← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المعتزلة والجهمية والخوارج ينكرون الرؤية ولا شك أن ذلك وارد في الأدلة الكثيرة، وفي النصوص الصحيحة الصريحة التي لا تحتاج إلى تقوية، والتي بلغت في كثرتها التواتر، ولكن أنكرها مع كثرتها من حرموا هذا النعيم، ومن صدوا بقلوبهم عن هذا الأمر العظيم، أولئك هم الجهمية والمعتزلة وأتباعهم من الخوارج والإمامية. والجهمية: أتباع الجهم بن صفوان. وهو أول من أنكر الصفات، ولما أنكر أن يكون الرب له صفات أنكر أن يرى، وقال: لا يمكن أن يرى إلا إذا كان في مقابلة أو كان في جهة. فادعى أن رؤيته مستحيلة وغير ممكنة. وتبعت المعتزلة الجهمية، والمعتزلة فرق كثيرة لا يزالون موجودين، ولهم مؤلفات ينكرون فيها الصفات، ومن جملة الصفات الرؤية، فينكرون أكبر نعيم وأكبر لذة لأهل الجنة، بل أهل الدنيا إذا تذكروها حداهم ما تذكروه إلى طلبها، وإلى التشمير في العبادة التي تؤهلهم لها، ولا شك أن الرؤية هي أجلّ نعيم يحصل لأهل الجنة. وتبعهم على ذلك الخوارج، يعني: من المتأخرين، أما الخوارج المتقدمون فلم يُنقل عنهم إنكار ذلك، وأما الخوارج المتأخرون فإنهم على هذا المعتقد، وهو إنكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق. فهذه من عقائد المعتزلة التي وافقهم عليها بعض الخوارج، وقد اطلعت على كتاب لبعض المتأخرين سماه: (الحق الدامغ) أنكر فيه الصفات وركَّز على مسألة الرؤية، وتكلف في صرف الأدلة التي تدل عليها، وركَّز فيه أيضاً على مسألة القرآن وأنه مخلوق، وكذلك مسألة القدر، فأنكر قدرة الله على خلق أفعال العباد. فينبغي أن نأخذ حذرنا، وهذا المؤلف موجود في دولة عمان، وقد ضل بسببه خلق كثير، ولكن الحق واضح، ويبشرنا كثير من الذين ذهبوا إلى تلك الدولة أن كثيراً من الشباب الذين تفتحت معارفهم قد أنكروا معتقدات أسلافهم وآبائهم في مثل هذا، وأنهم رجعوا إلى عقيدة أهل السنة وإن لم يتمكنوا من الإصلاح. والذين هناك هم الإباضية -فرقة من الخوارج- لهم الدولة ولهم الصولة ولهم القوة، فهم من بقية الخوارج يعتقدون هذه العقيدة، وأكبر ما يعتقدونه وأشهره إنكارهم لهذه اللذة التي هي رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. وعلى كل حال فإن مسألة الرؤية هي من أجل المسائل ومن أفضلها، اعتقدها أهل السنة وآمنوا بها، ولا عبرة بمن أنكرها من هؤلاء؛ فقد أخبر الله تعالى بأن من خلقه من يُحجب عنه في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، وهؤلاء منهم بغير شك، فإذا كانوا ينكرون أن يكون الله تعالى يُرى في الآخرة، فمعناه أنهم لا يريدون رؤية الله، وأنهم سيحجبون عن الله تعالى، ولا يحجب عنه إلَّا الكافرون، فقد حرموا أنفسهم هذه اللذة وأنكروها، فيكونون معاقبين بمثل ما اعتقدوه والعياذ بالله.

стр. 282

بيان دلالة آية سورة القيامة على ثبوت الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلاً فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلَّا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدنيا والدين. وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية! فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفِّين، ومقتل الحسين، والحَرَّة! وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد. وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينةٍ تدل على خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ ] . أوضح ما استدل به أهل السنة هذه الآية التي في سورة ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، فالكلمة الأولى رُسمت بـ (الضاد) ، والمراد أنها وجوه مشرقة من النضارة التي هي البهاء والإشراق والسرور والابتهاج، يعني أنها منيرة. وقد ذكر الله تعالى أن وجوه أهل الخير هكذا، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، فتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل الفرقة والابتداع. وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨-٣٩] ، وهذه وجوه أهل السعادة أيضاً. فهكذا ذكر الله في هذه الآية أن هذه الوجوه ناضرة، يعني: بهية مشرقة مستنيرة مضيئة تغشاها الفرحة والسرور لأنها شعرت بالسعادة، ولأنها أيقنت بحسن العاقبة، ولأنها عرفت الفوز والظفر بالمطلوب، وعرفت أنها ستلقى الجزاء الذي وُعدت به، وهو الجزاء الأوفى الذي هو جزاء الحسنات بأضعافها. والقول الثاني: إن المعنى: لما نظرت إلى الله سبحانه أشرقت من آثار ذلك النظر، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: مشرقة مضيئة بسبب رؤيتها لله . وقوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] : لا شك أن هذا يراد به الوجوه، فتلك الوجوه إلى ربها ناظرة، وهذه كتبت بـ (الظاء) أخت (الطاء) ، يعني أنها تنظر إلى ربها نَظَرَ عيان ونَظَرَ معاينة، ولم يقل: إلى نعمة ربها، ولم يقل: إلى ثواب ربها ناظرة. ولم يقل: إلى النعيم راضية. ولا: إلى الجنة ناظرة. بل قال: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: تنظر إلى ربها. وفرق بين من يقرؤها ويُمِرُّها كما جاءت ومن يتكلف في تأويلها.

стр. 283

الرد على تأويل المعتزلة لآيات الرؤية وأحاديثها والمعتزلة الذين أنكروا الصفات تأولوها تأويلات بعيدة، فبعضهم يقول: إن الـ (إلى) هي النعمة يعني: آلاء ربها أو نعم ربها ناظرة. و (إلى) معروف أنه حرف جر، ولكن جعلوه اسماً مضافاً فقالوا: إلى ربها. أي: نعمة ربها، أو واهب الآلاء. ولا شك أن هذا تكلف بعيد. وهكذا قال بعضهم: (إلى ربها ناظرة) أي: إلى ثواب ربها. أو: إلى نعمة ربها. أو: إلى جزاء ربها. فجعلوا في الكلام مضمراً، وما الذي دلكم على أن في الكلام مضمراً أو كلاماً محذوفاً؟! و الجواب لا دلالة عليه. فلماذا تتركون الظاهر وتأتون بمضمر من قبل أنفسكم؟! وبعضهم قال: (ناظرة) أي: منتظرة. إلى ربها. أي: منتظرة ما يعطيها أو ما يهبها، مع أن هناك فرقاً بين (ناظرة) و (منتظرة) ! ومن أمثال هذه التأويلات تكلف يسمونه تأويلاً، وهو في الحقيقة تحريف وتغيير وتصحيف لكلام الله وصرف له عن ظاهره. نقول: إذا تكلفتم هذا النص بالتأويل أمكن غيركم وأمكنكم أن تتأولوا آيات المعاد، فأنتم الآن -يا معتزلة- تكلفتم في التأول في آيات الصفات وحرفتم ما وصلكم، ففتحتم الباب لغيركم، فالفلاسفة أنكروا المعاد الحقيقي الجسماني، وقالوا: ليس هناك رد للأرواح في الأجساد، وليس هناك إحياء للأموات. فقيل لهم: كيف تردون على هذه النصوص؟ فقالوا: نتأولها، وليس تأويلكم لآيات الصفات أصعب من تأويلنا لآيات المعاد! ثم جاءت فرقة أخرى من غلاة الفلاسفة وغلاة الصوفية فتأولوا نصوص الأحكام -الحلال والحرام والأوامر والنواهي- وصرفوها أيضاً عن ظاهرها وأبطلوها كل الإبطال، حتى قال بعضهم: المراد بالحج حج القلوب إلى علام الغيوب، أو قالوا مثلاً: الصلاة المراد بها اتصال القلب بالرب، واتصال القلب بالرب ليس معناه أن تجتمعوا في المساجد وتركعوا وتسجدوا، هذا ليس هو المراد منكم، فإذا صغت قلوبكم واتصلت بالملأ الأعلى فهذه هي الصلاة التي أمرتم بها. هكذا يقول الصوفية ونحوهم. نقول: إذاً بطَلَت بهذا التأويلِ الأحكامُ التي نُقلت بالفعل وبالقول الصريح بسببكم يا أشعرية ويا معتزلة لما تأولتم وفتحتم باب التأويل لآيات الصفات، فدخل من هذا الباب الفلاسفة والصوفية وأهل الوحدة وصاروا يتأولون. بل حصل بالتأويل أعظم الفتن؛ فإن الفتن التي وقعت في عهد الصحابة إنما هي بسبب التأويلات الباطلة، فقتل عثمان، وكذلك قتل الحسين، وكذلك الفتن التي حصلت ووقعت في صفِّين ووقعت في الجمل ووقعت في الحَرَّة بسبب التأويلات البعيدة عن الصواب. فلا تتأولوا النصوص، بل أجروها على ما يُفهم منها وفوضوا الكيفية، فإذا قصرت أنظاركم ومعرفتكم عن شيء فلتتوقف عن الكيفية، كيفية تلك الرؤية أو كيفية الصفة التي هي صفة ذات، وقولوا: الله أعلم بها، كما يقول مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فهكذا نقول: الكلام معلوم والكيف مجهول، الرؤية معلومة وكيفيتها مجهولة لنا، والله أعلم بكيفيتها. وإذا كان كذلك سلِمنا من أن نقع في هذا التحريف الذي سماه أهله تأويلاً، ترويجاً له حتى يُقبل عند السُّذَّج وقِصار الأفهام.

стр. 284

الرد على المعتزلة في تأويل آية سورة القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عُدِّي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، وإن عُدِّي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ، وإن عُدِّي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩] ، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر. وروي ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن. ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: في وجه الله . عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنُضِّرت بنوره. وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى وجه ربها . وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من النعيم ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظراً. ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله . وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى: الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. فسرها بذلك رسول الله والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: (قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويُنجِنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) . ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أُخَر معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله . وكذلك فسرها الصحابة ﵃، روى ابن جرير ذلك عن جماعة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس ﵃] . هنا ثلاث آيات من كتاب الله تعالى دالة على الرؤية أو مُفَسَّرة بها. فالآية الأولى هي آية سورة القيامة قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] . وسبق ذكر تفاسير الصحابة والتابعين أنهم قالوا: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: إلى وجه ربها. أو: تنظر إلى ربها صرح بذلك عدد من الصحابة كما مر، والمعتزلة حرفوا النظر فجعلوه الانتظار، أو حرفوا كلمة (إلى) فجعلوها النعمة، أو أضمروا مضافاً، أي: إلى نعمة ربها أو إلى ثواب ربها. إن كلمة النظر تارةً تُعدَّى بنفسها، وتارةً تُعدَّى بحرف (في) وتارةً تُعدَّى بحرف (إلى) . فتعديتها بنفسها في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] فـ (انظرونا) هنا ليس معناه النظر بالعين، وإنما معناه: انتظروا. أي: أمهلونا حتى نقتبس من نوركم، لأنه عُدِّي بنفسه. وذكر تعديته بـ (في) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] فالنظر هنا بمعنى الاعتبار، أي: ينظروا في الملكوت نَظَرَ اعتبار وتأمل ليستدلوا به على قدرة الخالق. فإذا عدي بـ (في) فلا تحتمل إلا النظر بالاعتبار، وأما هنا فإن النظر مُعدَّىً بـ (إلى) ، فهو مثل قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام:٩٩] (انظروا) يعني: بأعينكم. (إلى ثمره) ، ولا تحتمل غير المعاينة؟! كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] يعني أنهم ينظرون إليها معاينةً. فكذلك قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] لا يحتمل إلا أن النظر هو المعاينة. فتبيَّن بذلك صراحة الآية في دلالتها على النظر إلى الله .

стр. 285

دلالة آيتي المزيد على رؤية الله تعالى والآية الثانية في سورة (ق) قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ، فالله تعالى أخبر بأن لهم فيها ما يشاءون، فكل شيء يشاءونه وتتمناه نفوسهم أو يخطر على بالهم يُحضر إليهم. ثم يقول بعد ذلك: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ، هذا المزيد زائدٌ عن النعيم الذين بين أيديهم، ولا بد أن يكون هذا الزائد له خصوصية، لذلك فُسِّر المزيد بأنه النظر إلى وجه ربهم، يعني: نعمة زائدة على ما يستحقونه هي النظر إلى ربهم أثابهم الله وأعطاهم ذلك. هكذا فُسرت من قِبل السلف أن المزيد هو النظر إلى ربهم. الآية الثالثة في سورة يونس قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٥-٢٦] ، ودار السلام هي: الجنة، يدعو إليها ويدعو إلى العمل الذي يدخلها، ثم إذا دخلوها فماذا يستحقون؟ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٥-٢٦] والحسنى هي الجنة التي فيها جميع أنواع الحُسن. وقوله: (وزيادة) : لا شك أن هذه الزيادة شيء زائد على الحسنى التي هي الجنة، لذلك فسرها رسول الله ﷺ بأنها نظرهم إلى وجه ربهم في الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب، ورواه أيضاً غيره، وكذلك فسرها أبو بكر وغيره من الصحابة، واستدلوا بأنه قال بعدها: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، يعني أنهم بنظرهم إلى الله لا يلحقهم ملل ولا يلحق وجوههم كدر ولا يلحقها ذلة ولا مهانة ولا غير ذلك. وعادة أنك لو نظرتَ -مثلاً- إلى الشمس في شدة وهجها فإن وجهك قد يعبس أو قد يتغير، وعينك قد تكل من قوة شعاعها وقوة نورها، وكذلك بعض الأنوار المشعة شديدة الإضاءة كالبرق ونحوه كما في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] . والله تعالى قد أخبر بأنه نور فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] . وأخبر النبي ﵊ بأن حجابه النور. فهذا النظر إليه مع كثرة تلك الأنوار المشعة لا يرهق وجوه المؤمنين منه ذلة، بل تزداد وجوههم إشراقاً وتزداد بهجةً ونضارةً وسروراً، وما ذاك إلا أنهم يعدون ذلك غاية النعيم، ولذلك قال بعض العابدين: ولو أني استطعتُ غضضتُ طرفي فلا أنظر به حتى أراكا فمن شدة الشوق إلى الله تعالى يقول: لو استطعت لما نظرتُ إلى أي مخلوق حتى أنظر إليك -يا ربي- شوقاً إليك وارتياحاً إلى رؤيتي لربي. هكذا حالة العارفين المشتاقين إلى ربهم، أما الذين أنكروا هذه الرؤية فإنهم محرومون من هذا النعيم كله، محرومون من هذه الزيادة، أو قد اعتقدوا حرمان أنفسهم والعياد بالله. ومسألة الرؤية مسالةٌ كبيرة شريفة قد اهتم بها أهل السنة وقدموا الكلام فيها من وقت الإمام الشافعي وهم يجادلون فيها من أنكرها، ولا يزالون على ذلك. وقد كتب فيها ابن القيم ﵀ في كتابه المسمى (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) الذي يتعلق بصفة الجنة، فإنه في باب من أبوابه سرد آيات الرؤية، فجعل باباً خاصاً للرؤية وسرد فيه الآيات، ثم سرد فيه الأحاديث التي رُويت في ذلك، والتي يمكن الاستدلال بها، وإذا كان فيها ضعف فإن بعضها يتقوى ببعض، والأكثر قوي من حيث السند، وأعرضَ عن الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، فمن قرأه عرف بذلك كثرة ما ورد فيها من الأدلة، وهكذا أيضاً أتبعه بالنقولات، ثم رد على من أنكر ذلك من المعتزلة وبيَّن ما أجابوا به وناقشهم فيما استدلوا به. وتبعه على ذلك حافظ بن أحمد الحكمي في كتابه الذي سماه (معارج القبول في شرح سلم الوصول) ، و (سلم الوصول) هذا منظومة نَظَمها من أول ما نظم وشرحها في هذا الكتاب الذي يقع في مجلدين، وأفاض في الشرح وتوسع، ولما أتى على الأدلة التي تدل على صفة الرؤية توسع أيضاً فيها. ونحيل إلى هذين الشرحين -لمن أراد أن يتوسع- كتاب ابن القيم وكتاب الحكمي، وغيرهما أيضاً من الكتب الكثيرة التي اعتنت بمسائل التوحيد والعقيدة ومن جملتها مسألة الرؤية ومناقشة ما فيها من الخلافات وبيان الحق لأهله.

стр. 286

آية نفي الإدراك تدل على ثبوت الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة. ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي، قال الحاكم: حدثنا الأصم: حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا. وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وبقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فالآيتان دليل عليهم. أما الآية الأولى فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه لا يُظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلمِ الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال. الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] . الثالث: أنه تعالى قال: (لن تراني) ، ولم يقل: إني لا أُرى. أو: لا تجوز رؤيتي. أو: لست بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجلٌ طعاماً فقال: أطعمنيه فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل. أما إذا كان طعاماً صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيتَه في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه. الوجه الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فأعمله أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خُلِق من ضعف. الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقال: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء. السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! ولكن الله أعْلَمَ موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف. السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطِبَه كلامَه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما. وأما دعواهم تأبيد النفي بـ (لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد؛ فإنها لو قُيِّدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة فكيف إذا أطلقت؟! قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة:٩٥] مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] . فثبت أن (لن) لا تقتضى المنفي المؤبد. قال الشيخ جمال الدين ابن مالك ﵀: ومن رأى النفي بـ (لن) مؤبداً فقوله ارددْ وسواه فاعضُدا] .

стр. 287

دلالة آية المطففين على ثبوت الرؤية للمؤمنين الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أوضح دليل على أن أهل الجنة ليسوا محجوبين عن ربهم، وذلك لأن هذا وعيد لأعداء الله للكفار ووعيد للفجار الذين قال الله في حقهم: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] ، فهؤلاء من وعيدهم أنهم عن ربهم يومئذ -أي: يوم القيامة وما بعده- محجوبون، وقد ذكر بعدهم الأبرار في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨] ، ولو كانوا لا يرون ربهم لكانوا أيضاً عن ربهم محجوبين، فلم يكن هناك فرق بين الأبرار والفجار. ولا شك أن حجب هؤلاء يعتبر عذاباً، فيعتبرون قد عذبوا بحجبهم عن ربهم والحيلولة بينهم وبين نعمة الرؤية ونعيمها، ولا شك أن رؤية المؤمنين وعدم حجبهم نعمة ومنة وكرامة يزدادون بها نعيماً وبهجة، أما لو كانوا لا يرون ربهم لم يكن هناك فرق بين الأبرار والفجار، بل كلهم عن ربهم محجوبون. فهذه آية استدل بها الشافعي ومن بعده من الأئمة على إثبات رؤية المؤمنين وحجب الكافرين.

стр. 288

بيان دلالة قوله: (لن تراني) على ثبوت الرؤية والرد على المعتزلة وأما الآية الثانية التي استدل بها المعتزلة على إنكار الرؤية فهي في قصة موسى، ذكر الله أن موسى سأل الرؤية، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فاستدلوا بقوله: (لن تراني) على أنك لا تراني أبداً في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا تأويل خاطئ، وذلك لأن الآية إنما نفت الرؤية في الدنيا، وذلك لأن الإنسان في الدنيا خلقته ضعيفة لا يستطيع أن يمثل أمام عظمة الرب ؛ فإن خلقةً في هذه الدنيا على هذه الهيئة خلقة ضئيلة ضعيفة لا تثبت أمام تجلي ربنا ولا أمام أنواره وجلاله وكبريائه. وقد ثبت أنه ﷺ أخبر بشيء من ذلك في قوله ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه) إلى قوله: (حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) يعني أن الحجاب في الدنيا حجاب النور أو النار لو كشفه لأحرق ذلك الضياء وذلك النور ما انتهى إليه من الخلق، فإذا كان كذلك فجميع الخلق في هذه الدنيا مخلوقون من هذا اللحم والدم على هذه الخِلْقة، فخِلْقتهم ضعيفة لا يستطيعون أن يمثلوا أمام هذه العظمة. فهذا هو السبب في أن الله منع موسى الرؤية في الدنيا، ولكن هل يدل ذلك على أنه ممنوع من الرؤية في الآخرة؟ لا يدل على ذلك؛ لأن في الآخرة يعطي الله أولياءه من قوة الخلقة ومن عظمها ما يثبتون به أمام تلك الرؤية وأمام رؤية ربهم، فقد ورد أن كل من يدخل الجنة يوم القيامة على طول آدم، طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع، وإذا كانت هذه الزيادة في خِلقتهم في الطول والعرض فكذلك لا بد أنهم سيُزادون في قوة حواسهم وفي قوة أبصارهم وفي قوة أعضائهم حتى يتمكنوا من الثبوت أمام رؤيتهم لربهم، ولا يغشى وجوههم قتر ولا ذلة، ولا ينالهم شيء من الضعف ولا مما ينالهم في الدنيا. هذا هو السبب في أن الله منع موسى من الرؤية في الدنيا، وكذلك كل أحد في الدنيا لا يستطيع أن يرى ذلك؛ لقوله في الحديث: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) ، هكذا ورد في حديث عنه ﷺ ، أثبت بأن أحداً لا يستطيع أن يمثل أمام عظمة ربه ولا يرى ربه حتى يموت، وذلك في حديث الدجال لما أخبر بأن الدجال يأتي ويقول: (أنا الرب، أنا الله) ، فأخبر بأنه كاذب، وأنه لا يمكن في الدنيا أن أحداً يرى ربه، إنما الرؤية في الآخرة. واستدل الشارح -كما سبق- بأن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية على أهلها. ونقول: معلوم أن موسى نبي الله وكليمه الذي كلمه تكليماً، ومعلوم أنه اصطفاه، قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] ، فاصطفاه واختاره وأخبر بأنه كلمه تكلمياً، فهو من خيار أولياء الله، ومن خيار أنبياء الله ورسله، وقد أرسله إلى فرعون، وأرسله إلى بني إسرائيل وقد كلمه تكليماً، وأنزل عليه التوراة وقربه نجياً، فهو أعرف بربه، وهو أعلم بما يستحيل على ربه، فكيف تكونون -يا معتزلة- أعلم من موسى؟! هل يقال: إنك -يا فلان ويا فلان المعتزلي أو الجهمي- أعلم من موسى؟! حاشا وكلا، فهل الذي هو أحد أولي العزم، والذي هو أحد رسل الله، والذي ذكره الله وأكثر من ذكره في كلامه يكون أجهل منك، وتكون أنت أعلم منه بما يستحيل على الله وبما يجوز على الله؟! هذا مما تحيله العقول، وهذا مما لا يجوز في شرع الله. كذلك ما أنكر أيضاً الله تعالى عليه حين قال: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] لم ينكر عليه ولم يوبخه، وقد أنكر على نوح لما سأل نجاة ولده لما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] أنكر عليه وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] ، أنكر على نوح هذا السؤال، ولكن موسى لما سأل فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ما أنكر عليه، بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فهل هذا دليل على أن هذا السؤال مستحيل؟ إنه ليس سؤال شيءٍ مستحيل. وقال تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، ولم يقل: إني لا أُرَى. أو: إني لا تجوز رؤيتي. أو: إني لستُ بمرئي بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، والمعنى: لا تراني في الدنيا، ولا تستطيع رؤيتي في الدنيا، والفرق بين العبارتين واضح، ومثَّل لذلك المؤلف -كما سبق- بما إذا كان مع إنسان حجر وظننتَه رغيفاً فقلتَ: أطعمني من هذا فقال: لن تطعمه، فإنك تقول: إنه قد حَرَمني من هذا الطعام أما إذا قال: ليس بمطعوم أو ليس بمأكول أو لا يصح أكله أو ليس مما يؤكل، فهمتَ بذلك أنه اعتذر وأنه ليس من المأكولات. فقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] يبين أن الرؤية جائزة؛ ولكنك لا تقدر عليها في الدنيا. فهذا وجه قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] . ثم قوله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] علق رؤية موسى على استقرار الجبل، أليس استقرار الجبل ممكناً؟ إنه ممكنٌ أن يستقر الجبل، والله تعالى قادر على أن يثبت الجبل حتى يستقر إذا تجلى له الرب، والله تعالى قد علَّق رؤية موسى على استقرار الجبل، والمعلَّق على الممكن ممكن، فهذا دليل على إمكان الرؤية، وأن رؤية الله ليست بمستحيلة، فالتعليق على الممكن ممكن. أما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فقد تجلى الله كما شاء للجبل، ولما تجلى للجبل -وهو جبل الطور وهو من أكبر الجبال- انساخ الجبل، وذلك مع كونه جماداً، ومع كونه ليس به حركة، انساخ الجبل واندكَّ وخسف في الأرض، ولم يثبت، فعند ذلك صعق موسى، فالله تعالى تجلى للجبل، وإذا جاز أن يتجلى للجبل ألا يجوز أن يتجلى لعباده في الدار الآخرة، وأن يكرمهم بهذا التجلي وينعِّمهم ويزيد في كرامتهم؟! بلى فالقادر والممكن تجليه للجبل لا يستحيل عليه أن يتجلى كما يشاء لعباده في دار كرامته. فعرفنا بذلك أن الآية دليل على إمكان الرؤية، ودليل على وقوعها، وأن الاستدلال بها على النفي استدلال عكسي، بل هي على الرؤية أدل منها على ضد الرؤية. أما قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فيقول: إن كلمة (لن) تدل على النفي المؤبد في الدنيا والآخرة، يعني: (لَنْ تَرَانِي) أبداً! و الجواب أن كلمة (لن) لا تدل على النفي المؤبد حتى ولو أُكِّدت بـ (أبداً) ، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة:٩٥] نفى أنهم يتمنون الموت، وقد ذكر أنهم يتمنونه في النار فيقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، فهم يتمنون الموت، والله يقول: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة:٩٥] ، إذاً المراد في الدنيا، فدل على أن النفي في الدنيا لا يعم النفي في الآخرة، فالنفي في قوله: (لَنْ تَرَانِي) نفي في الدنيا، فلا يعم النفي في الآخرة. ولذلك يقول ابن مالك صاحب الألفية: ومن يرى النفي بـ (لن) مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا يعني: من يرى من النحاة أن النفي بلن يقتضي التأبيد فاردد قوله واعضد غيره من الأقوال، يعني: انصر القول الذي يرى أنها لا تقتضي النفي المؤبد. ويقولون: إن الرؤية مستحيلة. ويجاب عليهم بأنه لو كانت الرؤية محالة ما علقها على ممكن؛ فإن التعليق على شيء ممكن يدل على الإمكان، كما أن الله تعالى منزه عن الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] ، وقرأها بعضهم: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] ، وقال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٧] ، فبين أنه سبحانه منزه عن الحاجة إلى الطعام والشراب ونحو ذلك، وذكر من نقص عيسى وأمه الحاجة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] يعني أنهما يحتاجان ويأكلان الطعام فدل على أن الله تعالى منزه عن الحاجة إلى ذلك. فيقول الشارح: نحن والمعتزلة وغيرهم متفقون على أن الله ليس بحاجة إلى الأكل والشرب ونحو ذلك، وذلك من المستحيلات، فلا يمكن أن يُعَلَّق على شيء ممكن.

стр. 289

الرد على المعتزلة في الاستدلال بقوله: (لا تدركه الأبصار) على نفي الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأما الآية الثانية وهي قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ) . فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدُّح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يُمدح به. وإنما يُمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً، كمدحه بنفي السِّنَة والنوم المتضمن كمال القيُّومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلَّا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المِثْل المتضمن لكمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يمتدح بعدمٍ محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإذاً المعنى أنه يُرَى ولا يُدرَك ولا يُحاط به، فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يُدرَك بحيث يحاط به؛ فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قال كلا﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] ، فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرَى ولا يُدرَك، كما يُعلَم ولا يُحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ذُكرَت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه] . أكبر ما يستدل به المعتزلة هذه الآية من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٢-١٠٣] ؛ فإن هذه الآية اعتبروها أوضح الأدلة في أن الله لا يُرَى، قالوا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: لا تراه الأبصار. وقد ذكر الشارح أن أهل السنة استدلوا بها على إثبات الرؤية لا على نفيها، وذلك لأن الإدراك هو الإحاطة، أي: لا تحيط به فإذا رأته الأبصار لا تحيط به، فالفرق بينهما واضح، فليست الرؤية هي الإدراك، فالإدراك شيء زائد على الرؤية. ولهذا روي أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال للسائل: ألستَ ترى القمر؟ قال: بلى. قال: أكله -يعني: أتراه كله-؟ قال: لا. قال: فذلك الإدراك. يعني أنك ترى القمر ولكنك لا تراه كله، إنما ترى منه ما قابلك، فأنت -مثلاً- إذا رأيت جبلاً بعيداً رأيت منه ما قابلك ولم تره كله، فرؤيته كله أعلاه وأسفله والخفي منه والمقابل وغير المقابل يقال لها: الإدراك. فإدراك البصر معناه: رؤية المرئي كله وعدم خفاء شيء منه، والله تعالى لعظمته ولجلاله ولكبريائه إذا رأته الأبصار فلا تحيط به ولا ترى إلَّا ما يتجلى منه لها، وينظر إليهم وينظرون إليه، ولكن لا يحيطون بذاته، إنما يدركون منه ما تجلى، ففرق واضح بين الرؤية والإدراك. وقد أخبر الله تعالى عن قوم موسى أنه لا يُدرَكون فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء:٦١] يعني: قوم فرعون وقوم موسى ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] أخبر بأنهم يتراءون، هؤلاء يرون هؤلاء وهؤلاء يرون هؤلاء، فما معنى (مُدرَكون) ؟ أي: محاطون. أي: سوف يحيطون بنا ويلحقوننا ويحدقون بها، هذا معنى الإدراك، فنفى ذلك موسى وقال: (كَلَّا) أي: لا تخافوا فلن يدركوكم ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، وقد وعده الله بأنهم لا يُدرَكون في قول تعالى: ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] ، فلما وعده بأنهم لا يُدرَكون وثق بوعد ربه وأنه لا يدركهم شيء. فالحاصل أن هذه الآية دليل واضح على إثبات أن الله تعالى يُرَى، وذكرها في مجال التمدُّح، فالآية يتمدح بها الرب. وقد ذكرنا أن الله لا يتمدَّح إلا بما هو ثبوتي، ولا يتمدح بالنفي المحض، فكونه لا يُرَى ليس فيه مدح، فالنفي المحض عدم والعدم ليس بشيء، والمعدوم لا يُمدَح به، وإنما مدح الله تعالى نفسه بالنفي الذي تضمن ثبوتاً. وعلى كل حال يعتقد المسلم أن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها، ففيها أن الأبصار إذا نظرت إلى ربها لا تدركه أي: لا تحيط به، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] .

стр. 290

الأحاديث الدالة على الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. فمنها: حديث أبي هريرة أن ناساً قالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : وهل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك) الحديث أخرجاه في الصحيحين بطوله. وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً في الصحيحين نظيره. وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) الحديث أخرجاه في الصحيحين. وحديث صهيب المتقدم رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) أخرجاه في الصحيحين. ومن حديث عدي بن حاتم: (ولَيَلْقَينَّ اللهُ أحدَكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أعطِك مالاً وأُفْضِل عليك؟ فيقول: بلى يا رب) أخرجه البخاري في صحيحه. وقد روى أحاديثَ الرؤية نحوُ ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفةً يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقتُ ما في الباب من الأحاديث] . هذا الدليل أو النوع الثاني من الأدلة السمعية وهو الدلالة من السنة، أي: من الأحاديث النبوية. ومعلوم أن السنة تفسر القرآن وتبيِّنه وتدل عليه وتعبر عنه، ومعلوم أن الرسول ﷺ لا يقول إلا حقاً، وذلك أنه أعلم بربه، وأعلم بمن أرسله، فلا يصفه إلا بما هو حق وبما هو وحي ومطابق للحق. فإذا جاءتنا الأحاديث عن النبي ﷺ مشتملة على وصف أو شيء من صفات الله تقبلناها، وكيف لا نتقبلها وهي من معدن الرسالة من الرسول ﵊؟! فإنه الذي دل على ربه، والذي هدى الأمة إلى الله وبين لهم حقوقه عليهم، وكذلك بين لهم أنواع التوحيد، ومن جملة ما بينه لهم توحيد الأسماء والصفات، ومن جملة الصفات صفات الله سبحانه، ولا شك أن من أجلِّها كونه يُرَى وكونه يتجلى لعباده. والأحاديث كثيرة -كما ذكر- رواها نحو ثلاثين صحابياً، فثلاثون من الصحابة رووا إثبات الرؤية في جملة أحاديث أغلبها صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما فيه ضعف ينجبر بغيره ويتقوى ببقية الأحاديث، ومن أراد الاطلاع عليها يجدها مكتوبة في كتاب ابن القيم الذي سماه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) الكتاب الذي جعله في الجنة وصفتها ونعيمها، فإنه جعل من جملة أبوابه باب الرؤية وأن المؤمنين يرون ربهم، ونقلها أيضاً كذلك الشيخ حافظ الحكمي في كتابه (معارج القبول في شرح سلم الوصول) ، وسردها أيضاً كما سردها ابن القيم، وإن كان اختصر منها بعض الأسانيد وبعض الألفاظ. وذكر أيضاً منها جملة كثيرة ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة، وذكرت أيضاً متفرقة في كتب الحديث وفي كتب التفسير واضحةً دلالتُها، ولكثرتها يُحكم بأنها متواترة، وإن لم تتواتر أفرادها فهي متواترة أعدادها، والمتواتر: هو ما نقله العدد الكثير الذين تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، ويكون مستند انتهائهم الحس. أي: ما يُدرك بالحواس الخمس أو بأحدها.

стр. 291

حديث جرير ﵁ وسرد الشارح بعضاً منها، وأوضحها حديث جرير، يقول ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) وفي رواية: (كما ترون القمر ليلة البدر) ، والقمر ليلة البدر من أوضح ما يُرى، وفي بعض الروايات: (أنه نظر إلى القمر ليلة أربع عشرة وقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يلحقكم ضيم ولا ضرر. أو لا تتضامُّون ينضم بعضكم إلى بعض، بل ترونه بأماكنكم ولو كنتم على وجه الأرض، ولو كنتم في أقطار البلاد ترونه كما يشاء أحدكم. وفي بعض الروايات أنه قال: (فإن استطعتم ألَّا تُغْلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروبها فافعلوا) ، والمراد بهاتين الصلاتين الفجر والعصر، وخصهما بالمحافظة عليهما لأن الرؤية لخواص المؤمنين تكون بكرةً وعشياً، فقد ورد أن خواص المؤمنين في الجنة يرون ربهم في أول النهار وفي آخره، وأن عوامهم سيرونه في كل أسبوع في مثل يوم الجمعة، ويسمى يومُ الجمعة يومَ المزيد، حيث يزورون ربهم ويتجلى لهم، ويكون الذين يتقدمون إلى صلاة الجمعة هم أقرب وهم أولى بأن يقدَّموا، فيدل ذلك على فضل التقدم لصلاة الجمعة، وأن ذلك يكون أكثر ثواباً وأبقى وأقدم رؤية وأكثر نعيماً.

стр. 292

حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ ومن الأدلة حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو حديث طويل في الصحيحين فيه قوله ﷺ : (هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا. هل تضارُّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك) أي: ترون ربكم ولا تضارُّون في رؤيته. يعني: لا تتوهمون ولا يكون هناك ريب ولا شك، بل ترونه عياناً رؤيةً واضحة، كما لا تتوهمون في رؤية الشمس ولا في رؤية القمر ليلة البدر. والحديث في سياقه طولٌ سيما حديث أبي سعيد ساقه مسلم بطوله في كتاب الإيمان الذي في أول الجزء الثالث، وبيَّن الرؤية في الموقف والرؤية في القيامة، وكذلك حديث أبي هريرة.

стр. 293

حديث أبي موسى ﵁ كذلك أيضاً من الأحاديث حديث أبي موسى وهو حديث صحيح، وهو قوله ﷺ : (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، وقد ذكر الله الجنتين الأوليين في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ، وذكر الجنتين الأخريين بقوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] ، وزاد في هذا الحديث أنه ليس بينهم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء، وذلك دليل على أنه تعالى يكشف ذلك الرداء وذلك الحجاب ويتجلى لعباده متى شاء، فليس بينهم وبين النظر إليه إلا ذلك الرداء، وهذا دليل على أنه إذا شاء تجلى كما يشاء. كذلك أيضاً تقدم حديث صهيب الذي في صحيح مسلم في قوله ﷺ في تفسير الزيادة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أنها النظر إلى ربهم، وأنهم ما أُعطوا شيئاً ألذ عندهم من النظر إلى ربهم عندما يقول: سلوني. فيقولون: نسألك رضاك ثم يسألونه أن يتجلى فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئاً أفضل عندهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة، أي: المذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] . وإذا عرفنا أن هذه الأحاديث وأمثالها صحيحة قد نطق بها النبي ﷺ وتلقاها أهل السنة بالقبول فليس لأولئك المعتزلة أن يردوها، ولكن اعتمدوا في ردهم على أنها أخبار آحادية، وكذبوا، فليست أخبار آحاد ما دام أنه تلقاها جمع غفير عن مثلهم، رواها جمع غفير من الصحابة ثم مثلهم من التابعين أو أضعافهم، وهكذا إلى أن دُوِّنت، فكيف تكون أخبار آحاد؟! ثم لو قدر أنها أخبار آحاد فإنها تفيد العلم ويُستدل بها على العقائد، وذلك لأنهم يعملون بها في الشرائع، فكذلك يلزمهم أن يعملوا بها في العقائد.

стр. 294

سماع الأحاديث يورث اليقين برؤية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية؛ فإن فيها مع إثبات الرؤية وأنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعُها على الجهمية بمنزلة الصواعق، وكيف تُعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! وكيف يُفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم الذين نزل القرآن بلغتهم؟! وقد قال ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) وفي رواية: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) ، وسئل أبو بكر ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس:٣١] : ما الأبُّ؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم!] . يعني أن الأحاديث التي وردت في الرؤية موجودة في كتب أهل السنة في المؤلفات التي ألفوها في بيان سنة النبي ﷺ ، فمن أرادها فليواظب على سماع تلك الأحاديث وتلك الكتب، فهي في صحيح البخاري في (كتاب التوحيد) وفي صحيح مسلم في (كتاب الإيمان) وفي سنن أبي داود في آخره (كتاب السنة) وهكذا في بقية كتب أهل السنة. ولا شك أن الذي يقرؤها يجد فيها وصف الله تعالى بأنه يتجلى لعباده، وبأنه يكشف الحجاب، وبأنهم ينظرون إلى وجهه، وفيها: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه) . وفيها سؤال النبي ﷺ في قوله: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة) ، وأشباه ذلك. يقول الشارح: سماع هذه الأحاديث التي فيها أن الله يخاطب العباد، وأنه يتجلى لهم كما يشاء، وأنه يضحك إلى عباده، وأنه يكلمهم إلخ، سماعها على الجهمية والمعتزلة بمنزلة الصواعق، لذا كانوا يتمنون أنهم يحكّون آيات الاستواء من القرآن، فكذلك أحاديث الصفات يتمنون أنها لم ترد، ولأجل ذلك ينفِّرون من قراءة الكتب التي فيها هذه الأحاديث، وينهون عن جمعها في مكان واحد حتى لا تكون حجةً عليهم، أو حتى لا ينخدع بها تلامذتهم إذا رأوها مجتمعة وصعُب عليهم تأويلها والتكلف في ردها. ومع ذلك كله فإنهم لم يتوقفوا عن الخوض فيما ما لا علم لهم به، بل بالغوا في رد الأحاديث وفي رد الآيات، وتكلفوا في الكلام حولها بكلام لا يليق أن يقوله مسلم فضلاً عن عاقل. يقول الشارح: إن كلامهم هذا يعتبر من القول على الله بلا علم الذي هو أعظم من الشرك، ويعتبر من التخرص في القرآن، والتخرص في القرآن أيضاً ضلال لهذا الحديث الذي سبق: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار) . ومن هذا تأويلهم للآيات، وقولهم على الله بلا علم، وتكلفهم في رد الآيات، وقولهم في القرآن بالرأي، فيقولون في القرآن برأيهم، كقولهم: إن قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] معناه: منتظرةً للثواب أو معناه: منتظرةً إلى نعم ربها. وهذا قول على الله بلا علم، وهذا قول في القرآن بالرأي، فيكونون داخلين في هذا الحديث: (من قال في القرآن برأيه) . والصحابة ﵃ مع كونهم أعلم بالقرآن، وهم الذين شاهدوا نزوله، كانوا إذا لم يعلم أحدهم نفس الآية وتفسيرها توقف دون أن يفصح ولو كان عندهم علم، فهذا أبو بكر الذي هو الخليفة الأول للرسول ﷺ لما سئل عن هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس:٣١] : ما هو الأبُّ؟ يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟! أتريدون أن أتجرأ وأقول في كلام الله بغير علم؟! هذا لا يليق. فهؤلاء الذين يتخبطون في القرآن ويتكلفون في رد الآيات يقول أحدهم: إن كلام موسى ليس سؤالاً في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فلا يريد أن يرى ربه، وإنما يريد أن يوبخ قومه الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣] ، أو قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] ، فهو يريد بذلك توبيخ قومه ومن قال هذا قبلكم يا معتزلة أو يا أتباع المعتزلة؟! هذا هو التخرص في كلام الله بغير علم.

стр. 295

إزالة شبهة التشبيه عن أحاديث الرؤية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلَّا فهل تعقل رؤيةٌ بلا مقابلة؟! ومن قال: يُرى لا في جهة فليراجع عقله، فإما أن يكون مكابراً لعقله وفي عقله شيء، وإلَّا فإذا قال: يُرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة. ولهذا ألزم المعتزلة مَن نفى العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا: كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة، وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدَّق الرائي البصر في شعاعها ضعُف عن رؤيتها، لا لامتناعٍ في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خر موسى صعقاً، فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملَك في صورته إلا من أيده الله، كما أيد نبينا ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨] قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملَك في صورته، فلو أنزلنا عليهم ملكاً لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم هل هو بشر أو ملَك، ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا. وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لَمَّا وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه، لكن قول من أثبت موجوداً يُرى لا في جهة أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يُرى ولا في جهة] . لا شك أن أقوال أولئك المعتزلة وكذلك غيرهم ممن نفى الرؤية أو أثبت رؤيةً غير حقيقية أنها أقوال مضطربة يردها كل عاقل. وقد عرفنا أن المعتزلة ينكرون الرؤية، وهم لا يزالون موجودين، ينكرون الرؤية أصلاً، وأن طائفة الأشاعرة يثبتون الرؤية، ولكن لا يثبتون العلو ولا يثبوت الجهة، وينفون أن يكون الله تعالى فوق العالم، وينفون أن يكون الله فوق عرشه وفوق سماواته بائناً من خلقه، فيقولون: إنه يُرى لا في جهة، هذا قول الأشعرية، وحقيقة قولهم أن الرؤية مكاشفات قلبية ليست بصرية، فالرؤية عندهم مكاشفات قلبية وأنوار تسطع للقلب، لا أنهم ينظرون بأعينهم وبأبصارهم إلى ربهم، ويقولون: إن هذا يستلزم الرؤية التي هي المقابلة. فرد عليهم الشارح ومن قبله بأن هذا قول باطل، وأن من قال: إن الله يُرى لا في جهة فليراجع عقله؛ لأن المرئي لا بد أن يكون في جهة، وإن لم تكن تلك الجهة تحصره فالله تعالى يتجلى لعباده من فوقهم، فينظرون إليه، ولكن لا يدل على أنه محصور في جانب أو في جهة أو في حيز -تعالى الله-، بل يرونه كما يشاء. هذا هو القول الصحيح. فقول هؤلاء المعتزلة ومثلهم الأشعرية الذين قالوا بهذه المقالة لا شك أن قولهم يستعبده العقل، وأنه قول على الله تعالى بلا علم. والواجب أن المسلم إذا جاءته الأدلة يقبلها ويتقبلها، ويعرف أحقيتها وصحتها، ويؤمن بأنها كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وأن الله أخبر بنفسه، وأن رسله أعلم بما يجوز على ربهم، وقد أخبروا بذلك، فليس لأحد أن يرد بعض خبرهم ويقبل بعضه، فيكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ، بل إذا قبل ما يتعلق بالأعمال يقبل ما يتعلق بالعقائد من الأمور الأخروية والأمور الغيبية؛ حتى يكون بذلك سليم الفطرة وصحيح المعتقد مؤمناً بما جاء عن الله على مراد الله، كما نقل عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: آمنتُ بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.

стр. 296

شرح العقيدة الطحاوية [٢٠] خاض كثير من أهل الإسلام في علم الكلام، فأخطئوا طريقة النبي ﷺ ، ولم يستفيدوا من ذلك سوى ضياع الأوقات وكثرة الأوهام، وقد رجع كثير منهم عن ذلك في آخر حياته وكان يحذر من الوقوع فيما وقع فيه، فأحسن الله خاتمتهم بحسن نياتهم.

стр. 297

التداوي بالقرآن لا بالفلسفة وكلام اليونان سبق الكلام حول النهي عن علم الكلام الذي اشتغل به المتكلمون، ومنه قول الشافعي ﵀: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، وأن يُطاف بهم في العشائر والقبائل، يقال: هذا جزاء من ترك كتاب الله وأقبل على الكلام. وذلك أيضاً قبل أن يشتهر علم الكلام، وقبل أن يتولد فيه ما تولَّد. وقد مرَّ بنا ما تكلم فيه بعض العلماء وبيَّنوا أضراره ومفاسده، وأنه مبني على الجدل، وأن أكثر ما فيه كلمات مولَّدة مفروضة لا أهمية لها ولا حقيقة لها، كلٌّ مِن أهلها يدلي بشبهة ثم ينقضها الثاني بمثلها أو بأقوى منها، وهكذا فلا تثبت لأنها حجة كلامية. وقد وضعوا في ذلك كتباً موسعة، ومن أوسعها كتابٌ للقاضي عبد الجبار المعتزلي اسمه (المغني) طُبع طبعةً جديدة في أربعة عشر مجلداً كله كلام وكله جدل، وكله توليدات لتلك الشبه التي هي شبه المعتزلة التي اعتمدوها في نفي الصفات، ووسعوا بها دائرة الكلام وشغلوا بها أوقات الناس وأضاعوا بها فراغهم، ونهايتهم عدم المعرفة، فلا يثبتون على حجة ثابتة مستمرة. فلذلك ينهى علماء الإسلام عن قراءة كتبهم، فـ ابن القيم عندما ذكر بعض كتبهم قال: فانظر ترى لكن نرى لك تركها حذراً عليك مصائد الشيطانِ يقول: نختار لك تركها، فكتبهم متهافتة، وكتب أهل الكلام ينقض بعضُها بعضاً، وإن أردت فانظر إليها، ولكنا ننصحك ألَّا تقرأها وألَّا تقرب منها حذراً عليك أن تتبع وأن يقع لقلبك شيء من الزيغ، أو تعلق بقلبك شبهة من تلك الشبهات، فيصعب عليك بعد ذلك التخلص منها. هذا خلاصة الكلام في النهي عن هذا الجدل عن تلك الخصومات التي يتنازع أهلها، فيثبت قومٌ شبهةً وينفيها آخرون ويبطلونها، بل الشخص الواحد يثبت شيئاً ثم ينتقض وينفيه، بل يعترضون عليه باعتراضات وبتوليدات يتضح منها أنه لا حقيقة لما يقولونه ولما يعتقدونه. ويأتينا بقية الكلام حول هذا.

стр. 298

ما ورد عن أهل الكلام يعرض على النص قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المحال ألَّا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحيِّرين، بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهةً مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رُدَّ، وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعَرَض ونحو ذلك. إن هذه الألفاظ لم تأتِ في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريد أهل هذا الاصطلاح بل ولا في اللغة، بل هم يختصون بالتعبير بها عن معانٍ لم يعبر غيرهم عنها بها، فتُفَسَّر تلك المعاني بعبارات أخر، ويُنظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل. مثال ذلك في التركيب، فقد صار له معانٍ: أحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله ، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركباً بهذا المعنى المذكور. الثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم مثلاً هيولاه الفضة وصورته معروفة، وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول ولا فائدة فيه، وهو أنه هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه، والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. الخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سمَّوه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يُعرف في اللغة ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سمُّوه بما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطُلح على تسمية اللبن خمراً لم يحرم بهذه التسمية. السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها ووجودها مجرد عنها، هذا محال! فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقةً رأي الوقف والشك في ذلك، وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل] . قد علمنا أن الشرع الشريف كامل في جميع ما يحتاج إليه البشر، وأن الرسول ﷺ قد بيَّن للأمة ما تحتاج إليه، وبالأخص ما يقولونه بألسنتهم وما يعتقدونه بقلوبهم في صفات ربهم، ولا يليق أنه علمهم الفروع وترك الأصول، بل الأصول أولى بالتعليم، فعلمهم الأصول التي هي العقائد ما يقولونه في ربهم بألسنتهم وما يعتقدونه بقلوبهم قبل أن يعلمهم الأوامر والنواهي ونحو ذلك، وذلك لأن العقيدة سبب الأعمال، والذي لا تكون معه عقيدة لا ينبعث جسمه بالعمل، فإذا رسخت العقيدة التي هي معرفة الرب سبحانه ومعرفة عظمته وكبريائه وجلاله في القلب أورثت أعمالاً، وأورثت الخوف منه ورجاءه ومحبته والخضوع والخشوع له والإخبات والإنابة والتوبة والرجوع إليه، وأورثت تعظيمه وتأليهه ودعاءه وعبادته. فإذا انتفت هذه المعرفة من القلب انتفت العبادة، ونحن نعرف أن الصحابة ﵃ وتابعيهم بإحسان أكثر الناس أعمالاً وأتمهم خشوعاً وأتمهم تذللاً، فما الذي حملهم على ذلك؟ أليس هو قوة المعرفة؟ أليس هو قوة العقيدة؟ أليست العقيدة رسخت في قلوبهم وهي معرفة ربهم؟ إذاً فنحن نحث المسلم على أن يقوي عقيدته، فنقول قوِّ عقيدتك، وتعلم ما ترسخ به عقيدتُك في قلبك، وقوِّ العقيدة التي هي معرفة الله ومعرفة عظمته ومعرفة جلاله وكبريائه، واحرص على ترسيخ هذه العقيدة في قلوب أولادك وفي قلوب إخوتك وفي قلوب المسلمين؛ فإنها متى رسخت أثمرت، وآتت أكلها وأثمرت العبادات الكثيرة التي هي فعل الصالحات وترك المحرمات.

стр. 299

السلامة في اتباع طريقة الرسل ﵈ وأتباعهم ولو كان علم الكلام وتفاصيله من الشريعة ما أهملته الرسل، بل لعلمته الرسل لأممها، ونحن لم يُنقل لنا عن نبينا شيء من ذلك، ما نُقل عنه أنه خاض بأصحابه في هذا العلم الذي هو الجدل والخصومات والمنازعات ونحوها، ونعلم أنه ما تكلم فيها، بل كلامه في معرفة الله وفي عظمته وفي صفاته، وكلامه في أحكامه وأوامره ونواهيه وما إلى ذلك؛ هذا هو الذي بلغه لأمته، وبلغته أمته بعضها لبعض. يقول بعض السلف: أنا أحلف لو حُلِّفتُ أن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة ماتوا ولم يتكلموا في لفظ التركيبب ولا الحيز ولا الجهة ولا الجوهر ولا العَرَض بالمعنى الذي أراده المتكلمون. وإذا لم يتكلم فيها هؤلاء الصحابة فلا خير فيها. وقد ثبت أن بعض المتكلمين وهو ابن أبي دؤاد الذي زين للخلفاء أن يمتحنوا الناس في علم الكلام، ومنه القول بخلق القرآن. جاءه أحد العلماء فقال له: أخبرنا عن هذا الذي تدعو الناس إليه، هل علمه نبي الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو ما علموه؟ فإذا قلتَ ما علموه قلنا: كيف تعلم شيئاً ولا يعلمونه؟ أأنت أعلم من الرسول؟ أأنت أعلم من الخلفاء الراشدين؟ حاشا وكلا، لا تكون أعلم منهم. وإذا قلت: بل يعلمونه فهلَّا وسعك ما وسعهم، فهل دعوا إليه؟ وهل نشروه؟ وهل علَّموه الناس؟ وهل ألزموهم باعتقاده؟ وإذا لم يفعلوا فاتبعهم، ولا تنشره ولا تظهره، فإذا كان لك عقيدة فاكتمها في نفسك ولا تلزم غيرك بأن يعتقدها، فلماذا لا يسعك ما وسعهم؟ لا وسع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه الراشدين وصحابته والتابعين وأئمة الدين.

стр. 300

مثال التركيب وبعده وسبق من أمثلة ما تكلم به المتكلمون كلامهم في التركيب وفي العَرَض وفي الجوهر وفي الحيز وفي الجهة وفي الأبعاض وفي الأعضاء ونحو ذلك، فيقولون: إن الله منزه عن التركيب، ومنزه عن الجسم، وعن الجوهر، وعن العَرَض، وعن البعض، وعن الجهة، وعن الحيز وما أشبه ذلك. فيقولون: ننزه الله تعالى عن ذلك، ثم يشرحون هذه الكلمات ويتوسعون فيها، وسبق ما نقله عنهم الشارح في معنى التركيب. ولا شك أن هذه الكلمة بدعية لم يتكلم بها السلف، واصطلاحاتهم هذه حيث جعلوا لها ستة معانٍ كما سمعنا، آخرها قولهم: التركيب هو التركيب من الصفات والذات، وأرادوا أن الله تعالى ليس له صفات، قيل: إذا إن الله ليس بمركب. وقد بين العلماء ﵏ أن إثبات الصفات لله إثبات وجود لا إثبات تحديد، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تحديد، ولا إثبات تكييف، وذلك لعجز البشر وقصورهم عن أن يصلوا بمعارفهم إلى تحديد الصفات وإلى تكييفها، وقد ذكروا أن علم الصفات ملحق بعلم الذات يحذو حذوه ويسير على مثاله، فإذا كنا نثبت لله تعالى ذاتاً ولا نكيفها فهكذا نثبت له صفاتاً ولا نكيفها. وكثير من السلف يقولون في الصفات: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. وفي الأثر المشهور عن مالك بن أنس ﵀ قوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وفي أثر عن شيخه ربيعة قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. يعني: لا تصله العقول، له كيفية ولكنها محجوبة عنا، فنؤمن به ونتوقف عن تلك الكيفية. وإذا سأل سائل وقال: ما كيفية الاستواء؟ قلنا: الكيف مجهول. فإثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف ولا إثبات تمثيل. فهؤلاء الذين يقولون: إن الله تعالى غير مركب ثم يريدون بالتركيب التركيب من الصفات والذات يريدون بذلك نفي الصفات. فيقال لهم: أنتم تثبتون الذات، فهل لها كيفية؟ فإذا قالوا: لا يعلم كيفية الذات إلا الله. قلنا: كذلك الصفات لا يعلم كيفيتها إلا الله تعالى. فالحاصل: أن كلامهم في التركيب وأنه الأقسام الستة التي سبقت لا يحتاج إلى البحث فيه، بل هو من علم الكلام، إنما أورده الشارح ليبين تهافتهم، وليبين أنهم خاضوا في شيء لا فائدة فيه ولا حاصل له. وهذه التركيبات للأقسام الستة القصد منها هو القسم السادس كما سمعنا، وفي الأقسام الأولى من جملة ما ولَّدوه أن قالوا: التركيب من الأعضاء، والتركيب من الصورة والهيولي، ونحو ذلك، قالوا ذلك بالتتبُّع أو بعلم الكلام الذي ولَّدوه. فنقول: لا يجوز الخوض في مثل هذا، بل يقال: الله منزه عن النقائص وموصوف بصفات الكمال.

стр. 301

سبب الضلال واعترافات أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [وسبب الضلال: الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة، وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام لأنهم لم يفيدوا علماً لم يكن معروفاً، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما عُلِم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله يُنتفع به في موضع آخر ومع من ينكر الحس، وكل من قال برأيه أو ذوقه أو سياسته مع وجود النص أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قل: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] . وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء:٨٠] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] . وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً. قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، مُوَسوِساً تائهاً شاكَّاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً) . يتذبذب: يضطرب ويتردد، وهذه الحالة التي وصفها الشيخ ﵀ حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد -وهو من أعلم الناس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم- في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟! وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقفٌ في المسائل الكبار حائر، وكذلك الغزالي ﵀ انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ فمات و (البخاري) على صدره، وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها رجالٌ فزالوا والجبال جبال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] . وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] . ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي] . أورد هذا الكلام ليبين أن هؤلاء نهايتهم الحيرة والتذبذب، وذلك لأنهم ليسوا على عقيدة راسخة، فكلامهم الذي يولدونه سبب الشك؛ لأنه لا يأتي ببرهان، بل بعضه يرد بعضاً، ويكذب بعضه بعضاً، فيأتي أحدهم بمسائل جدلية ويجمعها في مؤلفاته، ثم يأتي آخر أشد جدلاً منه فينقضها واحدة واحدة، فلا يبقى معه شيء، فيقول: كما أنك تولِّد كذا فأنا أولِّد مثله. وقد تعلمها كثير من العلماء ليردُّوا عليها، ومن جملة من عرفها وأتقنها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه درس علومهم وإن لم يصرف فيها وقتاً، ولكن ما أعطيه من الذكاء ومن الفطنة ومن قوة الذاكرة كان سبباً في كونه يفهمها بمجرد ما يقرؤها، فناقش كتبهم ورد عليها رداً متقناً. وتجد في أول كتابه الرد على الشيعة الرافضة الذي سمي (منهاج السنة) ويكاد يكون ثلثه في مناقشة المتكلمين فيما يتعلق بالصفات وبنفيها ونحو ذلك. وهكذا كتابه الذي يسمى بالعقل والنقل أو يعرف بـ (درء تعارض العقل والنقل) مطبوع أيضاً في عشر مجلدات، وهو أيضاً مناقشة لهم في تلك الشبهات وبيان ما وقعوا فيه من التناقضات. وهكذا أيضاً كتابه الذي يسمى بـ (نقض التأسيس) و (التأسيس) كتاب لأحد المتكلمين، وهو للرازي صاحب هذه الأبيات، اسمه (تأسيس التقديس) رد عليه وإن لم يرد عليه كله، أو لم يوجد رده كله كاملاً وطبع الموجود منه، فناقشه كأنه درس كلامهم وتوغل فيه. وكل ذلك ليعرف المسلمون أنهم لا يثبتون على حالة، بل نهايتهم الحيرة ونهايتهم التذبذب، كما سبق عن أولئك منهم. فهذا ابن رشد -ويسمى الحفيد - له كتاب في الانتصار للفلاسفة، وذلك لأن الغزالي صنف كتاباً سماه (تهافت الفلاسفة) ولما صنفه رد عليه ابن رشد انتصاراً لهم، وسمى رده (تهافت التهافت) انتصاراً للفلاسفة ورداً على الغزالي. وقد سبق أن نقل الشارح بعض كلام الغزالي من كتابه إحياء علوم الدين. فالحاصل: أن الغزالي يبين أنهم ليسوا على عقيدة راسخة، بل إنهم متهافتون مضطربون متذبذبون، ولا عبرة بمن انتصر لهم من أضرابهم؛ فإن ابن رشد فيلسوف. فالحاصل أن هذا المؤلف لم يكن على عقيدة راسخة، بل ينقل عنهم أنهم متذبذبون، وأنهم مهما وصلوا إليه من المعرفة لا يثبتون أيضاً على طريقة. وثانيهم أبو الحسن الآمدي صاحب كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) من علماء المتكلمين، ولكن من الذين تكلموا في هذا العلم وتكلموا أيضاً في العلوم الأخرى كأصول الفقه، ومع ذلك فهو قد اعترف أنهم في الحيرة والشك والاضطراب. وثالثهم الغزالي صاحب الإحياء، يقولون: إن الإحياء من خير كتبه. وإن كان فيه شيء من البدع، فـ (إحياء علوم الدين) من أحكم كتبه، ولكنه لم يكن من المحدِّثين، فحشد فيه أحاديث موضوعة لا أصل لها، وإن كان جاء فيه بأفكار وبفوائد مهمة، وهو كان في أول أمره مشتغلاً بعلم الكلام ومشتغلاً بالجدل ومشتغلاً بعلم الفكر وما أشبه ذلك، ولأجل ذلك قدم في أول كتابه (المستصفى) مقدمة في المنطق، وفي آخر حياته ندم على أنه أضاع حياته في شيء لا فائدة فيه، فأقبل على الحديث وجعل يقرؤه فوافاه الأجل و (البخاري) على صدره، كأنه يقول: ندمتُ على إعراضي عن كتب الحديث فأنا الآن أشتغل بها في آخر حياتي. ولعله خُتم له بخاتمة حسنة. رابعهم: أبو عبد الله الرازي صاحب التفسير الكبير الذي هو أكبر التفاسير الموجودة لهذا العالم الكبير أبي عبد الله، ويسمى (فخر الدين الرازي) ، وصنف كتاباً له وسماه: (أقسام اللذات) وجاء فيه بهذه الأبيات، وكأنه ينتقد أكثر عمله، فحياته ذهبت في شيء لا فائدة فيه من علم الجدل. رُوي أنه مرةً كان يمشي في طريق وخلفه تلاميذ له أكثر من مائة أو مائتين، فمروا على عجوز فاستغربته وقالت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو عبد الله الرازي العالم الجليل يحفظ ألف دليل على وجود الله تعالى. قالت العجوز: أفي الله شك. عجوز على فطرتها تقول: هذا الذي حرص على جمع هذه الأدلة في قلبه شك، وفي قلبه توقف، فلا يحرص على تتبعها إلا من هو في حيرة أو في شك، فهو يقول في الأبيات التي سبق ذكرها: نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال فـ (إقدامهم) : تقدمهم. يعني: نهايته هذا الأمر. وسعيهم يعني: عملهم، أكثره ضلال. ثم يقول في أثنائها: ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا أي: ما استفدنا من جمعنا ومن تأليفاتنا إلا قال فلان، وقيل كذا، وقالوا كذا، فهذه فائدتنا. ثم يقول بعد هذه الأبيات: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية. يعني: طرق أهل الكلام ومناهج الفلاسفة. يقول عنها: فما تروي غليلاً -الغليل: الظمآن- ولا تشفي عليلاً يعني: مريضاً. ثم يقول: ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] . وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. فهذا كلامه في هذا الكتاب (أقسام اللذات) ، أليس ذلك دليلاً على أنه اعترف على نفسه وعلى بني جنسه أن سعيهم ضلال وأنهم في حيرة وأن عملهم تافه؟! إذاً نقول: هذه نهايتهم، أما أهل العقيدة الراسخة التي هي معرفة الله بصفاته وتفويض كيفيتها فهؤلاء -والحمد لله- لم يقعوا في شيء من هذا التزلزل.

стр. 302

قصص أخرى عن أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: إنه لم يَرِد عن الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: لَعَمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وكذلك قال أبو المعالي الجويني ﵀: يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لـ ابن الجويني، وهأنذا أموت على عقيدة أمي أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي -وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي - لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوماً فقال: ما تعتقد؟ قال: ما يعتقده المسلمون. فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به -أو كما قال-؟ فقال: نعم. فقال: اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته. ولـ ابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق: فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري سافرَت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر فلَحَى الله الأُلى زعموا أنك المعروف بالنظر كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر وقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجِّح ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً. وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء. ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف ﵀: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولَأَن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها ثم تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم -إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيب القلوب صلوات الله عليه وسلامه يقوله إذا قام من الليل يفتتح صلاته: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون! اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) خرَّجه مسلم. توسل ﷺ إلى ربه بربوبيته جبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه؛ إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبيته هذه الأرواح العظيمة المُوْكَلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان] . ذكر أولاً بقية كلام هؤلاء الذين عُرف عنهم الحيرة، منهم الشهرستاني صاحب الملل والنحل. ومنهم: الجويني صاحب (الإرشاد) ، ويسمى (إمام الحرمين) له أيضاً مؤلفات، وكلامه في (الإرشاد) دليل على أنه متوغل في علم الكلام، وعرفنا ما تكلم به هنا. ومنهم هذا العالم المشهور الذي يسمى: (الخسروشاهي) الذي يحلف -كما ذكر الشارح- أنه لا يدري ما يعتقد، ويغبط العامة بعقيدتهم. هذه الكلمات المنقولة عنهم وكذلك عن غيرهم لا شك أنها دليل واضح على أن هذا النوع من علم الكلام نهايته الحيرة وأنهم لا يثبتون على طريقة، بل حجج هؤلاء ترد حجج هؤلاء. ذكر أحدهم -كما سبق- أنه يبيت الليلة من أولها إلى آخرها وهو يقابل حجة هؤلاء بحجة هؤلاء، ويصبح وما ترجح عنده منها واحدة، أي فائدة من العلم بها؟! وأي فائدة من معرفتها؟! إذاً أسلم الطرق البُعد عن هذه الطريقة التي هي علم الكلام، وهجر أهله والبُعد عنهم، بل عقوبتهم بما قال الشافعي ﵀.

стр. 303

علاج القلوب عند الاختلاف والعلاج مثل ما في هذا الحديث، وهو قوله ﷺ في توسله بالله رب الموكلين من الملائكة بالحياة: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون! اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) . كأنك ترغب إلى الله وتقول: اختلفوا فهؤلاء يقولون، وهؤلاء يقولون، وأنا لا أدري مع من الحق، فإذا هديتني ووفقتني ودللتني على الصواب فإنني أنا المهتدي، وأنت الذي تهدي من تشاء وتضل من تشاء. إذا رغب العبد وتوسل بربوبيته تعالى هؤلاء الملائكة فإن الله تعالى يقبل دعاءه ويجيبه لما طلب، ويصرفه عن المحظورات وعن أضرارها وشرورها.

стр. 304

لزوم الإيمان برؤية الله تعالى دون توهم أو تأويل قال المؤلف رحمه الله تعالى [قوله: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأوَّلها بفهم؛ إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) . يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي ﷺ قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) الحديث، أدخل (كاف التشبيه) على (ما) المصدرية أو الموصولة بـ (ترون) التي تؤول مع صلتها إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي، وهذا بيِّن واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها، وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟! فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص كيف يُستدل بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟! ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ، ونحو ذلك مما استعمل فيه (رأى) التي من أفعال القلوب، ولا شك أن (ترى) تارةً تكون بصرية وتارةً قلبية وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلِّص أحد معانيه من الباقي وإلا لو أخلى المتكلمُ كلامَه من القرينة المخلِّصة لأحد المعاني لكان مجمَلاً مُلْغَزاً لا مبيَّناً موضَّحاً، وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) ؟! فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟! فإن قالوا: ألجأَنا إلى هذا التأويل حكمُ العقل بأن رؤيته تعالى مُحال لا يُتصور إمكانها، فالجواب أن هذه دعوى منكم، خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عُرض على العقل موجودٌ قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحُكم بأن هذا محال وقوله: (لمن اعتبرها منهم بوهم) أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا فيتوهم تشبيهاً، ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبِّه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطِّل، بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما رداً على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق] .

стр. 305

دلالة ألفاظ الكتاب توجب الإيمان بما دلت عليه الواجب علينا أن نقبل الصفة التي جاءتنا على ظاهرها، سيما إذا كانت صريحة بعيدة عن التوهمات، وأن نحملها على المحمل الذي يمكن أن تتحمله، وأن ننزه كلام الله وكلام رسوله ﷺ عن الاحتمالات البعيدة التي فيها شيء من التكلف، وفيها صرف للفظ عن متبادرٍ منه وعما يفهمه المخاطَب لأول وهلة. وذلك أن كلام الله تعالى أفصح الكلام وأوضحه وأجلاه معنىً، وأقرب إلى أن يُفهم، ولا يحتاج إلى إيضاح زائد، وليس ككلام أهل الألغاز وأهل الإشارات القوية، وهكذا أيضاً كلام نبيه ﷺ ، فإنه أفصح الخلق وأنصحهم، وإذا كان فصيحاً فلا بد أنه سيتكلم بما يعرفه ويفهمه المخاطَبون، وكذلك إذا كان أنصح الخلق وأحبهم لمعرفة الأمة وأحبهم لمنجاتها وأحبهم لإبعادها عن الأشياء الوهمية. فإذا كان كذلك فلا بد أنه يوضح لهم ولا يسوق لهم الكلام ملتبساً، ولا يتكلم بالكلام المُبهِم، حاشاه أن يتكلم بكلام يُفهم منه غير الذي أراد، والصحابة ﵃ تقبلوا كلامه وحملوه على ما هو عليه دون أن يسألوه ويناقشوه، ودون أن يفسروا كلامه بما لا يحتمله، حتى جاء الخلف المتأخرون الذين هم كما قال في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٦٩] ، يعني أنهم قاموا مقامهم في وراثة الكتاب، ولكنهم لم يعملوا به، فهؤلاء الخلف الذين جاءوا بعد السلف هم الذين عملوا هذه الأعمال، وهي التأويلات البعيدة، التي تكلفوا فيها وصرفوها عما هو مقصود بها. فقد تقدم قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، والوجوه معروف أنها محل العيون، فالعينان مركبتان في الوجه، فإذا كان الوجه مقابلاً فإن العين تنظر. فالله قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤] ، وفي سورة أخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية:٢] ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] . فجعل الوجوه علامة على الشقاء أو السعادة، كما في آية أخرى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، فالوجه هو الذي تكون فيه علامة الإشراق والسعادة، أو علامة الاسوداد والشقاوة. فإذاً قال الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وأيُّ كلام أفصح من هذا الذي يُفهم منه أن الوجوه تنظر إلى ربها؟! ثم جاء هؤلاء الخلف وسلطوا التأويل عليه وقالوا: إن المراد بالنظر هنا الانتظار، أو المراد نظر الثواب لا نظر الرب تعالى، فقالوا: (إلى ربها) يعني: إلى ثواب ربها. وما الدليل على هذا المقدر؟ وهل في الكلام محذوف؟ إن الله تعالى أعلى من أن يوهِم في كلامه أو يجعلَه خفياً ليس بجلي، فكيف يقال: ناظرة إلى ثواب الله أو إلى آلائه أو إلى نعمه؟!

стр. 306

وضوح كلام النبي ﷺ في الصفات وإذا عرفنا ذلك فإن كلام النبي ﷺ أيضاً فصيح، بعثه الله باللغة الفصحى، وهو أفصح من نطق بالضاد وأفصح العرب، وكلامه أيضاً في غاية الوضوح وفي غاية الفصاحة وفي غاية البيان. فمثلاً: قوله ﷺ في حديث جرير: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر -أو كما ترون هذا القمر- لا تضامون في رؤيته) . ويقول في حديث آخر: (هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟! هل تضارُّون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟! فإنكم ترونه كذلك) ، أليس هذا واضحاً في أن المراد النظر والمعاينة بالعين؟ فجاء الخلف وسلطوا عليه التأويل وقالوا: المراد ألم تعلم، فالمراد العلم، فقوله: (فإنكم سترون ربكم) يعني: ستعلمون ربكم. هم يعلمونه في الدنيا، فكيف قالوا ستعلمون، وكأنهم ما علموا؟! إذ (السين) للاستقبال، ولو كان هذا مراده لقالوا: نحن نعلم ربنا، ونحن نعلم أنه ربنا. ولكنه قال: (سترون ربكم) يعني: يوم القيامة في الآخرة وفي الجنة. ثم لماذا قال: (كما ترون القمر) ؟! هل هم كانوا يرون القمر في تلك الساعة؟! وإذا كانوا يرونه هل يشكون في أن هذا هو القمر؟! وكيف يقاس على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل:١] يعني: ألم تعلم؟! أو: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم:٢٤] يعني: ألم تعلم؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا﴾ [المجادلة:٨] ؟ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة:٧] ؟! وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر:١١] ؟! فالمراد هنا الرؤية العلمية، يعني: ألم ترَ بقلبك؟! فلا مناسبة بين هذه وبين قوله: (سترون ربكم) ، فهنا دخلت السين، يعني أنه في المستقبل، وهنا أكد بقوله: (كما ترون القمر ليلة البدر) ، (كما ترون هذا القمر لا تضامون) أي: لا تشكون في رؤيته. وبينهما فرق، فعرف بذلك أن هذه تأويلات بعيدة لا يحتاج إليها ولا يصدقها عاقل.

стр. 307

بعد تأويل أهل الكلام وأما قولهم: حملنا على ذلك أن الرؤية لله فيها تشبيه، فإذا قلنا إنه يُرى فإنه يكون مشابهاً لخلقه -تعالى الله عن قولهم- ف الجواب ما الذي أشعركم؟ فلو رأوه كلهم هل يلزم أن يكون مشابهاً لخلقه؟! حاشا وكلا؛ فالله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يلزم إذا رأوه أن يكون مماثلاً لشيء من مخلوقاته، بل هو كما يشاء، وقد أكد النبي ﵊ هذه الرؤية وأخبر بأنها من أعلى نعيم أهل الجنة وأنها غاية مقصدهم ومرامهم، حتى يقول بعضهم: ولو أني استطعتُ غضضتُ طرفي فلم أنظر به حتى أراكا فعلى كل حال لا يُغتر ولا يُلتفت إلى تلك التأويلات، والمؤمن يتقبل هذه النصوص ثم يعرف الفائدة، والفائدة رسوخ عقيدته في قلبه وأنه مؤمن بالله وبما جاء عن الله، ويقينه أو تصديقه بأن المؤمنين يرون ربهم في دار كرامته، وبأن المؤمنين يتنعمون ويلتذون بهذه الرؤية، وأنها من جملة نعيمهم، وقبوله للأدلة التي دلت على ذلك وعدم تسليطه للتأويلات، وإعراضه عن تأويلات المتكلمين وعدم الإصغاء إلى أقوالهم، وإعراضه عن الأدلة العقلية التي ولَّدوها والتي زعموا أنها براهين وهي في الحقيقة شبهات وضلالات.

стр. 308

البعد عن التأويل سبب للسلامة قال رحمه الله تعالى: [وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) ، فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي، وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟! فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال؛ إذ المعدوم لا يُرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراكَ إحاطة كما في العلم؛ فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لا يحاط به رؤيةً كما لا يحاط به علماً وقوله: (أو تأولها بفهم) أي: ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها وما يفهمه كل عربي من معناها. فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه (صرف اللفظ عن ظاهره) ، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا: نحن نؤوِّل ما يخالف قولنا فسموا التحريف تأويلاً تزييناً له وزخرفةً ليُقبل. وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] ، والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق، وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: (لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا) . ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين) ، ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف، ولكن الشيخ رحمه الله تعالى تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ، وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً، ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس بدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك القول على الله بلا علم. فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية وأدلة العلو، وأنه لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً] . نعرف أن هؤلاء المعتزلة ونحوهم هم الذين توسعوا في هذا المجال وحملوا غيرهم على أن يتوسعوا، ولم يكن السلف ﵏ يتوسعون في هذا الكلام، بل يقبلونه على ما هو عليه، ولا ينقبون ولا يبحثون عن شيء من الإيرادات التي يوردها عليهم أهل التشبيه، فكان كلام السلف ﵏ قليلاً ولكن معناه كثير، وكانوا يقبلون النصوص ويعرفون معناها ويفهمونه ويعلمون ما قُصد منها، فيقرءون -مثلاً- الآيات التي في الصفات ويعلمون أنها صفات ثابتة، ولكن يعلمون أنها تخالف صفات المخلوق؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ويعلمون أن من تلك الصفات صفة العلم وصفة الرؤية، وأنها حقيقية، ولكنها ليست كصفات المخلوقين في رؤيةِ بعضهم لبعض أو علمِ بعضهم ببعض، ويعلمون أن الله تعالى ما نفى عن نفسه إلا النقائص، فكل شيء فيه نقص فإنه قد نفاه. فمثلاً: يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: لا يماثله شيء. لأن المخلوق يأتي عليه الفناء والله ليس كذلك. ويقول تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] أي: لا أحد يستحق أن يسمى (الله) أو (الإله) أو نحو ذلك، وذلك لنقص المخلوقات التي تسمى بذلك. وقال تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] نفى ذلك عن نفسه لأنه نقص، فالنوم أخو الموت. وقد نفى الموت أيضاً عن نفسه فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، فالموت نقص فنفاه عن نفسه. ونفى أيضاً عن نفسه عزوب شيء أو نسيانه فقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس:٦١] فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ [يونس:٦١] يعني: ما يغيب عنه وما ينسى شيئاً؛ وذلك لأن النسيان نقص فنفاه عن نفسه. ونفى عن نفسه اللغوب فقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] و (اللغوب) : التعب والسآمة والنصب، وذلك أيضاً نقص. فكل النقائص نزه الله نفسه عنها، وذلك لما يرد عليها من التغيير.

стр. 309

رؤية الله تعالى كمال له ولم ينفِ عن نفسه الرؤية ولو كان نقصاً لنفى ذلك عن نفسه، وذلك لأن الرؤية كمال، فكونه يُرى صفة كمال، وعدمها صفة نقص، وذلك لأن المعدوم لا يُرى، فالذي لا يُرى معدوم، والمعدوم ليس بشيء، والذي ليس بشيء هو كاسمه ليس بشيء، فأثبت الله تعالى أنه يُرى، ولكن نفى عن نفسه إحاطة الأبصار به في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: إذا رأته فإنها لا تحيط به، فترى ما يبدو وما يتجلى منه ولا تحيط به، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، وقد تقدم أن الرؤية غير الإدراك، فالله ما نفى إلا الإدراك، والإدراك هو الإحاطة. وقد تقدم أن ابن عباس قيل له: أرأيت قول الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ؟! فقال للسائل: ألستَ ترى القمر؟ قال: بلى. قال: أكُلَّه؟ قال: لا. قال: كذلك الإدراك. نحن نرى السماء، ولكن لا ندركها ولا ندري ما ماهيتها، ونحن نرى هذه الشمس وهذا القمر، ولكن لا ندرك ماهيته ولا من أي شيء هو، ونحن نرى هذا السحاب وهذه النجوم، ولكن تضعُف أبصارنا أن تحيط بها، وعن أن تعلم ماهيتها. فإذاً الرؤية شيء غير الإدراك، فالإدراك زائد على الرؤية. فمن تعظيم الله تعالى أنه يُرى ولا يُدرك. كذلك من تعظيم الله تعالى أن يُعلم ولا يُحاط به، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] . وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] أي: لا يعلمون إلا ما أعلمَهم، وذلك لنقص المخلوقين وعظمة الخالق ، فهم مهما علموا لا يعلمون تفاصيل ذات الله تعالى ولا ما هو عليه إلا ما أطلعهم عليه، فهذا هو بيان الفرق بين ما يقوله هؤلاء وما يقوله أهل السنة.

стр. 310

الواجب على أهل التأويل أما كونهم سلطوا على ذلك التأويل فقالوا -مثلاً- إن الرؤية تدل على إثبات تشبيه أو نحو ذلك فنحن نقول: لا حاجة لنا إلى تأويلكم، ولا حاجة بنا إلى هذا التأويل، بل انفوا عنها التشبيه وتَسلَمون. والتأويل اصطلحوا على أنه (صرف اللفظ عن ظاهره) ، فقالوا -مثلاً-: ظاهر قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أن لله وجهاً، ولكن نصرفه فنقول: الوجه الذات، فنقول: كل شيء هالك إلا ذاته، فهذا أيضاً تأويل. ويقولون: ظاهر قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] أن لله يدين، وفي إثباتهما تشبيه، فنحن نفر من التشبيه، فلأجل ذلك نسلط عليهما التأويل، فنقول: المراد باليدين النعمة. أو: المراد باليدين القدرة وهذا بعيد، فالله تعالى قال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) يعني: مبسوطتان بالعطاء، وقد أكد ذلك النبي ﵊، بقوله: (يمين الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟! فإنه لم يغِض ما في يمينه، وبيده الأخرى القسط يخفظ ويرفع) ، وقد أثبت الله تعالى لنفسه اليمين بقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، فكيف تقولون: اليد القدرة؟! هذا من التأويل البعيد. وهكذا قولهم: إن كلام الله المعنى لا اللفظ. هذا أيضاً من التأويل. وهكذا قولهم: إن رحمة الله إرادة الإحسان. أو: غضبه إرادة الانتقام. كل ذلك يسمونه تأويلاً، فأهل السنة لا يدخلون في باب التأويل. والواجب عليهم أن يقتصروا على نفي التشبيه، وهذا معنى قول الطحاوي رحمه الله تعالى: (من لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) . وكان كثير من السلف إذا رأوا الإنسان يبالغ في النفي فيقول: ليس لله كذا وليس لله كذا اتهموه بأنه جهمي؛ لأن الذين يبالغون في النفي، فإنهم أقرب إلى أن يكونوا مشبِّهة من غيرهم، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه أن هؤلاء مشبِّهة، ولو ادعوا أنهم يهربون من التشبيه. وذلك أنه ارتسم في قلوبهم أن تلك الصفات دالة على التشبيه، فما فهموا من النصوص إلا التشبيه، فهذا أولاً. ثانياً: أنهم لما نفوا الصفات نفياً كلياً وقعوا في تشبيه آخر وهو التشبيه بالجمادات أو التشبيه بالمعدومات أو التشبيه بالمستحيلات، فأصبحوا بذلك مشبِّهين، مع أنهم يقولون: نهرب من التشبيه، فقيل لهم: أنتم مشبهة. فعلى كل حال: تأويلاتهم التي يتأولون بها النصوص يردها كل ذي عقل سليم.

стр. 311

معاني التأويل قال رحمه الله تعالى: [وقد صار لفظ التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي، فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام. فتأويل الخبر هو عين المخبَر به، وتأويل الأمر نفس الفعل المأمور به، كما قالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي، يتأول القرآن) . وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] . ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] ، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] ، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ، وقوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢] . فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟! وأما ما كان خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يُعلم تأويلُه الذي هو حقيقته؛ إذ كانت لا تُعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبَر إن لم يكن قد تصور المخبَر به أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته -التي هي تأويله- بمجرد الإخبار. وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قَصَد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله. فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، وسواء كان هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له. والتأويل في كلام كثير من المفسرين كـ ابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواءً وافق ظاهره أو خالفه، وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير يُحمد حقُّه ويُرَد باطلُه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فيها قراءتان: قراءة من يقف على قوله: (إلا الله) ، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق. ويراد بالأولى: المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله. ويراد بالثانية: المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله. ولا يريد من وقف على قوله: (إلا الله) أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى؛ فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه جميعُ الأمة ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظَّ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] . وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم على عوام المؤمنين في ذلك، وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله. ولقد صدق ﵁؛ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) رواه البخاري وغيره. ودعاؤه ﷺ لا يرد. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقِفُه عند كل آية وأسأله عنها. وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله] ذكر أن المبتدعة من المعتزلة ونحوهم يستعملون كلمة التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، كما ذكرنا قريباً. كقولهم في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] : استولى عليه، فهذا صرف اللفظ عن ظاهره. وقولهم في ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: في السماء علمه، أو: في السماء ملائكته، فهذا صرف للفظ عن ظاهره. وقولهم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد إلى ملائكته أو إلى علمه أو نحو ذلك. ولا شك أن هذا تأويل باطل ما أنزل الله عليه دلالة ولا أوضحه ولا أمر به، فهذا هو التأويل الذي هو مذموم، والذي يذمه السلف ويقولون: لا تتأولوا، أو لا تستمعوا إلى هذا التأويل ويراد به صرف اللفظ عن ظاهره، مع أن كلمة التأويل تأتي بمعنى التفسير، وكان ابن جرير ﵀ في تفسيره يقول: (القول في تأويل قوله تعالى) ، ومراده: في تفسير الآية ويقول: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك) ، ويقول: (وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) والمراد: أهل التفسير. أما في لغة القرآن فقد وردت كلمة (التأويل) ، وكذلك في لغة الصحابة، والمراد بها حقيقة الشيء وماهيته وما يئول إليه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] فالمراد: حقيقته، أي: هل ينتظرون إلا أن يقع الأمر الذي أُخْبِروا به؟! وتأويله يعني وقوع ما فيه، فمثلاً: تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] وقوع المناداة، من كون هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار وهؤلاء ينادون هؤلاء، إذا وقع ذلك فهذا هو التأويل، أي: وقوعه. فيقال مثلاً: هذا تأويل الآية التي أخبرنا بها، أي: حقيقة ما وقع. وكذلك مرجع الشيء يسمى تأويلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] يعني: أحسن حقيقةً وأحسن مظهراً ومرجِعاً. ومنه أيضاً تأويل الرؤيا، كما حكى الله عن يوسف أنه قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] ، ثم بعد أن جاء إخوتُه وأبواه ودخلوا عليه قال تعالى عنه: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٩٩-١٠٠] يعني: هذه حقيقتها، فقد وقع ما تُؤَوَّلُ به. ولما دخل اثنان معه السجن قالا كما حكى الله تعالى عنهما: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف:٣٦] أي: بحقيقته وما يئول إليه وما يقع. وفي نفس السورة يقول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] يعني: حقائقها وما تئول إليه، يعني: ترجع إليه. فالتأويل الذي في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] المراد: ابتغاء معرفة وقوعه وكيفيته تصوُّره، وذلك غيب ولا يعلمه إلا الله، فإذا وقع علموه، ولا يقع إلا في يوم القيامة، فمثلاً: آيات الوزن كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] ، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٦] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨] قد يقولون: نريد تأويل هذا الميزان، وما مقداره؟ وما سعة الكفة؟ وكيف تميل؟ وكيف تَخِفُّ بهذا وتَثْقُل بهذا؟ فهذا تأويله لا يعلمه إلا الله، فنحن لا نعلم حقيقة ذلك الوزن، ولا نعلم كيف تكون الأعمال أعراضاً حتى توزن، فإنما يظهر إذا بدت. فإذا ظهرت الموازين ووزنت فيها الأعمال فعند ذلك نقول: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] ، هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ، هذا تأويله، أي: هذا هو حقيقته. وإذا تطايرت الصحف في الأيمان والشمائل نقول: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] أي: وقع ذلك فقبل ذلك لا ندري ما هو الكتاب، وكيف يكون الكتاب الذي هو كتاب كبير يحصي الأعمال كلها، كما في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] ، وكما في قوله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] ، وكيف يقبض ذلك الكتاب باليد. فهذا ما لا يعلمه إلا الله، فإذا وقع وأخذت الكتب بالأيمان والشمائل فعند ذلك نقول: هذا تأويل تلك الآيات التي أخبر الله فيها بأنه سيقع كذا، وأن صورته وكيفيته كذا.

стр. 312

شرح العقيدة الطحاوية [٢١] الإيمان بالله تعالى كما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ نفياً وإثباتاً هو تمام الإيمان وكماله، ولا يتم ذلك إلا بالوقوف مع دلالات النصوص والبعد عن مقالات أهل الكلام.

стр. 313

المتشابه في القرآن والمراد به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول الأصحاب ﵏ في الأصول: إن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور ويروى هذا عن ابن عباس، مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كان معناها معروفاً فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفاً وهي المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى وهذا المطلوب. وأيضا فإن الله قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين. والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك، وهذا هو التأويل الذي يتنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية، فالتأويل الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه. وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الحسن ﵏ أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه فقال: نمرها كما جاءت ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف. ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم وقيل: عليَّ نحت القوافي من أماكنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر فكيف يقال في قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] . إن حقيقة قولهم أن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، وأنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه، هذا حقيقة قول المتأولين، والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلاً لم يدل عليه، والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه، فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة حقيقة، فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين لا تقدرون على سده. فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه وإلا أقررناه، قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى، وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام. ويلزم حينئذ محذوران عظيمان: أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثاً طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل، وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيئول الأمر إلى الحيرة. المحذور الثاني: أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول؛ إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصةُ النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه، وإن خالفته أولوه، وهذا فتح باب الزندقة والانحلال، نسأل الله العافية] . قد تقدم أن الله ذكر في القرآن: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، ومعلوم أن المفسرين قد تكلموا على الآيات كلها، وعلى القرآن كله، ولم يسكتوا عن آية أو آيات فقالوا: هذه من المتشابه، إلا أن بعضهم لا يتكلمون على الحروف المقطعة التي في أوائل السور، وكثير منهم تكلموا عليها، وقالوا: يراد بهذا كذا وكذا، وإن اختلفت الآراء فيها. وما دام أن القرآن قد فسر كله فهذه الآيات المتشابهات يظهر أنها الكيفيات للأمور الغيبية، أعني الأشياء التي أخبر فيها عن أمور غيبية ولكنا لا نعلم كيفيتها، فإذا أخبر الله أن في الجنة أنهاراً تجري فإنا لا ندري ما كيفية تلك الأنهار كقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] إلى آخر الآية، وفي الحديث أنها: (تجري في غير أخدود) أي: تجري على وجه الأرض ومع ذلك لا تسيح، وهذا من علم الغيب الذي نقول: الله أعلم بكيفيته. وهكذا أيضاً الأشجار التي في الجنة، وكذلك الأشجار التي في النار، ذكر الله أن في النار شجرة الزقوم، فلا ندري ما كيفية تلك الشجرة، وكيف لا تحترق بالنار، وكل هذا نقول فيه: الله أعلم، فهو من المتشابه. فالكيفيات الغيبية هي التي يتوقف عنها، ويقال: الله أعلم بكيفيتها فهي من المتشابه. ويقال أيضاً كذلك في كيفيات صفات الله، فنحن لا ندري ما كيفيتها إلا أنَّ نتحقق معانيها، فنتحقق أن الله متكلم بكلام يسمع، ونتحقق أن الله يعلم الخفي والجلي ويسمع القريب والبعيد وهكذا، ولكن كيفية تلك الصفات نفوضها ونقول: الله أعلم بها. وهذا أقرب الأقوال في الآيات المتشابهات، أي: أنها كيفيات الأمور الغيبية.

стр. 314

نقد التأويل أما التأويل الذي ذكروه، وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يقترن به، أو لقرينة تؤيد المرجوح وترجحه، فهذا اصطلاح جديد للمتأخرين، لم يكن عند السلف ولا يعرفون هذا، وهو في الحقيقة تحريف وتكلف، وفي الحقيقة إذا جمعنا الأدلة عرفنا أنه يصعب صرفها، سيما وقد اجتمعت الدلالة من كل من مفرداتها. بعد ذلك قد يقولون: إن ظاهر هذه النصوص يوهم التشبيه، فيوهم أن الله مثل خلقه، وإنا إذا أثبتنا الرؤية أو أثبتنا الكلام أو ما أشبه ذلك أثبتنا أنه مثل الخلق والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، فيقولون: إن هذه النصوص أو هذه الأدلة يفهم منها التشبيه؛ هكذا قالوا. ونحن نقول: لا يفهم ذلك، وحاشا وكلا أن تكون صفات الله دالة على شيء باطل، أو تكون نصوص القرآن والحديث دالة على ما هو كفر، بل كلام الله أفصح الكلام، وكلام نبيه ﷺ أوضح، وهو ﵊ أنصح الخلق لأمته، وإذا اجتمعت فصاحته ونصحه، والبيان الذي أعطيه، وأضيف إلى ذلك أن كلام الله واضح الدلالة، فلا يجوز أن يقال: إن ظاهره غير مراد، أو: إن ظاهره يقتضي كفراً أو نحو ذلك. وكثيراً ما يقول المتكلمون: ظاهر النصوص غير مراد. ونقول: ما مرادكم بظاهرها؟ هل تريدون: أن ظاهرها ما يليق بالمخلوق؟ وأنا إذا قلنا -مثلاً-: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فالمعنى أن الله له عينان كعيني المخلوق؟! أو له يدان كأيدي المخلوق؟! فهذا ليس بمراد، ولكن أخطأتم في قولكم: إنه ظاهرها. ولا يمكن أن يفهم من نصوص الصفات ما هو ضلال، بل معروف أن صفات الله تعالى تليق به، وإذا كنتم تقولون: إن لله ذاتاً لا تشبه غيره فكذلك له صفات لا تشبه غيره، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، يحذو حذوه ومثاله، وإذا كان الكلام واضحاً وفصيحاً فلا عبرة بمن خفي عليه وبمن لم يظهر له، كما قال القائل: عليَّ نحت القوافي من أماكنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر يقول هذا الشاعر: أنا عليَّ أن آتي بالكلام الفصيح، وأختار الكلام البليغ، ولكن إذا لم يفهموا فلست بملوم، فيقال: كذلك كلام الله واضح، وإذا لم تفهموا فالنقص في أذهانكم أنتم وليس النقص في كلام الله، فكلام الله سبحانه واضح، وكلام رسوله ﵊ واضح وفصيح، ولكن ما أتيتم إلا من سوء أفهامكم ومن سوء تفكيركم، وإلا فلو أعطيتم الكلام حقه لقلتم بأنه لا يدل على محذور. وعلى كل حال معلوم أنهم ما خابوا في ذلك إلا لما ارتسم في أذهانهم وأفكارهم أن صفات الله كصفات المخلوق، وأن النصوص دالة على ما هو تشبيه، فعند ذلك أكثروا من البحث ومن التنقيب حتى وقعوا فيما وقعوا فيه مما هو تحريف.

стр. 315

أمراض القلوب الناشئة من التشبيه والتعطيل قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فإن أمراض القلوب نوعان: مرض شبهة، ومرض شهوة. وكلاهما مذكور في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، فهذا مرض الشهوة، وقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥] ، فهذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة؛ إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته. والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها، وشبهة النفي أردأ من شبهة التشبيه، فإن شبة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول ﷺ ، وشبهة التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول ﷺ . وتشبيه الله بخلقه كفر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ونفي الصفات كفر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وهذا أحد نوعي التشبيه، فإن التشبيه نوعان: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله، وأهله في الناس أقل من النوع الثاني الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق، كعباد المسيح وعزير والشمس والقمر والأصنام والملائكة والنار والماء والعجل والقبور والجن وغير ذلك، وهؤلاء هم الذين أرسلت إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له] . قول الطحاوي: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) . يريد بالنفي نفي الصفات أو المبالغة في نفيها، ويريد بالتشبيه إثبات أن صفات الله كصفاتنا، فيكون بذلك مشبهاً، ومذهب الأئمة وأهل السنة وسط بين المذهبين، فإنهم يقولون: إن من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس في إثبات صفات الله تشبيه. ويقول بعضهم: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد -يعني: المثبت- يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً، وأخذ ذلك ابن القيم في النونية بقوله: لسنا نشبه ربنا بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه إن المعطل عابد البهتان فالذين شبهوا يقال فيهم: قد غلوا في الإثبات، فقالوا: لله يد كأيدينا، ولله وجه كوجوهنا، وما أشبه ذلك، فوقعوا في تشبيه الخالق بخلقه -تعالى الله- وهذا فيه أنهم عبدوا الأوثان والأصنام. أما الذين نفوا فإنهم في الحقيقة لم يثبتوا خالقاً، أي: الذين نفوا هذه الصفات ونفوا كل الصفات، فقالوا: الله تعالى لا يعلم، ولا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له كذا وكذا، آل بهم الأمر إلى أن صاروا يعبدون عدماً، ولا يثبتون خالقاً. ثم قد عرفنا أنهم لما جاءتهم هذه النصوص صارت مخالفة لما في أفكارهم، فسلطوا عليها التأويلات، وفتحوا باب التأويل لغيرهم ممن أنكروا حقيقة المعاد كالفلاسفة، وفتحوا باب التأويل للذين أنكروا الأحكام والأوامر والنواهي كغلاة الصوفية وكالباطنية ونحوهم، فأصبحوا في الحقيقة هم الذين جلبوا الشر وفتحوا بابه على الإسلام والمسلمين. فالذي يريد السلامة هو الذي يتوقى مرض التشبيه ومرض التعطيل، مرض النفي ومرض الإثبات الزائد الذي هو غلو في الإثبات، جعلهما الشارح كالأمراض، والمعروف أن المرض هو الذي ينهك الجسم حتى يلزم صاحبه الفراش، هذا هو المرض المعروف، ولكن هذا مرض الأبدان؛ لأن المرض نوعان: مرض قلب، ومرض بدن. فمرض البدن يعالج عند الأطباء وله أدوية، ففي الحديث: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء) ، ولكن المرض الشديد هو مرض القلب، ومرض القلب أيضاً نوعان: مرض الشبهة، ومرض الشهوة. ومرض الشهوة هو الشهوة إلى الزنا أو إلى المعاصي ونحوها، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، نهى الله المرأة أن ترقق كلامها، فإنه إذا سمعها الفاسق طمع في الاتصال بها، هذا مرض شهوة الزنا ونحوه. أما مرض الشبهة فهو أشد، فمرض الشهوة قد يزول بالعفة أو بالنكاح الحلال، أما مرض الشبهة فإنه الذي يتمكن في القلب، فهذان المرضان من أشد أمراض الشبهة، أعني مرض التشبيه، ومرض التعطيل. وذكر أن مرض التعطيل أشد، وذلك لأن المشبه غلا به الإثبات إلى أن وقع في أن الله كخلقه -تعالى الله عن ذلك- ولكن الذي يقول ذلك فئة قليلة، فالذين يذهبون إلى التشبيه قليلون بالنسبة إلى المعطلة فإنهم كثيرون.

стр. 316

السلامة في البراءة من مرضي التشبيه والتعطيل وعلى كل حال فنحن نبرأ إلى الله ونحذر من كلا المرضين، فمرض التعطيل أشد لأن أهله أكثر، ولأن الدعايات إليه أكثر، وقد يتكرر كثير في كلام العلماء النهي عن التعطيل وعن التشبيه، فيقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. ويقولون: نقبلها ونتقبلها من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل. فينفون عنها هذه الأشياء. وكذلك ينفون عنها الإلحاد الذي هو الميل بها عما قصد بها، فإن الله تعالى ذم فاعل ذلك، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: بالأسماء الحسنى، ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: اتركوهم وابتعدوا عنهم. والإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها أو إنكار دلالاتها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] . فعلينا أن نتجنب هذه الأشياء، ومن أهمها الإلحاد في أسماء الله، والإلحاد في آياته، فإذا قرأنا القرآن وسمعنا الأحاديث وقلنا: نمرها كما جاءت وننزه ربنا عما لا يليق به، سلمنا من هذه الأمراض كلها إن شاء الله.

стр. 317

تنزيه الله عن الشبيه والكفؤ قال رحمه الله تعالى: [قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية) . يشير الشيخ ﵀ إلى أن تنزيه الرب تعالى هو وصفه كما وصف نفسه نفياً وإثباتاً، وكلام الشيخ هنا مأخوذ من معنى سورة الإخلاص، وقوله: موصوف بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] . وقوله: (منعوت بنعوت الفردانية) من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٢-٣] . وقوله: (ليس في معناه أحد من البرية) من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وهو أيضاً مؤكد لما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه. والوصف والنعت مترادفان، وقيل: متقاربان، فالوصف للذات والنعت للفعل، وكذلك الوحدانية والفردانية، وقيل في الفرق بينهما: إن الوحدانية للذات، والفردانية للصفات، فهو تعالى موحد في ذاته متفرد بصفاته، وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد، ولكن في اللفظ نوع تكرير، وللشيخ ﵀ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة، وهو بالخطب والأدعية أشبه منه بالعقائد، والتسجيع بالخطب أليق. و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، أكمل في التنزيه من قوله: (ليس في معناه أحد من البرية) ] . قصد الطحاوي ﵀ بذلك الزيادة في التوضيح والإثبات؛ فإن قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية) يؤكد بذلك ما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه، فالله هو الواحد الأحد، موصوف بأنه هو الواحد، وقد ذكر ذلك في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] ، وفي قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣] . فالوحدانية لا شك أنها خاصة به، فهو الواحد في صفاته، وهو الواحد في ذاته، ومعناه أنه لا يصلح أن يكون معه خالق غيره ولا معبود سواه. كذلك هذا دل عليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ؛ فإن الأحد يراد به المتوحد بجميع الخصائص، وكذلك قوله: (منعوت بنعوت الفردانية) دل عليه كونه لم يلد ولم يولد؛ فإن الله تعالى نزه نفسه عن الولد في عدة آيات رداً على من جعل لله ولداً، كالنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، واليهود في قولهم عزير ابن الله. وكفار العرب في جعلهم الملائكة بنات الله، رد الله عليهم ذلك وأنكر عليهم في قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] .

стр. 318

واجب المسلم مع ربه تعالى في صفاته فواجب المسلم أن ينزه ربه تعالى عن الصفات المحدثات، وعن صفات الخلق التي تختص بهم، وأن يعتقد أن لله سبحانه صفات الكمال التي يعرف منها أنه هو الواحد الأحد المنزه عن النقص وعن العيب، وأن صفاته تختص بذاته، وأنه منزه عما لا يليق به، فإذا عرف ذلك عرف بذلك أنه تم بذلك توحيده -إن شاء الله- وصلحت عقيدته، فصلاحها بهذين الأمرين: فالواجب إثبات ما يليق بالله، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، سواءٌ في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، فبذلك يرد على الطوائف المنحرفة الذين غلوا في الإثبات والذين زادوا في النفي. فمن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، وهو سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، وقوله: (وليس في معناه أحد من البرية) أي: لا يشبهه أحد من مخلوقاته، هذه خلاصة العقيدة، ومن أقر بها عصمه الله تعالى من الأخطاء.

стр. 319

مصطلحات أهل الكلام وكيفية التعامل معها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) . أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال، فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنى باطلاً مخالفاً لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان، ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها. وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها ونحو ذلك. والشيخ رحمه الله تعالى أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة كـ داود الجواربي وأمثاله القائلين إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء، وغير ذلك -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- فالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق، ولكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته] . الطريقة في هذا هي ما ذكر في باب الأسماء والصفات أن الرجوع إلى النقل، ولا دخل للعقل. والنقل: هو الكتاب والسنة، أي: النقل الصحيح؛ لأنه منقول لنا بنقل ثابت وليس فيه تشكيك، فنقتصر على النقل، وذلك لأن العقول لا تستطيع أن تتدخل في هذا الأمر، ولا أن تعرف حقائقه، ولا أن تفكر تفكيراً تتدخل فيه، فإذا قال المتكلمون: إن هذا الوصف لا يقره العقل أو لا يثبته، فالجواب أن نقول: ما للعقول ولأمر الغيب؟ هذا من أمر الغيب، والعقول محجوزة عن هذا الأمر. نقول بعد ذلك: إن الطحاوي الذي هو صاحب المتن ﵀ عاش في أواخر عهد السلف، وبعدما أحدث كثيرٌ من المبتدعة، وبعدما انتشر أهل البدع وتمكنوا، فهناك مبتدعة المشبهة الذين بالغوا في الإثبات حتى شبهوا الخالق بالمخلوقين، ومنهم هذا الذي حكى عنه، وهو داود الجواربي. وطائفة أخرى هم المعطلة، ومنهم أكابر المعتزلة، كـ أبي الهذيل العلاف، وأبي علي الجبائي، وكذلك الجاحظ، وسائر المعتزلة بالغوا في النفي، فعطلوا الله تعالى عن صفات الكمال، واشتهرت أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء، إلا أن المعطلة أكثر من المشبهة؛ لأن النفوس تنفر من إثبات التشبيه، فلما كان كذلك ألف الطحاوي هذه الرسالة وقصد بذلك الرد على هؤلاء وهؤلاء، فأثبت فيها الصفات كما يليق بالله، ورد فيها على المشبهة الذين بالغوا في الإثبات، وتكلم بهذه الكلمات، وإن كان الأفضل تركها، أعني: الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات الست، فالأولى تركها؛ لأن المتكلمين الذين هم النفاة صاروا ينفون بها حقاً وباطلاً، فلما أدخلوا فيها حقاً كان الأولى أن ينفى الباطل بعبارة كريمة ليس فيها شيء من الشبهة. كذلك ذكر أن للناس في استعمالها ثلاثة أقوال: قول أنه لا يجوز إثباتها، وقول أنه لا يجوز نفيها، وقول بالتفصيل. ويمكن أن يكون هناك قول رابع، وهو التوقف عنها، فلا إثبات ولا نفي، فيقال: هذه من الأمور المبتدعة، فنحن لا نثبتها إطلاقاً ولا ننفيها، ولكن التفصيل أولى، وهو أن يقال: ماذا تريدون بالحدود؟ وماذا تريدون بالأعضاء والأدوات؟ وماذا تريدون بالجهات؟ ففي كلامكم هذا حق وباطل. فالحق الذي تنفونه عبروا عنه بعبارة كريمة، والباطل الذي تنفونه أيضاً عبروا عنه بعبارة كريمة حتى نوافقكم على نفي الباطل ونخالفكم في نفي الحق، ونتحقق أن الصواب مع من أثبت لا مع من نفى، أو نحو ذلك. قال: (تعالى عن الحدود) ، فنقول: الأولى عدم إطلاق هذه اللفظة، ولكن الذين أطلقوها لهم عذر، أي: الذين قالوا إنه يتعالى عن الحدود؛ لأن الحد له تفسيران كما سيأتي. وكذلك الغايات والأركان والأعضاء والأدوات إلى آخرها، فالأولى التوقف عن ذلك، فنقتصر على ما أثبته الله، حيث إننا نقول: إن الله تعالى بذاته فوق سماواته على عرشه عليٌّ على خلقه، وأنه سبحانه قريب من عباده يطلع عليهم ولا يخفى عليه منهم خافية، وأنه موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص، فإذا أثبتنا ذلك لم يدخل علينا أهل البدع بحجة، ولم يجدوا علينا قولاً أننا ممثلة أو نحو ذلك.

стр. 320

بيان أن أهل السنة لا يحدون الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر. وسيأتي في كلام الشيخ: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، لا أن المعنى أنه غير متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم، سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد. انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً؛ فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب، ونفي حقيقته. وأما الحد بمعنى: (العلم والقول) ، وهو أن يحده العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة، قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي: سمعت منصور بن عبد الله: سمعت أبا الحسن العنبري: سمعت سهل بن عبد الله التستري، يقول وقد سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية. ] . عرفنا أن الأولى ترك الخوض في ذكر الحد، ولكن السلف ﵏ قصدوا بالإثبات بيان أن الرب تعالى متميز عن خلقه، فإنه فوق سماواته، وعلى عرشه، وعلي على خلقه، وهذا معنى قولهم: بائن من خلقه. وقولهم: إنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، يردون بذلك على الحلولية الذين تقدم قولهم بأول الكتاب، فيقصدون بذلك الجواب الواضح بأن الرب بذاته فوق سماواته على عرشه، وأنه بائن من خلقه، ومعنى قولهم: (بحد) أي: بينه وبين الخلق حد وهو معنى البينونة، ويتوقفون عند هذا.
следующие страницы →