← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إثبات توحيد الربوبية يلزم منه إثبات توحيد الألوهية قال ﵀: [فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين، فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية] . يقول: إذا عرفنا توحيد الربوبية فإنه يلزم منه توحيد الإلهية، وقد ذكرنا أن بعض المشايخ يقولون في تقريرهم: اعرفوا الله بأفعاله ووحدوه بأفعالكم. وأفعال الله هي خلقه وتدبيره، فإنها هي الدلالة على معرفته، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك فقل: بآياته ومخلوقاته. فتعرف الله بأفعاله، (ووحدوه بأفعالكم) يعني: خصوه بعبادات، فهذه الآية: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] والآيات الأخرى تقرر توحيد الربوبية، وإذا استقر توحيد الربوبية أصبح دليلاً على توحيد الإلهية، أي أن الإله الخالق الرازق المدبر المتصرف في هذا الكون الذي يجري هذه الأشياء كما هي ويحيي ويميت، والذي ابتدع هذا الكون من غير سابق خلق لا شك أنه الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، فيكون هذا دليلاً على توحيد العبادة. قال ﵀: [وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كان للعالم صانعان إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل: أرباب. وأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا] . هذه الآية في سورة الأنبياء ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هي من أوضح الأدلة على توحيد العبادة، وفيها أنه إذا قدر أن فيهما آلهة إلا الله فإن كل إله أو كل خالق يدبر ما من شأنه أن يستطيعه، ويحرص على أن يتغلب على من إلى جانبه، فلا تنتظم هذه الأفلاك ولا هذه المخلوقات، بل يحصل فيها شيء من الخلل، ويحصل فيها شيء من الاضطراب، ومثل ذلك مشاهد، فإنه لو قدر أن هناك شريكين في أمر فكل منهما يحب أن يكون هو المسيطر وهو المتسلط، ولكان كل منهما يهمل الذي في جانب الآخر، فيقع الإهمال والاختلال، فلما رأينا الأمور منتظمة عرفنا أنه ليس فيهما آلهة إلا الله وحده. قال ﵀: [وأيضاً فإنه قال: (لفسدتا) ، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا، ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد] . الله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وقد استنبط المؤلف أن هذه الآية دليل على إثبات توحيد الإلهية وليس توحيد الربوبية، فهو لم يقل: لو كان فيهما أرباب، ولا ملوك، ولا ملّاك، ولا خالقون. بل قال: (آلهة) ، والإله هو المعبود المألوه كما سيأتي إن شاء الله. وأيضاً فإن الله قال: (لو كان فيهما) ولم يقل: لو كان في الوجود. وهذا دليل على أنه بعد إيجادهما، والله قال: (لفسدتا) ، ولم يقل: لم توجدا. فالآية تقرر توحيد الإلهية ولكنه متوقف على توحيد الربوبية. فيخبر تعالى بأن الإلهية لا تصلح إلا لإله واحد وهو الله، وأن من جعل معه آلهة أخرى فإنه قد ضل، وقد أخبر الله بأن المشركين يجعلون معه آلهة، كقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام:١٩] ، ولكن تلك الآلهة آلهة مخلوقة ضعيفة لا يصلح أن تتخذ آلهة، وهذا في شرك الأولين، وكذا في شرك الآخرين، وإن كانوا لا يعترفون بتسميتها آلهة. والحاصل أن الإلهية الحقة إنما هي للخالق وحده، وهذه الآية في توحيد الإلهية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢] ، ولكن توحيد الإلهية مسبوق بتوحيد الربوبية، ولا يعترف العبد بتوحيد الإلهية إلا بعدما يعترف بتوحيد الربوبية.

стр. 37

تضمن توحيد الألوهية لتوحيد الربوبية دون العكس قال ﵀: [وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] ، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢]] . معنى كونه متضمناً لتوحيد الربوبية أنه لا يمكن أن يعترف بأن الإلهية الحقة لله تعالى وهو ينكر أن يكون هو رب العالمين، فمن اعترف بأن الله هو الإله الحق اعترف بأنه الخالق الرازق المدبر المتصرف، فتوحيد الربوبية في ضمن توحيد الإلهية دون العكس؛ إذ ليس كل من اعترف بتوحيد الربوبية يعترف بالإلهية، فهناك من يعترف بتوحيد الربوبية ويشرك في توحيد الإلهية. والحاصل أن هذه الآيات ونحوها تقرر توحيد الإلهية، ولكن عرفنا أنه مسبوق بتوحيد الربوبية ومتوقف عليه. وتوحيد الربوبية يعرف بالأدلة والآيات والفطرة كما تقدم، ولكن توحيد الإلهية هو الذي يحتاج إلى أدلة، ويحتاج إلى بيان، ويحتاج إلى تعليم، ولهذا جاءت الرسل بالتعليم لتوحيد الإلهية، بأن يقولوا للناس: وحدوا الله بالدعاء، ووحدوه بالرجاء، ووحدوه بالاستعانة به، ووحدوه بالخوف منه، ووحدوه بالخشية، ولا تستعينوا بغيره، ولا تستغيثوا بسواه. إلى آخر أنواع العبادة، هذا هو توحيد الإلهية الذي يحتاج إلى تفصيل.

стр. 38

افتقار سائر المخلوقات إلى الله يمنع من اتخاذها آلهة من دونه قال ﵀: [وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] ، وفيها للمتأخرين قولان: أحدهما: لاتخذوا سبيلاً إلى مغالبته. والثاني: -وهو الصحيح المنقول عن السلف كـ قتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره-: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل:١٩] ، وذلك أنه قال: (لو كان معه آلهة) ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢] ، وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان. بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] بخلاف الآية الأولى] . في تفسيره لهذه الآية ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] رجح أن السبيل هنا القربى، يعني: لو قدر أن هناك آلهة سوى الله لكانت تلك الآلهة تتقرب إلى الله، وتتوسل إليه وتبتغي السبيل إلى رضاه، وإذا كان كذلك فإن هذا هو الأولى بمن يتخذ تلك الآلهة. وقد دل على ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦-٥٧] يخبر بأن أولئك الذين تدعونهم -أيها المشركون! - خير منكم؛ فإنهم يدعون الله تعالى ويتوسلون إليه بالأعمال الصالحة. والحاصل أن الآية صريحة بأنه ليس هناك آلهة غير الله، فلو كان هناك آلهة إلا الله لكانت تلك الآلهة تتقرب إلى الله وتبتغي الوسيلة إليه وتعبده وتوحده. والصحيح أنها لا تصلح إذا كانت كذلك لأن تكون آلهة؛ إذ كيف يكون إلهاً من هو عبد لغيره؟ كيف يصلح أن يعبد من هو عابد لغيره؟ إذا كانت تعبد الله فما لك -أيها الإنسان- تعبدها؟ اعبد الذي هي تعبده وحده.

стр. 39

أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل قال ﵀: [ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ ، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و (طه) ، وآخر (الحشر) ، وأول (الم تنزيل السجدة) ، وأول (آل عمران) ، وسورة (الإخلاص) بكمالها، وغير ذلك. والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها، وجملة سورة (لأنعام) ] . مشهور عند الطلاب حتى الأطفال منهم أن أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. والشارح هنا ذكر أن التوحيد نوعان: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد. وهذان النوعان يتضمنان الأقسام الثلاثة التي ذكرنا، فإن توحيد المعرفة هو توحيد الربوبية، وتوحيد الإثبات هو توحيد الصفات، وتوحيد الطلب والقصد هو توحيد العبادة أو الإلهية، هذه أقسام التوحيد. فتوحيد الربوبية هو توحيد المعرفة، أي: معرفة الله، فإذا قيل لك: بم عرفت ربك فقل: بآياته ومخلوقاته التي يستدل بها على عظمة ذاته. وهذا النوع هو توحيد الذات أو إثبات الذات، ويسمى توحيد الربوبية. أما توحيد الإثبات فهو توحيد الصفات، وهو اعتقاد أن كل صفة لله تعالى فإنه منفرد بها، لا يشبه غيره في شيء من صفاته، فيقال -مثلاً-: صفاته الذاتية كوجهه ويده وسمعه وبصره لا تشبه صفات المخلوقين، نوحده بها ونقول: إنها لائقة به. وكذلك الصفات الفعلية، فيقال: إن الله يحب، ويرحم، ويغضب، ويرضى، ويكره، ويمقت، وإن الله استوى، ويجيء، وينزل كما أخبر، وهو في كل ذلك لا يشبهه أحد من خلقه، فهو منفرد بذلك وحده، هذا توحيد الصفات. وتوحيد الذات هو الاعتقاد أن الله واحد بذاته ليس معه شريك في الخلق. وتوحيد الإثبات هو اعتقاد أن الله واحد في صفاته لا يشبهه أحد من مخلوقاته في شيء من خصائص صفاته. وقد اجتهد السلف ﵏ في تقرير توحيد الصفات، وما ذاك إلا لأنهم ابتلوا في زمانهم بمن أنكره أو بمن غلا في إثباته, فقد أنكره قوم -وسموهم الجهمية والمعتزلة- حيث نفوا صفات الله تعالى ذاتية كانت أو فعلية، وغلا فيه قوم -وسموهم المشبهة- حيث زادوا في الإثبات حتى جعلوا صفاته كصفات خلقه، فاجتهد السلف ﵏ في إثبات ذلك، وقرروه أتم تقرير، وكتبهم بحمد الله موجودة ميسرة، وهي الكتب التي سموها (كتب السنة) ، أو (كتب التوحيد) ، أو (كتب الإيمان) ، أو (الاعتقاد) ، أو (الأسماء والصفات) ، أو ما أشبه ذلك من الأسماء، فإذا وجدت للسلف كتاباً باسم (كتاب السنة) فإنه يعني الصفات، أو وجدت كتاباً باسم (التوحيد) فإنه يعني توحيد الصفات، أو وجدت كتاباً باسم (الاعتقاد) فإنه يعني هذا الباب، أو وجدت كتاباً باسم (الأسماء والصفات) فإنه يعنى به هذا الأمر، أو وجدت كتاباً باسم (الإيمان) فإنه يعنى به هذا التوحيد. وأما توحيد الطلب والقصد فهو توحيد الإلهية، ومعنى الطلب: السؤال. والقصد: التوجه بالقلب إلى الله، فالسؤال يسمى طلباً، وهو من حق الله، والسائل هو الذي يقول -مثلاً-: أسألك رضاك. أسألك ثوابك. أسألك جنتك. أسألك عطاءك. هذا توحيد في الطلب، والتوحيد في القصد أن يكون قلبه متوجهاً إلى ربه. فهذا النوع يسمى التوحيد الطلبي، ويسمى التوحيد القصدي والتوحيد الإرادي؛ لأنه مراد من العباد، ويسمى التوحيد العملي؛ لأنه أعمال يعملونها، ويسمى توحيد الإلهية وتوحيد العبادة. أما الأول فيسمى التوحيد العلمي والتوحيد الخبري؛ لأنه يعتمد على الأخبار، ويسمى التوحيد الاعتقادي؛ لأنه عقيدة يعتقدها الإنسان، ويسمى توحيد الصفات أو توحيد الذات أو توحيد الربوبية، فهذه كلها أسماء لتوحيد واحد. فإذا قيل: ما هو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي؟ فقل: هو توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية. وإذا قيل: ما هو التوحيد الطلبي الإرادي القصدي العملي؟ فقل: هو توحيد العبادة. والأدلة على ذلك كثيرة، فإن القرآن قد وضح ذلك كثيراً، فسورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وهو توحيد الأسماء والصفات. وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] في التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، وهو توحيد العبادة أو الإلهية، والسور الأخرى متضمنة لهذا ولهذا، فأول سورة الحديد في الأسماء والصفات، وكذلك آخر سورة الحشر، وكذا آيات كثيرة متفرقة في القرآن. وأول سورة الأعراف وآخرها وغيرها من السور في التوحيد العملي الذي هو توحيد الطلب والقصد. فإذا تأملنا هذه الآيات وجدناها تبين هذا النوع وتحث عليه وترغب فيه، فتدعو إلى معرفة توحيد الربوبية حتى يرسخ في القلب، ثم ينبعث معه أو منه توحيد العبادة حتى يكثر العبد من أنواع القربات والعبادات.

стр. 40

تضمن كل سور القرآن لنوعي التوحيد قال ﵀: [وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين فارقوا التوحيد] . يقول: إن جميع القرآن يدور حول التوحيد، فالإخبار عن الله تعالى في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [الحشر:٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحشر:٢٤] يعتبر توحيداً، لكنه توحيد الذات أو الربوبية. كذلك نقول في الأوامر، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١] هذا توحيد، وهو توحيد عبادة؛ لأنه أمر بعبادة الله. كذلك ما في القرآن من الأحكام، كالعبادات والصلوات والقربات هذه مكملات التوحيد وثمرات التوحيد، فإن العبد إذا علم أن الله هو الواحد عبده، فأمثلة العبادة هي الصلوات والصدقات والقربات، كذلك ما في القرآن من محظورات، ومن النهي عن المحرمات، والنهي عن الفواحش والمنكرات، فهذه اجتنابها يكمل التوحيد وفعلها ينقص ثواب التوحيد، فإن المعاصي تنقص ثواب التوحيد، فينهى عنها حتى يكمل التوحيد. كما أن في القرآن قصصاً -كقصة نوح وقومه، وهود وقومه، وشعيب وقومه- يظهر فيها نجاة قوم لأجل التوحيد، وهلاك آخرين لأجل مخالفة التوحيد. وفي القرآن ذكر الجنة وثوابها والدعوة إليها، والجنة هي ثواب أهل التوحيد، وفيه ذكر النار والعذاب والنكال والغضب وما أشبه ذلك عقوبة لأهل الشرك المبتعدين عن التوحيد. والأمثلة التي ضربت في القرآن كلها لأجل تقرير التوحيد، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ [الحج:٧٣] يعني: لا تدعوا إلا إلهاً واحداً، فإن هذه المخلوقات التي تعبدونها لا تخلق ذباباً؛ لأنها هي في نفسها مخلوقة، وإلى جانب ذلك فهي أيضاً ضعيفة. فهذا في تقرير التوحيد. ومثل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] فيه تقرير التوحيد، فإن السلم هو الخالص، يقول: الذي يعبد الله تعالى هو مثل من يملك عبداً واحداً، والذي يعبد هذا وهذا وهذا لا شك أنه مثل العبد الذي بين شركاء، كل منهم ينتزعه لنفسه، وكل منهم يقول: أريده في خدمتي، وهم مع ذلك متشاكسون بينهم شيء من البغضاء وشيء من الاختلاف والجدال والاضطراب، ولا شك أن كل هذه الأمثلة تقرير للتوحيد. فإذاً إن كانت الآيات قصصاً فهي في تقرير التوحيد، وإن كانت وعداً ووعيداً فهي في العقاب الذي يترتب على ترك التوحيد والثواب الذي يترتب على فعل التوحيد، وإن كانت أحكاماً وأوامر ونواهي وواجبات ومحرمات فهي من مكملات التوحيد أفعالاً أو صروفاً، وإن كانت أوامر بالعبادة ونحوها فهي أمثلة أنواع التوحيد، فأصبح القرآن دائراً على التوحيد، وذلك دليلٌ على أهميته. ولأجل ذلك صار التوحيد شرطاً في قبول العبادات، فلا تقبل الصلاة إلا بشرط الإسلام، ولا تقبل الطهارة إلا بشرط الإسلام وهو التوحيد أصلاً، وكذا لا تقبل الصدقات ولا القربات ولا الصيام ولا الحج وما أشبه ذلك إلا إذا تقدمها شرط واحد وهو التوحيد. والفاتحة -التي هي أكثر سورة نكررها في صلاتنا كل يوم- تفسيرها يدور حول التوحيد في أولها ووسطها وآخرها، وكذا بقية السور.

стр. 41

شرح العقيدة الطحاوية [٥] شهد الله لنفسه بالوحدانية، وشهد له بذلك ملائكته وأولو العلم من خلقه، وهذه الشهادة تتضمن مراتب تؤدي إلى الأمر بعبادته وحده لا شريك، وأن ما سواه باطل.

стр. 42

شواهد التوحيد في الفاتحة وآية: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) مر بنا أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، وأن كلاً من النوعين قد بينه الله تعالى في كتابه، وبينته الرسل ﵈ حتى قامت الحجة وانقطعت المعذرة، وأن كلاً من النوعين ضروري وشرط في قبول العبادات، فمن لم يحقق هذين النوعين من التوحيد لم تقبل منه عباداته، وهذا هو السبب في أهمية هذا التوحيد الذي هو توحيد العقيدة وتوحيد العمل، ونقرأ الآن بقية الكلام على هذه الأنواع: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين فارقوا التوحيد. وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجلّ شاهد بأجلّ مشهود به] . يقول: إن القرآن كله يدور حول تقرير التوحيد، كما تقدم أن الأوامر والنواهي في الأحكام تكميل للتوحيد أو أمر بالتوحيد، والقصص والوقائع فيها بيان حال أهل التوحيد ومن خالف التوحيد، فالله يذكر قصة المكذبين بالتوحيد وكيف أهلكهم، وقصة الرسل ومن نجا معهم؛ لأنهم من أهل التوحيد، وكذلك ذكر الثواب لأهل التوحيد، والعقاب لمن خالف التوحيد، فيقول: إن سورة الفاتحة تتضمن التوحيد، ففي كل آية منها توحيد. فالآية الأولى فيها الحمد، أي: أنه المستحق للحمد وحده، فهو توحيد، لأنه تخصيص للحمد بمن يستحقه. والآية الثانية فيها وصف الله تعالى بالرحمة وهذا توحيد الصفات، يعني أن من صفاته أنه المتوحد بصفة الرحمة. والآية الثالثة فيها الملك، أي هو وحده المالك فلا يملك أحد ملكه. والآية الرابعة فيها العبادة، أي: لا نعبد غيرك، فأنت المعبود وحدك وأنت المستعان به وحدك، وهذه هي حقيقة التوحيد، فـ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) توحيد العبادة (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) توحيد العمل، أو توحيد المعرفة. وكذلك سؤال الهداية، والهداية هي الدلالة على الصراط الذي هو صراط أهل التوحيد، والذين أنعم الله عليهم هم أهل التوحيد، والدعاء بأن يجنب الله السالك طريق الغاوين الذين خالفوا التوحيد، وهم أهل الغضب وأهل الضلال. فتضمنت سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها تقرير التوحيد. وكذلك الآية التي في سورة آل عمران فإن الله ذكر أنه شهد بهذه الشهادة، يقول: تضمنت هذه الآية أجل شهادة، من أجل شاهد، بأجل مشهود به، فالشاهد هو الله والملائكة والعلماء ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] فجعل أهل الشهادة هم هؤلاء الثلاثة، شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وشهد له أهل العلم به من خلقه. وأولو العلم: هم الذين آتاهم الله معرفة بتوحيده، وهم الذين يخصونه بالتوحيد، أما المشركون فإنهم جهلة، وكل من أعطاه الله علماً بهذا النوع فهو من أهل العلم. فالشاهد هو الله وملائكته وأهل العلم من خلقه، والشهادة معناها الإقرار والاعتراف بالمشهود به، والمشهود به هو الإلهية، ولهذا كرر: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) مرتين، وأتبعها بأن الإسلام هو دين الحق، فهذه الآية في تقرير التوحيد. وقد ذكرنا أن ابن القيم ﵀ تكلم على هذه الآية في آخر مدارج السالكين، وأن الشارح لخص كلامه ونقل منه ما يدل على أن الآية تضمنت معاني جديدة مفيدة إذا تأملها المسلم عرف كيفية التوحيد، وكيف شهد الله به لنفسه، وشهدت له به ملائكته، وشهد له به العلماء.

стр. 43

مراتب الشهادة قال رحمه الله تعالى: [وعبارات السلف في (شهد) تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه] . كلمة (شهد الله) قيل: معناها علم، وقيل: أخبر أو بيّن أو علّم خلقه، أو أمرهم وألزمهم به، والكلمة تحتمل ذلك كله، أي: علم بوحدانيته وهو أعلم بنفسه وبخلقه، وقيل: بين ذلك وأظهره، وقيل: أخبر به عباده وأعلمهم به، وقيل: أمر عباده وألزمهم بأن يوحدوه، وأن يخلصوا له العبادة، هذا هو حقيقة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] . قال المؤلف ﵀: [فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به. فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه بذلك سبحانه، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به] . يقول: إن هذه الشهادة تضمنت هذه المراتب الأربع، تضمنت أن الله علم بذلك، وهو أعلم بنفسه، ثم بعد ذلك تكلم به، ثم بعد ذلك علّم به خلقه، ثم بعد ذلك أمرهم به.

стр. 44

مرتبة العلم قال ﵀: [فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهداً بما لا علم له به، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] ، وقال ﷺ : (على مثلها فاشهد) وأشار إلى الشمس. وأما مرتبة التكلم والخبر فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم] . يتكلم على معاني هذه الأشياء، يقول: إن الإنسان لا يشهد إلا بما علم، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] ، فأنت لا تؤمر بالشهادة إلا بعدما تعلمها، وتعتقد معناها وتتحققها، فلا بد من هذا الأمر. ولا بد أن يكون العلم علم يقين لا علم شك وتردد، ولا بد أن يكون ذلك العلم قائماً على أدلة، فإن العلم الذي ليس له دليل قوي لا يؤمن أن يأتي دليل يبطله، ولا شك أن علم التوحيد قائم على أدلة قوية لا يمكن أن يأتي ما يبطل دلالتها. فهذه المرتبة الأولى، وهي: أن الشاهد يعلم ما يشهد به علم يقين، ويكون علمه ناشئاً عن أدلة، وتكون تلك الأدلة صريحة الدلالة ليس فيها شك ولا تردد.

стр. 45

مرتبة التكلم والإخبار كذلك المرتبة الثانية وهي مرتبة التكلم والإخبار، أنت إذا شهدت بالتوحيد واعتقدته بقلبك فلا تسكت على ما في نفسك، بل عليك أن تخبر بما تقوله وبما تعتقده، فتخبر الناس بأنك على يقين بهذا التوحيد، وأنك على عقيدة راسخة ومعرفة تامة لما تعتقده، من إلهية الله وحده ومن استحقاقه لصفات الكمال وللأسماء الحسنى والصفات العلا، فالتكلم يسمى شهادة. فإن هذه الآية في المشركين: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] هم ما قالوا: نشهد أن الملائكة بنات الله، وإنما تكلموا فيما بينهم، فلذلك قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] يعني: تكلموا فيما بينهم وقالوا: الملائكة إناث الملائكة بنات الله، فجعل ذلك شهادة فقال: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] هذا سبب تسميتها شهادة؛ لأنهم تكلموا بها.

стр. 46

مرتبة الإعلام قال ﵀: [وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر؛ تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله، ولهذا كان من جعل داره مسجداً وفتح بابها وأبرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلماً أنها وقف وإن لم يتلفظ به. وكذلك من وجد متقرباً إلى غيره بأنواع المسار يكون معلماً له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس. وكذلك شهادة الرب وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة وبفعله أخرى، فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: ﴿أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] ، وقال آخر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه. والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله] . هذه المرتبة الثالثة التي هي إعلام الغير، يقول: إن الله شهد لنفسه بالإلهية، ومن آثار الشهادة ومن تمامها أن أعلم غيره بأنه: (لا إله إلا هو) وهذا الإعلام ذكر أنه يكون بأمرين: إعلام بالفعل، وإعلام بالقول. إعلام الله لخلقه بالقول هو ما تضمنه كلامه الذي أوحاه إلى رسله، فإنه أرسل الرسل وأوحى إلى كل منهم بهذا التوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] . فهذا إعلام بالقول حيث أعلم كل نبي بواسطة الملائكة بهذا النوع الذي هو توحيد العبادة، وكذلك أنزل إلى كل نبي كتباً أو صحفاً، وضمن تلك الكتب كلامه الذي يتضمن توحيده وشرعه. وأما الإعلام بالفعل: فهو ما نصبه تعالى من الآيات والدلالات التي من تأملها عرف حقيقة التوحيد، وعرف الدين الحق، وعرف أن الله هو الواحد الأحد، فإنه سبحانه نصب الآيات، ولفت إليها الأنظار، فلأجل هذا يذكر عباده بالمخلوقات التي خلقها، فيخبرهم بخلقهم أنفسهم، وبخلق ما على الأرض من الدواب، ويخبرهم بخلق الأرض، واختلاف ما فيها من جبال ومن مهاد ومن بحار ومن أنهار ومن أشجار ومن ثمار وما أشبه ذلك، وهكذا يلفت أنظارهم إلى ما فوقهم من الرياح ومن السحب، ومن الأفلاك وما فيها من النجوم السيارة والثابتة وما أشبهها، كل ذلك من الآيات التي نصبها لعباده يعلمهم بها التوحيد، كأنه يقول: تعلموا من هذه الآيات دلالتها على أن الخالق لها هو الواحد الأحد، وهو المستحق بأن يعبد ويفرد. فشهد بالقول بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] . وشهد بالفعل، بأن أعلم عباده بالفعل؛ فنصب الآيات والدلالات حتى يعلموا منها قدرته تعالى على كل شيء واستحقاقه لأن يؤله وحده، وأن لا يؤله معه غيره. يذكر الشارح أن الإعلام يكون بالقول وبالفعل حتى منا، فالواحد منا عليه أن يعلم الناس بما يعتقده، نحن نعتقد أن لا إله إلا الله، فنخبر بأنا نعتقد ذلك، وهذا الإخبار يقتضي الإعلام، فنقول: اعلموا بأنا نعتقد أن الله هو الإله الحق، فهذا إعلام بالقول. وأما الإعلام بالفعل فهو أفعال الإنسان، فأنت إذا رأيت المؤمن التقي الموحد يمد يديه إلى ربه يتضرع إليه، عرفت أنه يعبد إلهاً واحداً، وكذلك إذا رأيته يركع له ويسجد، يقوم له ويقعد، يخضع له ويتواضع، عرفت من ذلك أنه يعبد إلهاً واحداً، فأعلمك هذا العابد بقوله وأعلمك بفعله، فالإعلام يكون بالأمرين، بالقول وبالفعل. فمثلاً: الذي بنى هذا المسجد ما قال للناس: أيها الناس هذا وقف، بل لما بناه على هيئة المسجد وفتح أبوابه وشرع للناس ليجتمعوا فيه وليقيموا فيه الصلوات، وليحضر فيه الخطب والحلقات، كان ذلك إعلاماً بالفعل وإن لم يكن إعلاماً بالقول. فكذلك إذا أعلمك طالب العلم أو المسلم بفعله أنه يعبد الله وحده فإن ذلك كاف في الإعلام.

стр. 47

مرتبة الأمر والإلزام قال ﵀: [وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه؛ فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، وقال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١] ، وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص:٨٨] ، والقرآن كله شاهد بذلك] . ذكر المرتبة الرابعة، وهي مرتبة الأمر والإلزام، بعد أن ذكر مرتبة العلم، ثم مرتبة التكلم، ثم مرتبة الإخبار، ثم مرتبة الإلزام. فهذه المرتبة الرابعة التي هي مرتبة الأمر والإلزام بالمأمور به، وهو التوحيد، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨-١٩] هذه الشهادة قد لا يكون فيها أمر صريح فهو لم يقل: اشهدوا بما شهدت به، ولا قال: ألزمتكم أيها الناس بأن تشهدوا بما شهدت به، ولكن العاقل يتفكر إذا قرأ أو قيل له: إن الله قد شهد لنفسه بالوحدانية، وملائكته شهدوا له بذلك، والعلماء من خلقه شهدوا له بذلك، فيفكر ويقول: كيف لا أكون مع العلماء؟! إذا لم أكن مع العلماء كنت مع الجهال، ولا أرضى أن أكون بين الجاهلين، فعند ذلك يشهد بما شهدوا به، فكأن ذلك أمر، وكأنه يقول: شهدت بذلك أنا وملائكتي والعلماء من خلقي فافعلوا ذلك واشهدوا به يا جميع الخلق. هذا قد يؤخذ من هذه الشهادة، ولكن هناك أدلة صرحت بأمر الناس كلهم بهذه الشهادة، وبهذا التوحيد، مثل الآيات التي تقدمت، فالله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] هذا أمر وإلزام، وكذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] ، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣] ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١] ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] فالأمر يقتضي الإلزام. إذا أمرنا الله بهذا فقد ألزمنا به، فيجب امتثاله، فإن أمر الله هو الحق، وضده هو الباطل، فمن لم يمتثل هذا المأمور فإنه خاسر.

стр. 48

بيان استلزام شهادة الله لنفسه بالإلهية للأمر بعبادته سبحانه من وجوه

стр. 49

الوجه الأول في استلزام الشهادة للأمر بالعبادة قال ﵀: [ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهاً، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي] . كأن الشارح يقول: إن كلمة: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) قد يؤخذ منها الأمر، ولكن كيف يؤخذ الأمر؟ إذا أخبر الله بهذا الخبر فقد أخبر بإلهيته الحقة، ونفى عن غيره الإلهية، فنفى أن يكون غيره صالحاً لأن يكون إلهاً، وإذا لم يصلح غيره للإلهية فكأنه يأمر عباده بأن يؤلهوه، فيقول: الإله الحق هو الله، فإذا كنتم تريدون نجاتكم فاتخذوه إلهاً، واتركوا إلهية ما سواه، هذا وجه أخذ الأمر من قوله: (شَهِدَ اللَّهُ) . كل من سمع ذلك يقول: هذه شهادة الله، وإذا شهد الله وملائكته والعلماء من خلقه بهذا الشيء فقد بطل ما عداه، وكل ما سوى هذا المشهود به فهو باطل، فلا يصح حينئذٍ أن يجعل معه آلهة، ولا أن يؤلِّه غيره، فمن ألَّه غيره فقد ضل سعيه في الحياة الدنيا وخسر عمله. وضرب مثلاً بما إذا سمعت إنساناً أو رأيت إنساناً يسأل إنساناً أن يعالجه، فقلت له: هذا ليس بطبيب، الطبيب فلان، فكأنك تقول: اذهب إليه واترك هذا فإنه ليس بطبيب. أو يستشهده يقول: اشهد معي، يعتقد أنه مقبول الشهادة، فإنك تقول: هذا ليس بشاهد ولكن الشاهد فلان، فكأنك تقول: اذهب إليه واستشهده فإنه الذي تقبل شهادته. وكذلك إذا رأيته يستفتي جاهلاً قلت: هذا ليس بمفت، المفتي فلان، كأنك تقول: اذهب إليه. فهذا الذي أنت تخاطبه يفهم بأنك تأمره بأن يذهب إلى ذلك الطبيب الشاهد المفتي، فكذلك إذا قال الله: الإلهية الحقة لله، كأنه يقول: فألهوه واتخذوه إلهاً، واتركوا إلهية ما سواه، هذا وجه الدلالة من الشهادة.

стр. 50

الوجه الثاني في استلزام الشهادة للأمر بالعبادة قال ﵀: [وأيضاً: فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم. وأيضاً: فلفظ (الحكم) و (القضاء) يستعمل في الجملة الخبرية، ويقال للجملة الخبرية: قضية وحكم، وقد حكم فيها بكذا قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥١-١٥٤] ، فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكماً وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٦] لكن هذا حكم لا إلزام معه] . وهذا أيضاً بيان أنه يؤخذ الحكم من هذا الأمر، فالأمر بالتوحيد هو الإلزام به، فإن الإنسان إذا سمع حكم الله تعالى فإنه يتبعه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة:٥٠] ، إذا عرف أن الله أخبر بهذا الشيء، وأنه أعلم خلقه بأنه الإله، فإنه يعرف أنه الإله الحق الذي يستحق أن يؤله، فكأنه يقول: إن الله يأمرنا بأن نتخذه إلهاً، ونترك التأله لغيره، هذا من جهة. ومن جهة ثانية يقول: إذا فسرنا (شهد) بحكم، وأخبر، فإن الخبر والحكم يقتضي الإلزام، ومعلوم أن الحكم هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، كما يقول ذلك الأصوليون، فإذا حكم الله لنفسه بالإلهية، وحكم لغيره بعدم الصلاحية للإلهية، فهذا حكم من الله، وحكم الله واجب الإتباع. والحكم قد يطلق كما سمعنا على كل قضية، فكل قضية قد تسمى حكما، تقول: هذه قضية فلان وحكم فيها فلان بكذا وكذا، كما في هذه الآيات، التي أخبر الله بها بأن هذا الأمر حكم منه. فعلى كل حال الآية صريحة في إبطال إلهية ما سوى الله تعالى، وإثبات الإلهية لله تعالى، والإثبات يستلزم الإلزام. قال ﵀: [والحكم والقضاء بأنه: لا إله إلا هو متضمن الإلزام، ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها، ولم تقم عليهم بها الحجة، بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة. وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع والبصر والعقل] . يقول: إن مجرد الشهادة لا تتم إلا إذا كان معها إلزام، فالله تعالى عندما شهد كأنه ألزم، شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وهذه الشهادة تستلزم الأمر الذي ينتج منه الإيجاب، ومعلوم أن الشهادة لا ينتفع بها إلا إذا بينت؛ يقول: لو أن إنساناً عنده شهادة لك، وكتمها، ما حصل أنك تنتفع بها، فلا تنتفع بها إلا إذا بين وقال: لك عندي شهادة، فالله تعالى شهد لنفسه وبين هذه الشهادة بهذه الطرق.

стр. 51

بيان هذه الشهادة بالسمع قال رحمه الله تعالى: [أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها الوحدانية وغيرها، غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١-٢] ، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١] ، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١] ، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] ، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] ، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا إلى رأي فلان، ولا إلى ذوق فلان، ووجده في أصول ديننا؛ ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين، بل قد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من كلامه بقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلِم في دينه إلا من سلّم لله ولرسوله ﷺ ] . يقول: إن الله تعالى لما شهد هذه الشهادة بينها، وبيانه عن طريق السمع وعن طريق البصر وعن طريق العقل، وعن طريق النظر، يعني بكل أنواع البيان، فلم يبق طريق إلا وبينه من جهته أتم بيان.

стр. 52

وضوح السمع وبيانه فمن طريق السمع: سماعنا آيات الله التي هي القرآن والكتب التي أنزلها على رسله، وهي في غاية الإيضاح والبيان، وهذا هو الذي دعاه إلى أن يستشهد بالآيات التي فيها ذكر البيان، فإن قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨] ، لا شك أنه يبين المهم الذي يحتاجون إليه، وأهم ما يحتاجون إليه معرفة الله بآياته وبمخلوقاته، ومعرفة حقه: وهو عبادته وحده وترك عبادة ما سواه، وطاعته كما بين على ألسنة رسله. وكذلك وصف القرآن في قوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١] يعني المبين الذي بين الله فيه، فهو مبين من أوجه: أولاً: أنه بين واضح. وثانياً: أنه مبيِّن مشتمل على بيان، وأي بيان أوضح من بيان كلام الله تعالى! وثالثاً: أن الله تعالى أمر رسوله بأن يوضحه، فالرسول ﷺ بين معانيه بقوله وبفعله، امتثالاً لهذه الآيات التي سمعنا، وهي قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، وقد كان الصحابة ﵃ يتعلمون المعاني مع الألفاظ، يقول عبد بن حبيب السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها، يقول: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. ولا شك أن هذا لإقامة الحجة، فما دام أن هذا القرآن قد بين للناس ما يحتاجون إليه، وبالأخص في أمر العقيدة والتوحيد، فإن الخلق واجب عليهم أن يقبلوا ذلك البيان وينتفعوا به ويعملوا به. وما ظهر لهم فإنهم يقبلوه، وما خفي عنهم من الأمور الغيبية فإنهم يسلمون له، ويتوقفون عن البحث في حقيقته، وهذا معنى قوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا) ، بل نتسلم ذلك على ما هو عليه. أولاً: أنه واضح من حيث إنه مفهوم؛ لأنه بلسان عربي مبين. ثانياً: أن ما فيه من الخفي قد بينه الرسول ﵊ وتلقى ذلك عنه صحابته، وبينوا ذلك وشرحوه لتلامذتهم، ونقلت شروحهم وتفاسيرهم في كتب التفسير موضحة ظاهرة يجدها من طلبها، فما بقي لأحد حجة. فالحاصل أن التوحيد قد بين أتم بيان. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠] .

стр. 53

شرح العقيدة الطحاوية [٦] الكون مليء بالآيات الدالة على وحدانية الله، وبينات الرسل وأحوالهم شواهد صدق على أن الله أرسلهم، وأسماء الله وصفاته من ألطف الأدلة على وحدانيته وصدق رسله.

стр. 54

فضل العلم وشرفه العلم في الأصل أفضل من الجهل، وكل يحب الانتماء والانتساب إلى العلم، ويهرب ويربأ بنفسه أن ينسب إلى الجهل، والعلوم تتفاوت في الأهمية، فأهم العلوم هو العلم الذي يفقه به العبد دينه، فيعرف كيف يعبد ربه؛ بل يعرف ربه ويعرف دينه، فهذا هو أشرف وأفضل العلوم. وطريق تعلمه وتحصيله سهل ويسير على من يسره الله عليه، وذلك لأن الله سبحانه لما أقام الحجة على عباده ببعثة الرسل وإنزال الكتب، تكفل بحفظ ذلك حتى لا يكون للمتأخر حجة كما لم تكن للمتقدم. فيسر الله حفظ ذلك العلم الذي هو ميراث الأنبياء، حتى وصل إلى المتأخرين كما هو عند المتقدمين، ولكن حيث كان هناك أعداء لهذا الدين ولهذا العلم، فإن أولئك الأعداء قد حرصوا على أن يشوهوا سمعة هذا العلم الصحيح، وأن يلبسوا على أهله، وأن يرموهم بالعيوب، ولكن الله سبحانه حفظ شريعته وقيض لأولئك من يدفع شبههم، ويبين ضلالهم وخطأهم، فقيض الله أهل السنة الذين ساروا على نهج الرسل، وساروا على نهج الصحابة، وعرفوا -حتى عند الأعداء- بأنهم السائرون على طريقة السلف، أو بأنهم المتمسكون بالسنة، والفضل ما شهدت به الأعداء. ولا شك أن من جملة العلوم التي حصل فيها شيء من الاشتباه والاختلاف هو علم العقيدة، الذي هو موضوعنا في هذه الدروس، ونأمل -إن شاء الله- أن قد فقهنا في أصل هذا العلم الذي هو علم الاعتقاد. وبلا شك أن أصله معرفة الله تعالى المعرفة التي ينتج منها عبادته، وأن يترك ويعرض عن عبادة ما سواه، فإذا عرف الإنسان أهمية هذا العلم استطاع بعد ذلك أن يعرف مفرداته، وتفاصيله، حيث إنها موجودة ميسرة في متناول الأيدي، وقد يسر الله لها من اعتنى بها، فما على المسلم الذي يريد العلم الصحيح إلا أن يتناولها بالتعلم والتفقه ليعبد ربه على بصيرة.

стр. 55

دلالة النظر والتفكر على وحدانية الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة] . قد عرفنا أن أهم العلوم معرفة الله، ثم عبادته، ولكونها أهم من غيرها جاءت الشريعة ببيانها، فبينها الله عن طريق السمع وعن طريق البصر وعن طريق العقل. فأما البيان السمعي فهو ما بلغه الرسل من كلام الله، ومن كلام الأنبياء الذين بينوه، فإن بيان هذه العقيدة يأخذه الناس عن طريق السمع، وتسمى الآيات السمعية، فالقرآن والأحاديث أدلة سمعية منقولة عن عالم بعد عالم، إلى أن تنتهي إلى النبي ﷺ ، أو إلى الأنبياء قبله. أما الأدلة النظرية فهي الآيات التي ترى بالعين ويقال لها المخلوقات؛ وذلك لأن النظر فيها يكسب الناظر عبرة وعظة، ويكسب الناظر معرفة وبصيرة، ولأجل ذلك كثيراً ما يرشد الله العباد إلى النظر في الآيات والبراهين، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩] ، وأشباه ذلك من الآيات كثيرة. النظر في هذه المخلوقات هو الدليل النظري والبصري، وكلما كان العاقل فاهماً ذكياً كان نظره أتم، وأما إذا نقصت العقلية فإن النظر يكون أنقص؛ وذلك لأن مجرد النظر بالعين لا يفيد، حتى يكون نظراً في القلب، فالعين توصل إلى القلب، فإذا لم يكن هناك قلب واع حي لم ينفع النظر بالعين. وقد يكون هناك من هو ضرير لا يبصر ولكن يعتبر بما يحسه، فيكون نظره بقلبه أقوى من نظر المبصرين، ويكون من المبصرين من يشاهد هذه الآيات والعجائب، ولكن قلوبهم في غي، وفي غفلة، وفي أغشية وفي أكنة قلوبهم غلف مقفل عليها والعياذ بالله، ولذلك قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] والحاصل أن الله سبحانه بين هذه الآيات والبراهين بياناً واضحاً عن طريق السمع للآيات السمعية، وعن طريق النظر للآيات البصرية ومن رزقه الله حياة قلب انتفع بما يسمع وبما يرى، ومن فقد ذلك فالعمى خير له.

стр. 56

من رحمة الله وإحسانه إقامة الحجج والبينات على صدقه وصدق رسله قال المؤلف ﵀: [فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة، لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل:٤٣-٤٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٨٣] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران:١٨٤] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى:١٧] حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود:٥٣] ، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليها بقوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤-٥٦] . فهذا من أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا فزع ولا خوار، بل هو واثق بما قاله، جازم به، فأشهد الله أولاً على براءته من دينهم وما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه، معلنٍ لقومه أنه وليه وناصره وغيرُ مسلِّط لهم عليه، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها. ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم، ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه، لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه، ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يشمت به أعداءه. فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء ﵈ وبراهينهم وأدلتهم؟! وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان] .

стр. 57

معجزات كل نبي تناسب أهل زمانه قطع الله المعذرة ببينات الرسل، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] إلى قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] أي: أرسلنا أولئك الرسل لتنقطع الحجة وينقطع العذر، لئلا يقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩] ، كما حكى الله ذلك عنهم وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:٤٨] فالله سبحانه أرسل الرسل، وجعل معهم بينات ترجح جانبهم، وجعل لهم معجزات يظهر بها صدقهم. كل نبي فمعجزاته تناسبه وتعجز أهل زمنه، ومنهم من أخبرنا الله بمعجزاته، كما أخبر عن صالح أن من معجزاته تلك الناقة التي قال لهم عنها: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] . وعن معجزات موسى أنها تسع آيات، منها: اليد، والعصا، وفلق البحر، والطوفان، والقمل، والضفادع، والدم، وما أشبهها من الآيات المعجزة لأهل زمانه. وعن معجزات عيسى: أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وعن معجزات داود، منها قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨-١٩] . ومعجزات سليمان: في قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٦-٣٨] . وكذلك معجزات نبينا ودلائل نبوته ﷺ ، ومنها هذا القرآن الذي تحدى به فصحاء العرب في زمانه فعجزوا عن معارضته، ومنها ما أجرى الله على يديه من الآيات التي منها إخباره بالأمور المغيبة، ومنها نصره وتأييده على أعدائه، ونحو ذلك من المعجزات. ولا شك أن هذه المعجزات يراد منها ظهور صدق أولئك الرسل، وذلك أن الله تعالى يحب أن يقطع العذر عن العاصي والمفرط، ويحب العذر إلى العباد، ولذلك ورد في حديث: (لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل) ، وقال في الحكمة من إرسالهم: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦] يعني إعذاراً وإنذارا، فهذا دليل على أنه سبحانه قطع الحجة على الناس بقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] . ومن تأمل آيات الرسل عرف صدقهم، ولكن إنما صد عنهم من أعمى الله بصيرته، ولأجل ذلك عاقب الله من كذبهم بأنواع من العقوبات، فأهلك قوم نوح بالغرق، ثم عاداً وهم قوم هود، فأرسل الله عليهم الريح، وقوم صالح وهم ثمود عاقبهم الله بالصيحة، وأشباه ذلك.

стр. 58

عظم معجزة هود مع أنها أخفى معجزات الأنبياء ذكر الشارح أن قوم هود كأنهم أنكروا رسالته لما لم يأتهم بآية ومعجزة بينة، ولكن قرر الشارح آية هود ومعجزته التي أخذت من هذه الآيات في سورة هود، وهي قول الله تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود:٥٣] يعني بآية معجزة، ثم ظنوا أنه إنما به جنون! فقالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود:٥٤] يعني: أن آلهتنا تسلطت عليك فأصبتك بجنون. ولكنه رد عليهم هذا الرد المتزن الذي يدل على ثباته، فقرر أنه لا يخافهم ولو حصل اجتماعهم كلهم، حيث قال: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٥-٥٦] وتقدم تفصيل الشارح وتفسيره لهذا، وأخذه من كونه فرداً يتحدى أمة من أقوى الأمم حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وقد وصفهم الله بالجبروت في قوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] . فهذا شخص واحد يتحداهم ويقول لهم: ائتوا بكل كيد، ائتوا بكل حيلة إن كنتم تستطيعون! ولكنكم لا تستطيعون؛ لأني معتمد على الله، متوكل على الله ربي وربكم، والذي يأخذ بنواصي جميع الدواب، فكل الدواب مسخرة مذللة بأمره، فهذا ونحوه دليل على أن الله قوى قلبه وثبته وذلك أعظم من بقية المعجزات. وبلا شك أن الله أيده بمعجزات أخرى لا ندري ما هي، لكن بهذا تقوم الحجة على العباد. إذاً: ما بقي لأحد على الله تعالى حجة بعد الرسل.

стр. 59

تصديق الله لعباده وأنبيائه حجة على من خالفهم قال ﵀: [ومن أسمائه تعالى (المؤمن) وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] أي: القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت:٥٢] ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣] فشهد سبحانه لرسوله بقوله إن ما جاء به حق، ووعد أنه يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته سبحانه بأنه على كل شيء شهيد، فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له، عليم بتفاصيله. وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته] . كل هذا تفصيل لبيان أنه سبحانه أقام الحجة وقطع المعذرة. وقوله: (ومن أسمائه المؤمن) قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] ، فهو الذي يصدق عباده، أي: رسله وعباده المؤمنين، فيصدق الرسل بما يظهر على أيديهم من المعجزات والبراهين، ويصدق المؤمنين بما يذكرهم به ويؤيدهم عند خصوماتهم للأعداء، أو عند قتالهم للكفار، فالنصر الذي يجريه على أيديهم هذا من التوفيق لهم، وكذلك الحجة التي يجريها على ألسنتهم من التوفيق لهم، يصدقهم حتى يعرف صدقهم، ويعرف ذلك من قصده الحق والصواب. وأما من زاغ عقله فإنه لا تغني عنه النذر: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] . كذلك من أسمائه تعالى (الشهيد) ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧] ، والشهيد: الشاهد، والشاهد مأخوذ من المشاهدة، وذلك لأنه تعالى شاهد على عباده ومن جملتهم رسله، وشهادته على رسله سبحانه أنه شهد بصدق ما جاءوا به، وذلك بما أجرى على أيديهم من الآيات والبراهين، وبذلك كله يعرف أنه ما بقي لأحد حجة بعد الرسل وبعد الكتب، فما بقي إلا المعاندون الذين يخالفون الحق عناداً.

стр. 60

بيان صحة الاستدلال بأسماء الله وصفاته على صحة رسالة أنبيائه قال المؤلف ﵀: [فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الاصطلاح؟ ف الجواب أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه. ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض باطناً وظاهراً، ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلهاً آخر؟! وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده، ويعلي شأنه، ويجيب دعوته، ويهلك عدوه، ويظهر على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر؟! ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء، وقدرته وحكمته وعزته، وكماله المقدس يأبى ذلك، ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته] .

стр. 61

تمكين الله لرسوله ونشر دينه وقهر أعدائه دليل على صحة الرسالة ذكر ابن القيم ﵀ في بعض كتبه أنه لقي بعض النصارى الذين يكذبون برسالة النبي ﷺ ، فقال لهم: أنتم أيها النصارى! قد طعنتم في حكمة الله، وطعنتم في قدرته، وطعنتم في علمه واطلاعه! فاستغرب ذلك النصراني من هذا الكلام! فقال: إن تكذيبكم برسالة محمد ﷺ طعن في الله، وذلك أننا وأنتم نشاهد أنه ادعى أنه نبي، وقامت على يديه هذه المعجزات وهذه الدلالات التي هي دلائل نبوة، فكيف يقيمها الله على يديه وهو كذاب؟! ثم نصره الله في مواطن كثيرة! فانتصر على الأعداء وهم كثيرون، والمسلمون قلة، فكيف ينصره على أولئك الأعداد وهو يكذب عليه ويقول عليه ما لم يقل؟! ثم مكن الله لدينه، وانتشر هذا الدين الذي هو في زعمكم دين باطل مكذوب! فهل يليق بحكمة الله أن يعلي هذا الدين وهو دين باطل، وأن يظهره وأن يمكن لأهله، وأن يسلطهم على الناس: يقتلون ويأسرون ويفتحون البلاد، ويدوخون العباد، وهم مع ذلك كذبة متبعون لنبي كذاب؟! لا شك أن هذا طعن في الله، فأنتم يا معشر النصارى قد طعنتم في ربكم من حيث لا تشعرون؛ حيث كذبتم هذا النبي الذي هو في زعمكم ليس بنبي. وطعنتم في حكمة الله، فإن الله حكيم يضع الأشياء في مواضعها، فكيف يليق بالله أن ينصره وأن يعلي سلطانه وأن يؤيده، وأن يظهر على يديه هذه المعجزات وهو يسمع كلامه الذي هو افتراء عليه وكذب! كيف ينصره ويمكن له في الأرض؟! وكيف يهدي قلوب الناس إلى اتباعه؟! وكيف يقبل بقلوبهم عليه؟! وكيف يظهر من صفاته ما يكون سبباً في تصديقه؟! ولا شك أن هذا شيء واقعي حقيقي، فإن الذين يكذبون برسالته ﵊، وهم يشاهدون أن دينه الحق قد انتشر وتمكن حتى غطى ثلثي المعمورة، وحتى دان به أكثر العباد، وشهدوا بحسنه وبملائمته، حتى الأعداء بمجرد ما يسمعون دعوته، ويعرفون شريعته وطريقته، تنطلق ألسنتهم بحسن ما جاء به، وتشهد بذلك عقولهم ويتبعونه دون تلكؤ ودون توقف، فإن هذا كله دليل على صحة هذا الدين، ودليل على قبول النفوس له، وأن الذين أنكروه إنما انتكست فطرهم ولم يعرفوا الحق مع قيام الأدلة الواضحة عليه. فعلى هذا يعتبر هذا التمكين من أكبر الآيات، وأكبر المعجزات التي تدل على صدق رسالته ﷺ ، حيث مكن الله له وحقق قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ [النور:٥٥] ، وصدق الله هذا الوعد، فمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وفتح لهم القلوب، وهيَّأ لهم الأسباب ويسر لهم العسير وظهر دين الله تعالى، وتحقق قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] ، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨] فتمم الله نوره الذي هو هذه الشريعة، وأظهر هذا الدين على سائر الأديان، ولا شك أن ذلك من أكبر المعجزات. ولو لم يكن هناك من دلائل نبوته التي تدل على صدقه ﵊، وصحة ما جاء به إلا النصر والتمكين وفتح القلوب والبلاد له، وما أيده به من هذا التمكين حتى أقبلت قلوب الناس إليه، وكان أحدهم يصبح وهو عدو له، فإذا أسلم في أول النهار لم يأته الليل إلا والإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها؛ وذلك لما يشاهدونه في هذا الإسلام من سهولة ومحبة وصلاحية وانشراح صدر وفرح وانبساط، وقوة يقين، لا شك أن هذا من أكبر الآيات والمعجزات، ولو لم يكن هناك آيات أخرى لكان هذا كافياً لإثبات أن هذا الدين حق وأنه من عند الله ، هذا ما قرره الشارح في هذا الموضع.

стр. 62

عدم نزول العقوبة بمحمد ﷺ دليل على صدقه وكذب أعدائه قال ﵀: [والقرآن مملوء من هذه الطريق وهي: طريق الخواص، يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعل ولا يفعله قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى. ويُستدل أيضا بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣] وأضعاف ذلك في القرآن، وهذه الطريق قليل سالكها لا يهتدي إليها إلا الخواص، وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهده؛ لأنها أسهل تناولا وأوسع، والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض] . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] حق وصحيح، فإن كل من كذب على الله فإن الله ينتقم منه ولو بعد حين، فإن فرعون لما كذب وادعى الربوبية عاقبه الله مع كون مصر قد أطاعت له، حتى قال لهم: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف:٥١-٥٢] يعني: موسى. فماذا كانت عاقبته؟ انتقم الله منه وأغرقه وهم ينظرون. كذلك الكذابون في زمن النبي ﵊ لما ظنوا أن محمداً كاذب فقالوا: سوف ندعي مثلما ادعى، فتنبأ شخص يقال له: مسيلمة، فانخدع به بعض الجهلة من عشيرته، ولكن الله انتقم منه وسلط عليه المسلمين فقتل وضل أتباعه. وكذلك تنبأ آخر في اليمن، فما متّع إلا ثلاثة أشهر حتى انتقم الله منه وأهلكه، وهكذا كل من ظهر منه اعتداء، يعرف ذلك من قرأ التاريخ. فمن قرأ كتب التاريخ يجد أن هناك أناساً حاولوا التكبر والتجبر وحصل لهم شيء من الملك ومن القوة، فاستعملوا بطشهم وقوتهم، ثم أمهلوا مدة ولكن أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (إن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] ) فكون هذا الإسلام باقياً، ومستمراً يزيد ويظهر، كلما ضعف في جهة مكن الله له في جهة أخرى، وأهله يحبونه ويقبلون عليه، ويتمسكون به، ويؤثرونه ولو قتلوا وعذبوا، دليل على أنه من الله تعالى، وأن ما يقولونه ويعتقدونه هو الدين الحق. وكون الله جل وعلا يعجل العقوبة للكذابين والمفترين ويأخذهم وينتقم منهم، دليل على أن الله لا يؤيد الكذابين ولا يمكنهم، كيف يمكنهم وهم يفترون عليه؟! كيف يمكن لهم في الأرض وهم كذابون يقولون عليه ويضلون عباده؟! هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، فإن من أسمائه الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها. فيستدل المرء على صحة هذا الدين وهذه العقيدة وهذا التوحيد بآيات الله، وبمخلوقاته، وبأسمائه وبصفاته، يعني: بآثار تلك الأسماء، وآثار تلك الصفات، فإن من أسماء الله تعالى الحكيم، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها، ومن أسمائه تعالى العزيز، وهو الغالب لكل من خرج عن طاعته، ومن أسمائه أنه عزيز ذو انتقام، يعني: ينتقم ممن خالف أمره، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر، كذلك من أسمائه العليم، وهو أنه لا يخفى عليه علم شيء في الأرض ولا في السماء. وهكذا يقال أيضاً في حكمته وفي خلقه وفي تدبيره وفيما قدره وقضاه في هذا الكون، لا شك أن هذا كله له آثار تدل على ما أعطاه الله تعالى لعباده من الفكر ومن العقل، الذي رزق ووفق به عباداً صالحين قبلوه وتقبلوه.

стр. 63

بطلان قول من قسم التوحيد إلى: توحيد عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة قال ﵀: [فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول عليه، والشاهد والمشهود له، قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١] الآيات. وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع: وجعل هذا النوع: توحيد العامة. والنوع الثاني: توحيد الخاصة، وهو الذي يثبت بالحقائق. والنوع الثالث: توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة الخاصة] . يقول: إن القرآن الذي أنزله الله على قلب نبينا محمد ﷺ فيه الكفاية لمن اعتبر، فإن المشركين لما طلبوا آيات ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠] قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: هذا الكتاب كاف عن جميع الآيات، لما فيه من الأخبار عن المتقدمين وعن المتأخرين، فمن نظر فيه واعتبر اكتفى بذلك. والقرآن قد بين حقيقة التوحيد الذي أرسلت به الرسل غاية البيان، وهو توحيد العبادة. والذين حكى عنهم المؤلف أنهم جعلوا هذا النوع توحيد العامة! هؤلاء هم غلاة الصوفية، أو أهل الوحدة، وجعلوا وراءه توحيدين: توحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة. وكل ذلك لا دليل عليه، وإنما الأصل أن التوحيد الذي هو حق الله على عباده هو التوحيد الأصلي الذي أمر الناس بأن يدينوا به ويتعلموه ويعبدوا الله تعالى بموجبه، وسيأتي بيان الأدلة على أنواع التوحيد، وعلى بقية أنواع العقيدة إن شاء الله تعالى.

стр. 64

شرح العقيدة الطحاوية [٧] لقد ضل كثير من الناس في التوحيد، فمن ذلك ضلال الصوفية في الفناء والاتحاد، ومن ذلك ضلال المشبهة بغلوهم في إثبات الصفات، والمعطلة الغالين في نفي الصفات، وأهل السنة وسط بين الغلاة والجفاة.

стр. 65

الأنبياء أكمل الناس توحيداً والصوفية مخالفون لهم

стр. 66

توضيح معنى توحيد الخاصة وخاصة الخاصة عند الصوفية مر بنا بيان شيء مما أوضحه الله تعالى من العلم الذي هو أهم العلوم، وأن الله بينه عن طريق السمع، وعن طريق البصر، وعن طريق العقل، فبينه بالآيات السمعية، وذلك بالقرآن والسنة التي تسمع وتتلى، وكذلك بالآيات النظرية وهي المخلوقات التي جعلها الله علامات ودلالات يعتبر بها أولو الألباب. وهكذا بينه عن طريق العقل، حيث أعطى الإنسان فكراً وعقلاً وذكاء يعقل به ما أمامه وما بين يديه، وبكل ذلك ينتج نتيجة وهي معرفة المرء نفسه ومعرفة ربه، ومعرفة ما خلق له وما أمر به، جملة وتفصيلاً. ونتيجة هذه المعرفة وثمرتها هي العبادة الخالصة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، فهذه هي نتيجة هذه المعرفة ومدار كلمة الإخلاص التي هي كلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فإن أول ما دعت إليه الرسل كلمة التوحيد، وهو ما جاءت به وما بلغته، وهو ما عليه جماهير الأمة، وهو ما تعلمه المسلمون قديماً وحديثاً، ولا عبرة بمن خالف في ذلك من الصوفية الذين جعلوا هذه الكلمة توحيد العامة. وذلك أنهم قسموا الناس إلى: عامة، وخاصة، وخاصة خاصة. وقالوا: إن كلمة (لا إله إلا الله) توحيد العامة، وكلمة (الله الله) توحيد الخاصة، وكلمة (هو هو) توحيد خاصة الخاصة، يعني خلاصة الخلاصة. فعند هؤلاء -قبحهم الله- أن الأنبياء والرسل والصحابة وعلماء الأمة كلهم من العامة الذين لا يعرفون ولا يفقهون، وعندهم أن الصوفية هم الخاصة، يدخل في ذلك أفرادهم وعلماؤهم، والواصلون منهم إلى الذروة هم خاصة الخاصة، فلأجل ذلك تجدهم في ذكرهم لا يزيدون على كلمة (هو هو) ، مع أنها لا تدل على معنى، وأما كلمة الإخلاص فإنها دالة على معنى فهمه المدعوون، فدلت على إخلاص العبادة لله والتبرؤ مما سواه، ولهذا تشتمل على ولاء وبراء، فإن قوله: (لا إله) براء، (إلا الله) ولاء، فتشتمل على اتصال وانفصال، فـ (لا إله) انفصال عن المألوهات، (إلا الله) اتصال بالإله وحده. فيقال: فيها نفي وإثبات، وفيها اتصال وانفصال، وفيها: ولاء وبراء، فلما كانت كذلك كانت جامعة لمعنى التوحيد الذي هو توحيد الرسل، ولكن كما هو معروف أنه لا بد من معرفة معناها، وذلك لأنه وجد من المتأخرين من يتكلم بها وهو لا يفهم مدلولها؛ فيجب على المسلم أن يفهم ما دلت عليه حتى يعبد الله تعالى بمقتضاها.

стр. 67

كمال توحيد الرسل وبيان أكملهم في ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أكمل الناس توحيداً الأنبياء صلوات الله عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين. وأكملهم توحيدا الخليلان: محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه. ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه، كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد، وذكر الأنبياء من ذريته: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] . فلا أكمل من توحيد من أُمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم. وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ، فملة إبراهيم التوحيد، ودين محمد ﷺ ما جاء به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة] . إن أكمل التوحيد هو توحيد الأنبياء، وأكملهم الرسل، فإن الرسل هم الذين قاموا بالدعوة والجهاد، وكلفوا بالدعوة، وأكمل الرسل هم أولو العزم، وهم خمسة ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] ، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] ، هؤلاء هم أولو العزم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ؛ وذلك لأنهم هم الذين صبروا وصابروا ولهم مكانة ومقام، فهم أفضل الرسل. وأفضل الخمسة الخليلان: إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فالخليلان لهما مقام سام رفيع، وهما اللذان جاهدا في الله، ودعوا إلى التوحيد أتم دعوة، ولقيا في سبيل ذلك ما لقيا. ومعلوم أن الرسل كلهم دعوا إلى التوحيد، وقد أمر الله نبيه بأن يقتدي بهم كلهم، كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] ، أي: فاقتدِ بهديهم وبما جاءك عنهم وبما بلغك. ولا شك أن من هداهم التوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، كل رسول يوحى إليه بهذا، فهذا من جملة هداهم الذي أُمِر النبي ﷺ بأن يهتدي به، وأمته تبع له، وكذلك هذا الدعاء الذي كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه يقول: (قولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص) إلى آخره، وذلك لأنه قول جامع؛ وذلك لأن فيه ذكر ملة إبراهيم، يعني: أن من جملة ما تمسكنا به ملة أبينا إبراهيم الذي أمرنا الله تعالى بأن نقتدي به، وملة الأنبياء الذين أُمِر نبينا بأن يقتدي بهم، فإذا تمسك المسلمون بذلك فإنهم إن شاء الله على طريق النجاة.

стр. 68

توحيد الصوفية يفضي إلى الفناء والاتحاد قال المؤلف ﵀: [فهذا توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠-١٣١] . وكل من له حس سليم وعقل يميز به، لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به. ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة، ينتهي إلى الفناء الذي يشمّر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد، انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول شعراً: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد وإن كان قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوباً منا لنبه الشارع عليه، ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة؟! أو ما يقرب من هذا المعنى، أو أشار إليه؟] .

стр. 69

توحيد الصوفية ليس هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل نعرف أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل -حقاً- توحيد واحد ليس فيه فروع، وليس هناك توحيد خاصة وخاصة خاصة وعامة، بل الرسول دعا الناس كلهم إلى شيء واحد، وأمرهم بأن يتمسكوا به، وهو الإخلاص لله تعالى، بحيث يعبدونه ويتركون عبادة ما سواه بعد المعرفة، فأما هذا التقسيم الذي تدّعيه هذه الطوائف فإنه مبتدع، فالطائفة التي ادعت ذلك -وهم الصوفية- قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام: فجعلوا كلمة لا إله إلا الله، توحيد العامة. والخاصة كلمة: الله. وخاصة الخاصة كلمة: هو. من الذي سبقهم من الرسل إلى هذا التقسيم؟! لو كان حقاً لبينته الرسل لأممهم، فهذا يدل على أنهم لم يسبقوا إليه ولا دليل عليه. ومع كونه لا دليل عليه فإنه يئول بسالكيه إلى الهلاك المعنوي، بحيث يضل صاحبه ويتيه، ويؤدي به إلى الحيرة والريب. كثير من الذين خاضوا في هذا العلم أدى بهم ذلك إلى الشك وإلى الحيرة، ويأتينا إن شاء الله لذلك أمثلة في هذا الكتاب. كذلك يؤدي بهم إلى طريقة أخطر من ذلك وهي طريقة الاتحاد، وهو مذهب باطل، وقد أشار إليه الشارح فيما سبق وهو مذهب الذين يجعلون الخالق متحداً بالمخلوق! يقال لهم: ما الدليل على ذلك؟ ومن الذي سبقكم إلى ذلك؟ فلا يجدون دليلاً ولا سابقاً من أهل العلم. ويؤدي بهم أيضاً إلى طريق يسمونها الفناء، والفناء عندهم هو غاية المنازل، وأعلى المراتب، متى وصل إليها العارف -عندهم- وصل إلى حضيرة القدس! وهو الذي -في نظرهم- يهنأ بعبادته عن معبوده يهنأ بوجوده عن موجوده، بحيث يتلاشى عن نفسه ويفنى لخالقه كما يقولون، ولهم عبارات بشعة لا حاجة بنا إلى أن نعرفها، والجهل بها أولى؛ وذلك لأن تلك المعارف وتلك الشطحات التي وقعوا فيها سببها هذا الخوض، وهو الحصول على رتبة خاصة الخاصة. فذكر المؤلف أن هذا طريق خطر، وأنه لا يجوز سلوكه.

стр. 70

أبيات الهروي موهمة وإن كان معتقده سليماً ذكر المؤلف تلك الأبيات التي أنشدها أبو إسماعيل الهروي في آخر كتابه الذي سماه منازل السائلين، والذي شرحه ابن القيم في كتابه الذي سماه: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وذكر هذه الأبيات في أول مدارج السالكين، وحرص على أن يحملها محملاً حسنا، ولكن فيها شيء من الإجمال، وفيها شيء من الإيهام؛ لأن ظاهرها أن الناس كلهم لم يوحدوا الله، ولا يقدر على توحيد الله إلا الله، فقوله: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد ظاهره أن كل الناس حتى الأنبياء لم يكونوا موحدين وإنما الله الذي وحد نفسه، ولكن حملوه على أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف ذلك إلا بمعرفة من الله وتعريف منه، وحمله الاتحاديون على مذهبهم، واجتذبوا أبا إسماعيل ﵀ إليهم، وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنه لمنهم، وكلامه في الحقيقة موهم ولكن عقيدته سليمة وله مؤلفات تدل على أنه من أهل السنة، بينها العلماء في ترجمته. وعلى كل حال فطريقة الرسل وأتباعهم والأئمة والعلماء هي معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، وذكره بما ورد وبما أمر به وبما بلغته رسله، وبذلك يكون الإنسان من العارفين ومن الموحدين، دون أن يحتاج إلى معرفة الاصطلاحات الصوفية والشطحات، وتلك الكلمات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 71

بيان أن مصطلح الفناء ونحوه غلو في الدين قال المؤلف ﵀: [هذه النقول والعقول حاضرة، فهذا كلام الله المنزل على رسوله ﷺ ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النصارى في دينهم، وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] ، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] وقال ﷺ : (لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود] . أولاً: ذكر أن هذه الاصطلاحات لم يأت بها كتاب ولا سنة، يعني كلماتهم الاصطلاحية التي يتغالون فيها، كتقسيم التوحيد إلى ثلاثة، وتقسيم الفناء أيضاً إلى ثلاثة، وما أشبه ذلك، فكلها ليس عليها دليل، وإنما هي اصطلاحات من عندهم. ثانياً: ذكر أن هذا بسبب الغلو والغلو هو الزيادة عن المطلوب أو على الوارد، والتشدد فيه، وقد حكى الله أن النصارى غلوا في عيسى حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] أو ثالث ثلاثة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] أو ابن الله: ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] هذا من الغلو الذي ذمهم الله به، وقد وقع الغلو في هذه الأمة في العبادات وفي غيرها، كما فعلت الخوارج، فإنهم غلوا حتى كفروا بالذنوب. ووقع الغلو في بعض الأشخاص كالرافضة حيث غلوا في أهل البيت، حتى اعتقدوا فيهم العصمة، وفضلوهم على كثير من الرسل، وأعطوهم شيئاً من حق الله. وقد ذم الله تعالى الغلو ونهى عنه كما في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] وفي سورة المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة:٧٧] الآية. وكذلك في الأحاديث؛ ففي هذا الحديث الذي ذكره النهي عن التشدد، وذم المتشددين فإن من المتشددين النصارى (فإن قوماً شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها) ، وكذلك جاء الذم بلفظ الغلو في قوله ﷺ : (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) ، ذكر أنه أهلك من كان قبلنا، ودين الله تعالى وسط بين الغالي والجافي، والغالي هو الزائد، والجافي هو المقصر، ولعله يأتينا في الغلو ما هو أوسع من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 72

الرد على المشبهة والمعطلة بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) قال المؤلف ﵀: [قوله: (ولاشيء مثله) اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على الممثلة المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم. ويُراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك] . في هذه العبارة وهذه الجملة رد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الخالق بالمخلوق، فهناك مشبهة للخالق بالمخلوق، وهناك مشبهة لأفعال الخالق بأفعال المخلوق، وهناك مشبهة للمخلوق بالخالق، والكل ضالون.

стр. 73

تشبيه الخالق بالمخلوق كفر الذين شبهوا المخلوق بالخالق: كالنصارى الذين شبهوا عيسى بالله فـ ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة:١٧] أو قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ومثلهم جميع الذين يعظمون المخلوقين ويعطونهم شيئاً من حق الله، فإن هؤلاء شبهوا المخلوق بالرب تعالى حيث رفعوا المخلوق وأعطوه ما لا يستحق، ومن هؤلاء أيضاً القبوريون، فإن القبوريين الذين غلوا في المخلوقين قد وصفوهم بصفات لا يستحقها إلا الخالق، ولا شك أن هؤلاء شبهوا المخلوق ورفعوا قدره حتى أعطوه شيئاً من خصائص الخالق سبحانه.

стр. 74

تشبيه أفعال الخالق بالمخلوق ضلال أما التشبيه في الأفعال: فهو أن تجعل أفعال الله كأفعال المخلوق، أو تجعل أفعال المخلوق كأفعال الخالق، وتفصيل ذلك والأمثلة عليه معروفة وتحتاج إلى توسع ليس هذا محله. ولكن يجب أن نعرف أن الله تعالى موصوف ببعض الأفعال وقد يوصف بها العبد، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فالله تعالى أخبر بأنه استوى على العرش، والإنسان موصوف أيضاً بالاستواء، قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] وليس الاستواء كالاستواء. كذلك وصف الله تعالى نفسه بالمجيء في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وليس مجيء الله مثل مجيء الملائكة، بل مجيء الله يليق به، وكذلك وصف نفسه بالإتيان، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] وليس إتيان الله كإتيان الملائكة والملائكة مخلوقون، فلهذا نقول إنها من الأفعال، ولا يجوز التشبيه فيها.

стр. 75

التشبيه في الصفات الذاتية ضلال وكذلك لا يجوز أيضاً التشبيه بالصفات الذاتية التي أثبتها الله لنفسه، فإذا أثبت الله لنفسه اليدين في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، نقول: لا كيدي المخلوقين، وإذا أثبت لنفسه الوجه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] ، وفي قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وفي قول النبي ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وفي قوله ﷺ : (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) وأشباه ذلك، فنقول: ليس كمثله شيء في ذلك، فأهل السنة يقولون: إنه وصف حقيقي، ولكن ليس مثل صفات المخلوقين وخصائصهم. هذا هو معنى التشبيه، ولكن سمعنا أن هناك من استعمل التشبيه وأراد به نفي الصفات، وهذه الطريقة سلكتها المعتزلة أتباع جهم بن صفوان ونحوه، وجعلوا النفي مطلقاً، ونفوا عن الله كل صفة وجدت في المخلوق، وزعموا أن إثباتها تشبيه، فصاروا يتعلقون بهذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ولا يتمونها، أو لا يعملون بآخرها، فإن في آخرها رداً عليهم في نفيهم للصفات، وقد روي أن كبيراً من كبرائهم يقال له: ابن أبي دؤاد قال لأحد الخلفاء: أريد أن تكتب على الكعبة قوله: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) هرباً من إثبات السمع والبصر! فلا شك أن هؤلاء غلواً في النفي، ولازم قولهم أن كل صفة موجودة في أي مخلوق لا يجوز إثباتها للخالق، يعني نقول: يلزمكم أن تنفوا صفة الحياة، وأن تنفوا صفة الوجود، وصفة الذات، وما أشبه ذلك، وإذا قلتم: إن لله ذاتاً، قلنا: شبهتم، فالمخلوق له ذات، فإذا قالوا: لا تشبه ذواتنا، قلنا: لماذا لا تقولون: وسمعه لا يشبه سمع المخلوقين، وبصره لا يشبه بصر المخلوقين؟ وعلى كل حال فالآية دليل لأهل السنة، ولكن اتخذها المعتزلة دليلاً لهم ولم يعملوا بآخرها؛ لأن في آخرها رداً عليهم، يقول العلماء: قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة، فهذا بعض آية فيه رد على طائفتين: طائفة غلت في النفي، وطائفة غلت في الإثبات. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على الغلاة في الإثبات ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على الغلاة في النفي.
следующие страницы →