Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
متى يحرم قبول الهدية ؟
стр. 1157
حكم قبول الهدية في مقابل العمل المراد به وجه الله
عرفنا أن الهدية: هي التبرع بجزء من المال أو بمنفعة لقصد التودد والمحبة، وأن العطية هي إعطاء الإنسان غيره شيئاً من المال بغير مقابل، وأن الهدية قسمان: هدية تبرر، وهدية ثواب، فهدية الثواب تكون كالبيع، إذا لم يعط مقابلها فله الرجوع، وهدية التبرع لا يجوز الرجوع فيها.
وقد ورد في فضل الهدية حديث مشهور هو: (تهادوا تحابوا) ، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، مع أن أهلها لا يشترطون ثواباً، ولكنه يحب مكافأتهم، فقد ورد في حديث: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه) .
وبهذا يعرف أن الهدية تكون مالاً، وتكون منفعة، فالإنسان الذي يعلمك، ويفهمك مسألة من المسائل، يعتبر قد فعل معك معروفاً، وأنت تحب أن تكافئه، لكن يستحب له إذا كان قصده الثواب والأجر ألا يأخذ هديتك؛ لأنها قد تنقص أجره، وقد جاء في حديث أبي الدرداء: (أنه علم رجلاً من أهل الصفة آيات من القرآن، فأهدى إليه قوساً، فسأل النبي ﷺ فقال: إن أحببت أن تطوق مثله من النار فخذه) ؛ وذلك لأنه أراد الأجر بتعليمه، فلا يحق له أن يفسد أجره، وأن يأخذ عليه عوضاً.
ويقال كذلك في كل من عمل عملاً يحتسبه عند الله، فلا يفسد أجره بقبول تلك الهدية، سيما إذا كان ذلك الذي علمته أو دللته فقيراً كأهل الصفة الذين هم من فقراء المهاجرين، فمن فعل ذلك يحتسب الأجر، فليس له أن يأخذ ما يقابله، وقد ورد في حديث أنه ﷺ قال ما معناه: (من عمل عملاً يبتغي به وجه الله فأهدي إليه شيء فلا يأخذه) ، بل عد في بعض الروايات أنه من الربا، وإن لم يكن من الربا الصريح، فإذا عملت لإنسان عملاً تحتسبه فلا تأخذ عليه أجراً، كما إذا حملت له متاعه أو رفعته له، أو أوصلته له إلى منزله وأنت محتسب أنه فقير ذو حاجة، أو شفعت له عند من قضى حاجته، أو أما أشبه ذلك، وأنت تحتسب الأجر، فليس لك إفساد أجرك بأخذ هدية، وقد قصدت الأجر الأخروي، فلا تأخذ أجراً دنيوياً.
стр. 1158
حكم قبول الهدية إذا قصد بها الرشوة
ومن الهدايا التي لا تجوز، إذا كان ذلك المهدي يقصد مقصداً دنيوياً، فليس له أن يهدي، وليس للمهدى إليه أن يقبل، فإذا أهديت للطبيب لأجل أن يقدمك على المراجعين، فهذه هدية شبيهة بالغلول، وهدايا هؤلاء العمال غلول، أو أهديت لمدرس ليزيد في درجاتك، فهذه من جنسها، ولا يحق له أن يقبلها، أو أهديت للموظف ليقبل وظيفتك، وليقدمك في الوظيفة على من هو أحق منك، فإن هذه من الغلول أو من المحرم.
ومثله: ما ورد في هدية القاضي فإنها تسمى رشوة، فإذا أهدى أحد الخصمين للقاضي أو نفعه، وأراد بذلك أن يميل معه، وسماها هدية، ولو -مثلاً- ضيافة، بأن استضافه وأكرمه ويريد أن يميل معه، فإنها تسمى رشوة، وكذلك إذا كان يراجع كاتباً ويريد أن يقدمه على غيره، فإنه بذلك يكون قد أعطاه ما يشبه الرشوة، فليس للآخذ أن يأخذ، ولا للمعطي أن يعطي في هذه الحالات وأشباهها.
ويقع كثيراً التساهل في هذا، ويسأل كثيرون من أصحاب المنح هذا
السؤال
إني طلبت منحة أرض سكنية، وإذا أعطيت هذا المسئول أعطاني في مكان مرغوب، وإذا ما أعطيته دفعني وأبعدني؟ فالجواب أن نقول: هذه رشوة ولو سميتها هدية، فإنك بذلك تضر غيرك، والواجب عليه أن يسوي بين جميع الممنوحين ونحوهم، فلا يقدم هذا لأنه يعرفه، أو هذا لأنه صديقه، أو هذا لأنه من أسرته، أو هذا لأنه كبير القوم، أو هذا لأنه أهدى إليه أو ما أشبه ذلك.
وأما حديث: (هدايا العمال غلول) فهو مشهور، وإن كان هذا اللفظ في إسناده مقال، والأصل فيه قصة ابن اللتبية الذي ولاه النبي ﷺ على جمع الزكاة من البهائم، فجاء وقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: (هلَّا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً) المعنى: أنهم أهدوا له حتى يتسامح معهم، إذا كان عليهم -مثلاً- خمس شياه ثمينة، أهدوا له شاة وأعطوه خمساً هزيلة، وقبلها، فمثل هذا يعتبر رشوة، ولو سموها هدية؛ لأنهم يقصدون بذلك أن يخفف عنهم، وكذلك أصحاب الثمار، لا يجوز له أن يستضاف عندهم؛ لأنه قد يزيد في خرص من لم يضيفه أو لم يكرمه ويتغاضى عن الذي أكرمه، والذي زاد في إكرامه ينقص عليه من الزكاة، فلذلك لا يجوز له والحال هذه.
فأمر الهدايا والهبات فيه تساهل كثير، ويقع به ضرر على الفقراء الذين لا يجدون ما يهدون، حيث إن أولئك الذين هم أهل طمع وأهل مقاصد دنيوية؛ يقدمون من أهدى إليهم في القضايا وفي الكتابات وإخراج الصكوك، وكذلك في المنح وما أشبهها، وهذا لا يجوز، وإذا عرفنا هذا الحكم فلا يصح لأحد أن يقبل شيئاً من هذه الهدايا ونحوها.
стр. 1159
لا يطالب الأب بالدين بل بالنفقة الواجبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقه واجبة، ومن مرضه غير مخوفٍ تصرفه كصحيح، أو مخوف كبرسامٍ أو إسهال متداركٍ، وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله إنه مخوفٌ، لا يلزم تبرعه لوارثٍ بشيءٍ، ولا بما فوق الثلث لغيره إلا بإجازة الورثة.
ومن امتد مرضه بجذام ونحوه ولم يقطعه بفراش فكصحيح، ويعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا، ويبدأ بالأول فالأول بالعطية، ولا يصح الرجوع فيها، ويعتبر قبولها عند وجودها، ويثبت الملك فيها من حينها، والوصية بخلاف ذلك كله] .
تقدم فيما يتعلق بالعطية ما يحل للأب أن يأخذ من مال ولده، وعرفنا شروطه، ثم يقول المصنف: (وليس لولد ولا لورثة مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقة واجبة) أي: إذا كان لك دين على والدك فليس لك أن تطالب أباك بهذا الدين، وتقول: إن عندك لي ديناً يا أبي، بل إن دفعه الأب ورده فلك أخذه، وإلا فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإذا استدان منه ديناً فليس له أن يطالبه ويقول: أعطني يا أبي الدين الذي عندك، وكذلك إذا مات الابن فليس لورثته مطالبة أجدادهم، ويقولون: إن أبانا كان له دين عندك أيها الأب الأبعد، أيها الجد، ليس لهم ذلك.
وظاهر هذا أنه يجوز له أن يأخذ من مال أولاد ابنه، وأن الجد بمنزلة الأب يأخذ من مال ابنه، ومن مال ابن ابنه وإن نزل؛ لأن الجد أب، فله أن يأخذ من ماله ابنه وابن ابنه ما لا يضر الابن، ولا تتعلق به حاجته.
ويجوز للابن مطالبة أبيه بالنفقة الواجبة، فإنه يجب عليه أن ينفق على أولاده، والأصل أن الأب لا يجمع الأموال إلا لأولاده، فإذا احتاجوا للنفقة الواجبة الضرورية وجب عليه أن ينفق عليهم بقدر كفايتهم طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً، وكذلك الحاجات الضرورية كتزويج وما أشبهه.
وللأب أن يسوي بينهم في النفقة، فلا يزيد لهذا عن هذا، أو لهؤلاء عن هؤلاء لأنه يحبهم، بل يعطيهم بالسوية، فلا يشتري لهذا كسوة غالية وهذا كسوة رخيصة، أو يطعم هؤلاء من اللحوم والفواكه، وهؤلاء من يابس الخبز وما أشبهه، بل عليه أن يسوي بينهم، وإذا قصر عليهم وكادوا أن يجوعوا، فلهم مطالبة أبيهم حتى يسد خلتهم وحاجتهم.
стр. 1160
تصرفات المريض
стр. 1161
حكم تصرفات المريض إذا كان مرضه غير مخوف
ذكر المصنف بعد ذلك تصرفات المريض، متى تكون نافذة أو غير نافذة؟ إذا كان المرض غير مخوف فتصرفه كتصرف الصحيح، فإذا كان مرضه وجع ضرس، أو وجع عين، أو ألماً في إصبع، أو صداعاً في رأسه أو حرارة، أو سعلة يسيرة، أو ألماً في يد أو رجل؛ فإنه يتصرف تصرفاً صحيحاً، فله أن يهدي، وله أن يتصدق، وله أن يوقف؛ وذلك لأنه شبيه بالصحيح، والإنسان في صحته يتصرف كما يشاء.
والصدقة في حالة الصحة أفضل، قال النبي ﷺ : (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمسك حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) ، فلا يجوز له أن يتصدق في حالة المرض المخوف إلا بالثلث فأقل.
فإذا كان الإنسان صحيحاً وتصدق بنصف ماله أو بالثلثين أو سبله، أو أعطاه لمستحق أو ما أشبه ذلك، فليس لورثته منعه، وكذلك لو أوقف أموالاً كثيرة أو تبرع بها وأعطاها لبعض أقاربه، أو بنى بها مساجد أو ما أشبه ذلك؛ فكل ذلك جائز في حالة الصحة.
стр. 1162
حكم تصرفات صاحب المرض المخوف
إذا كان المرض مخوفاً فليس له تصرف إلا في الثلث.
والمرض المخوف مثلوا له بالبرسام أو بالإسهال، والبرسام: مرض في الرأس يختل به الدماغ، تسميه العامة أبو دمغة؛ لأنه يختل به الدماغ؛ فالعادة في مثل هذا أنه يموت، وأما الإسهال المتدارك فاسمه عند الأطباء (الكوليرا) ، وهو مرض يحصل به الإسهال المتدارك، ويتمادى به إلى أن يموت.
فإذا كان مرضه مخوفاً أو قرر طبيبان مسلمان عدلان أن هذا المرض مخوف، أي: يخاف منه الموت؛ فمثل هذا تصرفاته لا تنفذ إلا في الثلث؛ وذلك لأن حقوق الورثة إذا تعلقت بالمال فيخاف أن يقصد إضرار الورثة، مثل ما يسمى عند العامة بتوليج المال، أي: إخراجه من ملكه حتى يتضرروا، ولا يبقى لهم شيء يملكونه؛ إما لأنهم أساءوا صحبته، أو أنهم ما أطاعوه ولا خدموه، أو أنهم أقارب غير رافقين به إذا لم يكن له أولاد، وكان له إخوة أهل قطعية وعقوق، أو بنو عم مقاطعون له، فأراد أن يخرج المال من ملكه في حياته حتى لا ينتفعوا به إضراراً بهم.
فإن كان صحيحاً ولو كان عمره مائة سنة، ولكن معه عقله وإدراكه، ومعه قوته يذهب ويجيء، فتصرفه تصرف نافذ، فإذا بنى مساجد، أو عمر مدارس خيرية، أو أصلح طرقاً، أو تصدق بصدقات، أو أوقف أوقافاً وسبلها، فإنه ينفذ؛ وذلك لأنه في حالة صحته وفي حالة قوته، والعادة أن الصحيح القوي يمسك المال، وأنه يحتاج إليه.
стр. 1163
حكم العطية للوارث في المرض المخوف
الحاصل أنه إذا كان صحيحاً فتصرفه صحيح، وأما إذا كان مرضه مخوفاً فإن تصرفه لا ينفذ إلا في الثلث، ولا ينفذ إذا أوصى للوارث، وقال: لك يا ولدي كذا، أو لك يا أمي أو يا زوجتي كذا، ففي هذه الحال لا ينفذ ذلك؛ لأنهم وارثون، وقد ورد في الحديث: (لا وصية لوارث) ، وهذا شبيه بالوصية؛ لأنه عطية في المرض، وقد تعلقت حقوق الورثة بالمال، فهذه العطية تعتبر من الثلث إلا إذا كانت لوارث، ففي الحديث: (لا وصية لوارث) .
وفي قصة سعد لما قال: (أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا.
قال: النصف؟ قال: لا.
قال: الثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير) يعني أراد أن يتصدق بالثلثين، ثم بالنصف، فصرفه إلى الثلث، ثم قال: (والثلث كثير) ، فإذا أجاز الورثة ذلك جاز، أي: إذا تصدق بنصف ماله أو بثلثيه ووافق الورثة على ذلك جاز؛ لأن الحق لهم، وكذلك لو تبرع لأحدهم، فمثلاً: إذا كان له ثلاثة أولاد أغنياء، وعندهم تجارات، وعندهم أملاك، وله واحد فقير لا يملك شيئاً ولا سكناً، وأوصى له أو تبرع في مرض الموت، فقال: أعطوه مسكناً.
ووافق الورثة، نفذ ذلك إذا أجازه الورثة؛ لأن الحق لهم.
стр. 1164
المرض الممتد وحكم التصرف فيه إذا لم يقعده
هناك أمراض تمتد ولا يكون المرض مخوفاً، فمن امتد مرضه بجذام ونحوه، ولم يقطعه بفراش؛ فتصرفه صحيح، والجذام: قروح تخرج في الأنف أو في الوجه، وهو الذي ورد الاستعاذة منه: (أعوذ بك من البرص والجذام وسيء الأسقام) وفي الحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ، وذلك لأن ينتقل بإذن الله.
فالجذام قد يطول بصاحبه عشر سنين أو عشرين سنة، فلا يكون مخوفاً، ومثله مرض السل في ابتدائه، ومرض الصدر أو التدرن الصدري، فهذا في أول الأمر يبقى سليماً معافى، ولكن في آخره تخرج قروح في الرئة، ثم تشتد إلى أن تقضي عليه، ولكن تطول مدته، فقد يبقى عشر سنين أو نحوها.
ومثل ذلك الفالج في آخره، والفالج هو الشلل النصفي، ففي أوله خطر، أما في آخره فإنه قد يبقى عشر سنين أو عشرين سنة وهو مشلول يد أو رجل، فتصرفه صحيح، ولو طالت مدته، إلا إذا كان على الفراش، فمن كان مرضه قد ألزمه الفراش بحيث لا يستطيع أن يتحول ولا أن يذهب ويجيء، بل هو دائم على الفراش فإن هذا مخوف، فتصرفه غير صحيح إلا بإجازة الورثة.
стр. 1165
الفرق بين عطية المريض ووصيته
стр. 1166
الفرق بين الوصية والعطية
هناك فروق بين العطية والوصية: فالعطية هي التبرع في الحياة، والوصية هي: التبرع بعد الموت وبعد الوفاة، فيعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا، فمثلاً: إذا تبرع لقريبه فقال في مرض موته: أعطوا أخي هذه السيارة أو عشرة آلاف، وكان أخوه لا يرث؛ لأنه محجوب بابن للميت، ثم قدر أن ابن الميت مات قبل أبيه، ثم مات الأب، فأصبح الأخ وارثاً، فهل يأخذ هذه العطية أو الوصية؟ لا يأخذها إلا بإجازة الورثة؛ لأنه أصبح وارثاً، وفي الحديث: (لا وصية لوارث) ، فيعطى حقه من الميراث، ولا يأخذ هذه العطية.
وعكسه: لو قدر أنه أوصى لأخيه، أو أعطاه في آخر حياته، وكان أخوه يرث في ذلك الحال، ثم قدر أن الموصي أو المعطي ولد له ابن قبل موته، ولما ولد له حجب الأخ، فأصبح الأخ لا يرث، فهل تصح تلك العطية له؟ نعم تصح، إن خرجت من الثلث أو إن سمح بها الورثة، هذا معنى قوله: (يعتبر عند الموت كونه وارثاً أو لا) ، بمعنى أنه أوصى له وهو يرث، وقبل موت الموصي حجب وأصبح لا يرث، فتصح الوصية، والعكس: إذا أصبح الموصى له وارثاً، وذلك إذا مات ابن الموصي أو المعطي في حياته، وأصبح الموصى له من الورثة، فلا تصح تلك الوصية أو العطية.
стр. 1167
كيفية البدء في العطية والوصية
قال المصنف ﵀: (ويبدأ بالأول فالأول في العطية) .
صورة ذلك: إذا قال وهو مريض مرضاً مخوفاً: أعطوا زيداً خمسة آلاف، ثم في اليوم الثاني قال: أعطوا سعداً عشرة آلاف، ثم في اليوم الثالث قال: أعطوا إبراهيم ثلاثة آلاف.
فنظرنا فإذا الجميع ثمانية عشر ألفاً، ثم قدر أنه لما مات حصرنا الثلث، ووجدنا الثلث عشرة آلاف، ففي هذه الحال يأخذ زيد منها خمسة آلاف، وسعد خمسة آلاف فقط، ولا يأخذ إبراهيم شيئاً.
وكذلك لو قالوا يوم الجمعة: أعطوا زيداً ثلاثة آلاف، فإنا نعطيه الثلاثة الآلاف، فنبدأ بالأول، وقال يوم السبت: أعطوا سعداً خمسة آلاف، فإنا نعطيه ذلك من هذا الثلث الذي هو عشرة آلاف، يبقى عندنا من الثلث ألفان، وعندنا إبراهيم قد أمر له بعشرة آلاف يوم الأحد، فنقول له: خذ هذين الألفين بقية الثلث، فإذا قال: لماذا أعطيتموهم حقهم تماماً، وما أعطيتموني إلا القليل؟ ف
الجواب
لأنهم قبلك، أي: لأنه تبرع لهم قبل أن يتبرع لك، فليس لك إلا بقية الثلث؛ وذلك لأن العطية تنفذ في الحياة، وإنما منعنا من إخراجها لأنه مريض، فإن شفي من مرضه أعطاهم ما يريدون أو منعهم؛ لأن العطية والهبة لا تلزم إلا بالقبض، وأما إن مات فإنها ترجع إلى الثلث، فإن خرجت أعطياته كلها من الثلث أخذوها، وإن كان الثلث قليلاً لم يخرج منه إلا الثلث، ويبدأ بالأول الذي هو زيد فيعطى الثلاثة الآلاف، ثم سعد يعطى الخمسة الآلاف، ثم يبقى لإبراهيم من الثلث ألفان، وليس له إلا ذلك، هذا معنى قوله: (يبدأ بالأول فالأول في العطية) .
بخلاف الوصية، فإنهم يستوون، فلو قال: إذا مت فأعطوا زيداً ثلاثة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا سعداً خمسة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا إبراهيم عشرة آلاف.
فنظرنا وإذا المجموع ثمانية عشر ألفاً، ووجدنا الثلث تسعة آلاف، ففي هذه الحال يسوى بينهم في الوصية، وكيفية التسوية أن يعطى كل واحد منهم بقدر حصته.
ننظر في الثلث فإذا هو تسعة آلاف، والوصية ثمانية عشر ألفاً، فنسبتها النصف، فنقول: لك يا زيد ألف ونصف، ولك يا سعد ألفان ونصف، ولك يا إبراهيم خمسة آلاف، هذا هو الثلث، فيبدأ بالأول فالأول في العطية، ويستوي المتقدم والمتأخر في الوصية.
стр. 1168
حكم الرجوع في العطية وفي الوصية
العطية لا يصح الرجوع فيها؛ وذلك لأنه تبرع بها، وإنما منعنا إخراجها انتظار أن يموت فتخرج من الثلث أو يشفى فيخرجها، فإذا قال وهو مريض: لك يا سعد هذه السيارة، ولك يا عمرو هذه الأرض، ولك يا إبراهيم هذه النقود المصرورة، فلا تنفذ في هذه الحال، ولكن إذا قدر أنه شفي، فهل له أن يرجع؟ ليس له أن يرجع في العطية، لحديث: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) ، وإن كانت لا تلزم كما تقدم إلا بالقبض، ولكن هذا قد تبرع بها، وأصبحت كأنها ملك للمعطى، فليس له الرجوع، بخلاف الوصية فإن له الرجوع، فإذا قال: إذا مت فأعطوا زيداً هذه السيارة، وأعطوا سعداً هذه العمارة، وأعطوا بكراً هذه القطعة من الأرض، ثم شفي، فهل يلزم إعطاؤهم؟ لا يلزم، وله أن يرجع؛ وذلك لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، فله أن يرجع في الوصية، ولا يرجع في العطية.
стр. 1169
وقت اعتبار قبول العطية وقبول الوصية
إذا قدر أنه قال وهو مريض: أعطوا زيداً هذه الشاة، وأعطوا سعداً هذه الناقة، فكل منهم قال: قبلت.
ولكن منعناهما من أخذها مخافة ألا تخرج من الثلث، فولدت الشاة ونتجت الناقة، ثم مات، وخرجتا من الثلث، ففي هذه الحال هل يكون ولد الناقة وولد الشاة تركة أو يكونان للمعطى؟
الجواب
يكونان للمعطى؛ وذلك لأنها دخلت في ملكه من وقت القبول، فهذا معنى قوله: (يعتبر قبولها عند وجودها) ، لما اعتبر قبولها عند وجودها صار نماؤها تبعاً لها.
وهكذا لو قال: أعطوا زيداً هذه النخلة.
ثم لم يمت حتى حملت، وزيد قد قبلها، ولما مات طالبه الورثة بالحمل، فهل لهم ذلك؟ ليس لهم، فلو قالوا: إنها حملت قبل الموت، فالجواب: أنها تلزم بالقبول، والقبول قد حصل.
وهكذا لو كانت داراً فقال: أعطوا زيداً هذه الدار، وأعطوا عمراً هذا الدكان، وقبل كل منهما، ولكن ما سلمناها مخافة أن يموت ولا تخرج من الثلث، ولما مات نظرنا فإذا الدار قد أجرت بعشرة آلاف، والدكان بخمسة آلاف مثلاً، ففي هذه الحال نقول: إنه والحال هذه تكون الأجرة للمعطَى؛ لأنها خرجت من الثلث، وملكها من وقت القبول، هذا معنى: (يعتبر قبولها عند وجودها) .
وقوله: (يثبت الملك فيها من حينها) : (من حينها) قيل: إنه من حين العطية، وقيل: من حين القبول.
والفرق بين القولين: أنه لو قال: أعطوا زيداً الدكان، ولم يقل زيد: قبلت إلا بعد الموت، فلا يثبت الملك إلا بعد الموت، وليس له الأجرة قبل القبول، بل أجرة الدكان للورثة، وله عين الدكان، وله قسطه من الأجرة بعد القبول.
وأما إذا قلنا: إن الملك قبل القبول يثبت من حين العطية، ففي هذه الحال له أجرة هذا الدكان، بمعنى أنه لو قال في شهر المحرم: أعطوه هذا الدكان.
وزيد ما قال: قبلت.
إلا في شهر رجب، أي: بعد نصف سنة، والمعطي ما مات إلا في ذي الحجة بعد سنة، فالصحيح أن أجرة نصف السنة قبل القبول للورثة، والنصف الثاني للمعطى، والملك يثبت من حين القبول.
وأما الوصية فإنها لا تثبت إلا بعد الموت، فلو قال الموصى له: قبلت.
ثم قال الموصي: رجعت.
فله الرجوع.
стр. 1170
شرح أخصر المختصرات [٤٨]
جعل الله للمسلم ثلث ماله يتصدق به عند وفاته، فيجعله وقفاً أو وصية أو نحو ذلك مما يبتغى به وجه الله، والوصية لها أحكام كثيرة تتعلق بها، من جهة ما تجوز الوصية به أو له وما لا تجوز، ومن جهة المقدار الذي يحق للمرء الوصية به، وماذا يكون العمل عندما يوصي بقدر نصيب وارث، وغير ذلك من المسائل التي تكلم عنها الفقهاء ﵏.
стр. 1171
أحكام عامة في الوصية
قال المصنف ﵀: [كتاب الوصايا: يسن لمن ترك مالاً كثيراً عرفاً الوصية بخمسه.
وتحرم ممن يرثه غير أحد الزوجين بأكثر من الثلث لأجنبي، أو لوارث بشيء.
وتصح موقوفة على الإجازة.
وتكره من فقير وارثه محتاج، فإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه كمسائل العول، وتخرج الواجبات من دين وحج وزكاة من رأس المال مطلقاً.
وتصح لعبده بمشاع كثلث، ويعتق منه بقدره، فإن فضل شيء أخذه، وبحمل ولحمل تحقق وجوده، لا لكنيسة وبيت نار وكتب التوراة والإنجيل ونحوها، وتصح بمجهول ومعدوم، وبما لا يقدر على تسليمه.
وما حدث بعد الوصية يدخل فيها، وتبطل بتلف معين وصى به.
وإن وصى بمثل نصيب وارث معين، فله مثله مضموماً إلى المسألة، وبمثل نصيب أحد ورثته له مثل ما لأقلهم، وبسهم له سدس، وبشيء أو حظ أو جزء يعطيه الوارث ما شاء] .
اختصر المؤلف الوصايا مع كونها كثيرة المسائل، وتوسع الفقهاء فيها، والغالب أن كلامهم فيها إنما هو فرض مسائل.
ذكر الله تعالى الوصية في القرآن، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] ، وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض، فكان أحدهم إذا حضره الموت قال: اقسموا مالي، فأعطوا الوالد كذا، وأعطوا الوالدة كذا، وأعطوا الزوجة كذا، وأعطوا الأخ كذا، وأعطوا الابن أو البنت كذا وكذا فكان هو الذي يقسمه، وكان الله أمر بذلك (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) ، ولما نزلت آيات المواريث نسخت إطلاق هذه الآية، وأصبحت الوصية لا تصح للورثة، وقد ثبت قوله ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) فالوارث يكفيه نصيبه.
والذين يرثون بكل حال -كما سيأتينا في الفرائض- الأولاد ذكوراً وإناثاً، والأبوان (الأب والأم) ، والزوجة أو الزوج، فهؤلاء لا يصح أن يوصي لهم، وأما غيرهم فيصح أن يوصي له إلا إذا كان يرث، أو أوصى له وهو لا يرث، ولكن أصبح بعد ذلك وارثاً، كما لو أوصى لأخيه من الأب فقال: إذا مت فأعطوا أخي من الأب ألفاً أو عشرين ألفاً، وكان محجوباً بأخيه الشقيق، فمات الشقيق قبل الموصي، فأصبح الأخ من الأب وارثاً، فلا يعطى شيئاً من الوصية، ولا يوصى له؛ لأنه أصبح وارثاً.
وكذلك ما ذكرناه قريباً: فيما إذا أوصى لأخيه، وكان له ابن، فمات الابن قبل الموصي، أصبح الأخ وارثاً، فلا يصح أن يوصى له.
يقول المؤلف: (يسن لمن ترك مالاً كثيراً عرفاً الوصية بخمسه) : قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٠] المراد: ترك مالاً كثيراً فيه فضل على ورثته، وإلا فإن الأصل أن يجمع المال لورثته ليتوسعوا في ماله، هذا هو الأصل.
ومعلوم أن الورثة أحق بمال مورثهم، سيما إذا كانوا فقراء، وقد قال النبي ﷺ لـ سعد: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) ، عالة: يعني فقراء، فإذا كان ماله قليلاً، وورثته ذوي حاجة وفقراء، فالصدقة تكون فيهم، فلا يستحب له أن يوصي لا بثلث ولا بأقل من الثلث؛ لأن إمساكه للمال لأجل توسعته على ورثته أفضل.
فإذا كان الورثة أغنياء وأثرياء، وسمحوا بزيادة على الثلث، فله أن يتصدق ولو بماله كله، فلو قدر أنه ليس له ورثة، لا أصحاب فروض ولا عصبات، ففي هذه الحال له أن يوصي بماله كله، لأن المال في هذه الحال سيدخل في بيت المال، فله أن يوصي أو يتصدق بماله كله، سواء في الحياة أو بعد الممات.
أما حكم الوصية فيستحبون أن يوصي بالخمس، فقد ذكر عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه، فأوصى بالخمس؛ وذلك اقتداءً بقول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] يعني: أن ظاهر الآية أن الله تعالى أمر بأخذ الخمس من الغنائم، فأوصى بالخمس، فهذا دليل استحباب الوصية بالخمس.
وروي عن ابن عباس أنه قال: وددت لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن النبي ﷺ قال: (الثلث؛ والثلث كثير) ، فصاروا يستحبون أن يوصي بالربع ولو كان عنده أموال طائلة.
ثم ذكروا أنه لا يصح أن يوصي بأكثر من الثلث لأجنبي، ولا بشيء لوارث؛ وذلك لأن الحق للورثة إذا كان له ورثة.
فلا يوصي بأكثر من الثلث؛ لقوله: (الثلث؛ والثلث كثير) إلا بإجازة الورثة، ولا يوصي لوارث بشيء ولو كان قليلاً، ولو كان الوارث محتاجاً، ويستثنى من ذلك إذا لم يكن له وارث إلا الزوجة، فإذا لم يرثه إلا زوجته، فله أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن الزوجة ستأخذ نصيبها كاملاً.
стр. 1172
تعريف الوصية وسنية كتابتها
الوصايا: جمع وصية، واشتقاقها من وصيت الشيء إذا وصلته، سميت بذلك لأن الموصي وصل ما قبل الموت بما بعد الموت.
وتعريفها: أنها الأمر بالتصرف بعد الموت، يعني أن يوصي غيره بأن يتصرف له بعد الموت بكذا وكذا، فيدخل فيها أن يوصيه بأولاده، فيقول: أنت وكيلي على ذريتي الأطفال تنفق عليهم وتحفظ أموالهم، ويدخل فيه أن يوصيه بتفريق ثلثه أو بتنشئته أو نحو ذلك، ويدخل في ذلك أيضاً أن يوصي إليه بوفاء دينه، أو ما أشبه ذلك.
ويستحب أو يتأكد أن يكتب وصيته، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ، فمن هذا استحبوا بتأكد كتابة الإنسان وصيته في حياته، ولو كان شاباً، ولو كان سليم القوى، وذلك لأنه لا يدري متى يفجؤه الأجل، فإذا كتب وصيته ومات فجأة كان قد أوصى، واحتاط لنفسه.
فيكتب الديون التي له: عند فلان لي كذا، وعند فلان كذا وكذا، ويكتب الديون التي في ذمته: عندي لفلان كذا، وعندي لفلان كذا، ويكتب الأمانات التي عنده، فيقول: عندي لفلان أمانة في موضع كذا وكذا، وقدرها كذا أو نوعها كذا وكذا، أو عندي وصية أبي أو وقف جدي أو أبي الذي فيه كذا وكذا، فيفصل ذلك، حتى لا يبقى في ذمته شيء؛ وذلك لأنه إذا مات ولم يكتب وصاياه وديونه، ثم جاء الغرماء إلى ورثته وقالوا: إننا نطالبه بدين مقداره كذا.
فالورثة قد لا يصدقون، وقد يأتيهم من هو كاذب، فربما يكون أحدهم صادقاً ويتورع عن الحلف، أو لا يجد بينة، فلا يأتيه حقه، فيبقى الميت معلقاً بدينه، ويؤخذ في الآخرة من أعماله.
وكذلك قد تضيع حقوقه وديونه التي على الناس مع حاجة ورثته إليها، فلذلك يتأكد أن يحتاط ويكتب ما كان عنده من أمانات ومن وصايا وأوقاف وديون وغيرها.
وقد كتب كثير من المشايخ نماذج للوصايا صغيرة أو كبيرة، حتى طبعت رسالة في نحو عشرين صفحة مكتوب عليها كعنوان "هذه وصيتي"، ففي مقدمتها فضل الوصية والاحتياط لها، وما يكتبه، وما عنوان الديون التي له، والأملاك التي لي، والديون التي علي، والأملاك التي أنا شريك فيها، وكذلك أيضاً أوصي بكذا وكذا، وعلى وصيي أن يعمل بكذا وكذا.
وبعضهم اختصر نموذجاً وجعله في صفحة أو في صفحتين، وجعل فيه بياضاً يكتب فيه الموصي اسمه واسم الوكيل الذي يوصيه، وبياضاً أيضاً لما يريد أن يثبته في ذمته من الديون أو الحقوق، أو ما يوصي من المال كثلث أو ربع أو خمس، وما يريد أن يجعله في تلك الوصية من مال أو من أعمال بر، فإذا حصلت على هذا النموذج وكتبته في مقدمة وصيتك أو أشغلت فيه الفراغ الذي في وسطه واحتفظت به، فإن ذلك أولى وأحرى وأجدر.
ومعلوم أيضاً أن الموصي في حياته يغير ما يريد، فيزيد في وصيته ويغير فيها، فإذا قال: إذا مت فبيتي يصير وقفاً، ثم بدا له في حياته فباعه جاز له ذلك، أو نقله من بيت إلى بيت، جاز ذلك؛ لأنه في حياته يملك التصرف في وصيته بزيادة أو بنقص أو بتغيير أو نحوه؛ وذلك لأنها لا تثبت إلا بعد الموت.
ثم هناك أيضاً مقدمة للوصية رواها كثير من العلماء، وكانوا يكتبونها في مقدمة وصاياهم، وهي موجودة في مصنف عبد الرزاق وغيره من المصنفات القديمة، وذلك أنهم كانوا يكتبون في مقدمة الوصية: هذا ما أوصى به فلان، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ويوصي من خلفه أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مؤمنين، وأن يحافظوا على الصلوات، وأن يبتعدوا عن المحرمات إلخ ذلك من نصائح يكتبها لورثته أو لمن بعده، فكانوا يستحبون هذا في مقدمة الوصية.
стр. 1173
استحباب الوصية بالخمس
الوصية التي ذكرت في القرآن هي الوصية بالمال في قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨٠-١٨٢] ، فكان هذا قبل أن تنزل المواريث.
ومعنى (كتب عليكم) : فرض عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن يوصي، فيقول: أعطوا أبوي من مالي كذا، أعطوا الوالد كذا، والوالدة كذا، والأخ الفلاني كذا، والأخ الفلاني كذا، والابن كذا، والبنت كذا، هذا معنى قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) يعني: مالاً (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) فالأقربون يدخل فيهم الإخوة ونحوهم.
ولما نزلت آيات المواريث نسخ الإطلاق، فقيدت الوصية بأن تكون لغير الوارث، فجاء في الحديث المشهور قوله ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) أي: قد بين الله تعالى الحقوق، فلا يصح لأحد أن يوصي للوارث، بل الوارث يكفيه نصيبه من الإرث.
وقد تقدم في الهبة والعطية أنه إذا أعطى في مرض موته فلا تنفذ تلك العطية إلا بعد الموت، ولا تنفذ بعد الموت إلا إذا خرجت من الثلث، وكذلك الوصايا، لا يصح أن يوصي بأكثر من الثلث، ولا يصح أن يوصي للورثة بأي شيء، بل الورثة يكفيهم إرثهم.
ثم ذكر الله تعالى أن الوصية تكون لمن ترك خيراً، وفسروا ذلك بما إذا ترك مالاً كثيراً فإنه يوصي، وتكون وصيته على المستحب بالخمس، قال أبو بكر ﵁: رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه.
يعني: قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] فأوصى بالخمس.
وقال ابن عباس ﵄: وددت لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لقول النبي ﷺ : (والثلث كثير) أي: فلا يزاد على الثلث، ويستحب أن ينقص منه إلى الربع، وهذا الحديث هو حديث سعد بن أبي وقاص، يقول: (عادني النبي ﷺ بمكة وأنا مريض، فقلت: يا رسول الله! إني امرؤ ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا.
قلت: فالشطر؟ قال: لا.
قلت: فالثلث؟ قال: الثلث؛ والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) فذكر هنا أن الثلث كثير، وأن سعداً لا يرثه إلا بنت واحدة، أي: وزوجته، وبقية المال يأخذه عصبته كإخوته وبنيهم، ومع ذلك منعه من أن يزيد على الثلث، وقال: الثلث كثير، وعلل بإغنائه لورثته، أي: احرص على أن تغني ورثتك.
ثم إن سعداً شفي من ذلك المرض وتزوج، وولد له أولاد منهم مصعب بن سعد، وعامر بن سعد، وعمر بن سعد وغيرهم، ومع ذلك يظهر أنه التزم بما عاهد عليه النبي ﷺ بأن يخرج الثلث، يوصي به كصدقة، وذكروا أنه توفي في حدود سنة ست وخمسين.
فالحاصل أن في هذا أن منع الزيادة على الثلث لحق الورثة، فلذلك لا يضار الورثة، ولا يجوز له أن يوزع أمواله في حياته حتى لا يترك لهم شيئاً، حتى ولو كانوا قد أساءوا صحبته، ولو أنهم قد عصوه أو عاملوه معاملة سيئة، فلا يجوز له إخراج أمواله وتفريقها إضراراً بهم.
وأما إذا أراد أن يتصدق في حياته ولو بمال كثير أو يوقف، فإن له ذلك ولو بأكثر من النصف، أي: أن الإنسان في حياته يتصرف بما يريد، فيخرج من ماله ما يريد، وأما بعد الموت فلا يزيد على الثلث، وورد حديث: (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) أي: عفا عن ذلك، وأباح لكم عند الوفاة أن تتصدقوا بالثلث ليكون زيادة في أعمالكم، وأما بقية المال فإنه يكون للورثة، أي: إذا أخرج الثلث فالثلثان للورثة.
стр. 1174
حكم الوصية بأكثر من الثلث لمن يرثه غير أحد الزوجين
ذكروا أنه إذا لم يكن للمرأة وارث إلا الزوج، فيجوز لها أن تخرج أكثر من الثلث؛ لأن الزوج أجنبي، وكذلك الزوج إذا لم يكن له وارث إلا الزوجة جاز أن يزيد على الثلث، فيجوز له أن يوصي بالنصف أو بالثلثين أو ما أشبه ذلك، وما ذاك إلا أن الزوجة أو الزوج يعتبر كأجنبي؛ فلأجل ذلك يعرف بأن الورثة هم العصبة والأقارب ونحوهم.
وقول المصنف ﵀: (يسن) أي: يستحب، (لمن ترك مالاً كثيراً عرفاً) أي: باعتبار عرف الناس، وقد تكون العشرة الآلاف في بعض الأزمنة كثيرة، وفي بعضها المائة الألف قليلة، أي: بالنسبة إلى حاجة الفقراء ونحوهم، فالكثرة والقلة بحسب عرف الناس وعادتهم.
стр. 1175
حرمة الوصية لوارث
بعد أن ذكر المصنف أنه تحرم الوصية ممن يرثه أحد غير الزوجين بأكثر من الثلث لأجنبي، ذكر أن الوصية لوارث بشيء حرام، وذكرنا الحديث: (لا وصية لوارث) ، فالوصية لا تصح لوارث، بل الوارث يكفيه ميراثه، وأما الأجنبي فلا يصح الوصية إلا بالثلث فأقل، وكذلك إذا أوصى بأعمال البر، فلا يزيد على الثلث.
стр. 1176
حكم الوصية لوارث أو لغيره بأكثر من الثلث إن أجاز ذلك الورثة
إن أجاز الورثة الزيادة، أو أجازوا الوصية للوارث فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم وقد أسقطوه، فإذا قال: يا أولادي! أخوكم هذا قد خدمني ونفعني، وأنتم مستقلون بأنفسكم، فإني أوصي له بالربع؛ لأنه انقطع في خدمتي، فسمحوا له في الحياة، ثمن انتقضوا بعد الموت، وقالوا: لا نسمح.
فهل يجوز؟ يجوز ذلك؛ لأن ملكه للوصية إنما يكون بعد الموت، وقبل الموت طاعتهم وسماحهم له سماح قبل الملك، فإنهم لا يملكون الميراث ولا التركة إلا بعد الموت، فإذا سمحوا بعد الموت نفذ، وأما قبل الموت فلا يعتبر سماحهم، فلهم أن يرجعوا بعد الموت.
وكذلك لو أوصى بالنصف، وسمحوا قبل الموت، ثم انتقضوا بعد الموت فلهم ذلك، أما إذا سمحوا بالنصف الذي أخرجه بعد الموت فإنه ينفذ.
وتصح الوصية موقوفة على الإجازة، أي: موقوفة على إجازة الورثة، فإذا قالوا بعد الموت: أبونا أوصى لك يا أخانا بمائة ألف، أو أوصى لك بالربع، ونحن قد سمحنا قبل الموت، والآن أيضاً نسمح بعد الموت، فأجازوا ما أوصى به أبوهم لأخيهم، فإنه يجوز ذلك.
كذلك أيضاً إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي، قال: أعطوا أخي -وهو غير وارث- أو عمي نصف المال، أو أعطوا أعمامي وأخوالي خمسي التركة، فسمحوا في حياته، ثم بعد الموت سمحوا وأجازوا ذلك، صحت الوصية، فالإجازة لا تكون إلا بعد الموت.
стр. 1177
حكم الوصية لمن وارثه محتاج
قال المصنف ﵀: (وتكره وصية فقير وارثه محتاج) .
أي: إذا كان ماله قليلاً، وورثته فقراء، فإن البر فيهم، والأجر فيهم، فله أن يترك ماله القليل لورثته ليتعففوا، وليكفوا وجوههم عن الحاجة للناس، لقوله في الحديث: (خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) أي: يسألونهم، والسائل عادة يمد كفه، يقول: يا فلان! أعطني، يا فلان! تصدق علي، فيسمى هذا التسول تكففاً، بمعنى أنه يمد كفه، هذا معنى (يتكففون الناس) .
فلذلك إذا كان المال قليلاً والورثة محتاجين، فالصدقة فيهم، بل هي صدقة وصلة وبر وإغناء لأولاده عن أن يحتاجوا، فهذا معنى قوله: (وارثه محتاج) أي: تكره وصيته إذا كان فقيراً وورثته محتاجين.
أما إذا لم يكن له وارث إلا بيت المال فله أن يوصي بماله كله؛ لأنه والحال هذه ليس هناك وارث يحتاجه، فبعض الناس منقطع ليس له أقارب يمسك الحق والمال لأجلهم، فله أن يتصدق بماله كله في الحياة، وله أن يوصي به كله لأعمال البر.
стр. 1178
المحاصة في الوصية
قال المصنف ﵀: (فإن لم يفِ الثلث للوصايا تحاصوا فيه كمسائل العول) .
تقدم قريباً الفرق بين العطية والوصية، حيث ذكر أن العطية يبدأ فيها بالأول فالأول، وأما الوصية فيتحاصون فيها، أي: تقسم بينهم على قدر أنصبائهم إذا لم يفِ الثلث.
مثال ذلك كما سبق: قلنا: إذا كان مريضاً فقال في مرضه: أعطوا زيداً ألفاً.
ثم قال بعد يومين: أعطوا خالداً ألفين.
ثم قال بعد يوم: أعطوا سعيداً ألفين.
فكان مجموع العطايا خمسة آلاف، ثم لم نعطهم شيئاً لأنه مريض، وبعدما مات وجدنا أن ثلث التركة أربعة آلاف، ففي هذه الحالة نقول: لك يا زيد ألف لأنك أولهم، فخذ وصيتك كاملة، ولك يا خالد ألفين، وصيتك كاملة لأنك بعد زيد، ولك يا سعيد ألف، لأنه ما بقي من الثلث إلا ألف، فهو أمر لك بألفين لكن لم يبق إلا ألف، فتأخذ الألف الذي بقي.
هذا معنى أنه يبدأ بالأول فالأول في العطية.
وأما الوصية فإنهم يتحاصون، ففي هذه الحال إذا كان لزيد ألف، ولخالد ألفان، ولسعد ألفان، ووجدنا أن ثلث التركة أربعة آلاف، أي: نقص الخمس عن الوصايا؛ لأن مجموع الوصايا خمسة آلاف، والثلث إنما هو أربعة آلاف، فنقص الخمس، ففي هذه الحالة يتحاصون، فيسقط الخمس على كل واحد منهم، فالذي له ألف يسقط خُمُسه، فيبقى له ثمانمائة، والذي له ألفان يسقط الخمس، فيبقى ألف وستمائة، وبذلك تنقسم عليهم الأربعة الآلاف التي هي الثلث، هذا معنى قوله: يتحاصون فيه كمسائل العول.
وسيأتي العول في الفرائض، وأنه ينقص على الورثة بقدر سهامهم، وذلك عندما تزيد السهام وتنقص الحظوظ، مثاله: إذا ماتت امرأة ولها أم وأخت وزوج، فإن الزوج له النصف، والأخت لها النصف، والأم لها الثلث، فمن أين نعطي الأم؟ يدخل النقص عليهم، فكل واحد منهم ينقص نصيبه، فنقسم المال إلى ثمانية أسهم، فلك يا زوج ثلاثة أثمان، ولك يا أم ربع، ولكِ يا أخت ثلاثة أثمان، فدخل النقص عليهم جميعاً، هكذا مسائل العول.
стр. 1179
الواجبات المقدمة على الوصية في التركة
قال المصنف ﵀: (وتخرج الواجبات من دين وحج وزكاة من رأس المال مطلقاً) .
وذلك لأن هذه حقوق متعلقة بذمة المالك، فتعتبر مقدمة في التركة، فإذا كان عليه ديون فإنها تقدم على الوصايا، ذكر عن علي ﵁ أنه قال: (إنكم تقرءون الوصية قبل الدين، وإن رسول الله ﷺ بدأ بالدين قبل الوصية) ، يريد قول الله في آيات المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] ، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] ، فقدم الوصية، فإذا مات شخص، فهل نقدم الوصية أو نقدم الدين؟ يقدم الدين، وما ذاك إلا لأن الدين حق آدمي قد استغله المالك، وقد استهلكه في حياته، فهو متعلق بذمته، وذمته مشغولة به، وفي الحديث (نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى عنه) ، فلذلك لابد أن يقدم الدين.
ذكروا أن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمضايقة، فلذلك نعرف أنها تؤدى قبل حقوق الله تعالى كالزكاة والحج؛ لأنها مبنية على المسامحة والمساهلة، ولذلك لا تجب الزكاة على الفقير، ولا يجب الحج على العاجز، ولكن إذا كان في المال فضل ومات ولم يحج لزم أن يخرج من ماله نفقة حج وعمرة من بلده، فلابد من ذلك، ويكون مقدماً على الوصايا، ويكون من رأس المال.
وكذلك أيضاً الزكوات، إذا مات وقد حلت الزكاة في ماله من نقود أو ماشية أو ثمار أو حبوب، فإنها تخرج من رأس المال؛ لأنها تعتبر ديناً، فالزكاة دين في ذمة الميت، فيخرج كما يخرج الدين الذي لآدمي، بمعنى أن هذه كلها تقدم على الوصية، وتخرج من رأس المال، ثم بعد ذلك تخرج الوصايا، أي: يبدأ بدين الآدمي، ثم بدين الله تعالى الزكاة والحج، ثم بالوصايا، والباقي يقسم على الورثة.
стр. 1180
الوصية للعبد
ذكر المصنف ﵀ أن الوصية تصح لعبده بمشاع كثلثه.
العبد لا يملك لأنه مملوك، ولكن إذا أوصى له بمشاع كثلث التركة عتق منه بقدر الثلث، أو عتق كله، أو عتق وأخذ الباقي؛ فلذلك صحت بمشاع، ولا تصح بمعين؛ لأن العبد لا يملك.
فلو قال: إن مت فأعطوا عبدي هذه الأرض أو هذا البستان أو هذا المنزل.
فنقول: العبد مملوك فكيف يملك؟ وكذلك لو قال: أعطوه من تركتي ألفاً أو عشرين ألفاً.
فلا يملك؛ لأنه هو وما بيده لسيده، فلذلك لا تصح الوصية للعبد إلا بمشاع.
والمشاع هو أن يقول: بثلث أو ربع أو خمس، إذا قال: أعطوا عبدي ربع التركة، صح ذلك، ثم يكون حينئذ كأنه أوصى بعتق ذلك العبد، فيعتقون منه بقدر الثلث، والباقي يكون رقيقاً؛ فإن عتق كله وبقي شيء من الثلث أخذه.
مثال ذلك: إذا كانت قيمة العبد خمسة آلاف، وقال: أوصيت لعبدي بثلث التركة.
فنظرنا وإذا المال الذي تركه عشرة آلاف، وقيمة العبد خمسة آلاف، مجموعها خمسة عشر ألفاً، وثلثها قيمة العبد، فيكون هو الثلث، فيعتق كله، فكأنه قال: أوصيت بثلثي في عتق عبدي، فيعتق العبد.
فلو كانت التركة ثلاثين ألفاً، قيمة العبد منها خمسة آلاف، أي: عنده خمسة وعشرون ألفاً، وعنده عبد يساوي خمسة آلاف، وقال: أعطوا عبدي الثلث.
فيعتق العبد وقيمته خمسة آلاف، وهل يستحق شيئاً؟ نعم، يستحق بقية الثلث؛ لأن ثلث المال عشرة آلاف، من جملتها قيمة العبد، فنقول في هذه الحال: قيمتك خمسة آلاف، وبقي من الثلث خمسة آلاف خذها.
فيكون قد أوصى بعتقه، وبجزء من ماله، والبقية يتقاسمها الورثة.
وكذلك إذا لم يعتق كله، لو قدرنا أن التركة عشرة آلاف، وقيمة العبد خمسة آلاف، وقد أوصى له بالثلث، فنظرنا وإذا ثلث التركة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون، وقيمة العبد خمسة آلاف، ففي هذه الحال يعتقون منه بقدره، والباقي يبقى رقيقاً، أي: إذا نسبناه وجدنا أن ثلاثة آلاف وثلاثمائة تعتبر ثلث التركة، وتعتبر ثلثي العبد، فيعتقون من العبد ثلثيه، ويبقى ثلثه رقيقاً.
فالحاصل أنه إذا أوصى لعبده بمشاع كثلثه عتق منه بقدره كالثلثين في مثالنا، فإن فضل شيء أخذه، كما في المثال الأول الذي قلنا: إن التركة فيه ثلاثون ألفاً والعبد منها، فعتق كله، وأخذ بقية الثلث خمسة آلاف.
стр. 1181
الوصية بالحمل
تصح الوصية بالحمل إذا تحقق وجوده، فإذا قال: إذا مت فحمل هذه الشاة أو هذه الناقة أو البقرة أو الفرس لزيد.
وزيد ليس من الورثة، فتصح الوصية إذا تحقق وجوده.
وكذلك تصح أيضاً للحمل، فإذا قال -مثلاً-: أوصيت لحمل فلانة -امرأة حامل كأخته أو عمته -فقال: إذا مت فأعطوا الحمل الذي في بطنها شاة من غنمي أو ناقة، فالوصية هاهنا للحمل، فإذا كان موجوداً حال الوصية وانفصل حياً، فإنها تصح الوصية له.
стр. 1182
ما لا تصح الوصية به
ما الذي لا تصح الوصية به؟ لا تصح الوصية بالمعصية، فلا يقول: ثلثي تعمر به الكنائس؛ لأنها معابد النصارى، وكذلك إذا قال: يعمر من ثلثي بيت النار؛ لأنه معبد المجوس، فقد كانوا يعبدون النار.
وكذلك لو قال: ثلثي يطبع به الإنجيل، أو تطبع به التوراة وتفرق؛ فلا تصح هذه الوصية؛ لأنها إعانة على معصية، ولأن هذه الكتب محرفة؛ ولأن ما فيها منسوخ بالقرآن، فلا يجوز أن يوصي بطبعها وتوزيعها.
стр. 1183
الوصية بالمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه
قال المصنف ﵀: (وتصح بمجهول وبمعدوم وبما لا يقدر على تسليمه) ، وذلك لأنها تبرع.
قوله: (تصح بمجهول) مثل الحمل فإنه مجهول، فإذا قال: حمل هذه الشاة أوصيت به لزيد.
فإنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، واحد أم عدد، حي أم ميت، فإذا ولد فهو له سواء كان ذكراً أو أنثى، عدداً أو واحداً.
وكذلك المعدوم، فإذا قال: ما تحمله هذه النخلة فأعطوه زيداً بعد موتي.
والنخلة ما حملت في ذلك الوقت، فحملها معدوم، فيصح الوصية بالمعدوم؛ وذلك لأنه إن حصل شيء أخذه الموصى له، وإذا لم يحصل شيء فإنه لا يضره شيء.
وكذلك تصح بما لا يقدر على تسليمه؛ لأنه إن قدر فهو له، وإن لم يقدر فلا يضره ولا يخسر شيئاً، وتقدم مثال ذلك في البيع: كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والمغصوب في يد غاصبه، فإذا قال: عبدي الذي هرب قد أوصيت به لزيد، أو جملي الذي شرد هو بعد موتي لزيد، أو قال: أرضي التي غصبها فلان هي لزيد بعد موتي.
فإن قدر وخلصها فهي له، وإن غُلب عليها فلا يضره.
كذلك أيضاً الطير في الهواء، تقدم أنه لا يجوز بيعه ولو كان يألف الرجوع كالصقر وغيره، فبيعه لا يجوز، ولكن الوصية به تجوز؛ لأنه إن قدر عليه وجاءه ونزل عليه فهو له، وإلا فلا يخسر شيئاً.
стр. 1184
حكم ما حدث بعد الوصية
قال المصنف ﵀: (وما حدث بعد الوصية يدخل فيها) أي: ما حدث بعدها يدخل فيها، فإذا قال: هذه الشاة بعد موتي أعطوها زيداً وصية، ثم ولدت الشاة في حياته ومات، فهي له، أو كانت حائلاً وحملت ومات وهي حامل، فحملها له.
أو أوصى بالشجرة وليس فيها ثمر، وحملت الثمرة، ومات وفيها ثمر -النخلة أو نحوها- فما حدث بعد الوصية يدخل فيها، وولد الدابة يلحقها.
стр. 1185
بطلان الوصية بتلف معين أوصى به
قال المصنف ﵀: (وتبطل بتلف معين وصى به) ؛ وذلك لأنه إذا وصى بشيء وتلف فلا حيلة في أن يرد، فإذا قال: هذه الشاة أو هذه الفرس إذا مت فأعطوها زيداً.
فماتت الشاة أو الفرس قبل أن يموت بطلت الوصية، وليس له شيء، فلو أوصى لك بشاة وماتت، أو باعها، أو تصرف فيها بطلت الوصية.
стр. 1186
الوصية بالأنصباء والأجزاء
هناك تعبير للفقهاء، وهو: الوصية بالأنصباء والأجزاء.
يقولون: باب الوصية بالأنصباء والأجزاء كما في زاد المستقنع، وذكر المصنف ذلك هاهنا إجمالاً، قال ﵀: (إذا وصى بمثل نصيب وارث معين، فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة) أي: إذا قال: إذا مت فأعطوا أخي مثل نصيب بنتي، وكان له ولدان وبنت، فالولدان لهما أربعة أسهم، والبنت لها سهم، فماذا نعطي أخاه؟ نعطيه سهماً آخر مثل نصيب البنت، فنقسم المال ستة أسهم، فيكون للابن سهمان، وللابن الآخر سهمان، وللبنت سهم، وللأخ سهم -أي: من ستة- هذا معنى أنه وصى له بمثل نصيب أحدهما، أي أنه قال: بمثل نصيب بنتي.
فإن قال: أعطوه مثل نصيب زوجتي، وكان له ابن وزوجة، فإن نصيب الزوجة الثمن، فمخرجه من ثمانية، في هذه الحال نجعل المال تسعة، فللزوجة سهم، وللأخ سهم، وللابن سبعة أسهم، فأعطيناه مثل نصيب الزوجة، فأصبحت المسألة من تسعة، فهذا معنى قوله: (مضموماً إلى المسألة) .
وإذا كان له ابنان وله أخ، فقال: أعطوا أخي مثل نصيب أحد أولادي، فللولدان سهمان وللأخ سهم، فيأخذ الأخ ثلثاً، ويأخذ كل واحد من الولدين الثلث.
أما إذا قال: أعطوا أخي -مثلاً- نصيب ولدي، وليس له إلا ولد وبنت، فمعنى ذلك أنه يأخذ أكثر من الثلث، فيأخذ الخُمُسين، وذلك لأن الولد يأخذ سهمين، والبنت تأخذ سهماً، والأخ يأخذ سهمين، فأصبح للأخ سهمان من خمسة، وهي أكثر من الثلث، فلا تصح إلا بإجازة الورثة هذا معنى قوله: (إذا وصى بمثل نصيب وارث معين) أي: كابنه أو بنته أو زوجته أو أمه، (فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة) أي: ننظر مخرج المسألة، ونجعل السهم الذي أوصى به زائداً عليها مضموماً إليها، سواء كان واحداً أو أكثر.
لو كان له جدة، وله أم، وله أخ، فالأم تأخذ الثلث، والأخ يأخذ الباقي وهو قدر الثلثان، وقد أوصى بمثل نصيب الأم لجدته، فقال: أعطوا جدتي مثل أمي، ففي هذه الحال نقسم المال أرباعاً، فنقول: الجدة لها سهم، والأم سهم، والأخ سهمان، فصار للأم الربع؛ لأن المسألة كانت من ثلاثة: الأخ له اثنان، والأم لها واحد؛ لأن الأخ الواحد لا يحجبها، فلما كانت ثلاثة أضفنا إليها رابعاً حيث جعلنا للجدة مثل الأم، فتكون من أربعة.
أما إذا لم يعين، بل قال: أعطوا أخي مثل نصيب أحد الورثة، ولم يقل: أمي ولا زوجتي ولا بنتي، ففي هذه الحال يعطى مثل ما لأقلهم، أي: ينظر أقلهم فيعطى مثله.
فإذا كان له زوجتان وابن، وأوصى لأخيه بمثل نصيب أحد ورثته، فإننا ننظر إلى أن الزوجتين كل واحدة لها نصف الثمن، وأن الابن له سبعة أثمان، فأخوه الذي أوصى له نعطيه نصف الثمن، وذلك مثل ما لأقلهم، فنفرض أن المسألة من ستة عشر، كل زوجة لها سهم من ستة عشر، والابن له أربعة عشر، نزيد فيها سهماً فنجعلها من سبعة عشر، فلأخيه سهم من سبعة عشر، وزوجتاه لكل واحدة سهم، ولابنه أربعة عشر سهماً؛ لأنه قال: مثل أحد ورثتي.
والزوجة من ورثته، فنحتاط للورثة، ونعطي الموصى له مثل ما لأقلهم.
وكذلك لو كان له -مثلاً- خمسة أبناء وخمس بنات، وقال: أعطوا أخي مثل ما لأحد ورثتي، فالخمسة الأبناء لهم عشرة أسهم، والخمس البنات لهن خمسة، الجميع خمسة عشر سهماً، يصير نصيب كل بنت واحداً من خمسة عشر، فنعطي أخاه سهماً واحداً مثل سهم بنت، فنجعل المسألة من ستة عشر، ونقول: للأخ واحد من ستة عشر، ولكل واحد من الأولاد الذكور من الستة عشر سهمان، ولكل بنت سهم، هذا معنى قوله: (مثل ما لأقلهم) .
стр. 1187
الوصية بسهم من المال
إذا أوصى بسهم من ماله فيعطى السدس؛ لأن أقل ما تطلق عليه كلمة (السهم) عند الإطلاق السدس، فإذا قال: أعطوا أخي سهماً من التركة، وكان له عشرة أولاد، فيكون لأخيه السدس، والعشرة الأولاد خمسة أسداس، كل واحد له نصف السدس؛ وذلك لأنه نص على سهم، إلا إذا كان هناك قرينة، وأنه يريد بالسهم واحداً من سهام المسألة، ففي هذه الحال سهام المسألة عشرة، فيضم إليها واحد، فيعطى سهماً من أحد عشر سهماً.
стр. 1188
الوصية بشيء من المال أو حظ أو جزء
إذا أوصى وقال: أعطوه من مالي شيئاً.
ولم يحدد، فللوارث أن يعطيه ما شاء، ولو أن يعطيه عشرة أو مائة أو شاة أو نحو ذلك.
وكذلك لو قال: أخي له حظ من مالي بعد موتي.
فكلمة (حظ) لا تدل على شيء معين، فيعطيه الوارث ما شاء.
وكذلك إذا قال: أعطوه جزءاً من مالي.
فكلمة (جزء) تصدق على ربع العشر، وعلى جزء من مائة جزء، فيعطيه الوارث ما شاء.
فنعرف بذلك أن الموصى له هو الذي يعطى من الوصية، ولابد أن يكون عاقلاً يملك، وقد تقدم أنه لا يجوز الوقف على من لا يملك، فكذلك الوصية، فلا يجوز أن يوصى لملك من الملائكة، ولا أن يوصى لجني، ولا أن يوصى لقبر؛ وذلك لأنه لا يملك، وإذا وجدت هذه الوصية فهي باطلة، والمال كله للورثة.
وإذا كانت وصية على معصية صرفت إلى طاعة، كالوصية على شيء فيه شرك، كأن يوصي بعمارة المشاهد التي تعبد من دون الله، ففي هذه الحال يصرف للمساجد وما أشبهها.
стр. 1189
شرح أخصر المختصرات [٤٩]
من أراد الوصية فعليه أن يوصي إلى من يرتضيه الشرع وصياً، بحيث يكون مؤهلاً للقيام بالمسئولية المناطة به، وقد ذكر الفقهاء صفاته وشروطه، والأعمال التي يقوم بها، وضوابط ذلك.
стр. 1190
شروط الموصى إليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويصح الإيصاء إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل، ولو ظاهرًا، ومن كافر إلى مسلم، وعدل في دينه.
ولا يصح إلا في معلوم يملك الموصي فعله.
ومن مات بمحل لا حاكم فيه ولا وصي، فلمسلم حوز تركته، وفعل الأصلح فيها من بيع وغيره، وتجهيزه منها، ومع عدمها منه، ويرجع عليها أو على من تلزمه نفقته إن نواه، أو استأذن حاكمًا] .
هذا الفصل يتعلق بالموصى إليه، والفقهاء يذكرون باب الموصي، وباب الموصى به، وباب الموصى له، وباب الموصى إليه.
والمراد بالموصى إليه الوكيل الذي يتولى تنفيذ الوصية، فمن شروط الموصى إليه: أن يكون مسلماً مكلفاً رشيداً عدلاً ولو ظاهراً، فلا يصح أن يوكل كافراً إلا عند الضرورة، دليل ذلك قول الله تعالى في آية الوصية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦] إلخ الآية.
وسبب نزولها: أن رجلاً من قريش كان مسافراً ومعه مال، وفيه جام ثمين، فحضره الموت وليس عنده إلا اثنان من النصارى، فأوصى بماله، فتوليا وصيته، ثم إنهما جحدا من تركته جاماً له قيمة، فجاءوا بتركته إلى قبيلته من بني سهم، فقالوا: أين الجام؟ فقالوا: لا نعرفه، ثم عثر على الجام بعد ذلك وقد بيع، وأخبر المشتري بمن باعاه، وهما الوصيان، فأنزل الله هذه الآية، وهي تدل على أنه إذا لم يكن عنده من يوصي إليه، فله أن يوصي إلى كافر، وإذا خيف أن هذا الكافر لا يؤدي الأمانة فإنه يستحلف، كما قال ((فيقسمان بالله)) أي: يحلفان بعد الصلاة، كما في هذه الآية: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ﴾ [المائدة:١٠٦] .
فإذا خيف أنهما كتما، حلف اثنان من أولياء الميت: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة:١٠٧-١٠٨] ، فهذا في حالة الضرورة.
واشترطوا في الوكيل أن يكون مكلفاً، فلا يوكل على تركته أو على وصيته صغيراً غير مميز، ولا يوكل مجنوناً فاقد العقل.
واشترطوا أيضاً أن يكون رشيداً، والرشد هو الصلاح في المال، فالرشيد هو الذي يكون مصلحاً للمال، وحافظاً له، ومواظباً عليه، ومأموناً عليه، أما إذا كان مفسداً للأموال سفيهاً مسرفاً، فلا يصح أن يوكل.
ومن شروطه أن يكون عدلاً، والعدالة تكون في الدين وتكون في الدنيا، فلا يصح أن يوصي إلى فاسق، والفاسق هو من يفعل المنكرات والفواحش، ويفعل الآثام، وما أشبهها، ففي هذه الحال لا تصح الوصية إليه.
فالإسلام، والعقل، والبلوغ، والرشد، والعدالة، هذه شروط الموصى إليه، وهو الوكيل.
ويشترط أن يكون عدلاً ولو ظاهراً، أي: يكون عدلاً في الظاهر، فيقولون: لا نعلم عنه إلا خيراً، وباطنه أمره إلى الله.
стр. 1191
إيصاء الكافر إلى مسلم أو عدل في دينه
قال المصنف ﵀: (وتصح من كافر إلى مسلم) أي: يصح أن الكافر يوكل ويوصي إلى مسلم.
قال: (وعدل في دينه) ، أي: يصح أن الكافر يوصي أو يوكل عدلاً في دينه، أما المسلم فلا يوصي إلى كافر إلا عند الضرورة كما ذكرنا.
стр. 1192
شروط الموصى به
شروط الموصى به أن يكون معلوماً، والموصى به هو المال، أو الأفعال التي يوصى بها، وذلك كأن يقول: أوصيت بوقف هذا البيت، أو أوصيت بالأضحية بهذه الشاة، أوصيت بالصدقة بهذا الألف، أوصيت بالصدقة بهذه الأكياس، وما أشبهها، فهذا هو الموصى به.
ويشترط أن يملكه الموصي، فلا يقول: إذا مت فأعتقوا عني عبد فلان، أو أوقفوا لي بيتاً؛ لأن هذا لا يملكه، ولا يقول: ضحوا عني بشاة فلان؛ لأنه لا يملكها، فلا يوصي إلا بشيء من ملكه، وكذلك أيضاً الأفعال.
ومعلوم أن الإنسان إنما يملك ما ولي، فلا يصح أن يقول: أوصيت زيداً على أولاد أخي، فأبوهم أولى بهم، أو يقول: على أن يقسّم تركة أخي، فيقال: أخوك هو الذي يوصي.
فلابد أن يكون ذلك الفعل الذي أوصى به يملك ذلك الموصي فعله.
стр. 1193
من مات بمحل ليس فيه حاكم ولا وصي
ذكر المصنف ﵀ أن من مات بمحل ليس فيه حاكم، ولا وصي، فعلى من حضره من المسلمين أن يتولوا تركته ويحوزها المسلم العدل، ويفعل ما فيه الصلاح من بيع أو غيره، كإنسان غريب في بلد، وقدر أنه ليس في تلك البلد قاض، فأتاه الموت وهو في تلك البلدة بعيداً عن أهله، فلا تترك تركته تضيع وينتهبها الناهبون، بل يتبرع أحد المسلمين الأكفاء فيتولى تركته، فيجمع أمواله وتركته، وديونه وحقوقه، وإذا جمعها حفظها، فإن كان وصى بصدقة نفذها، وإذا احتاج شيء إلى أن يباع باعه إذا كان ذلك أصلح، فإذا كان فيها بهائم تحتاج إلى علف، ولا يمكن أن يشتري لها، ويخاف أن تموت جوعاً فإنه يبيعها، وإذا كان فيها شيء يفسد كأطعمة أو تمور أو فواكه فإنها يبيعها ولا يتركها تفسد، وإذا كان فيها شيء يخاف عليه التلف فإنه يبيعه كثياب يخشى عليها الحرق ونحوه، ويحفظ ثمنها، ثم يرسل بها إلى بلده التي فيها أهله.
وإذا احتاج الميت إلى التجهيز يجهزه من تركته، أي: أجرة تغسيله، وقيمة الحنوط، وثمن الكفن، وأجرة الحفار ونحوها، فيجهزه ذلك المسلم الذي تولاه من تركته محتسباً للأجر.
فإن عدمت التركة فلم يكن له مال، ولم يكن عنده شيء، ففي هذه الحال يجهزه من نفسه، إما تبرعاً وصدقة وإما قرضاً، فيحتسب ما جهزه به، ثم يرجع به على ورثته أو على أهله، فيخبرهم بأنه مات، وخسرت على تجهيزه مائة أو مائتين، فله أن يطالبهم بما جهزه به.
هذا إذا لم يوجد متبرع، فيرجع بها على تركته أو على من تلزمه نفقته إن نواه.
وقوله ﵀: (أو استأذن حاكماً) أي: إذا كانت نيته أن يرجع على ورثته أو تركته أو أذن له الحاكم وقال: أنت يا فلان موكل على أن تجهزه، فرخص له الحاكم فجهزه، ففي هذه الحال يرجع على من تلزمه مؤنته.
стр. 1194
شرح أخصر المختصرات [٥٠]
من أهم العلوم التي ينبغي العلم بها: علم الفرائض، وهو علم قسمة التركة بين الورثة، ولا يتم ذلك إلا لمن أتقن هذا العلم، فعرف أسباب الميراث وموانعه وشروطه، والحقوق المتعلقة بالتركة وغير ذلك.
стр. 1195
مقدمة تمهيدية عن علم الفرائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الفرائض: أسباب الإرث: رحم، ونكاح، وولاء.
وموانعه: قتل، ورق، واختلاف دين.
وأركانه: وارث، ومورث، ومال موروث.
وشروطه: تحقق موت مورث، وتحقق وجود وارث، والعلم بالجهة المقتضية للإرث.
والورثة: ذو فرض، وعصبة، وذو رحم] .
نبدأ في كتاب الفرائض وهو علم مستقل كان الأولون يهتمون به، ويولونه عناية، وقد أكثروا فيه من التأليف قديماً وحديثاً، ومن أشهر ما ألف فيه منظومة الرحبي المشهورة بالرحبية، ذكر في مقدمتها أهمية هذا العلم بقوله: وأن هذا العلم مخصوص بما قد شاع فيه عند كل العلماء بأنه أول علم يفقد في الأرض حتى لا يكاد يوجد ولكن الناظم نظمها على مذهب زيد قال: عن مذهب الإمام زيد الفرضي إذ كان ذاك من أهم الغرض فاقتصر على مذهب زيد، ومدح ذلك بقوله: وأن زيداً خص لا محاله بما حباه خاتم الرساله من قوله في فضله منبها أفرضكم زيد وناهيك بها ثم ذكر أنه أيضاً مذهب الشافعي بقوله: فكان أولى باتباع التابعي لا سيما وقد نحاه الشافعي فالحاصل أنه اقتصر على مذهب زيد.
ثم إن العلماء ﵏ تعرضوا للفرائض في كتب الفقه كما في هذا الكتاب، واختصروا أو توسعوا بحسب تلك الكتب التي ألفت، وأفردت هذه الفرائض في مؤلفات مفردة، ومن أسهلها رسالة شيخنا الشيخ ابن باز ﵀ وتسمى: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، ألفها من نحو ستين عاماً، عندما كان قاضياً مدرساً، فألفها وطبعت، وهي سهلة التناول، ثم جاء بعده من ألف وزادوا في تآليفهم بالجداول التي يرسمونها ويذكرون فيها أصل المسألة وعولها، وسهام كل وارث، وكذلك يذكرون فيها مصح المسألة أو تصحيحها، وهذه الجداول تسهلها.
توجد نسخة الشيخ ابن باز لعلنا نحصل على نسخ منها، نأتي بها إن شاء الله يوم السبت، الذي ليست عنده يأخذها، يفرقها الشيخ فهد، والذي هي عنده يرجع إليها، والذي عنده أيضاً نسخ أخرى تغني عنها كعدة الباحث لأحكام الموارث للشيخ عبد العزيز بن رشيد، وكذلك رسالة الشيخ صالح بن فوزان في الفرائض، وأيضاً كتاب: الفوائد الملية في المباحث الفرضية كتاب كبير للشيخ ابن سلمان.
وأيضاً شروح هذه القصيدة التي هي الرحبية فمنها شرح للشنشوري، وشرح لـ سبط المارديني، وفي كل حال فإنها تحتاج إلى عناية، وتحتاج إلى تفهم، وإلى توسعة، وقد لا تتضح من شرحنا، وذلك لأن الكتاب مختصر، فيرجع إلى المؤلفات الأخرى من خفي عليه شيء.
معلوم أن فيها اصطلاحات، وتلك الاصطلاحات لا تعرف إلا بعد التكرر وبعد التأكد وبعد التنفيذ، فلذلك ينبغي أن يتفطن طالب العلم للاصطلاحات الفرضية، ويطبقها، ويعلم معناها حتى يفهم المراد.
تعرف الفرائض: بأنها العلم بقسمة المواريث، أو العلم بقسمة التركات، والفرائض جمع فريضة، واشتقاقها من الفرض، وهو يدور على معان أصلها الحز والقطع، يقال: فرضت في الخشبة، أو فرض الحبل في الخشبة فرضاً، أي: حز فيها، وفرضه بالسكين، فأصل الفرض الحز والقطع.
وسميت فرائض؛ لأنها محددة، وهي في اللغة جمع فريضة، بمعنى مفروضة، ولعلهم أخذوا تسميتها من القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١١] ، فسماها فريضة، فجمعوها فرائض، وسموها بهذا الاسم.
следующие страницы →