← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

شروط الوقف

стр. 1122

كون الوقف في عين معلومة ذكر المصنف ﵀ أن شروط الوقف خمسة فقال: (كونه في عين معلومة يصح بيعها غير مصحف، وينتفع بها مع بقائها) أي: أن الوقف لابد أن يكون في عين معينة معلومة، أياً كانت تلك العين إذا كان فيها منفعة، حتى الحيوانات، فإذا وقف هذه الفرس على المجاهدين فإنها تكون معلومة، أما إذا قال: فرساً من خيلي فإنه لا يصح حتى يعينها بالفرس الفلانية، أو قال مثلاً: هذا الجمل وقفته على من يجاهد عليه أو من يحج عليه، أصبح معيناً، أما إذا قال: جملاً من جمالي أو بعيراً من إبلي، فلا يصح حتى يعينه، ومثله في هذه الأزمنة المراكب الجديدة، فإنه يجوز وقفها، فيجوز أن يقول: وقفت هذه السيارة على من يحج ويعتمر عليها، أو وقفتها على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يتجولون عليها، أو وقفتها على الدعاة الذين يدعون إلى الله يسافرون عليها، فأخرجها من ملكه وجعلها وقفاً. أما إذا قال: أوقفت سيارةً من سياراتي، وعنده سيارات، فلا يصح؛ لأنه لابد أن تكون معينة حتى تخرج من ملكه؛ لأن الأصل أن الموقوف يخرج عن ملك الواقف حتى ولو تعطل الانتفاع به، فلو وقف فرشاً على المسجد ثم هُدم المسجد، فلا يجوز له أن يقول: ردوا عليّ فرشي، لأنا نقول: قد أخرجته من ملكك فينقل إلى مسجد آخر، ولا يحل لك أن تستعيدها، أو قال: ردوا عليّ مكيفاتي أو مراوحي التي سبلتها في هذا المسجد، لم يحل له أن يرجع فيها. فالحاصل أنه لابد أن يكون الوقف بعين معينة معلومة حتى بالإشارة مثلاً، كأن يقول: وقفت هذا المشلح على كل من يتزوج ليلة زواجه حتى أُريحه من شرائه، أو يقف ثوب المرأة الجميل الذي تدخل به على زوجها ليلة الزفاف حتى لا يكلف وليها أن يشتري لها ثوباً، فيوجد في بعض الأماكن لمساعدة المتزوجين مشالح موقوفة على من يريد أن يتزوج، فيأخذه يوم زواجه ثم يرده بعد يوم أو يومين؛ لأنه ليس من أهل لباسه، وكذلك يوجد ثياب للعروس لتتجمل بها ليلة زفافها ثم تردها، فهذه موقوفة يقصد الذين وقفوها الأجر، كذلك الحلي يجوز وقفها، فيوقف ما يسمى بالبنادق والأسورة، وكذا الخواتيم تلبسها العروس يوم زفافها أو القلادة، ثم بعد ذلك يردها المستعير لها؛ لأنه قد يقول: إني لا أقدر على شراء هذا الحلي الثقيل، فهناك من يسبلها ويجعلها وقفاً حتى ينتفع بها في ليلة زفافه أو يوم الاحتفال ثم يردها، وتكون وقفاً على العاجزين عن اقتناء أمثالها. وقوله: (يصح بيعها غير مصحف) ، فالشيء الذي لا يصح بيعه لا يصح وقفه إلا المصحف، فإنه يصح وقفه مع أنه لا يصح بيعه عندهم، وإن كان الصحيح جواز بيعه، فأما الشيء الذي لا يصح بيعه فلا يصح وقفه، فلا يصح أن يوقف كلب صيد، فيقول: وقفت كلب صيد، أو كلب حراسة للحرث، أو الحراسة للغنم؛ لأنه ليس له ثمن، فلا يصح بيعه. ويمثلون أيضاً بجلد الميتة ولو بعد الدبغ، إذ ترجح عندهم أنه لا يباع ولا ينتفع به إلا في اليابسات، والقول الثاني: أنه يصح بيعه ويصح الانتفاع به في اليابس وفي الرطب وما أشبه ذلك، فإذا دبغ جلد الميتة وجعله سقاءً أو قربةً يُبرد فيها الماء صح وقفه؛ لأنه يطهر بالدباغ، فيصح وقف القرب التي يُبرد فيها الماء أو يُنقل فيها الماء، فينتفع بها من يحتاج إليها ولو كانت من جلود الميتة. أما جلود ما لا يؤكل لحمه كجلد حمار أو جلد كلب فهذا لا يصح بيعه، ولا يطهر بالدباغ على الصحيح، فلا يصح وقف مثله فراشاً، لأنه قد ورد النهي عن افتراش جلود النمار؛ لأنها سباع، والسباع محرمة الأكل، فلا يصح بيع جلودها، ولا يصح وقفها. وتقدم أنه لا يصح بيع الحشرات، فلا يصح وقفها إلا إذا كان لها قيمة مثل النحل، فإنه يصح بيعه ولو كان من الحشرات؛ وذلك لأنه يُنتفع به. والشيء الذي لا ينتفع به أو كان نفعه محرماً لا يصح وقفه، وذلك مثل آلات الملاهي، فإن نفعها محرم، فلو قال: أسبل هذه الطبول، وأجعلها وقفاً على الذين يلعبون في أيام الأعياد أو في أيام الأفراح، فإنه لا يجوز؛ وذلك لأن الانتفاع بها محرم، وكذلك جميع آلات الملاهي كالعود والطنبور والرباب، وكذلك كتب الإلحاد وكتب الضلال والمجلات الخليعة، فلو احتسب إنسان وقال: أنا أشتري هذه المجلات وأسبلها في هذه المكتبة، مع أنها مليئة بالضلال وبالصور الهابطة ونحو ذلك فلا يصح وقفه، أو قال: أُسبل هذه الأفلام التي فيها هذه الصور، وأجعلها في هذا المكان وقفاً يتفرج عليها من يريدون أن يتفرجوا، أو هذه الأشرطة الغنائية أسبلها، هل له أجر أم عليه وزر؟ لاشك أن عليه وزراً، فكل شيء لا يصح بيعه لصفة فيه فإنه لا يجوز وقفه؛ لأن ذلك يعتبر إعانة على المحرم، وهكذا جميع ما يُستعان به على المحرم.

стр. 1123

كون الوقف على برٍّ الشرط الثاني: أن يكون الوقف على بر، ومثل له في الحاشية: إذا وقف على المساكين، والمساجد، والقناطر، والأقارب. فالقناطر: جمع قنطرة، وهي الجسر الذي يجعل على النهر حتى يعبر الناس من جانب إلى جانب، فإصلاح هذه الجسور إذا خربت فيه نفع للمسلمين، فإذا قال: أُجرة هذا الدكان تُعمر بها المساجد، فهذا وقف بر، أو قال: أجرته لإصلاح فرش هذا المسجد، أو إصلاح مكيفاته، أو إصلاح أنواره، أو إصلاح مكبراته؛ فهذا عمل بر يثاب على ذلك، وكذلك إذا وقف هذه الدكاكين، وجعل أجرتها تُفرق على مساكين هذا البلد، أو مساكين القرية الفلانية، أو أقاربه ونحوهم؛ فهذه من أعمال البر. عرفنا ما هو الوقف على بر، فما مثال الوقف الذي ليس على بر؟ نقول الأمثلة كثيرة؛ فإذا قال: غلته مثلاً يُسرج بها هذا القبر الذي يُعبد، أو يبنى بها على هذا القبر مشهد؛ حتى يكون هناك من يعبده ومن يصلون عنده أو يدعونه، فهذا عمل إثم، ولا عبرة بمن يفعله. فيذكرون أن الرافضة في العراق وغيره أكثر أوقافهم على كربلاء، وعلى النجف، يدّعون أن كربلاء فيها قبر الحسين، والنجف فيه قبر علي ﵄، فيوقفون السرج والأنوار على قبريهما، وكذلك يوقفون على عمارة الطرق وسفلتتها حتى يصلوا إلى هذا المشهد وهذه المعابد، ويوقفون على تنوير الطرق، وكذلك على عمارة ما انهدم وترميمه إذا طالت مدته، بل يوقفون على من يخدم من يزور هذه المشاهد، ويقولون: أنت يا هذا خادم لهؤلاء الذين يزورون هذا المكان ويطوفون به، وأجرتك وراتبك من هذه الأوقاف، حتى يخدمهم بحلق رءوسهم، يتحللون كأنهم محرمون، أو يحلقون لحاهم، أو ما أشبه ذلك، فهل هذه الأوقاف يؤجرون عليها؟ لا. وهكذا كثير من الذين يوقفون أوقافاً كثيرة على إسراج القبور، أو على صب الأدهان عليها، أو على ضيافة من يعتكف عندها، أو من يطوف بها، أو ما أشبه ذلك، فهذا وقف على إثم ليس وقفاً على بر، فإن الوقف هو الذي يقصد به الأجر الأخروي، وأما إذا كان هذا يقصد به الإثم فإنه يعتبر مساعدة على الإثم، فيصير الذين وقفوا متعاونين على الإثم والعدوان. فأنواع البر كثيرة، وأنواع الموقوفات أيضاً كثيرة، كان كثير من المسلمين يحرصون على أن يكون هناك ما ينتفع به إخوانهم العاجزون، فيوقفون ما يساعدهم على قضاء حوائجهم، وقد أدركنا قبل خمسين سنة أو نحوها أنهم يوقفون أشياء تمس إليها الحاجة، حتى كان يوقف بعضهم السكين على من يذبح بها أضحية أو نحوها ولا يجد ما يذبح به، ويوقف المنجل (المحش) على من يقطع به النخيل أو السعف أو يحش به لدوابه، ويوقفون القدور على من يطبخ بها إذا احتاجوا أن يطبخوا فيها؛ لأنه ليس كل أحد كان يجد قِدراً كبيراً يطبخ به إذا نزل به ضيف، فيذهبون إلى من عنده قدر موقوف فيقولون: عند فلان ضيف، ويأتون به ليطبخ فيه. كذلك مما كانوا يوقفونه الطاحونة التي هي الرحى، وهي عبارة عن حجرين مدورين أحدهما فوق الآخر يُطحن بها القمح، والبر، والذرة، ونحوه، يديرونها إلى أن يخرج الدقيق من حافاتها، فكانوا قديماً في القرى يقولون: يوجد في بيت فلان رحى مسبلة نذهب نطحن فيها، وهكذا، فهذه بلا شك من الأسبال التي يؤجر من يوقفها. والأمثلة كثيرة، فكل من سبّل شيئاً فيه منفعة ولو ثوباً أو ثياباً تُلبس في أيام العيد أو في أيام الحفلات يكون له أجره على لباسه، وكانوا يسبلون الأسلحة التي يقاتل بها، فيسبل عدة سيوف أو رماح لمن يقاتل في سبيل الله، كذلك الأقواس التي يُرمى بها قديماً، وبعدما وجدت البنادق كان يُسبل كثير منهم الأسلحة الجديدة، ويجعلها وقفاً لمن يقاتل بها في سبيل الله، وكذلك الدروع التي يلبسونها ويتحصنون بها من مواقع السلاح، وكذلك المغفر الذي يجعل على الرأس، فكانوا يسبلون أمثال هذه، ويبتغون بذلك الأجر؛ لأن من جهز غازياً فقد غزا، فيبقى له أجره ما دام يُقاتل بهذا السيف، فيكون قد ساعد على قتال المشركين؛ ولأنه نفع المسلمين بها في الجهاد أو ما أشبه ذلك، فهذه كلها تُعتبر من الوقف على بر. واستثنوا أن يقف مسلم على ذمي، أو ذمي على مسلم، فيجوز ذلك ولو لم يكن فيه بر إلا أن فيه بر القرابة، ذكروا أن صفية أم المؤمنين ﵂ كان لها قريب يهودي فدعته ليُسلم، وقالت: أسلم حتى ترثني، ففكر ثم قال: لا أترك ديني حتى لا يُقال: ترك دينه لأجل هذه المصلحة، فأصر على بقائه على يهوديته، وأحبت أن تصله لأجل القرابة، فوقفت وقفاً كدار، وجعلت غلتها عليه من باب صلة الرحم، فاستدلوا بذلك على أنه يجوز الوقف على غير المسلم إذا كان لقرابة بينهما، وكذلك لو كان الواقف هو الذمي كيهودي له ذمة أو نصراني له ذمة وقف على المسلمين، فبنى لهم مسجداً، أو أصلح لهم طريقاً، أو سبل لهم مقبرة، أو سبل نعشاً يُحمل عليه الموتى، فيصح ولو كان الذي سبله يهودياً ذمياً، لكن لما كان ينتفع به قُبل الانتفاع به، ونفذ ذلك، وصار وقفاً على المسلمين. ثم قولهم: يشترط أن ينتفع بها مع بقاء عينها، يخرج بذلك ما لا ينتفع به إلا بإتلافه، فإنه لا يصح وقفه فلو قال: وقفت كيس الأرز، لم يصح هذا وقفاً؛ لأنه يتلف بأكله، وإذا قال مثلاً: وقفت هذا الشمع على هذا المسجد، لم يصح؛ لأن الشمع أيضاً يحترق شيئاً فشيئاً؛ لأنه يوقد بالشحم أو الزيت المجمد فلا يُنتفع به إلا بإتلافه، ومثل هذا لا يُسمى وقفاً؛ لأنه يفنى باستعماله. بخلاف ما إذا قال: وقفت هذا السراج أو هذه النجفات ونحوها، فهذه تسمى وقفاً؛ لأنه يُنتفع بها مع بقائها. ولو كان الموقوف يتلف بالاستعمال الطويل، كالثوب يتلف بالاستعمال، فإنه يصح وقفه؛ لأنه ينتفع به مدة، وكذلك إذا وقف الأحذية على المساكين أو على المصلين أو ما أشبه ذلك، وكذلك إذا وقف بئراً فيها ماء فإنه ينتفع بمائها؛ لأن الماء ولو كان يستهلك لكنه يستخلف، حيث ينزح منها ثم يأتي ماء بدل الماء، فيصح وقف البئر ليشرب منها، ويصح وقف الأحواض التي يُصب فيها الماء، ويصح وقف الدلو الذي يُنتزع به من البئر، ويكون وقفه مساعدةً على استخراج الماء من البئر، وفي هذه الأزمنة يصح وقف الماكينة (المضخة) التي ينتزع بها الماء من البئر، ويصح الوقف على وقودها ونحوه، فإذا وقف داراً وقال: غلة هذه الدار -أجرة هذه الدار- تُصلح منها هذه الماكينة التي يجتذب بها الماء، فيُشترى لها محروقات مثلاً، وهي تسقي النخل الذي ثمرته وقف على الصائمين أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك مما يُنتفع به مع بقاء عينه.

стр. 1124

كون الوقف على معين الشرط الثالث: أن يكون الوقف على معين يملك، إلا المسجد فإنه لا يملك، ولكن يصح الوقف عليه، ولكن لابد أن يوكل من يصلحه، فلو قال: وقفت هذا الدكان على هذا المسجد، فلابد من وكيل يؤجر الدكان، ويطلب الأجر، ويرمم المسجد، ويُصلح ما وهى منه، فيصلح أنواره، أو يدفع أجرة من يخدمه، أو ما أشبه ذلك. فالمسجد جماد لا يملك، ولكن لابد من إنسان يتولى إصلاحه والإشراف عليه، هذا في المسجد، وكذلك في المقبرة لابد أن يكون هناك وكيل يحفر فيها أو يُصلحها ويفتح الأبواب أو ما أشبه ذلك، فيكون هذا وقفاً على شيء لا يملك، ولكنه يستأجر له من يتولى أمره، وكذلك القناطر -التي هي الجسور التي يعبر بها من مكان إلى مكان- يصح الوقف عليها. أما غير المساجد فلا بد أن يكون على معين يملك، وذلك إما معين بالذات أو معين بالوصف، ولابد أن يكون ذلك المعين ممن يملك، فالمعين بالذات كأن يقول: هذا وقف على أولادي، فإن كثيراً من الناس يقول: هذا البيت وقف على أولادي أو على أولادي الإناث، تسكنه من هي محتاجة ولا يباع، فهذا معين ببناته، أو يقول: يسكنه من لا يملك سكناً من أولادي بدلاً من أن يستأجر، أو يقول: غلته وأجرته تُقسم على أولادي أو على ذوي الحاجة منهم، فمثل هذا أيضاً معين يملك. وأما غير المعين فيصح إذا عُين بالوصف، كأن يقول: وقف على المساكين، أو على الفقراء، أو على المجاهدين، أو يقول: غلة هذا العقار أو ثمرة هذا النخل على الصوام أو نحوهم، فهذا غير معين بالذات ولكنه معين بالوصف، وكذلك إذا قال: على ذوي الحاجة من أسرتي أو من القبيلة الفلانية، فكل هذا معين بالوصف، ولابد أن يمكنه أن ينتفع بهذه العين، ويشاهد انتفاعه بها، وأما الذي لا يشاهد فلا يجوز، إلا إذا وقفه مثلاً على تجهيز الأموات بأن يقول: أجرة هذه الدار أو الدكان في تجهيز الأموات، يُشترى به أكفان وحنوط وأجرة حفارين، فمثل هذا أيضاً يملك، وإن لم يكن ملكاً صحيحاً. فأما ما لا يملك فلا يجوز الوقف عليه، مثاله: هؤلاء القبوريون يوقفون على ذلك القبر، فصاحب القبر ميت لا يملك، فيقولون: وقف على السيد فلان، على سيدي فلان، على الرفاعي، أو على سيدي عبد القادر، أو على سيدي البدوي، وهي أوقاف طائلة توقف على هؤلاء الأموات، ويتلاعب بها الذين يتولونها. ثم يمثلون لمن لا يملك بما لو قال: وقف على المؤمنين من الجن؛ لأنهم لا يملكون كالبشر؛ ولو أنه خصص المؤمنين، أو قال: وقف على الملائكة، فالملائكة ليسوا من جنس البشر، ولا يملكون ملك المشاهدة، فلابد أن يكون الوقف على معين، وأن يكون ذلك المعين ممن يصح تملكه وانتفاعه.

стр. 1125

كون الواقف جائز التصرف الشرط الرابع: كون الواقف جائز التصرف، فلا يصح من محجور عليه، فلو كان الواقف سفيهاً أو محجوراً عليه، كالمفلس الفقير الذي كثرت الديون عليه، أو إذا كان صغيراً لم يبلُغ ولم يعرف الأمور، فمثل هذا لا يصح وقفه حتى يبلُغ ويعقل ويفك حجره وما أشبه ذلك.

стр. 1126

كون الوقف ناجزاً الشرط الخامس: أن يكون الوقف ناجزاً فلا يصح أن يكون وقفاً معلقاً ولا محدداً. والناجز هو الذي يخرجه من ملكيته في الحال، يقول: وقفت هذا الكتاب، فيخرجه من ملكيته حالاً، وكذلك إذا قال: وقفت هذه الدار، خرجت من ملكيته وقفاً ناجزاً. وغير الناجز هو المعلق، فلو قال مثلاً: إذا أغناني الله عن داري فهي وقف، فهذا وقف غير ناجز، فلا ينجز إلا إذا نجزه وقال: قد أخرجته من ملكي وأصبح وقفاً. وكذلك إذا قال مثلاً: إذا قضيت ديني أوقفت دكاني أو أوقفت هذه الأرض مسجداً، فهذا أيضاً وقف معلق، فلا يصح إلا إذا كان منجزاً. وكذلك أيضاً لو وقفه زمناً محدداً لم يصح، فلو قال مثلاً: وقفت هذا المكيف مدة الصيف، فلا يسمى وقفاً بل يسمى عارية؛ لأنه إذا انقضى الصيف أخذه، فلا يسمى وقفاً، فالوقف لابد أن يكون منجزاً تنقطع عنه علاقات الواقف، ويقصد بذلك الأجر عليه. فهذه خمسة شروط: الأول: كونه في عين معينة معلومة. والثاني: كونه على بر. والثالث: كونه على معين يملك. والرابع: كون الواقف نافذ التصرف. والخامس: كون الوقف ناجزاً.

стр. 1127

العمل بشرط الواقف إن وافق الشرع قال المصنف ﵀: (ويجب العمل بشرط الواقف إن وافق الشرع) : أي: يجب العمل بشرط الواقف، فإذا شرط فيه شروطاً موافقةً للشرع وجب العمل بها؛ لأنه هو المالك، أما إذا لم توافق الشرع فإنه لا يجوز العمل بها، فمثلاً لو قال: هذا المسجد وقفٌ على الصوفية لا يصلي فيه إلا المتصوفة، فغلاة الصوفية مشركون، فإذا استولينا عليه قلنا: هذا شرط باطل لا يُعمل به، وكذلك لو قال: غلة هذا العقار وقف على عمارة هذا القبر أو هذا المشهد، أو على خدمة الذين يعبدونه، ويعكفون عنده، فهذا شرط باطل لا يُعمل به، وكذلك لو قال: غلة هذا البيت يُشترى بها -مثلاً- آلات لهو، وطرب، وتسبل ويلعب بها في الحفلات وفي المهرجانات ونحوها، فلا يُعمل بهذا الشرط، ويعتبر شرطاً باطلاً. وإذا وافق الشرط الشرع عُمل به، فإذا عين فيه إماماً فقال: وقفت هذا المسجد وبنيته بشرط ألا يصلي به إلا فلان مدة حياته عُمل بشرطه، وإذا بنى مدرسة وسبلها، وقال: بشرط أن يدرّس فيها المذهب الحنبلي أو المذهب الشافعي، فإنه يُعمل بشرطه، أو سبل داراً وقال: تُصرف أجرتها في شراء كتب التوحيد، أو كتب العقائد، أو يشترى بها كتب الفقه الحنفي أو الشافعي عمل بشرطه؛ لأن له مقصداً في ذلك؛ ولأن هذا شرط لا يخالف الشرع. وكذلك لو شرط أن يتولاه فلان، ثم فلان، فإنهم يتولونه على ترتيبه الذي رتبه لهم. وكذلك إذا شرط أن ينفق على جهة معينة وقال: ينفقه فلان على القبيلة الفلانية، وغلّة هذا الوقف أو ثمرة هذا النخل تُنفق على قبيلة كذا أو للأسرة الفلانية، أو قال: أجرة هذه الدار لأولاد فلان ولم يحدد ولم يرتب، فإنه يستوي فيهم الذكر والأنثى، والغني والفقير، أي: يقسم بينهم على رءوسهم. أما إذا حدد وقال: يعطى الذكر سهمين، أو يُفضل الغني، أو القوي، أو العالم، أو المجاهد، أو الكريم، أو السخي، أو تختص بالفقراء، فخصص جهة، أو قال: تختص بالعزاب، أو لمساعدة المتزوجين؛ ففي هذه الحال يعمل بشرطه؛ لأنه شرط له فيه مقصد؛ ولأنه قد يكون قصده بذلك الأجر. وإذا رئي مثلاً أنه خالف ما هو الأفضل والأولى، فالأولى أن يُقترح عليه ما هو أصلح وما هو أولى، فيقال: أنت ذكرت أنه يسوى بين الغني والفقير، وهذا ليس فيه أجر، فإن الغني عنده ما يكفيه ويسد حاجته ولو كان من أولادك، فالأولى إذا كان وقفاً أن تصرفه عن الغني، وأن تجعله للفقراء أو ما أشبه ذلك. واشتهر عند بعض الفقهاء قاعدة وهي قولهم: شروط الواقف كشروط الشارع، ولكن هذا ليس بصحيح، لأن شروط الشارع جاءت عن المشرع الذي هو النبي ﷺ ، فهي مقدمة ويلزم العمل بها، وأما الواقف فهو بشر، فقد يشرط شرطاً يخالف مقتضى الشرع فلا يجوز العمل به، وقد ذكرنا لذلك أمثلة منها: إذا شرط أن يتولى وقفه فاسق فإنه لا يعمل به، ومن ذلك أن يعين في المسجد إماماً صوفياً أو قبورياً، وكذا إذا شرط أن يدفن في مسجده، كما إذا قال: إذا مت فادفنوني في مسجدي، فإن هذه شروط تخالف مقتضى الشرع فلا يعمل بها. وهكذا الشروط التي تكون على باطل أو على محرم؛ فلو شرط أن غلة هذا الوقف تعمر بها الكنائس، أو تُرفع بها القباب على القبور، أو يُطبع بها الإنجيل أو التوراة، أو كتب الإلحاد، فمثل هذا لا يصح العمل بشرطه؛ وذلك لأنه يخالف مقتضى الشرع. فلابد أن تكون شروط الواقف موافقة للشرع، فإذا شرط أن يتولى إمامة المسجد فلان وكان كفئاً، أو يؤذن فيه فلان وكان أهلاً لأن يتولى المأذنة، أو شرط أن وقفه ينظر فيه، ويتولى تأجيره وإصلاحه أحد أولاده، وكانوا مأمونين وموثوقين، فإن هذا شرط يوافق مقتضى الشرع فيعمل به. وكذلك مصرف الوقف: فإذا شرط أن يُصرف في المساكين، أو يصرف على المساجد، أو على القناطر، أو على المدارس الخيرية، كمدارس تحفيظ القرآن، أو على المجاهدين، أو على طبع الرسائل والكتيبات الإسلامية والأشرطة الدينية، فإن هذه شروط فيها مصلحة.

стр. 1128

ناظر الوقف أما بالنسبة للناظر على الوقف، فإذا قال الواقف: الوكيل على هذه الأوقاف فلان، والنظر له ينظر ما هو الأصلح، فعلى هذا الوكيل أن ينظر ما هو الأصلح، فيمكن في هذه السنة أن يتصدق به على الفقراء والمساكين، وفي السنة الثانية يصرفه على المجاهدين، وفي السنة الثالثة يُعمر به مساجد، وفي السنة الرابعة يطبع به كتباً أو أشرطة، فيكون النظر موقوفاً على اختيار ذلك الوكيل، ومن هنا فلابد أن يكون الناظر رشيداً عالماً. وذكر المصنف أنه إذا لم يُعين فالنظر للموقوف عليهم، فإذا قال: غلة هذا البيت وقف على أولاد زيد، أو أولاد عمرو، أو أولاد أخي، ولم يعين ناظراً، ففي هذه الحال يكون الناظر واحداً منهم هو الذي يؤجره ويصلحه إذا وهي ويرممه، ويقبض الأجرة، ويفرقها فيما يريد، ويعطي من هو الأحق. فالوكيل هنا هو أحد الموقوف عليهم، حيث يتفقون على رجل رشيد فيقولون: يا أخانا؛ أنت أفلحنا وأعدلنا، فنريد أن نجعلك وكيلاً على وقفنا؛ سواء كان الوقف عقاراً، كشقق أو دكاكين، أو كان بستاناً فيه نخيل وأعناب وتين ورمان وأشجار مثمرة، فهذا الوكيل يحفر الآبار، ويجري الأنهار، ويحاسب العمال، ويتفقد عملهم، ويوكل على التلقيح وعلى السقي، وعلى الحرث والزبر والحصاد وما أشبه ذلك. والوكيل يتعب، فيجوز أن يجعلوا له جُعلاً مقابل تعبه، كأن يقولوا: (١٠%) أو (٥%) من غلة هذا الوقف مقابل تعبك، ومقابل عملك وشغلك. ولو عجز الموقوف عليهم عن الإشراف على هذا الوقف وعمارته، أو عن حرثه وزبره وما أشبه ذلك، فاستأجروا أجيراً أجنبياً للأشراف عليه، وجعلوا له جُعلاً، فقالوا: لك من كل عشرة واحداً أو اثنان أو قالوا: لك (١٠%) أو (٢٠%) مقابل إشرافك وتعبك، فأنت تشتري المحروقات -مثلاً-، وتحاسب العمال، وتتفقد عملهم، وتوظفهم، أو تقوم بالسقي، وتصلح مجاري الماء، وتلقح، وتقطع الأغصان الرديئة، وأنت تصرم، وأنت وأنت، ففي هذه الحال يجوز أن يجعلوا له جُعلاً، ويجوز له أن يأخذه ولو لم يكن من أهل الوقف. وإذا كان الموقوف عليهم محصورين كأن يقول: هذا وقف على أولاد أخي، وهم خمسة، فيختارون واحداً منهم، أو يقومون كلهم بالإشراف والنظر. وكذلك إذا كان الموقوف منقولاً، فلابد أيضاً أن يكون عليه ناظر، فكثيراً ما يكتبون على الكتاب: هذا الكتاب وقف لله تعالى على طلبة العلم، والناظر عليه فلان ومن بعده فلان، فوظيفة هذا الناظر (الوكيل) أنه يحفظه من التلف، وإذا أعاره إنساناً توثق أنه سوف يرده إلى مكانه، وكذلك يحدد له مدة، فيقول مثلاً: أعرتك الكتاب عشرة أيام أو نحو ذلك، وعليه أن يحتاط. وكذلك لو كان الموقوف سيفاً أو سلاحاً يقاتل به، فلابد أن يكون عليه ناظر، وهذا الناظر يعطيه من هو من أهل النجدة والقتال به. وكذلك الأواني؛ إذا كان الموقوف قدراً أو صحناً أو فأساً فإنه يكون عليه وكيل، وهكذا سائر الموقوفات.

стр. 1129

النظر للحاكم إذا كان الموقوف عليهم غير معينين إذا لم يعين الواقف وكيلاً، وكان الموقوف عليهم غير معينين كالمساجد، كما إذا وقف على المسجد أو على مساجد البلاد، أو وقف على مطبعة تطبع كتب أهل الإسلام أو ما أشبه ذلك، أو أجهزة التسجيل التي تسجل العلوم الإسلامية، ولم يوكل النظر لأحد؛ ففي هذه الحال يكون النظر للحاكم قاضي البلد. قد يقولون: إن قاضي البلد لا يستطيع أن يُشرف على الأوقاف كلها لكثرتها، ولكن له أن يوكل، فيقول: أنت يا فلان وكيل على الوقف الفلاني الذي على المساجد، وأنت يا فلان وكيل على العقار الذي في المكان الفلاني الذي هو موقوف على طبع الكتب، وهكذا إذا كان الوقف على مسجد، أو على قنطرة، أو مدرسة خيرية، أو جهة خيرية كالجهاد وتجهيز الغزاة وما أشبه ذلك.

стр. 1130

حكما زيادة غلة الوقف عن مصرفه زيادة غير عادية قديماً كان الوقف منزلاً صغيراً، وكان يؤجر في السنة بمائة أو بثمانين، فيقول الواقف: وقفته في أضحية، ويسكت عما زاد؛ لأنه في ذلك الزمان لم تكن غلته إلا بقدر الأضحية، لكن في هذه الأزمنة قد يكون إيجاره عشرة آلاف، وقد تصل في بعضها إلى مائة ألف بعد أن كانت أربعين ريالاً، وذلك بسبب أن الأوقاف كانت محل رغبة، ثم نُزعت ملكيتها، ولما نُزعت قدر لها ثمن كثير، فاشتري بها في مكان آخر، ثم جاءها أيضاً تثمين فقدرت بملايين، فعُمر بها أيضاً، فكانت تُغل كل سنة ثلاثمائة ألف أو خمسمائة ألف، وليس فيها إلا أضحية. ففي هذه الحال إذا لم يذكر لها مصرفاً فإن الباقي يصرف في أعمال الخير، وما ذاك إلا لأن الواقف إنما قصد أن يبقى الأجر مستمراً عملاً بحديث: (صدقة جارية) ، فلما كانت كذلك رأى العلماء أن يصرف الباقي في مصارف الخير. كثير من الواقفين لا يعينون المصرف، بل يقولون: هذا البيت وقف في أعمال البر، ففي هذه الحال تتولاه وزارة الأوقاف، وفي كل دولة وزارة أوقاف، فهذه الوزارة تصرفه في وجوه الخير. أما إذا كان الواقف قد عين جهة، كما إذا حدد أن هذا البستان أو هذا المنزل وقف على أولاده، فإنه يقتصر عليهم. وهنا السؤال لماذا وقفته على أولادك، فأموالك كلها لأولادك يأخذونها بعد موتك، فلماذا جعلته لأولادك؟ الجواب يقول: إذا جعلته ملكاً مطلقاً يمكن أنهم يبيعوه، وإذا اقتسموه ربما أنهم يفسدونه وينفقونه بسرعة، أما إذا بقي فإنهم إن احتاجوا سكنوا، وإن لم يحتاجوا أجّروا، ويبقى مؤجراً ينتفعون به هم، ومن بعدهم أولادهم، فهذا مقصد كثير من الذين يوقفون البيوت والدكاكين على أولادهم، فيقولون: نخشى أن يبيعوه ويصرفوه ولا يبقى لهم شيء يغل. وهكذا إذا وقف البستان، فقد يوقف البستان ويجعل فيه أضحية أو حجة، أو يجعل فيه نخلة للصائمين، وقد كانوا قديماً يقولون: هذه النخلة وقف لإفطار الصائمين في هذا المسجد، فتبقى النخلة موقوفة، والبقية ملك، فلا يقدرون على أن يبيعوه؛ لأن فيه نخلة، وقد يكون فيه نخلات، ويوجد الآن بعض البساتين أوقف الجد الأبعد نخلة، ثم الجد الذي يليه نخلة، ثم الجد الذي دونه نخلة، وهكذا إلى أن وصلت إلى خمس أو عشر، ولا يقدرون على بيعه، فلأجل ذلك يقتصرون على استغلاله.

стр. 1131

تعطل الوقف لسوء تصرف الناظر ما حكم تعطّل الوقف؟ يوجد الآن كثير من المزارع التي كانت موقوفة، أو كانت فيها نخلة موقوفة أو فيها أضحية، ثم تعطلت بسبب غور المياه أو غلاء العمال أو غلاء المحروقات. والغالب أن الوكيل قديماً لم يحسن التصرف، فكانوا يأكلونها ولا يدخرون منها شيئاً للمستقبل، فيستغلون البيت ما دام عامراً، فإذا خرب وانهدم قالوا: ليس عندنا ما نعمره، أو يشتغلون بالماكينة ما دامت تشتغل، ويأكلون ما حصلوا عليه، فإذا خربت تركوها وقالوا: ليس عندنا ما يصلحها، وقد كان الأولى بهم أن يدخروا كل سنة شيئاً من الغلة، حتى إذا خربت كانوا قد جمعوا ما يصلحونها به أو ما يشترون به ماكينة أخرى، فلذلك يقولون: إن على الناظر مسئولية، فإن الواقف يريد أن يستمر أجره، وأنت أيها الناظر وكيل، فعليك ألا تستغل المصلحة ما دامت موجودة ثم تعطلها، بل مسئوليتك كبيرة، وهو أنك تنظر إلى هذه الغلة، وترصد شيئاً منها للمستقبل. حتى الدكاكين والشقق التي تؤجر، فالآن يقبضون أجرتها ثم يقتسمونها بسرعة، ثم في السنة الآتية أو التي بعدها تتعطل فلا تؤجر، ثم يقولون: ليس عندنا ما نضحي له به، أو ليس عندنا ما نحجج له به، فيقال: أين غلتها في الأزمنة الماضية؟ فيقولون: اقتسمناها! فيقال لهم: أخطأتم، وكان الأولى أنكم تحتفظون ببعضها، فربما تتعطل في سنة من السنوات فلا تؤجر أو ما أشبه ذلك، فالحاصل أن على الوكيل الناظر مسئولية.

стр. 1132

الوقف الخاص

стр. 1133

استواء الذكور والإناث في حالة الوقف على الأولاد قال المصنف ﵀: (وإن وقف على ولده أو ولد غيره فهو لذكر وأنثى بالسوية، ثم لولد بنيه) : كلمة الولد يدخل فيها الذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] فالأنثى تسمى ولداً؛ لأنها مولودة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] ، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] ، فيدخل الذكر والأنثى في كلمة ولد، فإذا قال: هذا الوقف -بستاناً كان أو دكاناً- وقف على ولدي، أو قال: وقف على ولد أخي، أو قال: على ولد ابن عمي فلان؛ فإنه يدخل فيه الذكور والإناث؛ لأنهم جميعاً من الولد. ثم اختلفوا هل يكون وقفاً يتوزعونه بالسوية، أو يُفضل بعضهم كالذكور؟ المشهور أنهم يستوون.

стр. 1134

الوقف على ولد الابن وحكم دخول أولاد البنات فيه قوله: (ثم بعدهم لولد بنيه) ، يعني: ذكوراً وإناثاً دون ولد البنات، فلا يدخل أولاد البنات؛ لأنهم يعتبرون أجانب، فلا يدخلون في قوله: على ولدي. ثم هاهنا أيضاً مسألة تُشكل كثيراً: يأتوننا أناس ويقولون: إن جدنا مات، وجعل الوقف على أولاده، وأبونا قد مات، وأعمامنا لم يعطونا نصيب آبائنا، فهل لأولاد بنيه نصيب في هذه الحال؟ بعض الواقفين ينص على ذلك، فيقول: من مات من أولادي فنصيبه لأولاده، وفي هذا حل للنزاع، وبعضهم يسكت ويقول: على أولادي، أو يقول: على أولادي ثم أولاد بني ثم أولادهم وإن نزلوا، فإذا مات واحد منهم قد يكون له أولاد فقراء وأيتام، فأعمامهم يستغلون هذا الوقف ويقولون: لا حق لكم؛ لأنكم من البطن الثاني ونحن من البطن الأول! ف الجواب الواقف ما أراد إلا الأجر، وهؤلاء من ولده، وهم أيتام وفقراء، ففي هذه الحال الراجح أن من مات من أولاده فسهمه لذريته. وإذا كان أولاده مثلاً عشرة، فالبنت إذا ماتت يرجع سهمها إلى الذكور، وليس لأولادها شيء؛ لأنهم أجانب، وأما الابن إذا مات فإن أولاده لهم حق، فلا يسقط حقه، فنرى في هذه الحال أنهم يعطون من غلة وقف جدهم. وعبارة الفقهاء: (ثم لولد بنيه) يقتضي أنهم لا يعطون البنين إلا إذا انقطع الأولاد، ومعنى هذا أنه إذا كان الوقف غلته مائة ألف، وأولاده عشرة ذكور وإناث، فماتت بنت فإن المائة الألف تقسم على التسعة الباقين، فإذا ماتت بنت أخرى، قسمت المائة ألف على الثمانية، وكذلك إذا مات ابن، بل إذا ماتوا كلهم إلا واحداً فتكون الغلة لهذا الواحد، ولو بقي عشرين سنة وهو يأكل هذه الغلة، وأولاد إخوته فقراء ويتامى لا يعطيهم شيئاً، هذا مقتضى كلام بعض الفقهاء، ولعل الصحيح أنهم أولى بالرحمة، لاسيما إذا مات آباؤهم وهم أطفال، فهم أولى بأن يعطوا أنصباء آبائهم. قال: (وعلى بنيه أو بني فلان، فللذكور فقط) أي: إذا قال: هذا وقف على بني، أو على بني أخي، أو على بني أختي؛ فإن كلمة (بنين) تختص بالذكور؛ لأنه إذا قيل: فلان له أولاد؟ قالوا: نعم، له أربعة بنين وخمس بنات، فقسم الأولاد إلى بنين وبنات، كما يقال الآن: مدارس بنين ومدارس بنات، أما كلمة أولاد فإنها تعم الذكور والإناث، فكلمة بنين تختص بالذكور، فإذا قال: هو وقف على بني، أو على بني أخي، أو على بني عمي؛ اختص بالذكور. وكانوا يخصون الذكور؛ لأن الإناث غالباً يستغنين بمهورهن وبنفقة أزواجهن، فالمرأة لا تحتاج غالباً إلى المال؛ لأنه ينفق عليها زوجها، وأما الأبناء الذكور فإنهم بحاجة إلى دفعه في مهور، وإلى دفعه في نفقة على الأولاد، أو نفقة على الزوجات، أو على الخدم، أو ما أشبه ذلك، فقد يجوز أن يخص به الذكور، سيما إذا زوّج البنات في حياته، وعرف أنهن استغنين، فيقول: غلة هذا الدكان على بني أو ما أشبه ذلك، فيختص بالذكور فقط.

стр. 1135

توزيع الوقف على الأولاد والأبناء والقبائل ونحو ذلك قال المصنف ﵀: (وإن كانوا قبيلة دخل النساء دون أولادهن من غيرهم) أي: إذا وقف على قبيلة، والقبيلة كما إذا قيل مثلاً: بنو تميم، بنو أسد، بنو خزيمة، بنو يربوع، بنو دارم، بنو حنظلة، بنو جهينة، وما أشبهه؛ فهذه قبائل، فإذا وقف على قبيلة دخل فيهم الذكور والإناث إلا أولاد الإناث من غيرهم؛ وذلك لأنهم لا ينتسبون إليهم، بل ينتسبون إلى قبائلهم، فمثلاً: امرأة من بني سليم زوجها من غطفان فيقال: أولادها من غطفان لا من سليم، فإذا وقف على بني سليم دخل الإناث دون أولادهن من غيرهم.

стр. 1136

حكم الواقف على قرابته أو أهل بيته أو قومه ثم ذكر المصنف بعد ذلك أنه إذا وقف على قرابته فقال: على قرابتي، أو: على أهل بيتي، أو: على قومي، أو: على أنسابي -النسب والنسيب هو القريب- ففي هذه الحال يدخل الذكر والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، يعني: أربعة بطون، ودليل ذلك الأخذ بأولي القربى في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] ، وما كان لذي القربى صرفه النبي ﷺ لأقاربه، فأدخل فيه ذريته كـ فاطمة وبنيها، ولم يكن لأبيه ذرية غيره، وذرية جده عبد المطلب وهم أعمامه، وذرية جد أبيه وهو هاشم، فأدخل هؤلاء الأربعة، فهكذا كلمة القرابة والقوم والنسباء وأهل البيت يدخل فيهم أربعة بطون. وكلمة أهل البيت يراد بها الأقارب في الأصل، كما في قول الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣] أي: أقارب إبراهيم وذريته ونحوهم، إلا من خالف في الدين فلا يدخلون في أهل البيت ولا في القرابة. وكذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، فأهل بيت النبي ﷺ فسروا بأنهم أقاربه الذين حرمت عليهم الزكاة في حديث زيد بن أرقم، عندما ذكر أن النبي ﷺ جمعهم في غدير خم فقال: (أذكركم الله في أهل بيتي، فقيل له: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته هم أقاربه الذين حرمت عليهم الزكاة بعده، ثم عد آل العباس وآل جعفر وآل عقيل وآل علي) يعني: من أولاده وأولاد أبيه وجده الذين هم بنو هاشم، فأخبر النبي ﷺ أن سهم ذوي القربى لهم، وأنهم استغنوا به عن الزكاة بقوله: (لا تحل الزكاة لبني هاشم، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم عن الزكاة) فدلنا هذا على أن أقارب الرجل وأنسابه هم أهل بيته وأقاربه إلى الجد الرابع.

стр. 1137

حكم الواقف على ذوي رحمه أو أصهاره قد يقف الرجل على ذوي أرحامه، وكلمة الرحم يدخل فيها أقارب الأم وأقارب البنات؛ لأن لهم رحماً، فبنات أولاده وبنات بناته، وكذلك أخواله وخالاته وعماته، وبنات الأعمام وبنات الأخوال ونحوهم، هؤلاء من ذوي الأرحام؛ لأنهم يدخلون في الرحم كما في قوله ﵇: (إن لهم رحماً سأبلها ببلالها) ، فدخل في ذلك أقاربه من جهة أبيه ومن جهة أمه إذا وقف على ذوي أرحامه. وإن وقف على أصهاره فالأصهار هم أقارب زوجته، وهم أبو الزوجة وأخوتها وأعمامها ونحوهم، فهؤلاء يسمون الأصهار، ولا يدخلون في الأنساب؛ لأن نسب الرجل أقاربه من جهة أبيه، وأما أقارب زوجته فهم الأصهار، وقد قسم الله تعالى القرابة إلى قسمين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان:٥٤] فأنسابك هم أعمامك وأولاد عمك وأبناء إخوتك وأبناء أعمام أبيك وأبناؤهم، وأصهارك هم أبو زوجتك وإخوتها وأعمامها وأولاد أعمامها. فإذا وقف على أصهاره اختص بأقارب الزوجة، وإذا وقف على أنسابه أو على أقاربه اختص بأقاربه من الأب، وإذا وقف على أرحامه عمّ جميع أقاربه من الأب والأم.

стр. 1138

حكم الوقف على جماعة قال المصنف ﵀: (وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم) أي: إذا وقف على جماعة؛ فإذا كان يمكن حصرهم فلابد من حصرهم، كما لو وقف على من في هذه القرية من بني هاشم أو من بني عبد المطلب أو من بني علي، أي: من أقارب النبي ﷺ ، وهم محصورون بأولاد فلان وأولاد فلان وأولادهم، فيجب حصرهم والتسوية بينهم، فيفرق الوقف على الذكر والأنثى منهم، ويسوى بينهم. أما إذا كثروا ولم يمكن حصرهم ففي هذه الحال يجوز التخصيص والتفضيل، ويجوز الاقتصار على واحد أو على جماعة؛ وذلك لأنه لا يمكن حصرهم، ففي هذه الأزمنة لا يمكن حصر الذين ينتسبون إلى الحسن والحسين، فأهل البيت لا يمكن حصرهم؛ لأنهم يوجدون في كل دولة، فملوك الأردن وملوك المغرب يدّعون ذلك، وكذلك يوجد منهم في المملكة قبائل كثيرون، فمن وقف مثلاً على الأشراف لم يمكن حصرهم، فيجوز أن يُقتصر على بعضهم، ويجوز أن يفضل هذا على هذا، والأولى في هذه الحال أن يُقتصر على ذوي الاستحقاق من الغارمين والعاجزين ومن يلحق بهم. مسائل الوقف متعددة قد أطال العلماء فيها، ولكن المؤلف هنا اقتصر على أهمها، ومن أراد التوسع فيها فقد أُلّف فيها مؤلفات، وذلك لكثرة الخلاف الذي يقع فيها. يوجد الآن أوقاف يمكن أن لها ألف عام أو أكثر وهي تصرف في مصارفها، وهناك أوقاف في الهند وفي المغرب وفي كثير من البلاد موقوفة على الكعبة، أو على المسجد الحرام، وقد استغنى عنها المسجد الحرام، بسبب أن الدولة خدمته وأقامت ما حوله ووسعته، كذلك أيضاً تشاهد الأوقاف التي في مكة مثل عمائر الأشراف، فهذه أوقاف على توسعة الحرم أو على خدمته أو على عمارته أو إنارته أو ما أشبه ذلك، يُصرف منه في وجوه ما يحتاجه شيء يسير والبقية يأخذها أولئك الذين يدعون أنهم من الأشراف، وأنهم وكلاء على ذلك، يصرفونها بما يرونه. وبكل حال فالوقف من أفضل الأعمال لما ذُكر في الحديث: (صدقة جارية) ، وذكروا أن الصحابة ما منهم من أحد إلا وحبس عقاراً، وأن تلك الأحباس بقيت مدة طويلة لمكة، وأن الذين كانوا يتولونها استولوا عليها فيما بعد، وقد نزعت ملكية كثير منها، وعمر بها هذه العمارات التي في مكة، التي على عشرة أدوار أو خمسة عشر، والغالب أنها من تلك الأوقاف التي كانت قرب مكة، ولما نزعت ملكيتها عمر بها في أماكن، وأهلها الذين وقفت عليهم يستغلونها. ومن الأوقاف أيضاً الأرض التي فتحت عنوة في عهد عمر ﵁، وهي أرض الشام ومصر والعراق، فإنها عندما فتحت رأى عمر ﵁ وقفها، وعدم بيعها وعدم قسمتها، وجعلها وقفاً لبيت المال، يُضرب عليها خراج مستمر يؤخذ ممن هي في يده، فإذا كان الذي يزرعها أو يحرثها ذمياً دفع ما يسمى بالعُشر خراجاً، ويسمى الديوان، وكذلك إذا كان الذي يزرعها مسلماً فإنه يُخرج الزكاة ويُخرج أيضاً الأجرة التي هي الخراج، فيؤخذ منه الخمس، إذا كانت تسقى بغير مئونة أخرج العشر لأنه زكاة، والعشر الثاني كأجرة لها، ومع ذلك فإنها في هذه الأزمنة اقتطعت وقسمت وبيعت، ولم تبق على ما كانت عليه.

стр. 1139

شرح أخصر المختصرات [٤٦] مما يهم المسلم معرفته أحكام الهدية؛ إذ هي مما يتعامل بها الناس فيما بينهم، وكثير منهم لا يفرق بين الهدية والصدقة والعطية، ولا يميز أحكام هبة الثواب عن هبة التبرع، ولا يعرف ما يجب مراعاته من شروط لجواز أخذ الوالد من مال ولده، ولا متى يجب على الأب التسوية بين أبنائه ومتى لا يجب، وهذه أمور قد بينها الفقهاء، فعلى المسلم أن يعلمها ليسلم من مخالفة الشرع.

стр. 1140

تعريف الهبة وأحكامها قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: والهبة مستحبة، وتصح هبة مصحف, وكل ما يصح بيعه, وتنعقد بما يدل عليها عرفاً، وتلزم بقبض بإذن واهب، ومن أبرأ غريمه من دينه برئ ولو لم يقبل، ويجب تعديل في عطية وارث بأن يُعطي كلاًّ بقدر إرثه, فإن فضل سوى برجوع, وإن مات قبله ثبت تفضيله، ويحرم على واهب أن يرجع في هبته بعد قبض، وكره قبله. وله أن يتملك بقبض مع قول أو نية من مال ولده غير سرية ما شاء ما لم يضره, أو ليعطيه لولد آخر، أو يكن بمرض موت أحدهما، أو يكن كافراً والابن مسلماً] . الهبة مستحبة، وهي مشتقة من هبوب الريح، يقال: هبت الريح؛ وذلك لأن الريح خفيفة وهبوبها خفيف، ثم سميت الهبة بذلك لخفتها على مال الواهب. ويعرِّفون الهبة بأنها: تمليك عين بلا عوض، وتسمى هبة التبرع أو التبرر، فإن صرف لها عوضاً سميت هبة الثواب؛ لأنه يطلب لها أجراً. فإذا قال: وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني منه ثوباً أو كيساً، فإن هذه هبة ثواب، فهي من أنواع البيع، لها أحكام البيع، وشروط البيع: بأن يكون الواهب يملك ما وهب، وأن يكون مكلفاً، وأن تكون الهبة مالية، وأن يكون مقدوراً على تسليمها، وأن تكون معلومة إلى آخر شروط البيع. فهذه هبة الثواب، وأما هبة التبرر وهو الذي لا يريد عليها عوضاً، وإنما يقصد بذلك التودد إلى الذي يهب له، ويقصد أن تحصل بينهما المودة والمحبة وصفاء القلوب، كما ورد في الحديث: (تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة) ، والسخيمة هي الضغائن التي في القلوب، والأحقاد والبغضاء، والغالب أنك إذا أهديته شيئاً يفرح به، فإنه يعرف بذلك صداقتك، وإذا كان يكن لك شيئاً من الحقد فإنه يرجع إلى المودة فيحبك ويُقدرك، فهذا السبب في الحث على الهبة. فالهبة هي التبرع بالمال بدون عوض في الحياة، وهي مستحبة، ودليل ذلك قوله ﷺ : (تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة) ، أي: تذهب وحر الصدر كما في رواية: (تسل السخيمة وتذهب وحر الصدر) ، أي: تزيل ما في الصدر من البغضاء بين الاثنين، وما بينهما ومن الأحقاد والضغائن، فإذا أهدى إليه عرف أنه يُحبه وأنه يود له الخير، فعند ذلك تثبت المودة. وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويُثيب عليها، وكان يأكل من الهدية ولا يأكل من الصدقات والزكوات ونحوها، ويقول: (إنها لا تحل لآل محمد) ، أما الهدية فإنه كان يقبلها ويثيب عليها.

стр. 1141

ما تجوز هبته تصح الهدية ولو بشيء يسير، إذا أهديت لصاحبك شيئاً يسيراً ككتاب مثلاً أو فاكهة أو كسوة أو أي شيء مما يطعم أو يفرح به أو يُستعمل، ولو شيئاً يسيراً كقلم أو قرطاس أو دفتر، فإن ذلك مما يحسن استعماله بين الإخوة، فلذلك ذكروا باب الهدية. وهل تصح هبة المصاحف؟ عندهم أن المصحف لا يباع ولكن يهدى، والصحيح أنه يجوز بيعه، وإذا كان له ثمن فإنه يصح بيعه وتصح هديته، ويصح إهداء كل ما يُنتفع به وإن لم يكن مما يباع، ككلب صيد أو جلد ميتة بعد الدبغ، وغيرها من الأشياء التي فيها منفعة إذا باعها، فإذا أهداها فإن ذلك مما يحصل به المحبة والمودة بين الإخوة.

стр. 1142

صيغة الهبة هل للهبة صيغة؟ تصح بكل قول أو فعل يدل عليها، فإذا أهدى إليك مثلاً ثوباً أو ساعة وقال: خذ هذا، أو هذا تبرع مني، أو أهديتك، أو وهبتك أو ما أشبه ذلك، كان ذلك جائزاً. وكذلك لو أشار إشارة عندما مد إليك كتاباً، وفهمت من إشارته أنه هدية بدون عوض، فإنك تقبله ويصير هدية، فتصح بكل قول وبكل فعل يدل عليها. فالقول مثل: وهبتك، أهديتك، أعطيتُك، خذ مني هذا، تبرعت لك بهذا، وما أشبه ذلك. والفعل هو: أن يمده بيده، أو يُشير إليك لتأخذه، فإذا وضعه على طاولة أو على الأرض وأشار إليك، وفهمت من إشارته أنه تبرع؛ صدق عليه أنه هدية وهبة.

стр. 1143

متى تلزم الهبة متى تلزم الهبة؟ تلزم بقبضها، فإذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب أصبحت لازمة، وقبل ذلك يصح أن يرجع فيها، فلو أنه مدّ يده إليك بالكتاب ولكن ما قبضته، فوضعه على السرير ولم تقبضه أنت، ففي هذه الحال يجوز أن يرجع فيها، ولا تكون لازمة. فأما إذا قال: خذ هذا الكتاب، وضعه على سريرك أو على طاولة، فأخذته بعد أن قال لك: خذ، ففي هذه الحالة يصير لازماً، ولا يصح الرجوع فيه بعد قبضه. أما إذا وضعه على السرير أو على الأرض ولم يقل: خذه، فأخذه صاحب السرير أو صاحب المنزل؛ فمثل هذا لا يصير هبة ولا يلزم، ولصاحبه أن يقول: أنا ما وهبتك، أنا ما أهديتك، بل نسختي بيدي ولا أستغني عنها، فله أن يرجع فيها، لأنه لا تلزم الهبة إلا بهذين الشرطين: حصول القبض الذي هو أخذ المتهب. وإذن الواهب، وذلك إذا قال: خذه، فتصير لازمة.

стр. 1144

إبراء الدين إسقاط لا يفتقر إلى قبول قال المصنف ﵀: (ومن أبرأ غريمه من دينه برئ ولو لم يقبل) ؛ لأن الإبراء إسقاط، وإذا أسقطه صار لازماً، فإذا قال للغريم: عندك لي مائة أو ألف، وأنا قد أبرأتك وأسقطته عنك، برئ الغريم، ولو لم يقل: أنا قابل، أو قال: لا أرضى أو لا أريدها وأنا في غنى، ولست بحاجة إلى أن تسامحني. فيكون قد برئ بمجرد ما يقول: أبرأتك أو أسقطت الدين الذي عليك، أو وهبتك الدين الذي في ذمتك ولو لم يقل المدين: قد قبلت، وكذلك لو قال: لا أريد أن تُسقطه عني، أو قال: لا أُحب منتك، ولا أريد أن يكون لأحد عليّ فضل أو مِنّة، ففي هذه الحال الواهب قد أبرأه وأعطاه وأسقطه، والمتهب أو المدين له أن يرده ويقول: أنا لم أقبضه، أنا لا أريده، أنا لا أسمح ولا أريد أن أقبل منك ولا من غيرك شيئاً.

стр. 1145

الفرق بين العطية والهبة والصدقة في هذا الباب جمعوا الهبة والعطية، وفي آخره ذكروا الوصية، والوصية تأتينا في الفصل الذي بعده إن شاء الله. العطية معناها قريبٌ من الهبة ومن الهدية، ولكنها أعم، فيدخل في ذلك عطية الوالد لأولاده أو من دونه أو من فوقه، وكأن الهبة والهدية أخص، فإذا كان عندنا مثلاً أمير من الأمراء أو ثري أو رئيس قبيلة، وعندنا إنسان فقير مسكين، فالأمير أو الرئيس إذا سلّم هذا الفقير كسوة أو كيساً، فهل تسمى هذه هدية؟ هذه تسمى صدقة منه عليه؛ لأنه لا يُريد الأجر منه، وإنما يريد الأجر من الله، أما الفقير إذا جاء مثلاً بطيب طيب الرائحة وأعطاه للأمير، فهذه تسمى هدية وهبة، فالعطية من النازل للعالي تسمى هدية، ومن العالي لمن تحته تسمى صدقة، وأما من إنسان لمن هو مثله فتسمى عطية، وقد تسمى أيضاً هدية. والغالب أن الفقير إذا أهدى للأمير فإنه والحال هذه يريد أكثر منها، فهو يقول: أنا أهديت للأمير هذه الفاكهة العجيبة، أو هذه الأطياب وما أشبهها؛ لأنني أريد أن يثيبني ويعطيني أكثر مما أعطيته، والعادة أن الأمير الذي أهدي له يثيب هذا الفقير، فيعطيه ثمنها مرتين أو أكثر أياً كانت تلك الهدية ولو كانت متوافرة، ولو أهدى إليه مثلاً فاكهة كعنب أو رطب مع أنها قد تكون موجودة عند الأمير أكثر، ولكنه أراد بذلك الثواب. فإذا شُرط فيها الثواب فإنها تسمى هبة ثواب، وفي هذه الحال يكون لها حكم البيع، فيصح أن يرجع فيها فيقول: أنا أعطيتك أو وهبتك هذا الكيس ولم تهدني ولم تهبني فأنا أحق به، وقد ورد في ذلك حديث: (الرجل أحق بعطيته ما لم يثب عليها) أي: ما دامت موجودة وقد عُرف بأنه قصد أجر الثواب والعوض، فله في هذه الحال أن يرجع فيها؛ لأنها شبه بيع، والبيع لابد له من عوض، ولذلك قالوا: تصح الشفعة فيها إذا حدد الثمن، فإذا كان لك قطعة أرض إلى جنب أحد جيرانك، فأهديتها إلى أمير مثلاً وقلت: أريد ثوابها مثلاً مائة ألف، ففي هذه الحال للجار الذي إلى جانبك أن يقول: أنا لي شفعة فيها، وأدفع مائة ألف فتكون الأرض كلها لي، فهبة الثواب بمنزلة البيع، وكذلك له أن يرجع فيها كما عرفنا؛ لأن الرجل أحق بهديته ما لم يثب عليها، أي: إذا كان قد شرط ثواباً ولم يحصل له.

стр. 1146

التسوية بين الأولاد في العطية ثم العطية كأنها بين المتقاربين في الحال، أي: إذا سلمت لأخيك شيئاً أو لجارك فإنها تسمى عطية، وكذلك هبتك لمن تحتك إذا لم تقصد الأجر تسمى عطية، ومن ذلك عطية الوالد لأولاده تُسمى عطية، فعطيتك لأخيك عطية، ولزميلك وصديقك عطية، ولولدك عطية، وأما للفقير الذي هو أنزل منك فإنها تسمى صدقة، وأما للأمير الذي فوقك فهذه تسمى هدية وهبة، والغالب أنك تأمل أكثر من ثمنها. ذكر المصنف ﵀ بعد ذلك عطية الوالد لأولاده، وأنه إذا أعطى أولاده عطية بدون سبب فإنه يلزمه التسوية والعدل، وقد جاء في ذلك حديث النعمان بن بشير، وهو أن والده بشير بن سعد أعطاه ونحله غلاماً، فقالت أمه: (أحب أن تُشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، فجاء ليشهده، فقال: أكُلَّ ولدك نحلته مثله، قال: لا، فقال: فأرجعه) ، وفي رواية أنه قال: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فلا إذن، وقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، وفي رواية أنه حينما قال: (أشهدك على هذا، قال: لا أشهد على جور) ، وكل هذه الألفاظ في الصحيحين أو أحدهما. وقوله: (اعدلوا بين أولادكم) العدل هو: التسوية، واختلف في مفهوم هذه الكلمة، فبعضهم قال: يسوي بين الذكر والأنثى؛ لأن قوله: (اعدلوا بين أولادكم) معناها: سووا بينهم، فيعطي الذكر كالأنثى، وقيل: إن العدل هو أن يقسم لهم على ما في الميراث، للذكر سهمان وللأنثى سهم؛ وذلك لأن كتاب الله تعالى هكذا فرض لهم، ولاشك أن القرآن هو أعدل ما يقال: إنه عدل، وهذا هو الصحيح، وهو أنه يسوي بينهم بقدر ميراثهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] . وإذا قدِّر أنه فضل بعضهم وزاده، ففي هذه الحال يلزمه التسوية، فيسترد ما أعطى ذلك الذي أعطى، لقصة النعمان فإنه رد تلك الهبة، فعُلم بذلك أنها لا تلزم ولو قبضها ذلك الابن، وأنه يلزمه التسوية، فإن قدر على أن يعطي الآخرين مثل هذا الذي أعطاه فإنه يلزمه أحد أمرين: إما أن يُعطي الآخرين حتى يستووا أو يسترد ما أخذه من ذلك الذي فضله.

стр. 1147

حكم موت الأب قبل أن يسوي بين أولاده في العطية لو قدِّر أن الأب مات قبل أن يسوي بين أولاده، ففي هذه الحال هل تثبت؟ ذكروا أنها تثبت، وأن الورثة ليس لهم مطالبة أخيهم، وهذا هو الذي عليه الفتوى. وذهب آخرون إلى أن للورثة مطالبة أخيهم فيقولون: أبونا فضلك وأعطاك شيئاً زائداً علينا بغير سبب، فنحن لا نرضى، ويلزمك أن تأتي بما أعطاك وتضعه في التركة، ونقتسمه بالسوية، وهذا قول لبعض العلماء، وله وجاهته حتى لا يلحق الأب إثم؛ لأن النبي ﷺ سماه جوراً فقال: (لا أشهد على جور) ، فإذا أرادوا إبراء ذمة أبيهم فإنه يلزمهم التسوية، فيرد الذي فضل على إخوته ما كان أخذه.

стр. 1148

حالة جواز التفضيل بين الأولاد في هذه المسألة شيء من التفصيل، فنقول: إنه قد يجوز التفضيل لبعض الأسباب أو بعض المناسبات، فمن ذلك تزويج من بلغ منهم؛ لأن التزويج كالنفقة، فإذا بلغ واحد وزوجه، ثم بلغ الثاني وزوجه، فلا يلزمه أن يعطي الأصاغر مثل ذلك الكبير الذي زوجه، ولو كانت أمهم مثلاً مطلقة وهم تحت كفالتها فلا تقول: أنت أعطيت ولدك هذا خمسين ألفاً في زواجه، فأعط أولادي كل واحد منهم خمسين ألفاً، وعليه أن يقول: من بلغ منهم فإني أزوجه، وأما قبل البلوغ فلا يلزمني. فلو مات قبل أن يزوّج بعضهم فليس لهم أن يأخذوا من التركة مقابل زواجهم، بل يقتسمون التركة ويتزوجون إن شاءوا من أنصبائهم. ومن ذلك في هذه الأزمنة إذا بلغ أحدهم من الذكور مثلاً ثماني عشرة سنة احتاج إلى سيارة يتنقل عليها، وقد يكون له إخوة صغار، فيشتري له أبوه سيارة للدراسة وللتنقل، فهل يلزمه أن يُعطي الصغار مثل قيمة هذه السيارة، وتقول أُمهم: أعطيت ولدك الكبير سيارة بخمسين ألفاً مثلاً، فأولادي هؤلاء عليك أن تعطيهم قيمتها إذا بلغوا ليشتروا مثلها؛ لأنك إذا لم تفعل فقد فضلت بعضهم؟ لا يلزمه ذلك، وما ذاك إلا أن هذه السيارة للحاجة، فمتى بلغ الصغير اشترى له مثلها، وقبل البلوغ ليس بحاجة إليها فهي كالزواج. وهكذا مثلاً إذا كان له بنات، واشترى لكل واحدة منهن حلياً بعشرة آلاف، فهل يعطي الذكور مثلها؟ لا يلزمه؛ لأن هذا من تمام الزينة، فلا يلزمه أن يعطي الذكور مثل ذلك. وعندنا مثلاً الكسوة تتفاوت، فهو يشتري كسوة أولاده الذكور، فالذكر قد يكفيه كل شهرين أو كل أربعة أشهر خمسون ريالاً كسوة، وأما الأنثى فإن كسوتها قد تكون بمائتين، فلا يلزمه إذا اشترى كسوة أنثى بمائتين أن يُعطي الذكر تمام المائتين؛ لأن هذه كسوتها، وهذه كسوته، وقد أعطى كلاً منهم كسوته وسد حاجته، فهذا التفاوت لا يلزم التسوية فيه. وبعضهم إذا زوج بناته قد يجهز بعضهن مثلاً بأربعين ألفاً زيادة على المهر، وبعضهن لا يجهزها كذلك، ويكتفي بمهرها، فهل يلزمه لهذه التي ما أعطاها شيئاً أن يُعطيها مثل ما جهز به أختها؟ لا يلزمه ذلك؛ لأن هذا التجهيز تستحقه تلك، فيشتري لها كسوة ويشتري لها حلياً أو أواني، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان الصداق الذي دفع لها قليلاً زاده من عنده، فلا يلزمه أن يُعطي أخواتها مثل هذه الزيادة، سواء قبل الزواج أو وقت الزواج. كذلك ذكروا أنه يجوز التفضيل أيضاً لأسباب؛ منها: إذا كان أحدهم معوقاً فله أن يزيده وأن يتبرع له، كالمريض أو الضرير أو ما أشبه ذلك؛ لأنه بحاجة إلى الزيادة. وكذلك لو أن أحدهم تفرغ لطلب العلم، والآخر اشتغل بطلب الدنيا، فهذا الذي اشتغل بطلب الدنيا حصل على مال واشترى له سكناً وأثث سكنه، وطالب العلم منشغل بالطلب وبالتعلم فيستحق أن يساعده في السكن، ويستحق أيضاً أن يساعده في الزواج أو في تأثيث السكن، ويقول لإخوته: أنتم استغنيتم، وأنا مطالب بمن لم يستغن، فكما أنكم استغنيتم، وانفرد كل واحد منكم في مسكن، وصار ينفق على نفسه، وأنا أنفق على إخوتكم الأطفال، ولا يلزمني أن أُعطيكم مثلهم؛ فكذلك أيضاً لا يلزمني أن أعطيكم مثل هذا الذي تفرغ للتعلم وانقطع للفقه في الدين، فليس يلزمه أن يُعطي إخوته مثل ما أعطاه. وقد يقول: اشتغل بطلب العلم وأنا أشتري لك سيارة، وأنا أزوجك، وأنا أُسكنك، وأنا أُنفق عليك، فيقول: أنا لا أريد التعلم ولكني أشتغل لنفسي، فيقول: إذا اشتغلت لنفسك واستغنيت فلا يلزمني لك أكثر من حاجتك، فإذا أغنيت نفسك فلا نعطيك شيئاً، بل نعطي أخاك الذي تفرغ. كذلك أيضاً يقع أن بعض الأولاد ينقطع على والده والآخر ينفصل، فهذا الذي انقطع عند والده يستحق أن يكافئه، كثير منهم يقول: أنا أشتغل مع والدي في تجارته، أشتغل معه في سقي حرثه، أساعده في حرفته أياً كانت، كما إذا كان خياطاً أو قصاراً أو خرازاً أو غسالاً أو نحو ذلك، فأحد أولاده انفرد بصنعة، والآخر اشتغل مع والده؛ فهذا الذي اشتغل مع والده يستحق أن يعطيه مقابل اشتغاله سكناً ويزوجه ويعطيه سيارة. ثم أيضاً قد يشتغل بعضهم مع أبيه أربعين سنة في تجارته، والأخ الثاني موظف مستقل بوظيفته، فيجوز للأب أن يُشرك الولد ويقول: هذا الولد الذي اشتغل معي عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاماً، أجعله شريكاً، فأجعل تجارتي بيني وبينه نصفين. أو يقول: إنه اشتغل معي في سقي الحرث، وفي إصلاح المضخات، وفي حفر الآبار، وفي الحرث والسقي والزرع والغرس وإصلاح المجاري للماء وما أشبه ذلك، فنقول: لاشك أنه تعب معك عشر سنين أو عشرين سنة، فإما أن تجعل له مرتباً كما لو كان أجنبياً، وإما أن تُشركه في هذا الحرث. وهكذا في البوادي بعض أولادهم يتعلقون بالوظائف، وبعضهم يبقى عند ماشية أبيه يرعى ويسقي، ويحفظ إبلاً وغنماً، فينقطع على حفظ ماشية أبيه، فهل يساوى بإخوته الآخرين عند الميراث؟ إخوته توظفوا، وكل منهم يجمع مرتبه، ويشتري لنفسه مسكناً وأثاثاً، وأصبح عنده رأس مال، وعنده ذخيرة، وهذا انشغل مع أبيه في رعي غنمه وإبله، وفي سقيها وحفظها وإصلاحها ومراعاتها، وخدمة أبويه؛ فيستحق والحال هذه أن يجعل له نصيباً من هذه الأغنام أو الإبل، ويقول لإخوته: أنتم استغنيتم عن أبيكم، وهذا خدم أباه وقام بخدمته وحفظ حلاله وحفظ أمواله، ففي هذه الحالة يجوز التفضيل.

стр. 1149

حكم الرجوع في الهبة قال المصنف ﵀: (ويحرم على واهب أن يرجع في هبته بعد قبض، وكره قبله إلا لأب) . ذكر أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض بإذن الواهب، فإذا قبضها الموهوب له بعد أن يأذن له الواهب ويقول: اقبض هذه الهدية أو هذه الهبة خذها فهي لك، فقبضها، فهل لصاحبها أن يرجع فيها إذا كانت هبة تبرر وليست هبة ثواب؟ لا يجوز، وقد اشتهر في الحديث المشهور قوله ﷺ : (العائد في هبته كالعائد في قيئه) ، وقال: (ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) ، أي: هذا مثل سيء مطابق: فالكلب إذا وجد مثلاً جيفة وأكل منها أكثر من حاجته، وخاف أن يضره، فإنه يتقيأ، فيقيء نصف ما أكل، وبعد خمس ساعات أو ثلاث ساعات يأتي إلى قيئه ولو كان منتناً كريه الرائحة فيأكل قيئه، يقول قتادة: (ولا أعلم القيء إلا حراماً) . فالإنسان إذا أكل لحماً أو خبزاً أو نحو ذلك، وبعد أن استقر في بطنه تقيأه، فهل نفسه تطمئن إلى أن يعود فيأكل ذلك القيء؟ لا شك أنه مستقذر طبعاً، فيقول قتادة: (ولا أعلم القيء إلا حراماً) ، أي: فإذا كان كذلك عُرف أنه لا يجوز الرجوع في الهبة بعد أن يستلمها المتهب ولو كانوا في المجلس ولو قبل التفرق؛ فإنه مثل الكلب. حتى ولو كانت كثيرة، ولو وهبك بيتاً وأعطاك مفاتيحه، أو وهبك أرضاً وأعطاك وثائقها، وبعدما أعطاك وتمت الهبة وتم التقبل والقبض قال: رُد عليّ بيتي، أو أرضي، أو ناقتي، أو سيارتي، فتقول له: ألست قد وهبتها لي؟ ألست قد أهديتها لي؟ فإذا قال: أنا أحق بها؛ ف الجواب أن ذلك لا يحل لك، إلا إذا كان قد اشترط أجراً وهي هبة الثواب كما تقدم، ففي هذه الحال يجوز أن يرجع في هبته إذا كان قد اشترط لها عوضاً، ويسمى المردود، أي: ما يرده المتهب على الواهب. وأما قبل القبض فإنه مكروه، فلو أعطاك أو وهبك كتاباً فوضعه على الطاولة، وقبل أن تقبضه وتستلمه أراد الرجوع، فهذا مكروه رجوعه ولو كان جائزاً، أي: أنه يجوز ولكن مع الكراهة. ويستثنى الأب فيما يهب لأولاده؛ وذلك لأن الوالد يملك ما بيد الأبناء، فله إذا وهبهم أن يرجع، واستدل لذلك بحديث النعمان بن بشير عندما وهبه أبوه ذلك العبد، ثم رجع فيه لما قال له ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) فلما لم يكن عنده ما يُسوي بين أولاده رجع ورد تلك الهبة والنِحلة، والأب يملك ما بيد أولاده.

стр. 1150

شروط أخذ الأب من مال ابنه قال المصنف ﵀: (وله) يعني: للأب (أن يتملك بقبض مع قول أو نية من مال ولده غير سرية ما شاء ما لم يضره، أو ليعطيه ولداً آخر، أو يكن بمرض موت أحدهما، أو يكن كافراً والابن مسلماً) . دليل ذلك قوله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) ، وهو حديث مشهور، ولو كان في طرقه بعض الضعفاء، لكن بمجموعها يرتقي الحديث إلى أن يكون صحيحاً لغيره، فيجوز للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، سواء بقول أو بنية. فالقول كما إذا قال: إني قد تملكت أرض ولدي هذه، فتدخل في ملك الأب، أو يقول: إني قد تملكت سيارة ابني هذه، فتدخل في ملك الأب. والنية كما لو أخذ الأب مفاتيح دار ابنه ونوى أنه أدخلها في ملك الأب، ففي هذه الحال تدخل في ملك الأب بمجرد النية، وكذا إذا أخذ وثائق الأرض، وأخذ مفاتيح السيارة، وعزم على أنه قد ملكها وأخرجها من ملك ابنه إلى ملك الأب، فتدخل في ملك الوالد. ويستثنى من ذلك السرية، فالأرجح أن المملوكة التي يطؤها ولده بملك اليمين، يحرم عليه أن يتملكها؛ لأن ابنه قد وطأها، ولا يحل له أن يطأ ما وطأ ابنه.

стр. 1151

عدم الإضرار بالولد اشترطوا لذلك التملك شروطاً: الشرط الأول: ألا يضر الولد. الشرط الثاني: ألا يأخذه من ولده ليعطيه ولداً آخر، فإن هذا جور. الشرط الثالث: ألا يكون في مرض موت أحدهما، أي: موت الأب أو موت الابن. الشرط الرابع: ألا يكون الابن مسلماً والأب كافراً. ففي مثل هذه الحالات لا يصح للأب أن يأخذ، فإذا كان الابن محتاجاً إلى هذه الدار ليسكنها، ويسكن أولاده فيها، ولا يستغني عنها، والأب مستغنٍ؛ فهل له أن يخرج ولده ويقول: يا بني اخرج وانزل في خيمة أو نحوها واترك لي هذه الدار لأؤجرها؟ الدار ملك الابن، وهو الذي ملكها وعمرها وتعب فيها، وأسكن فيها أولاده، فلا يحل للوالد أخذها؛ لأن هذا ضرر عليه، وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ، وقال تعالى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] ، وقال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢] ، فدل على أنه إذا تضرر الابن فلا يجوز للأب أن يأخذ، فإذا قال مثلاً: هذه سيارتي يا أبي لا أستغني عنها، ولا أستطيع أن أستأجر كلما أردت أن أذهب إلى مكان، ولا أقدر على أن أشتري بدلها؛ فكيف تأخذها وتدعني وأنت مستغن عنها، ولست محتاجاً إلى ثمنها، ولا محتاجاً إلى استعمالها؛ لأن عندك غيرها؟ فلا يجوز والحال هذه أن يأخذها، حتى ولو كان الشيء صغيراً، فلا يجوز له أن يأخذ ثوبه ويدعه عارياً، أو يأخذ طعامه ويدعه جائعاً، والأب مستغن عنه.

стр. 1152

أن لا يعطي ما أخذه لولد آخر الشرط الثاني: ألا يعطيه لولد آخر، فيأخذ من هذا ألف ريال ويعطيها للثاني، فهذا لا يجوز؛ وذلك لأن هذا جور، وفي الحديث: (لا أشهد على جور (، لكن إذا كان الابن مستغنياً وعنده فضل، وأخوه فقير وذو حاجة شديدة، وليس عنده ما يكفيه، والأب لا يقدر على أن يعوله؛ فإنّ على الأخ أن يُنفق على أخيه ولو كان لا يرث منه، ويجوز للأب أن يأخذ من مال هذا المستغني الذي عنده فضل ويُنفق منه على أخيه الفقير، فأما إذا كانا متكافئين فليس له أن يأخذ من هذا ويعطي هذا، فهذان شرطان.

стр. 1153

أن لا يكون الأخذ في مرض موت أحدهما الشرط الثالث: ألا يكون في مرض موت أحدهما؛ وذلك لأنه عند المرض تتعلق بالمال حقوق الورثة، فإذا مرض الابن، وله زوجته وأمه وأولاده ذكوراً وإناثاً؛ فليس للأب في مرض موت الابن -إذا كان مرضاً مخوفاً- أن يأخذ من مال الابن؛ لأنه بذلك يظلم الزوجة ويظلم الأم ويضر الأولاد إذا أخذ تركة أبيهم. وهكذا أيضاً لو كان المريض هو الأب، فإنه في هذه الحال ليس له أن يتملك؛ لأنه إذا كان مرض الأب مرضاً مخوفاً -أي: يخاف منه الموت- ففي هذه الحال نقول: ليس له أن يتملك من مال أولاده؛ لأنه والحال هذه كأنه يأخذ من مال هذا ويجعله في تركته ليُعطي أولاداً له ما كسبوا، وليُعطي زوجات له ما اكتسبن؛ فيضر بعض أولاده وينفع آخرين، هذه ثلاثة شروط.

стр. 1154

أن لا يكون الأب كافراً والابن مسلماً الشرط الرابع: ألا يكون ذلك من مسلم لولد كافر، فلا يجوز للكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم؛ لأن أموال المسلم ملك لورثته، والكافر ليس له ميراث، فلا يرث من مال ابنه المسلم كما سيأتي في الفرائض إن شاء الله. فليس له أن يأخذ من مال الولد المسلم أو قريبه المسلم أو أبيه المسلم، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] .

стр. 1155

شرح أخصر المختصرات [٤٧] المريض مرضاً مخوفاً له أحكام خاصة تتعلق بتصرفاته المالية؛ من وصية وعطية وغيرها، وقد بين الفقهاء تلك الأحكام، وبينوا فروقاً دقيقة بين كثير منها.

стр. 1156

متى يحرم قبول الهدية ؟

стр. 1157

حكم قبول الهدية في مقابل العمل المراد به وجه الله عرفنا أن الهدية: هي التبرع بجزء من المال أو بمنفعة لقصد التودد والمحبة، وأن العطية هي إعطاء الإنسان غيره شيئاً من المال بغير مقابل، وأن الهدية قسمان: هدية تبرر، وهدية ثواب، فهدية الثواب تكون كالبيع، إذا لم يعط مقابلها فله الرجوع، وهدية التبرع لا يجوز الرجوع فيها. وقد ورد في فضل الهدية حديث مشهور هو: (تهادوا تحابوا) ، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، مع أن أهلها لا يشترطون ثواباً، ولكنه يحب مكافأتهم، فقد ورد في حديث: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه) . وبهذا يعرف أن الهدية تكون مالاً، وتكون منفعة، فالإنسان الذي يعلمك، ويفهمك مسألة من المسائل، يعتبر قد فعل معك معروفاً، وأنت تحب أن تكافئه، لكن يستحب له إذا كان قصده الثواب والأجر ألا يأخذ هديتك؛ لأنها قد تنقص أجره، وقد جاء في حديث أبي الدرداء: (أنه علم رجلاً من أهل الصفة آيات من القرآن، فأهدى إليه قوساً، فسأل النبي ﷺ فقال: إن أحببت أن تطوق مثله من النار فخذه) ؛ وذلك لأنه أراد الأجر بتعليمه، فلا يحق له أن يفسد أجره، وأن يأخذ عليه عوضاً. ويقال كذلك في كل من عمل عملاً يحتسبه عند الله، فلا يفسد أجره بقبول تلك الهدية، سيما إذا كان ذلك الذي علمته أو دللته فقيراً كأهل الصفة الذين هم من فقراء المهاجرين، فمن فعل ذلك يحتسب الأجر، فليس له أن يأخذ ما يقابله، وقد ورد في حديث أنه ﷺ قال ما معناه: (من عمل عملاً يبتغي به وجه الله فأهدي إليه شيء فلا يأخذه) ، بل عد في بعض الروايات أنه من الربا، وإن لم يكن من الربا الصريح، فإذا عملت لإنسان عملاً تحتسبه فلا تأخذ عليه أجراً، كما إذا حملت له متاعه أو رفعته له، أو أوصلته له إلى منزله وأنت محتسب أنه فقير ذو حاجة، أو شفعت له عند من قضى حاجته، أو أما أشبه ذلك، وأنت تحتسب الأجر، فليس لك إفساد أجرك بأخذ هدية، وقد قصدت الأجر الأخروي، فلا تأخذ أجراً دنيوياً.

стр. 1158

حكم قبول الهدية إذا قصد بها الرشوة ومن الهدايا التي لا تجوز، إذا كان ذلك المهدي يقصد مقصداً دنيوياً، فليس له أن يهدي، وليس للمهدى إليه أن يقبل، فإذا أهديت للطبيب لأجل أن يقدمك على المراجعين، فهذه هدية شبيهة بالغلول، وهدايا هؤلاء العمال غلول، أو أهديت لمدرس ليزيد في درجاتك، فهذه من جنسها، ولا يحق له أن يقبلها، أو أهديت للموظف ليقبل وظيفتك، وليقدمك في الوظيفة على من هو أحق منك، فإن هذه من الغلول أو من المحرم. ومثله: ما ورد في هدية القاضي فإنها تسمى رشوة، فإذا أهدى أحد الخصمين للقاضي أو نفعه، وأراد بذلك أن يميل معه، وسماها هدية، ولو -مثلاً- ضيافة، بأن استضافه وأكرمه ويريد أن يميل معه، فإنها تسمى رشوة، وكذلك إذا كان يراجع كاتباً ويريد أن يقدمه على غيره، فإنه بذلك يكون قد أعطاه ما يشبه الرشوة، فليس للآخذ أن يأخذ، ولا للمعطي أن يعطي في هذه الحالات وأشباهها. ويقع كثيراً التساهل في هذا، ويسأل كثيرون من أصحاب المنح هذا السؤال إني طلبت منحة أرض سكنية، وإذا أعطيت هذا المسئول أعطاني في مكان مرغوب، وإذا ما أعطيته دفعني وأبعدني؟ فالجواب أن نقول: هذه رشوة ولو سميتها هدية، فإنك بذلك تضر غيرك، والواجب عليه أن يسوي بين جميع الممنوحين ونحوهم، فلا يقدم هذا لأنه يعرفه، أو هذا لأنه صديقه، أو هذا لأنه من أسرته، أو هذا لأنه كبير القوم، أو هذا لأنه أهدى إليه أو ما أشبه ذلك. وأما حديث: (هدايا العمال غلول) فهو مشهور، وإن كان هذا اللفظ في إسناده مقال، والأصل فيه قصة ابن اللتبية الذي ولاه النبي ﷺ على جمع الزكاة من البهائم، فجاء وقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: (هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً) المعنى: أنهم أهدوا له حتى يتسامح معهم، إذا كان عليهم -مثلاً- خمس شياه ثمينة، أهدوا له شاة وأعطوه خمساً هزيلة، وقبلها، فمثل هذا يعتبر رشوة، ولو سموها هدية؛ لأنهم يقصدون بذلك أن يخفف عنهم، وكذلك أصحاب الثمار، لا يجوز له أن يستضاف عندهم؛ لأنه قد يزيد في خرص من لم يضيفه أو لم يكرمه ويتغاضى عن الذي أكرمه، والذي زاد في إكرامه ينقص عليه من الزكاة، فلذلك لا يجوز له والحال هذه. فأمر الهدايا والهبات فيه تساهل كثير، ويقع به ضرر على الفقراء الذين لا يجدون ما يهدون، حيث إن أولئك الذين هم أهل طمع وأهل مقاصد دنيوية؛ يقدمون من أهدى إليهم في القضايا وفي الكتابات وإخراج الصكوك، وكذلك في المنح وما أشبهها، وهذا لا يجوز، وإذا عرفنا هذا الحكم فلا يصح لأحد أن يقبل شيئاً من هذه الهدايا ونحوها.

стр. 1159

لا يطالب الأب بالدين بل بالنفقة الواجبة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقه واجبة، ومن مرضه غير مخوفٍ تصرفه كصحيح، أو مخوف كبرسامٍ أو إسهال متداركٍ، وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله إنه مخوفٌ، لا يلزم تبرعه لوارثٍ بشيءٍ، ولا بما فوق الثلث لغيره إلا بإجازة الورثة. ومن امتد مرضه بجذام ونحوه ولم يقطعه بفراش فكصحيح، ويعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا، ويبدأ بالأول فالأول بالعطية، ولا يصح الرجوع فيها، ويعتبر قبولها عند وجودها، ويثبت الملك فيها من حينها، والوصية بخلاف ذلك كله] . تقدم فيما يتعلق بالعطية ما يحل للأب أن يأخذ من مال ولده، وعرفنا شروطه، ثم يقول المصنف: (وليس لولد ولا لورثة مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقة واجبة) أي: إذا كان لك دين على والدك فليس لك أن تطالب أباك بهذا الدين، وتقول: إن عندك لي ديناً يا أبي، بل إن دفعه الأب ورده فلك أخذه، وإلا فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإذا استدان منه ديناً فليس له أن يطالبه ويقول: أعطني يا أبي الدين الذي عندك، وكذلك إذا مات الابن فليس لورثته مطالبة أجدادهم، ويقولون: إن أبانا كان له دين عندك أيها الأب الأبعد، أيها الجد، ليس لهم ذلك. وظاهر هذا أنه يجوز له أن يأخذ من مال أولاد ابنه، وأن الجد بمنزلة الأب يأخذ من مال ابنه، ومن مال ابن ابنه وإن نزل؛ لأن الجد أب، فله أن يأخذ من ماله ابنه وابن ابنه ما لا يضر الابن، ولا تتعلق به حاجته. ويجوز للابن مطالبة أبيه بالنفقة الواجبة، فإنه يجب عليه أن ينفق على أولاده، والأصل أن الأب لا يجمع الأموال إلا لأولاده، فإذا احتاجوا للنفقة الواجبة الضرورية وجب عليه أن ينفق عليهم بقدر كفايتهم طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً، وكذلك الحاجات الضرورية كتزويج وما أشبهه. وللأب أن يسوي بينهم في النفقة، فلا يزيد لهذا عن هذا، أو لهؤلاء عن هؤلاء لأنه يحبهم، بل يعطيهم بالسوية، فلا يشتري لهذا كسوة غالية وهذا كسوة رخيصة، أو يطعم هؤلاء من اللحوم والفواكه، وهؤلاء من يابس الخبز وما أشبهه، بل عليه أن يسوي بينهم، وإذا قصر عليهم وكادوا أن يجوعوا، فلهم مطالبة أبيهم حتى يسد خلتهم وحاجتهم.

стр. 1160

تصرفات المريض
следующие страницы →