قول رسول) تبليغ رسول. ونأخذ من كلمة (رسول) أنه لم ينشئه، وأنه لم يقله من نفسه، وإنما بلغه حيث إنه مرسل. فالرسول هو الذي يحمل رسالة من غيره، فكل من حمل كلاماً أو حمل كتاباً فإنه يسمى رسولاً، تقول: أرسلت غلامي بكذا وكذا، أو: يأتيكم رسولي. أي: منتدبي. وأرسلت ابني إلى فلان. فالرسول بمعنى الذي يحمل رسالة، فهذا القرآن قول رسول، أي: قول جاء به رسول أرسل به، وذلك الرسول الذي ذكر في هذه الآيات هو جبريل ﵇، يبين ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] فهكذا قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] ، فوصف بأنه أمين في الموضعين، فيؤخذ من ذلك أنه مأمون على ما أرسل به، لا يدخل فيه زيادة ولا أي نوع من التغيير، بل يبلغه كما هو دون أي تحريف أو تغيير. إذاً لا متعلق في هذه الآية، بل الآية واضحة بأنه بلغه عمن أرسله، والذي أرسله به هو الله تعالى. ثم يقول: الكلام إنما يضاف إلى من قاله لا إلى من بلغه، فهو كلام الله، والرسول الذي بلغه سواءٌ أكان جبريل أم محمداً إنما منه التبليغ، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] ، وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٣٩] ، فالتبليغ معناه إيصال ما بعث به إلى المرسل إليهم كما هو دون نقص أو تغيير. فإذاًَ هو بلغه، ونشهد بأنه بلغ ما أرسل به إلى هذه الأمة، وأن الأمة قد حفظته. ثم يقول: الكلام يضاف إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من بلغه. فنحن نقولك: كلام الله وتبليغ جبريل. أي: نزل به جبريل، وقرأه وعلمه للأمة محمد ﵊، فهو كلام الله ولا يضاف إلى من بلغه، ويستدل على ذلك بأن الكلام يضاف إلى من ابتدعه بقولنا إذا سمعنا من ينشد: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل هذا بيت في أول قصيدة من المعلقات، وهو لـ امرئ القيس. فإذا سمعناه نقول: هذا كلام امرئ القيس، ولا نقول: هذا كلامك أيها المتكلم. وإذا سمعناك تقول -مثلاً-: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) هل نقول: هذا كلامك أيها المتكلم؟ نقول: هذا كلام الرسول ﵊. ونعرف أنه أول من قال هذا، وإذا سمعنا من يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢-٣] ونحن نعرف أنه كلام الله قلنا: هذا كلام الله، ليس كلامك أيها المتكلم الذي أسمعتنا، إنما أنت مبلغ. فإذاً هو كلام الله وتبليغ رسل الله.

стр. 249

شرح العقيدة الطحاوية [١٧] القرآن كلام الله لفظاً ومعنى، وهو قديم النوع حادث الآحاد، اتفق على هذا السلف والأئمة، وتوافرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولكن خالف بعض المتأخرين من أتباع المذاهب متأثرين بغيرهم، فزعموه معنى واحداً وكلاماً نفسياً وزعموا أن الموجود عبارة عن كلام، وفي كلام الإمام الطحاوي ما يرد عليهم تصريحاً وتلويحاً.

стр. 250

إثبات كلام الله والرد على المتأخرين المخالفين للسلف

стр. 251

اتفاق أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق واختلاف المتأخرين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، أو أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم. وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق مفترىً مكذوب، بل هو حق وصدق. ولا ريب أن هذا المعنى منتفٍ باتفاق المسلمين، والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقاً خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته، وأهل السنة إنما سألوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوباً مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه، ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع. ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦]] . قد تقدم عند سياق اختلاف الأمة في كلام الله أن هناك فرقة قالوا: كلام الله معنىً واحد قائم بذاته، وهذا قول الأشعرية والماتريدية، ولهذا قالوا: إنه معنىً واحد يعبر به بالعبرية فيصير توراة، وبالسريانية فيصير إنجيلاً، وبالعربية فيصير قرآناً، وهو معنىً واحد. وهذا قول باطل، ويقولون أيضاً: إن كلام الله تعالى هو المعنى لا اللفظ، ولهم أدلة ربما يأتي نقاش حولها. وهناك قول ثانٍ للمبتدعة أيضاً أن كلام الله حروف وأصوات تكلم بها بعد أن لم يكن متكلماً. وهذا أيضاً خطأ؛ فإن الله تعالى لم يزل موصوفاً بأنه متكلم ويتكلم إذا شاء. وقول أهل السنة: إن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وإنه لم يزل متكلماً ويتكلم إذا شاء، وإن القرآن من كلامه، وإن الكلام صفة مدح ليس هو مخلوق، فليس كلام الله مخلوقاً كما أن صفاته ليست مخلوقة، فليس شيء من صفاته مخلوقاً، فعلمه وقدرته وإرادته وحلمه ورحمته وصفاته الذاتية سمعه وبصره كل ذلك منسوب إليه ومضاف إليه، وليس شيء من ذلك مخلوقاً. وهنا ذكر الشارح عن بعض المعتزلة أنهم قد يوافقون ويقولون: نحن نقول: القرآن غير مخلوق، ولا يقولون: القرآن كلام الله، بل يقولون: غير مخلوق، ولكن هذه العبارة يعبرون بها عن معنىً صحيح يوافق عليه كل أحد، وهو أنهم يعنون أنه غير مفترى ولا مختلق ولا مكذوب، أي: أن محمداً لم يكن اختلقه ولا افتراه، وهذا يتسترون به، وإلا فهم يعتقدون أنه كسائر المخلوقات خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات. فإذا عرفنا مثل هذه الأقوال بقي أن يعتقد كل مسلم بأن القرآن الذي أنزله الله تعالى هو كلامه، وأنه صفة كمال، وأنه معجز بذاته، وأنه ليس بمخلوق ولا شيء من صفات الله مخلوقة، ويعتقد أن أهل السنة مجمعون من عهد السلف والصحابة على أن القرآن كلام الله تكلم به، وأنه من جملة كلامه، وأنزله وحياً، وجعله معجزة لهذا النبي خالدة باقية ما شاء الله أن تبقى، ما دام يعمل به، وهو منزل غير مخلوق، منه بدأ قولاً وإليه يعود، أي: يرفع في آخر الزمان عندما يترك العمل به، هذا قول أهل السنة، ولا عبرة بالأقوال الشاذة المبتدعة التي خالفت هذا القول.

стр. 252

كلام أبي حنيفة على كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي يدل عليه كلام الطحاوي ﵀ أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في الفقه الأكبر؛ فإنه قال: والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ وآله منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق. وما ذكره الله في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخباراً عنهم، وكلام الله غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم. وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى. فقوله: ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو صفة له في الأزل يعلم منه أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلاً وأبداً يقول: يا موسى؛ ويفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه: إنه معنىً واحد قائم بالنص لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره. وقوله: (الذي هو له صفة في الأزل) رد على من يقول: إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلماً] . نقل هنا كلام أبي حنيفة؛ لأن الشارح حنفي المذهب، والمصنف الذي هو الطحاوي حنفي أيضاً، والعقيدة مشهورة عند الحنفية، ولكن أكثر المتأخرين من الحنفية مالوا في باب الاعتقاد فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالإيمان، وفيما يتعلق بالقرآن، وانحرفوا بسبب من قرءوا عليه من الأشاعرة ونحوهم، ولكن الشارح ﵀ كان على عقيدة سلفية تلقاها عن مشايخه الذين اخلصوا له في التعليم فحسن اعتقاده، فاحتج على أهل ذلك المذهب بأقوال من يحترمونهم. فهذا الطحاوي ﵀ حنفي، وكلامه واضح في أن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء، وهذا أبو حنيفة صريح قوله في إثبات صفة الكلام لله ، وفي الاستدلال على ذلك بأن الله كلم موسى، وأن موسى سمع كلام الله منه إليه، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] . وكذلك ناداه وناجاه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] ، والنداء لا يكون إلا بكلام، والمناجاة التي هي كلام خفي بين اثنين لا تكون إلا بكلام، وكل ذلك استدل به أبو حنيفة على أن الله تعالى هو الذي تكلم بهذا القرآن، وأنه لم يزل متكلماً ويكلم من يشاء، واستدل أيضاً بأن ما في القرآن من حكاية كلام الأمم أو كلام الرسل أو غيرهم هو عين كلام الله. فنحن نقول: قال الله تعالى عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، فهذا كلام الله حكاه عن فرعون. كذلك نقول: قال الله تعالى عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢-٨٣] ، وقال تعالى عنه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] ، هذا كلام الله حكاه عن إبليس. وكلام إبليس، وكلام فرعون، وكلام قوم نوح لنوح في قولهم: ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢] ، وكذلك بقية الأمم كلامهم مخلوق؛ لأن الإنسان بجميع حركاته مخلوق، فالإنسان بجسمه مخلوق، وحركاته مخلوقة لله الذي خلقه وخلق حركاته، وكلماته أيضاً مخلوقة، فالله الذي يحرك شفتيه ويحرك لسانه، فهو الذي أنطقه بذلك كما أنطق في الآخرة الجلود والأيدي والأرجل ونحو ذلك. فالإنسان بجميع ما ينسب إليه مخلوق، وأما الرب تعالى بجميع صفاته فإنه ليس بمخلوق، بل صفاته كلها مضافة إليه من ذاته، ولا يجوز القول بأن شيئاً من صفاته مخلوق، ولا أنه حادث بعد أن لم يكن. وقد تقدم أن صفاته قديمة، لكن يقال: إن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، أي: أنه لم يزل متكلماً ويتكلم إذا شاء.

стр. 253

قبول ما جاء في كلام المعتزلة من حق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبالجمة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فهو حق يجب قبوله، وما يقوله من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منها. فإذا قالوا لنا فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث -بهذا المعنى- به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً مع صريح العقل] . يعني: أننا نقبل ما جاءوا به من الحق ونرد الباقي، فإذا قالوا: إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذاته. قلنا: هذا صحيح، ولكن قولهم: إنه معنىً واحد، هذا لا نوافقهم عليه، وذلك لأن فيه ذكر الجنة وفيه ذكر النار، فعلى أنه معنىً واحد لا يكون بين آية الوعد والوعيد فرق، وكذلك فيه ذكر العذاب وفيه ذكر الرحمة، وإذا كان معنىً واحداً لم يكن بين هذه الآية وهذه الآية فرق. فإذاً لا يوافقون على قولهم: إنه معنىً واحد، ولكن يوافقون على أنه قائم بذاته، كما أن سائر الصفات قائمة بالموصوف، فلا تعقل صفة إلا وهي قائمة بالموصوف، فالبياض لابد أن يكون قائماً بشيء أبيض، ولا يوجد منفصلاً، ولا ينتزع البياض من الثوب ويقبض عليه ويقال: هذا البياض انتزع، وكذلك الحمرة -مثلاً- والسواد لابد أن تقوم بشيء يوصف بأنه أبيض أو أسود أو أحمر، فكذلك الصفات، فالسمع لابد أن يقوم بمن يسمع، والكلام لابد أن يقوم بمن يتكلم ولا يقوم بذاته. فإذاً الصفات نوافق في أنها قائمة بذاته، ولكن نرفض قولهم: إننا إذا قلنا إنه يتكلم وإنه يعلم ويقدر يكون ذلك سبباً لكون الحوادث تقوم به. وهذه أكبر شبهة يتشبثون بها، فيرمون أهل السنة بأنهم يقولون إن الحوادث تقوم بذات الله. على معتقدهم أن الله تعالى قائم بذاته وبأفعاله، وأنه لا يحدث منه شيء بعد أن لم يكن، وهذا خطأ، بل الله تعالى يحدث ما يشاء، فيسمع ما يحدث بعد أن لم يكن حادثاً، يسمع الأصوات التي حدثت بعد أن لم تحدث، ويرى الأشخاص الذين تجدد خلقهم بعد أن لم يكن متجدداً. والرؤية جنسها قديم وهي حادثة، فيقال: بصر الله تعالى وصفته بأنه يرى قديم، ولكن هذا الإبصار حادث، ولا يلزم قيام الحوادث بذات الله.

стр. 254

اختلاف ما جاءت به الرسل عما عليه المبتدعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، كما قالت عائشة ﵂ في حديث الإفك: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى. ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذراً من التشبيه فلا يثبتوا صفةً غيره؛ فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا. وكذلك سائر الصفات، وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أو حي لا تقوم به الحياة، وقد قال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) . فهل يقول عاقل: إنه ﷺ عاذ بمخلوق؟! بل هذا كقوله: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك) ، وكقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) ، وكقوله: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) ، كل هذه من صفات الله تعالى، وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة] . يتكلم هنا على قولهم: إنكم تقولون: إن الحوادث تقوم بذات الله. وهذا تنقص لله؛ حيث جعلتم صفاته حادثة، أو جعلتم الحوادث تقوم به، وذلك لأن أخص الصفات عند المعتزلة هي صفة القدم، فهذه أخص ما يصفون الله بها، فيمتنعون عن إثبات شيء متجدد، فيقولون: إذا أثبتنا أن الله يتكلم الآن صار الكلام متجدداً، وصار قائماً بالذات، وإذا أثبتنا أنه يعلم صار هذا العلم جديداً بعد أن لم يكن موجوداً. فيرد عليهم بأنه لا تعقل صفة قائمة بذاتها، بل لابد أن تكون الصفة قائمة بالموصوف، فلا تقوم صفة بغير موصوف أبداً. ويوجد في هذه الأزمنة شيء قد يتعلقون به، ولكن لا تعلق لهم بذلك، وذلك في الأشرطة التي تحفظ الكلام أو تسجله، ومعلوم أنها لا تنطق بنفسها وإنما تحفظ كلاماً قد تكلم به إنسان فتعيده بلهجته، فيقال: هذا صوت فلان وهذا كلام فلان تكلم به وحفظ! فيقال: هذا الكلام قام بهذا الشريط بعد أن قام بالمتكلم، فالكلام صدر من متكلم ولم يكن الكلام صدر من غير متكلم. وكذلك الأشرطة الضوئية أو الأفلام التي تسجل الأشخاص والحركات إذا رئي فيها شخص قيل: هذا فلان وهذه حركته، ولا يقال: إن هذه الحركة قامت بنفسها. أو إنه ليس هناك متحرك؛ إذ لا تكون حركة إلا من متحرك، ولا يكون سمع إلا من سميع، ولا يكون قول إلا من قائل، فلهذا يعرف أن كلام الله ليس بمخلوق. ومن الأدلة على ذلك أن الرسول ﵊ استعاذ بكلام الله في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما أجد وأحاذر) ، وكذلك قوله: (أعوذ بعزة الله) (أعوذ بعظمة الله) كل ذلك استعاذة بصفة من صفات الله، لا يلزم منه أنه استعاذ بمخلوق، فعرف بذلك أن هذه الصفات قائمة بالموصوف لا يمكن أن تنفصل بنفسها، ولا يمكن أن يوجد كلام إلا من متكلم قام به ذلك الكلام. ولا يقال: إن قولهم: تقوم به الحوادث فيه محذور، بل يقال: هو الذي يفعل هذه الأشياء وتحدث بعد أن لم تكن حادثة، ولكن هو عالم بذلك كله قبل أن يوجد، فهو عالم بما سيحدث، ولا يقال: حدث له علم تجدد، وهو أيضاً عالم بما تكلم به وسوف يتكلم، ولا يقال: حدث له كلام بمعنى أنه لم يكن يعلمه، بل هو عالم بكل شيء، فعرف بذلك أن هذا لا متمسك لهم فيه.

стр. 255

مخالفة متأخري الحنفية في كلام الله لما عليه السلف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول، وهذه العبارة مخلوقة، وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام. قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً. وهذا الكلام فاسد؛ فإن لازمه أن معنى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف] . المؤلف حنفي، ولكن هو ممن وفقه الله لأخذ العلم عن مشايخ اعتقدوا عقيدة سلفية فتلقى تلك العقيدة عنهم، وتأثر بشيخه عماد الدين بن كثير صحاب التفسير ﵀، وابن كثير تأثر بـ ابن تيمية حيث إنه قرأ عليه فصلحت عقيدته وأصلح غيره، ولهذا ينقل الشارح كثيراً عن ابن تيمية وعن تلميذه ابن القيم وإن لم يصرح بالنقل عنهما؛ وذلك لأنه لو نقل عنهما بالصراحة لنبذ كلامه لكون كثير من الحنفية لا يقبلونهما لأسباب. أولاً: لأنهما من الحنابلة. وثانياً: لأنهما في نظر أكثر المتأخرين قد ارتكبا خطأً كبيراً بإظهار هذه العقيدة التي ليس عليها أحد في زمانهما. فالشارح يحكي أن الحنفية يقولون بهذه المقالة التي ذكر، فاعتقادهم أن كلام الله معنىً واحد ليس متعدداً. ورد عليهم بأن هذا القول قول فاسد، حيث جعلوه معنىً واحداً إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن أو بالعبرية فهو التوراة أو بالسريانية فهو الإنجيل كما يقولون، وإلا فهو معنىً واحد، فيرد عليهم بأن هذا فيه إبطال لما تضمنه القرآن، وعلى قولهم تكون آية الكرسي مثل آية الدين، وهل يقول هذا عاقل؟ وهل يقول عاقل إن سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١] كصورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فهل المعنى الذي في هذه هو المعنى الذي في هذه؟ وكل عاقل يعرف أن هذه لها مدلول وهذه لها مدلول، وهكذا آية الرحمة غير آية العذاب، وآية ذكر الجنة غير آية ذكر النار، فالذي يتأمل هذه المقالة يعلم بعدها عن الصواب، ومع ذلك فقد قال بها جموع كثيرة، وجمع غفير انخدع بذلك واعتقد أنه هو القول الصواب، وتلقوه عن مشايخهم. وشبهتهم التي اعتمدوا عليها هو خوفهم من أن يقولوا: إن الله متكلم، واعتقادهم أن الكلام لا يصدر إلى من ذات، وأنه يحدث، وأن الله منزه عن أن تقوم به الحوادث، وقد عرفت بطلان هذه المقالة.

стр. 256

رد قول من يقول: إن القرآن عبارة عن كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى؛ فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧] ، ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب قراءته. بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر، وهو الذي في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: المكتوب في المصحف كلام الله فهو منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته فهم منه معنىً صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به، فهم منه معنىً صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف، كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى ونحو ذلك، وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه كلام الله ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب] . ينبه على أن كتب الله تعالى متضمنة لكلامه، وكل كتاب منها محتو على معاني غير المعاني التي في الكتب الأخرى، فالتوراة فيها أحكام، والإنجيل فيه أحكام أخرى، ولهذا قال عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] ، فجاء بالتخفيف عن بني إسرائيل في أشياء قد حرمت في التوراة، وكذلك الزبور فيه مواعظ وفيه أذكار وفيه تنبيهات وفيه تذكير، وكذلك القرآن فيه أحكام -كما هو معروف- وفيه أوامر ونواه، وفيه قصص وأمثال ونحو ذلك. فإذاًَ كيف يقول عاقل: إن المعنى الذي في التوراة هو المعنى الذي في الإنجيل، وهو المعنى الذي في الزبور، وهو المعنى الذي في القرآن، وأن هذا عين هذا إلا أنها اختلفت العبارة، فهذا عربي وهذا عبري وهذا سرياني؟ ونقول: هذا من أبعد البعيد، ومن أمحل المحال. ثم ذكر أيضاً أن القرآن معروف أنه لا يمسه إلا المطهرون، وعلى قول هؤلاء الأشاعرة ونحوهم أنه عبارة، بمعنى أنه تعبير غير كلام الله، كأن الذي عبر به إما جبريل وإما محمدٌ أو غيرهما، فجعلوا كلام الله المعنى، وهما عبرا عنه بمنزلة المترجم الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة. وأنت إذا سمعت إنساناً ينقل الكلام من العربية إلى الأوروبية تقول: هذا تعبير فلان المترجم، فعلى قولهم: القرآن تعبير محمد أو تعبير جبريل لا أنه نفس كلام الله، فإنه إذا كان تعبيراً لغير الله لم يكن له حرمة، وعلى هذا يجوز أن يقرأه الجنب، ويجوز أن تقرأه الحائض، ويجوز أن يمس المصحف من هو محدث ولو حدثاً أكبر؛ لأنه ليس فيه كلام الله، إنما فيه عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله، وأما الحروف والألفاظ فليست هي كلام الله، إذاً لا يبقى له حرمة، وهذا خطأ. والمسلمون مجتمعون على أنهم يقولون: هذا كلام الله، وهذا المصحف فيه كلام الله. فقولهم: فيه كلام الله معناه أنه مكتوب فيه، وإذا قالوا: في هذا المصحف مداد فالمعنى حبر كتب به، مداد أسود، ومداد أحمر، فالمراد أن المداد مخلوق؛ لأنه كتب به، ولكن المكتوب هو كلام الله، وأما المداد الذي كتب به فهو مخلوق، ولهذا يقول القحطاني في نونيته: ومدادنا والرق مخلوقان. يعني: إن حبرنا والصحيفة مخلوقان، وأما الكلام فإنه ليس بمخلوق. ويقول الشارح: أنت تقول: في هذا القرآن السماوات والأرض والأمم. أي: أن ذلك مكتوب فيه، فموجود فيه ذكر السماوات، ولكن إذا قلت: فيه مداد وفيه حبر وفيه أوراق كان لك مقصد، وإذا قلت: في هذا المصحف السماوات والأرض والجنة والنار صدقت في أنها موجودة، أي: مكتوبة فيه، وإذا قلت: فيه كلام الله صدقت؛ لأنه مكتوب فيه كلام الله الذي كتب فيه. فالحاصل أن اعتقاد المسلمين أنه كلام الله ينفي ويبطل ما يقول هؤلاء المبتدعة من أن القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ عبارة أو حكاية عن كلام الله لا أنه عين كلام الله. وقد كتب شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في ذلك رسالة عندما استقدم بعض الأشاعرة للتدريس في هذه البلاد، وكأنهم أرادوا إظهار معتقدهم من أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله، فألف في ذلك رسالة طبعت ونشرت، وهي أيضاً موجودة في مجموع رسائله، قراءتها تبين منهج أهل السنة والرد على من يقول: إن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله لا أنه نص أو غير كلام الله. بل نحن نقول: هو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.

стр. 257

الفرق بين القراءة والمقروء في استعمال لفظ القرآن يبطل من جعل كلام الله معنى واحداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ والمقروء الذي هو قول الباري، ومن لم يهتد له فهو ضال أيضاً، ولو أن إنساناً وجد في ورقة مكتوباً: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) من خط كاتب معروف لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا (كل شيء) حقيقة، وهذا خبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى. والقرآن في الأصل مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ، وقال ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) . وتارة يذكر ويراد به المقروء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ، وقال ﷺ : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين. فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي، ولكن الأعيان تعلم ثم تذكر ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة، وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان] . معلوم أن هناك فرقاً بين القراءة والقارئ، أو بين القراءة والمقروء، فيكون عندنا قارئ وقراءة ومقروء، فالقارئ هو الإنسان الذي حرك شفتيه ولسانه، والقراءة هي الصوت الذي سمعناه، والمقروء هو الكلام الذي نطق به، فحركات لسانه وشفتيه مخلوقة، ولكن المقروء الذي قرأه ليس بمخلوق، ولهذا يقول العلماء إذا عرفوا ذلك: الصوت صوت القارئ والقول قول الباري. فالصوت الذي تسمعه تضيفه إلى القارئ فتقول: هذه قراءة بصوت القارئ فلان، ولكن اللفظ -الكلام- المقروء الذي قرأه تقول عنه: هذا كلام الله، وسمعت كلام الله بصوت القارئ فلان الذي قراءته وصوته حسن، وفيه خشوع وفيه تذلل. وتأتي القراءة بمعنى (المقروء) وتأتي كلمة (القرآن) بمعنى (القراءة) واستدل الشارح على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ، فهنا المراد القراءة، وقراءة صلاة الفجر، أي: القراءة التي تقرأ في صلاة الفجر مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فعبر عن القراءة بالقرآن. وكذلك قول النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) ، المراد القراءة، فهنا فسر أو عبر بالقرآن عن القراءة. وأحياناً تستعمل كلمة (القرآن) ويراد بها (المقروء) أي: الكلام الذي يقرأ وهو كلام الله، كما في الآيات الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤] . وقوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٧] . يعني: قراءته. فإذا عرفنا أنه حيثما قرئ وحيثما كتب فهو كلام الله نقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى المكتوب في المصاحف المسموع بالآذان المقروء بالألسن. ونقول أيضاً: إن كل هذه التصرفات لا تخرجه عن كونه كلام الله. ونقول: إن المخلوق من ذلك هو ما للآدميين، فالأوراق مخلوقة، والمداد الذي يكتب به مخلوق، والأيدي التي كتبت أو الحروف التي يطبع بها مخلوقة، ولكن نفس الكلام غير مخلوق بل هو كلام الله تعالى، وكل ما يضاف إلى الله فليس بمخلوق. فالحاصل أنه كيفما كتب وكيفما قرئ لن يخرج عن كونه كلام الله تكلم به حقيقة، ويمثل لذلك بأن كل من سمع كلاماً نسبه إلى صاحبه ونسبه إلى من تكلم به، فإذا سمع شعراً من شعر لبيد -مثلاً- قال: هذا كلام لبيد. ولبيد أحد الشعراء المشهورين، وقد مدح النبي ﷺ كلمته هذه فقال: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ، فإذا رأيت ورقة مكتوباً فيها شطر هذا البيت قلت: هذا كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا كلمة (كل شيء) فـ (كل شيء) موجودة في هذه الورقة حقيقة، والثلاث الحقائق لا تنافي بينها، حقيقة وحقيقة وحقيقة. فإذاً إذا سمعت في الإذاعة صوت قارئ من القراء قلت: هذا كلام الله حقيقة، وهذه إذاعة القرآن حقيقة، وهذه سورة القصص حقيقة، ولا تنافي بين هذه الحقائق، فكلام الله وقراءة فلان وإذاعة القرآن وما أشبه ذلك الجميع تقول فيه: إنه حقيقة، ولا تخالف بين الحقائق. فإذاً كيف يدعون أنه لا يمكن أن يكون القرآن يعبر به عن شيئين ما دمنا نعرف أنه يعبر به عن القراءة في قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، يعني: القراءة، ويعبر به عن المقروء لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ! وكلا التعبيرين لا ينافي الآخر؛ فكذلك بقية الحقائق.

стр. 258

الفرق بين كون القرآن في زبر الأولين وفي كتاب مكنون قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفرق بين قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] ، أو ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] ، أو ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] ، أو ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨] واضح. فقوله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] أي: ذكره ووصفه والإخبار عنه. كما أن محمداً مكتوب عندهم في القرآن، وأنزله الله على محمد ﷺ لم ينزله على غيره أصلاً، ولهذا قال: (في الزبر) ولم يقل: في الصحف. ولا في الرق؛ لأن الزبر جمع زبور، والزبر هو الكتابة والجمع، فقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد، ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس، وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: ذكره. بخلاف قوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] و ﴿لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] و ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨] ؛ لأن العامل في الظروف إما أن يكون من الأفعال العامة مثل: الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر (مكتوب في كتاب) أو (في رق) . والكتاب تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب، ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه؛ فإن تلك إنما يكتب ذكرها، وكلما تدبر الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق] . هذا وصفٌ القرآن بمثل هذه الأشياء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] فما معنى كون القرآن في زبر الأولين؟ هل المعنى أنه أنزل على الأولين؟ ليس كذلك، فما أنزل إلا على نبينا ﷺ ، إذاً هو مذكور في زبر الأولين، والزبر هي الصحف واحدها زبور، أي: ذكر هذا القرآن ومدحه موجود في تلك الصحف التي أنزلت على الأنبياء السابقين، فهذا معنى كونه (في زبر الأولين) ، مثل أن تقول: محمد ﷺ في التوراة، أي: مذكور في التوراة. وفي الإنجيل، أي: مذكور اسمه أو وصفه أو نبوته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، يعني: ذكره وصفته واسمه ونبوته وآياته ومعجزاته، فالذين قرءوا التوراة يعرفون وصفه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] . فالقرآن في زبر الأولين معناه أنه مذكور فيها ذكره وليس نفس القرآن، ومحمد في كتب الأولين ذكره. أما قول الله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢] ، ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٨] ، فهذا معناه: أن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ. وذلك لأن الرب سبحانه لما خلق الخلق أمر القلم فجرى بما هو كائن، وكتب الكلام الذي تكلم به في ذلك اللوح المحفوظ الذي يسمى (أم الكتاب) ويسمى (الإمام) ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] ، ويسمى (الكتاب المكنون) فالقرآن في الكتاب المكنون الذي هو اللوح المحفوظ، أي: مكتوب فيه سوره وآياته وحروفه وكلماته، وموجود في اللوح المحفوظ، وموجود في الكتاب المكنون الذي قال تعالى عنه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] ، والذي هو تنزيل من رب العالمين، فلا فرق بين هذا وبين هذا. وليس كما يدعون أنه لم يكن موجوداً ثم خلق، أي: خلقه الله كما خلق الإنسان، وكما خلق سائر المخلوقات، ولو كان كذلك لما سماه تنزيلاً، والله قد أخبر بأنه منزل وبأنه تنزيل، ولم يذكر أنه مخلوق ولا أنه خلقه، ولو كان مخلوقاً لذكره في موضع واحد حتى يحمل عليه بقية الأماكن الذي فيها ذكر التنزيل.

стр. 259

سماع كلام الله تعالى وتبليغه وما يفهم من ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم، وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارئ كلام الله. وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وهو لا يسمع كلام الله من الله وإنما يسمعه من مبلغ عن الله، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، ولم يقل: حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله. والأصل الحقيقة، ومن قال إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس فيها كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة، وكفى بذلك ضلالاً] . في هذا الكلام بيان أن كلام الله تعالى هو الحروف والمعاني وأن الله تكلم به حقيقة، ولكن بلغه رسوله، فكلم به الرسول الملكي، ونزل به الملك على الرسول البشري، كما أخبر النبي ﷺ في كيفية نزول الوحي في قوله: (أحياناً يأتيني الملك في صورة رجل فيكلمني فأعي ما يقول) يعني أن من الوحي ما يكون نزوله عليه أن يتمثل له الملك في صورة رجل. ومعلوم أن كلام الله تعالى مسموع بالآذان، ولهذا قال تعالى في هذه الآية من سورة التوبة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، فصرح بأنه كلام الله. وفي آيات أخرى التصريح بذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] ، فـ (الكتاب) يعني: الكتابة (إلا أماني) أي: تلاوة دون فهم، وعبر بذلك عن القراءة، ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] . والحاصل أن سماع كلام الله ممكن، ولكن هل المراد أنه يسمع كلام الله من الله؟ لا. بل المراد ممن يقرؤه عليه ويخبره بأنه كلام الله، إنما الذي سمع كلام الله وصرح بأنه سمعه موسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فأخبر الله بأن موسى سمع كلام الله منه إليه، وكذلك نبينا ﷺ لما أسري به كلمه الله منه إليه. فكل ذلك يفيد أن كلام الله تعالى مسموع، والمسموع هو هذا الصوت الذي نسمعه من القارئ، ومعلوم أننا لا نقول: إن الصوت هو صوت الله، تعالى الله، وإنما نقول: المتكلَم به هو كلام الله، والذي أسمعنا إياه هو هذا القارئ، فسمعنا كلام الله من هذا القارئ، فهذا الفرق في السماع بين القراءة والقارئ، بين المقروء والقارئ.

стр. 260

رد الطحاوي على من زعم أن القرآن معنى واحد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الطحاوي ﵀ يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وإن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه، فإن الطحاوي ﵀ يقول: (كلام الله منه بدأ) ، وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدأ وإليه يعود. وإنما قالوا: (منه بدأ) لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل فبدأ الكلام من ذلك المحل، فقال السلف: (منه بدأ) أي: هو المتكلم به فمنه بدأ لا من بعض المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] . ومعنى قولهم: (وإليه يعود) أنه يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف، كما جاء ذلك في عدة آثار] . قولهم: (منه بدأ وإليه يعود) صريح في رد قول المعتزلة الذين ادعوا أنه خلقه، وأن الذي تكلم به البشر فلا يكون كلام الله، إنما يكون كلام ذلك الذي ابتدأ الكلام منه، وإذا كان مخلوقاً فمعناه أن الله تعالى خلقه في غيره، وإذا خلقه غيره كان ذلك الغير هو الذي ابتدأ منه، وهو أول من تكلم به. فإذاً السلف أصدق في قولهم في نص القرآن: إنه كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، أي: ابتدأ الكلام من الله تعالى فهو الذي تكلم به، ويقول العلماء أيضاً -بل والبلغاء- إن الكلام إنما يضاف إلى من قاله ابتداء لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، فالذي ابتدأ -مثلاً- رسالة وكتبها من إنشائه ثم أعطاها قارئاً يقرؤها يقال: هذه من كتابة أو من إنشاء زيد وسمعناها من عمرو، فالقارئ إنما بلغ، والمبتدئ بالكلام هو الذي أنشأ. فهكذا نقول: سمعنا كلام الله من قراءة فلان. وقد ورد في الأحاديث أن القرآن في آخر الزمان يرفع، وذلك عندما يقل العمل به، فعندما لا يبقى أحد يعمل به يرفع من الصدور وينسخ من المصاحف فتصبح المصاحف بيضاء ليس فيها شيء، وذلك علامة على انقضاء الدنيا وقرب زوالها، وذلك عندما يهان كلام الله ولا يبقى من يعمل به، وهذا معنى قولهم: (وإليه يعود) أي: يرد إليه سبحانه ويرفع من هذه الحياة، ولا شك أن رفعه مصيبة كبيرة، ولكن الذين يرفع من بين أيديهم لا يشعرون بالمصيبة، بل لا يهمهم، بل ربما يهينونه كما في بعض الدول، ففي بعض الدول هناك بعض الملاحدة والزنادقة والشيوعية والمنافقين يدوسون كلام الله بأحذيتهم -تعالى الله-، وعليهم ما يستحقونه من عقاب الله! فإذا انتشر هذا الكفر في الأرض وأطبق على البلاد كلها ولم يبق أحد يعرف حرمة كلام الله تعالى، عند ذلك يرفع هذا القرآن ولا يبقى منه حرف، وهذه منذرات أو أمارات على قرب انقضاء الحياة الدنيا، لكن نحن في هذه الحياة مازلنا نرى من يعظمه ويحترمه ويقرؤه ويتلوه، وإننا نؤمل خيراً إن شاء الله.

стр. 261

معنى أن القرآن بدأ من الله بلا كيفية قولاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (بلا كيفية) أي: لا تعرف كيفية تكلمه به (قولاً) ليس بالمجاز، (وأنزله على رسوله وحياً) أي: أنزله إليه على لسان الملك فسمعه الملك جبرائيل من الله، وسمعه الرسول ﷺ من الملك وقرأه على الناس، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦] ، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] ، وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى] . يقول بعض العلماء: إنه تتبع ذكر القرآن فوجد ذكره في هذا المصحف في أكثر من خمسين موضعاً، وغالباً يذكر بلفظ الإنزال والتنزيل، ولم يذكر بلفظ (الخلق) وذكر بلفظ (الجعل) في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] ، ولكن فسر الجعل بأنه التصيير، يعني: صيرناه عربياً، حيث إنه أنزل على قوم من العرب ليفهموه وليعلموه لمن بعدهم أو لغيرهم. فهذا القرآن ذكر بلفظ الإنزال كقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] ، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] ، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] ، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] ، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وكل ذلك دليل على أنه منزل من الله، واستدلوا بذلك أيضاً على صفة العلو؛ لأن النزول لا يكون إلا من فوق. فالقرآن منزل من الله تعالى، والله تعالى فوق سماواته كما يشاء والقرآن نزل منه، والذي نزل به هو الملك، والذي نزل عليه هو الرسول، وكذلك الرسل قبله أنزلت عليهم هذه الكتب التي هي مضمنة للشرائع التي شرعت لهم، فالتنزيل يدل على أنه نزل بعد أن كان تكلم الله تعالى به وكتبه في اللوح المحفوظ وأمر به الملك فأنزله على رسوله فأصبح متلواً مقروءاً مكتوباً، ولم يخرج بذلك كله عن كونه كلام الله .

стр. 262

اختلاف إنزال القرآن عن إنزال المخلوقات المعبر به في القرآن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، وإنزاله الحديد، وإنزال ثمانية أزوج من الأنعام. والجواب أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله، قال تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١-٢] ، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] ، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] ، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٣-٥] ، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] . وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] ، والسماء العلو. وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن، والمزن السحاب، وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات، وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال؟ فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديدة أجود، والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل ولم ينزل. ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل، وعلى هذا فيحتمل قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر:٦] وجهين: أحدهما: أن تكون (من) لبيان الجنس. الثاني: أن تكون (من) لابتداء الغاية. وهذان الوجهان يحتملان في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى:١١] ،] . ذكر الشارح هذا الاعتراض على آيات التنزيل التي وصف الله بها القرآن، فالله تعالى كلما ذكر القرآن ذكره بلفظ الإنزال ولم يذكره بلفظ الخلق، فلم يقل: (خلقنا القرآن) ، وإنما يقول: (أنزلنا) ثم يزيد على ذلك أنه منزل من الله أو من عند الله، ولا شك أن هذا يدل على الاختصاص. وكلمة الإنزال تعرف العرب أن معناها لا يكون إلا من الأعلى، فإذا قيل: أنزله فالمعنى: جاء به من بعد أن كان رفيعاً. تقول: أنزلت الدلو في البئر أو نزلته إذا دليته من أعلى إلى أسفل، وتقول: نزل فلان من السطح ومن الجبل ومن ظهر المركوب الذي هو راكبه، أي: نزل منه بعد أن كان مرتفعاً. فلما كان الإنزال من العلو فالقرآن كذلك نازل من العلو، نازل من السماء، نازل من الله تعالى، منزل من ربك، فهذا حقيقة ما ذكر الله عن القرآن. وليس مثل إنزال المطر، فإنزال المطر مقيد بأنه من السماء، أو بأنه من المزن، أو بأنه من المعصرات ونحوها، وإن كان الله هو الذي أنشأه وخلقه فيها، وإنزال الحديد معناه خلقه وإيجاده ولكن أوجده في علو ثم نزل إلى سفل، فالمعادن والمناجم عادة تكون في جوف الأرض، فهي مخلوقة في الجبال ثم تذوب وتنزل إلى جوف الأرض أو نحو ذلك، وكذلك قد يعثر عليها وهي في رءوس الجبال فينزلونها من الجبال، ولا شك أن ذلك كله إنزال حقيقي، فهو إنزال، ولكن لم يقل: إنه من عند الله، فحصل بذلك الفرق الكبير بين إنزالها وإنزال القرآن.

стр. 263

إثبات الطحاوي أن القرآن كلام الله حقيقة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً) الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على الوجه المذكور وإنزاله، أي: هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق. وقوله: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية) رده على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر، وفي قوله: (بالحقيقة) رد على من قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه، وإنما هو الكلام النفساني؛ لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به: إن هذا كلام حقيقة، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلماً، ولزم ألا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله. كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك الشخص عبارته على المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عند ذلك المعنى. وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان الله تعالى لا يسميه أحد أخرس، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنىً قائماً بنفسه لم يسمع منه حرفاً ولا صوتاً، بل فهم معنىً مجرداً ثم عبر عنه، فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي، أو أن الله خلق في بعض الأجسام كالهواء الذي هو دون الملك هذه العبارة. ويقال لمن قال إنه معنى واحد: هل سمع موسى ﵇ جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال بعضه فقد قال: يتبعض، وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئاً من كلامه. ولما قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] ، ولما قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] وأمثال ذلك، هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال: بعضه، فقد اعترف بتعدده] . قوله في المتن: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة) ، أكده بقوله: (حقيقة) ليبين أن عقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه ليس أحدهما فقط، وفي ذلك رد على طائفتين: الطائفة الأولى: الذين قالوا إنه مخلوق، وهم المعتزلة الذين ورثوا الجهمية؛ فإنهم قالوا: إنه خلقه كما خلق السماوات والأرض والإنسان والحركات ونحوها. الطائفة الثانية: الذين زعموا أن كلام الله هو المعنى ليس هو اللفظ، وعلى زعمهم لا يكون الله متكلماً، وإنما هذا الذي نقرؤه عبارة أو حكاية أو ترجمة لكلام الله، والذي عبر به هو الملك كأنه ألهمه إلهاماً، فالملك في زعمهم ألهم إلهاماً فعبر عما ألهم، وأنزل إلى الرسل ذلك المعنى، فهو الذي صاغ هذه العبارة، وعلى هذا نقول: إنه كلام الملك لأنه الذي صاغه، فهو كلام جبريل أو كلام الرسل، لا أنه كلام الله. ولا شك أن هذا فيه إبطال النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٥] ، وقوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، وقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] ، وقوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، وأشباه ذلك كثير. ولو كان كذلك لكان الله تعالى موصوفاً بأنه لا يتكلم -تعالى الله عن قولهم- ويلزم على ذلك أن يكون ناقصاً؛ لأن عدم القدرة على الكلام نقص في حق كل عاقل، فكل عاقل يرى أن الكلام ميزة وأن نفيه نقيصة، وهؤلاء قد وصفوا الرب تعالى بالنقيصة. ثم أجاب عليهم الشارح، فقال: أنتم تقولون: إن موسى سمع كلام الله، ولكنه لم يسمع إلا المعنى. فهل سمع جميع ما ينسب إلى الله من الكلام أو سمع بعضه؟ وإذا قلتم: سمع بعضه. فلابد أن يكون ذلك الذي سمعه سماعاً حقيقاً، لا أنه معنوي، ونقول بعد ذلك: إن الله تعالى كلم بعض خلقه، فقال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦] أخبر تعالى أنه كلم هؤلاء، ولا شك أن هذا صريح في أنه كلام مسموع، وأنه ليس هو كلام الله كله؛ لأن كلام الله تعالى لا يحصى، ودليله قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] . فكلام الله لا نهاية له، فلو قدر أن أشجار الأرض كلها من أول ما خلقت الدنيا إلى نهايتها كلها أقلام، والبحار مع سعتها ومعها سبعة أمثالها من البحار انقلبت حبراً يكتب به، فكتب بذلك الحبر وبتلك الأقلام لتكسرت الأقلام، ولنفدت البحار قبل أن يفنى كلام الله. هذا مفاد هذه الآيات، فإذاً كيف يقال: إن كلام الله له نهاية، وإنه هو المعنى فقط؟! هذا لا شك أنه تنقص للرب ، وهكذا أيضاً وصفه بأنه لا يتكلم وأن الكلام إنما هو عبارة أو حكاية عنه.

стр. 264

شرح العقيدة الطحاوية [١٨] لا يخفى مذهب أهل السنة في كلام الله تعالى، لكن خالفهم فيه الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، فزعموا أن القرآن عبارة عن كلام الله، واستدلوا بأدلة باطلة، مما جرهم إلى القول بما يبعدهم عن الصواب ويلحقهم بالمبتدعة.

стр. 265

الرد على الأشاعرة في قولهم: إن كلام الله حديث نفس وإن القرآن عبارة عنه

стр. 266

مسمى الكلام عند الفرق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معاً. وهذا قول السلف. الثاني: اسم اللفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه. وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم. الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دالٌ عليه. وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه. الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى. وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية. ولهم قول يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائماً بغير المتكلم، بخلاف كلام الله فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، وهذا مبسوط في موضعه. وأما من قال إنه معنى واحد واستدل عليه بقول الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فاستدلال فاسد، ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد. ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به، فكيف وهذا البيت قد قيل إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه؟! وقيل: إنما قال: (إن البيان لفي الفؤاد) وهذا أقرب إلى الصحة. وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به، فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى عليه الصلاة السلام نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت، أي: شيء من الإله بشيء من الناس، أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟ وأيضاً فمعناه غير صحيح؛ إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلماً لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع منه، والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة] . ذكر الشارح أن الفرق لها في مسمى الكلام عدة تعريفات: فمنهم من يقول: إن الكلام اسم للفظ وللمعنى جميعاً، اللفظ الذي هو الحروف، والمعنى الذي اشتملت عليه تلك الحروف وتلك الكلمات. والنحويون عندهم تعريف الكلام يقولون: إنه ما أفاد وصيغ بالألفاظ العربية وتركب من كلمتين فأكثر، فأما إذا كان من كلمة واحدة فلا يسمى كلاماً، وهكذا إذا لم يفد فلا يسمى كلاماً، وهكذا إذا كان مركباً ولكن ليس بالألفاظ العربية فلا يسمى كلاماً. وهناك من يقول: إن الكلام هو الحروف والكلمات التي ينطق بها، وأما المعاني التي اشتمل عليها فلا تدخل في مسمى الكلام. وهذا قول المعتزلة. وهناك قول ثالث بعكسه، وهو أن الكلام هو المعنى، وأما الحروف فإنما هي دالة عليه. وهناك قول رابع أنه مشترك بينهما. وعلى كل حال فهذه الأقوال كلها خطأ إلا القول الأول، وهو أن الكلام اسم للفظ وللمعنى جميعاً، لا يسمى كلاماً إلا إذا كان له معنى مفيد، وكان بالحروف التي يسمعها المتكلم، ولو كان الكلام مصوغاً بغير العربية سميناه كلاماً بلغة أهله، فهناك الأعاجم لهم عدة لغات، ونسمي لغاتهم كلاماً، فنقول: تكلم بلغته، ولا نفهم كلامه، ونقول له: فسر لنا كلامك، فنسميه كلاماً إذا فسره بلغة نفهمها. فعلى هذا يكون الكلام العربي اسماً لموصوف بالحروف وبالكلمات التي استعملتها العرب إذا كانت ذات معان مفهومة عند الذين وضعوا اللغة وعند الذين تكلموا عليها. فإذاً: القرآن كلمات وحروف، وجمل وآيات وسور، وكل جملة لها معنى مستقل، وقد تكون الآية فيها عدة جمل، كآية الكرسي، فقد اشتملت على عشر جمل: الجملة الأولى: قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيها إثبات الإلهية. الجملة الثانية: قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] مشتملة على اسمين من أسماء الله مؤكدين لوصفه. الجملة الثالثة: قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] نفي لهذين النقصين، والسنة النعاس، والنوم معروف إلى آخر ما في الآية. ففيها عشر جمل كل جملة ذات معنى، فتسمى الجملة كلاماً، فيقال: هذه الجملة من كلام الله، ويقال كذلك في بقية القرآن: إنه مشتمل على كلمات وجمل ذات معانٍ، كل جملة دالة على معنى يفهمه من تعلمه وعرفه، ويترجم إلى لغة أخرى لمن لا يفهمه، وهذا القول هو الصحيح؛ فالكلام اسم للفظ والمعنى، وكلام الله اسم للحروف والكلمات مع المعاني التي دلت عليها تلك الكلمات.

стр. 267

الرد على الأشاعرة في استدلالهم بشعر الأخطل وذهبت الأشاعرة إلى أن الكلام هو المعنى، وأنه معنى قائم بنفس الله تعالى، وأنه فهمه الملك مما أشير له إشارة، وجعلوا ما يقوم بالنفس هو الكلام، واستدلوا بهذا البيت الذي نسبوه إلى الأخطل، وهو قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقد جعلوه عمدتهم، فتراهم دائماً يستدلون به في كتبهم، وهو استدلال فاسد. ويحتج عليهم بالأحاديث التي في الصحيحين، فيردونها ويقولون: هذا خبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن. فيردونه، ويردون أحاديث النزول مع أنه رواها نحو عشرة من الصحابة، ويقولون: أخبار آحاد لا نقبلها ولو كانت في الصحيحين، ويردون أحاديث الاستواء والكتابة، كقوله: (إن الله كتب كتاباً فهو موضوع عنده على العرش: أن رحمتي سبقت غضبي) ، فيردون أحاديث الرحمة، ويردون أحاديث المحبة ونحو ذلك، ويقولون: إنها آحاد إنما تفيد الظن. فيقال لهم: عجباً لكم! تردون أحاديث الصحيحين وتحتجون بهذا البيت؟! وهذا البيت هل هو متواتر أو هو خبر واحد؟ لم يخرج عن كونه خبر واحد، بل ربما لا أصل له، وما نقل هذا البيت بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف، وإنما تتناقلونه وتنسبونه إلى الأخطل، وقد قال ابن القيم في نونيته: ودليله في ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني هذا دليلهم فيما يقال، ويقول شيخ الإسلام في قصيدته اللامية: قبحٌ لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل إنما دليلهم هذا البيت الذي نسب إلى الأخطل، ثم بحث عنه المحققون في ديوان الأخطل فلم يجدوه، فدل على أنه مصنوع مكذوب، قاله من نسبه إلى الأخطل , ورواه بعضهم بلفظ: (إن البيان لفي الفؤاد) بمعنى أن القلب هو الذي يملك صاحبه أن يقدر على البيان، وهذا هو الأليق على تقدير ثبوت هذا البيت. ولو قدرنا أنه من كلام الأخطل فهل يكون كلام الأخطل حجة؟ فـ الأخطل نصراني ولو كان عربياً، وهو من نصارى العرب أصر على نصرانيته، وقد دعوه إلى الإسلام فامتنع أن يقبل الإسلام وبقي على نصرانيته، وقد وفد على عمر بن عبد العزيز وطلب أن يدخل عليه ليجيزه جائزة، فقال: أليس هو الذي يقول: ولست بقائد عيسي بكوراً إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بقائم كالعير يدعو قبيل الصبح حي على الفلاح ولست بصائم رمضان طوعاً ولست بآكل لحم الأضاحي ولكني سأشربها شمولاً وأسجد عند منبلج الصباح هذه عقيدته، يتمدح بأنه سيشرب الخمر، ويسجد إذا طلعت الشمس أو غربت الشمس للشمس، ويتمدح بأنه لا يحج البيت، ويتمدح بأنه لا يأكل لحم الأضاحي، ويشبه المؤذن الذي يؤذن حي على الفلاح بأنه كالعير فيقول: ولست بقائم كالعير يدعو قبيل الصبح حي على الفلاح فهل يقبل مثل هذا؟ وهل يكون كلامه حجة؟

стр. 268

صلة شعر الأخطل بعقيدة النصارى ثم يحتج عليهم الشارح بأنه تكلم على عقيدة النصارى؛ وذلك لأن النصارى ضلوا في مسمى الكلام الذي نحن في تعريفه، فعندهم أن عيسى نفس كلمة الله، فيقولون: إنه نفس الكلمة، وإنه هو الكلمة. والصحيح أنه خلق بها لا أنه هي. يقولون: إن قوله: (كن) هو نفس الكلمة، فعيسى هو الكلمة، وهو (كن) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] ، فهو خلقه وقال له: (كن) ، كما خلق آدم وقال له: (كن) ، وسمي كلمة الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ منه﴾ [النساء:١٧١] والكلمة التي ألقاها هي قوله: (كن) ، فـ (كن) كلام الله، خلق بها كما خلقت سائر المخلوقات بقول: (كن) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . فالنصارى ضلوا في هذا الباب، واعتقدوا أن عيسى نفس الكلمة، وإذا كان هذا شاعراً نصرانياً، فإنه تكلم بالبيت على عقيدة النصارى، فكيف نقلد النصارى فيما اعتقدوا؟ وهذا كله على تقدير أن البيت ثابت. ثم لسنا بحاجة إلى الاستدلال بأقوال النصارى، وكتاب الله وسنة نبيه وكلام العرب واضح في أنه يسمى المتكلم متكلماً، والذي لا يتكلم يسمى أخرس، ومعلوم أنه قد يقوم بقلب الأخرس كلام، وقد يشير إليه، وإذا أشار إليه فهم منه، فمعناه أن الأخرس الذي لا ينطق- وهو الأبكم- يسمى متكلماً على قول هؤلاء الأشاعرة، فعرف بذلك أنه لا دلالة لهم في ذلك، وأن القول الثابت والصحيح أن الكلام هو اللفظ والمعنى جميعاً، ليس هو المعنى الذي يستشهد له بهذا البيت. قال رحمه الله تعالى: [وهنا معنى عجيب، وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت؛ فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق. فإفهام المعنى (القديم) بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى عليه الصلاة السلام، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه] . اللاهوت عندهم الإله، والناسوت: الناس، والنصارى يدعون أن اللاهوت اتصل بالناسوت، فتكون منهما هذا الإنسان، وتبعهم على هذا الاعتقاد أيضاً ملاحدة يقال لهم: أهل الاتحاد وأهل الوحدة. فعندهم أن اللاهوت متصل بالناسوت ومتحد معه، وفي ذلك يقول حلاجهم: سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب حتى بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب هذا معناه لعنه الله، ولا شك أن هذا أكفر الكفر، ولا شك أن الله تعالى هو الخالق وما سواه المخلوق، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، فكلام النصارى في قولهم: إن عيسى هو عين الكلمة، وإن الكلمة جزء من ذات الرب شبيه بقول الاتحادية الذين يزعمون كزعم النصارى أن اللاهوت اتحد بالناسوت، وأصبح شيئاً واحداً، وأن من جملة ذلك عيسى، فإنه وجد من أنثى، ولكن بعد اتصال اللاهوت بالناسوت. وجلود المؤمنين تقشعر من أن يتصور هذا التصور، ولكن قلوب أولئك صدت عن معرفة الحق وزين لهم هذا الباطل والعياذ بالله.

стр. 269

عدم بطلان الصلاة بحديث يرد قول الأشاعرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرد قول من قال بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله ﷺ : (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) ، وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة) ، واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته، واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام] . معلوم أن الكلام هو ما يسمع، فالساكت لا يقال إنه تكلم. فإذا جلست إلى إنسان وهو يحدث نفسه، هل تقول: إنه تكلم بكذا وكذا؟ فما دام أنه صامت ما نطق بكلمة فإنك لا تقول: إنه تكلم، ولو أنه منذ جلست يحدث نفسه. ثم مثل الشارح بقوله ﵇: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) ، وهذا حديث معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى مع النبي ﷺ ، فعطس رجل في الصلاة، قال: فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت وأنا في الصلاة: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون أفخاذهم، ففهمت أنهم يسكتونني، فسكت، فلما خرجت دعاني رسول الله ﷺ فقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الذكر والدعاء وقراءة القرآن) ، فجعل هذا كلاماً يبطل الصلاة، ولكنه عذره بكونه جاهلاً لم يشعر بأن ما يقوله مبطل. والحديث الثاني: (إن مما أحدث الله ألا تتكلموا في الصلاة) يعني: مما تجدد به الوحي أن لا تتكلم في الصلاة، وكانوا أول ما فرضت يكلم أحدهم أخاه بحاجته، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام، فالكلام الذي يبطل الصلاة هو اللفظ الذي يسمع، والكلمات التي ينطق بها الإنسان وتخرج من بين شفتيه، ويسمعها من حوله. فلو أن إنساناً قال لآخر عمداً: أنصت، أو قم، أو تعال، أو نحو ذلك متعمداً وهو عالم أنه في صلاة بطلت صلاته، وإنما رخصوا في الكلام الذي من مصلحة الصلاة أو نحوها، أو من مكملاتها كأركان الصلاة، وكالتسبيح عندما ينوب الإمام شيء، أو ما أشبه ذلك. فالكلام الذي يسمع وهو من غير أركان الصلاة يبطل الصلاة، وهل تبطل بحديث النفس؟ الجواب لا تبطل. فمعلوم أنا لا نسلم غالباً -نستغفر الله- من حديث النفس، وأينا لا يحدث نفسه؟! كما روي أن ابن سعد قال لأبيه: يا أبت! أرأيت قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ فقال: ليس بذاك، إنما سهوا عن وقتها. يعني: يؤخرونها حتى يخرج وقتها؛ لأنه قال: (عن صلاتهم) ، ولم يقل: في صلاتهم، فالسهو في الصلاة وإن كان ينقص لكنه لا يبطلها، ولأجل ذلك يقع السهو كثيراً من المصلي، ولأجل ذلك شرع سجود السهو، علم الله أنه يحصل السهو فيزيد المرء في الصلاة بسبب اشتغال قلبه وبسبب حديث نفسه، وينقص منها، ويقدم أو يؤخر أو نحو ذلك؛ وذلك لأن قلبه قد يشتغل بشيء من حديثه أو من أموره الدنيوية، فيغفل عما هو مقبل عليه فيسهو، فحديث النفس لا يسمى كلاماً، ولو كان يسمى كلاماً لبطلت به الصلاة؛ لأنه ﵇ قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) ، فعلم أن حديث النفس لا يسمى كلاماً. ولأجل ذلك يرد على هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام هو ما يقوم بالنفس. بل نقول: ليس كذلك، إنما الكلام هو ما يسمع وما ينطق به المتكلم، هذا هو حقيقة الكلام، وأما غير ذلك فإنه يسمى وسوسة، أو حديث نفس، أو سهواً، أو ما أشبه ذلك.

стр. 270

صحة اعتقاد أهل السنة في كلام الله فمن عقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله، وأن الكتب المنزلة على الأنبياء كلها كلام الله، وأن الله تعالى أقام بها الحجة على العباد، وأنه ضمنها شرائعه، وأنه أنزلها معجزة لأنبيائه، وأنها كلامه حقاً حروفاً ومعاني، هذه العقيدة الراسخة التي يعتقدها أهل السنة. ولا عبرة بمن أنكر كلام الله، أو أنكر صفة من صفاته الثابتة، سواءٌ أكانت صفة فعلية أم صفة ذاتية، وذلك لما قام عندهم من الشبهات التي شككوا بها على من انتحل تلك النحل واعتقد تلك العقائد الزائغة؛ حيث إن عقيدة أهل السنة مبنية على الأصل الذي هو النقل الصحيح والفطرة السليمة، وقد أيدوا ذلك بأن هذا القرآن أنزله الله معجزة لأنبيائه، وأنه ضمنه شرائعه، وأنه بعث به رسله وأمرهم بأن يبلغوا ما نزل إليهم، وجعل وظيفتهم البلاغ، فقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ولأجل ذلك سموا رسلاً؛ لأنهم بعثوا من ربهم، أرسلهم وجعل شرائعهم رسائل، فالشرائع التي جاءوا بها سماها رسائل حيث إنهم حملوها من ربهم. فالرسل هم الأنبياء، والرسائل هي الشرائع، والمرسل هو الله تعالى، والمتضمن لذلك هو القرآن الذي ضمن هذه الشريعة، فمن صدق به عرف أنه كلام الله الذي أرسل به رسله وقبله وعمل بما فيه، ومن شك فيه أو توقف فيه ولم يقبله حق القبول ويعمل به حق العمل فهو زائغ. وقد أثبت أهل السنة أن صفة الكلام صفة كمال، وأن نفيها نقص، وردوا على المعتزلة الذين قالوا: إن الله لا يتكلم أصلاً، وإن هذا القرآن مخلوق. وردوا أيضاً على من يقول: إن كلام الله هو المعنى دون اللفظ، وإن كلام الله نفسي. أي: من يجعلون القرآن حروفاً مخلوقة أو عبارة عن كلام الله، وأن الكلام هو المعنى دون اللفظ، وهذا يقوله الأشاعرة، وتقدم أنهم يستدلون ببيت الأخطل الذي يقول فيه: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ورد عليهم الشارح بأن هذا بيت مختلق لا يصلح أن يكون دليلاً، لم يقله الأخطل وليس في ديوانه، وقيل إنه إنما قال: (إن البيان) ، ويتعجب الشارح من استدلالهم بهذا البيت الذي ليس له سند، ولا يروى بإسناد صحيح، مع أنهم يردون أحاديث الصحيحين، ويقولون: إنها أخبار آحاد، وهذا البيت أقل مرتبة من أخبار الآحاد. ويرد عليهم أيضاً أنه على تقدير ثبوته فإنه بيت لرجل نصراني، والنصارى لا يقبل كلامهم في هذا الباب؛ وذلك لأنهم ضلوا في مسمى الكلمة، فادعوا أن عيسى هو نفس الكلمة تعالى الله عن قولهم، فعلى تقدير ثبوته عن الأخطل فقد قاله على معتقده، فلا يصير دليلاً لأهل السنة.

стр. 271

حديث التجاوز عن حديث النفس يرد قول الأشاعرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) ، فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب] . هذا رد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى، أو: إن كلام الله هو ما يقوم بنفسه، وأما اللفظ فهو عبارة، وهم الذين استدلوا بالبيت السابق، حيث جعلوا الكلام هو ما يقوم بالقلب، وجعلوا اللسان دليلاً عليه. يقول: من الرد عليهم هذا الحديث؛ إذ يقول ﵊: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) . وحديث النفس: هو الوساوس التي تخطر على القلب، فهذه مما عفا الله عنه، بل قد يكتبها حسنات، ففي الحديث: (إذا هم العبد بالحسنة ولم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإذا هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة قال الله تعالى: إنما تركها من جرائي) أي: من أجلي. فالهم الذي هو حديث النفس معفو عنه، فالعبد لا يؤاخذ على ما يهم به ولا على ما يحدث به نفسه، إنما يؤاخذ على ما يتكلم به، فإذا تكلم وسمع كلامه ترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا يصدق حتى على الأمور الحكمية، فلو أن إنساناً حدث نفسه أن يطلق امرأته وعزم على ذلك بقلبه، ولكنه لم يتكلم بكلمة فيما يتعلق بذلك، وإنما كان ذلك حديث نفس، ثم بعد ذلك رجع لم تطلق زوجته بمجرد عزمه بقلبه، فلا تطلق إلا إذا تكلم بذلك أو كتب أو أشهد. فكذلك إذا حدث نفسه -مثلاً- بأنه سوف يزني، أو سوف يسرق، أو سوف يقتل فلاناً، أو سوف يشرب خمراً، أو يترك صلاة أو زكاة أو نحو ذلك، فحديث نفس طرأ عليه ولكنه ما فعله، فإن ذلك مما يعفى عنه، ولو كان حديث النفس يسمى كلاماً لما عفي عنه؛ فإن الله تعالى يؤاخذ على الكلام، وذلك لأنه عمل. فإذاً حديث القلب ووسواس النفس وما يجري فيها من الخطرات ليس كلاماً، ولا يؤاخذ به العبد.

стр. 272

حديث دخول الناس النار بسبب حصائد ألسنتهم يرد قول الأشاعرة قال المؤلف ﵀: [وأيضاً في السنن أن معاذاً ﵁ قال: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ، فبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظاً ومعنى. ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر، ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر؛ فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك] . يعني أن لفظة الكلام معروفة لا تحتاج إلى أن يستشهد عليها، ولا أن يقال: إنها تؤخذ من قول الشاعر الأخطل أو نحوه، فإنها لفظة معروفة، ومعلوم أنه إذا قيل: تكلم فلان أنه نطق وقال وحرك لسانه وشفتيه، وظهر له صوت يفهمه من يعرف لغته، وكتب عليه ذلك الكلام إما في سجل حسناته أو في سجل سيئاته، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي: ما يتكلم من كلمة يتلفظ بها إلا وهناك ملكان يكتبانها: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] ، ولم يذكر أنه يكتب ما خطر بالقلب، إنما يكتب ما تكلم به اللسان خيراً أو شراً. وهكذا أيضاً هذا الحديث الذي ذكر، لما قال النبي ﷺ لـ معاذ: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى. فقال: كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه، قال معاذ: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) ، فأخبر بأنهم إنما يعاقبون على ما تلفظوا به، لا على ما وسوست به النفس، ولا على ما تكلم به القلب. فإذاً الكلام والقول إذا قيل: قال، يقول، قل، تكلم، يتكلم، تكلم، كلاماً، متكلم، فالعرب تعرف أن المراد أنه يختص بالنطق الذي هو صياغة الكلام بالحروف العربية، كما أنهم يعرفون أن الرأس هو مجمع الحواس الذي هو أعلى الجسد، وأن اليد اسم للكف والذراع والعضد التي يحصل بها القبض والبطش، والرجل اسم للقدم والساق والركبة والفخذ التي يحصل عليها القيام والمسير ونحو ذلك، فلا يحتاج إلى أن يقال: ما هي اليد؟ فإذا قيل: ما هي اليد -والذي يسأل عربي- نقول: أما تعرف يدك؟ أما تعرف رأسك؟ أتحتاج كلمة الرأس إلى تفسير؟ فكذلك كلمة (الكلام) و (القول) لا تحتاج إلى تفسير، ولا تحتاج إلى أن يستشهد عليها بقول الأخطل أو بغيره، بل هو معنى يعرفه كل عربي نشأ في بلاد العرب، ويترجم إلى اللغات الأخرى بالكلام الذي يفهمه أهل تلك اللغة.

стр. 273

وقوع الأشاعرة في القول بخلق القرآن قال المؤلف ﵀: [ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق؛ فقد قال بخلق القرآن وهو لا يشعر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] . أفتراه يشير إلى ما في نفسه، أو إلى المتلو المسموع؟ ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع؛ إذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا مسموع، وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه سبحانه يقول: (لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه) ؟ وما في نفس الله لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه] . قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] الإشارة هل هي إلى المعنى أو إلى اللفظ؟ لا شك أن الإشارة إلى هذه الكلمات والآيات الموجودة في المصاحف، فهو الذي يسمى سوراً وآيات وكلمات وحروفاً، ومجموعه هو القرآن، أشار الله إليه بقوله: ﴿بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٨] . هل الإعجاز بالنسبة إلى المعنى الذي في نفس الرب تعالى الذي قام به؟ إنه يستحيل أن يعلم أحد ما يقوم في نفس الرب سبحانه، وقد حكى الله عن نبيه عيسى أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] . فإذاً: الذين يقولون إن كلام الله هو ما يقوم بنفسه، وإن هذا القرآن عبارة أو حكاية عنه، وليس هو عين كلام الله؛ لا شك أنهم قد جعلوا هذا القرآن مفترى ومخلوقاً، وجعلوا الإنسان قادراً على أن يأتي بمثله، فجعلوه إما من صياغة الملك، وإما من صياغة محمد ﷺ ، وحاشاه أن يكون منه ذلك، وحكى الله عنه أنه يقول: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس:١٦] لبث فيهم قبله أربعين سنة، فكيف مع ذلك جاء به بعد هذه المدة وافتراه وقاله من قبل نفسه، ولو أنه أوحي إليه المعنى وقيل له وعليك صياغة اللفظ، وعليك صياغة الكلمات لكان ذلك من إنشائه لا من إنشاء الله سبحانه، فعلم بهذا أنه لما نزه نفسه عن أن يقول إنه كلامه، صدق عليه أن اللفظ والمعنى كله من كلام الله. وهذا هو الصحيح، والإشارة بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤] أي: على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والإشارة إلى الحروف والمعاني، لا على ما يقوم بذات الرب أو بنفسه ؛ فإن ذلك غير ممكن الاطلاع عليه ولا معرفته.

стр. 274

إلزام الأشاعرة بأشد مما لزم المعتزلة قال المؤلف ﵀: [فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته، وهو المتلو المكتوب المسموع فأما أن يشير إلى ذاته فلا، فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء مثله وشبهه، وهذا تصريح بأن صفات الله تعالى محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! ويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف، وليس القرآن إلا سوراً مسورة، وآيات مسطرة، في صحف مطهرة، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] ، وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ، وقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٤] ، ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات، قال ﷺ : (أما إني لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين. قال الشيخ حافظ الدين النسفي ﵀ -في المنار-: إن القرآن اسم للنظم والمعنى. وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية. وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن يكون مجنوناً فيداوى، أو زنديقاً فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل بنظمه ومعناه] . كل هذا رد على هؤلاء الذين يزعمون أن كلام الله هو المعنى دون الحروف، فيقول لهم: إذا كان كذلك؛ فإذاً ليس هو كلام الله، وإنما هو كلام من أنشأه ومن نظمه هذا النظم، وهذا الذي نظمه إما أنه في زعمكم الملك الذي أنزله، أي: أنه أخذ المعنى ونظمه بهذا النظم، وإما أنه الرسول، بمعنى أنه ألقي في قلبه وفي روعه المعاني فصاغ لها عبارات باللغة التي يحسنها، فعلى هذا لا يكون هذا القرآن كلام الله، وعلى هذا يجوز أن يقرأ بأي لغة، ويجوز أن يقرأ بالمعنى، ويترك اللفظ، ويكون الأجر على المعنى لا على الحروف، وهذا خلاف ما ورد، وذلك يتبين من وجوه. أولاً: الإعجاز الذي أعجز هذا البشر أن يأتوا بمثله ليس هو بالمعنى؛ فإن المعاني يقدرون على أن يصوغوها، فإذا فهمت -مثلاً- معاني آية الكرسي استطعت أن تصوغ لها معاني مثلها وأن تعبر عنها، كما حصل في التفاسير، فإن أهل التفاسير صاغوا معانيها بعباراتهم، فلو كان الإعجاز هو الإتيان بالمعنى لم يكن هناك إعجاز، أي أن التلاوة التي فيها أجر إنما هي تلاوة هذه الحروف، لقوله ﵊: (من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، فقد جعل هذه الحروف عين المتلو وعين كلام الله، وهي التي يكون عليها الأجر والحسنات، فلو كان المعنى هو المطلوب لأباح لنا أن نقرأ بالمعنى ونحصل على الأجر وعلى الحسنات. ثانياً: القرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز أن يتعبد به بغير لغتهم، وقد روي عن أبي حنيفة أنه أجاز الصلاة باللغة الفارسية، يعني: أن تترجم الفاتحة إلى اللغة الفارسية، ثم يقرأ بها في الصلاة، ولكن أبا حنيفة قال ذلك أولاً ثم رجع عنه، ولم يوافقه على مقالته أحد من الأئمة، بل كلهم قالوا: لا تجزئ الصلاة إلا بالحروف العربية. حتى قالوا: وكذلك في الخطب وفي الأذان وما أشبههما، لا تجوز إلا باللغة العربية، فمن صرفها إلى لغة أخرى لم يأت بالواجب، فإذا خطب بلغة أعجمية لم تجزئه خطبته، أو قرأ الفاتحة بلغة أعجمية لم تجزئه قراءته ولم تصح صلاته، أو قرأ التشهد بلغته التي ليست عربية لم يصح تشهده، أو أذن بغير اللغة العربية لم يصح أذانه، وهكذا سائر شرائع الإسلام. فلما كان ذلك دل على أن هذه الألفاظ العربية الموجودة في المصاحف مطلوبة منا، وعلى هذا يكون لها مزية، ولماذا حصلت لها هذه المزية؟ لأنها عين كلام الله، ولو كانت عبارة أو حكاية عنه لما كان لها ميزة عن عبارة سائر الناس، فإذا كان عبارة محمد، أو عبارة جبرائيل، أو عبارة صحابي آخر لم يكن له ميزة عما نعبر به نحن، أو عما يعبر به فلان؛ لأن الجميع كله من إنشاء الإنسان لا من كلام الله، لا أنه عين كلام الله، تعالى الله عن ذلك. فإذاً عرف بذلك أن هذا الكلام نفسه هو عين كلام الله حروفه ومعانيه.

стр. 275

من قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله فقد قال إنه قول البشر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (ومن سمعه وقال: إنه كلام البشر فقد كفر) ، لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله، بل قال: إنه كلام محمد أو غيره من الخلق، ملكاً كان أو بشراً. وأما إذا أقر أنه كلام الله ثم أوَّل وحَرَّف فقد وافق قول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان، وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إن شاء الله تعالى] . صاحب المتن -وهو الطحاوي - عبارته هنا تقتضي تكفير من يقول إن هذا القرآن قول البشر. وما ذاك إلا أن الله كفر من قال ذلك، فقد حكى الله عن بعض المشركين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨-٢٥] ، فالشاهد قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، فجعله أولاً سحراً يؤثر، ثم صرح بأنه قول البشر. فهؤلاء الذين يقولون: إنه إنشاء محمد قد أشبهوا هذا الكافر الذي قال: إنه سحر يؤثر، إنه قول البشر، وتوعده الله فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، وهذا وعيد شديد، وهو عام لكل من زعم أن هذا القرآن قول البشر لا أنه قول رب البشر، والذين يعتقدون أنه كلام الله يعرفون أن الله تعالى هو الذي تكلم بما شاء، وأنزله وحياً على نبيه، وأمر نبيه أن يبلغه إلى أمته باللفظ والمعنى، فعلى هذا يكون البشر جميعاً كلهم يقرءونه على أنه كلام الله، لا على أنه كلام لأحدهم. فالحاصل أن من ادعى أنه ليس هو عين كلام الله، وأن كلام الله هو المعاني دون الألفاظ ودون الحروف، فقد أبطل هذه النصوص وادعى أن كلام الله إنما هو المعنى. وهذه الطائفة هي طائفة الأشاعرة، وهم من أكثر الطوائف انتشاراً في القرون الوسطى؛ إما لأنهم تمكنوا وكثروا وصار الخلفاء يقربونهم، فصاروا يؤلفون وينصرون بذلك معتقدهم، واشتهر هذا القول وكثرت الكتابة فيه، وتستر الذين يقولون بقول الحق؛ لكونهم قلة وأذلاء فاستخفوا، ولم يستطيعوا أن يصرحوا بما يعتقدونه طوال أكثر القرون؛ في القرن الرابع والخامس والسادس وأغلب السابع، وفي آخر القرن الثامن ظهر من يقول بالحق ويصدع به، فقيض الله للأمة من انتصر انتصاراً شديداً لقول الحق، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قرأ عليه، ومن انتفع به من تلاميذه وأهل زمانه إلى أن وصل الأمر إلى مؤلف هذا الشرح. فهؤلاء الذين في هذه القرون الكثيرة وكذلك من بعدهم لا شك أنهم ذوو منزلة، فلأجل ذلك توقف العلماء في الحكم عليهم، قالوا: هل نحكم على هؤلاء كلهم أنهم كفار؛ حيث إنهم يقولون: إن كلام الله هو المعنى، وليس كلام الله هو الحروف، ويقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه. ففي زعمهم أن الكلام إنما يخطر ممن تقوم به الحوادث كما يدعون ذلك، فعند ذلك توقفوا وقالوا: نعذرهم باجتهادهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى ولا نكفرهم، ولكن من قامت عليه الحجة وانقطع عذره، ومات مصراً على ذلك، نتبرأ منه وأمره إلى الله تعالى، ولا نصرح بكفره.

стр. 276

إعجاز القرآن في اللفظ والمعنى دليل على أنه كلام الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا يشبه قول البشر) ، يعني: أنه أشرف وأفصح وأصدق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود:١٣] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨] ، فلما عجزوا -وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة - عن الإتيان بسورة مثله، تبين صدق الرسول ﷺ أنه من عند الله. وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي: باللغة العربية. فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف، وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] ، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقَِّ﴾ [آل عمران:١-٣] الآية، ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١-٢] ، وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس:١] . وكذلك الباقي، ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه بل خاطبكم بلسانكم. ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبرائيل منه، كما يتذرعون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] إلى نفي الصفات، وفي الآية ما يرد عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، كما أن في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨] ما يرد على من ينفي الحرف؛ فإنه قال: ((فأتوا بسورة)) ولم يقل: (فأتوا بحرف أو بكلمة) وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك. والله أعلم] . هذا رد على هؤلاء الذين يدعون أن هذا القرآن ليس هو كلام الله إنما كلام الله هو المعنى دون اللفظ، وقد عرفنا أن الإعجاز الذي تحدى الله به البشر هو المعنى واللفظ، ففي قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهَِ﴾ [البقرة:٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] يراد بذلك: ائتوا بما يحصل به الإعجاز، وذلك بأقل سور القرآن كسورة الكوثر، وسورة الإخلاص، ولا شك أن هذه السور تتركب من كلمات وحروف، وأن هذه الحروف التي تركبت منها هي من جنس ما يتكلم به العرب، والعرب ينطقون بهذه الحروف، لا ينطقون إلا بثمانية وعشرين حرفاً، وهي التي في لغتهم، والحروف التي ينطق بها الأعاجم زائدة عليها لم يعتبروها، وقد سجلوا هذه الحروف، وكتبوا كل حرف وجعلوا له هيكلاً وصورة حتى ينطقوا بهذه الكلمات إذا جمعت الحروف بعضها إلى بعض، وإذا كان كذلك فإن أكثر الكلام هو ما جمع اللفظ والمعنى. وقد ذكر النحويون أن الكلام عبارة عما أفاد، وكان مشتملاً على بعض الحروف الهجائية، وكان ذا معنى مفيد، وكان مركباً من كلمتين فأكثر، وكانت الكلمات مما وضعته العرب، أي: مما تكلمت به، لا أنه بالكلمات الأعجمية، ولا بالحروف اللاتينية أو بالحروف الأردية أو غير ذلك من الكلمات التي لا تعرفها العرب، فلا شك أن هذه لا تسمى كلاماً. ففي كتاب العقيدة في آخر الكلام على القرآن وأنه كلام الله تعالى الرد على من زعم أنه مفترى، وأن من قال ذلك فإنه كافر، وهكذا من زعم أنه من إنشاء أي بشر. دليل ذلك قول الله تعالى حكاية عن بعض الكفار: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٤-٢٥] ، فوعده الله فقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] يعني: من قال بهذه المقالة فإنه يستحق أن يصلى بسقر، وهي من أسماء النار، ولا شك أن ذلك إنكار لأن يكون القرآن من كلام الله، وإنكار أن يكون معجزة لنبيه ﵊، وادعاء أنه من كلام محمد أو من كلام غيره من البشر. وقد حكى الله تعالى عن بعض الكفار أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] ادعوا أن الذي يتعلم منه إنسان بمكة كان أعجمياً، قال الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] يعني: أن ذلك الذي يدعون أنه هو الذي علم محمداً هذا القرآن ليس فصيحاً بالعربية بل هو أعجمي، أما هذا القرآن فإنه كلام عربي فصيح واضح، ليس فيه شيء من العجمة ولا من اللكنة ولا من الوصمة أو العيب، بل هو كلام الله. وكذلك أيضاً حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١١٠] ، وقالوا: إنه لقول شاعر، وقال بعضهم: بل هو قول كاهن. ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] و (الأساطير) أي: الأكاذيب التي جمعها الأولون، والتي هي من كلام الأولين، ادعوا أن محمداً جمعها، وأن هناك من يأخذها منه فهي تملى عليه بكرة وعشياً، أي: أول النهار وآخره، فأخبر تعالى بأنه كلام الله حيث قال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان:٥] ، ثم قال: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦] . وعلى كل حال فمهما قال الذين لفقوا هذه الأقاويل من الأولين والآخرين، فقد رد الله عليهم، وقد فضح أكاذيبهم، وما بقي إلا القول الحق وهو عقيدة كل مسلم أن يعتقد أن القرآن كلام الله، وأنه أنزله على أنبيائه، وأنه أرسل به رسله، فهو من جنس الكتب التي أنزل بها ملائكته على رسله، وجعلها معجزة لهم وآية لهم تدل على صدقهم، فآخر هذه الكتب هو هذا القرآن الذي من الله ببقائه على هذه الأمة، وجعله معجزة لهذا النبي الكريم، فعلينا أن نعتقد فيه أنه آية ودلالة ومعجزة لنبينا ﵊، وأن نتلوه حق تلاوته، وأن نتدبره ونعمل بما فيه حتى نكون من الذين يؤمنون به ويتبعونه ويتلونه حق تلاوته.

стр. 277

وسطية الإثبات بين طرفي التشبيه والنفي قال المؤلف ﵀ الله تعالى: [قوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، ومن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر) . لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة منه بدا نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر، نفياً للتشبيه عقيب الإثبات. يعني: أنه تعالى وإن وصف بأنه متكلم لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلماً؛ فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً، وسيأتي في كلام الشيخ: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) . وكذا قوله: (وهو بين التشبيه والتعطيل) . أي: دين الإسلام. ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه لما سأذكره إن شاء الله تعالى، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً، بل صفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به، وقوله: (فمن أبصر هذا اعتبر) أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه، اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار] . ذكر في هذا الكلام أن من الناس من غالى وجعل كلام الله ككلام البشر، ومنهم من جفا ونفى أن يكون لله كلام أصلاً، وادعى أن القرآن مخلوق. ومنهم من أثبت لله تعالى كلاماً ونفى أن يكون مثل كلام المخلوقين، وهذا القول الوسط، وهو قول أهل السنة، ويقال كذلك في سائر الصفات، وهو أن كل صفة نثبتها لله تعالى، فإنا نعتقد أنها على ما يليق به، وننزه الله عن أن يكون شبيهاً بالمخلوقين في أي صفة، كما ننزهه عن أن تسلب عنه صفات الكمال، فسلب الصفات يسمى تعطيلاً، وإثباتها واعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين يسمى تشبيهاً، وكلاهما طرفا نقيض، وكلاهما باطل لا يجوز القول به. والقول الوسط الذي هو قول أهل السنة اعتقاد أن صفات الله -سواءٌ كلام الله أو صفاته أو أفعاله -ثابتة وحق ويقين، وليست مماثلة لصفات المخلوقين، هكذا يجب أن نقول، ولأجل ذلك مثله كما ذكر باللبن الصافي الذي يخرج من فرث ودم، فجعل اللبن هو قول أهل السنة، والفرث والدم قول المعطلة والمشبهة. وذكر أن بعض السلف كانوا يقولون: الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً. ويقول آخر: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى عنه ما أثبته لنفسه فقد كفر، وليس في صفات الله تعالى تشبيه، بل فيها إثبات صفات تليق بجلاله ينزه فيها عن أن يكون مشابهاً لشيء من المخلوقات، هكذا ينبغي أن نعتقد في صفات ربنا . ولا شك أن كلا الطرفين يعتقده خلق، فطرف التشبيه يعتقده أناس، وطرف التعطيل عليه أمم، ولكن المعطلة أكثر؛ لما يروجونه من عقلياتهم التي يموهون بها في نفي الصفات، فلأجل ذلك يقول الشارح: (إن المعطلة أشد كفراً من المشبهة) ، وما ذاك إلا لكثرة ما ابتلي بهم الخلق، فلذلك يرجح كثير من الأئمة أن المعطل قد تنقص الله غاية التنقص، حتى سلب ربه سبحانه صفات الكمال وألحقه بالناقصات أو بالجمادات أو بالمعدومات أو بالمستحيلات الممتنعات، فمن لازم أقوالهم مثل هذا، فلذلك يقول ابن القيم في نونيته: لسنا نشبه ربنا بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه إن المعطل عابد البهتان يعني: كأنه لا يعبد شيئاً ولا يؤمن بشيء -تعالى الله عن قولهم-، ويأتي لذلك أيضاً زيادة بيان في الرد على الطائفتين.

стр. 278

شرح العقيدة الطحاوية [١٩] إن ألذ نعيم ينعم به أهل الجنة في الجنة هو رؤيتهم ربهم ﵎، وهذه الرؤية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، وهي مما يعتقده أهل السنة، وقد خالف في ذلك بعض الفرق كالمعتزلة، ونأوا عن الصواب ظانين أنهم ينزهون الله تعالى عن الجهة والحيز، وما علموا أن من حرم هذا النعيم فقد حرم خيراً كثيراً.

стр. 279

رؤية الله تعالى يوم القيامة

стр. 280

رؤية أهل الجنة لله تعالى حق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه) . المخالف في الرؤية هم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة. وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مردودون] . الكلام هنا على مسألة رؤية المؤمنين لربهم ، والرؤية في الآخرة ثابتة عند أهل السنة، ثابتة في الجنة وفي الموقف أحياناً. وهذه الرؤية من تمام نعيم أهل الجنة، ومن تمام كرامتهم، ومن تمام إتحافهم والإنعام عليهم، وذلك أن يروا ربهم، وأن يتجلى لهم ربهم كما يشاء، وأن يكشف الحجاب بينه وبينهم، وأن ينظروا إليه كما يشاءون، وإذا نظروا إليه لم يلتفتوا إلى غيره حتى يحتجب عنهم، فيزدادون بهجة وسروراً، وتسفر وجوههم وتزداد نضرة وفرحاً. وقد أخبر العلماء والعباد والعارفون بأنه لولا يقينهم بأنهم سيرون ربهم تعالى لقتلوا أنفسهم، فلو عرفوا أنهم في الآخرة لا يتنعمون برؤيته لما قر لهم قرار، ولما سروا بذلك الموعد، لكن اطمأنوا إلى خبر ربهم والخبر عن نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام، وصدقوا بأنهم يوم القيامة وفي الجنة يتنعمون غاية التنعم برؤية الله ، وذلك أنه في بعض الأحاديث يقول لهم: (اسألوني. فيقولون: نسألك رضاك. فيقول: رضائي أحلكم دار كرامتي، فيقول: سلوني. فيجتمعون على أن يقولوا: اكشف لنا الحجاب- أو: أرنا وجهك- فإذا تجلى ورأوه لم يلتفتوا إلى غيره) .

стр. 281

المعتزلة والجهمية والخوارج ينكرون الرؤية ولا شك أن ذلك وارد في الأدلة الكثيرة، وفي النصوص الصحيحة الصريحة التي لا تحتاج إلى تقوية، والتي بلغت في كثرتها التواتر، ولكن أنكرها مع كثرتها من حرموا هذا النعيم، ومن صدوا بقلوبهم عن هذا الأمر العظيم، أولئك هم الجهمية والمعتزلة وأتباعهم من الخوارج والإمامية. والجهمية: أتباع الجهم بن صفوان. وهو أول من أنكر الصفات، ولما أنكر أن يكون الرب له صفات أنكر أن يرى، وقال: لا يمكن أن يرى إلا إذا كان في مقابلة أو كان في جهة. فادعى أن رؤيته مستحيلة وغير ممكنة. وتبعت المعتزلة الجهمية، والمعتزلة فرق كثيرة لا يزالون موجودين، ولهم مؤلفات ينكرون فيها الصفات، ومن جملة الصفات الرؤية، فينكرون أكبر نعيم وأكبر لذة لأهل الجنة، بل أهل الدنيا إذا تذكروها حداهم ما تذكروه إلى طلبها، وإلى التشمير في العبادة التي تؤهلهم لها، ولا شك أن الرؤية هي أجلّ نعيم يحصل لأهل الجنة. وتبعهم على ذلك الخوارج، يعني: من المتأخرين، أما الخوارج المتقدمون فلم يُنقل عنهم إنكار ذلك، وأما الخوارج المتأخرون فإنهم على هذا المعتقد، وهو إنكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق. فهذه من عقائد المعتزلة التي وافقهم عليها بعض الخوارج، وقد اطلعت على كتاب لبعض المتأخرين سماه: (الحق الدامغ) أنكر فيه الصفات وركَّز على مسألة الرؤية، وتكلف في صرف الأدلة التي تدل عليها، وركَّز فيه أيضاً على مسألة القرآن وأنه مخلوق، وكذلك مسألة القدر، فأنكر قدرة الله على خلق أفعال العباد. فينبغي أن نأخذ حذرنا، وهذا المؤلف موجود في دولة عمان، وقد ضل بسببه خلق كثير، ولكن الحق واضح، ويبشرنا كثير من الذين ذهبوا إلى تلك الدولة أن كثيراً من الشباب الذين تفتحت معارفهم قد أنكروا معتقدات أسلافهم وآبائهم في مثل هذا، وأنهم رجعوا إلى عقيدة أهل السنة وإن لم يتمكنوا من الإصلاح. والذين هناك هم الإباضية -فرقة من الخوارج- لهم الدولة ولهم الصولة ولهم القوة، فهم من بقية الخوارج يعتقدون هذه العقيدة، وأكبر ما يعتقدونه وأشهره إنكارهم لهذه اللذة التي هي رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. وعلى كل حال فإن مسألة الرؤية هي من أجل المسائل ومن أفضلها، اعتقدها أهل السنة وآمنوا بها، ولا عبرة بمن أنكرها من هؤلاء؛ فقد أخبر الله تعالى بأن من خلقه من يُحجب عنه في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، وهؤلاء منهم بغير شك، فإذا كانوا ينكرون أن يكون الله تعالى يُرى في الآخرة، فمعناه أنهم لا يريدون رؤية الله، وأنهم سيحجبون عن الله تعالى، ولا يحجب عنه إلَّا الكافرون، فقد حرموا أنفسهم هذه اللذة وأنكروها، فيكونون معاقبين بمثل ما اعتقدوه والعياذ بالله.

стр. 282

بيان دلالة آية سورة القيامة على ثبوت الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلاً فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلَّا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدنيا والدين. وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفِّين، ومقتل الحسين، والحَرَّة! وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد. وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينةٍ تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ ] . أوضح ما استدل به أهل السنة هذه الآية التي في سورة ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، فالكلمة الأولى رُسمت بـ (الضاد) ، والمراد أنها وجوه مشرقة من النضارة التي هي البهاء والإشراق والسرور والابتهاج، يعني أنها منيرة. وقد ذكر الله تعالى أن وجوه أهل الخير هكذا، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، فتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والابتداع. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨-٣٩] ، وهذه وجوه أهل السعادة أيضاً. فهكذا ذكر الله في هذه الآية أن هذه الوجوه ناضرة، يعني: بهية مشرقة مستنيرة مضيئة تغشاها الفرحة والسرور لأنها شعرت بالسعادة، ولأنها أيقنت بحسن العاقبة، ولأنها عرفت الفوز والظفر بالمطلوب، وعرفت أنها ستلقى الجزاء الذي وُعدت به، وهو الجزاء الأوفى الذي هو جزاء الحسنات بأضعافها. والقول الثاني: إن المعنى: لما نظرت إلى الله سبحانه أشرقت من آثار ذلك النظر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: مشرقة مضيئة بسبب رؤيتها لله . وقوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] : لا شك أن هذا يراد به الوجوه، فتلك الوجوه إلى ربها ناظرة، وهذه كتبت بـ (الظاء) أخت (الطاء) ، يعني أنها تنظر إلى ربها نَظَرَ عيان ونَظَرَ معاينة، ولم يقل: إلى نعمة ربها، ولم يقل: إلى ثواب ربها ناظرة. ولم يقل: إلى النعيم راضية. ولا: إلى الجنة ناظرة. بل قال: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: تنظر إلى ربها. وفرق بين من يقرؤها ويُمِرُّها كما جاءت ومن يتكلف في تأويلها.

стр. 283

الرد على تأويل المعتزلة لآيات الرؤية وأحاديثها والمعتزلة الذين أنكروا الصفات تأولوها تأويلات بعيدة، فبعضهم يقول: إن الـ (إلى) هي النعمة يعني: آلاء ربها أو نعم ربها ناظرة. و (إلى) معروف أنه حرف جر، ولكن جعلوه اسماً مضافاً فقالوا: إلى ربها. أي: نعمة ربها، أو واهب الآلاء. ولا شك أن هذا تكلف بعيد. وهكذا قال بعضهم: (إلى ربها ناظرة) أي: إلى ثواب ربها. أو: إلى نعمة ربها. أو: إلى جزاء ربها. فجعلوا في الكلام مضمراً، وما الذي دلكم على أن في الكلام مضمراً أو كلاماً محذوفاً؟! و الجواب لا دلالة عليه. فلماذا تتركون الظاهر وتأتون بمضمر من قبل أنفسكم؟! وبعضهم قال: (ناظرة) أي: منتظرة. إلى ربها. أي: منتظرة ما يعطيها أو ما يهبها، مع أن هناك فرقاً بين (ناظرة) و (منتظرة) ! ومن أمثال هذه التأويلات تكلف يسمونه تأويلاً، وهو في الحقيقة تحريف وتغيير وتصحيف لكلام الله وصرف له عن ظاهره. نقول: إذا تكلفتم هذا النص بالتأويل أمكن غيركم وأمكنكم أن تتأولوا آيات المعاد، فأنتم الآن -يا معتزلة- تكلفتم في التأول في آيات الصفات وحرفتم ما وصلكم، ففتحتم الباب لغيركم، فالفلاسفة أنكروا المعاد الحقيقي الجسماني، وقالوا: ليس هناك رد للأرواح في الأجساد، وليس هناك إحياء للأموات. فقيل لهم: كيف تردون على هذه النصوص؟ فقالوا: نتأولها، وليس تأويلكم لآيات الصفات أصعب من تأويلنا لآيات المعاد! ثم جاءت فرقة أخرى من غلاة الفلاسفة وغلاة الصوفية فتأولوا نصوص الأحكام -الحلال والحرام والأوامر والنواهي- وصرفوها أيضاً عن ظاهرها وأبطلوها كل الإبطال، حتى قال بعضهم: المراد بالحج حج القلوب إلى علام الغيوب، أو قالوا مثلاً: الصلاة المراد بها اتصال القلب بالرب، واتصال القلب بالرب ليس معناه أن تجتمعوا في المساجد وتركعوا وتسجدوا، هذا ليس هو المراد منكم، فإذا صغت قلوبكم واتصلت بالملأ الأعلى فهذه هي الصلاة التي أمرتم بها. هكذا يقول الصوفية ونحوهم. نقول: إذاً بطَلَت بهذا التأويلِ الأحكامُ التي نُقلت بالفعل وبالقول الصريح بسببكم يا أشعرية ويا معتزلة لما تأولتم وفتحتم باب التأويل لآيات الصفات، فدخل من هذا الباب الفلاسفة والصوفية وأهل الوحدة وصاروا يتأولون. بل حصل بالتأويل أعظم الفتن؛ فإن الفتن التي وقعت في عهد الصحابة إنما هي بسبب التأويلات الباطلة، فقتل عثمان، وكذلك قتل الحسين، وكذلك الفتن التي حصلت ووقعت في صفِّين ووقعت في الجمل ووقعت في الحَرَّة بسبب التأويلات البعيدة عن الصواب. فلا تتأولوا النصوص، بل أجروها على ما يُفهم منها وفوضوا الكيفية، فإذا قصرت أنظاركم ومعرفتكم عن شيء فلتتوقف عن الكيفية، كيفية تلك الرؤية أو كيفية الصفة التي هي صفة ذات، وقولوا: الله أعلم بها، كما يقول مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فهكذا نقول: الكلام معلوم والكيف مجهول، الرؤية معلومة وكيفيتها مجهولة لنا، والله أعلم بكيفيتها. وإذا كان كذلك سلِمنا من أن نقع في هذا التحريف الذي سماه أهله تأويلاً، ترويجاً له حتى يُقبل عند السُّذَّج وقِصار الأفهام.

стр. 284

الرد على المعتزلة في تأويل آية سورة القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عُدِّي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وإن عُدِّي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ، وإن عُدِّي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩] ، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر. وروي ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن. ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: في وجه الله . عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنُضِّرت بنوره. وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى وجه ربها . وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من النعيم ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظراً. ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله . وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى: الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. فسرها بذلك رسول الله والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويُنجِنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) . ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أُخَر معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله . وكذلك فسرها الصحابة ﵃، روى ابن جرير ذلك عن جماعة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس ﵃] . هنا ثلاث آيات من كتاب الله تعالى دالة على الرؤية أو مُفَسَّرة بها. فالآية الأولى هي آية سورة القيامة قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] . وسبق ذكر تفاسير الصحابة والتابعين أنهم قالوا: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى وجه ربها. أو: تنظر إلى ربها صرح بذلك عدد من الصحابة كما مر، والمعتزلة حرفوا النظر فجعلوه الانتظار، أو حرفوا كلمة (إلى) فجعلوها النعمة، أو أضمروا مضافاً، أي: إلى نعمة ربها أو إلى ثواب ربها. إن كلمة النظر تارةً تُعدَّى بنفسها، وتارةً تُعدَّى بحرف (في) وتارةً تُعدَّى بحرف (إلى) . فتعديتها بنفسها في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] فـ (انظرونا) هنا ليس معناه النظر بالعين، وإنما معناه: انتظروا. أي: أمهلونا حتى نقتبس من نوركم، لأنه عُدِّي بنفسه. وذكر تعديته بـ (في) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] فالنظر هنا بمعنى الاعتبار، أي: ينظروا في الملكوت نَظَرَ اعتبار وتأمل ليستدلوا به على قدرة الخالق. فإذا عدي بـ (في) فلا تحتمل إلا النظر بالاعتبار، وأما هنا فإن النظر مُعدَّىً بـ (إلى) ، فهو مثل قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام:٩٩] (انظروا) يعني: بأعينكم. (إلى ثمره) ، ولا تحتمل غير المعاينة؟! كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] يعني أنهم ينظرون إليها معاينةً. فكذلك قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] لا يحتمل إلا أن النظر هو المعاينة. فتبيَّن بذلك صراحة الآية في دلالتها على النظر إلى الله .

стр. 285

دلالة آيتي المزيد على رؤية الله تعالى والآية الثانية في سورة (ق) قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، فالله تعالى أخبر بأن لهم فيها ما يشاءون، فكل شيء يشاءونه وتتمناه نفوسهم أو يخطر على بالهم يُحضر إليهم. ثم يقول بعد ذلك: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ، هذا المزيد زائدٌ عن النعيم الذين بين أيديهم، ولا بد أن يكون هذا الزائد له خصوصية، لذلك فُسِّر المزيد بأنه النظر إلى وجه ربهم، يعني: نعمة زائدة على ما يستحقونه هي النظر إلى ربهم أثابهم الله وأعطاهم ذلك. هكذا فُسرت من قِبل السلف أن المزيد هو النظر إلى ربهم. الآية الثالثة في سورة يونس قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٥-٢٦] ، ودار السلام هي: الجنة، يدعو إليها ويدعو إلى العمل الذي يدخلها، ثم إذا دخلوها فماذا يستحقون؟ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٥-٢٦] والحسنى هي الجنة التي فيها جميع أنواع الحُسن. وقوله: (وزيادة) : لا شك أن هذه الزيادة شيء زائد على الحسنى التي هي الجنة، لذلك فسرها رسول الله ﷺ بأنها نظرهم إلى وجه ربهم في الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب، ورواه أيضاً غيره، وكذلك فسرها أبو بكر وغيره من الصحابة، واستدلوا بأنه قال بعدها: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، يعني أنهم بنظرهم إلى الله لا يلحقهم ملل ولا يلحق وجوههم كدر ولا يلحقها ذلة ولا مهانة ولا غير ذلك. وعادة أنك لو نظرتَ -مثلاً- إلى الشمس في شدة وهجها فإن وجهك قد يعبس أو قد يتغير، وعينك قد تكل من قوة شعاعها وقوة نورها، وكذلك بعض الأنوار المشعة شديدة الإضاءة كالبرق ونحوه كما في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] . والله تعالى قد أخبر بأنه نور فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] . وأخبر النبي ﵊ بأن حجابه النور. فهذا النظر إليه مع كثرة تلك الأنوار المشعة لا يرهق وجوه المؤمنين منه ذلة، بل تزداد وجوههم إشراقاً وتزداد بهجةً ونضارةً وسروراً، وما ذاك إلا أنهم يعدون ذلك غاية النعيم، ولذلك قال بعض العابدين: ولو أني استطعتُ غضضتُ طرفي فلا أنظر به حتى أراكا فمن شدة الشوق إلى الله تعالى يقول: لو استطعت لما نظرتُ إلى أي مخلوق حتى أنظر إليك -يا ربي- شوقاً إليك وارتياحاً إلى رؤيتي لربي. هكذا حالة العارفين المشتاقين إلى ربهم، أما الذين أنكروا هذه الرؤية فإنهم محرومون من هذا النعيم كله، محرومون من هذه الزيادة، أو قد اعتقدوا حرمان أنفسهم والعياد بالله. ومسألة الرؤية مسالةٌ كبيرة شريفة قد اهتم بها أهل السنة وقدموا الكلام فيها من وقت الإمام الشافعي وهم يجادلون فيها من أنكرها، ولا يزالون على ذلك. وقد كتب فيها ابن القيم ﵀ في كتابه المسمى (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) الذي يتعلق بصفة الجنة، فإنه في باب من أبوابه سرد آيات الرؤية، فجعل باباً خاصاً للرؤية وسرد فيه الآيات، ثم سرد فيه الأحاديث التي رُويت في ذلك، والتي يمكن الاستدلال بها، وإذا كان فيها ضعف فإن بعضها يتقوى ببعض، والأكثر قوي من حيث السند، وأعرضَ عن الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، فمن قرأه عرف بذلك كثرة ما ورد فيها من الأدلة، وهكذا أيضاً أتبعه بالنقولات، ثم رد على من أنكر ذلك من المعتزلة وبيَّن ما أجابوا به وناقشهم فيما استدلوا به. وتبعه على ذلك حافظ بن أحمد الحكمي في كتابه الذي سماه (معارج القبول في شرح سلم الوصول) ، و (سلم الوصول) هذا منظومة نَظَمها من أول ما نظم وشرحها في هذا الكتاب الذي يقع في مجلدين، وأفاض في الشرح وتوسع، ولما أتى على الأدلة التي تدل على صفة الرؤية توسع أيضاً فيها. ونحيل إلى هذين الشرحين -لمن أراد أن يتوسع- كتاب ابن القيم وكتاب الحكمي، وغيرهما أيضاً من الكتب الكثيرة التي اعتنت بمسائل التوحيد والعقيدة ومن جملتها مسألة الرؤية ومناقشة ما فيها من الخلافات وبيان الحق لأهله.
следующие страницы →