Полный текст (1 175 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح العقيدة الطحاوية [١]
اتفقت جميع الرسل على الدعوة إلى توحيد العبادة، وهو أول واجب على المكلف، ومعرفة صفات الله تدعو إلى عبادته، وتوحيد الربوبية يلزم منه توحيد العبادة، وقد اعتنى أهل العلم ببيان التوحيد بأنواعه، لا سيما توحيد العبادة.
стр. 2
أهمية التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فهذه العقيدة هي على مذهب أهل السنة والأئمة كلهم، ولكن الطحاوي ذكر أن هذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه؛ وذلك لأنه كتبها لتلاميذه المختصين به الذين في قلوبهم وقع وقدر لهؤلاء الأئمة الثلاثة، الذين هم أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف، وهما صاحباه اللذان دونا مذهبه، وهما اللذان كتبا المسائل التي سئل عنها ونشراها، فلأجل ذلك أصبحا مختصين به، فيقول: إن هذه العقيدة هي معتقد هؤلاء الثلاثة.
ولا ينافي هذا أن فيها معتقد الأئمة الآخرين كـ الشافعي ومالك وأحمد وبقية الأئمة؛ لأن العقيدة سالمة من الخلافات إلا خلاف المبتدعة، والمبتدعة لا يعتد بخلافهم.
قال الطحاوي ﵀: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له.
قال الشارح رحمه الله تعالى: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ، وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥] ، وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] ، وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ، ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم] .
стр. 3
اتفاق دعوة الرسل على التوحيد
هذا الكلام يدل على أهمية التوحيد، والتوحيد الذي ذكره هو توحيد العبادة فإنه الذي دعت إليه الرسل واتفقت عليه دعوتهم، يقول: إن التوحيد هو أول ما يكلف به العباد.
فالتوحيد هو الذي تسأل عنه في الحشر في يوم المعاد، والتوحيد هو الذي يسأل عنه في القبور يسأل عنه المقبور، والتوحيد هو أول دعوة الرسل، التوحيد اتفقت عليه الرسالات، فنأخذ من هذه الأدلة أهميته، فشيء اتفقت عليه دعوة الرسل يدل على أهميته، شيء بدأ به كل رسول دعوته يدل على أهميته، فالرسل من أولهم إلى آخرهم بدؤوا دعوتهم بنوع من أنواع التوحيد وهو توحيد العبادة كما في هذه الآيات، فإن كل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ، وهذا هو توحيد العبادة، وجمعهم تعالى في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وهذا توحيد العبادة، يعني: نوحي إلى كل رسول ونقول له: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] يعني: افعل ذلك وأمر أمتك وادعهم إلى ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، وهذا هو توحيد العبادة.
ويقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] ،
و
الجواب
لو سأل لقيل: ما جعل الله ولا أذن الله لرسول أن يدعو إلى عبادة إله مع الله.
стр. 4
أول واجب على المكلفين
يذكر الشارح أن أول واجب على المكلف أن يأتي بالشهادتين، ولهذا الرسول ﵊ مكث بمكة عشر سنين لا يدعو إلا إلى الشهادتين، يدعو إلى تحقيق لا إله إلا الله وإلى تصديقه أنه رسول من الله، عشر سنين وهو لا يدعو إلا إلى توحيد العبادة، أليس ذلك دليل أهميته؟ ما فرضت عليه العبادات حينئذ؛ لأنها متفرعة عن أصل وهو التوحيد، فالعبادات كلها ما تقبل إلا بهذا الأصل، فلو تعبد المشركون فصلوا وتصدقوا وحجوا وأنفقوا وجاهدوا وقرؤوا وهم لم يوحدوا الله بل يدعون غيره معه ما قُبلت منهم عباداتهم ولن تنفعهم؛ لأنهم فقدوا شرطها.
وأهل الكلام الذين نهى علماؤنا عن الخوض في كلامهم من المعتزلة ونحوهم يقولون: إن أول واجب النظر.
وبعضهم يقول: أول واجب قصد النظر.
وبعضهم يقول: أول واجب الشك.
وهذه أقوال باطلة، فصحيح أن الله تعالى أمرنا بالنظر لأجل الاعتبار، والآيات في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:٦] ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧-١٨] ، ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [يوسف:١٠٩] فالنظر هنا لأجل الاقتناع، فمثلاً: إذا دعوت مسلماً وقلت له: أدعوك إلى الشهادتين.
فإذا توقف فادعه إلى النظر، قل له: انظر إلى هذه المخلوقات، انظر إلى هذه الأفلاك الثابتة وهذه الأفلاك الجارية وهذه المخلوقات المنبثة، هل خلقت عبثاً؟ انظر إلى نفسك وتقلب أحوالك، هل خلقت من غير خالق؟ فإذا نظر وتفكر فإنه عند ذلك يعتبر ويرجع إلى ما تدعوه إليه، فالنظر والقصد إلى النظر وسيلة ودلالة وحجة للمعاند، لا أن أول واجب هو النظر، بل يدعى من شك وتوقف إلى أن ينظر حتى يستيقن.
وأما معنى قولهم: إن أول واجب الشك فهم يقولون: إن أول ما يجب على الإنسان عندما يعقل أن يشك ثم يعمل بعد ذلك في إزالة ذلك الشك.
وهذا قول باطل، بل الواجب أولاً قبل كل شيء أن يأتي بالشهادتين، ثم بعد ذلك يعمل بمقتضاهما، والأعمال متفرعة عن الشهادتين.
стр. 5
اتفاق السلف على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان
قال ﵀: [بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحدٌ منهم على وليه أن يخاطبه حينئذٍ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك] .
معنى هذا الكلام أن الأطفال ينشئون بين آبائهم، ويلقنهم الأب معالم التوحيد من حين يميز، يلقنه معرفة ربه، ومعرفة نبيه، واستحقاق الله للعبادة، ووجوب العبادة، فينشأ على الإسلام وعلى قول (لا إله إلا الله) ويسمع ذلك من أبويه وهو صغير ما وجبت عليه الأحكام، فإذا بلغ استمر في العمل، ولا يحتاج عند البلوغ أن تقول له: الآن انطق الشهادتين.
الآن أصبحت مكلفاً فإنه يكفيه نطقه فيما سبق بتشهده في صلاته، وفي إجابته للمؤذن وما أشبه ذلك، فلا حاجة بعد ذلك عند البلوغ إلى تلقينه، ولا إلى تجديد إسلامه، بل هو مسلم بين أبويه المسلمين، ومن حين يعقل وهو يلقن.
والصحيح أيضاً أنه لو بلغ بعدما صلّى لا يؤمر بإعادة الصلاة، خلافاً لبعض العلماء، فبعضهم يقول: لو صلى الظهر قبل أن يبلغ ثم بلغ بعدها باحتلام أو نحوه فنأمره بإعادة الظهر؛ لأنه صلاها قبل أن يبلغ وهي في حقه غير واجبة، فبعدما بلغ تصير واجبة عليه، والصحيح أنه لا يؤمر؛ لأن الله ما أمر بالصلاة مرتين، وقد أداها ولو قبل البلوغ، فتصبح مجزئة، فكما لا يؤمر بإعادة الصلاة بعد البلوغ ولو كان الوقت باقياً فكذا لا يؤمر بعد البلوغ بتجديد الشهادتين، بل يكفيه أنه على الفطرة، وأنه قد تلقن وتعلم وفهم.
قال الشارح ﵀: [وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء، فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلماً أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه: (لا إله إلا الله) دخل الجنة) وهو أول واجب وآخر واجب، فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية] .
هذه مسألة نظرية ليست بصحيحة، وهي قولهم: قد يوجد من ينشأ ولم يتكلم بالشهادتين من أول أمره إلى أن يبلغ، فهل تصح عبادته؟ فنقول: هذا محال.
وذلك لأن النطق بالشهادتين قد يكون ركناً كما في التشهد، فالصلاة فيها تشهد، وفي آخره يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
ثم يأتي بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسلم، ولا تصح الصلاة إلا بهذا التشهد، فهو ركن من أركانها، فكيف يُتصور أن إنساناً يولد بين أبوين مسلمين ويبلغ وهو ما تكلم بكلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؟ هذا غير واقع، وذلك لأن المسلم دائماً يسمع كلمة (لا إله إلا الله) في الأذان وفي الخطب وفي التشهد وعند الذكر وفي القرآن، فقد ذكرت في القرآن في عدة مواضع كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] ، فلا بد أن الصبي يقرأ من القرآن أو يسمع، وينطق بذلك، فيكون بذلك مسلماً، فلا بد أنه قد أتى بالشهادتين.
стр. 6
أهمية توحيد العبادة
التوحيد الذي ذكرت أهميته هو توحيد العبادة، وهو أول ما يدخل به في الإسلام، فالكافر أول ما يدعى إليه، وأول ما ينطق به، يقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وذلك لقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) إلى آخره، فإذا أسلم كافر يلقن الشهادتين، ويبين له معناهما، ويؤمر بالعمل بمقتضاهما، فأول ما يدخل العبد في الإسلام هو نطقه بالشهادتين واعتقاده مدلولهما.
وآخر ما يخرج العبد من هذه الدنيا يؤمر أن يختم حياته بـ (لا إله إلا الله) ؛ لقول النبي ﷺ في هذا الحديث: (من كان آخر كلامه (لا إله إلا الله) دخل الجنة) يعني: ختم له بالتوحيد، أو بما يدل على هذا المعنى، ففي هذه الحالة يكون مختوماً له بخاتمة حسنة، ولهذا قال ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) يعني: يكون آخر ما ينطقون به كلمة (لا إله إلا الله) حتى يختم لهم بما ابتدؤوا به، فيختم لهم بعقيدة سليمة وهي اعتقاد أن الله هو الإله الحق، وأن إلهية ما سواه باطلة، فبذلك يكون أول الأمر وآخره هو هذا التوحيد الذي هو توحيد العبادة.
стр. 7
توحيد الصفات
قال ﵀: [إن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية، وبيانه أن الله وحده خالق كل شيء.
والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له.
أما الأول فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد كـ جهم بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب.
وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن إثبات ذاته المجردة عن جميع الصفات لا يُتصور له وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله، وهذا غاية التعطيل] .
نعرف -بل يعرف أطفال المسلمين والحمد لله- أن أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ويجب أن يلقن الطفل هذه الأنواع، وأن يعرف مدلولها، والمتقدمون من هذه الأمة أكثروا من التأليف في توحيد الأسماء والصفات، وغالب كتبهم التي ألفوها في العقيدة تدور حول الأسماء والصفات، حتى ولو سموها بكتب التوحيد، كـ ابن خزيمة وغيره، فإن الخلاف في الأسماء والصفات مشتهر في القرون الأولى، فـ الجهم بن صفوان أحدث بدعته في أول القرن الثاني، ثم تبعه أتباع له سماهم السلف بالجهمية، وسموا أيضاً بالمعتزلة، وكثروا وانتشروا وتمكنوا، ومن عقيدتهم إنكار الصفات، وسبب إنكارهم للصفات وأدلتهم في ذلك أنهم اعتمدوا في الغالب على الفكر وعلى الخيال وعلى العقول، فأدلتهم على نفي الصفات أدلة تخمينية عقلية، ولهذا يقول كثير منهم: إن هذا الباب لا يكشفه إلا الخيال، وإنهم يعجزون عن أن يعبروا عنه.
والحاصل أن عقيدتهم نفي الصفات، فنفوا عن الله تعالى صفاته كلها.
ومنهم من أثبت سبع صفات كالأشعرية، ومنهم من نفى أسماء الله مع صفاته، والعلة التي نفوا لأجلها هذه الصفات هي ما ذكره الشارح ﵀ من كونهم يقولون: إن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب.
فهم يقولون: إن الواجب هو الله وحده، فالله تعالى واجب الوجود، وهذه لفظ من ألفاظ المتكلمين (واجب الوجود) ، ومثل: (ممكن الوجوب) و (ممتنع الوجود) ، وهذه من جملة ما تكلموا به وتوسعوا فيه، ومن أوصاف الله سبحانه عند المعتزلة القِدَم، أي أنه هو القديم، فيقولون: إذا أثبتنا أن الله قديم، وأثبتنا أن سمع الله قديم وقدرة الله قديمة وعلمه قديم وكلامه قديم ما صار القديم واحداً، بل صار عدداً، فلا جرم ننفي الصفات، ونجعل القِدَم لله وحده للذات.
فنفوا الصفات وأثبتوا القدم للذات، فكيف يُردُّ عليهم؟ الشارح يقول: [إن إثبات ذات مجردة عن الصفات لا يمكن في الوجود] ولو فرض العقل إثبات كذلك فإن العقل قد يفرض المحال، فهذا من المحال، أي: مستحيل أن توجد ذات مجردة عن صفات ومتصلة بالقدم.
فكما أنكم -يا معتزلة ويا مبتدعة! - تثبتون أن لله تعالى ذاتاً.
فلا بد أن تثبتوا له الصفات؛ فإن الصفات من جملة الذات، والوحدانية لا تنافيها، فالله تعالى واحد بصفاته، وذاته وصفاته شيء واحد، ولا يلزم من إثبات الصفات تعدد.
هذا هو الرد عليهم باختصار.
стр. 8
الحلول والاتحاد أقبح من كفر النصارى
قال ﵀: [وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد، وهو أقبح من كفر النصارى؛ فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات] هذا الكلام تقشعر منه الجلود، وهذه التفريعات فروع لمذهب أهل الوحدة، وهم طائفة يقال لهم: أهل وحدة الوجود.
أو يسمون (أهل الحلول والاتحاد) ، وهم الذين يقولون: إن ذات المخلوق حالة بذات الخالق، وإنه لا فرق عندهم بين خالق ومخلوق، بل الكل شيء واحد، لا فرق بين الخالق والمخلوق -تعالى الله عن قولهم-، وهذه الطائفة كانت منتشرة في القرون الوسطى، وأكثر من أشاع هذا القول في القرن الثالث رجل يقال له: الحسين الحلاج، وهو صوفي أظهر التصوف وأبطن هذا القول، ولكنه كان يظهره أحياناً، وحفظت عنه كلمات شنيعة تدل على هذه المعتقدات، وحفظت أيضاً عن بعض أهل زمانه، فهذا القول مع شناعته يؤدي إلى هذه الأقوال الشنيعة، وقد بين الشارح ذلك على وجه الاختصار، فذكر من فروع قولهم أن فرعون صادق حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ؛ لأنه من جملة الرب، لكن أخطأ فرعون حيث خص نفسه، ولو قال: أنا وأنت وهذا وهذا كلنا الرب لكان مصيباً، فهو صادق في أنه من جملة الرب! وكذلك المشركون لما عبدوا هذا الصنم وهذا الوثن وهذا القبر فهم على صواب؛ لأنهم ما عبدوا إلا الله، ولكنهم أخطئوا لما خصصوا، ولو قالوا: إن الله في كل شيء وكل شيء من جملة الله لكانوا مصيبين، ولكنهم لما خصصوا أخطئوا.
وعلى قولهم لا يكون هناك حلال وحرام؛ لأن الجميع شيء واحد، فلا فرق عندهم بين نكاح الأم والأخت والأجنبية، كل ذلك من عين واحدة، بل هو العين الواحدة، تعالى الله عن قولهم.
وقد حفظت عن أكابرهم كلمات شنيعة يقشعر الجلد منها، فحفظ عن الحسين الحلاج أنه كان يقول: ما في الجبة إلا الله.
يعني نفسه، وعن بعضهم أنه قال: سبحاني سبحاني ما أعظم شأني وحفظ عنه أنهم كانوا يمشون خلفه فالتفت، فلما رآهم يمشون خلفه قال لهم: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] تعالى الله عن قولهم! وكان بعض العلماء المتأخرين يذب عن الحلاج، ويدعي أنه من أهل العقيدة الصحيحة، وأنه موحد، ولما نقل له قوله في أبيات: سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب حتى بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب قال: لعن الله من قال هذا.
فقيل: إنه الحلاج.
فظهر له بذلك كفره، وهذا القول المذكور من الكفر الصريح؛ فإن الناسوت الناس، واللاهوت هو الإله، يعني: أظهر ناسوته -أي: أظهر الناس- في صورة نفسه.
ويقول بعضهم -وقيل: إنه الحلاج -: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنّى يكلف تعالى الله عن قولهم، والذي أدى بهم إلى هذه الأقوال الشنيعة هو أنهم لما نفوا الصفات وجعلوا وجود الله وجوداً مطلقاً أدى بهم إلى أن يقولوا: إن ذات المخلوق حالة في ذات الخالق، وإنه عين وجود المخلوقات.
تعالى الله عن ذلك! فعلى المسلم أن يعرف نفسه، وأن يعرف أنه مخلوق، وأن الرب فوق عرشه بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، ويستحضر أنه سبحانه هو العليم بكل شيء، لا تخفى عليه من عباده خافية، وإذا استحضر عظمته وعلمه بكل شيء وعلمه بما توسوس به النفوس وما تكنه الصدور أوجب ذلك أن يعظمه حق التعظيم، وأن يخافه حق الخوف، ومعرفة صفات الله تعالى توجب للعارف بها أن يخاف من الله حق الخوف، وأن يعبده حق العبادة.
стр. 9
توحيد الربوبية
قال ﵀: [وأما الثاني فهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]] .
وتوحيد الربوبية يقرأه الأطفال في المدارس، وهو معرفة الله تعالى بأفعاله، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته.
هذا هو توحيد الربوبية، ويكون بالنظر في هذه المخلوقات وفي أفعال الله تعالى، وذكروا أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] سأل بعضهم فقال: ما هو الدليل على أن إلهنا إله واحد لا إله إلا هو؟ فنزلت الآية بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] يعني: تفكروا في هذه الأشياء لتكون آية لكم على أي شيء.
فهي آية على أن الرب هو الإله الواحد، وكم في القرآن من آيات بمثل هذا، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً﴾ [يس:٣٣] ، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [الروم:٢١] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢] ، وفي السور المكية الكثير من ذلك، كقوله في سورة المرسلات: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ [المرسلات:٢٥] إلى آخره، ثم في السورة التي تليها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً﴾ [النبأ:٦] إلى آخره، ثم في السورة التي تليها: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] إلى آخره، ثم في السورة التي تليها: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾ [عبس:٢٤-٢٥] إلى آخره، فإن هذه آيات تدل على توحيد الربوبية الذي يقصد منه تثبيت توحيد الإلهية.
стр. 10
اعتراف جميع الأمم بتوحيد الربوبية
توحيد الربوبية يعترف به المشركون، ولكن هل يكفي؟ لا يكفي، لا بد من تحقيق ثمرته، وهذا التوحيد حجة عليهم في التوحيد الذي هو حق الله، يقال لهم: اعملوا لله ما دمتم أقررتم به.
يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥] يعني: أفلا تعبدونه؟! ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٦-٨٧] يعني: أفلا تتقون الشرك وتعبدون الله وحده؟! ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨-٨٩] كيف تصرفون عن عبادته؟ فأصبح توحيد الربوبية حجة عليهم.
قال ﵀: [وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقناً به في الباطن، كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] ، وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ، ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] على وجه الإنكار له تجاهل العارف قال له موسى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٤-٢٨] .
وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسئول عنه لما لم تكن له ماهية عجز موسى عن الجواب.
وهذا غلط، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد كما دلت سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحداً لله نافياً له لم يكن مثبتاً له طالباً للعلم بماهيته، فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بـ (ما هو) ، بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف] .
نلاحظ من هذا الكلام أن جميع الأمم معترفون بتوحيد الربوبية، أي: أن الله هو الخالق الرازق المدبر الذي أوجد الكائنات، لكن قد اشتهر عن فرعون أنه ادعى الربوبية، حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، والصحيح أنه كان معترفاً في الباطن بأن المخلوقات لها خالق؛ لأنه يعرف أنه كان معدوماً فوجد، ففرعون لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ثم خُلق، فيقال له: من ربهم قبل أن توجد أنت؟ ومن ربهم بعد أن تموت؟ فلا بد من أن فرعون معترف بوجود رب خالق، والدليل على ذلك هذه الآية، وهي قول موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢] ، فالله أيد موسى بتسع آيات، هي العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وفلق البحر، وتضليل الغمام، وما أشبهها، فلما أيده بها قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء﴾ يعني: الآيات ﴿إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢] ، فأفاد بأن فرعون عالم بذلك، وقال الله عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] ، فدل هذا على كونهم مستيقنين.
وكذلك حكى الله عن ثمود قوله في قصتهم: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨] يعني: على بصيرة مما جاءتهم به الرسل، ولكن جحدهم كان عناداً.
ففرعون أظهر الإنكار، ولكنه كان في الباطن على يقين بما يقول موسى، ولكنه خاف أن يذهب عنه ملكه، ولهذا قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥١-٥٢] يعني: موسى ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] ، فهو أراد أن يخدع قومه بما هو فيه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] ، وأما جوابه لما قال موسى: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٠٤] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] فهذا على وجه العناد، وبعض المتكلمين يقول: إن فرعون سأل عن الماهية فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] يعني: من أي شيء رب العالمين؟ وما ماهيته؟ والصحيح أن سؤاله إنما هو تعنت، لا أنه كان يسأل عن الماهية، فموسى ﵇ ذكر له الأدلة على إثبات الرب وقدرته وسيطرته، والآيات تدل على ذلك، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم:٦٥] ، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:٢٦] ، ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء:٢٨] ، فاستدل عليه بهذه الأدلة الكونية التي لا يجحدها، كما استدل إبراهيم على النمرود بقوله: ﴿رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، فهذه أدلة تدل على أن الرب هو الموجد لهذه الكائنات، وهي أدلة يعترف بها أولو البصائر.
وقد ذكر الله عن المشركين أنهم يعبدون الله ويعبدون غيره في الرخاء، وأما في الشدة فإنهم لا يعبدون إلا الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء:٦٧] ، فدل على أنهم في الرخاء يعبدون الله ويعبدون غيره، ولهذا قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام:١٣٦] ، فدل على أنهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ولكن شركهم هذا أحبط أعمالهم فأصبحت باطلة، فلا يعتبر بما تقربوا به؛ لأن المطلوب منهم أن يكون الدين لله، وأن لا يصرف منه شيء لغير الله.
стр. 11
تقرير توحيد الربوبية
قال رحمه الله تعالى: [ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس والمنوية القائلين بالأصلين النور والظلمة وأن العالم صدر عنهما متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة هل هي قديمة أو محدثة، فلم يثبتوا ربين متماثلين] .
هذا تقرير لتوحيد الربوبية، يعني أن توحيد الربوبية هو الاعتراف بأن الله رب كل شيء، وهو الذي أقر به المشركون، كما ذكر الله ذلك عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] ، فإذا كانوا مشركين ومع ذلك يعترفون بهذا النوع -وهو أن الله هو الذي خلق ورزق، وهو الذي يدبر الأمر ويملك السمع والأبصار- فإن هذا لم ينفعهم ولم يدخلهم في الإسلام.
يقول: ما عرفت أمة من الأمم يشركون في توحيد الربوبية إلا المجوس، ومع ذلك فليس شركهم شركاً ظاهراً، فهم يدعون أن العالم مخلوق من خالقين، يقولون: النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر.
فالعالم عندهم صادر عن النور والظلمة، ولأجل ذلك هم يعبدون النار، فمعبودهم المقدس النار، يشعلونها ويطوفون بها ويصلون أمامها ويستقبلونها، ولأجل ذلك نهي المسلمون أن يستقبلوا النار في الصلاة حذراً من التشبه بالمجوس، ومع ذلك ما قالوا: إن النور والظلمة سواء.
بل يقولون: إن الخيّر هو النور، وإن الظلمة شريرة لا يصدر منها خير.
فهم لا يجعلونهما سواء، وهم مختلفون: هل النور والظلمة كلاهما قديم، أم القديم هو النور والظلمة حادثة؟ وهذا الكلام قد ذكره شيخ الإسلام في الرسالة التدمرية، أشار إلى هذا وبيّن أنهم مختلفون: هل النور والظلمة كلاهما قديم، أم القدم خاص بالنور والظلمة حادثة؟ وعلى القول -عندهم- بأنهما قديمان فإنهم لا يجعلونهما سواء، وهذا دليل على أنه ليس في الوجود أحد يشرك في توحيد الربوبية شركاً ظاهراً.
стр. 12
الرد على النصارى
قال ﵀: [وأما النصارى القائلون بالتثليث فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الابن والأب وروح القدس إله واحد.
وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه وفي التعبير عنه لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم.
والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وبالجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين] هذا فيه رد على النصارى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣] ، فالنصارى يجعلون الله ثالث ثلاثة، فيجعلون عيسى ابن الله، كما قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة:١٧] ، ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] يعني: منهم من يقول: إن الله هو المسيح -تعالى الله عن قولهم-.
ومنهم من يقول: إنه ابن الله، وهذا أشهر وأكثر عندهم، ومنهم من يقول: إن الله ثالث ثلاثة.
وهو قولهم: بالأب والابن وروح القدس، والله يخاطب عيسى يوم القيامة فيقول: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] ، وهذا دليل على أن المثلثة يقولون: إن الله إله، والمسيح إله، وأمه إله تعالى الله عن قولهم! فأنكر ذلك عيسى وقال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦] ، وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧] ، ومشهور في كتب النصارى أنهم يقولون بالأقانيم الثلاثة، وهم مختلفون في معنى الأقانيم، وكذلك هم مختلفون هل هي قديمة كلها أو بعضها حادث؟ ومشهور عند النصارى استعمال كلمة الأقنوم، ومنهم من يفسرها بالأرواح، ومنهم من يفسرها بالآلهة أو بالأشياء القديمة، والحاصل أنهم مضطربون فيها كما سمعنا، وقد ردّ عليهم الأئمة، ومن أراد تفصيل الرد عليهم فليقرأ كتاب شيخ الإسلام (الجواب الصحيح) الذي ضمنه الرد عليهم وفصّل في أجوبتهم، واستوفى ذلك ﵀، وكذلك غيره من العلماء حيث تتبعوا أدلتهم واستوفوا ما يدور حول ذلك من الشبه، وبينوا تناقضهم، ومع ذلك ما أُثر عنهم أنهم يقولون: إن العالم صادر من ثلاثة، بل هم يعترفون في نفس الأمر بأن العالم مخلوق من واحد قادر.
стр. 13
توحيد الربوبية يوافق الفطرة
قال ﵀: [والمقصود هنا أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره، ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع] .
هذا بيان لما عليه الفلاسفة ونحوهم، فالاعتراف بالخالق اعتراف فطري، ولكن الفلاسفة يريدون أن يعبروا عما فطروا عليه تعبيراً مقنعاً، فلأجل ذلك اختلفت التعبيرات عندهم، وسيأتينا بعض تعبيراتهم التي يستدلون بها على أن العالم لم يصدر إلا من خالق واحد، وأكثرهم لما لم يقدر على التعبير زعموا أن هذا متلقىً من السمع -أي: من الشرع-، وأن الاعتراف بالخالق مأخوذ من الشرع، ولا شك أنه أمر فطري، ولو ترك كل واحد والفطرة التي فطر عليها لعرف أن له رباً وأنه مخلوق.
ولأجل ذلك يقول النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) ، وقال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] ، ولكن مع ذلك هناك أدلة عقلية صريحة تبين للإنسان أنه مخلوق، وقد احتج عليهم بالعقل في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فإذا عرفوا أنهم لم يخلقوا من غير شيء فلا بد لهم من خالق خلقهم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 14
شرح العقيدة الطحاوية [٢]
أول واجب على الإنسان الإقرار به وعلمه هو شهادة التوحيد، ويجب على المسلم أن يعرف معناها ومؤداها ولوازمها؛ إذ لا تصح منه إلا أن يأتي بها سليمة مما يشوبها من صور الشرك، ولا فلاح له بدونها، وعليها يترتب سائر العمل.
стр. 15
الدليل العقلي على وجود الخالق سبحانه
قال الشارح ﵀: [والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته- فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلهاً، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هذا هو الإله القادر والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية، وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه] .
أتى الشارح بهذا ليبين أن هذا هو الدليل عند أهل الكلام على أن الخالق واحد، ويسمى دليلاً عقلياً، وتسمى دلالة التمانع، فيقولون: لو كان للعالم صانعان متكافئان كلاهما خالق مستقل مكافئ للآخر فأراد أحدهما تسكين شيء وأراد الآخر تحريكه، أو أراد أحدهما إحياء شخص وأراد الآخر إماتته لاختلفا، فإذا كان العالم له خالقان فقد يختلفان، يقول هذا: سنحيي هذا.
ويقول الآخر: سنميته.
تعالى الله! فإذا أراد هذا إحياءه وأراد هذا إماتته واختلفا، فماذا يحصل؟ هل يمكن أن يكون هذا الشخص حياً ميتاً؟! لا يمكن.
هل يمكن أن يكون متحركاً ساكناً في آن واحد؟! لا يمكن، فما يمكن أن يحصل مرادهما معاً؛ لأنه جمع بين الضدين، إذاً لا بد أن يحصل مراد واحد منهما، أو لا يحصل مراد أحد منهما، وكونه لا يحصل مراد كل منهما ممتنع أيضاً، فالجسم لا بد أن يكون إما متحركاً وإما ساكناً، إما حياً وإما ميتاً، فلا يمكن أن يكون خالياً من الحركة وخالياً من السكون، ولا يمكن أن يكون غير حي ولا ميت، إذاً لا بد أن يحصل مراد واحد منهما دون الآخر، فالذي يحصل مراده هو الإله، والذي لا يحصل مراده هو عاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، وهذا يسمى عندهم دليل التمانع، وقد دل على ذلك القرآن في قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] يعني: لو كان مع الله آلهة مساوية له لفسدت المخلوقات، وذلك لما يلزم من اختلاف الأهواء واختلاف الإرادات، فهذا ونحوه مما يدل عقلاً على أن العالم خالقه واحد وهو الله تعالى، وهو المتصرف في هذا الكون كما يشاء.
стр. 16
توحيد الألوهية هو الذي دعت إليه الرسل
قال ﵀: [وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن ودعت إليه الرسل ﵈، وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ، ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥]] .
كثير من المتكلمين يدعّون أن التوحيد الذي دلت عليه هذه الآية والذي دل عليه دلالة التمانع هو الذي دعت إليه الرسل، وهذا خطأ، بل الرسل إنما دعوا إلى توحيد العبادة، وذلك لأن توحيد الربوبية فطري لم ينكره المشركون الأولون، بل جميع الأمم معترفون بتوحيد الربوبية، كما ذكرنا في الآيات السابقة، ومنها قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٥] ، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١] ، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣] ، فإذا كانوا معترفين بهذا النوع الذي هو توحيد الربوبية وأن الرب هو الخالق وحده فهذا يدل على أن الرسل إنما دعت إلى التوحيد القصدي الإرادي الذي هو توحيد الإلهية أو توحيد العبودية.
стр. 17
المشركون يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون توحيد الألوهية
قال ﵀: [ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، قال تعالى حكاية عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] ، وقد ثبت في صحيح البخاري وكتب التفسير وقصص الأنبياء وغيرها عن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب ذكرها ابن عباس ﵄ قبيلة قبيلة] .
معروف أن الرسل دعوا إلى توحيد العبادة الذي هو توحيد الطلب والقصد، وهو التوحيد الإرادي العملي الذي طلبه الله من عباده وأمرهم به، وضده الشرك الذي هو دعوة غير الله تعالى معه، والأمم السابقة متفقون -كما سمعنا- على أن الخالق لهذا العالم واحد هو الله، ومع ذلك يدعون آلهة غيره ويسمونها آلهة، كما حكى الله عن قوم إبراهيم أنهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] ، وأنهم قالوا لما كسرها: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩] ، وقولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] ، وقولهم: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨] فسموها آلهة، ومعلوم أنهم يألهونها، أي: يحبونها ويعظمونها ويصرفون لها أنواع التأله، وهكذا فعل المشركون في العهد النبوي، فإن قصدهم إنما هو التقرب إليها.
وأما غرضهم منها فقد ذكره الله تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] هذه مقالة المشركين، وكذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ، ورد عليهم كما حكى عن الرجل المؤمن بقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣] ، فأخبر بأنهم إنما يريدون شفاعتهم، وأنهم لا يشفعون ولا تغني شفاعتهم شيئاً، وهذا هو قصد المشركين الأولين والمعاصرين سواء، وهو أنهم يريدون شفاعتهم، ويريدون التوسل بهم، ويزعمون أنهم لهم وجاهة ولهم صلاح، فلكونهم ذوي صلاح يشفعون لهم شفاعة تفيدهم إما في العاجل وإما في الآجل.
وأول ما حدث هذا الشرك في قوم نوح، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ [نوح:٢٣] الخ، فروى البخاري عن ابن عباس قال: هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح.
كانوا رجالاً من أهل العلم ومن أهل العبادة ومن أهل الفضل، فلما ماتوا أسف تلامذتهم عليهم، فجاءهم الشيطان وقال: صوروهم وانسبوا صورهم حتى تتذكروا عبادتهم أو تتذكروا علومهم فتعملوا بها، فصوروا تماثيل وسموها بأسمائهم، هذا ود، وهذا سواع، وهذا يغوث، وهذا يعوق، وهذا نسر، ولما ذهب أولئك الذين صوروهم ونشأ أولاد لهم جهال وصاروا يرون هذه الصور جاءهم الشيطان وقال: آباؤكم ما صوروهم إلا ليعظموهم؛ فإنهم من أهل الصلاح.
فعند ذلك عظموهم، وزادوا من تعظيمهم شيئاً فشيئاً إلى أن صاروا يصرفون لهم حق الله، ثم جاء الطوفان وأغرق من على الأرض، ولكن بقيت صور أولئك مدفونة حتى العصر الجاهلي، وأول من أثارها عمرو بن لحي بن خندف الخزاعي، وهو الذي يقول عنه ﷺ : (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم) ، فذكروا أن الشيطان تمثل له في صورة كاهن، وكلام الكهنة يكون مسجوعاً، فقال له: ائت جدة، تجد بها أصناماً معدة، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب.
ففعل فأخبره بأسمائها، فتفرقت هذه الأصنام الخمسة في العرب، وصارت معبودة إلى العهد النبوي، وهي صور قديمة من عهد نوح احتفظ بها وبأمثالها وصارت تعبد إلى العهد النبوي، فهذا أول شرك وآخره، وهو الشرك بعبادة الصالحين، وبتسميتهم أولياء أو سادة أو أفاضل أو أشرافاً، وهذه التسمية أوجبت للناس أن يغلوا فيهم حتى صرفوا لهم خالص العبادة.
стр. 18
أصل الشرك تعظيم القبور
قال ﵀: [وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: (قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ؟ أمرني ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته) ، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر مما فعلوا قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً.
وفي الصحيحين أنه ذكر لرسول الله ﵊ في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال: (إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) ] .
هذه أحاديث تدل على أن أصل الشرك هو تعظيم القبور، سيما قبور الأولياء والسادة والصالحين، وبالطريق الأولى قبور الأنبياء والرسل، فالنبي ﵊ عرف هذا، وعرف أنه أكبر سبب في حدوث الشرك في العالم، وأن قوم نوح لما مات أولئك الصالحون فعلوا ما يلي: أولاً: عكفوا على قبورهم.
ثانياً: صوروا تماثيلهم.
ثالثاً: طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وكذلك وقع هذا في النصارى، وكذلك في اليهود، وكذلك في الأمم الأخرى، فسبب الشرك فيهم هو عبادة الأولياء والصالحين والأنبياء ونحوهم.
وفي هذه الأحاديث يقول ﷺ : (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) ، وكذلك يقول ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) تقول عائشة: يحذر مما صنعوا.
أي: يحذر فعلهم.
تقول: ولولا ذلك لأبرز قبره، أي: لجعل بارزاً، ولكن خشي أن يتخذ مسجداً.
وكذلك في مرض موته ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها في أرض الحبشة يقال لها: (مارية) ، وفيها صور، فقال ﵊: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله) يخاطب أم سلمة أو أم حبيبة، فإنهم جمعوا بين الفتنتين: فتنة التماثيل، وفتنة القبور، فإذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا صورته وهو (التمثال) ، ثم بعد ذلك بنوا على قبره، وقد يكون البناء على قبره يتقدم الصورة، فهم يبنون على قبره ويصورون صورته، فجمعوا بين فتنتين: فتنة الصور وفتنة القبور، وكلاهما من الأسباب الداعية إلى الشرك، وهذا هو الذي حصل في هذه الأمة، والنبي ﵊ في آخر حياته قبل أن يموت بخمس حذر من ذلك على المنبر فقال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) ثم لما كان في سياق الموت اهتم بهذا الأمر، وكانت عليه قطيفة كلما تسجى بها واغتم كشفها، فأخذ يقول وهو في تلك الحال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) كأنه يشير إلى أنكم لا تتخذوا قبري مسجداً كما فعل أولئك.
وقد بين العلماء أن معنى اتخاذها مساجد هو تحري تلك الأماكن للصلاة عندها، فمجرد قصدها لأجل الصلاة عندها اتخاذ لها ولو لم يكن هناك بناء، ولو لم يبنوا عليها بنياناً مثل هذا المسجد، بل ما دام أنه يقصد هذه البقعة التي يزعم أن فيها قبر ولي أو قبر نبي أو قبر سيد أو قبر رجل صالح، ويفضل الصلاة عندها ويجلس عندها، ويطيل الجلوس، ويتبرك بتربتها فقد اتخذها مسجداً شاء أم أبى ما دام أنه يتحراها للصلاة ويفضل الصلاة عندها على الصلاة في بيوت الله تعالى، فهو ممن اتخذها مسجدا، سواء أقيم عليها بناء أو لم يقم عليها.
ولما كانت القبور مظنة الفتنة حرص ﵊ على أن لا يكون هناك ما يدعو إلى ذلك، فثبت أنه نهى أن ترفع القبور، وأن يبنى عليها، وأن تجصص، وأن يكتب عليها، وأن تسرج -يعني: تنور-؛ لأن هذه الأشياء تدفع الجهال إلى الاعتقاد فيها، فإذا رأوا هذا القبر على هذه الحال قالوا: هذا قبر ولي.
هذا قبر سيد.
هذا ممن يتبرك به.
هذا ممن يرجى تأثيره ونفعه.
فيقصدونه ويغلون فيه فيحصل الشرك، فنبينا ﵊ حسم مادة الشرك، ومنع من الوسائل التي توقع فيه، وقد بعث علياً ﵁ بقوله: (لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) يعني: سويته بالقبور الأخرى.
وأمره بطمس الصور؛ لأن الصور أصل في عبادة غير الله، وأمره بتسوية القبور، أي: بتخفيض القبر المشرف الذي قد رفع على ما سواه من القبور حتى يسوى بغيره من القبور مخافة أن يعتقد فيه، فهذا دليل على أنه ﵊ قد حرص كل الحرص على أن تكون أمته متمسكة بتوحيد الله تعالى.
стр. 19
من الشرك عبادة الكواكب
قال ﵀: [ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها، وشرك قوم إبراهيم ﵇ كان -فيما يقال- من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم] .
عبادة الكواكب أو الأفلاك كالشمس والقمر من جملة ما وقع فيه بعض الأمم، ولأجل ذلك نهى الله تعالى عن ذلك، وأخبر بضلال من يفعله، وحكى الله تعالى عن ملكة سبأ وقومها بقوله عن الهدهد: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤] ، ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل:٢٥] يعني: صدهم الشيطان عن سجودهم لله الذي خلقهم ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥] ، فهذا دليل على أن هناك أمماً عبدوا الشمس، وأخبر النبي ﵊ بأن المشركين يسجدون لها، ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فقال: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها المشركون) وهناك من شركهم بعبادة الكواكب.
وقيل: إن قوم إبراهيم شركهم بعبادة الكواكب، كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، وقد حكى الله عنهم أنهم يعبدون أصناماً، كقولهم: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] ، وكانت أصنامهم من حجارة أو من خشب، ولأجل ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٥-٧٧] وقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء:٥٧] ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء:٥٨] وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] يعني: خلقكم وخلق ما عملتم بأيديكم.
فهذا دليل على أنهم كانوا يعبدون أصناماً منحوتة، ولكن مع ذلك كانوا يعبدون الكواكب، وقد قيل: إن من أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] على وجه المناظرة، وكذلك قال للقمر: هذا ربي.
وقال للشمس (هذا ربي هذا أكبر) قيل: إن من أدلة ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨-٨٩] ، مما يدل على أنهم كانوا ينظرون أيضاً في النجوم.
فعبادة الكواكب لا شك أنها شرك، وذلك لأن هذه الكواكب مخلوقة مسيرة، والله هو الذي يسيرها، وهو الذي سخرها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤] .
والحاصل أن من جملة المعبودات عبادة الكواكب وبناء الهياكل لها، وكل ذلك مما نفاه الإسلام وحث المسلمين على أن تكون عبادتهم لله وحده.
стр. 20
شبهة المشركين في عبادتهم لغير الله
قال ﵀: [وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هؤلاء شفعاء كما أخبر عنهم تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]] .
قد تقدم أن المشركين الأولين يعترفون بأن الخالق واحد وهو الله تعالى، حكى الله ذلك عن مشركي العرب في عدة آيات، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤-٨٩] أي: هذا لله وحده، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] ، وهذا يبين أنهم يعترفون بهذا، وأنه صار حجة عليهم، فاعترافهم بتوحيد الربوبية حجة عليهم في التوحيد الذي جحدوه وهو توحيد الإلهية ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] أي: كيف تصرفون عن عبادته وأنتم تعرفون أنه الذي يجير ولا يجار عليه، وأنه الذي بيده ملكوت كل شيء؟ وهو رب السماوات السبع، وهو رب العرش العظيم، وهو الذي له الأرض وله السماوات وله المخلوقات، ومع ذلك تعبدون غيره! أين عقولكم؟ فسئلوا لماذا تعبدون هذه المعبودات؟ فأخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] أي: نريد أن يقربونا إليه.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] أي: ما نريد إلا شفاعتهم.
هذه مقالتهم، وهي بعينها مقالة عباد القبور وعباد الأولياء ونحوهم الذين يقولون: إنهم أناس ذوو فضل ومنزلة، والله يقبل منهم ولا يقبل منا، فإذا تقربنا إليهم أدخلونا على الله، وقبلت أعمالنا بسببهم.
ويضربون لذلك مثلاً بملوك الدنيا، فيقولون: إن ملوك الدنيا لا يوصل إليهم إلا بالشفعاء، فإذا أردت حاجة عندهم فإنك تتوسل بأحد الوزراء أو أحد الكتاب أو أحد الخدم حتى يدخلك عليهم ويشفع لك عندهم.
وهذا قياس فاسد؛ فإن الملوك بشر لا يعرفون ما في الضمير، ولا يعرفون الصادق من الكاذب، فيحتاجون إلى أن يقبلوا شفاعة من يعرفونه، والرب ليس بحاجة إلى من يعرفه، فإنه يعلم ما في الضمائر، ويعلم ما توسوس به النفوس، وهو عليم بذات الصدور، فلا حاجة إلى أن يشفع عنده أحد، وإن كان في الآخرة يأذن في الشفاعة لبعض عباده ويقبل شفاعتهم تكريماً لهم، ولكن بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
стр. 21
شرح العقيدة الطحاوية [٣]
من رحمة الله بخلقه أن أودع في فطرهم معرفته والإيمان بوجوده، فكل مخلوق يعرف أن له خالقاً بالفطرة، وهذه الحقيقة لم ينكرها إلا شواذ الخلق مع يقينهم بها في الباطن، ولذا أقيمت الحجة على الخلق بها حين دعوا إلى توحيد العبادة.
стр. 22
توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية
من جملة ما حذر منه نبينا ﷺ الشرك في العبادة، ومن أسبابه اتخاذ القبور مساجد، وهناك كثير من الأدلة في نهيه عليه الصلاة السلام عن الشرك، وذمه للذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، وبيان ما آل إليه أمرهم بعد ذلك، وسيمر بنا -أيضاً- ما يحقق التوحيد، وأن توحيد الربوبية ينتج منه توحيد الإلهية.
قال الشارح ﵀: [وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل، كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة الرهط الذين (تقاسموا بالله) أي: تحالفوا بالله (لنبيتنه وأهله) ، فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قتل نبيهم وأهله، وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان المشركين.
فعُلِم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٢-٣٦] .
وقال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] ، وقال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولا يقال: إن معناه: يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً.
كما قال بعضهم لما تلونا، ولقوله ﷺ فيما يروي عن ربه : (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) الحديث، وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك حيث قال: (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: ويسلمانه وفي رواية: (يولد على الملة) ، وفي أخرى: (على هذه الملة) ] .
قصة قوم صالح تدل على أنهم ولو كذبوا صالحاً فإنهم كانوا يعرفون الله ويعترفون بالربوبية، ولهذا تقاسموا بالله وهم كفار مكذبون للنبي، ومع ذلك يتقاسمون بالله، وما تقاسموا بغير الله، فيعرف من هذا أن الكفار المشركين الذين كذبوا الرسل كانوا يعرفون أن الله هو ربهم، وأن الله هو الخالق.
وهكذا الذين كذبوا نبينا ﷺ كانوا معترفين بأن الله هو ربهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ، ونحو ذلك من الآيات، فماذا جحدوا إذا كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق؟ جحدوا توحيد العبادة وهو حق الله، إنما عرفوا الله رباً ولكن ما عبدوه وحده، وما عظموه حق تعظيمه، بل أشركوا به وجعلوا معه آلهة أخرى، فكانوا بذلك مشركين، وكذلك كذبوا رسله الذين دعوهم إلى عبادته.
وقوم نوح كانوا يعرفون ربهم، ولكن احتقروا نوحاً وكذبوه، وهكذا قوم هود وقوم صالح وقوم إبراهيم إلى آخر الأمم، وهم مشركو العرب، فقد كذبوا نبينا ﵊ أول الأمر وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] .
стр. 23
معرفة الخالق سبحانه معرفة فطرية
معرفة الله معرفة فطرية فطر الخلق عليها، ودين الإسلام الذي اختاره الله ديناً له وأرسل به الرسل دين فطري، بمعنى أن القلوب مفطورة على استحسانه، وعلى أنه الدين الصحيح، ولو فكر كل عاقل في هذا الدين لعرف أنه أصح الأديان، وأن من دان بغيره فهو خاسر ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ، وفي الآية الكريمة في سورة الروم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] يعني: فطرهم على معرفته وعلى استحقاقه لأن يعبد، ولكن أفسدت عليهم الشياطين تلك الفطرة، وأفسدتها عليهم البيئات والمجتمعات، وأفسدها عليهم الآباء والأجداد والأمهات والجدات، وأفسدها عليهم المربون والمعلمون والمنشئون، ولو تركوا وما تميل إليه فطرتهم لمالوا إلى الإسلام، ولعرفوا أنه الدين الحق، وإن كان لا بد من تنبيههم على تفاصيله، وهذا ما دل عليه الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: على معرفة أنه مخلوق وأن له خالقاً، وأن الخالق هو الذي يستحق أن يعبد.
وفي الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (حنفاء) يعني: مستقيمين على الدين.
ولكن سلطت عليهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأخرجتهم عن الحنيفية، وحرمت عليهم الحلال وأحلت لهم الحرام، وأوقعتهم في الشرك والضلال.
ومعلوم أن الإنسان بفطرته يفضل الدين الصحيح، وأن أصح الأديان هو هذا الدين، ولكن كثرة المنحرفين وكثرة النصارى وكثرة اليهود وكثرة المشركين وكثرة المبتدعين إنما هي بسبب الدعايات التي تصد عن الإسلام، ومعلوم أن الله سبحانه أوضح الحق، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، ولكن هناك أعداء للحق، وهؤلاء الأعداء يحرصون على أن يميلوا بالناس إلى ما هم عليه، فالمشركون يحبون أن يكثر أمثالهم، وكذلك المبتدعون، كل أهل بدعة يحبون أن الناس يكونون معهم على بدعتهم، والأصل الذي يدفعهم إلى ذلك هو الشيطان، فالشيطان لما كان عدو الإنسان زين له البدع، وزين له الشرك، وزين له الكفر، ثم أمره بأن يدعو الناس إلى ما ينتحله.
стр. 24
الأدلة العقلية على معرفة الخالق
قال ﵀: [وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، منها: أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، وهو حساس متحرك بالإرادات، ولا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما، ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع، وأن يكذب ويتضرر مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه، والثاني فاسد قطعاً، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به، وبعد ذلك إما أن يكون في فطرته محبته -وهو أنفع للعبد أولا-، والثاني فاسد قطعا، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه] .
هذه أدلة على أن معرفة الخالق سبحانه معرفة فطرية يدركها الإنسان بفطرته، وهذا تقرير من تقارير المتكلمين ولكنه واضح، يقول: إن الإنسان لا بد أن يخطر بقلبه خواطر، وهذه الخواطر وهذه الإرادات قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، ولا شك أنه متى فسر تلك الخواطر عرف ما يضره وما ينفعه، فمن ذلك أن يفكر في نفسه وفي الوجود الذي حوله، فيعترف حينئذٍ أنه مخلوق، وأن الوجود الذي حوله مخلوق، ويعترف بعد ذلك أن هذا المخلوق لا بد له من خالق متصرف، وأن التصرف للخالق وحده، ثم إذا اعترف بذلك انتفع بهذا الاعتراف، فكل عاقل يقول: إنه إذا خطر في قلبه هذه الخواطر فلا بد أن يفكر في نهايتها، فينظر هل هي حق أو باطل، وإذا كانت حقاً فإنه يؤثرها ولا يترك عليها ما يضادها، فكل عاقل يؤثر ما ينفعه ويترك ما يضره، فلو قيل لك مثلاً: اعترف بالبعث والجزاء في الآخرة ونحن نثيبك ونرفع منزلتك ونعطيك ونمكنك.
أو: أظهر الإنكار ونحن نحبسك ونضربك ونؤدبك ونحرمك فالعقل يقول: لماذا لا أعترف، وأنا أعرف ما في الاعتراف؟ ومما يدعوه إلى الاعتراف: أولاً: أن البعث عليه أدلة.
ثانياً: فيه منفعة.
ثالثاً: التكذيب فيه مضرة.
فكل عاقل يؤثر أن يعترف بالحق حتى يحصل له الانتفاع.
قال ﵀: [ومنها: أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسه، وحينئذ لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك] .
وهذا أيضاً دليل عقلي، فمعلوم أن الله تعالى فطر العباد على معرفته ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، ولكن هذه الفطرة قد لا تكفي لتفاصيل الحقوق، فالإنسان مثلاً لو نشأ في بادية ولم يسمع بالدين ولم يعرف شيئاً عنه فإنه يعرف أنه مخلوق، وأن هذا الكون مدبر مسخر، لكن يخفى عليه أشياء من تفاصيل العبادة، فيقول -مثلاً-: أنا مخلوق ولي خالق، وخالقي له حقوق علي، ولكن ما هي؟ وكيف أؤدي هذه الحقوق؟ وما الذي يحبه حتى أفعله؟ وما الذي يكرهه حتى أتركه؟ وهذا يرجع فيه إلى ما جاءت به الرسل، فالرسل هم الذين بينوا للناس حقوق الله على العباد فأمروهم أن يفعلوها وما حرمه فأمروهم أن يتركوه، فهذا يُتلقى من الرسل، وإلا فالإنسان لو ترك وفطرته دون أن تغير لمال إلى الحق ولآثره، ولكن تفاصيل الحق تؤخذ عن الرسل.
стр. 25
حسن التصور ومعرفة فائدة أمر ما دافع إلى الإقدام عليه
قال الشارح ﵀: [ومنها: أن يقال: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علم الجهال والبهائم وحضِّضا لم يقبلا، ومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا كان المقتضي قائماً في النفس وقدر عدم المعارض فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالصانع عابدة له] .
صحيح أن مجرد التحريض لا يدفع الإنسان، فلو كان لك ولد وأنت تحرضه وتقول: يا ولدي! تعلم يا ولدي! اطلب العلم.
يا ولدي! احفظ القرآن.
وهو مع ذلك ليس له رغبة، بل نفسه مائلة عن هذا التعلم، فلو ضربته ولو أدبته ولو نصحته ولو علمته ما قبل إلا إذا أقبلت نفسه هوي ذلك وعرف فيه فائدة ومنفعة، وهذه المعرفة تتكون من التصور، وذلك لأن الإنسان له عقل، وعقله يهديه إلى تصور الأمر، فيتصور الشاب -مثلاً- أن الجهل مقت، فيقول: لماذا أبقى على الجهل وهو نقص ويتصور أن العلم شرف فيدفعه هذا التصور إلى التعلم، أما مجرد الضرب والترغيب والترهيب والتخويف ونحو ذلك إذا لم يكن هناك تصور وإقبال من النفس فإنه لا يفيد كما هو مشاهد.
فالذي يريد الخير لابد أن يعرف فوائده من قبل؛ حتى تدفعه تلك المعرفة إلى طلبه، فالعبد إذا عرف -مثلاً- أنه مخلوق، وعرف أن المخلوق عليه حقوق، وعرف أن أداء تلك الحقوق سبب للسعادة، فإنه سيحرص على أداء تلك الحقوق حتى تحصل له السعادة والحياة الطيبة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
ولكن من أين يأخذ معرفة تلك الحقوق التي عليه؟ يأخذها من الشريعة، فيقول: الحقوق التي علي هي عبادة الله، دعاؤه وخوفه ورجاؤه والرغبة إليه وخشيته والخشوع له وترك التعلق بغيره وترك عبادة غيره بأي نوع من العبادة وطاعته وترك معصيته، وما أشبه ذلك.
فالعاقل عليه أن يعلم أولاً الفائدة، أي: إذا أردت أن ترغّب ولدك في أمر فإن عليك أن تعلمه بفائدته حتى يقبل إليه، فأنت -مثلاً- إذا أخذت تعلمه حرفة من الحرف أو صنعة يتكسب بها كبناء وغراسة أو تجارة أو أي صنعة من الصنائع، فلابد أنك سوف تخبره بفوائدها، وستقول له: تعلم هذه الحرفة فإنها صنعة مفيدة، يحتاج إليها الناس، وتكتسب كذا وكذا، فإذا اقتنع اندفع وطلبها، فكذلك إذا قلت: أنت محتاج إلى العلم، والعلم فائدته كذا وكذا، واقتنع فإنه يندفع إلى العلم، وهكذا إذا قلت للإنسان: أنت محتاج إلى ربك، حتى يثيبك ويعطيك، وربك غني عنك، وحق الله عليك أن تعبده، وعبادته كذا وكذا.
فإذا صدق واقتنع فإنه يندفع للعبادة.
فإذاً ننصح كل إنسان أراد إقناع آخر أن يخبره بفائدة ذلك الأمر الذي يدفعه إليه حتى يرغب فيه.
стр. 26
ميل النفس إلى الصلاح بفطرتها عند انعدام العوامل الخارجية من مصلحات ومفسدات
قال الشارح ﵀: [ومنها: أن يقال: إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح؛ لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم والمانع منتف] .
هذا قد يتصور في إنسان نشأ وحده في برية أو في بلدة أو بين أناس لا يعرف كلامهم ولا يعرفون كلامه، فينشأ وليس هناك أحد يعلمه الخير ولا أحد يعلمه الشر، لكن معه الفطرة، وهي أن الله فطره على الإسلام، فلابد من أن يكون معه دافع يدفعه إلى أن يعرف الكون، ويعرف ماذا يراد بهذا الكون، فإذا قدر أنه ليس هناك مفسد ولا مصلح فإن الفطرة ميالة إلى طلب المصلح، فيندفع إلى طلب الخير.
أما إذا ولد المولود ونشأ في بلدة أهلها يعرفون الخير ولقنوه إياه، وقالوا: عبادة الله هي الأصلح، وأنت مخلوق لها -كما قال تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فإنه يعرف ذلك، ثم يتلقى العبادة.
وكذلك لو ولد بين أناس مشركين، وقالوا له: التعلق بهؤلاء الصالحين ينفع، وهؤلاء مقربون عند الله، ونحن ندعوهم حتى يكونوا شفعاءنا عند الله، ونحو ذلك، فصدقهم وفعل كفعلهم وذلك لأنه ساذج لا يدري إلا بما علموه.
كذلك إذا ولد ونشأ بين نصارى يقولون: المسيح هو الله أو ابن الله صدقهم واندفع إلى ما يقولونه، وهكذا، بخلاف ما إذا ولد ليس عنده من يعلمه لا بدعة ولا سنة، ولا إسلام ولا كفر، فإنه يبقى متحيراً ولكن فطرته تدفعه إلى معرفة الإسلام أو محبته وتفضيله على غيره.
стр. 27
استخدام الأدلة العقلية للرد على من ينكرون وجود الخالق
قال ﵀: [ويحكى عن أبي حنيفة ﵀ أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فترسي بنفسها، وتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد!! فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبداً! فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟! وتحكى هذه الحكاية أيضاً عن غير أبي حنيفة] .
هؤلاء قوم من الملاحدة عندهم شك في توحيد الربوبية وفي وجود الخالق سبحانه، فجاؤوا إلى أبي حنيفة العالم المشهور وأرادوا أن يمتحنوه، ولكنه امتحنهم قبل ذلك بهذا السؤال، ولا شك أنه شيء محسوس واقع، يقول: ما يصدق العاقل أن هناك سفينة تمشي بنفسها تحمّل نفسها من الذخائر وترسي في البلد المعين لا تخطئه، وتنزل حمولتها من نفسها، وترجع من حيث جاءت! فالسفينة خشبة وجماد ليس لها عقل ولا إدراك، فكيف يتصور أنها تسلك الطريق، وأنها ترسو في المكان المعد لها، وأنها تمتد إلى الأثاث والمتاع والأطعمة وتحملها، وأنها ترسي وتنزل المتاع عن ظهرها؟! لا يمكن تصور هذا.
ومثلها أيضاً المراكب الجديدة كالسيارة -مثلاً-؛ فإنها لا تتحرك بنفسها، ولو قيل لك: إن هناك سيارة أو طائرة أو باخرة تتحرك بنفسها، وإنها تذهب إلى البلد الذي تريده ولا تخطئ طريقها، وإنها إذا وقفت في الأسواق حملت نفسها من الأرزاق ومن الأكسية والأمتعة ونحوها وجاءت إلى البلد المحتاج ونزلت من نفسها!! فهل يصدق بهذا عاقل؟ هذا محال.
يقول: إذا كان هذا محالاً فإننا نشاهد هذا الكون مدبراً أتم تدبير، فهل يصدق عاقل أنه وجد بالصدفة من غير موجد؟ هذه الكواكب التي تطلع وتغرب في سير منتظم، لا يتقدم هذا عن وقته، ولا هذا عن وقته، وهذه الشمس وهذا القمر اللذان سيرهما في الشتاء له حد، وفي الصيف له حد، وهذه الرياح التي تثور أحياناً وتسكن أحياناً، وهذه البحار، وهذه الأنهار، وهذه الأشجار، وهذه المخلوقات المنبثة في البر وفي البحر، والحيوانات والجماد، هل يعقل أنها وجدت بالصدفة؟! لا يمكن، فإذا كان هذا لا يمكن فلابد لها من موجد، وكما أن السيارة لابد لها من محرك، فكذلك هذه الموجودات لابد لها من مسير وهو الخالق وحده الذي يقول: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٥-١٦] ، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢] ، هو الذي سخر ذلك، وهذه حجة عقلية تدمغ كل منكر وكل ملحد.
стр. 28
الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي صاحبه إذا لم يحقق توحيد العبادة
قال ﵀: [فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، كما ذكره صاحب (منازل السائرين) وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه، كان مشركاً من جنس أمثاله من المشركين] .
توحيد الربوبية هو الغاية عند أهل الكلام، وهو الذي يفنى فيه المتصوفون، أي: يجعلون أكبر مقصد وأكبر مطلب عندهم هو الاعتراف بأن الله موجود وبأنه خالق ورازق، وبأنه مدبر، هذا هو الغاية عندهم، ولكن ليس هو الغاية عند أهل الحق، بل الغاية والمطلب هو توحيد العبادة، الذي هو عبادة الله والقيام بحقه.
فالمتصوفة يفنون في توحيد الربوبية، ومعنى كونهم يفنون فيه: أنهم يبالغون في تعلمه إلى أن يأتي عليهم شيء يسمونه الفناء، وهذا هو الغاية عندهم.
والمتكلمون أيضاً كذلك، يجعلونه هو الغاية، حتى إنهم يقولون: معنى (لا إله إلا الله) : لا خالق إلا الله.
وهذا ليس بصحيح؛ فإن المشركين يعرفون أنه لا خالق إلا الله، ولكن لم ينفعهم حين عبدوا غيره معه، فلابد أن يكون الاعتراف بأنه لا إله يعني: (لا معبود بحق إلا الله) ، وهذا هو توحيد العبادة الذي يعتبر الغاية عند أهل الحق.
والمتكلمون يراد بهم أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم، والمتصوفون يراد بهم الصوفية، والصوفية هم أهل العبادات السرية، فهم يبالغون في العبادات القلبية، ولكنهم يقعون في البدع، ومن جملة بدعهم أنهم ينعزلون عن المسلمين وعن العبادات ونحو ذلك، وأن أحدهم يبقى معتزلاً مدة طويلة حتى يحصل له حضور قلبه ومشاهداته، فيترك لذلك شهود الصلوات، ويقول: إني إذا ذهبت أصلي تفرق علي قلبي، فأنا الآن أفكر وأجمع همومي، وإذا قمت تفرقت هذه الهموم التي جمعتها.
والصوفية موجودون بكثرة في كثير من البلاد، ولهم تمكن، وقد انخدع بهم خلق كثير، ومع ذلك فإن متقدميهم في القرن الثالث كانوا على علم وعلى عبادة إلا أنهم زهاد، وأما المحدثون فإنهم وقعوا في عقائد سيئة وبدع عملية.
стр. 29
الآيات المقررة لتوحيد الربوبية يقصد منها تقرير توحيد الألوهية
قال ﵀: [والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه، وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلاً على الثاني؛ إذ كانوا يسلمون في الأول وينازعون في الثاني، فيبين لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله وحده، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم لا شريك له في ذلك فلم تعبدون غيره وتجعلون معه آلهة أخرى؟ كقوله تعالى: ﴿قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٥٩-٦٠] يقول الله تعالى في آخر كل آية: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى أنه استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام:١٩] ، وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلها ﴿جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ [النمل:٦١] ، بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، وكذلك قوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:٤٦] ، وأمثال ذلك] .
تقرير توحيد الربوبية في القرآن كثير، والقصد منه الإلزام لتوحيد الإلهية، فإن آية البقرة -وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة:٢١]- ذكر الله بها تقرير توحيد الربوبية بستة أدلة، وهي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] خَلْقهم، وخَلْق آبائهم، وخَلْق الأرض، وخَلْق السماء، وإنزال المطر، وإنبات النبات، يقول: اعبدوا الله الذي فعل هذه الأشياء، فأنتم تعترفون بأنه الذي خلقكم، وأنه الذي خلق من قبلكم؛ لأنه خالق السماوات والأرض وأنه مرسل السحاب ومنزل المطر ومنبت النبات، فلماذا تعبدون غيره؟ فيحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على التوحيد الثاني، فما دام أنهم يقرون بتوحيد الربوبية فيلزمهم توحيد العبادة، وكذلك الآيات الأخرى في سورة النمل، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠] ، ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ [النمل:٦١] ، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢] ، ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل:٦٣] ، ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٦٤] فيقول: بعد كل آية: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٤] يعني: هل هناك أحد شارك الله في هذه الأشياء؟ فإذا كنتم تقرون بأن الله هو الذي أنشأها وحده فلماذا تعبدون غيره؟ لماذا تصرفون العبادة لغيره؟ ومعنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يعني: هل هناك أحد شريك لله في خلق هذه المخلوقات وهذه التصرفات؟ إذا كنتم تقرون بأنه ليس له شريك فلماذا جعلتم معه آلهة تعبدونها؟ فهم جعلوا معبودات وسموها آلهة وصرفوا لها العبادة، ولما دعاهم النبي ﷺ ليقولوا: (لا إله إلا الله) ؛ أنكروا ذلك، وقد جاء في حديث أن النبي ﷺ قال لهم: (أريد منكم كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي لكم الجزية العجم، قولوا: لا إله إلا الله) ، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥] ، وقالوا: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦] والإله عندهم هو المألوه المعبود، أي: تألهه القلوب.
فيحتج الله عليهم بالشيء الذي يعرفونه على الذي ينكرونه، إذ الذي ينكرونه هو العبادة، فيقولون: إن العبادة ليست لله وحده.
بل يجعلونها لغيره أو له ولغيره، وأما الخلق والتدبير فإنه لله وحده، يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] ، فإذا كانوا يعترفون بهذا فإنه حجة عليهم في أن التوحيد المطلوب لا يستحقه إلا الله.
стр. 30
وضوح الأدلة على توحيد الألوهية ناشئ عن شدة حاجة الناس إليه
قال ﵀: [وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله هؤلاء النظار ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد، داخلاً في التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فليعلم أن دلائله متعددة، كدلائل إثبات الصانع، ودلائل صدق الرسول؛ فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج؛ كانت أدلته أظهر رحمة من الله بخلقه] .
يقول: توحيد الإلهية هو المطلوب، وتقدم أن كل رسول يبدأ دعوته بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ؛ لأنه توحيد عملي وأفعال مشاهدة، وأما توحيد الربوبية فالغالب أنه اعتقادي وقد يكون خفياً، فإذا كانت الدعوة إلى التوحيد العملي فلابد أن الأدلة عليه واضحة.
يقول: إن كل شيء حاجة الناس إليه شديدة، فالأدلة عليه واضحة، والأدلة على توحيد الإلهية هي أوضح الأدلة، وهي الأدلة الكونية، فالذي كوّن هذا الكون هو الذي يكُون أهلاً للعبادة، يقول ابن كثير لما فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] يقول: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة، فالأدلة على توحيد العبادة واضحة وظاهرة، يعني أن توحيد الربوبية أقوى دليل وأقوى حجة على وجوب عبادة الله وحده، وظهورها من نواح: أولاً: أنه الخالق المالك المتصرف، فيكون هو المستحق للعبادة.
ثانياً: أنه المنعم، ونعم الله على عباده لا تنقطع، فيستحق أن يعبد وحده.
ثالثاً: أنه يثيب على هذه العبادة أعظم ثواب، ويعاقب على تركها أعظم عقاب، فيستحق العبادة لهذه الأمور، فالعاقل لا يخفى عليه هذا الدليل.
стр. 31
طريقة القرآن في ضرب الأمثلة واضحة الدلالة على توحيد الألوهية
قال ﵀: [والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] ، وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها استدل بها ولم يحتج إلى الاستدلال عليها.
والطريقة الصحيحة في البيان أن تحذف، وهي طريقة القرآن، بخلاف ما يدعيه الجهال الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع فإنه يبينه ويدل عليه] .
طريقة القرآن ضرب الأمثلة، وكثيراً ما تأتي الأمثلة على معبودات المشركين، كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] إلى آخرها، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] هذا أيضاً مثل لمن يعبد إلهاً واحداً ومن يعبد آلهة متفرقين، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم:٢٨] يقول: هل ترضى أن يكون مملوكك شريكاً لك في مالك وشريكاً لك في أهلك؟ إذا كنت لا ترضى فهذه الآلهة مملوكة لله، فكيف تكون شريكة له في العبادة؟! فالقرآن ضرب الأمثلة لأجل إقناع من يستمع ذلك، وطريقته هي إيضاح الحجج بهذه الأمثلة، بحيث يحذف المقدمات التي لا حاجة إليها اختصاراً ويقتصر على الشيء المهم، وبالجملة فكل من تأمل الأدلة اتضح له أن توحيد الإلهية أدلته واضحة الدلالة، فعليه أن يقتنع به ويقنع الخصم.
стр. 32
امتناع شرك الربوبية عند عموم الخلق إلا من شذ منهم
قال ﵀: [ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقاً خلق بعض العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أموراً محدثة بدون إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك] .
يقول: إن الشرك في توحيد الربوبية قليل وجوده في الخلق، إلا أن هناك من يشرك شركاً جزئياً، مثل المجوس الذين أشركوا في توحيد الربوبية وجعلوا الخلق من اثنين من النور والظلمة، واعتبروا أن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر، ولم يجعلوهما سواء، بل النور خير والظلمة شريرة، وهم لا يعظمون إلا واحداً، ولهذا فهم يعبدون النار، ومثل بعض المعتزلة الذين يجعلون بعض المخلوقات من إيجاد الحيوانات، ويقولون في الأفعال: إن الإنسان يخلق أفعاله بدون قدرة الله؛ والمجوس يجعلون الوجود عن خالقين، والمعتزلة يجعلونه عن عدد، ولذلك سمي المعتزلة: مجوس هذه الأمة، ولو زعموا أنهم ينزهون الله تعالى عن الظلم؛ لأن عملهم نوع شرك في الربوبية، وإن كانوا لا يعبدون إلا الله، ولكن كونهم يسندون بعض الأفعال إلى غير الله ويقولون: إن الإنسان يخلق فعله، صدق أنهم مشركون نوع شرك في الربوبية.
وعلى كل حال: فالأصل أن الأمم كلهم يعترفون بتوحيد الربوبية، إلا من شذ، كفرعون الذي كان ينكر ذلك ولكنه كان في باطن الأمر يعترف بأنه مخلوق وأن له خالق، ويوجد في هذه الأزمنة من يسمون بالشيوعيين، وقديماً كانوا يسمون بالدهريين، وهم في الحقيقة معاندون مكابرون، وإلا فلو أعملوا تفكيرهم، ولو حكموا أذهانهم لما بقوا على هذه العقيدة السيئة، ولكن مع المكابرة قلدوا من يقول بها ومن يذهب إليها، فالأصل أن جميع طبقات العالم المكلفين يعترفون بأن للعالم خالقاً، حتى الفلاسفة وإن كانوا ينقسمون إلى دهريين وإلهيين؛ جلهم على الاعتراف بالخالق.
стр. 33
شرح العقيدة الطحاوية [٤]
توحيد الله تعالى في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته هو أقل ما يلزم العبد وأول ما يجب عليه أن يحققه، وبغير ذلك لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً.
стр. 34
الشرك في توحيد الربوبية شرك جزئي
موضوعنا حول مقدمة الكتاب في تقرير التوحيد، ومعرفة وحدانية الله ، وسبب تسمية هذا العلم بالتوحيد، وأهمية هذا النوع من العلم، والتوحيد الذي دعت إليه الرسل، والتوحيد الذي أقر به المشركون، والتوحيد الذي يقرره أهل الكلام والمتصوفة ويدورون حوله.
ولا شك أن معرفة هذه الأنواع تكسب الإنسان رسوخاً في الإيمان؛ فإن من عرف هذه الأنواع امتلأ قلبه بالإيمان، ومتى امتلأ القلب بالإيمان وباليقين انبعثت الجوارح بالأعمال الصالحة وتورع المؤمن عن السيئات، هذه فائدة معرفة هذه العقيدة، أنها إذا رسخت في القلب صارت سبباً لاستكثار المؤمن صحيح العقيدة من الأعمال الصالحة وبعده عن السيئات، فاستحق بذلك ثواب الله.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فلما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقاً خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أموراً محدثة بدون إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك] .
معنى هذا أن جميع الخلق يعترفون بتوحيد الربوبية، إلا بعض الأفراد أو بعض الطوائف، والذين ينكرونه إنما ذلك في الظاهر عناداً، كفرعون حيث قال: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، فهو في الباطن معترف بصدق موسى، كما في قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء:١٠٢] أما بقية الأمم فإنهم يعترفون بأن للوجود خالقاً، وهذا هو توحيد الربوبية، وأن هذا الكون مفتقر إلى من أوجده، وهذا هو توحيد الربوبية، وأن الموجد واحد، لكن هناك أنواع من الشرك في الربوبية جزئيات.
شرك المجوس الذين جعلوا الوجود صادراً عن اثنين، فجعلوا الخير من خلْق النور، وجعلوا الشرور من خلق الظلمة، أي: أنهم جعلوا خالقين: النور والظلمة، فهذا نوع من شركهم، ومع ذلك ما جعلوهما سواء، بل النور عندهم خير، والظلمة شريرة، وهذا شرك في الربوبية.
وهناك شرك آخر عند المعتزلة وإن لم يكن صريحاً، وهو أنهم يزعمون أن العباد يخلقون أفعالهم، وأن الله لا يقدر على خلق أفعال العباد، ولأجل هذا يسمون (مجوس هذه الأمة) ، وهذا شرك منهم وإن كانوا يدعون أنه من باب تنزيه الله تعالى -في زعمهم- عن أن يخلق المعصية ويعاقب عليها، ولعله يأتينا إن شاء الله الرد عليهم في موضعه.
وهناك بعض من المشركين من الفلاسفة ومن المتصوفة ونحوهم يشركون في أنواع من الربوبية، وأقوالهم في ذلك غريبة لا ينبغي أن يلتفت إليها.
والحاصل أن جميع خلق الله -إلا النادر الشاذ- يعترفون بأن الخالق واحد وهو الله.
стр. 35
انتظام العالم وإحكام خلقه دليل على وحدانية خالقه
قال ﵀: [فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١] ، فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقاً فاعلاً يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد ثلاثة أمور: أما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.
وإما أن يعلو بعضهم على بعض.
وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه، بل يكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه.
وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره من أدل دليل على أن مدبره إله واحد وملك واحد ورب واحد لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه، كما قد دل دليل التمانع على أن خالق العالم واحد لا رب غيره ولا إله سواه، فذلك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان] .
حين نتأمل الآيات التي جاءت في التدليل على توحيد الربوبية فإننا نجدها كثيرة، يقرر الله تعالى توحيد الربوبية، وذلك بذكر خلقه للمخلوقات، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى:٢٩] ، وكقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان:١٠] إلى قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] تقرير هذه الآيات للتوحيد يتبين منه أن هذا يراد به نتيجته، وهي أن من عرف أن الله تعالى واحداً في ربوبيته لم يعبد معه غيره، وقد ذكرنا أن ابن كثير قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] قال: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
فمن ذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] فالله تعالى ما اتخذ من ولد؛ إذ لو كان له ولد - تعالى عن ذلك- لكان الولد يشارك أو يشابه أباه، والله منزه عن ذلك، (وما كان معه من إله) فلو كان معه إله لزاحمه في الخلق، وفي التدبير، وفي التصرف، وفي الملكية، وهذا معنى قوله: (إذاً لذهب كل إله بما خلق) .
ومن المشاهد أن ملوك الدنيا يتنافسون، وكل منهم يحب أن يكون هو الأقوى وهو المسيطر، وقرأنا عن بعضهم أنه لما قتل قريباً له بسبب الملك قال: إن هذا من أحب الناس إلي ولكن الملك عقيم.
يعني: لا أريد من يزاحمني في الملك.
فإذا كان هذا في حق ملك من ملوك الدنيا فبطريق الأولى أن يقال: إن الله تعالى لا شريك له، فلو كان له شريك في الخلق والملك لزاحمه ولظهرت آثار هذه المزاحمة، وهو معنى قوله: (إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) يعني: لو كان معه آلهة لكان كل إله ينفصل عن الآخر بخلقه ويعتزل، ويحاول أن يكون له السيطرة، وأن يكون له العلو على الآخر، وأن يكون هو المتمكن.
وإذا نظرنا فيما حولنا فإذا الأمر منتظم، وإذا هذا الخلق وهذا العالم يسير على هيئة وحالة واحدة لا يختل، ولا يقع فيه تغير، وهذا أكبر دليل على أن الذي خلقه ليس له شريك، وأنه ليس له مزاحم وليس معه إله آخر، وإلا لذهب كل خالق أو كل إله بخلقه وانفصل كما يحصل من ملوك الدنيا، فإن ملوك الدنيا -كما هو مشاهد- كل منهم ينفصل في مملكته -مع أنها ملكية مؤقتة- وكل يدبر مملكته خاصة، بل كل يحاول التغلب على الآخر، وهذا ونحوه دليل على أن الخالق واحد.
وتسمى هذه الآية دليل تمانع، ودلالة التمانع يقول بها المتكلمون، فيستدلون على أن الخالق واحد بدلالة التمانع، فقالوا: لو كان للعالم خالقان متساويان فأراد أحدهما تحريك الجسم وأراد الآخر تسكينه، أو أراد أحدهما إحياءه وأراد الآخر إماتته فإما أن يحصل مراد واحد دون واحد، فيكون أحدهما قادراً والآخر عاجزاً، وإما أن يحصل مرادهما جميعاً وهو محال، وإما أن لا يحصل مراد واحد منهما أيضاً وهو محال، فإذا حصل مراد واحد منهما فهو القاهر الغالب، والذي لم يحصل مراده عاجز لا يصلح أن يكون إلهاً ولا خالقاً، وكذلك ما جاء في الآية، فلو كان معه إله لاستقل كل إله بما خلق (ولعلا بعضهم على بعض) ، فلما لم يحصل ذلك دل على أن الخالق واحد.
стр. 36
إثبات توحيد الربوبية يلزم منه إثبات توحيد الألوهية
قال ﵀: [فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين، فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية] .
يقول: إذا عرفنا توحيد الربوبية فإنه يلزم منه توحيد الإلهية، وقد ذكرنا أن بعض المشايخ يقولون في تقريرهم: اعرفوا الله بأفعاله ووحدوه بأفعالكم.
وأفعال الله هي خلقه وتدبيره، فإنها هي الدلالة على معرفته، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك فقل: بآياته ومخلوقاته.
فتعرف الله بأفعاله، (ووحدوه بأفعالكم) يعني: خصوه بعبادات، فهذه الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] والآيات الأخرى تقرر توحيد الربوبية، وإذا استقر توحيد الربوبية أصبح دليلاً على توحيد الإلهية، أي أن الإله الخالق الرازق المدبر المتصرف في هذا الكون الذي يجري هذه الأشياء كما هي ويحيي ويميت، والذي ابتدع هذا الكون من غير سابق خلق لا شك أنه الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، فيكون هذا دليلاً على توحيد العبادة.
قال ﵀: [وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كان للعالم صانعان إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل: أرباب.
وأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا] .
هذه الآية في سورة الأنبياء ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هي من أوضح الأدلة على توحيد العبادة، وفيها أنه إذا قدر أن فيهما آلهة إلا الله فإن كل إله أو كل خالق يدبر ما من شأنه أن يستطيعه، ويحرص على أن يتغلب على من إلى جانبه، فلا تنتظم هذه الأفلاك ولا هذه المخلوقات، بل يحصل فيها شيء من الخلل، ويحصل فيها شيء من الاضطراب، ومثل ذلك مشاهد، فإنه لو قدر أن هناك شريكين في أمر فكل منهما يحب أن يكون هو المسيطر وهو المتسلط، ولكان كل منهما يهمل الذي في جانب الآخر، فيقع الإهمال والاختلال، فلما رأينا الأمور منتظمة عرفنا أنه ليس فيهما آلهة إلا الله وحده.
قال ﵀: [وأيضاً فإنه قال: (لفسدتا) ، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا، ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد] .
الله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وقد استنبط المؤلف أن هذه الآية دليل على إثبات توحيد الإلهية وليس توحيد الربوبية، فهو لم يقل: لو كان فيهما أرباب، ولا ملوك، ولا ملّاك، ولا خالقون.
بل قال: (آلهة) ، والإله هو المعبود المألوه كما سيأتي إن شاء الله.
وأيضاً فإن الله قال: (لو كان فيهما) ولم يقل: لو كان في الوجود.
وهذا دليل على أنه بعد إيجادهما، والله قال: (لفسدتا) ، ولم يقل: لم توجدا.
فالآية تقرر توحيد الإلهية ولكنه متوقف على توحيد الربوبية.
فيخبر تعالى بأن الإلهية لا تصلح إلا لإله واحد وهو الله، وأن من جعل معه آلهة أخرى فإنه قد ضل، وقد أخبر الله بأن المشركين يجعلون معه آلهة، كقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام:١٩] ، ولكن تلك الآلهة آلهة مخلوقة ضعيفة لا يصلح أن تتخذ آلهة، وهذا في شرك الأولين، وكذا في شرك الآخرين، وإن كانوا لا يعترفون بتسميتها آلهة.
والحاصل أن الإلهية الحقة إنما هي للخالق وحده، وهذه الآية في توحيد الإلهية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢] ، ولكن توحيد الإلهية مسبوق بتوحيد الربوبية، ولا يعترف العبد بتوحيد الإلهية إلا بعدما يعترف بتوحيد الربوبية.
стр. 37
تضمن توحيد الألوهية لتوحيد الربوبية دون العكس
قال ﵀: [وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] ، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢]] .
معنى كونه متضمناً لتوحيد الربوبية أنه لا يمكن أن يعترف بأن الإلهية الحقة لله تعالى وهو ينكر أن يكون هو رب العالمين، فمن اعترف بأن الله هو الإله الحق اعترف بأنه الخالق الرازق المدبر المتصرف، فتوحيد الربوبية في ضمن توحيد الإلهية دون العكس؛ إذ ليس كل من اعترف بتوحيد الربوبية يعترف بالإلهية، فهناك من يعترف بتوحيد الربوبية ويشرك في توحيد الإلهية.
والحاصل أن هذه الآيات ونحوها تقرر توحيد الإلهية، ولكن عرفنا أنه مسبوق بتوحيد الربوبية ومتوقف عليه.
وتوحيد الربوبية يعرف بالأدلة والآيات والفطرة كما تقدم، ولكن توحيد الإلهية هو الذي يحتاج إلى أدلة، ويحتاج إلى بيان، ويحتاج إلى تعليم، ولهذا جاءت الرسل بالتعليم لتوحيد الإلهية، بأن يقولوا للناس: وحدوا الله بالدعاء، ووحدوه بالرجاء، ووحدوه بالاستعانة به، ووحدوه بالخوف منه، ووحدوه بالخشية، ولا تستعينوا بغيره، ولا تستغيثوا بسواه.
إلى آخر أنواع العبادة، هذا هو توحيد الإلهية الذي يحتاج إلى تفصيل.
стр. 38
افتقار سائر المخلوقات إلى الله يمنع من اتخاذها آلهة من دونه
قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] ، وفيها للمتأخرين قولان: أحدهما: لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته.
والثاني: -وهو الصحيح المنقول عن السلف كـ قتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره-: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل:١٩] ، وذلك أنه قال: (لو كان معه آلهة) ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢] ، وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان.
بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] بخلاف الآية الأولى] .
في تفسيره لهذه الآية ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] رجح أن السبيل هنا القربى، يعني: لو قدر أن هناك آلهة سوى الله لكانت تلك الآلهة تتقرب إلى الله، وتتوسل إليه وتبتغي السبيل إلى رضاه، وإذا كان كذلك فإن هذا هو الأولى بمن يتخذ تلك الآلهة.
وقد دل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦-٥٧] يخبر بأن أولئك الذين تدعونهم -أيها المشركون! - خير منكم؛ فإنهم يدعون الله تعالى ويتوسلون إليه بالأعمال الصالحة.
والحاصل أن الآية صريحة بأنه ليس هناك آلهة غير الله، فلو كان هناك آلهة إلا الله لكانت تلك الآلهة تتقرب إلى الله وتبتغي الوسيلة إليه وتعبده وتوحده.
والصحيح أنها لا تصلح إذا كانت كذلك لأن تكون آلهة؛ إذ كيف يكون إلهاً من هو عبد لغيره؟ كيف يصلح أن يعبد من هو عابد لغيره؟ إذا كانت تعبد الله فما لك -أيها الإنسان- تعبدها؟ اعبد الذي هي تعبده وحده.
стр. 39
أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل
قال ﵀: [ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ ، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و (طه) ، وآخر (الحشر) ، وأول (الم تنزيل السجدة) ، وأول (آل عمران) ، وسورة (الإخلاص) بكمالها، وغير ذلك.
والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها، وجملة سورة (لأنعام) ] .
مشهور عند الطلاب حتى الأطفال منهم أن أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
والشارح هنا ذكر أن التوحيد نوعان: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد.
وهذان النوعان يتضمنان الأقسام الثلاثة التي ذكرنا، فإن توحيد المعرفة هو توحيد الربوبية، وتوحيد الإثبات هو توحيد الصفات، وتوحيد الطلب والقصد هو توحيد العبادة أو الإلهية، هذه أقسام التوحيد.
فتوحيد الربوبية هو توحيد المعرفة، أي: معرفة الله، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك فقل: بآياته ومخلوقاته التي يستدل بها على عظمة ذاته.
وهذا النوع هو توحيد الذات أو إثبات الذات، ويسمى توحيد الربوبية.
أما توحيد الإثبات فهو توحيد الصفات، وهو اعتقاد أن كل صفة لله تعالى فإنه منفرد بها، لا يشبه غيره في شيء من صفاته، فيقال -مثلاً-: صفاته الذاتية كوجهه ويده وسمعه وبصره لا تشبه صفات المخلوقين، نوحده بها ونقول: إنها لائقة به.
وكذلك الصفات الفعلية، فيقال: إن الله يحب، ويرحم، ويغضب، ويرضى، ويكره، ويمقت، وإن الله استوى، ويجيء، وينزل كما أخبر، وهو في كل ذلك لا يشبهه أحد من خلقه، فهو منفرد بذلك وحده، هذا توحيد الصفات.
وتوحيد الذات هو الاعتقاد أن الله واحد بذاته ليس معه شريك في الخلق.
وتوحيد الإثبات هو اعتقاد أن الله واحد في صفاته لا يشبهه أحد من مخلوقاته في شيء من خصائص صفاته.
وقد اجتهد السلف ﵏ في تقرير توحيد الصفات، وما ذاك إلا لأنهم ابتلوا في زمانهم بمن أنكره أو بمن غلا في إثباته, فقد أنكره قوم -وسموهم الجهمية والمعتزلة- حيث نفوا صفات الله تعالى ذاتية كانت أو فعلية، وغلا فيه قوم -وسموهم المشبهة- حيث زادوا في الإثبات حتى جعلوا صفاته كصفات خلقه، فاجتهد السلف ﵏ في إثبات ذلك، وقرروه أتم تقرير، وكتبهم بحمد الله موجودة ميسرة، وهي الكتب التي سموها (كتب السنة) ، أو (كتب التوحيد) ، أو (كتب الإيمان) ، أو (الاعتقاد) ، أو (الأسماء والصفات) ، أو ما أشبه ذلك من الأسماء، فإذا وجدت للسلف كتاباً باسم (كتاب السنة) فإنه يعني الصفات، أو وجدت كتاباً باسم (التوحيد) فإنه يعني توحيد الصفات، أو وجدت كتاباً باسم (الاعتقاد) فإنه يعني هذا الباب، أو وجدت كتاباً باسم (الأسماء والصفات) فإنه يعنى به هذا الأمر، أو وجدت كتاباً باسم (الإيمان) فإنه يعنى به هذا التوحيد.
وأما توحيد الطلب والقصد فهو توحيد الإلهية، ومعنى الطلب: السؤال.
والقصد: التوجه بالقلب إلى الله، فالسؤال يسمى طلباً، وهو من حق الله، والسائل هو الذي يقول -مثلاً-: أسألك رضاك.
أسألك ثوابك.
أسألك جنتك.
أسألك عطاءك.
هذا توحيد في الطلب، والتوحيد في القصد أن يكون قلبه متوجهاً إلى ربه.
فهذا النوع يسمى التوحيد الطلبي، ويسمى التوحيد القصدي والتوحيد الإرادي؛ لأنه مراد من العباد، ويسمى التوحيد العملي؛ لأنه أعمال يعملونها، ويسمى توحيد الإلهية وتوحيد العبادة.
أما الأول فيسمى التوحيد العلمي والتوحيد الخبري؛ لأنه يعتمد على الأخبار، ويسمى التوحيد الاعتقادي؛ لأنه عقيدة يعتقدها الإنسان، ويسمى توحيد الصفات أو توحيد الذات أو توحيد الربوبية، فهذه كلها أسماء لتوحيد واحد.
فإذا قيل: ما هو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي؟ فقل: هو توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية.
وإذا قيل: ما هو التوحيد الطلبي الإرادي القصدي العملي؟ فقل: هو توحيد العبادة.
والأدلة على ذلك كثيرة، فإن القرآن قد وضح ذلك كثيراً، فسورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وهو توحيد الأسماء والصفات.
وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] في التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، وهو توحيد العبادة أو الإلهية، والسور الأخرى متضمنة لهذا ولهذا، فأول سورة الحديد في الأسماء والصفات، وكذلك آخر سورة الحشر، وكذا آيات كثيرة متفرقة في القرآن.
وأول سورة الأعراف وآخرها وغيرها من السور في التوحيد العملي الذي هو توحيد الطلب والقصد.
فإذا تأملنا هذه الآيات وجدناها تبين هذا النوع وتحث عليه وترغب فيه، فتدعو إلى معرفة توحيد الربوبية حتى يرسخ في القلب، ثم ينبعث معه أو منه توحيد العبادة حتى يكثر العبد من أنواع القربات والعبادات.
стр. 40
تضمن كل سور القرآن لنوعي التوحيد
قال ﵀: [وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين فارقوا التوحيد] .
يقول: إن جميع القرآن يدور حول التوحيد، فالإخبار عن الله تعالى في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [الحشر:٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحشر:٢٤] يعتبر توحيداً، لكنه توحيد الذات أو الربوبية.
كذلك نقول في الأوامر، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١] هذا توحيد، وهو توحيد عبادة؛ لأنه أمر بعبادة الله.
كذلك ما في القرآن من الأحكام، كالعبادات والصلوات والقربات هذه مكملات التوحيد وثمرات التوحيد، فإن العبد إذا علم أن الله هو الواحد عبده، فأمثلة العبادة هي الصلوات والصدقات والقربات، كذلك ما في القرآن من محظورات، ومن النهي عن المحرمات، والنهي عن الفواحش والمنكرات، فهذه اجتنابها يكمل التوحيد وفعلها ينقص ثواب التوحيد، فإن المعاصي تنقص ثواب التوحيد، فينهى عنها حتى يكمل التوحيد.
كما أن في القرآن قصصاً -كقصة نوح وقومه، وهود وقومه، وشعيب وقومه- يظهر فيها نجاة قوم لأجل التوحيد، وهلاك آخرين لأجل مخالفة التوحيد.
وفي القرآن ذكر الجنة وثوابها والدعوة إليها، والجنة هي ثواب أهل التوحيد، وفيه ذكر النار والعذاب والنكال والغضب وما أشبه ذلك عقوبة لأهل الشرك المبتعدين عن التوحيد.
والأمثلة التي ضربت في القرآن كلها لأجل تقرير التوحيد، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ [الحج:٧٣] يعني: لا تدعوا إلا إلهاً واحداً، فإن هذه المخلوقات التي تعبدونها لا تخلق ذباباً؛ لأنها هي في نفسها مخلوقة، وإلى جانب ذلك فهي أيضاً ضعيفة.
فهذا في تقرير التوحيد.
ومثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] فيه تقرير التوحيد، فإن السلم هو الخالص، يقول: الذي يعبد الله تعالى هو مثل من يملك عبداً واحداً، والذي يعبد هذا وهذا وهذا لا شك أنه مثل العبد الذي بين شركاء، كل منهم ينتزعه لنفسه، وكل منهم يقول: أريده في خدمتي، وهم مع ذلك متشاكسون بينهم شيء من البغضاء وشيء من الاختلاف والجدال والاضطراب، ولا شك أن كل هذه الأمثلة تقرير للتوحيد.
فإذاً إن كانت الآيات قصصاً فهي في تقرير التوحيد، وإن كانت وعداً ووعيداً فهي في العقاب الذي يترتب على ترك التوحيد والثواب الذي يترتب على فعل التوحيد، وإن كانت أحكاماً وأوامر ونواهي وواجبات ومحرمات فهي من مكملات التوحيد أفعالاً أو صروفاً، وإن كانت أوامر بالعبادة ونحوها فهي أمثلة أنواع التوحيد، فأصبح القرآن دائراً على التوحيد، وذلك دليلٌ على أهميته.
ولأجل ذلك صار التوحيد شرطاً في قبول العبادات، فلا تقبل الصلاة إلا بشرط الإسلام، ولا تقبل الطهارة إلا بشرط الإسلام وهو التوحيد أصلاً، وكذا لا تقبل الصدقات ولا القربات ولا الصيام ولا الحج وما أشبه ذلك إلا إذا تقدمها شرط واحد وهو التوحيد.
والفاتحة -التي هي أكثر سورة نكررها في صلاتنا كل يوم- تفسيرها يدور حول التوحيد في أولها ووسطها وآخرها، وكذا بقية السور.
следующие страницы →