Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
تحريم الزواج بالزانية حتى تتوب
تحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَان أَوْ مُشْرِك﴾ [النور:٣] ، ففي الآية تحريم نكاح الزانية، سيما إذا كانت مصرة على الزنا؛ وذلك لأنها فاجرة، ولأنها تستحق الحد الذي هو العقوبة المشروعة، فلا يتزوجها لئلا تدخل عليه أولاداً من غيره؛ لأنها إذا زنت وحملت من غيره نسبت الأولاد الذين هم من الزنا إليه، فيترتب على ذلك مفاسد، فلا يجوز أن يتزوجها إلا بعد توبتها، ولكن بعدما تقام عليها الحدود، فإذا زنت واعترفت وهي بكر وجلدت مائة جلدة، وغربت، وظهرت منها التوبة والندم، وعرف بذلك أنها صادقة في توبتها، وانقضت عدتها من ذلك الحمل، أو من ذلك الزنا، ففي هذه الحال يحل أن يتزوجها؛ لأنها أصبحت عفيفة، وأما قبل ذلك فلا يجوز، قال الله تعالى: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ، فإذا تابت أصبحت من الطيبات، وقبل ذلك كانت من الخبيثات، والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦] .
стр. 1332
تحريم المطلقة ثلاثاً
تحرم على الرجل مطلقته ثلاثاً، فإذا طلقها ثلاث طلقات حرمت عليه، وتُسمى بائناً بينونة كبرى، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: الطلاق الرجعي، كما قال قبل هذه الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] يعني: في الطلقتين، فإذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها فله مراجعتها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، فلا تحل مطلقته إذا كان قد طلقها طلاقاً ثلاثاً -وهي البائنة- حتى تنكح زوجاً غيره، وحتى يطأها ذلك الزوج بشرطه، يعني: لابد أن يطأها الوطء الصحيح، كما في حديث المرأة التي ذكرت للنبي ﷺ أنه طلقها زوجها، وأنها تزوجت بعده، وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال ﷺ : (لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته) يعني: حتى يطأها الوطء الذي يوجب الغسل، يطأها بنكاح صحيح مع الانتشار في قبلها، فلو وطأها في الدبر أو باشرها دون الفرج؛ فإنها لا تحل لزوجها الأول، حتى يطأها الثاني وطئاً صحيحاً.
стр. 1333
تحريم زواج المسلمة بالكافر والمسلم بالكافرة إلا الكتابية
تحرم المسلمة على الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْد مُؤْمِن خَيْر مِنْ مُشْرِك﴾ [البقرة:٢٢١] فالعبد المؤمن المملوك خير من الحر المشرك، وإذا أسلمت تحته فرق بينهما، فإن أسلم في العدة رجعت إليه، وإلا حرمت عليه.
قوله: (تحرم كافرة على مسلم، إلا حرة كتابية) .
لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] عصمتها يعني ذمتها، أي: إذا كان لكم زوجات كافرات فلا تمسكوهن بعصمتهن، ولما نزلت الآية طلق عمر بن الخطاب ﵁ زوجتين له كانتا بمكة كافرتين.
ويقول تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَة مُؤْمِنَة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] يعني: مملوكة خير من حرة مشركة، واستثنوا الحرة الكتابية؛ لأن الله تعالى أباح نكاح الكتابية؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾ [المائدة:٥] ، فمثل هذه تحل بهذه الشروط: الشرط الأول: أن تكون كتابية، يعني: من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) ، فإذا كانت وثنية فلا تحل، وإذا كانت مجوسية، أو هندوسية، أو بوذية، أو قاديانية؛ فإنها لا تحل.
الشرط الثاني: لابد أن تكون متمسكة بكتابها، فإذا كانوا يتسمون بأنهم يهود، ولكنهم لم يتمكسوا بما في كتابهم، أو نصارى ولم يعملوا بالإنجيل العمل الواجب، بل يخالفونه؛ فليسوا كتابيين، وذلك لأن من شريعة الكتابيين في التوراة والإنجيل تحريم الزنا، وأما الموجودون الآن بكثرة فإنهم لا يحرمون الزنا، ويتسمون بأنهم نصارى أو يهود، يذكر لنا الذين يسافرون إلى فرنسا وبريطانيا وأمريكا أن المرأة هناك لا تتورع عن الزنا، وأن الزنا عندهم أسهل شيء، ولا يغار أحد على ابنته، ولا على موليته، ففي هذه الحال، هل تكون كتابية أصلاً؟! لا تكون كتابية حقيقة.
الشرط الثالث: أن تكون محصنة، والمحصنة هي المتعففة، أما إذا كانت غير عفيفة فلا تحل، وكثير من الذين يسافرون إلى البلاد الخارجية يقول أحدهم: أتزوجها؛ لأنها كتابية، ولا يشترط أن تكون عفيفة، ولا يشترط أن تكون متمسكة بكتابها، وقد تكون مرتدة، أو لا تكون كتابيةً حقيقية، فنقول: نكاحها حرام، والله تعالى ما أباح إلا نكاح اللاتي هن من أهل الكتاب حقاً، بشرط كونهن محصنات؛ لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] المحصنات يعني: العفيفات، فإذا لم تكن محصنة فلا يحل لك أن تتزوجها، وإذا لم تكن من أهل الكتاب المتمسكين بكتابهم فلا تحل لك، ولا يحل أن تتزوجها.
الشرط الرابع: أن تكون حرةً، فإذا كانت أمة كتابية فلا تحل لمسلم.
стр. 1334
تحريم زواج المسلم بالأمة المسلمة إلا للضرورة
يحرم على الحر المسلم نكاح الأمة المسلمة، إلا إذا خاف عنت العزوبة، واحتاج إلى نكاحها لحاجة متعة أو خدمة، وعجز عن طول حرة أو ثمن أمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥] يعني: من المملوكات، فاشترط ألا يستطيع طولاً، والطول هو: المهر، فإذا كان لا يقدر على مهر الحرة، ولا على ثمن أمة يستمتع بها إذا وجد الإماء فله أن يتزوج أمة، ثم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٥] يعني: خشي الزنا، يعني: خاف من مشقة عنت العزوبة أن تحمله الشهوة على فعل الفاحشة، فلذلك قال: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ) أي: خاف (الْعَنَتَ) أي: عنت العزوبة، وكانت حاجته الاستمتاع لكسر حدة شهوته أو الخدمة أيضاً، قال الله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥] ؛ وذلك لأنه إذا تزوجها صار أولاده عبيداً لسيدها؛ لأن الأولاد يتبعون أمهم، فيتحسر إذا رأى أولاده مملوكين يباعون ويشترون؛ فلذلك الصبر خير.
стр. 1335
تحريم زواج العبد بسيدته والسيد بأمته
يحرم على العبد سيدته، وعلى السيد أمته؛ لأن العبد ليس كفئاً أن يتزوج سيدته، فهو في ملكها؛ لأنها أرفع منه، والسيد يطأ أمته بملك اليمين، فليس بحاجة إلى أن يتزوجها وكذلك أمة ولده لا يحل له أن يتزوجها، إلا إذا لم يكن الابن قد وطأها، وخرجت من ملكية ولدها.
وقد ورد في فضل من أعتق الأمة ثم تزوجها الحديث المشهور: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين -وذكر منهم- السيد الذي علم أمته ثم أعتقها وتزوجها) .
قوله: (يحرم على الحرة قن ولدها) يعني: مملوك ولدها، فالحرة لا يحل لها أن تتزوج عبدها، ولا عبد ولدها؛ لأنها أرفع منه.
стр. 1336
من حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا الأمة الكتابية
يقول المصنف ﵀: (ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين؛ إلا أمةً كتابية) .
(من حرم وطؤها بالعقد) مثلاً: حرم وطء أخت الزوجة بالعقد؛ فكذلك يحرم بملك اليمين، فلو كان لزوجتك أخت مملوكة اشترتيها فلا تطأها، وإن كانت مملوكة لك؛ لئلا تدخل في قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] ، وكذلك عمة زوجتك، وخالة زوجتك، وما أشبه ذلك.
والمؤلف هنا لم يذكر من المحرمات للجمع إلا قوله: (أخت معتدته، وأخت زوجته) .
والصحيح أيضاً: أن عمة زوجته، وخالتها، وبنت أخيها، وبنت أختها محرمات عليه، حتى يفارق زوجته.
стр. 1337
شرح أخصر المختصرات [٦٠]
يجب الوفاء بالشروط إذا لم تحل حراماً أو تحرم حلالاً، وأحق الشروط التي يجب الوفاء بها -إذا كانت شروطاً جائزة- الشروط في النكاح، وقد بين الفقهاء أحكام الشروط في النكاح، وما يجوز منها وما لا يجوز.
стр. 1338
الشروط في النكاح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: والشروط في النكاح نوعان: صحيح كشرط زيادة في مهرها، فإن لم يف بذلك فلها الفسخ.
وفاسد يبطل العقد، وهو أربعة أشياء: نكاح الشغار، والمحلل، والمتعة، والمعلق على شرط غير مشيئة الله تعالى.
وفاسد لا يبطله كشرط أن لا مهر، أو لا نفقة، أو أن يقيم عندها أكثر من ضرتها أو أقل.
وإن شرط نفي عيب لا يفسخ به النكاح فوجد بها فله الفسخ.
فصل: وعيب نكاح ثلاثة أنواع: نوع مختص بالرجل كجب وعنة، ونوع مختص بالمرأة كسد فرج ورتق، ونوع مشترك بينهما كجنون وجذام، فيفسخ بكل من ذلك، ولو حدث بعد دخول، لا بنحو عمىً وطرش وقطع يد أو رجل إلا بشرط، ومن ثبتت عنته أجل سنة من حين ترفعه إلى الحاكم، فإن لم يطأ فيها فلها الفسخ.
وخيار عيب على التراخي لكن يسقط بما يدل على الرضا، لا في عنة إلا بقول.
ولا فسخ إلا بحاكم، فإن فسخ قبل دخول فلا مهر، وبعده لها المسمى يرجع به على مُغرِّ.
ويقر الكفار على نكاح فاسد إن اعتقدوا صحته، وإن أسلم الزوجان -والمرأة تباح إذن- أقرا] .
هذا الفصل يبوبون عليه: باب الشروط في النكاح، وقد سبق أنهم قالوا: باب الشروط في البيع، وهنا قالوا: باب الشروط في النكاح، وهي: ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر، وهي قسمان: - شروط صحيحة.
- وشروط باطلة.
وقد ورد الوفاء بالشروط في النكاح في قول النبي ﷺ : (إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج) يعني: أن الشروط التي تشترطها المرأة، وتحل نفسها لك بها، عليك أن توفي بها.
والشرط هو ما يلتزم به الزوج للزوجة، أو ما تلتزم به الزوجة لزوجها، ويكون محل الشروط صلب العقد، أي: الشروط التي يلزم الوفاء بها هي التي يشترطونها عند العقد، ويكتب ذلك في العقد، فيكتب في العقد أنه اشترط الولي على الزوج لزوجته أن يسكنها في بيت مستقل، أو اشترط ألا يسافر بها، أو اشترط ألا يتزوج عليها، وقد تكثر الشروط التي يحتاج إلى كتابتها، ويختار الإشهاد عليها، فيكتبونها ويشهدون عليها عند العقد، وإذا خالف فيها فلها طلب الفسخ؛ لأنه حق لها، ومعلوم أنه إذا أدخل عليها زوجة أخرى في بيتها فإنها تتضرر، فلها أن تطلب الفسخ، وتقول: إما ألا تدخل علي الزوجة أو فارقني.
كذلك أيضاً إذا شرط لها ألا يسافر بها، فإن لها شرطها، وكذلك إذا شرط لها ألا يخرجها من دارها أو من بلدها، فإن هذا من الشروط التي لها فيه مصلحة، وهكذا أيضاً إذا اشترط عليه أن يزوّرها أهلها كل أسبوع أو كل شهر أو كل سنة، فلها شرطها، ولها المطالبة به، وكذلك إذا شرطت زيادة في المهر، فإذا كان مهر أخواتها -مثلاً- عشرة آلاف فاشترطت عشرين ألفاً فلها شرطها، وهكذا إذا شرطوا أيضاً شرطاً قد وجد له أصل في الشرع، ويكون ذلك من باب التأكيد، فإذا شرطوا ألا يُركبها مع أجنبي في السيارة، أو ألا يخلو بها أجنبي، فهذا شرط أقره الشرع، وكذلك إذا شرطوا على الزوج ألا يدخل عليها جهاز الدش ونحوه، ولو طلبت ذلك، وهكذا إذا شرطت أن تبقى في وظيفتها، أو شرطت أن تواصل دراستها حتى تكملها، أو شرطت -إذا كانت موظفة- أن لها راتبها، أو أن يوصلها إلى المدرسة، أو إلى محل عملها، كل ذلك من الشروط التي يجب الوفاء بها.
أما الشروط التي تحلل حراماً فلا يجوز اشتراطها ولا الوفاء بها، فلو شرطت أن يمكنها من دخول السوق متى أرادت، أو أن تخرج من بيته متى شاءت، فهذا شرط يخالف الشرع، أو شرطت مثلاً أن يمكنها من نزع الحجاب، كما يكون ذلك في بعض البلاد، أو من حضور الحفلات التي فيها منكرات، أو النوادي، أو من الألعاب التي فيها منكر ونحوه، فهذا شرط يخالف مقتضى الشرع، فلا يجوز الوفاء به، ولو رضي بذلك عند العقد، فإن في الحديث: (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) .
وإذا شرطت ألا يتزوج عليها فبعض العلماء يقول: لا يصح؛ لأن هذا شرط يحرم حلالاً، ولكن الجمهور على أنه صحيح؛ وما ذاك إلا لأن عليها ضرراً من الضرة، وعلى هذا إذا أراد الزواج بأخرى فإنه يخيرها، ويقول: أنا أريد أن أتزوج، فإما أن توافقي، وإما أن تطلبي الفراق، أي: إذا رغب في ذلك النكاح، وكان هناك دوافع، لكن قد تقول: إن الطلاق ضرر عليَّ، فقد يكون ضرراً عليها، لاسيما إذا أتت بولد واحد أو عدد، فإن ذلك يكون إساءة لسمعتها، وإذا طلقت فقد لا يرغبها الرجال، ويقولون: هذه قد نشزت وفارقها زوج، فلا يرغب فيها غيره، فلذلك يرى بعض العلماء أن عليه الوفاء بهذا الشرط، وألا يتزوج عليها، ولو تضرر.
والصحيح: أنه إذا احتاج إلى ذلك فإنه يخيرها بين أن تبقى معه مع الزوجة الجديدة أو تفارقه، فيكون لها الخيار.
فإذا لم يف بهذه الشروط أو ببعضها فلها طلب الفسخ، ولها أن تذهب إلى الحاكم وتطلب منه أن يفسخ النكاح إذا جاءت بالشرط، وقد تقول: قد شُرط عليه كذا، وهذه صورة العقد، أو هؤلاء الشهود الذين يشهدون، فأطالب إما أن يفي بما شُرط عليه، وإما أن يخلي لي السبيل، ويكون هذا أوثق لها، روي أن عمر ﵁ رفع إليه رجل تزوج امرأة، وأنها شرطت عليه ألا يسافر بها، فقال: مقاطع الحقوق عند الشروط، يعني: أن الحقوق تقطعها الشروط، فالشروط أوثق، وأولى ما يوفى به شروط النكاح، قال النبي ﷺ : (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) ، فإذا كان هناك شروط في العقد لزم الوفاء بها.
стр. 1339
الشروط التي تبطل النكاح
الشروط الفاسدة: منها شروط تبطل العقد، ومنها شروط فاسدة والعقد صحيح.
والشروط التي تبطل العقد أربعة:
стр. 1340
نكاح الشغار
الأول: نكاح الشغار، صورته: أن يقول لك: أزوج ابنك ابنتي، بشرط: أن تزوج ابني ابنتك، أو زوجني بنتك، بشرط: أن أزوجك ابنتي، أو لا أزوج ابنك إلا إذا زوجت ابني، فهذا هو نكاح الشغار.
واختُلف في سبب تسميته، فقيل: كلمة (الشغار) مشتقة من الشغر الذي هو الفراغ، يقال: شغر البيت، يعني: خلي ولم يكن فيه ساكن، ومحل شاغر، ومركز شاغر، أي: خالٍ، فقيل: إنه سمي من الفراغ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يخلونه من المهر، فيقول أحدهم: زوجني بنتك وأزوجك ابنتي، ولا صداق، وتكون هذه عوض هذه، يعني: بضع هذه هو مهر الثانية، وبضع هذه هو مهر الأولى، فلا يكون بينهما شيء من المهر، هذا تفسير للشغار.
وروي في حديث ابن عمر أنه فسر الشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بينهما.
ورجح بعض المحققين أن تفسيره من كلام ابن عمر، وقيل: إنه من كلام نافع، فعلى هذا هل يكون حجة؟ وهل يستدل به على أن الشغار هو الذي لا يكون فيه مهر؟ ذهب إلى ذلك بعض العلماء كالأحناف، فقالوا: الشغار صحيح، ولكن يفرض لكل منهما، فإذا تم العقد فإننا نقول: يا هذا! أعط زوجتك مهراً، وأنت أيضاً أعط زوجتك مهراً، أي: مهر أمثالها، ويبقى النكاح على حاله صحيحاً.
والقول الثاني: أنه باطل ولو سُمي لها صداقاً، ولو أعطيت صداقاً بعد العقد أو قبله، وقالوا: إنه ورد في الحديث تفسيره أن يقول: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، زوجني أختك بشرط أن أزوجك أختي، أو نحو ذلك، ويكون العلة فيه هو الاشتراط: لا أزوجك إلا إذا زوجتني، أو لا أزوج ابنك إلا بشرط أن تزوج ابني، فيكون هذا مفسداً له؛ لأنه لابد غالباً أن يحصل إكراه لإحدى الزوجتين، فإنه قد يكره ابنته لمصلحته، ويلجؤها على أن توافق؛ لأن له مصلحة بأنه سوف يتزوج، فيقول: يا ابنتي! اقبلي حتى يزوجوني، أو حتى يزوجوا ابني، فيكرهها، فيكون فيه غالباً إكراه إحدى الزوجتين، أو إكراه كلتيهما، والإكراه لا يجوز، وقد تقدم أنه لا يجوز تزويج البكر إلا بإذنها، ولا الثيب إلا بأمرها، كما في الحديث: (والبكر يستأذنها أبوها) ، فإذا كان هناك عدم رضا فلن تصلح الحال، ولن تستقيم الأمور، فلذلك حرم هذا النكاح، كما يقع في كثير من القرى ومن البوادي، يقع عندهم هذا، ثم تحصل مفسدة، وهو أن أحدهما إذا نشزت امرأته وذهبت إلى أهلها، وابنته صالحة مع زوجها، جاء إلى ابنته وأخذها قهراً، وقال: انشزي يا بنتي! كما نشزت ابنتهم، أو آخذ ابنتي قهراً ولو كانت موافقةً لزوجها، ولو كان بينهما أولاد، ولو كانت تحبه ويحبها، فيصر على أن يأخذها قهراً، ويكون في ذلك مفسدة.
هذه هي العلة في تحريم الشغار.
أما إذا لم يكن هناك شرط، وكان هناك رضاً من الطرفين، ودفع لكل واحدة منهما ما تستحقه، ففي هذه الحال يظهر أنه لا بأس به، فإذا قال: أهلاً وسهلاً، أنا سوف أزوجك أو أزوج ابنك، وابنتي موافقة، فأعطها مهرها الذي تستحق، فقال: مهرها كذا وكذا، وعندي أيضاً ابنة إذا تريدها فإنها توافق عليك أو على ابنك، ولم يكرهها، ولا ألزمها، فهي راضية، ولكن لابد أن تدفع لها مهرها، وكل واحد منهم يقول: أنا سوف أزوجك سواء زوجتني أم لا، وإذا زوجتني فإني سوف أعطي ابنتك حقها، فمثل هذا لا بأس إذا حصل التراضي.
стр. 1341
نكاح التحليل
الثاني: المحلل، وهو: الذي يتزوج المرأة لأجل أن يحلها لزوجها الذي طلقها ثلاثاً، كأنه مستأجَر، وقد اشترطوا عليه وقالوا له: تزوجها بشرط أنك متى وطأتها فإنها تطلق منك، أو يلزمك أن تطلقها، ويقصدون بذلك إحلالها لزوجها، وقد يكون الزوج الذي طلق هو الذي يتفق مع هذا الجديد فيقول له: تزوج امرأتي فلانة فإني قد طلقتها، وحُرمت عليّ، بشرط: أنك تبيت معها ليلة ثم تفارقها، حتى أراجعها بعدما تطلقها وتعتد، وقد تقدم في ذكر أنواع المحرمات أنها تحرم عليه مطلقته حتى تنكح زوجاً آخر ويطؤها، فإذا كان ذلك الذي تزوجها ما قصد إلا إحلالها، أو استأجره أهلها أو زوجها حتى يحلها، فإن هذا باطل، والأحاديث فيه كثيرة، أورد ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] أحاديث كثيرة في لعن المحلِّل والمحلَّل له، وفي بعضها تسمية هذا المحلِّل (التيسَ المستعار) ، والتيس هو ذكر المعز، يعني: كأن زوجها استعاره حتى يطأ زوجته، أو كأنه تيس يُستعار حتى ينزو على المعزى حتى تحبل، فهذه تسمية للتنفير، أما إذا تزوجها برضا وباختيار، وما قصد بذلك إلا النكاح، ففي هذه الحال لو طلقها بعد ذلك باختياره حلت للأول.
ثم قد يكون هذا من المرأة، كثيراً ما تندم المرأة إذا طلقت ثلاثاً، وتتمنى الرجوع إلى زوجها، والزوج لا يشعر بذلك منها، فتتزوج، وإذا دخل بها الزوج ووطأها نفرت منه، وافتدت أو خالعت، أو قالت: لا أريده، ويكون قصدها بذلك أن تحل للأول، فهل يكون هذا تحليلاً؟
الجواب
لا يكون إذا كان الزوج الأول لم يتدخل في هذا، والزوج الثاني ما له دخل، ولا قصد إحلالها، وإنما هي التي نفرت، وطلبت فراقه حتى تحل للأول، فمثل هذا الوعيد عليها هي، وأما الزوج فلا وعيد عليه، ولا يلحقه هذا اللعن.
стр. 1342
نكاح المتعة
الثالث: نكاح المتعة، وهو الذي تحدد فيه المدة، بأن يقول للمرأة: تزوجتك مدة شهر، أو يقول وليها: زوجتكها مدة أسبوع، ويعطيها صداقاً يسيراً كدرهم أو دراهم معدودة، ثم إذا مضت المدة التي حددوها حصل الفراق بينهما، هذا النكاح ورد أنه أبيح في غزوة الفتح، والصحيح: أنه ما أبيح إلا فيها، ثم حرم فيها؛ وذلك لأنهم لما دخلوا مكة كانوا عشرة آلاف، وأكثرهم عزّاب، وأعراب، ومسلمون جدد، ويشق عليهم طول العزبة، ودخلوها في نصف رمضان، أو في العشر الأواخر، ومكثوا ستة عشر أو سبعة عشر يوماً، ففي تلك المدة مع عشرة أيام في الطريق خاف النبي ﷺ عليهم العنت؛ لكونهم حديث عهد بالإسلام، فأباح لهم نكاح المتعة، بأن يتزوج الرجل المرأة على ثوب، أو على خمسة دراهم، ويمكث معها عشرة أيام أو أسبوعاً يستمتع بها، ثم يفارقها إن انتهت المدة، ثم هي تعتد، أو تستبرئ، وإن حملت فإن حملها يكون منه، وإن لم تحمل لا تتزوج غيره إلا بعدما تحيض حيضة، حتى تعرف براءة رحمها، ولما مضت عشرة أيام أو نحوها أعلن أنه زواج محرم، وبقي تحريمه أبداً، وما ذاك إلا لأنه لا يُسمى نكاحاً شرعياً، وهذه المرأة لا تُسمى زوجة، ولا يتوارثان، ولا يحصل بهذا عشرة زوجية، فلذلك نهي عنه نهياً مؤبداً، وبقي كذلك، إلا عند الرافضة فإنهم يبالغون في أنه حلال، ويدّعون أنه كان حلالاً في العهد النبوي، وأن الذي حرمه عمر بن الخطاب ﵁، فيعيبون على عمر، ويطعنون فيه بأنه هو الذي حرم هذا النكاح، وكذبوا، بل التحريم من عهد النبي ﷺ ، وعمر إنما نهى عن متعة الحج، فتوهموا أنه نهى عن متعة النكاح، ومعنى متعة الحج، أي: التمتع بالحج إلى العمرة، حتى لا يجمع الإنسان في سفر واحد بين حج وعمرة، بل يسافر للعمرة سفراً مستقلاً، وقصده بذلك ألا يبقى البيت مهجوراً؛ لأنهم إذا اعتمروا مع حجتهم بقي البيت طوال السنة لا يأتي إليه أحد، مع أنه ليس نهياً صريحاً، إنما هو نهي كراهة، أو نهي من باب ما هو الأحسن، فلما رأوا في صحيح مسلم أو في غيره أنه نهى عن المتعة، جعلوها متعة النكاح، وقد وقع في بعض الروايات في صحيح مسلم، وكذلك في مصنف عبد الرزاق: أنه نهى عن متعة النساء، والصحيح: أنه خطأ من الراوي.
وكذلك أيضاً روي عن بعض الصحابة أنه كان يبيحه كـ ابن عباس، ولكن الصحيح أن ابن عباس ما أباحه إلا للضرورة، وقد أنكر عليه بعض الصحابة حتى علي ﵁، وكان ابن عباس يبيح أيضاً أكل لحوم الحمر، فيقول: إنها حلال، فرد عليه علي في هاتين المسألتين، في المتعة وفي الحمر، كما في الحديث الذي في الصحيح عن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) فجمع بينهما في حديث، وأتى بكلمة: (يوم خيبر) ظرفاً لتحريم الحمر لا ظرفاً للمسألتين، وتوهم بعض العلماء أن النهي عن نكاح المتعة كان في خيبر، والصحيح: أنه ما أبيح إلا في غزوة الفتح، وحرم في تلك الغزوة.
وقد ناقش أدلة الرافضة كثير من أهل السنة، ولهم مؤلفات في ذلك، والرافضة لهم مبالغة في إباحتها، ولا يزالون هكذا، ولا يعتبر بخلافهم؛ لأنهم ليسوا من أهل السنة.
стр. 1343
تعليق الشرط على غير مشيئة الله
الرابع: المعلق على شرط غير مشيئة الله تعالى.
إذا قال: زوجتك بشرط رضا أخيها، وأخوها غائب، فهذا معلق على شرط، أو زوجتك بشرط بقائها إلى سنة أو نصف سنة، أو زوجتك بشرط نجاحها في هذا الاختبار، فهذا غيب ولا يُدرى، لأجل ذلك يكون هذا باطلاً، فإذا أرادوا العقد عند تحقق الشرط فليعقدوا لها عقداً جديداً لا بتعليق.
стр. 1344
الشروط الباطلة التي لا تبطل العقد
هناك شروط فاسدة لا تبطل العقد، بل يبطل الشرط ويصح العقد، فإذا شرط ألا مهر لها، فالعقد صحيح والشرط باطل، وتعطى مهر أمثالها؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء:٤] ، وإذا شرط ألا نفقة لها، أو شرط ألا تطالبه بنفقة ولو خبزة أو رغيفاً، صح العقد وبطل الشرط؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، فالأصل أن الزوج عليه نفقة امرأته، لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، وكذلك قول النبي ﷺ : (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ، فالنفقة واجبة على الزوج، لكن إذا كان لها دخل وساعدته في نفقتها أو في نفقة الأولاد جاز ذلك.
ومن الشروط الباطلة: إذا شرط أن يقيم عندها أكثر من ضرتها أو أقل، فإذا قالت: بشرط أن تقيم عندي أربعة أيام، وعند ضرتي يوماً، أو تقيم عندي ثلاثة، أو يومين، فهذا شرط ينافي العدل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣] فلابد أن يعدل بينهما.
وكذلك إذا كان قد شرط عليها: ما لك إلا يوم في الأسبوع، والبقية لضرتك، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطل، والعقد صحيح.
وإذا شرط نفي عيب لا يفسخ به النكاح، فوُجد بها؛ فله الفسخ، مثلاً: إذا شرط أنها ليست أمية، فوجدت أمية لا تقرأ ولا تكتب، فهذا الشرط لا يبطل العقد، ولكن إذا كان قد شرط ذلك فله شرطه، وله طلب الفسخ، ويُرد عليه صداقه، وكذلك لو شرط أنها بيضاء وبانت سوداء، أو شرط أنها جميلة وبانت دميمة، فالعقد صحيح، ولكن لما تخلّف المطلوب فله الفسخ، وكذلك لو شرط أنها سليمة وصحيحة من العيوب، فوجد بها مثلاً نقص إصبع أو زيادته، أو مثلاً جروحاً يسيرة في البدن، فإن هذا أيضاً لا يبطل به العقد، لكن إذا قال: أنا شرطت فيها السلامة، ووجدت فيها عيوباً أو عيباً؛ فله الفسخ.
стр. 1345
عيوب النكاح
الفصل الثاني في عيوب النكاح، والعيب هو: ما يكون نقصاً في أحد الزوجين، بحيث تنفر النفس من ذلك العيب، أو لا يحصل كمال الاستمتاع، أو لا يحصل كمال الألفة، أو ما أشبه ذلك، فإذا وجد هذا العيب فإنه يكون سبباً في الفراق.
وذكر المصنف أن العيوب ثلاثة أنواع: قسم يختص بالرجال، وقسم يختص بالنساء، وقسم يوجد في الرجال وفي النساء.
فالذي يختص بالرجال: كجبّ وعنة، والجب هو: قطع الذكر، وهذا بلا شك عيب؛ لأنه لا يحصل به الاستمتاع، والمجبوب لا يكون زوجاً يحصل منه الإنجاب، ولا يحصل منه الاستمتاع.
وإذا كان مقطوعاً نصف ذكره فإنه قد يحصل منه الاستمتاع أو الوطء، ولكن لا يكون استمتاعاً كاملاً، فلها طلب الفسخ.
وأما العنة: فهي عدم القدرة على الوطء، العنين هو: الذي لا يحصل منه الانتشار الذي يتمكن معه من الوطء، فإن بعض الناس ليس عنده شهوة، أو عنده شهوة ضعيفة بحيث إنه لا يحصل منه الانتشار والانتصاب، فلا يحصل منه قدرة على الوطء، فيكون هذا عيباً، فللمرأة طلب الفسخ إذا ظهر أنه عنين.
والنوع الثاني يختص بالنساء: ذكروا أن من النساء من يكون في فرجها سد يسمى الرتق والعفل، والرتق هو: انضمام الفرج والتحامه، فلا يتمكن زوجها من الاستمتاع، يقال: امرأة رتقاء، أي: ملتصق فرجها بعضه ببعض، ومن الرتق قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: كانت السموات ملتصقة بالأرض ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠] .
وكذلك العفل مرض يكون أيضاً في الفرج، يمنع من كمال الاستمتاع، ويشبهونه بالأدرة التي قد تكون في الرجل، والآدر هو: الذي فيه فتق في أسفل بطنه، فتنحدر منه أمعاؤه، حتى تجتمع في الأنثيين، هذه تسمى الأدرة، فيكون في النساء هذا الفتق، فيكون أيضاً عيباً، ولكنه أغلب ما يكون في الرجل، والآدر: هو الذي فيه هذا الفتق، فيكون أيضاً عيباً، والفتق قد يفسر بنوع آخر وهو: انفتاق ما بين مخرج الحيض ومخرج البول، فإذا كان منفتقاً ما بينهما فإن ذلك أيضاً عيب؛ لأنها في هذه الحالة لا تقدر على استمساك البول، ففي هذه الحال يكون هذا عيباً.
النوع الثالث: العيب المشترك بين الرجل والمرأة: كالجنون، والجذام، والبرص، فإذا وجد في واحد منهما فللآخر طلب الفسخ؛ لأنه مما تنفر منه النفس، فالجنون: فقد للعقل، يقال: جن إذا غُطي على عقله، فإذا تبين أن المرأة مجنونة فله أن يطالب بالفسخ، أو الرجل تبين أنه مجنون فلها المطالبة بالفسخ.
كذلك الجذام، وهو: قروح تخرج في الأنف وفي الوجه وتنتشر، ويكون لها رائحة منتنة، ويخشى أيضاً انتقالها، وفي الحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالجذام من الأمراض الشديدة، وقد ورد الاستعاذة منه، فمن دعاء النبي ﷺ : (أعوذ بالله من البرص، والجنون، والجذام، وسيئ الأسقام) .
والبرص معروف وهو: هذا البهق والبياض الذي يكون في بعض الناس في يديه أو في وجهه أو في أعضائه، فإن كان خفياً في بطن أو ظهر فقد لا يكون عيباً، وإلا فإن النفس تنفر من الشيء الذي يخالف خلقة الإنسان، فيكون عيباً يفسخ به، أما بقية العيوب فلا توجب الفسخ، لكن إذا اشترط نفيها فله شرطه، فإذا شرط ألا عيب فيها، ووجد بها عور، أو وُجد أنها عمياء، أو مشلولة إحدى اليدين، أو عرجاء، أو بها قرع، وهو تمزق شعر الرأس، الأقرع هو: الذي يكون في رأسه هذه القروح التي تمزق الشعر أو نحوه، أو قروح خفية وجروح، أو مرض خفي.
فالحاصل: أنه إذا وجد عيب خفي، وكانوا قد كتبوه؛ فله المطالبة بالفسخ إذا كان مما ينفر النفس، وله أن يرضى به.
وإذا حدث الجنون أو البرص بعد الزواج وبعد الدخول جاز له أن يطلب الفسخ، مع أن هذا ليس بسبب منها، ولا من أهلها، وإنما حدث أنها جنت، أو أصيبت بالجذام بعد ما دخل بها، ولكن النفس تنفر من ذلك.
وهناك عيوب لا تكون ملزمة للفسخ، ولكن إذا كان هناك شرط فـ (المسلمون على شروطهم) ، فإذا لم يشترط نفي العيوب، ووجدها عمياء، أو عوراء، أو وجدت زوجها مثلاً ضعيف البصر يحتاج إلى من يقوده، أو أطرش، والطرَش هو: ثقل السمع، فإذا وجد بأحد منهما طرَش، فإن كان هناك شرط فله شرطه، وإلا فإنه لا يُعد عيباً، وكذلك قطع اليد أو الرجل، سواءً كان حادثاً أو قديماً، وكذلك إذا قطعت إصبعه، فلا يكون هذا موجباً للفسخ إلا بشرط، فإذا شرط: ألا عيب فيها أصلاً من الخلقة، ثم وجدت مقطوعة إحدى اليدين، أو مقطوعة أحد الأصابع بحيث يختل العمل؛ فله طلب الفسخ؛ لأنه شرط نفي العيب.
ومن ثبتت عنته أجل سنة من حين ترفعه إلى الحاكم، ويحدث هذا في كبار السن، فقد تجد أن أحدهم يصاب بضعف الشهوة، والمرأة تريد زوجاً يحصل منه الاستمتاع بها، ففي هذه الحال إذا طلبت منه الاستمتاع ورفعته إلى الحاكم، فإن الحاكم يؤجله سنة، وكذلك إذا ثبتت عنته، أي: أنه لا ينتصب ذكره، ولا يحصل منه الوطء الذي يحصل به الاستمتاع، فإذا ترافعا فالحاكم يؤجله سنة، حتى تمر به الفصول الأربعة، يمر به فصل الربيع، فقد يكون مثلاً بسبب برودة، ويمر به فصل الشتاء، فقد يكون الضعف بسبب حرارة، ويمر به فصل الخريف وفصل الصيف، فإذا مرت به الفصول الأربعة ولم يتبين أنه تغيّر بل بقي على عنته، ففي هذه الحال بعد أن ثبتت عنته، وأجله الحاكم سنة من حين الترافع، فإن لم يطأ فيها فلها طلب الفسخ.
وإذا وجد عيب كعمى وطرش أو صمم أو خرس أو عور أو شلل على التراخي، يعني: سكتت، ولم تطالب الفراق، ومضى عليها سنة أو سنوات ثم طلبت الفراق، فهل يحتج عليها ويقول: أنت قد مكثت عندي سنة أو سنتين راضية بالحال، فلماذا طلبت الفراق بعد ذلك؟
الجواب
لها أن تطلب الفراق ولو بعد عشر سنين؛ لأنه يمكن أنها تقول: كنت أتحمل، أو أتصبر، أو لعله يتغير، فخيار العيب على التراخي، لكن يسقط بما يدل على الرضا إذا دل كلامها أو كلامه على الرضا، فإذا قال: رضيت بها ولو خرساء، فهذا دليل على رضاه، أو قال: رضيت بها ولو عرجاء فكذلك، أو قالت: رضيت به ولو أعور، أو أعمى، أو حدث به العمى، أو المرض، فإذا أظهرت الرضا بطل الخيار، فلو طالبت بعد ذلك بالفسخ فليس لها؛ لأنها رضيت به، ومن رضي به في وقت استقر الرضا بعد ذلك.
وأما في عنة فلا يسقط، ولا خيار إلا بالقول، فالعنين خياره لا يسقط إلا بقول، وصورة ذلك: إذا قالت: رضيت به عنيناً، أي: رضيت أن يبقى معها ولو كان عنيناً، فيسقط خيارها.
وأما الفسخ فهو: فسخ النكاح، بمعنى: أنها تطالب بالفسخ، ولا يفسخه إلا الحاكم، فإذا ترافعا إلى الحاكم، وقالت: أريد فسخ النكاح بيننا، فإنه هو الذي يتولى فسخه، وإذا فُسِخ النكاح قبل الدخول فلا مهر؛ لأن الصداق إنما كان بسبب العقد، وهاهنا تبين أن العقد لا يصح، وأنه لا يُقر على تلك الحال، فلا تستحق عليه لا مهراً ولا نصف المهر، وأما إذا دخل بها فإنها تستحق المهر كاملاً بما استحل من فرجها، ولكن يرجع به على الذي غرّه أو أوهمه أنها سليمة، سواء الأب أو الأخ أو الواسطة بينهما، يقول: أنت خدعتني، دخلت بها ووجدت بها عيب كذا وكذا، وقد أخذت مني المهر كاملاً، فأنت الذي خدعتني، فيرجع به عليه.
стр. 1346
أحكام نكاح الكفار، وحكم إذا أسلم أحد الزوجين أو كلاهما
ذكر المصنف نكاح الكفار، وأنهم يقرون على النكاح الفاسد الذي اعتقدوا صحته، كنكاح بلا ولي، أي: أن تزوج المرأة نفسها، كذلك أيضاً إذا كان هناك نكاح بلا إيجاب ولا قبول، مثاله: اجتمع رجل وامرأة في الجاهلية وقال: زوجيني نفسك، فأخذ بيدها دون أن يكون هناك إيجاب أو قبول، فإذا اعتقدوا صحته صح ذلك.
وإذا أسلم الزوجان والمرأة تباح أُقرا على نكاحهما، أي: إذا كانت تباح في تلك الحال، وإلا فرق بينهما.
رووا: أن فيروزاً الديلمي أسلم وعنده أختان، فأمره النبي ﷺ أن يفارق إحداهما، ولكن يعتزل الثانية حتى تستبرأ التي فارقها.
وأسلم غيلان الثقفي وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : (اختر أربعاً وفارق سائرهن) ، فإذا أسلموا يقرون على الذي يحله الشرع، والذي لا يحله لا يقرون عليه.
وإذا أسلم المجوسي وعنده في ذمته أحد من محارمه أمر بفراقها؛ وذلك لأنه محرم، والمجوس يستبيح أحدهم أن يتزوج بنته أو أخته أو أمه أو غيرهن، فإذا أسلموا أمروا بفراق من هي من المحارم.
стр. 1347
شرح أخصر المختصرات [٦١]
مما فرضه الله للمرأة على الزوج: الصداق، وهي تستحقه كله بالدخول عليها، وتستحق نصفه إذا فارقها بعد العقد وقبل الدخول، ويستحب في الصداق أن يكون معجلاً، ويجوز تأجيله، وتكره المغالاة في المهور.
стр. 1348
أحكام الصداق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصداق.
يسن تسميته في العقد وتخفيفه، وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً، فإن لم يسم أو بطلت التسمية وجب مهر مثل بعقد.
وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صح، فلو طلق قبل دخول رجع بألفها، ولا شيء على الأب لهما، وإن شرط لغير الأب شيء فالكل لها، ويصح تأجيله، وإن أطلق الأجل فمحله الفرقة، وتملكه بعقد.
ويصح تفويض بضع بأن يزوج أب ابنته المجبرة، أو ولي غيرها بإذنها بلا مهر، كعلى ما شاءت أو شاء فلان.
ويجب لها بعقد مهر مثل، ويستقر بدخول، وإن مات أحدهما قبل دخول وفرض ورثه الآخر، ولها مهر نسائها كأمها وعمتها وخالتها.
وإن طلقت قبلهما لم يكن لها عليه إلا المتعة، وهي بقدر يسره وعسره.
ويجب مهر مثل لمن وطئت بشبهة أو زناً كرهاً، لا أرش بكارة معه، ولها منع نفسها حتى تقبض مهراً حالاً، لا إذا حلّ قبل تسليم أو تبرعت بتسليم نفسها، وإن أعسر لحال فلها الفسخ بحاكم.
ويقرر المسمى كله موت، وقتل، ووطء في فرج ولو دبراً، وخلوة عن مميز ممن يطأ مثله مع علمه إن لم تمنعه، وطلاق في مرض موت أحدهما، ولمس أو نظر إلى فرجها بشهوة فيهما، وتقبيلها، وينصفه كل فرقة من قِبله قبل دخول، ومن قِبلها قبله تسقطه.
فصل: وتسن الوليمة لعرس ولو بشاة فأقل.
وتجب الإجابة إليها بشرطه.
وتسن لكل دعوة مباحة، وتكره لمن في ماله حرام كأكل منه، ومعاملته وقبول هديته، وهبته.
ويسن الأكل، وإباحته تتوقف على صريح إذن أو قرينة مطلقاً.
والصائم فرضاً يدعو، ونفلاً يسن أكله مع جبر خاطر.
وسن إعلان نكاح، وضرب بدف مباح فيه، وفي ختان ونحوه] .
стр. 1349
تعريف الصداق
الصداق: هو ما تستحقه المرأة مقابل الزواج بها، سمي صداقاً؛ لأنه يدل على الصدق في دفعه، وأنه ما دفعه إلا لأجل صدقه في طلبها، وفي نكاحها، أو على الصداقة بينهما، قال الله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء:٤] جمع الصدَاق: صدُقات، وأما الصدقة فجمعها: صدَقات.
وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] يعني: نحلاً، والنحل هو: العطاء، تقول: نحلني فلان يعني: أعطاني عطية، ويُسمى أيضاً أجراً كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] ، ويسمى أيضاً فريضة كقوله في هذه الآية: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤] ، وذكر بعض العلماء أن له ثمانية أسماء، ونظمها بقوله: صداق ومهر نحلةٌ وفريضةٌ حباءٌ وأجر ثم عقر علائق.
فله هذه الأسماء، ومنها ما هو مستعمل كثيراً، ومنها ما استعماله قليل، فالجميع اسم لمسمىً واحد، وهو ما تستحقه المرأة مقابل العقد عليها.
стр. 1350
استحباب تسمية الصداق عند العقد
قال المصنف ﵀: (يسن تسميته بالعقد وتخفيفه) ، قوله: (يسن) أي: ليس بلازم، فإذا عقد عليها، ولم يسم لها مهراً، فإنها تُسمى مفوضة، أي: قد فوضت أمرها إلى وليها، أو إلى زوجها الذي لم يسم لها صداقاً بيناً، وقد دل أيضاً على عدم التسمية قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦] يعني: يجوز لكم طلاقهن بعد العقد، ولو قبل الدخول، وقبل الفرض، فدل على أن هناك عقداً لا يكون فيه فرض، أي: تسمية مهر، ولكن يسن تسميته لأجل قطع الخلاف، أي: حتى لا يكون هناك خلاف بينهما في مقداره، وإذا طلق قبله، وكان الصداق بيناً، فتستحق ما سمي لها.
ويسن تسميته في العقد، فإذا عقد الولي يقول: زوجتك موليتي فلانة بصداق ألف، أو بصداق عشرين ألفاً، فيسميه، حتى لا يكون هناك نزاع.
стр. 1351
استحباب تخفيف الصداق
يسن تخفيفه، ورد في حديث: (خير النساء أيسرهن مهراً) أو (أيسرهن مئونة) أو (أفضل النساء أو خير النساء أيسرهن مئونة) ، وورد (أن امرأة تزوجت على نعلين، فقال النبي ﷺ : أرضيت من نفسك بنعلين؟ فقالت: نعم) فأجاز ذلك، وكذلك جاء في الحديث أنه قال لرجل: (التمس ولو خاتماً من حديد) ، فلو جاء بخاتم من حديد لعقد له به، وكذلك أيضاً جاء رجل فقال: (إني تزوجت امرأة على اثني عشرة أوقية) فأنكر عليه وقال: (كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل) ، فأنكر عليه مع أن هذا قليل، فدل على أنه يستحب أن يكون المهر قليلاً، والأوقية: أربعون درهماً، وذكرت عائشة أن مهر نساء النبي ﷺ اثنا عشر أوقية ونشَّاً، أي: ونصفاً، فيكون ذلك خمسمائة درهم؛ لأن الأوقية أربعون درهماً، وأما بناته فمهورهن أربعمائة، يعني: عشر أواق، أربعمائة درهم، إلا أم حبيبة فإنه أمهرها عنه النجاشي بأربعة آلاف دينار، ولم يدفع النبي ﷺ في مهرها شيئاً.
стр. 1352
مقدار الصداق
قال المصنف ﵀: (وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً) ، كل ما صح أجره، يعني: عوضاً عن عمل، والأثمان هي قيم السلع، أو هي التي تجعل ثمناً للسلع، وهي الآن تسمى نقوداً، والنقود تختلف باختلاف البلاد، فإذا قال مثلاً: زوجتك على عشرين ألف ريال، وأطلق، فإنه يرجع إلى نقد البلد، فإن كان في السعودية، فعشرون ألف ريال سعودي، وإن كان في قطر فعشرون ألف ريال قطري، وفي اليمن يمني؛ لأن لكل بلد عملتهم، مع أن اسمه ريال، وإذا كان مثلاً في مصر وعقد على عشرين ألف فإنه يكون بنقد البلد، وهو: الجنيه المصري، وإن كان في السودان فالجنيه السوداني، وكذلك إذا عقد على عشرين ألف ليرة، فإن كانوا في سوريا فمن نقدها، وإن كانوا في لبنان فمن نقدها، وإن كانوا في تركيا فليرة تركية، وهكذا، فهذا معنى أن كل بلد لهم نقدهم، فيسمى بالاسم الذي يتعارف عليه.
وكل ما صح ثمناً صح مهراً، وعندنا الآن الأثمان بالريالات، وقد تكون أيضاً بالدولارات الأمريكية، وذلك لشيوعها وكثرة التعامل بها في كثير من الدول، فإذا قال: زوجتك بخمسة آلاف دولار، صح ذلك مهراً، وهكذا.
وكذلك من الأثمان الجنيه، فإذا قال: زوجتك بخمسين جنيهاً وهم في السعودية فالجنيه السعودي وهكذا.
ويصح أيضاً أن يجعل المهر عرضاً، ففي حديث علي لما تزوج فاطمة، قال له النبي ﷺ : (ادفع لها مهراً، قال: ليس عندي شيء، فقال: أين درعك الحطمية؟ قال: هي عندي، فجعلها مهراً) ، والدرع هي: التي تلبس في الجهاد يتقي بها اللابس وقع السلاح، ولا يلبسها غالباً إلا الرجال، فجعلها مهراً، وكذلك أيضاً لو أصدقها ثوباً أو ثياباً، أو أصدقها عروضاً كأكياس من الأطعمة، أو أدوات من هذه الأواني وما أشبهها، صدق عليه أنه قد أصدقها مهراً، فكل ما صح ثمناً صح مهراً.
وكل ما صح أجرة كذلك، والأجرة هي: التي تؤخذ مقابل عمل، مثلاً: يعمل الإنسان عندك أجيراً، فتعطيه أجرته، فإما أن تعطيه عيناً ونقداً، وإما أن تعطيه عرضاً، فكل ما صح أجرة صح مهراً، فتقول له مثلاً: اشتغل عندي خادماً، وكل شهر أعطيك كبشاً، أي: كل شهر بكبش من الغنم، أو كل أسبوع أجرته ثوب، أو كل شهر أجرته كيس من الأرز أو البر، فكل ما يصلح أن يكون أجرة فيصلح أن يكون مهراً، فيصح أن تمهرها أكياساً من الأرز، أو قطيعاً من الغنم، أو قطعاً من الأقمشة، أو عدداً من الأواني التي تستعمل للشرب أو للطبخ أو للأكل؛ لأنها يصلح أن يكون لها ثمن معين، فيصلح أن تكون مهراً، وقد يصح أيضاً بالحرفة نفسها، فإذا قالت: مهري أن تبني لي هذا البيت، أو مهري أن تحفر لي هذه البئر، أو تركز لي هذا الشجر، أو تسقيه، أو نحو ذلك؛ صح ذلك مهراً، وهو حرفة وعمل، أو أن تطحن لي هذا البر، أو أن تخيط لي هذه الثياب، فيعتبر هذا مهراً؛ لأنه يؤخذ عليه الأجر، والإنسان لا يبني الدار إلا بأجرة، فإذا قيل له: ابنه واجعله صداقاً، أو نزوجك ابنتنا مقابل بنائك لهذا الجدار، أو لهذه الدار، فيصلح أن يكون هذا مهراً.
إذاً: المهر المسمى الأصل أنه عند العقد، ويجب لها مهر المثل إذا لم يسم لها صداقاً، فإذا قال: زوجتك ابنتي، ولم يقل: بصداق كذا وكذا، أو قال مثلاً: نتفق فيما بعد، ثم حصلت الفرقة وهو ما سمى، أو حصلت الوفاة، ففي هذه الحال يجب لها مهر المثل بعقد، يعني: مهر أمثالها التي عُقد عليهن بذلك المهر، كأختها أو شبيهتها من زميلاتها.
وكذلك إذا بطلت التسمية، فلو أصدقها محرّماً فلا يصح، مثلاً: لو أصدقها زقاق خمر، أو أصدقها طبول، أو آلات لهو، أو أصدقها أفلاماً هابطة، أو أشرطة غناء، فهل يصح هذا الصداق؟
الجواب
هذا حرام فلا يصح، وفي هذه الحال يضرب لها مهر أمثالها، أي: من يساويها، فيقال: فلانة التي تساويها في السن، وتساويها في الجمال، وفي النسب، وفي العلم والدراسة، فرض لها كذا، فيفرض لها مثلها.
стр. 1353
حكم أخذ الأب من مهر ابنته
قال المصنف ﵀: (إن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صح ذلك) ؛ وذلك لأن الأب له أن يأخذ من مال أولاده ما لا يضرهم ولا يحتاجون إليه، فإذا أخذ الأب صداق ابنته، فإن له الحق في ذلك، إلا الشيء الذي تتضرر بأخذه كثيابها وأحذيتها وما أشبه ذلك، فإذا قال: أصدقتك ألفاً لك وألفاً لابنتك -التي هي الزوجة- انعقد النكاح وصح، ولزمه الألفان، لكن إذا طلّق قبل الدخول سقط نصف الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي: أعطوهن نصف الفريضة التي فرضتم لهن، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فإن قوله (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) يعني: لو فرض لها ألفين صداقاً، ثم طلقها قبل الدخول استحق أن يطالبها بألف، فيلزمها دفعه، هذا إذا كانت قد قبلت الصداق وقبضته، فإن كان فرض لها ألفين: ألفاً لها وألفاً لأبيها، وطلق قبل أن يدخل بها، رجع بالألف الذي لها، وأما الألف الذي لأبيها فلا تستطيع أن تجبر أباها، وتقول: أعطني الألف الذي قبضته؛ لأن له أن يأخذ من مالها ما لا تحتاجه.
قال المصنف: (إذا طلق قبل الدخول رجع بألفها ولا شيء على الأب لهما) ، لا للزوج ولا للزوجة؛ لأن الزوج أخذ نصفه، ولا يستحق أكثر من النصف، وقد أخذه، وأما الزوجة فإنها لا تطالب أباها، ولا تقول: يا أبي! أخذت مهري؛ لأنه يقول: أخذته؛ لأن الولد وما يملك لأبيه، كما في الحديث: (أنت ومالك لأبيك) .
стр. 1354
إذا اشترط في الصداق شيء لغير الأب فالكل للمرأة
قال المصنف ﵀: (وإن شرط لغير الأب شيء فالكل لها) أي: إذا كان لغير الأب حتى الأم، فلو قال: أصدقتكم عشرة ثياب! لها ثوبان، وآخران لأمها، وآخران لأختها، وآخران لعمتها، وآخران لخالتها، فهذه عشرة ثياب كلها لها، وفي هذه الحال إذا طلق رجع بنصف هذه الثياب، سواء كانت عندها، أو عند خالاتها وأخواتها، وما ذاك إلا أن غير الأب لا يُقاس عليه، فيرجع على من هي عنده، وهذه الثياب العشرة هي صداقها، والآن حصل الطلاق قبل الدخول، واستحق خمسة من هذه الثياب إذا كانت متساوية، فيرجع عليها، ويطالبها بأن تجمع له نصف الصداق الذي هو خمسة من هذه الثياب وتردها عليه، سواء التي عندها أو عند أختها أو عند عمتها أو نحو ذلك.
стр. 1355
صحة تأجيل الصداق
قال المصنف ﵀: (ويصح تأجيله) يصح تأجيل الصداق، ويقع هذا في كثير من الدول، في سوريا، وفي مصر، وفي الأردن وغيرها، فيقسمون الصداق إلى معجل ومؤخر، فالمعجل يدفعه لها عند العقد أو بعده لتنتفع به، وأما المؤخر فإنه يبقى عنده إلى أن يطلق أو إلى أن يفارق أو بعد الموت، ويبقى في ذمته ديناً عليه، لماذا تجعلون هذا المؤخر؟ يقولون: لأنها قد تطلق، وإذا طلقت فقد لا ترغب في الأزواج، وتبقى أيماً أرملةً ليس عندها من يكفلها، فإذا طُلقت فهذا الصداق الذي كان مؤجلاً -وقد يكون عشرين ألفاً أو أربعين ألفاً- تتمتع به بقية حياتها، حتى لا تضطر إلى أهلها، ولا إلى أخوتها أو أبويها أو نحو ذلك، فتستغني بهذا المهر المؤخر، ويصح تأجيله كما ذكر، سواءً كان إلى أجل مسمىً أو غير مسمىً، فالأجل المسمى إذا قالوا: أصدقنا ثلاثين ألفاً: عشرة ادفعها، وعشرين بعد سنة، أو عشرة ادفعها، وعشرة بعد سنة، وعشرة بعد السنة الثانية، ففي هذه الحال يلزمهم أن يؤخروه إلى أن يحل الأجل، وقد يكون قصدهم أنها بحاجة؛ يمكن هذه السنة تكفيها العشرة لأواني أو فرش أو سرر أو مجالس أو أكسية أو ما أشبه ذلك، وهذه الأشياء قد تفنى في عشر سنين، أو تتحطم أو تنكسر؛ ففي العشر السنين الأخرى يأتيها مثلاً عشرة آلاف أخرى، وهكذا.
فالحاصل: أنه يصح تأجيله إلى أجل محدد أو غير محدد، فإذا أطلق الأجل ولم يحدد وإنما قال: أصدقنا أربعين ألفاً مؤجلة، وعشرين ألفاً نقداً، فنقد له العشرين ألفاً، وسكت عن تحديد المؤجلة، ما قال: مدة سنة، أو سنتين، أو عشر سنين، أو إلى الموت، فالمؤجل محِلُّه الفرقة، فإذا حصلت الفرقة بطلاق أو بفسخ أو بموت متى ما حصلت حُكِم لها به، ولزمه دفعه، فالفرقة تكون بطلاق أو بفسخ كأن يفسخ الحاكم النكاح، أو بالموت، فمتى حصلت الفرقة حل المؤجل، حتى ولو حصلت بعد الدخول بيوم أو بأيام؛ وذلك لأنه تحقق أنه فارقها.
стр. 1356
المرأة تملك الصداق بمجرد العقد
متى تملك المرأة صداقها؟
الجواب
تملكه بمجرد العقد، فقد يكون الصداق عيناً، يعني: قد يكون عرضاً من العروض أو بهيمة أو نحوها فتملكه بالعقد، فإن كان معيناً، كأن يقول: أصدقتك هذه الدار، أو هذه الأشجار، أو هذه الأغنام، فبمجرد العقد تملكها، فلو أن هذه الغنم ولدت بعد شهر، ثم طلق، وأراد أن يأخذ نصف الغنم، فهل يأخذ نصف البهم؟ الجواب: لا يأخذ؛ لأنه في تلك المدة التي أُعلفت فيها، كانت في ملك الزوجة، وفائدتها لها؛ فإذا حلبتها في تلك الأيام فإن لها لبنها ودهنها وجِزتها، كل ذلك يكون لها، وإذا أثمر الشجر بعد العقد فالثمرة لها، وإذا أجَّرت الدار بعد العقد فالأجرة لها، وليس له إذا طلق أن يطالب بنصف الأجرة أو بنصف الثمرة؛ لأنها دخلت في ملكها بمجرد العقد، هذا معنى قوله: (وتملكه بعقد) .
стр. 1357
مئونة الصداق إذا طلق قبل الدخول يكون على المرأة
يلزم المرأة مئونة الصداق، فمثلاً إذا قال: أصدقتك هذه الأكياس، وكانت الأكياس في مستودع إنسان، ثم مكثت في ذلك المستودع خمسة أشهر، فأجرتها في هذه الخمسة على الزوجة؛ لأنها ملكها، فلو أنه طلق قبل الدخول أخذ نصفها، وليس لها أن تطالبه بنصف الأجرة، بل يقول: أجرتها عليك وغلتها لك، أي: أن أولاد الغنم وأجرة الدار وثمر الشجر لها، ولو كان كثيراً، ولا يطالبها بنصفه، ومئونتها عليها، فإذا احتاجت الغنم إلى علف فإنه عليها، ولو طلق قبل الدخول لا تطالبه بنصف العلف ولا بنصف أجرة الراعي، كما لا يطالبها بنصف اللبن، ولا بنصف الجزة، ولا بنصف النتاج من الأولاد.
стр. 1358
مهر المفوضة
قال المصنف ﵀: (يصح تفويض بضع) .
التفويض هو: عدم تسمية المهر في العقد، ومن لم يُسم لها مهر تُسمى مفوَّضة، فيصح تفويض البضع، يعني: بضع امرأة بأن يزوج الأب ابنته المجبرة بلا مهر، أو يزوج الرجل غير المجبرة بإذنها بلا مهر، مثاله: أن يقول: أصدقتها ما شاءت، أو ما شاء أخوها، أو ما شاءت أمها، وما أشبه ذلك، ففي هذه الحال تُسمى مفوضة، يفرض لها ما شاءت، قل أو كثر، فإذا قالت: أنتم قلتم: صداقها ما شاءت أو ما رضيت به أو ما ترضى فلو طلبت مائة ألف أو مائتين فلها ذلك؛ لأنه فوض الأمر إليها وقال: ما شاءت، أو قال: ما شاء فلان، ما شاء أخوها، أو ابنها أو أبوها، فالكل يُسمى تفويضاً.
ثم المفوَّضة أو غير المسمى لها، متى يجب لها مهر المثل؟ يجب بالعقد، وقد تقدم أنها تملكه بالعقد إذا كان مسمى، وإذا لم يكن مسمى فلها مهر المثل، ويجب بمجرد ما يحصل العقد بينهما، ففي هذه الحال يجب لها مهر المثل.
стр. 1359
استقرار المهر بالدخول
قال المصنف ﵀: (ويستقر لدخول) .
يعني: إذا دخل بها استقر المهر، فهنا فرَّق بين (يجب) و (يستقر) ، فما هو الفرق بينهما؟
الجواب
الوجوب معناه: اللزوم، يعني: يكون لازماً لها، لها مهر المثل، وإن لم يحدد، وأما الاستقرار فإنما يكون بالدخول، فبمجرد العقد يقال: في ذمتك مهر المثل، وبمجرد الدخول يقال: استقر عليك مهر قدره كذا وكذا، فالمهر يستقر بالدخول.
стр. 1360
مقدار المهر إذا مات أحد الزوجين قبل الآخر
قال المصنف ﵀: (وإن مات أحدهما قبل دخول وفرض ورثه الآخر) .
قد ذكرنا في الفرائض أن المرأة إذا ماتت بعد العقد ورث منها، ويرث من مهرها ولو قبل الدخول، وإذا مات ورثت منه ولو قبل أن يفرض لها، فإذا عقد عليها عقداً صحيحاً فمات ورثت منه، أو ماتت ورث منها، وإن لم يحصل دخول ولا خلوة، فإذا مات الزوج ورثت منه، وإذا ماتت الزوجة ورث منها، ولو قبل الدخول بها، ولو قبل أن يفرض لها، ويُسمى لها مهر مثلها، وحينئذ ماذا يجب لها من المهر؟ لها مهر نسائها كأمها وعمتها وخالتها، أي: يفرض لها مثل مهر نسائها اللاتي يماثلنها، كما جاء في الحديث أن قوماً سألوا ابن مسعود عن رجل عقد على امرأة ومات قبل أن يفرض لها، وترددوا إليه شهراً، فقال: (أنا أفتيكم برأي إن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، ولا تتخذوا قولي دليلاً: لها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث) وكان عنده رجل يقال له: معقل بن سنان الأشجعي، فقال: (إن النبي ﷺ قضى في امرأة عندنا يقال لها: بروع بنت واشق بمثل ما قضيت) ، ففرح بذلك ابن مسعود؛ حيث وافق قوله قول النبي ﷺ ، ففي هذا أنه جعل لها مهر نسائها، يعني: كعمتها وخالتها وأختها وقريباتها، فيُنظر كم كان يقدر لهن، فلها مهر كامل ولو قبل الدخول، فإذا مات قبل أن يدخل بها وقبل أن يسمي لها إذا كان قد عقد عليها فإنها ترثه من تركته، ومع ذلك تحد عليه، فجعل عليها عدة وإحداداً، وجعل لها ميراثاً، وأمر لها بصداق أمثالها، هذا هو الذي يجب لها.
وروي أن بعض الصحابة خالفوا ذلك، ولم يقبلوا قول معقل بن سنان الأشجعي، وكأنهم لم يصدقوه، حتى قال بعضهم: (كيف نقبل قول أعرابي يبول على عقبه؟!) يعني: أنه من الذين لا يعرفون العلم وهذا غير قادح، فإنه صحابي، والصحابة عدول، والحديث قد اشتهر، ورواه الأئمة في كتبهم، فعلى هذا تُعطى مهراً كاملاً كمهر نسائها، عملاً بهذا الحديث، وهكذا إذا كان قد فرض لها، فإنه يدفع لها المهر الذي فرض لها كاملاً.
وذهب بعضهم إلى أنها كالمطلقة قبل الدخول، لها نصف الصداق، عملاً بقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] وبعضهم قال: لا يقدر لها شيئاً، أي: إذا لم يكن قد فرض لها، وجعلها كالمفوضة غير المدخول بها.
قال المصنف ﵀: (يجب لها بعقد مهر مثل -يعني: مفوضة- ويستقر بالدخول، وإن مات أحدهما قبل الدخول وقبل الفرض ورثه الآخر، وأُعطيت مهر نسائها -أي: مثل مهر نساءها- لا وكس، ولا شطط) أي: مثل نسائها كأمها وعمتها وخالتها وأخواتها ونحوهن.
стр. 1361
متعة المطلقة
قال المصنف ﵀: (وإن طلقت قبلهما لم يكن عليه لها إلا المتعة، وهي بقدر يسره وعسره) .
يعني: امرأة عقد عليها رجل، ولم يدخل بها، ولم يُسم لها مهراً، ثم طلقها قبل الدخول وقبل تسمية الصداق، فهل تطالبه بصداق أو تطالبه بنصفه مع أنه لم يسم لها شيئاً؟
الجواب
هذه ليس لها إلا أن يمتعها، والمتعة هي: أن يعطيها شيئاً يجبر نفسها عوضاً عن فراقه لها، يُسمى متاعاً ومتعة، واستُدل عليها بآيات من القرآن منها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: أنه ليس عليها عدة، وعليك أن تُمتعها بأن تعطيها متاعاً وتسرحها.
ومنها أيضاً قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] فجعل المتاع بقدر العسر واليسر، هذا إذا لم يكن لها صداق فلها المتعة، ولها أن يمتعها، يقول تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) يعني: مقدار الذي يتحمله، وعلى المعسر الفقير (قدره) وقرأها بعضها: (قدْرُهُ) .
ثم قال بعضهم: أعلى المتاع أن يعطيها خادماً: ذكراً أو أنثى، أي: يشتري لها عبداً أو أمة، وأدناه كسوة تجزئها في صلاتها، فإذا طلقها يمتعها؛ لأنها نكحت وطلقت قبل الدخول ولم يُفرض لها، فلم تُعط نصف المفروض ولم تُعط صداقاً كاملاً ولم يدخل بها، وانكسر قلبها بهذا الطلاق الذي حصل قبل الدخول، فيُجبر ذلك بهذه المتعة، يعطيها متاعاً كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] .
стр. 1362
وجوب مهر المثل لمن وطئت بشبهة أو زناً كرهاً
قال المصنف ﵀: (يجب مهر مثل لمن وطئت بشبهة أو زناً كرهاً) .
مهر المثل يعني: مهر مثل نسائها، مثاله: إذا دخل إنسان بيته، وفيه امرأة نائمة، وظنها زوجته، ووطأها ولم ينتبه إلا بعدما وطأها، فعليه مهر المثل، يعني: مثل مهر نسائها وما ذاك إلا أنه وطأ من لا تحل له، فتطالبه بمهر مثلها، ولو أنه وطأها ساعة أو نصف ساعة.
وكذلك لو اشتبهت عليه امرأته بأجنبية، ووطأ الأجنبية وهو يعتقدها زوجته، فإن عليه مهر مثلها، وقد يكون هناك اشتباه بين الزوجين وبين الزوجتين كما إذا أُدخل هذا على زوجة أخيه وأُدخل الثاني على زوجة أخيه الأول، ووطأ كل واحد منهما زوجة أخيه، وهو يعتقد أنها زوجته الحلال، ثم تبين عدم ذلك، ففي هذه الحال عليه لها مهر مثلها؛ لأنها وطئت بشبهة.
وكذا إذا زنا بها إكراهاً، يعني: هددها حتى مكنته من نفسها قهراً فزنى بها، ففي هذه الحال إذا تاب فعليه لها مهر مثل نسائها، سواء كانت بكراً وأزال بكارتها فإن عليه مهر مثل نسائها أو وطأها وهي ثيب.
وإذا كانت بكراً هل لها أن تطالبه بأرش البكارة وتقول: أنت قهرتني قهراً، وأكرهتني على الزنا، والآن أطالبك باثنين: أطالبك بمهر المثل، وأطالبك بأرش البكارة؛ لأنك أزلت بكارتي؟ ليس لها إلا واحد، وهو مهر المثل، فلا تطالبه بأرش البكارة، وإنما يكفيها صداقها الذي وهبه لها مثل مهر نسائها، يعني: صداق مثل أمثالها، فلا تطالبه بأرش البكارة.
стр. 1363
جواز منع المرأة نفسها قبل قبضها المهر الحال
قال المصنف ﵀: (ولها منع نفسها حتى تقبض مهراً حالاً) .
إذا أصدقها عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً حالَّة ثم طلبها للزفاف فلها أن تمتنع وتقول: لا أُسلم نفسي حتى تُسلم ما عندك، على حد قول بعضهم: ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ولا أسلِّمها إلا يداً بيد فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي فهي إذا بذلت نفسها، ووطأها وأزال بكارتها، ثم مع ذلك منعها من صداقها، فات عليها الأوان، فلها قبل ذلك أن تمتنع وتقول: لا أسلِّم نفسي حتى تسلم ما عندك من الصداق الحال، وكذا لو كان الصداق مؤجلاً ثم حل، فلها الامتناع من تسليم نفسها حتى يسلمها ما حل من صداقها.
قوله: (لا إذا حل قبل تسليم) .
أي: إذا سلمت نفسها ثم حل الصداق، ففي هذه الحال لا تمتنع بعد ذلك؛ لأنها رضيت وسلمت نفسها، ووطأها واستمتع بها، ثم حل الصداق، فهل تقول: أنا أمنع نفسي منك الآن حتى تسلم ما بقي؟
الجواب
ليس لها أن تمتنع، ولكن لها المطالبة، وكذلك إذا تبرعت بتسليم نفسها، فليس لها الامتناع بعد ذلك، فإذا تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت أن تمتنع وقالت: سلم لي المهر وإلا امتنعت، ليس لها الامتناع.
стр. 1364
إذا أعسر الزوج عن دفع الصداق فللمرأة المطالبة بالفسخ
قال المصنف ﵀: (إن أعسر بحال فلها الفسخ بحاكم) .
إذا أعسر الزوج بالصداق الحال، ولو بعد تسليم نفسها، ففي هذه الحال لها أن تطالبه وتقول له: إما أن تعطيني صداقي أو تفارقني، فإذا قال: أنا معسر لا أجد، ف
الجواب
ولو كنت كذلك، فترفعه للحاكم، وتذكر له أنه لم يسلمها صداقها، فيقول له الحاكم: إما أن تسلمه، وإما أن أفسخ النكاح منك، فإن امتنع فله أن يفسخ النكاح، ولا يفسخه إلا الحاكم.
стр. 1365
بيان الوقت الذي يستقر فيه الصداق
قال المصنف ﵀: (ويقرر المسمى كله موت، وقتل، ووطء في فرج ولو دبراً، وخلوة عن مميز) .
يعني: كل هذه تقرر المسمى، وقد ذكرنا قريباً الفرق بين الاستقرار وبين الوجوب، عند قوله: (ويجب عليها بعقد مهر مثل، ويستقر بدخول) يستقر: يعني يثبت كله؛ لأنه قبل الدخول عرضة لأن ينفسخ نصفه، فأما بعد الدخول فإنه يستقر المسمى كله.
يستقر بالموت، فإذا مات استقر الصداق كله في تركته، وكذلك إذا قُتل، أو إذا وطء في الفرج، فهذا يستقر به المهر، حتى ولو وطء في الدبر مع تحريمه.
وكذلك إذا كان هناك خلوة، فإذا خلى بها، ولم يكن عندهما مميز، وهو يقدر على الوطء، وهو عالم بأنها معه في ذلك المكان، ولم تمنعه أن يطأها.
وكذلك الطلاق إذا طلق في مرض موته أو مرض موتها كل ذلك يقرر المسمى.
وكذلك اللمس، فإذا لمسها بشهوة استقر لها الصداق وكذلك إذا نظر إلى فرجها بشهوة، وكذلك إذا قبل، كل هذه يستقر بها المهر كله لها.
وأما النصف فينصفه كل فرقة من قبله قبل الدخول، وأما من قبلها فتسقطه، فإذا كان الطلاق منه قبل الدخول يُنصف المهر، وأما إذا كان منها، أي: هي التي فسخت إما لعيب فيها وإما هي التي طلبت فإنه يسقط.
стр. 1366
حكم الوليمة
قال المصنف ﵀: (تسن الوليمة للعرس ولو بشاة فأقل) .
ذهب بعض العلماء إلى أنها تجب، ولكن الصحيح: أنها مسنونة، ودليلهم قصة عبد الرحمن بن عوف لما تزوج وقال له النبي ﷺ : (مهيم؟ قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب) والنواة نواة التمر، يعني: هذا صداقها، فقال: (بارك الله لك، أولم ولو بشاة) يعني: اجعل وليمة ولو بشاة، فكأن هذا يدل على أقل الوليمة في حق القادر، وقد ثبت أنه ﷺ أولم على زوجته زينب بنت جحش ﵂ بشاة، وأكثر نسائه كان يولم عليهن بحيس، فإن صفية لما تزوجها في طريقه بين خيبر وبين المدينة أمر بالأنطاع فبسطت، وجُعل عليها تمر وأقط وسمن، ودعا الناس فأكلوا، فكانت تلك وليمته، فدل هذا على أنه يجوز جعل الوليمة من غير شاة وغير لحم.
стр. 1367
وجوب إجابة دعوة الوليمة إذا لم يكن فيها منكر
قال المصنف ﵀: (تجب الإجابة إليها بشرطه) .
إذا دُعي الإنسان إلى الوليمة فما حكم إجابته إليها؟ ورد أنه ﷺ قال: (شر الطعام طعام الوليمة؛ يُدعى إليها من يأباها، ويترك من يأيتها أو من يريدها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله) وورد في الحديث أنه ﵇ جعل إجابة الدعوة من حقوق المسلم على أخيه، لقوله: (وتجيبه إذا دعاك) فأخذوا من قوله: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله) أن هذا يدل على الوجوب، ولكن خصوا ذلك بما إذا كانت دعوة خاصة، وجعلوا الولائم قسمين: النقر، والجفل، فدعوة الجفل هي: أن يرسل واحداً ويقول: ادع كل من لقيت في الأسواق وفي الطرق وفي الأماكن العامة، فدعوة الجفل لا تجب الإجابة إليها.
وأما دعوة النقر فهي أن يخصص فيقول: ادع فلاناً وفلاناً وفلاناً، فدعوة النقر هي التي تجب الإجابة إليها، ولو لم يجب الدعوة فقد عصى الله.
ثم اشترطوا ألا يكون له عذر، فإن كان له عذر كشغل أو مرض أو علم بوجود منكر فإن له بهذا عذراً، مثل أن يعلم أن هناك اختلاط رجال بنساء، أو هناك نساء متكشفات، أو هناك من يعلنون بشرب الدخان، أو من يدقون الطبول، أو من يغنون غناءً ماجناً، أو من يشربون الخمور، أو يجلسون على فرش الحرير، أو يشربون في أواني ذهب، ولو كانت كئوس لقهوة ونحوها، أو كان الذي دعاه مكسبه حرام كرشوة أو رباً أو نحو ذلك فله أن يمتنع.
стр. 1368
استحباب إجابة كل دعوة مباحة
قال المصنف ﵀: (تسن لكل دعوة مباحة) .
كل من دعاك لمناسبة مباحة فإن الأصل أنك تجيبه، وذلك جبراً لقلب أخيك الذي دعاك إلى أي دعوة مباحة؛ لأن هناك ولائم لها مناسبات، كمناسبة سُكنى الدار، فإذا دعاك لذلك فإن هذا ممن تُسن إجابته، وكذلك مناسبة شفاء من مرض، أو مناسبة قدوم غائب، أو مناسبة نجاح من دراسة، أو مناسبة مكسب في تجارة، أو تحصيل وظيفة أو ما أشبه ذلك، فهذه مباحة إذا لم يكن فيها منكر.
стр. 1369
تكره إجابة دعوة من في ماله حرام
قال المصنف ﵀: (وتكره لمن في ماله حرام) .
إذا كانت معاملاته محرمة؛ يأخذ الرشا، أو يخدع في البيوع، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يتعامل بمعاملات ربوية أو ما أشبه ذلك، فتكره إجابته، ويكره الأكل من ماله، وتكره معاملته من بيع وشراء، ويكره قبول هديته وهبته إذا كان في ماله حرام؛ لأن في ذلك شيئاً من إقراره بهذا الحرام، وقد يكون ذلك أيضاً سبباً في تقريره، وبعض العلماء يقول: يجوز قبول هديته؛ فإن النبي ﷺ كان يقبل هدايا ملوك الكفار، فملك مصر، وملك الشام، وملك عمان، كانوا يهدون إليه، ويقبل منهم وهم كفار، ويكون إثم المكسب عليهم، ولكن لما كان أصل المال فيه حرام، فالذي يأكله كأنه يقره، ويتغذى بشيء من جملة ما حرم الله، فالأولى أنك لا تجيب دعوته، ولا تقبل هبته وهديته أو كرامته، ولا تتعامل معه ببيع أو شراء وأنت تعرف أنه يتعاطى المحرمات.
وأما الأكل فإذا دُعي الإنسان إلى وليمة أو إلى طعام فإن الدعوة لأجل الأكل، فالذي يُدعى ولكنه لا يأكل يكون كأنه ما أتى، فلذلك يُستحب أن يأكل، ومتى يباح الطعام إذا قُدِّم؟ تتوقف إباحته على الإذن أو على القرينة، الإذن أن يقول: كلوا، أو كلوا باسم الله، أو يأمرهم، وأما القرينة فإذا وضع الطعام على الخوان ودعاهم وقال: هلُموا وجلسوا؛ فإن تقديمه إذن في أكله، فلا يحتاج إلى إذن خاص: ما جيء بالطعام إلا للالتقام لا تحتشم من أكل كفعل أهل الجهل فيأكل منه إذا قُدِّم له الأكل الذي تهواه نفسه، فإذا كان صائماً صيام فريضة كقضاء أو نحوه فيقتصر على الدعاء، فيدعو وينصرف، كما جاء أنه ﷺ قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليُصلِ) يعني: يدعو له بالبركة وينصرف، أما إذا كان صيامه نفلاً فيستحب أن يفطر؛ ليجبر خاطر صاحبه الذي دعاه، كما ورد أنه ﷺ دعاه أحد الصحابة، فلما جلسوا للأكل اعتزل أحدهم وقال: (إني صائم، فقال النبي ﷺ : دعاكم أخوكم وجمعكم وقدّم لكم هذا الطعام، أَفطرْ وصمْ يوماً مكانه) فهذا إذا كان نفلاً، وكان أكله فيه جبر لخاطر صاحبه، وفي عدم أكله إساءة الظن به، وإذا لم يكن هناك إساءة ظن فلا داعي إلى ذلك.
стр. 1370
حكم إجابة الدعوة بالبطاقات
في الأزمنة المتقدمة كان الداعي أو صاحب الوليمة يُرسل رسله، فيُرسل واحداً فيقول: ادع فلاناً وفلاناً وفلاناً، ويرسل الآخر إلى الجهة الأخرى ويقول: ادع فلاناً وفلاناً وفلاناً، فيأتي المدعو مع ذلك الرسول.
وفي هذه الأزمنة كما هو معروف في هذه البلاد يكتفون كثيراً بإرسال بطاقات فيها الدعوة، وفيها تحديد اليوم، وتحديد المكان، وهذه البطاقة ليس لها حكم الدعوة، وليس لها حكم ما لو كان يُرسل رسولاً؛ وما ذاك إلا أن الدعوة حقيقة هي كونه يقول: فلان يدعوك، فأما كونه يكتب لك كلمات يدعوك بها، وهذه كلمات كتبت لك ولغيرك، فلا تكون مثل الدعوة الخاصة، ولكن من باب الجبر تتأكد الإجابة.
следующие страницы →