Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
بيع المكاتب
يقول: (ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) : دليل ذلك قصة بريرة: أنها كاتبت أهلها على تسع أواق الأوقية أربعون درهماً، يعني: نحو ثلاثمائة وستين درهماً، وقيمتها يمكن أنها مائتا درهم، ولكن لما كانت مؤجلة زادوا في ثمنها، ولكن جاءت إلى عائشة تطلب منها أن تساعدها في دين كتابتها، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أدفع لهم الثمن ويكون ولاؤك لي فعلت، فسألت عائشة النبي ﷺ ، فأمرها بأن تشتريها ويكون لها الولاء، لكن أهلها الذين كاتبوها قالوا: نريد أن يكون الولاء لنا، فقال النبي ﷺ : (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) ، فجعل الولاء لمن أعتق، وفي هذه الصورة عائشة هي التي أعتقتها، فهذا معنى قوله: (يجوز بيع المكاتب) .
وقوله: (ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) : إذا اشتراه المشتري مكنه من الاحتراف، فإن أدى ما عليه عتق، وكان ولاؤه للمشتري، وإن عجز عاد رقيقاً وصار مملوكاً للمشتري، أي: إذا أدى عتق وولاؤه لمن انتقل إليه، فالذي باعه باع العبد وثمنه وولاءه.
стр. 1297
عتق أمهات الأولاد
ذكر بعد ذلك أم الولد فقال: (تعتق بعد موت سيدها من كل ماله) : أم الولد هي الأمة التي يطؤها سيدها فتلد منه ولداً واحداً أو عدداً، ذكراً أو أنثى، فإنها تصير أم ولد، وسواء كان ذلك الولد حياً أم ميتاً إذا وضعته بعدما يتبين فيه خلق الإنسان، يعني: إذا وضعت ما تبين فيه خلق الإنسان كرأسه، وعلامة رأسه عيناه وشفتاه، أو يداه ورجلاه، وأصابع يديه ورجليه، أي أنها وضعت حملاً ولو ميتاً، وقد مضى عليه نحو أربعة أشهر، فإذا وضعته أصبحت أم ولد.
وما دامت أم ولد فإن حكمها حكم الأمة عند سيدها، له أن يطأها، وله أن يستمتع بها، وله أن يستخدمها، إلا في نقل الملك؛ فليس له أن يبيعها، ولا أن يهبها لمن يملكها، لماذا؟ لأنه قد انعقد سبب عتقها؛ وذلك لأنها لما ولدت منه صار لها من تمنّ عليه وهو ولدها، في هذه الحال إذا مات سيدها عتقت من رأس المال.
стр. 1298
عتق أم الولد ممَّم يحسب
تعتق أم الولد بموت السيد من كل المال، لا من الثلث.
وذهب بعض العلماء: إلى أنها تعتق من نصيب ابنها؛ لأنها ولدته، فسواء كان واحداً أو عدداً، وسواء كان ذكراً أم أنثى، فكأنهم يقولون: إن ولدها يملكها، وإذا ملكها فإنه لا يستخدمها، بل تعتق عليه.
وقد ذكروا من أسباب العتق: أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، فإذا ملك الإنسان أباه عتق، أو ملك ابنه عتق، أو ملك أخاه أو ابن أخيه أو عمه أو خاله، يعني: الذي بينه وبينه محرمية، فبمجرد ما يملكه يعتقه.
فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه، فكأن ابنها ملكها، أو ملك جزءاً منها، أما في حالة حياة السيد فليس لهم ملك، بل الملك للسيد، أما بعد وفاته فيملكها أولاده، ومن جملتهم ولدها الذي منه واحداً كان أو عدداً، وإذا كان ولدها قد ملكها فإنها تعتق من نصيبه.
ولكن القول المشهور: أنها تعتق من رأس المال، أي: تعتق من جميع التركة، فمتى مات سيدها عتقت.
تعريفها: من ولدت ما فيه صورة، ولو خفية، من مالك، يعني: ولدت من الذي ملكها مولوداً فيه صورة الإنسان، ولو كانت تلك الصورة خفية، ولكن بالتأمل يُعرف أن هذا رأسه، وأن هذا وجهه، وأن هذه عيناه، وهذه خلقته، ورجلاه، ويداه، يكون ذلك من أسباب عتقها، أنها انعقد سبب عتقها بولادتها ولداً ولو ميتاً ولكن فيه صورة الإنسان ولو خفية، وأن ذلك الولد من سيدها الذي وطئها فأحبلها.
стр. 1299
أحكام عتق أمهات الأولاد
يقول: (ولو كان يملك بعضها، أو كانت محرمة عليه) .
يعني: لو أن إنساناً وطئ أمة بشبهة فولدت منه عتقت، وكذلك لو كانت مشتركة بينه وبين ثلاثة، وهو رابعهم، فوطئها أحدهم، فحرام عليه أن يطأها، لكن بشبهة، فحملت منه فولدت؛ أصبحت أم ولد له، وعليه أن يعطي شركاءه حصصهم، وتبقى مملوكة له، فإذا مات عتقت من رأس ماله.
يقول: (أو محرمة عليه) : يعني: لكونها مشتركة.
(أو من أبيه) : لو وطئ أمة لأبيه فأولدها صارت أم ولد له.
يقول: (إن لم يكن وطئها الابن) : لأنه يحرم على الأب أن يطأ أمة ابنه، ويحرم على الابن أن يطأ أمة أبيه، فإذا قدر أنه وطئها، وحملت منه، أصبحت أم ولد لمن وطئها.
يقول: (وأحكامها كأمة إلا فيما ينقل ملك رقبتها أو يراد له) : يعني: تبقى في حال حياة سيدها كأنها أمة يستخدمها، ويطؤها، ويستمتع بها، وهي خادمة عنده، وله أيضاً أن يزوجها، وإذا زوجها وولدت أولاداً من ذلك الزوج، أصبحوا مماليك له، فإذا مات عتقت، وعتق أولادها؛ لأنه قد انعقد سبب عتقها، فيعتقون معها، هذا معنى قوله: (أحكامها كأمة إلا فيما ينقل الملك لرقبتها) ، يعني البيع أو الهبة، وكذلك الرهن؛ لأن الرهن يراد للبيع، فليس له أن يرهنها؛ لأنه قد يُعسِر ويحل الدين فيبيعها ذلك المرتهن.
فلا بد أنه يحافظ عليها، فلا يبيعها، ولا يهبها، ولا يرهنها، هذا معنى: (أو يراد له) يعني: يراد للبيع، ويراد لنقل الملكية.
стр. 1300
ولاء المعتق
ثم يقول: (ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء، وهو أنه يصير عصبة لها مطلقاً عند عدم عصبة النسب) : قد ذكرنا أن الولاء من أسباب الإرث، فمن الأسباب التي يحصل بها التوارث الولاء، وذكرنا أنهم عرفوه بأن الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرثه هو وورثته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم ولا مع غيرهم؛ وذلك لأنه إذا أعتق هذا العبد أو تسبب في عتقه، حتى ولو كان كفارة، أصبح ذلك العبد مولىً لذلك المعتق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] إلى قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ، فسماهم الله إخواناً وموالي وهم عتقاء.
المولى: هو الذي يتولى إنساناً، فيسمى مولىً له، ثم يطلق الولاء على ولاء العتاقة، ويطلق على ولاء الإسلام، يعني: أن هناك من تدعوه فيسلم على يديك، فيكون مولىً لك، وينتسب إلى قبيلتك، من ذلك ما ذكروا أن جد البخاري الذي هو أبو المغيرة كان مجوسياً دعاه رجل من قبيلة جعف، فأسلم على يديه، فصار يقال له: الجعفي، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، فهو جعفي بالولاء، وليس هو ولاء الرق ولكنه ولاء الإسلام، لأنه أسلم على يدي بعض قبيلة بني جعف.
وهذا الولاء لا يحصل به توارث: لا ولاء الإسلام، ولا ولاء الموالاة، وهو أن يأتي إنسان ضعيف، فينضم إلى قبيلة فيقول: أنا لكم وأنا منكم، هذا أيضاً لا يحصل به التوارث.
بخلاف ولاء العتق، فإنه يحصل به التوارث، ودليله: قول النبي ﷺ : (الولاء لمن أعتق) ، لما أن عائشة أعتقت بريرة، وقد كان أهلها أرادوا الولاء لهم، فقال النبي ﷺ : (الولاء لمن أعتق) ، فالرقيق بعد عتقه يصير مولىً لمن أعتقه، فله عليه الولاء، ويصير عصبة له مطلقاً، يرثه عند عدم عصبة النسب، أي: إذا لم يوجد له أقارب من النسب ورثه معتقه الذي منّ عليه بالعتق، وإذا مات السيد قام مقامه أولاده الذكور دون الإناث، فيكون عصبة له هو وأولاده الذكور دون الإناث.
هذا آخر العتق.
стр. 1301
شرح أخصر المختصرات [٥٧]
النكاح سنة من سنن الله الكونية؛ وقد شرعه الله لبقاء النسل البشري، فقد خلق الله الرجل والمرأة، وجعل بينهما غريزة النكاح، وقد جاءت الشريعة بتهذيب هذه الغريزة وحفظها من الانحراف، وللنكاح أحكام تجب معرفتها على كل من يقدم عليه.
стр. 1302
أحكام النكاح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب النكاح: يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا, ويجب على من يخافه.
ويسن نكاح واحدة حسيبة دينة أجنبية بكر ولود, ولمريد خطبة امرأة مع ظن إجابة نظر إلى ما يظهر منها غالباً بلا خلوة إن أمن الشهوة, وله نظر ذلك، ورأس وساق من ذوات محارمه ومن أمة.
وحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له، وتعريض بخطبة رجعية, وخطبة على خطبة مسلم أجيب.
وسن عقده يوم الجمعة مساء بعد خطبة ابن مسعود] .
ذكر بعضهم أن النكاح تتعلق به الأحكام الخمسة، فيكون على بعض الناس واجباً، وعلى بعضهم حراماً، وعلى بعضهم مكروهاً، ولبعضهم مستحباً، ولبعضهم مندوباً.
فيكون واجباً إذا خاف على نفسه الزنا، وقدر على مئونة النكاح، وقدر على العدل وإعطاء الزوجة حقها، ففي هذه الحال يكون واجباً؛ لأنه إذا لم يتزوج خيف على نفسه إما الضرر، وإما الوقوع في الزنا ونحوه، والشيء الذي يقي عن الحرام يكون واجباً؛ فلذلك جعلوه واجباً على من يخاف على نفسه الزنا.
стр. 1303
الحكمة من النكاح
ذكر العلماء الحكمة في أن الله تعالى ركّب الشهوة في جنس الآدميين كما ركبها أيضاً في بقية الحيوانات، فقالوا: الحكمة هي: وجود التوالد، وبقاء هذا الجنس من خلق الله تعالى، فإن بالنكاح يدوم ما دام أن الله تعالى أراد إبقاءه، ولما أراد الله أن يغرق أهل الأرض في زمن نوح، أمره أن يحمل من الحيوانات من كل زوجين اثنين: ذكراً وأنثى من كل صنف، فحمل من الإبل ذكراً وأنثى، ومن الفيل ذكراً وأنثى، ومن الخيل، ومن الحمر، ومن البقر، ومن المعز، ومن الضأن، وكذلك من الطيور، ومن الوحوش، ومن الظباء والوعول وما أشبهها، حشرها الله له فحمل من كل زوجين اثنين؛ لأن الغرق عم جميع الأرض، فغرق كل من على وجه الأرض، ونجا أهل السفينة، فلما نجا أهل السفينة بما فيها تناسل ذلك الخلق الذي بقي، وقد حمل حتى الحشرات ونحوها مما أذن الله تعالى بقتله كالحية والعقرب والحشرات بأنواعها، وقد جعل الله تعالى سبب بقائها هذا التزاوج، فالذكر منها ينكح الأنثى، ثم يحصل التزاوج، ويحصل بعد ذلك التواجد، فهكذا الإنسان، ركّب الله فيه هذه الشهوة التي تدفعه إلى الاتصال الجنسي، وكذلك ركب أيضاً في المرأة الشهوة ليحصل التزاوج، ويحصل التقارب؛ فيحصل بذلك التوالد، ووجود النوع الإنساني، وعدم انقطاعه، فلو كان الخلق كلهم ذكوراً ما حصل التوالد، وكذا لو كانوا كلهم إناثاً، فالذي تكون -مثلاً- إبله كلها ذكوراً لا تتوالد، وكذلك بقره أو غنمه لا يحصل التوالد إلا إذا كان هناك ذكور وإناث، فمن حكمة الله أن جعل في الإنسان هذه الشهوة التي تدفعه إلى أن يحصل منه هذا الوصال وهذا الجماع؛ فيحصل بذلك الحمل، ويحصل التوالد، ويحصل البقاء.
كذلك أيضاً بعد خروج الإنسان إلى الدنيا يلقي الله في قلوب أبويه رقة وشفقة عليه؛ ليربياه إلى أن يترعرع، وإلى أن يكون إنساناً قوياً.
стр. 1304
الترغيب في النكاح
جاء الترغيب في النكاح، وورد الحث عليه، قال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣] والخطاب للرجال، والمعنى: انكحوا -أيها الرجال! - ما طاب لكم من النساء، وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] الأيامى: جمع أيم، وهي: المرأة غير المزوجة، أي: أنكحوها، ولا تبقوها دائماً أيماً، وهذا حث على النكاح.
ثم ورد في السنة قول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) فخاطب الشباب؛ وذلك لأنهم غالباً عندهم قوة الغلمة والشباب، ولأنهم غالباً لا يحجزهم قوة إيمان عن الوقوع في المحرم، فإذا تزوجوا حصلت لهم هذه المصلحة المذكورة: (أغض للبصر، وأحصن للفرج) .
وقد وردت الأدلة في النهي عن التبتل، كما في حديث سعد في الصحيح أنه قال: (رد النبي ﷺ على ابن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) ، فـ عثمان بن مظعون اشتهر بأنه أراد الزهد في الدنيا، والانقطاع للعبادة، وترك زوجته، وكان يقال لها: الحولاء، وبقي هاجراً لها مدة، فجاءت مرة عند النساء وإذا هي متبذلة في ثياب دنسة، وشعر شعث، فأنكرن ذلك، فأخبرت بأن زوجها لا رغبة له فيها، ولا رغبة له في الدنيا، وأنه دائماً إما في صلاة وإما في صوم، فلما علم بذلك النبي ﷺ أنكر عليه، وأخبره بأن هذا الانقطاع لا يجوز، وأخبره بما يجب عليه نحو زوجته، ونحو نفسه، فعند ذلك تراجع، وباشر زوجته، وأعطى نفسه شهوتها، ورد عليه هذا التبتل، يقول سعد: لو أذن له بالتبتل والانقطاع لتبتلنا، ولا نستطيع أن نصبر عن النساء إلا إذا اختصينا، يعني: قطعنا أسباب الشهوة، فكان هذا دليلاً على أنه ﷺ أراد من أمته أن يأتوا ما أباح الله، وألا يتبتلوا، وألا يتركوا ما أحل الله تعالى لهم من الشهوة المباحة، بل رغبهم في ذلك.
ومن الأحاديث التي تحث على ذلك، وتنهى عن ضده: (أن ثلاثة سألوا عن عبادة النبي ﷺ في السر فتقالوها، فقال بعضهم: أنا أصوم دائماً، وقال بعضهم: أنا أقوم دائماً، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء؛ فرد عليهم النبي ﷺ وقال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، وهذا وعيد، فالذي يترك الزواج تقشفاً يُعتبر راغباً عن سنة النبي ﷺ ، وكأنه يفضل فعله على فعل النبي ﷺ .
وكذلك أيضاً ثبت قوله ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم -وذكر منهم- المتزوج يريد العفاف) ، فإذا تزوج الإنسان يريد أن يعف نفسه عن الحرام، فإن حقاً على الله تعالى -يعني: مما جعله على نفسه- أن يعينه، وأن يسدده، وأن يخفف عنه ما قد يتحمله، وهذا مشاهد، ونعرف كثيراً من الذين كانوا فقراء لما تزوجوا أغناهم الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] أي: إذا كانوا فقراء فتزوجوا للتعفف فتح الله عليهم، ورزقهم ووسع عليهم، وكذلك جاء في الحديث المشهور: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ، فما ذكر إلا: (ترضون دينه وأمانته) ؛ وذلك لأنه إذا أخذ الزوجة فهو مأمون عليها؛ ولذلك جاء في الحديث قوله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) إلى آخره، فهن أمانة، فإذا كان المتقدم أميناً موثوقاً ديناً فإنه لا يرد، إلا إذا كان هناك أسباب أخرى.
стр. 1305
حكم النكاح
قال المصنف ﵀: (يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا) أي: أنه إذا كان عنده شهوة، ولكنه يأمن على نفسه، ويقدر على أن يحفظ نفسه من الزنا، فإنه مسنون في حقه ومستحب، فيكون النكاح مسنوناً إذا كان له شهوة، لكنه يأمن على نفسه من الوقوع في الزنا.
فإذا قلت: متى يكون مباحاً؟
الجواب
يكون مباحاً إذا كان لا شهوة له، يعني: ليس له شهوة تدفعه، ولكن إذا تزوج قدر على أن يعف زوجته؛ لأن عنده قدرة على المباشرة، ولكن ليس هناك شهوة تدفعه أو يندفع بها؛ لأن أمر الشهوة يتفاوت الناس فيه: فمنهم من لا يكون له شهوة، ولكن إذا تزوج قدر على أن يعف امرأته بالوطء ولو كل شهر أو نحوه.
ومنهم من يكون معه شهوة، ولكنه يقدر على أن يملك نفسه، فالشهوة تدفعه، ولكنه يستطيع أن يملك نفسه.
ومتى يكون النكاح واجباً؟ الجواب: يجب على من عنده شهوة قوية يخشى إذا ترك النكاح أن تدفعه شهوته إلى فعل فاحشة الزنا أو نحوه، ويشترط: أن يكون قادراً على المئونة، وعلى إعطاء الزوجة حقها من العشرة بالمعروف ونحو ذلك.
ومتى يكون مكروهاً؟ إذا علم بأنه يقصر في حقوق المرأة، ولو كان يعطيها ولكنه يظلمها أو يعطيها دون حقها.
ومتى يكون حراماً؟ إذا كان يتحقق بأنه لا يعطيها شيئاً من حقها، فيظلمها فلا يعفها، ولا ينفق عليها، ويضر بها بأنواع من الضرر، بمعنى: أنه يؤذيها ويفتنها.
فالحاصل: أن النكاح يكون مسنوناً لمن أمن على نفسه، ومباحاً لمن لا شهوة له، وواجباً لمن خاف على نفسه فاحشة الزنا، ومكروهاً لمن خاف التقصير في حق الزوجة، وحراماً لمن علم أنه يظلم المرأة ولا يعطيها حقها.
стр. 1306
تعدد الزوجات
ذكروا أنه يسن نكاح واحدة؛ وذلك لأن الزيادة عليها يعرضه للضرر، ولعدم العدل، إلا من كان قادراً، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء:١٢٩] .
واختلف: هل الأصل في النكاح التعدد أو الإفراد؟ فالذين قالوا: الأصل التعدد، قالوا: إنه الذي أمر الله به في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ، فإن هذا أمر بأن ينكح أكثر من واحدة، ولكن بشرط وهو قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:٣] ، فهذا دليل من يقول: الأصل التعدد.
دليل من يقول: الأصل الإفراد قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] ، فهذا دليل على أن الإنسان غالباً لا يستطيع العدل بين الزوجات إلا بصعوبة، وسوف يأتينا في باب العِشْرَة أنواع العدل، إن شاء الله.
стр. 1307
مقاصد الناس في النكاح
وصف المصنف من يستحب نكاحها بأنها حسيبة، يقول المعلق: أصل الحسب: الشرف بالآباء أو بما يعده الإنسان من مفاخرهم.
وقوله: (يسن أن تكون حسيبة) يعني: من قوم ذوي شرف، واختلف في حقيقة الشرف: فمن الناس من يقول: إن الشرف هو: الكرم والسخاء والجود، والشجاعة والشهرة والإقدام، وإنه بذلك يكون شريفاً، ولكن هذا أيضاً ليس بمطرد، ولا ينتفع به الخلف، فلا ينتفع خلف بشرف آبائهم وأسلافهم، ولذلك ورد النهي عن الافتخار به، قال النبي ﷺ : (لينتهين أقوام عن فخرهم بآبائهم الذين ماتوا أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) يعني: أنهم يفتخرون بآبائهم وأسلافهم، وفي حديث آخر: (إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب) ، وفي حديث أخر أنه قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس؟ فقال: (أكرمهم عند الله أتقاهم) إلى آخر الحديث، فيكون الحسب هو: التقوى والديانة.
ولا شك أيضاً أن من الحسب شرف النسب، وقال ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يعني: أن أكثر الناس إنما يسألون عن هذه الأربع، فمنهم من يسأل عن شرف الآباء، فهذه أهلها أوفياء وشجعان وكرماء وأمراء وقادة وسادة؛ فلها شرف ولها نسب رفيع، ثم يذكرون أن هذا الشرف قد يحملها على صيانة نفسها، وصيانة عرضها، وصيانة زوجها، وحفظ نفسها، فلا تتعرض لما يقدح في شرفها، ولما يجلب السمعة لأهلها، فيكون ذلك مما يجلب لها سمعة سيئة، فيذكرون أنها إذا كانت ذات نسب وذات شرف حفظت نفسها عن الدناءات، وعن الأقذار، وترفعت عما لا يستحسن، فتتخلق بالأخلاق الرفيعة، وتتخلى عن الأخلاق الدنيئة التي تقدح في شرفها، والتي تجلب لأهلها سمعة سيئة، فهذا لا شك أنه يقع، ولكن ليس بمطرد دائماً؛ وذلك لأن كثيراً من الناس ذكوراً وإناثاً آباؤهم أهل صيانة وأهل حسب وأهل شرف، ومع ذلك لا يكونون مثلهم ولا قريباً منهم، فلا ينفعهم شرف آبائهم، كما يقول الشاعر: إذا افتخرت بأقوام لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا أي: أنك ما وافقتهم على شرفهم، بل صرت مخالفاً لهم خلافاً ظاهراً، فحسب الإنسان هو فعله، وكما قال بعضهم أيضاً: كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب فالحاصل: أن هذا مقصد من المقاصد، وهو كونها حسيبة.
وقوله: (دينة) أي: ذات دين، ولا شك أن هذا من المقاصد الحسنة؛ لقوله في الحديث: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ، وهذا أيضاً مقصد من المقاصد.
وأما مقصد الجمال فهو أيضاً بلا شك من المقاصد المعروفة، فإن الكثير يقصدون جمال المرأة وحسنها، فإذا كانت دميمة الخلقة فإن النفس تنفر منها، ولأجل ذلك أبيح النظر إليها قبل العقد، فالجمال من دوافع ومن دواعي النفس، ولكن مع ذلك قد لا يكون مقصداً مقصوداً؛ لأنها قد تفتخر عليه إذا كانت جميلة، وقد تترفع عليه، وتقول: لست كفئاً لي، أنا أجمل النساء، وأنا وأنا، فلا يكون هذا مقصوداً أساسياً.
أما قصد المال فهو أيضاً مقصد لكثير من الناس، فهناك من يتزوج المرأة لأجل أنها ذات ثروة وغنىً وكثرة مال، وفي هذه الأزمنة قد يتزوجها لكونها موظفة تتقاضى مرتباً قد يكون مثل مرتب زوجها، أو قد تكون أكثر منه دخلاً، فيتزوجها لذلك، وهذا أيضاً ليس مقصداً أساسياً؛ وذلك لأنها قد تفتخر عليه، وتمنّ عليه وتقول: أنا الذي كفلتك، وأنا الذي أعطيتك، وأنفقت عليك، وقضيت دينك، وأنفقت على ولدك، وأعطيتك، وكذا وكذا، فذلك مما يوقعه في امتنانها عليه، وهذا مما يضجره ويمله، فلذلك لا يكون هذا أيضاً مقصداً أساسياً، إنما المقصد الأساسي أن تكون دينة.
стр. 1308
استحباب كون الزوجة من غير الأقارب
قول المصنف ﵀: (أجنبية) يعني: بعيدة من نسبه، ليست من أقارب الزوج، واختلف في السبب في ذلك: فقيل: إن ولدها يكون نجيباً، هكذا قالوا، ولكن ليس ذلك مطرداً.
والأكثرون عللوا بمخافة قطع الرحم؛ لأنه إذا ساءت العشرة بينهما فحصل الطلاق أو الشقاق حصل بذلك التهاجر، وقطيعة الرحم، فيقطع أعمامه أو أخواله أو عشيرته، فيحصل التهاجر والتباغض فيما بينهم، وهذا فيما إذا كان أحد الزوجين معروفاً بشراسته وحقده، وحنقه وغضبه، وعدم أمانته، أما إذا عرف كل منهما بالصيانة والديانة، فإن القريبة تكون أحنى عليه وأشفق عليه وعلى ولده؛ لأنها تحبه لقرابته قبل أن يكون زوجاً، وتزداد في محبته ومؤانسته بعد أن يكون زوجها وعشيرها في حياتها، فليس مطرداً كونها أجنبية دائماً، بل بحسب الحالات والمناسبات.
стр. 1309
استحباب كون المرأة بكراً
قوله ﵀: (بكراً) ؛ لقول النبي ﷺ لـ جابر: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟!) ولأن المطلقة غالباً يكون قلبها مع زوجها الأول، وكلما حدث بينهما شيء فإنها تمنّ عليه وتعيبه وتقول: زوجي الأول خير منك، كان كذا وكذا، وكان أظفر، وكان أظرف، وكان وكان، فتتمنن عليه، أو يكون قلبها متعلقاً به، وإن كان قد طلقها، فهذا هو السبب، ولا شك أن البكر التي لم تعرف زوجاً قبله تكون أقرب إلى أنها توده وتحبه.
وإذا قيل: النبي ﷺ زوجاته كلهن ثيبات إلا عائشة، فلماذا اختار هؤلاء الثيبات؟
الجواب
ذكر العلماء: أنه ﷺ ما تزوجهن لأجل الشهوة، وإنما تزوجهن لأجل أن يتودد إلى آبائهن، وإلى أقاربهن، أو نحو ذلك، فتزوج حفصة بنت عمر مع كونها ثيباً؛ ليحصل الوداد بينه وبين أبيها، وكذلك تزوجه لـ ميمونة ولـ زينب، وغيرهن، كان ذلك لأسباب ثبوت المودة، وثبوت الآثار الحسنة، فإنه لما تزوج جويرية بنت الحارث حصل أن الصحابة أعتقوا من عندهم من الإماء، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فكان في ذلك مصلحة، ولأن أباها كان من أشراف قومه، فأراد أن يتودد إليه، وغير ذلك، وإلا فالبكر أولى؛ لأنها تكون متوددة متحببة إلى زوجها.
стр. 1310
استحباب كون المراة ولوداً
قوله ﵀: (ولوداً) أي: من نساء يعرفن بكثرة الولادة، وكيف يعرف ذلك؟
الجواب
إذا عرف أمهاتها وجداتها بكثرة الولادة، ولكن هذا أيضاً من الغيب، فإذا كانت بكراً فكونها ولوداً من أمر غيب، ولكن هذه هي العادة المطردة، وقد تكون عقيماً عاقراً لا تلد، وذلك مما يخلقه الله تعالى في بعض النساء كالرجال، ولكن يُستحب أن تكون ولوداً.
روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: (إني أعجبت بامرأة، وأريد خطبتها، ولكنها لا تلد، فأعرض عنه، ثم سأله مرة ثانية وأخذ يمدحها، ولكنها لا تلد، فقال له: دعها، تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) ، الودود يعني: المتحببة إلى زوجها، والولود يعني المعروفة بالولادة، أي: أنها ليست عاقراً بل تلد، وعلل بقوله: (إني مكاثر بكم الأمم) يعني: أحب أن تكثروا ويكثر أولادكم؛ حتى يكون أتباعي أكثر من أتباع غيري.
стр. 1311
النظر إلى المخطوبة
قال المصنف ﵀: (لمريد خطبة امرأة مع ظن إجابة نظر إلى ما يظهر منها غالباً) .
الخِطبة بالكسر خطبة النساء، والخُطبة بالضم خُطبة الجمعة ونحوها، فإذا أراد أن يخطب امرأة وغلب على ظنه أنها تجيبه وأهلها يجيبون، لما عرف من أهليته وكفاءته، فإن له أن ينظر إلى ما يظهر منها غالباً، وقد وردت في ذلك أحاديث، كحديث المغيرة: أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : (اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً) ، وفي حديث آخر أنه قال: (إذا خطب أحدكم امرأة فلينظر إليها؛ فإن ذلك أدعى إلى أن يؤدم بينهما) يعني: إلى أن يؤلف بينهما، وإلى أن تحصل المودة بينهما.
واختلف: هل هذا النظر سر أو علانية؟ الأكثرون على أنه يكون سراً وخفية، كما في حديث جابر أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إذا خطب أحدكم امرأة فاستطاع أن ينظر إليها فليفعل) ، قال جابر: (فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها) ، فقوله: (إن استطاع) دليل على أنه يكون بغير علمها، وقوله: (أتخبأ لها) يعني: أختفي لها، وراء حائط أو نخلة أو نحو ذلك، قال: إلى أن رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها.
وينظر إلى ما يظهر منها غالباً، والذي يظهر غالباً وجهها وشعرها وكفاها وقدماها، هذا الذي يظهر منها غالباً، وليس المراد أن ينظر إلى بدنها كاملاً، وأن يتحين كونها مثلاً قد تجردت للاغتسال ونحوه فينظر إليها، أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يجوز.
وإذا قيل: إنه ينظر إليها علانية، فيكون ذلك في غير خلوة، وذلك بأن تحضر ومعها أحد محارمها كأبيها أو أخيها، فينظر إليها قائمة، وينظر إليها مقبلة أو مدبرة، ولا يكون هناك خلوة، وتظهر له وجهها وكفيها وشعرها، وينظر إلى هيكلها طولاً وقصراً، وضخامة أو نحافة أو ما أشبه ذلك، فإذا نظر إليها في غير خلوة كان ذلك من الأسباب التي تدفعه إليها.
أما إذا غلب على ظنه أنه لا يُجاب، فليس له أن يتعمد النظر، ولا يطلب ذلك، وكذلك أيضاً أهلها إذا غلب على ظنهم أنه لن يعزم على النكاح فلا يجوز لهم أن يمكنوه من النظر إليها.
وذكروا أنه ينظر إليها بشرطين: نفي الخلوة، ونفي إثارة الشهوة، أي: أن يأمن الشهوة، وقد يقع أن بعضاً من الشباب إذا خطب امرأة يكثر الاتصال بها هاتفياً، ثم يعقد معها مواعيد، ثم يخلو بها، وربما يخرج بها في سيارته خارج البلد، وهذا لا يجوز لما فيه من الخلوة، وكثيراً ما يحصل أنه يقع بها، ويطؤها في الحرام -والعياذ بالله-؛ لأنها لا تحل له إلا بعد العقد، ولو أنهم استجابوا له وقبلوه فحرام عليه الخلوة بها، سيما إذا لم يأمن الشهوة، ومعلوم أنه إذا خلا بها، وكان شديد الغلمة، وكذلك هي قد تكون شديدة الشهوة، فيندفع كل منهما إلى الآخر، فيقعا في فعل الفاحشة، فلذلك اشترطوا: ألا يكون هناك خلوة، وألا يكون هناك إثارة شهوة.
стр. 1312
بيان المقدار الذي يجوز النظر إليه من ذوات المحارم
لما ذكر العلماء النظر إلى المخطوبة استطردوا فيما للإنسان أن ينظر إليه من النساء، وما المقدار الذي ينظر إليه، فذكروا أنه ينظر إلى ما يظهر غالباً: كالوجه، والكفين، والرأس، والساق، أي: إذا كنَّ من ذوات محارمه، يعني: كأمه وبنته وأخته وعمته وخالته، وبنت أخ وبنت أخت، وأم من الرضاع، فيجوز أن ينظر إلى ما يظهر غالباً، فينظر إلى الرأس وإلى الوجه وإلى الساعد والذراع والساق؛ لأن هذا مما تحتاج إليه المرأة مع محارمها، كابنها وأبيها، فلابد أنها تتبذل، وأنها تخدم، وأنها تبدو لهم، فيشق عليها أن تتحفظ وأن تتستر، ومعلوم أيضاً أن المسلمين قلوبهم نزيهة، لا يمكن أن تثور شهوته على أمه أو على بنته أو نحوهما، إنما يفعل ذلك من ليس في قلبه إيمان -والعياذ بالله-، فينظر إلى ما يظهر غالباً من ذوات محارمه، ونظر الرجل إلى الرجل يجوز فيما يظهر غالباً، يعني: ينظر إلى ساقيه وإلى ذراعيه وعضديه وعنقه ونحو ذلك، ولا يجوز للعاقل أن يتعرى أمام الرجال، ولا أن يظهر بدنه ولو ستر العورة المغلظة، فإن ذلك مما يقدح في المروءة، كالذين يمشون عراة، ويلبس أحدهم تباناً، يعني: سراويل قصيراً يستر به مجرد الفرجين، ويدعي أنه بسبب الحر أو ما أشبه ذلك، أو أنه ليس بعورة، ولو كان ذلك ليس بعورة أمام الرجال، لكنه ينقص المروءة، فالرجل يحرص على أن يتستر وأن يحفظ نفسه، والله تعالى أمر بالتستر فقال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] ، فالريش هو: اللباس الذي يستر البدن.
والمرأة لا يجوز لها أن تتبذل أمام النساء، ولا أن تظهر شيئاً مما يخفيه اللباس ويستره، وإنما يجوز لها أن تبدي وجهها وعنقها، وكذلك أيضاً صدرها لإخراج الثديين لإرضاع الطفل؛ لأنها تحتاج إلى إرضاع طفلها عند النساء أو عند المحارم، وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ساعديها أو ساقيها، فأما ما تستره غالباً كالبطن والظهر والمنكبين والإبطين والجنبين فلا، فهذا مما يُعتاد ستره، ولا يجوز التفسخ والتعري ولو لم يكن عندها إلا نساء.
стр. 1313
حكم خطبة المعتدة
قوله: (وحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له) وهي المطلقة، فالمعتدة إما أن تكون بائناً أو رجعية، فإذا كانت رجعية -طلقت واحدة أو اثنتين- فإنها تبقى في بيت زوجها، ولا يحل لأحد أن يخطبها، بل هي في ذمة زوجها، ينفق عليها، ويسكنها، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ [الطلاق:٦] ، ولها أن تتكشف أمامه، وترغبه بأن يراجعها، فهذه الرجعية يحرم أن أحداً يخطبها أو يصرح أو يلوح بخطبتها.
وأما المعتدة البائن مثل المطلقة ثلاثاً، فلا تحل لزوجها إلا بعد زوج، وكذلك المتوفى عنها، فهي معتدة، وعدتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، أو بوضع الحمل، فهذه لا يحل له أيضاً أن يخطبها تصريحاً، ويحل له أن يعرض لها، والتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب، أو إني أريد أن أتزوج، أو أتمنى أن تحصل لي زوجة مناسبة، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، وإنما يجوز التعريض بخطبة البائن.
стр. 1314
حكم الخطبة على خطبة الغير
يحرم أن يخطب على خطبة أخيه المسلم إذا كان قد أجيب؛ لأن ذلك يسبب الوحشة بينهما والعداوة، فإذا علمت بأنه قد أفسد عليك الخطبة، بأن تقدم عليهم، وقد كانوا أجابوك أو ركنوا إليك، ثم قدموه لكونه أشب أو أغنى أو نحو ذلك، فإن هذا حرام، وقد يحصل بينك وبينه بسبب هذا وحشة وعداوة.
стр. 1315
ما يستحب في العقد
ذكر المصنف سنية العقد، يعني: عقد الزوجية بين الزوجين، الذي يسمى الآن المِلكة، فذكر أن التزويج يسن أن يكون يوم الجمعة، وأن يكون في المساء، يعني: في آخر النهار، رجاء أن يصادفوا ساعة الإجابة؛ لأنه يدعى لهما بالبركة، ويسن أن يخطب بخطبة ابن مسعود، التي هي خطبة الحاجة المشهورة، وهي أن يقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه إلى آخر ذلك، ثم يقرأ ثلاث آيات: من سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] وأول سورة النساء، وآيتين من آخر سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠] .
стр. 1316
شرح أخصر المختصرات [٥٨]
النكاح عقد له أهمية كبيرة في الإسلام، فله أركان وشروط لابد من حصولها ليحكم بصحته، وقد بين الفقهاء هذه الأركان والشروط بأدلتها من الكتاب والسنة.
стр. 1317
أركان النكاح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: أركانه: الزوجان الخاليان عن الموانع، وإيجاب بلفظ: (أنكحت) أو (زوجت) ، وقبول بلفظ: (قبلت) أو (رضيت) فقط أو (مع هذا النكاح) ، أو (تزوجتها) .
ومن جهلهما لم يلزمه تعلم, وكفاه معناهما الخاص بكل لسان.
وشروطه أربعة: تعيين الزوجين، ورضاهما, لكن لأب ووصيه في نكاح تزويج صغير وبالغ معتوه ومجنونة وثيب لها دون تسع, وبكر مطلقاً كسيد مع إمائه وعبده الصغير، فلا يزوج باقي الأولياء صغيرة بحال، ولا بنت تسع إلا بإذنها, وهو: صمات بكر، ونطق ثيب.
والولي, وشروطه: تكليف, وذكورة, وحرية, ورشد, واتفاق دين، وعدالة ولو ظاهراً، إلا في سلطان وسيد.
ويقدم وجوباً أب، ثم وصيه فيه, ثم جد لأب وإن علا, ثم ابن وإن نزل, وهكذا على ترتيب الميراث، ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته نسباً, ثم ولاء, ثم السلطان، فإن عضل الأقرب أو لم يكن أهلاً أو كان مسافراً فوق مسافة قصر زوج حرة أبعد وأمة الحاكم.
وشهادة رجلين مكلفين عدلين ولو ظاهراً سميعين ناطقين.
والكفاءة شرط للزومه, فيحرم تزويجها بغيره إلا برضاها] .
للنكاح أركان، وله شروط، ويراد بأركانه: مجموع ما يتكون منه، وأركان الشيء أجزاؤه الذي يتكون منها، ويُعرفون الركن: بأنه جزء ماهية الشيء، كأركان البيت أو المسجد، يعني: حيطانه التي يتكون منها، ونقول مثلاً: أركان الإنسان أجزاؤه، فيقال: يداه ركن منه، ورجلاه ركن، ورأسه ركن، وظهره ركن، يعني: يتكون ويتركب من هذه الأجزاء، كأركان الصلاة التي تتكون منها، فالقيام جزء من الصلاة وهو ركن، والركوع جزء، كذلك أركان النكاح التي يتكون منها ويصير من مجموعها نكاحاً كاملاً.
ذكروا أن أركانه أربعة: الزوج، ولابد أن يكون كامل الرجولة، وخالياً عن الموانع، والزوجة، والإيجاب، والقبول.
قوله: (الزوجان الخاليان من الموانع) ، فإذا كان الزوج محرماً للمرأة، لا يصح النكاح؛ لأن هناك مانعاً، أو كان رضيعاً لها لم يصح النكاح، أو كان الزوج كافراً والمرأة مسلمة لم يصح النكاح؛ وذلك لكونه غير كفءٍ لها، وهكذا الموانع التي لا يصح ولا ينعقد معها النكاح، وكذلك المرأة قد يكون فيها موانع، كأن تكون ذات زوج، أو تكون معتدة في عدة زوج قد طلقها أو في عدة وفاة، وكذلك كون الزوج عنده أربع قبلها، فكل هذه موانع لابد من انتفائها من الزوج ومن الزوجة.
فالزوج ركن، والزوجة ركن، والإيجاب ركن، والقبول ركن، والإيجاب يكون من الولي، والقبول من الزوج.
стр. 1318
الألفاظ التي يكون بها الإيجاب والقبول
يشترط بعضهم أن يكون الإيجاب بأحد لفظتين: زوجتك، أو أنكحتك، ويقولون: إنها هي الألفاظ التي ذكرت في القرآن، فذكر في القرآن قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] ، وكذلك ذكر الأزواج: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ، وذكر في القرآن النكاح: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] ، وكذلك قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] ، وقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، وقوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٥] ، فلذلك قالوا: ينطق الولي بأحد هاتين الكلمتين: (زوجتك موليتي) أو (أنكحتك موليتي) .
ولفظ التزويج اشتقاقه من العدد الشفع، فإن العدد قسمان: شفع ووتر، والشفع يقال له: زوج، وسمي النكاح زواجاً؛ لأن أحد الزوجين قبله كان فرداً ووتراً، فإذا انضم إليه الزوج الثاني أصبح زوجاً، يعني: أصبح بدل الوتر اثنين، ولأجل ذلك كلمة (الزوج) تطلق على الذكر والأنثى، كما تقول: عن عائشة زوج النبي ﷺ ، يعني: التي صارت معه زوجاً، ويقال: النبي ﷺ زوج عائشة، فكلمة زوج تصلح للرجل وللمرأة، فكل منهما يُسمى زوجاً، إلا أن أهل الفرائض احتاجوا إلى التمييز، فأدخلوا على المرأة تاء التأنيث، كما في قول الناظم: والثمن للزوجة والزوجات وهو لكل زوجة أو أكثرا وإلا فالأصل أنه موضوع لكل واحد من الزوجين، هذا سبب تسمية الزوج بهذا الاسم؛ لأنه بانضمامه إلى الآخر يكون زوجاً بدل ما كان وتراً وفرداً.
أما النكاح فالأصل فيه أنه الانضمام، تقول العرب: تناكحت الأشجار، يعني: انضم بعضها إلى بعض وتلاصقت، وذلك إذا امتدت أغصانها، ويقال: تناكح العودان على النار، يعني: انضم أحدهما إلى الآخر حتى صح الوقود بهما، وأما تسمية هذا الزواج نكاحاً؛ فلأن الزوج ينضم إلى الزوجة، والانضمام هو: التناكح، هذا هو الأصل من الانضمام.
وهل المراد بالنكاح العقد أو الوطء؟
الجواب
يطلق عليهما، وأغلب ما يطلق على العقد، فيقال: نكح فلان المرأة، يعني: عقد عليها، وذكر بعض أهل اللغة: أن العرب فرقت بينهما فرقاً لطيفاً، فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان، فالمراد عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو أمته، فالمراد وطؤها، وكل ما في القرآن من نكح فإنه للعقد، إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، فإن النكاح هنا هو الوطء، وورد ذلك في السنة.
ذكر بعض العلماء في كتب الفقه: أنه لا يصح إلا بلفظ: (أنكحتك موليتي) أو (زوجتك موليتي) بأحد هاتين الكلمتين، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بغيرهما مما هو معروف عند المتخاطبين، ورجح ذلك بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فإذا قال -مثلاً-: (ملكت ابنتي) فمعناه: أنك تملك الاستمتاع بها ما لا يملكه أبوها، فيكون هذا قائماً مقام زوجتك؛ لأنه حصل بها المقصود، وإذا قال: وهبتك ابنتي، حصل أيضاً المقصود، وهكذا إذا قال: أعطيتكها، حصل بذلك المقصود، وهذا القول هو الأقرب، وهو أنه يصح بكل لفظ يدل على المعنى، ويؤدي المراد، مثل: أنكحتك، وزوجتك، وملكّتك، ووهبتك، وأعطيتك ابنتي، وأملكت لك عليها، أو خليت بينك وبينها، أو خذ ابنتي حلالاً لك، أو أحللتها لك، أو ما أشبه ذلك.
وأما القبول فهو من الزوج، واشترطوا أن يقول: قبلت، أو رضيت، عبارتين فقط، أو قبلت هذا النكاح، يعني: يضيف كلمة (هذا النكاح) بعد (قبلت) ، أو يجمع بينهما فيقول: قبلت هذا النكاح ورضيته، أو تزوجتها، أو قبلتها.
وإذا قلنا: إنه يصح بما دل على المعنى، فيصح إذا قال الزوج: وافقت، أو أنا موافق، أو أخذتها، أو استوهبتها، أو ما أشبه ذلك مما يدل على الرضا.
يقول المصنف ﵀: (ومن جهلهما لم يلزمه تعلم) يعني: من جهل كلمة: (أنكحت) أو (زوجت) أو كلمة: (قبلت) أو (رضيت) ، وذلك إذا كان لا يعرف اللغة، أو لا يعرف معناها، فهل يلزمه أن يتعلمهما، ولا يصح إلا أن يقول: (قبلت) أو (رضيت) ؟ الجواب: لا يلزم، إنما يكفيه معناهما الخاص بكل لسان؛ وذلك لأن كل قوم وأهل كل لسان عندهم اصطلاحات يتعارفون عليها بلسانهم، ذكر لنا بعض الإخوان أنه جاء إلى بعض الأعراب الجهلة في بعض جهات المملكة، وأخذ يسأله، فذكر له أنه مفتيهم، وأنه الذي يعقد لهم، فقال له: كيف طريقتك في عقد النكاح لهم؟ لأنهم بوادٍ بعيدون عن القرى، وبعيدون عن الناس، فذكر له أنه يقول للولي قل: هاك خصلة بنتي على سنة الله وسنة رسوله، منامها حلال، ومقامها حلال، وادخل على الله من الملل والاستملال، وأنت وإياها تحت الله! ولا شك أن هذه من العبارات التي اصطلحوا عليها، وليس عندهم أحد يعقد لهم، فرضوا بأن يكون هذا الذي عندهم -وكأنه أعرفهم وأفهمهم- أن يتكلم بهذه الكلمات.
فيبقى أن الزوج لابد أن يقول: قد وافقت، أو قبلت، أو أخذتها، أو ما أشبه ذلك.
وهل يصح النكاح بالمعاطاة؟ الصحيح: أنه لا يصح، وإنما تصح المعاطاة في البيع، مثلاً: إذا كانت السلعة معروفاً ثمنها، الثوب معروف ثمنه، فأتيت مثلاً بعشرة ودفعتها للبائع، ودفع لك الثوب، ولم يتكلم واحد منكما بكلمة، صح البيع بالمعاطاة، ولكن لا يصح النكاح بالمعاطاة، فلا يصح أن تدفع له مثلاً المهر، ويدفع لك الزوجة بدون كلام، بل لا يصح إلا بهذا الكلام، ولا يصح أيضاً إلا بشروطه.
стр. 1319
شروط عقد النكاح
الشروط: جمع شرط، وهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، يعني: إذا عدمت الشروط عدم المشروط، ولكن إذا اجتمعت الشروط فقد يتخلف المشروط، فهاهنا الشروط في النكاح هي لوازم النكاح التي لا يتم إلا بها، وهي أيضاً شروط للعقد، وشروط العقد أربعة: الأول: تعيين الزوجين.
الثاني: رضاهما.
الثالث: الولي.
الرابع: الشهود.
هذه شروط النكاح، إذا تخلف واحد منها لا يصح النكاح.
стр. 1320
تعيين الزوجين
الشرط الأول: التعيين، ومعناه: أن يسمي الزوج أو يعيّنه، وكذلك الزوجة، فلا يقول مثلاً: زوجتك أحد بناتي، وله خمس أو عشر؛ لأنه قد يختار من لا ترضى، أو من لا تصلح له، أو يختار الولي له من لا تناسبه، فلابد أن يعينها، فإن قال مثلاً: زوجتك ابنتي فلانة، وسماها صح إذا تعينت، أو كان له بنات وقال: زوجتك ابنتي الكبرى، أو الصغرى، أو الوسطى صح ذلك؛ وذلك لأن هذا الوصف يحصل به التعيين، ولو لم يكن له إلا ابنة واحدة، وقال: زوجتك ابنتي؛ صح ذلك، وأما إذا كان ليس أباً فلابد أن يسميها، فإذا قال: زوجتك أختي، فلابد من تسميتها، أو زوجتك ابنة أخي، فلابد أن يسميها، حتى تتعين؛ لأن الجهالة يحصل معها الغرر، ويحصل معها عدم المقصود.
كذلك أيضاً يشترط تعيين الزوج وهو الرجل، فإذا قال: زوجت أحد ولديك ابنتي، أو أحد أبنائك، وله عدة أبناء، لا يصح، أو جاء إليه اثنان فقال: زوجت أحدكما ابنتي فلانة لا يصح؛ لأنه لا يعرف أيهما هو الزوج، فلابد أن يخاطبه، ويقول: يا فلان! زوجتك ابنتي فلانة، أو يكون الخطاب له، وهو معروف ماثل بين يديه، ويقول: زوجتك ابنتي فلانة، هذا معنى تعيين الزوجين.
стр. 1321
الرضا
الشرط الثاني: الرضا، ولا شك أن الرضا معتبر، وقد تقدم أنه شرط في البيع أيضاً، ودليله: قوله : ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩] ، وقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢] ، فإذا كان شرطاً في البيع، مع أنه تمليك مال، فلابد أيضاً أن يكون شرطاً في النكاح، فلا يصح إكراه أحدهما على النكاح وهو لا يريده، ولا يصح أن يُكره الرجل على امرأة لا يرغبها، وتنفر نفسه منها، إما لسوء خلق، أو لقبح مظهر، أو دمامة، أو عيب، أو كبر، أو صغر، أو جهل، أو نحو ذلك، فإذا أكره وهو غير مقتنع ولم يكن موافقاً، لم يعش عيشة طيبة، ويؤدي ذلك إلى الفراق بسرعة، فلذلك لابد أن يكون موافقاً راضياً، وهكذا الزوجة أيضاً لابد من رضاها، بل ورضاها أهم، وما ذاك إلا أن الغالب أن الزوج هو المتقدم للخطبة، وهو الطالب، والغالب أنه لا يقدم إلا بعدما يتأكد من الصلاحية، أما الزوجة فإنها قد تكون جاهلة بذلك الزوج، وقد تكون أيضاً كارهة له، وربما كارهة للنكاح كلياً، فلذلك لابد من رضاها، وقد جاءت السنة باشتراط الرضا، فثبت أن النبي ﷺ قال: (لا تنكح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيب حتى تُستأمر) ، وثبت أيضاً: (أن جارية زوجها أبوها بغير رضاها، فخيّرها النبي ﷺ ، وفي حديث آخر: (جاءت جارية بكراً إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته -يعني: ليرفع قدره، كأن ابن أخيه كان خاملاً فأراد أن يرفع قدره بتزويجه بابنته- فخيّرها، فأجازت نكاح أبيها، وقالت: إنما أردت أن يعلم النساء أن ليس للأولياء عليهن سلطة) أو كما في الحديث، فدل ذلك على أنه يشترط رضاها، وفي حديث عبد الله بن عمر أنه خطب ابنة خاله قدامة وكان قد مات، وكان له بنت فخطبها إلى أمها فوافقت، وعقدوا له، ثم إنه جاءهم المغيرة بن شعبة ورغب لهم في المال، فجاء عمها، واشتكى وقال: (يا رسول الله! إنها جاهلة، وإنها تزوجت وأنا غير راضٍ، وأنا أولى بها، فقال النبي ﷺ : إنها يتيمة، وإن اليتيمة لا تزوج إلا بإذنها وبإذن وليها) ففسخ نكاحها من عبد الله وهي ابنة خاله، وزوجها بـ المغيرة؛ فدل ذلك على أنها لا تزوج إلا برضاها، وبعد مشاورتها.
ثم لابد أن يُسمى لها الرجل حتى تعرفه يقيناً، وإذا كانت جاهلة فلها أن تسأل، وكذلك أيضاً لابد أن تخبر عن نسبه، وعن حرفته، وعن كفاءته، ومقدرته المالية ونحوها، فإذا اقتنعت بذلك كله، حصل التزويج، أما إذا لم تقتنع فلا يجوز.
والفقهاء استثنوا الأب، وقالوا: إن الأب يجوز له أن يزوج الصغيرة بدون إذنها، وله أيضاً أن يزوج ابنه الصغير إذا رأى في ذلك مصلحة، ولماذا يزوج ابنته دون رضاها إذا كانت صغيرة؟
الجواب
الغالب أن الأب يكون معه شفقة، ويكون معه حنو على ولده ذكراً كان أو أنثى، فلا يقدم على تزويجه إلا لمصلحة ظاهرة يراها، فأباحوا له أن يزوج ولده ذكراً أو أنثى إذا كان صغيراً، والغالب أن الصغير رجلاً أو امرأة لا يكون عنده تفكير، ولا يكون عنده معرفة، فإذا كان الأب راضياً بهذا الزوج فالغالب أن الولد يكون كفئاً وأهلاً أن يزوج، ومع ذلك فالصحيح أنه ليس على إطلاقه، فقد يكون كثير من الآباء عندهم جشع، ويزوج غير الكفء لأجل المال، فإذا جاءه إنسان عنده مال ورغبه في كثرة العطاء، فقد يزوجه بغير رضا المرأة، والمرأة هي التي تتألم، وهي التي تتعذب؛ لأنها تلازم ذلك الزوج طوال حياتها، فإذا لم يكن أهلاً في دينه وفي خلقه، فإنها هي التي ينالها الأذى، فلابد من رضاها.
وكثيراً ما تشتكي الإناث فتذكر الواحدة منهن أن أباها أكرهها؛ لأجل أن ذلك الزوج عنده مال، ودفع له دفعاً كثيراً، فتألمت الزوجة وتعذبت، وبقيت حسيرة سجينة، وتذكر أنه يتركها في المنزل، ويذهب مع رفقته، ولا يأتي إلا في الساعة الثالثة ليلاً، وربما لا يأتي إلا بعد الفجر، وإذا جاء طرح نفسه على الفراش، وهي طوال ليلها ساهرة تنتظره، أو كذلك يأتي إلى بيته بأصدقائه الفاسدين، ويشرب معهم المسكر، ويسهرون طوال ليلهم على غناء وزمر ومفاسد، وتكون هي المعذبة، لذلك لابد أنها تكون راضية حتى ولو كانت صغيرة إذا كانت مميزة عاقلة.
والأولى أيضاً عدم تزويج الصغيرة التي دون العاشرة؛ وذلك لأنها في الغالب ليس عندها تفكير، ولكن إذا كان الأب ناصحاً، وخاف أن هذا الزوج يفوت عليه، فله أن يزوجها، ويكون ذلك موقوفاً على رضاها بعدما تميز.
كذلك أيضاً استثنوا المعتوه ولو كان بالغاً، أي: ضعيف العقل، ما عنده تمييز ولا عنده معرفة، سواء كان ذكراً أو أنثى، فإذا رأى وليه المصلحة في تزويجه فإن له أن يزوجه ولو بغير رضاه، فكثير من النساء تكون مخبلة ضعيفة العقل، أو معها مس أو نحوه، ولا تمييز لها، فلابد أنه ينظر لها المصلحة، فإذا جاءه من يخطبها ولو كبيراً ولو فقيراً ورأى في ذلك المصلحة فله تزويجها؛ لأنه ليس لها اختيار، سواء كان فيها نقص العقل أو فقده كالجنون، فالمعتوهة أو المجنونة له أن يزوجها وليها بغير اختيارها؛ لأنه ليس لها اختيار.
كذلك أيضاً استثنوا الثيب التي دون تسع، وإن كان ذلك أيضاً نادراً، فلو قدر أن رجلاً زوج ابنته وهي بنت ثمان، ودخل بها زوجها ووطأها، ثم طلقها وأصبحت ثيباً وعمرها دون التسع، فلأبيها أن يزوجها؛ وذلك لعدم تمييزها، ولعدم معرفتها بما هو الأصلح.
وقد ذكرنا أن الأولى عدم تزويجها حتى ترشد وحتى تختار.
وكذلك أيضاً البكر، جُعل له تزويجها مطلقاً؛ وذلك لأن الأب كما ذكروا أحنى على أولاده، وأشفق عليهم، فلا يزوج إلا باختيار وبحرص، فجعلوا الأب أحق بالبكر ولو كان عمرها عشرين، فله أن يزوجها بدون اختيارها وبدون أخذ رأيها، هكذا قالوا، وقد ذكرنا الأدلة على أنها تختار، وأنه لا يجوز تزويجها إلا برضاها؛ لعموم الأدلة: (لا تنكح البكر حتى تُستأذن) وهذا عام، سواء كان الأب أو غيره، فالفقهاء اختاروا أن الأب له خصوصية، وألحقوا به أيضاً وصيه، فإذا أوصى إلى إنسان عدل وموثوق فإنه يقوم مقام الأب في كونه يزوج الصغير ويزوج المعتوه ولو كان بالغاً بدون رضاه، ويزوج المجنونة، ويزوج الثيب التي دون تسع، ويزوج البكر مطلقاً ولو كانت ابنة عشرين، فالأب ووصيه يزوجون هؤلاء بدون الرضا.
والقول الثاني -وهو الصحيح سيما في هذه الأزمنة-: أنه لابد من الرضا لهؤلاء مطلقاً.
واستثنوا أيضاً السيد، فإذا كان إنسان عنده مماليك: إماء وعبيد، فيزوج إماءه بدون رضاهن؛ وذلك لأن المصلحة له، وهو الذي يأخذ المهر، وأولادها يكونون مماليكاً له وعبيداً، فله أن يكرهها، وأن يجبرها على أن تتزوج بمن يريد، ولعل الأرجح: عدم جواز ذلك؛ لما فيه من التعذيب حسياً أو معنوياً، وكذلك أيضاً عبده الصغير، ليس له إكراهه على أن يتزوج إلا برضاه؛ لأن ذلك يخضع لشهوته ونفسه وميلها.
ولما ذكروا الأب ووصيه والسيد قالوا: لا يزوج بقية الأولياء صغيرة بحال، كالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، والجد، والابن وابنه، لا يزوجون الصغيرة بحال، فلابد أنهم يتركونها حتى تبلغ وترشد، ولا يزوجون بنت تسع إلا بإذنها، سواء كانت بكراً أو ثيباً.
ثم ذكروا كيف يعرف إذنها، ورد في الحديث: (رضا البكر صماتها، وسئل: إن البكر قد تستأذن فتستحيي، فقال: إذنها سكوتها) ، فإذا سكتت فإن ذلك دليل على الرضا، أما إذا نطقت وقالت: لا أريده، فعند ذلك لا يجوز إجبارها، وإذا تجرأت ونطقت وقالت: زوجوه، ولو كانت بكراً، جاز ذلك بطريق الأولى، فإذا كان رضاها السكوت، فالنطق دليل الرضا أيضاً، وأما الثيب فلا يُكتفى في نكاحها بالسكوت، بل لابد أنها تنطق وتتكلم صريحاً بأنها قد رضيت فتقول: زوجوه، أو قبلته، أو ما أشبه ذلك.
стр. 1322
الولي
الشرط الثالث: الولي.
الولي هو: ولي المرأة الذي يتولى العقد لها، واشتراطه هو قول الجمهور، ووردت في اشتراطه الأحاديث الكثيرة، منها قوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) وهو حديث مشهور، رواه نحو خمسة من الصحابة أو أكثر، وورد أيضاً حديث: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها) ، وفي رواية: (فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) وهذا هو قول الجمهور.
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] فدل على أن الولي هو الذي يمنع المرأة؛ لأن العضل المنع، أي: لا تمنعوهن من نكاح أزواجهن، أي: من الزواج.
وذهب الأحناف إلى أنه يصح للمرأة أن تزوج نفسها، وعللوا ذلك بأنها أملك لنفسها، وإذا كانت تملك نفسها فإنها تزوج نفسها، وهي أيضاً تملك أمتها، فلها أن تزوج أمتها.
وأدلة الحنفية تعليلات، وقد استدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ولكن لا دلالة في الآية، إنما المراد: حتى يطأها الزوج.
فالحاصل: أن جمهور الأمة على أنه لابد من الولي في العقد، وأن من تزوجت بدون ولي فنكاحها باطل، ورد ذلك في حديث: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) ، وقد أخذ الحنفية من بعض هذه الكلمات: (الثيب أحق بنفسها من وليها) ، فجعلوا هذا دليلاً على أنها تزوج نفسها، ولكن ليس هذا بصحيح، وإنما المراد أنها أحق بنفسها، أي: لا يكرهها، ولا يزوجها إلا بعدما يأخذ رضاها.
وإذا عرفنا أن الولي شرط من شروط النكاح، فماذا يشترط في الولي؟ ذكر المصنف أنه يشترط فيه ستة شروط: الشرط الأول: التكليف.
الشرط الثاني: الذكورية.
الشرط الثالث: الحرية.
الشرط الرابع: الرشد.
الشرط الخامس: اتفاق الدين.
الشرط السادس: العدالة.
فهذه ستة شروط، ويمكن أن تكون سبعة، فإن التكليف يتضمن شرطين: الشرط الأول: البلوغ.
فلا يُزوج صغير دون البلوغ؛ وذلك لنقص معرفته؛ لأنه ناقص المعرفة بنفسه، فلا يكون عارفاً بغيره، أو بمن هو ولي عليه.
الشرط الثاني: العقل.
فناقص العقل أو المخبل أوالمجنون ليس أهلاً أن يزوج؛ وذلك لعدم أهليته، ولعدم تفكيره.
الشرط الثالث: الذكورة.
فلا تزوج المرأة المرأة، كما جاء في الحديث: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها) ، وفي الحديث الآخر: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) .
الرابع: الحرية.
فالمملوك لا يزوج نفسه، وقد ورد أنه ﷺ قال: (أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر) أي: زاني، فإذا كان لا يقدر أن يزوّج نفسه، فكذا لا يزوّج بنته، ولو كانت حرة.
الخامس: الرشد.
الرشد هو: الصلاح، وضده السفه، فإذا كان سفيهاً مغفلاً لم يكن أهلاً أن يزوج، ورد في الحديث: (لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل) ، فاشترط فيه: أن يكون مرشداً، يعني: رشيداً غير سفيه، ولا ضعيف التفكير.
الشرط السادس: اتفاق الدين.
فلا يزوج الكافر مسلمة؛ لأن الإسلام فرق بينهما، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فلابد أن يكونا متفقي الدين.
الشرط السابع: العدالة.
أي: ولو ظاهراً، فيشترط أن يكون عدلاً، فيخرج ما إذا كان فاسقاً معلناً الفسوق، أما إذا كان ظاهره العدالة فإنه يُزوج، واستثنوا السلطان؛ لأنه -أي: السلطان- ولي من لا ولي له، واستثنوا السيد ولو كان فاسقاً؛ لأنه ولي مواليه.
ثم ترتيب الأولياء: يقدم الأب وجوباً؛ وذلك لأنه أولى بابنته، ثم وصيه، إذا مات وكان قد وصى أو وكَّل، فوصيه يقدم على غيره، ثم الجد لأب، ثم أبوه وإن علا، فهو أقدم من الإخوة، ثم الابن، يعني: ابن المرأة يزوجها، ثم ابن الابن وإن نزل يزوج جدته مثلاً، ثم بعد ذلك بقية العصبة على ترتيب الميراث: فيقدم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم أبناءهما وإن نزلا، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، على ترتيب الميراث كما تقدم، ثم إذا انقطع أصحاب العصبة فهل يزوج ذوو الأرحام كالخال، والأخ من الأم، وابن الأخت؟ والصحيح: أنهم لا يزوجون، والمولى أقرب منهم، فالمولى المعتق يزوج، فإذا عُدم فأقرب عصبته نسباً، ابنه، ثم أبوه، ثم إخوته على ترتيب الميراث، ثم مولاه، يعني: الذي أعتقه، ثم إذا انقرضوا فالسلطان، لحديث: (السلطان ولي من لا ولي له) ، فإذا عضل الأقرب أو لم يكن أهلاً، أو كان مسافراً فوق مسافة قصر زوج حرة أبعد، وأمة حاكم، والعضل مذكور في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ، فإذا عضلها ومنعها حتى ولو كان أباها، فإنه يزوج من هو أبعد منه، إذا اشتكت واشتكى أقاربها أنه منعها وعضلها، كذلك إذا لم يكن أهلاً، فإذا كان سفيهاً أو فاسقاً أو مخبلاً زوج الأبعد، كذلك إذا كان غائباً مسافة لا تقطع إلا بمشقة زوج الأبعد، وفي هذه الأزمنة المسافات تقاربت، فليس هناك مكان بعيد، لكن إذا شق عليه الحضور أمكنه أن يوكل ولو هاتفياً.
стр. 1323
الإشهاد في النكاح
الشرط الرابع: شهادة رجلين مكلفين عدلين.
ورد في الحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) ، والله تعالى أمر بالإشهاد عند البيع فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فكذلك بطريق الأولى النكاح، والشاهدان يشهدان على قول الولي: زوجتك، وعلى قول الزوج: قبلت.
ولابد أيضاً أن يكونا رجلين، فلا تصح شهادة النساء، ولو كن أربعاً أو خمساً أو عشراً، وكذلك لا يصح بشهادة رجل وامرأتين، وشهادة النساء إنما تكون في المال، ولابد أيضاً أن يكونا مكلفين، فلا يصح شهادة ضعيف العقل، أو مخبّل، أو مجنون، أو صغير، فلابد أن يكون الشاهد مكلفاً، ولابد أن يكونا عدلين، فلا تصح شهادة الفاسق ناقص العدالة؛ لأن العدالة: ضدها الفسوق.
ثم العدالة يُكتفى بها ولو كانت عدالة في الظاهر.
ولابد أن يكونا سميعين ناطقين، يعني: يسمعان الكلام وينطقان.
واشتراط الشهادة هو قول الجمهور، وخالف في ذلك المالكية فاكتفوا بالإعلان، فقالوا: إذا أعلن النكاح اكتفي بذلك ولو لم يكن هناك شهود، والجمهور على أنه لابد من شهود للحديث الذي ذكرنا.
стр. 1324
اشتراط الكفاءة في النكاح
الكفاءة في النكاح جعلها بعضهم شرطاً للزومه، فقالوا: يحرم تزويجها بغير الكفء إلا برضاها، وفسرت الكفاءة بأنها المساواة، والمساواة معتبرة في خمسة أشياء: الديانة، والصناعة، والميسرة، والحرية، والنسب، وفيها كلام طويل، وبالأخص في النسب، وقد ورد فيها بعض الأدلة، حيث إن هناك من يجعل الموالي ليسوا أكفاء للعرب، وبعضهم يتسامح في ذلك.
وأما في الصناعة فإذا كانت صناعته رديئة ولم يخبرهم بأنه حداد أو دباغ أو حائك أو حجام أو ما أشبه ذلك، فيمكن أن يكون لهم الخيار.
وأما الديانة فهي شرط كما ذكرنا.
وكذلك الميسرة يشترط أن يقدر على النفقة على زوجته.
وكذلك الحرية، فإذا تبين أنه مملوك فإن ذلك عيب.
فهذه تمام الشروط في النكاح، والله أعلم.
стр. 1325
شرح أخصر المختصرات [٥٩]
بينت الشريعة الإسلامية المحرمات من النساء في النكاح، ويجب على المسلم معرفتهن؛ لأن الوقوع في ذلك أمر خطير، والمحرمات في النكاح قسمان: قسم يحرم على التأبيد، وقسم يحرم مؤقتاً، وقد بين العلماء في كتب التفاسير والفقه تفاصيل ذلك.
стр. 1326
المحرمات في النكاح بالنسب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ويحرم أبداً أمٌ وجدة وإن علت, وبنت وبنت ولد وإن سفلت, وأخت مطلقاً, وبنتها, وبنت ولدها وإن سفلت, وبنت كل أخ, وبنتها, وبنت ولدها وإن سفلت، وعمة وخالة مطلقاً.
ويحرم برضاع ما يحرم بنسب, ويحرم بعقد حلائل عمودي نسبه, وأمهات زوجته وإن علون، وبدخولٍ ربيبةٌ، وبنتها، وبنت ولدها وإن سفلت، وإلى أمدٍ أخت معتدته أو زوجته, وزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها, ومطلقته ثلاثاً حتى يطأها زوج غيره بشرطه، ومسلمة على كافر, وكافرة على مسلم إلا حرةً كتابيةً، وعلى حر مسلم أمة مسلمة, ما لم يخف عنت عزوبة لحاجة متعة أو خدمة، ويعجز عن طول حرة أو ثمن أمة، وعلى عبد سيدته وعلى سيد أمته وأمة ولده, وعلى حرة قِنُّ ولدها.
ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمةً كتابيةً] .
يبوب الفقهاء على الفصل الأول: باب المحرمات في النكاح، ويذكرون أيضاً بعده باب نكاح الكفار؛ وذلك أنه لابد أن نبحث ونعرف متى تحرم المرأة، ومتى لا تحرم.
والمحرمات في النكاح قد ورد إجمالهن في القرآن، فذكر الله تعالى في القرآن سبعاً من المحرمات بالنسب، وذكر أيضاً اثنتين من المحرمات بالرضاع، وأربعاً من المحرمات بالمصاهرة، وواحدة محرمة بكونها زوجة للغير، ثم إن العلماء فصلوا: فأول المحرمات: الأم قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وكلمة الأم تصدق على الوالدة، وتصدق على الجدة، فالجدة أم الأم تعتبر أماً، وكذلك الجدة أم الأب، فهي من الأمهات؛ لأنه إذا قيل: أمك وأم أمك، وأم أم أمك، وكذلك أم أبيك، وأم أبي أبيك؛ ففيها كلمة أم، ولا شك أن تحريمها لأجل الولادة، ولأنها التي ربت المولود، وأشفقت عليه في صغره، فتعتبر ذات تربية، وذات نعمة عليه، فلا جرم أن كانت أول المحرمات، وأول ما بدأ بها، فالذي ينكح أمه يعتبر قد أتى أكبر المنكر وأفحشه، وكذلك أيضاً أم الأم وإن علت، وأم الأب وإن علت.
الثانية: قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، فجعل البنت بعد الأم، والبنت أيضاً خلقت من ماء الرجل، وهو الذي غالباً يحنو عليها ويرفق بها، فهي خلقت من مائه، وخلقت منه؛ فلذلك يتأكد تحريمها، ويدخل في كلمة: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الفروع، فبنته، وبنت بنته، وبنت بنت بنته، وبنت ابنه، وبنت ابن ابنه، يعني: التي هو جدها، سواء كان أبا الأم، أو أبا الأب وإن بعدت يصدق عليها أنها بنته.
وكلمة (ولد) يدخل فيها الذكور والإناث، فالبنت ولد، يعني: مولدة، فبنتها تحرم، وكذلك الابن ولد، فبنته تحرم، وبنت ابن ابن، وبنت بنت ابن، وإن بعدت.
الثالثة: قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، فالأخت خلقت معه، إما من ماء واحد إذا كانت أختاً لأبيه، أو اجتمعت وإياه في رحم واحد، إذا كانت أخته من الأم، فكلمة (مطلقاً) يدخل فيها الجميع: أخت من الأبوين، وأخت من الأب، وأخت من الأم، وكلهن يدخلن في كلمة: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] .
الرابعة والخامسة: ذكر الله تعالى بعدهن العمة والخالة فقال: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، ويدخل في كلمة (عمتك) : أخت أبيك، وأخت جدك عمةُ أبيك، وكذلك أخت جدك أبي الأم، فهي عمة أمك، ﴿عَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] يعني: أخوات آبائكم، وأخوات أجدادكم، آباء الآباء أو آباء الأجداد من جهة الأم أو من جهة الأب، فأخت جدك أبي أمك تعتبر عمة أمك؛ فتكون عمتك، وهكذا.
والخالة هي: أخت الأم، فأخت الأم تُسمى خالة، وكذلك خالة الأم أخت جدتك أم الأم، وخالة الأب أخت جدتك أم أبيك، وهكذا.
قوله: (مطلقاً) أي: تدخل فيه الأخت من أي جهة، فأخت أبيك من أبيه عمتك، وأخته من أبويه عمتك، وأخته من الأم عمتك، كذلك أخت جدك للأب عمة أبيك، سواءً كانت أخته من الأب أو من الأم أو من الأبوين، وأخت جدك أبي الأم عمة أمك، سواء كانت أخته من الأب أو من الأم أو من الأبوين، فالجميع يصدق عليها أنها عمة، وكذلك الخالة هي أخت الأم، سواء كانت أختها من أمها، أو من أبيها، أو شقيقة، يصدق عليها أنها خالتك أخت أمك؛ لأنها وأمك من أب واحد، أو من أم واحدة، أو من أب وأم، كذلك أيضاً خالة أمك، التي هي أخت جدتك من أب أو من أم أو من أبوين، الجميع تدخل في اسم العمة والخالة.
السادسة والسابعة: قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣] ، وهاتان من المحرمات من النسب: بنت أخيك، وأخوك: يعم الأخ من الأب، أو من الأم، أو من الأبوين وهو الشقيق، فتحرم بنته عليك؛ لأنك عمها، كذلك بنتها وإن نزلت، وكذلك بنت ولدها.
فهذه التي أنت عمها حرام عليك؛ لأنها بنت أخيك، وبنتها تقول: أنت عم أمي فأنت محرم لها، أو عم جدتي فأنت محرم لها، كذلك بنت ابنها، تدعوك وتقول: يا عم أبي، فأنت عم أبيها، وإن بعدت، فبنت الأخ وبنت بنت الأخ، وبنت بنت بنت الأخ، وبنت ابن الأخ، وبنت ابن ابن الأخ، وبنت بنت ابن الأخ، وكل من تدعوك عماً لها، أو عماً لأحد أجدادها أو آبائها، تدخل في بنت الأخ.
كذلك بنت الأخت، أنت خالها، فهي تدعوك خال، سواء كنت أخاً لأمها من الأم، أو من الأب، أو من الأبوين؛ فهي تدعوك خالاً لها، كذلك بنتها، تقول لك: يا خال أمي، وكذلك بنت ابنها، تقول لك: أنت خال أبي، أو خال أبي أبي، أو خال جدي.
والأخوَّة سواء كانت من الأبوين أو من أحدهما؛ فالأخت وبنتها، وبنت بنتها، وإن نزلت، وبنت ابنها، وبنت ابن ابنها، وبنت بنت ابنها، وهكذا، كل من تفرع ممن تدعوك عماً لها أو خالاً، أو عماً لأمها أو لأبيها، أو عماً لجدها أو خالاً لها أو خالاً لجدها، أو نحو ذلك.
فهؤلاء سبع محرمات بالنسب.
стр. 1327
المحرمات في النكاح بالرضاع
قوله: (يحرم برضاع ما يحرم بنسب) .
جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) أي: المحرمات من النسب يحرم مثلهن من الرضاع، فالأم التي أرضعتك تعتبر محرماً لك، وبنتها تعتبر أختك من الرضاع، فهي تقول: أرضعتك أمي، وبنت زوجها، تعتبر أيضاً أختك، تقول: أرضعتك زوجة أبي بلبن أبي، فأنت أخي، ارتضعت من اللبن الذي سببه والدي، فهي كذلك تعتبر أختك.
مثلاً: لو قدر أن رجلاً له أربع زوجات، ثم أرضعتك إحداهن رضعتين، وأرضعتك الثانية رضعة، والثالثة رضعة، والرابعة رضعة؛ فاجتمع خمس رضعات، فكل واحدة لست ابناً لها؛ لأن الرضاع المحرم خمس، وهذه ما أرضعتك إلا واحدة أو ثنتين، ولكن زوجهن يعتبر أبوك؛ لأنك رضعت من لبنه خمس رضعات، من اللبن الذي هو بسببه، فبناته أخواتك، فهن يقلن: ارتضعت من لبن أبينا خمس رضعات، فبناته من هذه ومن هذه ومن هذه ومن كل زوجاته محرمات عليك؛ لأنك أنت ابنه؛ لأنك رضعت من زوجاته، وزوجاته يحتجبن عنك، إلا أنك ابن زوجهن، وبناته لا يحتجبن؛ وذلك لأنك ارتضعت من لبن أبيهن.
فالحاصل أن الأم من الرضاعة هي: التي أرضعت الطفل خمس رضعات في الحولين.
والأخت من الرضاع هي: بنت المرضعة أو بنت زوجها الذي هو صاحب اللبن، فتدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] ، فبنتك من الرضاعة هي: التي رضعت من زوجتك خمس رضعات، فتحرم عليك؛ لأنها رضعت من اللبن الذي أنت سببه، فتكون محرماً لها.
وكذلك بنت ابنك من الرضاعة، يعني: هذا الذي رضع من زوجتك إذا كان له بنت، فأنت جدها من الرضاع، فهي تقول: أنت أبو أبي من الرضاع، وأنت تقول لها: أنت بنت ابني من الرضاع.
كذلك عمتك من الرضاع، وهي أخت أبيك من الرضاع، إذا كان زوج المرأة التي أرضعتك له أخوات، فاعتبرهن عماتك؛ لأنهن أخوات أبيك من الرضاع، وأمك التي أرضعتك إذا كان لها أخوات فاعتبرهن خالاتك من الرضاع، وكل واحدة تقول: أرضعتك أختي فأنت ابن أختي من الرضاع، والعمات كل واحدة تقول: رضعت من لبن أخي، فأنا عمتك أخت أبيك من الرضاع.
وكذلك بنت أخيك من الرضاع، يعني: الذي رضعت من لبن أمه أو من لبن أبيه فبنته تدعوك عماً، وتقول: أنت عمي من الرضاع، رضعت من لبن جدتي أخت أم أبي، فأنت أخو أبي، فتكون عمي، أو أنت أخو أمي فتكون خالي، فهي بنت أخيك من الرضاع، وبنت أختك من الرضاع.
فتحرم الأم من الرضاع، والأخت من الرضاع، والبنت من الرضاع، وبنت الأخ من الرضاع، وبنت الأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، يحرم سبع من الرضاع، كما يحرم سبع من النسب.
стр. 1328
المحرمات في النكاح بالمصاهرة
ثم ذكر المصنف المحرمات بالمصاهرة، والقرابة بين الناس: إما قرابة نسب، وإما قرابة مناسبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ [الفرقان:٥٤] ، فالمصاهرة القرابة من النكاح، فأم الزوجة تحريمها بالمصاهرة، وبنت الزوجة، تحريمها بالمصاهرة، وكذلك زوجة الابن، وزوجة الأب، تحريمهن بالمصاهرة، وهؤلاء يحرمن بمجرد ما يحصل عقد النكاح، ولو لم يدخل بها، فإذا عقدت على امرأة مجرد عقد ولم تدخل بها فقد حرمت عليك أمها وجدتها، وإن علت، وكذلك إذا عقد ابنك على امرأة ولو لم يدخل بها؛ حرمت عليك تلك المرأة التي عقد عليها ابنك ولو لم يدخل بها، فتصبح محرماً لك، وإذا عقد أبوك على امرأة؛ حرمت عليك تلك المرأة التي عقد عليها أبوك ولو لم يدخل بها، حتى ولو طلقها قبل الدخول بها، فزوجة الابن محرم بمجرد العقد، وزوجة الأب محرم بمجرد العقد، ومثله ابن الابن، فزوجة ابن ابنك أيضاً محرم لك، وزوجة ابن بنتك محرم لك، وابن بنتك حتى -على الصحيح- من الرضاع، فابنك من الرضاع زوجته محرم لك، وأبوك من الرضاع زوجته محرم لك.
قوله: (حلائل عمودي نسبه) ، فزوجة الجد محرم، ولو كان بعيداً، فالجد أبو الأم، أو الجد أبو الأب، وكذلك زوجة ابن الابن، وابن البنت وإن نزل كلهن محرمات، هذا معنى: حلائل عمودي نسبه.
ولماذا سميا عمودين؟
الجواب
لأن الفروع أغصان يعتمد بعضها على بعض، والأصول كأنها أعمدة يعتمد بعضها على بعض، فعمود النسب العليا: أبوك، وجدك، وجد أبيك، وجد جدك من الأب أو الأم.
وعمود النسب الفروع: ابنك، وابن ابنك، وابن ابن ابنك، وبنتك، وبنت ابنك، وبنت ابن ابنك، وبنت بنت ابنك، وهكذا؛ فحلائلهم تحرم بمجرد العقد، كما مثلنا.
قوله: (أمهات زوجته وإن علون) يعني: بمجرد العقد، فإذا عقد رجل على امرأة حرمت عليه أمها، وجدتها أم أمها، وجدتها أم أبيها، وإن علت، فهؤلاء هن أمهات الزوجات وإن علون، وهؤلاء يحرمن بمجرد العقد، حتى ولو طلق قبل الدخول.
والتي تحرم بالدخول ولا تحرم بالعقد هي الربيبة، لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] وهي بنت الزوجة، ولا تكون محرمة إلا إذا دخل بأمها، أما إذا عقد على امرأة ثم طلقها ولها بنت، حلت له البنت؛ لأنه لم يدخل بأمها، فمجرد العقد عليها لا يحرم بنتها؛ وإنما يحرم الأم ولا يحرم البنت، يقول السلف: أطلقوا ما أطلقه الله، فالله تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، وأطلق، ثم قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، فاشترط في الربيبة الدخول بأمها.
وقول الله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] استدل بها بعض العلماء على أن زوجة الابن من الرضاع، إذا طلقها حلت لأبيه من الرضاع؛ لأن الله قال: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) ، فيجعلون الابن من الرضاع لا يدخل في هذه الآية، والجمهور على أنه يدخل؛ وذلك لأن اللبن الذي ارتضع منه من الصلب ولو كان لبن المرأة، لكن أصله بسبب الزوج، فالحمل الذي حصل ودرت بسببه لبناً هو من الزوج، فهذا الولد ارتضع من اللبن الذي صار بسببه، والذي خلق من صلبه، هذا هو الصحيح، فعلى هذا يخرج بقوله: (مِنْ أَصْلابِكُمْ) المتبنى؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يأخذ أحدهم ولداً أجنبياً ويضمه ويقول: هذا ابني بالتبني، ويسمى دعيّاً، ويسمون أدعياء، فلذلك قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ، (أدعياءكم) يعني: الذين تدعونهم أبناء وهم أجانب، وإنما ضممتموهم إليكم، فيكون قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ليخرج الدعي، فإن زوجته أجنبية، ولأجل ذلك أحل الله زوجة زيد بن حارثة للنبي ﷺ ، وكان دعياً يدعونه ابن محمد، فقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فأباح الله زوجته زينب للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْد مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] لماذا؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَج فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: حتى لا يتحرج أحد أن يتزوج زوجة دعيه من بعده.
والربيبة اشترط الله فيها قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، ولكن أكثر العلماء على أن هذا الشرط أغلبي، وأن كونها ربيبة تعريف لها، وليس ذلك مطرداً، فالضابط أن نقول: بنت الزوجة حرام على زوجها، أي: بنتها من غيره حرام عليه، سواء كانت تلك البنت في حجره أو ليست في حجره، وسواءً كانت ولدت قبل أن يتزوجها أو بعدما تزوجها وطلقها، فبنتها محرم له، هذا هو قول الجمهور، والغالب أنه إذا تزوج الرجل امرأة ومعها بنات أنهن يتربين عنده، وينفق عليهن، فبناء على الأغلب قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء:٢٣] ، وليس ضرورياً أن يربيها، بل لو ربتها أمها قبل أن يتزوجها، ولما تزوجها أخذها أبوها، فتُعتبر ربيبة؛ لأنها بنت زوجته.
كذلك أيضاً لا يشترط أن تكون في حجره، بل لو تزوجها ولها بنت، فأخذ البنت أهلها، ولم تدخل في بيته إلا لزيارة فنعتبرها ربيبة له، وتحرم عليه، ويكون محرماً لها.
وكذلك بنات الزوجة بعد الزوج، إذا تزوجت امرأة، وجاءت منك بأولاد، وطلقتها، وتزوجها زيد وجاءت منه ببنات، فبناتها قبلك وبناتها بعدك حرام عليك، فالضابط أن بنت المرأة المدخول بها، سواء قبل الزوج أو بعده محارم له.
وبنت الربيبة حرام أيضاً، فهي تقول: أنت زوج جدتي أم أمي، وكذلك بنت ابنها، فهي تقول: أنت زوج جدتي أم أبي، فتكون محرماً لها، يعني: بنات زوجتك من غيرك، وبنات بنات زوجتك، وبنات أبناء زوجتك من غيرك، كلهن محرمات عليك وإن سفلن، هؤلاء المحرمات أبداً.
وقوله في أول الباب: (يحرم أبداً) يعني: محرمات مطلقاً.
стр. 1329
المحرمات في النكاح تحريماً مؤقتاً
стр. 1330
تحريم أخت الزوجة
ذكر المصنف ﵀ المحرمات إلى أمد، يعني: المحرمات تحريماً مؤقتاً، فيقول: (أخت معتدته، أو أخت زوجته) .
أخت زوجته التي في ذمته حرام عليه إلى أن يطلق زوجته، وتنتهي عدتها، أو تتوفى زوجته، فتحل له أختها، فإذا طلق امرأة فلا يتزوج أختها حتى تنتهي عدة المطلقة، سواء بوضع الحمل، أو بثلاثة قروء، أو نحو ذلك؛ لئلا يجتمع ماؤه في رحم أختين، حتى لو كانت المطلقة بائناً، وهي المطلقة ثلاثاً، فلا يتزوج أختها حتى تنتهي عدتها، وتحل للأزواج، أمّا ما دامت محبوسة عليه فإنها تعتبر كأنها في عصمته.
стр. 1331
تحريم الزواج بالزانية حتى تتوب
تحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَان أَوْ مُشْرِك﴾ [النور:٣] ، ففي الآية تحريم نكاح الزانية، سيما إذا كانت مصرة على الزنا؛ وذلك لأنها فاجرة، ولأنها تستحق الحد الذي هو العقوبة المشروعة، فلا يتزوجها لئلا تدخل عليه أولاداً من غيره؛ لأنها إذا زنت وحملت من غيره نسبت الأولاد الذين هم من الزنا إليه، فيترتب على ذلك مفاسد، فلا يجوز أن يتزوجها إلا بعد توبتها، ولكن بعدما تقام عليها الحدود، فإذا زنت واعترفت وهي بكر وجلدت مائة جلدة، وغربت، وظهرت منها التوبة والندم، وعرف بذلك أنها صادقة في توبتها، وانقضت عدتها من ذلك الحمل، أو من ذلك الزنا، ففي هذه الحال يحل أن يتزوجها؛ لأنها أصبحت عفيفة، وأما قبل ذلك فلا يجوز، قال الله تعالى: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ، فإذا تابت أصبحت من الطيبات، وقبل ذلك كانت من الخبيثات، والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦] .
стр. 1332
تحريم المطلقة ثلاثاً
تحرم على الرجل مطلقته ثلاثاً، فإذا طلقها ثلاث طلقات حرمت عليه، وتُسمى بائناً بينونة كبرى، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] يعني: الطلاق الرجعي، كما قال قبل هذه الآية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] يعني: في الطلقتين، فإذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها فله مراجعتها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، فلا تحل مطلقته إذا كان قد طلقها طلاقاً ثلاثاً -وهي البائنة- حتى تنكح زوجاً غيره، وحتى يطأها ذلك الزوج بشرطه، يعني: لابد أن يطأها الوطء الصحيح، كما في حديث المرأة التي ذكرت للنبي ﷺ أنه طلقها زوجها، وأنها تزوجت بعده، وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال ﷺ : (لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته) يعني: حتى يطأها الوطء الذي يوجب الغسل، يطأها بنكاح صحيح مع الانتشار في قبلها، فلو وطأها في الدبر أو باشرها دون الفرج؛ فإنها لا تحل لزوجها الأول، حتى يطأها الثاني وطئاً صحيحاً.
стр. 1333
تحريم زواج المسلمة بالكافر والمسلم بالكافرة إلا الكتابية
تحرم المسلمة على الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْد مُؤْمِن خَيْر مِنْ مُشْرِك﴾ [البقرة:٢٢١] فالعبد المؤمن المملوك خير من الحر المشرك، وإذا أسلمت تحته فرق بينهما، فإن أسلم في العدة رجعت إليه، وإلا حرمت عليه.
قوله: (تحرم كافرة على مسلم، إلا حرة كتابية) .
لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] عصمتها يعني ذمتها، أي: إذا كان لكم زوجات كافرات فلا تمسكوهن بعصمتهن، ولما نزلت الآية طلق عمر بن الخطاب ﵁ زوجتين له كانتا بمكة كافرتين.
ويقول تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَة مُؤْمِنَة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] يعني: مملوكة خير من حرة مشركة، واستثنوا الحرة الكتابية؛ لأن الله تعالى أباح نكاح الكتابية؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾ [المائدة:٥] ، فمثل هذه تحل بهذه الشروط: الشرط الأول: أن تكون كتابية، يعني: من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) ، فإذا كانت وثنية فلا تحل، وإذا كانت مجوسية، أو هندوسية، أو بوذية، أو قاديانية؛ فإنها لا تحل.
الشرط الثاني: لابد أن تكون متمسكة بكتابها، فإذا كانوا يتسمون بأنهم يهود، ولكنهم لم يتمكسوا بما في كتابهم، أو نصارى ولم يعملوا بالإنجيل العمل الواجب، بل يخالفونه؛ فليسوا كتابيين، وذلك لأن من شريعة الكتابيين في التوراة والإنجيل تحريم الزنا، وأما الموجودون الآن بكثرة فإنهم لا يحرمون الزنا، ويتسمون بأنهم نصارى أو يهود، يذكر لنا الذين يسافرون إلى فرنسا وبريطانيا وأمريكا أن المرأة هناك لا تتورع عن الزنا، وأن الزنا عندهم أسهل شيء، ولا يغار أحد على ابنته، ولا على موليته، ففي هذه الحال، هل تكون كتابية أصلاً؟! لا تكون كتابية حقيقة.
الشرط الثالث: أن تكون محصنة، والمحصنة هي المتعففة، أما إذا كانت غير عفيفة فلا تحل، وكثير من الذين يسافرون إلى البلاد الخارجية يقول أحدهم: أتزوجها؛ لأنها كتابية، ولا يشترط أن تكون عفيفة، ولا يشترط أن تكون متمسكة بكتابها، وقد تكون مرتدة، أو لا تكون كتابيةً حقيقية، فنقول: نكاحها حرام، والله تعالى ما أباح إلا نكاح اللاتي هن من أهل الكتاب حقاً، بشرط كونهن محصنات؛ لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:٥] المحصنات يعني: العفيفات، فإذا لم تكن محصنة فلا يحل لك أن تتزوجها، وإذا لم تكن من أهل الكتاب المتمسكين بكتابهم فلا تحل لك، ولا يحل أن تتزوجها.
الشرط الرابع: أن تكون حرةً، فإذا كانت أمة كتابية فلا تحل لمسلم.
стр. 1334
تحريم زواج المسلم بالأمة المسلمة إلا للضرورة
يحرم على الحر المسلم نكاح الأمة المسلمة، إلا إذا خاف عنت العزوبة، واحتاج إلى نكاحها لحاجة متعة أو خدمة، وعجز عن طول حرة أو ثمن أمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥] يعني: من المملوكات، فاشترط ألا يستطيع طولاً، والطول هو: المهر، فإذا كان لا يقدر على مهر الحرة، ولا على ثمن أمة يستمتع بها إذا وجد الإماء فله أن يتزوج أمة، ثم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٥] يعني: خشي الزنا، يعني: خاف من مشقة عنت العزوبة أن تحمله الشهوة على فعل الفاحشة، فلذلك قال: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ) أي: خاف (الْعَنَتَ) أي: عنت العزوبة، وكانت حاجته الاستمتاع لكسر حدة شهوته أو الخدمة أيضاً، قال الله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥] ؛ وذلك لأنه إذا تزوجها صار أولاده عبيداً لسيدها؛ لأن الأولاد يتبعون أمهم، فيتحسر إذا رأى أولاده مملوكين يباعون ويشترون؛ فلذلك الصبر خير.
стр. 1335
تحريم زواج العبد بسيدته والسيد بأمته
يحرم على العبد سيدته، وعلى السيد أمته؛ لأن العبد ليس كفئاً أن يتزوج سيدته، فهو في ملكها؛ لأنها أرفع منه، والسيد يطأ أمته بملك اليمين، فليس بحاجة إلى أن يتزوجها وكذلك أمة ولده لا يحل له أن يتزوجها، إلا إذا لم يكن الابن قد وطأها، وخرجت من ملكية ولدها.
وقد ورد في فضل من أعتق الأمة ثم تزوجها الحديث المشهور: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين -وذكر منهم- السيد الذي علم أمته ثم أعتقها وتزوجها) .
قوله: (يحرم على الحرة قن ولدها) يعني: مملوك ولدها، فالحرة لا يحل لها أن تتزوج عبدها، ولا عبد ولدها؛ لأنها أرفع منه.
следующие страницы →