Полный текст (2 153 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
شرح أخصر المختصرات [٦]
اجتناب النجاسات واستقبال القبلة والنية من شروط الصلاة، وهي شروط تتعلق بها أحكام وتتفرع عليها مسائل ينبغي للمسلم معرفتها.
стр. 142
من شروط الصلاة: اجتناب النجاسة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
ابتدأنا في كتاب الصلاة، وذكر المؤلف من تجب عليه الصلاة، ومن تسقط عنه، ومتى يؤمر بها الصغير، ومتى يضرب، وحكم تأخيرها إلى آخر الوقت، وحكم من جحدها، وكذلك ذكر الأذان والإقامة على من يجبا، وما يشترط للأذان من الترتيب والموالاة والنية، ومن يصح منه، وأنه يشترط أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، وذكرنا أن استثناء الفجر بناءً منهم على حديث بلال أنه كان يؤذن في آخر الليل، والظاهر من الأحاديث أنه ما كان يفعل إلا في رمضان أو آخر الليل، ولم يقتصروا على أذانه بل يؤذن بعده ابن أم مكتوم، فيترجح أنه لا يؤذن لصلاة إلا بعد أن يدخل وقتها، ولا فرق بين الفجر وغيره.
وكذلك متابعة المؤذن في كلمات الأذان وما له في ذلك من الأجر، وأنه إذا كان ذلك خالصاً من قلبه دخل الجنة، وأنه لا يتابع في الحيعلة، ولا في التثويب ولا في قد قامت الصلاة؛ لأنها ليست من الأذكار، وما يقول بعد الفراغ من الأذان، وكذلك أيضاً شروط الصلاة والحكمة في تفريق المواقيت، ودخول وقت الظهر ونهاية ذاك الوقت، وأن صلاة العصر لها وقتان اختياري واضطراري، وكذا العشاء، وبأي شيء تدرك الصلاة في وقتها لتكون أداءً لا قضاءً، وترجيح أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، وكذا إدراك الجماعة، ووجوب التأكد من دخول الوقت ولو بغلبة الظن، وأنه إذا صلى قبل الوقت وأخطأ فإنه يعيد.
وحكم من أدرك أول وقتها وهو غير مكلّف ثم كلِّف في آخر وقتها كالمجنون يفيق والحائض تطهر في آخر الوقت، وماذا تقضيه، وحكم قضاء الفوائت وكيفيته، وحكم ستر العورة، ومتى يجب، وهل يختص الستر بداخل الصلاة؟ ومقدار عورة الرجل والحرة والأمة والصغير، وكذلك من انكشف بعض عورته في الصلاة وفحُش، وحكم من صلى في مكان نجس أو مغصوب أو ثوب مغصوب يرجِّحون أنه يعيد، والراجح أنه لا يعيد إذا صلى في ثوب مغصوب أو بقعة مغصوبة، ولكنه يأثم.
هذه خلاصة ما مر بنا.
والآن نأتي إلى بقية الشروط.
قال ﵀: [الرابع: اجتناب نجاسة غير معفو عنها في بدن وثوب وبقعة مع القدرة.
ومن جبر عظمه أو خاطه بنجس وتضرر بقلعه لم يجب، ويتيمم إن لم يغطه اللحم، ولا تصح بلا عذر في مقبرة وخلاء وحمام وأعطان إبل، ومجزرة ومزبلة، وقارعة طريق، ولا في أسطحتها.
الخامس: استقبال القبلة، ولا تصح بدونه إلا لعاجز ومتنفل في سفر مباح، وفرض قريب منها إصابة عينها وبعيد جهتها، ويعمل وجوباً بخبر ثقة بيقين وبمحاريب المسلمين، وإن اشتبهت في السفر اجتهد عارف بأدلتها وقلّد غيره، وإن صلى بلا أحدهما مع القدرة قضى مطلقاً.
السادس: النية، فيجب تعيين معيَّنة وسنة مقارنتها لتكبيرة إحرام، ولا يضر تقديمها عليها بيسير، وشُرِط نية إمامة وائتمام ولمؤتم انفراد لعذر، وتبطل صلاته ببطلان صلاة إمامه لا عكسه إن نوى إمام الانفراد] .
من شروط الصلاة: اجتناب النجاسة: النجاسة يراد بها النجاسة العينية كالبول والغائط والقيء النجس والدم وأجزاء الميتة والخمر والدواب النجسة كالخنزير والحُمُر، وأرواث الدواب النجسة كروث الحُمُر ونحوه، فهذه كلها تسمى نجاسات عينية، وهي التي لو غسلت لم تطهر، مثلاً الكلب لو غسل ثم غسل لا يطهر، الميتة لو غسلت لم تطهر بالغسل، وكذلك الخنزير والأعيان النجسة.
فالمصلي يكون متطهراً ويجتنب النجاسات، سواء في ثيابه أو على بدنه أو في البقعة التي يصلي عليها حتى لا يكون حاملاً للنجاسة، لو حمل النجاسة ولو مثلاً قطرات بول في قارورة، أو نقط دم لا يعفى عنها في منديل، فإنه لا تصح صلاته.
стр. 143
نجاسة الدم
ويتساهل كثير من الناس في حمل المناديل التي فيها دم، أحدهم مثلاً يرعف، أو يظهر في أسنانه شيءٌ من الدم أو في جرح معه فتراه يمسحه بالمنديل ثم يستمر في صلاته ويجعل المنديل في مخبئه، ويكون ذلك الدم مما لا يعفى عنه، فمثل هذا لا يصح أن يحمله.
وكذلك لو خرج منه الدم في خارج الصلاة ومسحه بمنديل مثلاً ثم حمل المنديل معه فإن هذا خطأ، لا يصلي وهو حامل لنجاسة.
ثم نقول: قد تقدم في بعض الأسئلة التي عرضت أن بعضهم يشك في نجاسة الدم، وكثير من الإخوان يقولون: الدم ليس بنجس، وذكرنا أنه نجس، وإنما يعفى عن قليله، كنطفة أو نقطٍ يسيرة متفرقة، وذكرنا أن الدليل كونه محرَّماً: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، وكل محرم من السوائل فإنه نجس العين، ومن الأدلة أيضاً على نجاسته: أن النبي ﷺ أمر في تطهيره بثلاثة أشياء سُئِل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) ، وذلك دليل على نجاسته.
ولا يقال: إن هذا خاص بدم الحيض فإن الحكم واحد، لأن دم الحيض أصله يخرج من عروق في جوف المرأة خلقها الله تعالى لتغذية الجنين، فهي من جملة بدن المرأة.
وقد ذكر ﷺ أن دم المستحاضة دم عرق يقال له (العاذل) ، فدل على أن مخرجه واحد ويُلحق به بقية الدماء من الجروح ومن البدن ومن الذبيحة ونحوها، وذكرنا أن صلاة عمر ﵁ وجرحه يثعب دماً، لأنه معذور، ويُلحق بمن حدثه دائم، لأن الذي حدثه دائم كالجروح السيالة، وصاحب السلس يصلي على حسب حاله، ولأنه لو ترك الصلاة ما توقّف الدم، وكذلك صلاة الصحابي الذي رمي وهو يصلي واستمر في صلاته ودمه ينزف، لأنه لا يستطيع إيقاف الدم فاستمر في صلاته، فهو كمن حدثه دائم، وهناك أدلة أخرى كثيرة.
стр. 144
ما يعفى عنه من النجاسات في الصلاة
هناك نجاسة معفو عنها، وهي مثل نقط الدم اليسيرة؛ يعفى عن نقطة أو نقطتين أو ثلاث متفرقة من الدم، وذلك للمشقة.
ويعفى أيضاً: عن أثر الاستجمار بمحله، إذا استجمر الإنسان بعد التغوط ومسح أثر الخارج بالحجارة وبقي شيءٌ لا يزيله إلا الماء فمثل هذا يُعفى عنه كما تقدّم في إزالة النجاسة، وذكر أنه يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم ونحوه من حيوان طاهر، لا دم سبيل.
وكذلك أيضاً دم ما لا نفس له سائلة كدم البراغيث والقمل ونحو ذلك.
стр. 145
النجاسة في الثوب والبدن
ويتجنب النجاسة في ثوبه وفي بدنه وفي البقعة التي يصلي عليها، ويكون ذلك مع القدرة، فإن عجز فهو معذور، فإذا لم يجد إلا الثوب الذي فيه نجاسة، أو سجن في مكان نجس، أو ليس له قدرة كالمريض الذي لا يستطيع أن يتطهر، ولا يستطيع أن يمسك بوله، ولا يستطيع أن يتطهر بعد التخلي، فمثل هذا عاجز عن التطهر، فيصلي على حسب حاله.
стр. 146
النجاسة في جبر العظم أو خياطه
قال: (ومن جُبِر عظمه بنجس أو خاط جرحاً بنجس وتضرر بقلعه لم يجب قلعه وصلى على حسب حاله) .
الجبر قد يكون بعظم ميتة -مثلاً- يشدونه عليه، أو بجلد نجس يمسكون به الجرح.
أو يخاط به الجرح أو يُجبر به العظم، ويشق عليه قلعه، فإنه لا يجب ولكن يتيمم.
فإن غطاه اللحم.
أي: نبت اللحم على هذا الشيء، كما لو جرح وأدخلوا في الجرح خيطاً نجساً خيط به ونبت اللحم عليه، فهل يلزمه أن يشق اللحم وأن يخرج ذلك الخيط النجس؟ هذا فيه مشقة، فيعفى عن ذلك.
стр. 147
المواضع التي لا تصح الصلاة فيها
وذكر بعد ذلك المواضع التي لا تصح الصلاة فيها، وهي: الأول: المقبرة، وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة في المقبرة والحمام.
واختُلِف في العلة، فأكثر الفقهاء على أن العلة تلوثها بصديد الموتى.
يعني: أن الميت يتحلل ويخرج منه في قبره رائحة منتنة وأن تلك الرائحة تمتصها الأرض وتظهر على وجه الأرض فلا يجوز أن يصلى فيها لهذا السبب.
والصحيح من التعليل أن العلة مظنة الغلو فيها، ولذلك نُهي عن الصلاة عند قبور الأنبياء: (لا تتخذوا القبور مساجد) ، مع أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض، فهو دليل على أن العلة خوف الغلو في الأموات ودعائهم مع الله، وهذا هو الذي وقع من القبوريين، فإنهم لما بنوا على القبور زيّن لهم الشيطان أن ذلك من تعظيمها ومن احترام أهلها، فوقع من بعدهم في دعاء الأموات، فصاروا يقصدون تلك القبور الذي يقال: إنها قبور أولياء وسادة، أو شهداء أو صالحين، فأدى الأمر إلى عبادتها مع الله.
فالصحيح ما علل به شيخ الإسلام أنها مظنة الغلو، وقد ذكر ذلك في اقتضاء الصراط المستقيم.
الثاني: الخلاء، يراد به: بيت الخلاء، ويسمى الحش والكنيف والمرحاض، وتسميته بالحمام تسمية جديدة، وهو محل قضاء الحاجة.
وورد أيضاً: النهي عن الصلاة في الحمام، وأنه ﷺ نهى عن الصلاة في المقبرة والحمام، وليس المراد الحمام الذي في البيوت الذي هو بيت التخلي، بل المراد الحمام الذي يكون في البلاد الباردة كالشام والعراق ومصر وتركيا وغيرها، وهو عبارة عن بيت يحفر له في الأرض دور أو دورين ثم يكون فيه ماء ساخن يدخله الإنسان حتى يستحم بمعنى يتنظف، وكرهوا الصلاة فيه لما فيه من كشف العورات، أي: أنه يكثر فيه كشف العورات، وكان في الزمان القديم مظلِماً، وفي هذه الأزمنة بعد وجود الكهرباء استطاعوا أن ينوروه، فأصبح كأنه الأقبية التي يحفر لها في الأرض.
والحاصل أنه نهي عن الصلاة فيه لهذه العلة.
وأما النهي عن الصلاة في الخلاء، فلأجل أنه مأوى الشياطين، والشياطين تألف الأماكن القذرة، ولذلك ورد في حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة) يعني: تحضرها الشياطين، وأمر بالاستعاذة من الخبث والخبائث: ذكور الشياطين وإناثهم.
فهذه هي العلة.
الثالث: الحمام، ذكرنا أنه غير الخلاء، وأنه الدور التي يحفر لها في الأرض ويُستحم فيها، ويدخلها من يستحم فيها لوجود الماء الساخن.
الرابع: أعطان الإبل، والعلة أنها مأوى الشياطين، وقد ورد في حديث: (إن على ذروة كل بعير شيطان) ، وفي حديث: (إنها جن خلقت من جن) ، وفي حديث آخر: إن الفضاضة وغلظ الطبع في الفدادين أصحاب الإبل، والسكينة في الغنم.
هكذا علل كثير من العلماء، وعللوا بذلك أيضاً الوضوء من أكل لحمها، ومنهم من علل بأن مبارك الإبل مظنة النجاسة، وأن كثيراً إذا أراد التغوط أو التبول استتروا بالإبل فتكون تلك المبارك لا تخلو من نجاسة.
الخامس: المجزرة، وهي التي تذبح فيها البهائم لأنها تتسخ بالدم وبالفرث، وذلك دليل على أنها نجسة ومستقذرة.
السادس: المزبلة، التي هي مُلقى الزبالات والقمامات والنفايات؛ لأن الغالب أنها لا تخلو من نجاسة، ولأنها مستقذرة تقذرها النفوس وتنفر من هذه القمامات.
السابع: قارعة الطريق، واختُلف في العلة، فقيل: إن الناس إذا سلكوا هذا الطريق غالباً ما يلقون النجاسة فيها، فإذا حقِن أحدهم تبوّل في الطريق أو قريباً منه، أو أنها لكثرة مرور الناس عليها يلقى فيها قمامات ونفايات ونحوها، وقيل: العلة التشويش، وأنه إذا صلى في قارعة الطريق تشوّش بكثرة المارين الذين يسيرون مع هذه الطريق فلا يقبل على صلاته.
وأما الصلاة بأسطحها فيراد به سطح الحمام مثلاً، والخلاء وأشباهها، وقد ذكروا أنها لا تصح، ولكن لعل القول بالصحة أقرب، وذلك لأن الذي يصلي لا يشاهد نجاسة ولا يشاهد شيئاً مما نهي عنه فلا ضرر عليه، ولا أثر عليه.
ولذلك إذا تنجست الأرض ويبست النجاسة عليها ولم تجد ما تغسلها به، وبسطت عليها بساطاً صحّت الصلاة.
ويحدث كثيراً في المساجد أن البالوعة يُحتاج إلى سطحها، في التوسع فيفرش عليها إذا ضاق المسجد لصلاة جمعة أو نحوها، فيضطرون إلى أن يصلوا في سطحها مع أنها الذي فيها نجاسات محققة، فالصحيح أنه لا مانع من الصلاة في أسطحها.
стр. 148
من شروط الصلاة: استقبال القبلة
الشرط الخامس: استقبال القبلة: قال الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ، المسجد الحرام يراد به الكعبة، ويدخل في ذلك: المسجد الذي حول الكعبة، فالمصلي مأمور بأن يستقبل بيت الله تعالى الذي هو الكعبة المشرفة، ويستقبل المسجد الذي حولها إذا كان خارجه، ولكن الأصل أن القبلة هي الكعبة المشرفة، ولأجل ذلك إذا صليت خارج حيطان المسجد فعليك أن تتحقق أنك مستقبل بناية الكعبة، ولا تكتفي ببناية أو جانب من جوانب المسجد، ومن ثم يعفى في ذلك عن العاجز، مثلا: ً المريض الذي لا يستطيع التوجه؛ لأنه مضطجع على سريره والسرير موجه لغير القبلة، ولا يستطيع الحركة، وليس هناك حيلة في توجيه السرير إلى القبلة، فمثل هذا عاجز، يصلي على حسب حاله، ويدخل في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] .
أي: فثم الجهة التي تتوجهون إليها، وهي مجزئ أن يصلى فيها.
قال: (والمتنفل إذا كان في سفر مباح) ، قوله: (مباح) يخرج سفر المعصية، كالذي يسافر ليقطع الطريق، أو ليسرق، أو ليزني، أو ليقتل مسلماً، فلا تباح له الرخص، هكذا عللوا.
السفر يأتينا أنه ما لا يقطع إلا بكلفة ومشقة، ولما كان السفر مظنة المشقة، وكان المسلم إذا سافر يحب أن لا تفوته أوراده وصلواته رخص له بأن يصلي على ظهر بعيره، ولو كان وجهه لغير القبلة، فقد تكون القبلة خلفه أو عن أحد جانبيه، فيصلي إلى جهته اغتناماً للصلاة، حتى لا تفوته هذه الأوراد والسنن الرواتب.
كان النبي ﷺ إذا كان في سفر يصلي النوافل على راحلته حيثما توجهت به، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، فالفريضة لها مكانتها وأهميتها، فينزل ويصلي على الأرض، ويصلي بأصحابه وكذلك يأمرهم.
стр. 149
ما بين الجهتين قبلة
قوله: (وفرض قريب منها إصابة عينها وبعيد جهتها) : أي: القريب الذي في مكة وفي حدودها يلزمه أن يحدد جهة الكعبة فيتوجه إلى عينها، وأما البعيد الذي في الجهات البعيدة كهذه البلاد وما حولها، وخارج المملكة فيكفيهم أن يتوجهوا إلى جهتها؛ لأن الجهات مثلاً أربع: جهة المشرق، وجهة المغرب، وجهة الشمال، وجهة الجنوب، فهذه الجهات الأربع يكفي إذا توجه إلى الجهات التي هي فيها، ولو مال عنها يمنة أو يسرة؛ وذلك لأن الجهات التالية ورد فيها حديث في السنن أنه ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) بالنسبة إلى أهل المدينة؛ لأن قبلتهم في جهة الجنوب، ويقول: هذه الجهة التي هي القبلة إذا مال عنها قليلاً، ولم يكن إلى جهة الغرب، أو مال عنها يساراً، ولم يكن إلى جهة الشرق، فما بين الجهتين كله قبلة، يقال في هذه البلدة -أي: في الرياض- ما بين الشمال والجنوب قبلة، أي: أنت على قبلة ما لم تستقبل الشمال وتستقبل الجنوب، ولكن مع ذلك يحرص على تحري الإصابة.
قوله: (ويعمل وجوباً بخبر ثقات بيقين) أي: إذا أخبرك موثوق أن هذه القبلة فاعمل به ولو كان واحداً.
قوله: (وبمحاريب المسلمين) أي: إذا كنت مسافراً ودخل عليك الوقت، ورأيت محراباً موجهاً إلى القبلة في بلاد الإسلام فاعمل به.
قوله: (وإن اشتبهت في السفر اجتهد عارف بأدلتها) : إذا اشتبهت عليه في السفر فإنه يجتهد بعلامتها كمطالع الشمس والقمر، ومنازل النجوم؛ فإن الذي يعرف النجوم يعرف أن نجماً يطلع من جهة الشرق، وآخر يطلع من جهة كذا ويعرف -مثلاً- أن نجم سهيل يطلع من جانب من المشرق، وأن نجماً يقال له الثريا يطلع من وسط المشرق، وكذلك بقية النجوم يعرفها بالمنازل فيجتهد.
قوله: (وقلد غيره) : من كان لا يعرف فإنه يقلد العارف، وإذا صلى بلا اجتهاد وهو قادر على أن يجتهد فأخطأ فعليه القضاء مطلقاً، وذلك لأنه لم يأت بشرطها.
стр. 150
من شروط الصلاة: النية
الشرط السادس: النية: ويتوسع كثير من العلماء في النية ويشددون فيها؛ وسبب ذلك أن الشافعية ﵏ هم الذي توسعوا في أمر النية؛ لأنه نقل عن الشافعي أنه قال: تفتتح الصلاة بفرضين وسنة، الفرضان هما: النية والتحريم، والسنة رفع اليدين، فلما نقل هذا اعتقد الشافعية أنه يريد التلفظ بها، فصاروا يتلفظون بالنية عند الصلاة، والصحيح أن النية محلها القلب، وأن التلفظ بها بدعة، ولذلك قيل للإمام أحمد: تقول قبل التحريم شيئاً؟ قال: (لا.
إذ لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه) .
أي: لم ينقل عنهم أنهم كانوا يتلفظون بقول: نويت أن أصلي أربع ركعات صلاة العشاء مستقبلاً القبلة متطهراً إماماً أو مأموماً أداءً أو قضاءً.
لم ينقل عنهم ذلك، فلا حاجة إلى ذلك.
ولكن النية محلها القلب، فينوي بقلبه ولو لم يحرك قلبه، وذلك أنه يكفي فيه العزم التصميم على الشيء.
يقول ابن القيم ﵀: كل عمل لا يخلو من نية، فإما أن تكون نية صادقة، أو نية كاذبة.
ويقول: من التكليف الذي لا يطاق العمل بلا نية، فلا يعمل الإنسان عملاً إلا وله نية، تارة تكون صالحة، وتارة تكون فاسدة، فمثلاً: إذا تطهرت في بيتك، وتوجهت إلى المسجد، وقلبك يتحدث بأمر من الأمور الدنيوية مثلاً أو نحوها، واعترضك إنسان وقال لك: أين تذهب؟ تقول: إلى المسجد، ثم يقول: لماذا؟ تقول: لأداء الصلاة، نطق لسانك بما في قلبك.
إذاً: النية ضرورية، فإذا كانت نيته أن يراه الناس ويمدحوه فالنية فاسدة، وهو كالمنافق الذين قال تعالى فيه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] .
والحاصل أنه يجب تعيين النية.
يعني: بقلبه، ويسن مقارنتها بتكبيرة الإحرام، والصحيح أنها مستمرة قبل التكبيرة وبعدها، وتستمر إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا حاجة إلى أن يحرك نيته عند التحريم، ولا يضر تقديمها عليه بيسير.
نقول: إن النية متقدمة من حين دخل الوقت وأنت عازم وناوٍ أن تصلي.
يقول: (شرط نية إمامة وائتمام) ، معلوم أن الإمام عازم على أنه إمام؛ ولأجل ذلك يأتي بأعمال الإمام، والمأموم كذلك عازم على أنه مأموم، فلا حاجة إلى أن ينوي كل واحد.
يعني: يجدد النية أو يحرك قلبه بذلك.
стр. 151
جواز الانفراد للمأموم لعذر
وكذلك ذكروا أنه يجوز للمأموم أن ينفرد عند عذر، ودليله في قصة معاذ أنه صلى مرة بأصحابه فافتتح الصلاة بسورة البقرة، وكان معه رجل مرهق ومتعب، فلما رأى أنه سوف يطيل انفرد وأتم صلاته لنفسه، فهذا دليل على أنه يجوز للمأموم أن ينوي الانفراد لعذر.
стр. 152
جواز قلب المنفرد نفسه إماماً
وهل يجوز للمنفرد أن يقلب نفسه إماماً؟ إذا كبر إنسان وحده منفرداً ثم جاء آخر وصف معه فهل له أن يقلب نفسه إماماً مع أنه ما نوى إلا الصلاة وحده؟ الصحيح الجواز، ودليله: أن النبي ﷺ كبر وحده لصلاة التهجد، فجاء ابن عباس فكبر معه وصار إماماً، والحديث الذي في صحيح مسلم ذكر جابر أن النبي ﷺ توضأ قبلهم ثم كبر وحده.
يقول جابر: فجئت فصففت عن يساره فأدارني عن يمينه، وقلب نفسه إماماً بعدما كان مأموماً، ثم جاء جبار بن صخر فصف عن يساره، فدفعهما خلفه.
وفي حديث عن عائشة ﵂ ذكرت أن النبي ﷺ كان يصلي وحده، وخلفه ستارة أو جدار فرآه ناس فصفوا خلفه، ولما علم بأنهم يصلون بصلاته رفع التكبير، فقلب نفسه إماماً.
فهذا دليل على الجواز.
стр. 153
صلاة المأمومين تبطل ببطلان صلاة إمامهم
قوله: (وتبطل صلاته ببطلان صلاة إمامه) : إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين؛ وذلك لأنهم مرتبطون بإمامهم، وذلك في ما إذا كبر الإمام ثم تذكر أنه محدث، ففي هذه الحال بطلت صلاته، فيأمرهم أن يستأنفوا صلاتهم.
أما إذا خاف أن يسبقه في أثناء الصلاة حدث كريح أو رعاف، وعلم أنه لا يستطيع إتمام الصلاة فله أن يستخلف، ويجتذب واحداً يصلي بهم.
أما إذا سبقه الحدث، أو تذكر أنه محدث، فالمشهور أنه لا يستخلف، وأجازه بعض المشايخ، فالمسألة فيها خلاف مبني على أنه هل تبطل صلاة المأمومين إذا بطلت صلاة إمامهم كما هو القول المشهور، أو لا تبطل إذا كان الزمان يسيراً؟ فالمشهور أنها تبطل.
قوله: (لا عكسه إن نوى إمام الانفراد) : أما إذا بطلت صلاة المأموم فإنها لا تبطل صلاة الإمام، وصورة ذلك: إذا كبر الإمام ومعه واحد، أو معه اثنان، ثم بطلت صلاة أحدهما، في هذه الحالة إذا بطلت صلاة المأموم، فالإمام يتم صلاته سواء وحده أو معه فرد؛ لأنه لا فرق بين صلاة الإمام والمنفرد.
مثاله: إذا كانوا اثنين، هذا إمام وهذا مأموم، وبطلت صلاة الإمام، فتبطل صلاة المأموم ولو لم يبق منها إلا التشهد، فإذا بطلت صلاة الإمام فإن المأموم ينصرف ويلتمس إماماً أو يصلي وحده، لا عكسه، فإذا بطلت صلاة المأموم فإن الإمام يركع على حالة الانفراد، وينوي أنه منفرد ويتم صلاته.
стр. 154
شرح أخصر المختصرات [٧]
لقد فرض الله علينا الصلاة، وأمرنا بها وحثنا عليها، وحذر من تركها والتهاون بها، وقد دلنا النبي ﷺ على صفة أدائها فقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، فعلى المرء أن يتعرف على صفة الصلاة حتى يؤديها كاملة بصفتها الصحيحة.
стр. 155
باب صفة الصلاة
стр. 156
آداب وسنن الخروج إلى الصلاة
قال المصنف ﵀: [باب صفة الصلاة يسن خروجه إليها متطهراً بسكينة ووقار مع قول ما ورد، وقيام إمام فغير مقيم إليها عند قول مقيم: "قد قامت الصلاة" فيقول: (الله أكبر) وهو قائم في فرض رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، ثم يقبض بيمناه كوع يسراه ويجعلهما تحت سرّتِه، وينظر مسجده في كل صلاته ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ثم يستعيذ ويبسمل سراً، ثم يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، وفيها إحدى عشرة تشديدة، وإذا فرغ قال: (آمين) يجهر بها إمام ومأموم معاً في جهرية، وغيرهما فيما يُجهر فيه، ويُسن جهر إمام بقراءة صبح وجمعة وعيد وكسوف واستسقاء وأوليي مغرب وعشاء، ويكره لمأموم ويُخيَّر منفرد ونحوه، ثم يقرأ بعدها سورة في الصبح من طوال المفصل والمغرب من قصاره والباقي من أوساطه.
ثم يركع مكبراً رافعاً يديه، ثم يضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع، ويسوِّي ظهره ويقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاثاً، وهو أدنى الكمال، ثم يرفع رأسه ويديه معه قائلاً: (سمع الله لمن حمده) وبعد انتصابه: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد) ومأموم: (ربنا ولك الحمد) فقط، ثم يكبر ويسجد على الأعضاء السبعة، فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه، وسُن كونه على أطراف أصابعه ومجافاة عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه وتفرقة ركبتيه ويقول: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثاً، وهو أدنى الكمال، ثم يرفع مكبراً ويجلس مفترشاً ويقول: (رب اغفر لي) ثلاثاً، وهو أكمله، ويسجد الثانية كذلك، ثم ينهض مكبراً معتمداً على ركبتيه بيديه، فإن شق فبالأرض، فيأتي بمثلها غير النية والتحريمة والاستفتاح والتعوُّذ إن كان تعوّذ ثم يجلس مفترشاً، وسُن وضع يديه على فخذيه، وقبض الخنصر والبنصر من يمناه، وتحليق إبهامها مع الوسطى، وإشارته بسبابتها في تشهد ودعاء عند ذكر الله مطلقاً، وبسط اليسرى، ثم يتشهد فيقول: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ، ثم ينهض من مغرب ورباعية مكبراً ويصلي الباقي كذلك سراً مقتصراً على الفاتحة، ثم يجلس متوركاً فيأتي بالتشهد الأول ثم يقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) .
وسُن أن يتعوذ فيقول: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) وتبطل بدعاء بأمر الدنيا، ثم يقول عن يمينه ثم عن يساره: (السلام عليكم ورحمة الله) مرتِّباً معرِّفاً وجوباً.
وامرأة كرجل لكن تجمع نفسها وتجلس متربعة أو مسدلة رجليها عن يمينها وهو أفضل، وكُره فيها التفات ونحوه بلا حاجة، وإقعاء وافتراش ذراعيه ساجداً، وعبث وتخصُّر وفرقعة أصابع وتشبيكها، وكونه حاقناً ونحوه تائقاً لطعام ونحوه، وإذا نابه شيءٌ سبّح رجل وصفّقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى، ويزيل بصاقاً ونحوه بثوبه، ويباح في غير مسجد عن يساره، ويكره أمامه ويمينه.
] نبدأ الآن في باب صفة الصلاة، ويذكرون قبل ذلك آداب الخروج إليها: فيسن أن يخرج إليها متطهراً إذا تيسر له الطهور وإلا فله أن يؤخر الطهور ويتطهر من الأماكن المعدة عند المساجد.
ويسن أن يمشي من بيته إلى المسجد بسكينة ووقار، فقد ورد أنه ﷺ قال: (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) .
السكينة.
يعني: التؤدة في المشي.
والوقار: الهيبة.
ويسن أن يقول ما ورد من الأدعية التي وردت وهي كثيرة ومذكورة في آداب المشي إلى الصلاة، منها: - أن يقول: (بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله) ، ويقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ، ويقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا) إلى آخر الأدعية.
- إذا دخل إلى المسجد والصلاة لم تقم فإنه يصلي، فإن كان وقت راتبة كالظهر والفجر صلى الراتبة القبلية، وإن لم يكن وقت راتبة صلى تحية المسجد ركعتين قبل المغرب وقبل العشاء وقبل العصر مع أنه ورد أيضاً الأمر بحقه.
стр. 157
وقت القيام إلى الصلاة
متى يقوم إلى الصلاة؟ أما المقيم فإنه يقوم إذا أمره الإمام، وأما غيره فيقومون إذا قال المؤذن: (قد قامت الصلاة) صحيح أنه لا حرج في التقدم أو التأخر، لو قام عند أول تكبيرة، أو قام بعد التحليلة حصل المقصود، كلمة (قد قامت الصلاة) كأنها إشارة لهم أي: قد قامت فقوموا، لذلك خصها الفقهاء بأنهم يقومون عند (قد) .
стр. 158
افتتاح الصلاة بالتكبير
افتتاح الصلاة بالتكبير (الله أكبر) ركن من أركان الصلاة، ولا يجزئ غيرها، ولا يكفي أن يقول: الله أعظم، أو الله أجل أو ما أشبه ذلك، فالتكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة يأتي بها الإمام وهو قائم في الفريضة.
وفي صفة الصلاة التي ذكر المؤلف ﵀: الفرائض والنوافل والسنن والأركان والواجبات على ترتيب حركات الصلاة، فبدأ بالتكبيرة، وهي ركن ثم بالقيام في قوله: (وهو قائم) ، وهو ركن، وخصه في الفرض لأن القيام إنما يجب في الفرض، وأما النفل فيجوز أن يصليها وهو قاعد، وله نصف أجر القائم، وكذلك العاجز إذا عجز عن القيام سقط عنه وصلى وهو جالس، واختلف فيما إذا كان إماماً: هل يصلون خلفه قعوداً أو قياما؟ والأرجح أنه إذا ابتدأ بهم وهو قائم ثم اعتل أتموا خلفه قياماً، وأما إذا ابتدأ بهم وهو جالس، فالأرجح أنهم يتمون خلفه جلوساً جمعاً بين الأدلة.
стр. 159
رفع اليدين عند التكبير
قوله: (رافعاً يديه إلى حذو منكبيه) : رفع اليدين إلى محاذاة المنكبين سنة ثابتة بأدلة قوية، متفق عليها عند الأئمة الأربعة، وخالف في ذلك: الرافضة والإباضية ونحوهم، وعلتها كما ذكرها بعض العلماء: أنه إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه؛ فيرفعهما يحاذي منكبيه، وقيل: حد الرفع أن تكون الكف حذاء المنكب والأصابع حذاء الأذن.
стр. 160
وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة
قوله: (ثم يقبض بيمناه كوع يسراه ويجعلهما تحت سرته) : من السنن: أن يقبض اليد اليمنى باليسرى، ويكون القبض على الكوع، والكوع: هو المفصل الذي بين الكف والذراع، فيقبض كوع اليسرى بكفه اليمنى.
أما كونه يجعلهما تحت سرته فهذا نظراً إلى المشهور عند الفقهاء الحنابلة، رووا في ذلك حديثاً عن علي: (من السنة قبض الكف على الكف في الصلاة تحت السرة) ولكنّ الحديث ضعيف، لم يثبت عند بعض العلماء موضع لهذا المكان، والترمذي ﵀ مع سعة اطلاعه وكثرة ما يذكر من الأحاديث أو يشير إليها، لم يذكر في الباب شيئاً، وكأن الأمر عنده واسع، أن يضعهما على الصدر أو على البطن أو على السرة أو تحتها، ولكن الشارح الذي هو المباركفوري توسع في هذا المكان ورجح أنه يجعلها على الصدر، وروى أو ذكر في ذلك حديثين: - حديث في مسند أحمد وحديث في صحيح ابن خزيمة، ولو كانا غريبين وقال: إنهما أولى وأصح من حديث علي.
وقد صنف في هذه أحد علماء الهند رسالة طبعت قديماً ويمكن أنها جددت بعنوان: (شرح الصدور في وضع الأيدي على النحور) حتى أنه استدل بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أن بعض العلماء أو بعض المفسرين قال: (صل وانحر) يعني: اجعل يديك على نحرك، ولكنه قول شاذ.
وبكل حال فوضعهما تحت السرة جائز لنص كثير من الفقهاء عليه، والأفضل فوق السرة أو على الصدر.
стр. 161
النظر إلى موضع السجود
قوله: (وينظر مسجده في كل صلاته) : من السنن أن ينظر إلى موضع سجوده في كل صلاته.
يعني: أن يقصر نظره على موضع مسجده.
أي: موضع جبهته.
لماذا؟ ليجتمع عليه قلبه؛ لأنه إذا نظر يمنة ويسرة تشوش عليه فكره، وقد ورد أيضاً النهي عن الالتفات في الصلاة، وورد الوعيد على رفع البصر إلى السماء: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن، أو لا ترجع إليهم)
стр. 162
الاستفتاح
وبعد ذلك يستفتح، واختار الإمام أحمد هذا الاستفتاح: (سبحانك اللهم وبحمدك) إلى آخره؛ وذلك لأنه ثناء، والثناء على الله يقدم على الدعاء، ولا شك أن حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) إلى آخره أصح إسناداً، أما هذا الحديث فمروي في صحيح مسلم عن عائشة ومروي أيضاً عن عمر أنه كان يجهر به، فاختاره الإمام أحمد؛ لأنه ثناء على الله تعالى.
والتسبيح: هو التقديس والتنزيه.
و (بحمدك) يعني: متلبساً بحمدك.
البركة: كثرة الخير، (تعالى جدك) يعني: لك جميع أنواع العلو.
والجد: الحظ والنصيب.
يعني: حظك من التقديس، كلمة التوحيد: (لا إله غيرك) كلمة الإخلاص.
يجوز أن يستفتح مثلاً: بـ (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) ، ويستفتح بحديث علي الذي في السنن: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض إلى آخره) ، وهو طويل مذكور في سنن أبي داود وفي غيره، وكذلك أيضاً يجوز أن يستفتح بالحديث الذي فيه: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة) إلى آخره، ولـ شيخ الإسلام رسالة مطبوعة في المجلد الثاني والعشرين في أنواع الاستفتاحات، يعني أن أنواع الاستفتاحات كثيرة، وبيّن أسانيدها وتكلم عليها وبيّن أصحها.
وتكلم ابن القيم أيضاً في زاد المعاد عن الاستفتاح وقال: إن الذين يستفتحون بالاستفتاحات الطويلة لا يكملونها وإن هذا أخصرها وأجمعها.
стр. 163
الاستعاذة
وبعد ذلك يستعيذ ويبسمل سراً، والاستعاذة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والأفضل أن يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) حتى يجمع بين الأمرين: الأمر الذي في سورة فصلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] ، وفي سورة النحل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] فيقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
стр. 164
البسملة
والبسملة اختلف فيها: هل هي من الفاتحة أو ليست من الفاتحة؟ والشافعية يرون أنها من الفاتحة ولذلك يجهرون بها، والمالكية لا يقرءونها لا سراً ولا جهراً، والحنابلة يرون أنها ليست من الفاتحة ولكنها آية من القرآن، ولأجل ذلك يقرءونها سراً، ولا يقولون: إنها من الفاتحة وإنما تكتب أمام كل سورة.
يعني: تكتب للتبرك في أول كل سورة.
стр. 165
قراءة الفاتحة
وقراءة الفاتحة ركن؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، والمشهور أنها ركن في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فإنها مستحبة في سكتات الإمام وفيما لا يجهر به، وإذا لم يقرأ بها فإن صلاته تصح ويحملها عنه الإمام، وفيها أيضاً خلاف طويل، وقد ألف فيها البخاري رسالة -يعني: قراءة المأموم- مطبوعة بعنوان: (جزء القراءة خلف الإمام) ، ورجح أنها لازمة للمأموم كما أنها لازمة للإمام والمنفرد، واستدل بعمومات، وناقش من قال: إنها لا تجب على المأموم.
وقراءتها لا بد أن تكون مرتبة، فلا يقدم آية على آية، فلو قال: الحمد لله، الرحمن الرحيم، رب العالمين، أو قال: الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين، الرحمن الرحيم، بطلت، ولا بد أن تكون مرتبة آياتها، فلابد أن تكون متوالية، فلا يفرق بينها تفريقاً طويلاً.
ويسن أن يقف عند كل آية انتظاراً لجواب الله تعالى، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] سكت قليلاً ينتظر قول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] سكت قليلاً ينتظر قوله: مجدني عبدي، إذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] سكت ينتظر قول الله: أثنى عليّ عبدي، إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] سكت ينتظر قول الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، هكذا ورد في الحديث، والحديث مشهور عن أبي هريرة.
وورد أيضاً أنه ﷺ كان يقف على رءوس الآي، واستحب أكثر العلماء أن يقف في قراءته على رأس كل آية؛ وذلك لأنها فصلت عما قبلها، واختلفوا فيما إذا كانت الآية متصلة بما بعدها، ويرجح بعضهم كالشيخ ابن قاسم في حاشيته على الروض: أنه يقف ولو كانت متصلة بما بعدها.
يعني: بعض الآيات لا يصح الوقوف عليها عند القراءة المستمرة، ولكن أحياناً يجب الوقوف عليها للنفس أو نحو ذلك، مثل قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١-٢] يقولون: لا يقف عليها إلا لضيق النفس، ومثل قوله تعالى في سورة التين: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين:٥-٦] منع بعضهم الوقوف على (أَسْفَلَ سَافِلِينَ) ، ويقول: لا بد من الاستئناف، وأما قوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١-٣] يرخص في ذلك، وبكل حال: الوقوف على رءوس الآية هو الأفضل.
وذكروا أن في الفاتحة إحدى عشرة شدة غير البسملة، فلا بد أن يأتي بالتشديد؛ لأن الشدة تعتبر حرفاً، فلو قال: مالك يوم الْدِيِنْ، أو قال: إيَاَكَ، أو قال: اهدنا الْصِرَاطَ، فإنها لا تنعقد، ويعتبر أخل بالقراءة وترك منها حرفاً.
стр. 166
التأمين بعد الفراغ من الفاتحة
بعد الفاتحة يؤمن: (آمين) ، فإذا كانت الصلاة جهرية جهر بها الإمام والمأمومون، ومعناها: اللهم استجب، وفيها فضل: (إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ، وأما إذا كان في سرية فإنه يسر في التأمين.
стр. 167
الجهر في الصلاة الجهرية
يسن الجهر في الصلاة الجهرية، ولو لم يجهر صحة صلاته، والجهر يكون في صلاة الصبح والجمعة والعيد والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، فهذه صلوات جهرية يسن أن يجهر فيها، فلو ترك الجهر صحة صلاته، ولو نسي الجهر لم يلزمه سجود سهو، وكذلك صلاة الخسوف والاستسقاء وصلاة العيد يجهر فيها أيضاً بالقراءة بالفاتحة وبالسورة التي بعدها.
والمأموم يسر ولا يجهر؛ وذلك لأنه مأمور بالإنصات، وإذا قرأ مثلاً في سكتات الإمام فإنه يسر؛ لأنهم لو قرءوا وهم مثلاً مائة أو مئات شوشوا على المصلين، فيسرون بقراءتها.
والمنفرد يخير بين السر والجهر، فإن كان هناك من يستمع له إذا كان يقرأ، فيستفيدون من قراءته جهراً في ليل أو نهار، في تطوع أو فرض، , وإن كان هناك من يتأذى بجهره فإنه يسر كنائمين أو متحدثين ونحوهم.
стр. 168
السكتة بعد الفاتحة
وبعدما يفرغ من قراءة الفاتحة فإنه يسكت، وقد اختلف في السكتة التي بعدها، فمن العلماء من ذكر أنه يسكت بعد الفاتحة سكتة ينتظر فيها المأمومين ليقرءوا الفاتحة، ومنهم من لم يذكر هذه السكتة، ومنهم من أنكرها، ورجح أنه لا يسكت كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد.
والأشهر أنه يسكت، وورد في ذلك الحديث الذي في سنن الترمذي، وفيه ذكر سكتتين ثم قال: وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] العادة أنه يسكت حتى يرجع إليه نفسه، وحتى يتفكر فيما يقرأ بعد الفاتحة، وحتى لا يصل القراءة بالقراءة.
стр. 169
قراءة سورة بعد الفاتحة وصفة القراءة
ولا خلاف أنه يقرأ بعد الفاتحة سورة في الصبح وفي الأوليين من المغرب، وفي الجمعة ونحوها.
وذكروا أنه يقرأ سورة، وهذا هو الذي اشتهر في كثير من المؤلفات، وهو دليل على أن قراءة سورة كاملة أفضل من قراءة بعض سورة، كأول السورة أو وسطها أو آخرها.
وهو الذي حدث من النبي ﷺ ، فإنه أحياناً يقرأ سورة في كل ركعة، وأحياناً يقرأ في الركعة سورتين من المفصل، فيقرأ في الركعتين أربع سور في الفجر، والمشهور أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصل، والمغرب من قصاره، والعشاء من أوساطه.
وطواله من سورة (ق) إلى سورة (عمّ) ، وأوساطه من (عمّ) إلى سورة (الضحى) ، ومن الضحى إلى آخره قصاره.
ويستحب أن يقرأ في المغرب أيضاً من طواله، فقد ثبت أنه ﵊ قرأ فيها بسورة الأعراف، قسمها في الركعتين، وكذا أيضاً في غيرها من الصلوات تجوز الإطالة أحياناً لمناسبة.
والقراءة معلوم أيضاً أنها ترتل كما أمر الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] وفي حديث عائشة كان ﷺ يرتل القراءة حتى تكون السورة أطول من أطول منها، ومع ذلك فإنه كان يطيل، فالثابت أنه كان يقرأ في الفجر ما بين ستين آية إلى مائة آية، وإذا كان من السور القصار فإنه يقرأ بقدرها.
يعني: من سورة البقرة نحو ثلثها؛ لأن البقرة مائتان وست وثمانون آية، يعني: إذا قرأ ثلثها صدق عليه أنه قرأ ما فوق الستين ودون المائة.
وكذلك مثلا: ً إذا قرأ سورة الأنبياء وسورة الحج، فهذه السور دون المائة، وسورة الأحزاب آياتها ثلاث وسبعون فهذه دون المائة، ومعناه أن إذا قرأها فلا يستنكر عليه، وكذلك إذا قرأ سورة النمل أو سورة العنكبوت أو سورة الروم أو سبأ، هذه كلها فوق أو قريب من بعضها وهي أقل من الخمسين، وبعضها فوق الستين، وكذلك سُور آل حميم، فلا ينكر على الإمام الذي يقرأ من هذه السور، لا سيما وقد أثر عن الصحابة ﵃.
فقد كان عمر ﵁ غالباً يقرأ بالسور الطويلة كسورة النحل وهي فوق المائة وسورة يوسف.
وثبت أن أبا بكر ﵁ صلى بهم بسورة البقرة كلها، ولما انصرف قالوا: (كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين) .
رواه مالك في الموطأ، وكانوا مع ذلك يتحملون ويألفون الصلاة ويحبونها.
стр. 170
الركوع
فإذا انتهى من القراءة وسكت قليلاً حتى يرجع إليه نفسه ركع، ويرفع يديه كرفعه الأول إلى منكبيه، ويكون تكبيره في حالة انحنائه.
أي: حالة ما يتحرك منحنياً يأتي بلفظة: (الله أكبر) .
ثم يضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع ويسوي ظهره، أي: يلقم كل ركبة يداً، قالوا: لا يسن تفريج الأصابع في الصلاة إلا في الركوع، أما البقية فإنه يسن ضمها، ويجعل ظهره مستوياً فلا يجعله محصوراً منحنياً، بل يجعله وسطاً مستوياً، حتى قالوا: إنه لو وضع عليه قدح لركد، ويجعل رأسه بحياله فلا يخفض رأسه ولا يرفعه.
стр. 171
الدعاء والتسبيح في الركوع
وبعدها الدعاء في التسبيح أن يقول: (سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وهو أدنى الكمال) وإن زاد إلى عشر فله ذلك، فأعلاه في حق الإمام عشر في حديث أنس، أنه لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة قال: (ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى) .
يقول ابن حجر: يعني: تسبيحه في الركوع والسجود عشراً عشراً.
بعد ذلك يرفع من الركوع، فيرفع يديه إلى حذو منكبيه، ويقول: (سمع الله لمن حمده) ، ويسرع فيها، حتى لا يسبقه المأمومون، فالمأمومون يبقون راكعين حتى يفرغ من التسميع، ولا يتحركون حتى يفرغ من قوله: (سمع الله لمن حمده) ، ويقولها في حالة حركته مرتفعاً.
وبعدما ينتصب يقول: (ربنا ولك الحمد) أو: (اللهم ربنا لك الحمد -روايتان- ملء السموات وملء الأرض وملئ ما شئت من شيء بعد، وإن زاد بقوله: أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، لا ينفع ذا الجد منك الجد، فإن ذلك وارد، وورد أيضاً: أنه ﵇ أقر الذي قال: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه) ، وروي أيضاً أنه قال: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله) يقول ذلك أو ما أمكنه، والمأموم لا يسمع، أي: لا يقول: (سمع الله لمن حمده) .
والحديث فيه قوله ﷺ : (إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، وإذا رفع وقال: سمع الله لمن حمده، فارفعوا وقولوا: ربنا ولك الحمد) ، روي عن الشافعية أن المأموم يسمّع أيضاً، ولا دليل لهم إلا عموم قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
ومعلوم أن هناك فرقاً بين الإمام والمأموم، وأن الحديث إنما هو في الرؤية لا في السماع، وأن المأمومين لا يقرءون والإمام يقرأ، وأنهم لا يجهرون كما يجهر الإمام، فعرف أن هناك فرق بين المأمومين وبين إمامهم.
стр. 172
السجود
قوله: (ثم يكبر ويسجد على الأعضاء السبعة، فأول ما يضع على الأرض ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه) ، هذا هو المختار وهو أن يقدم ركبتيه على يديه، وهذا هو الذي تدل عليه السنة النبوية من فعله ﷺ ، والأحاديث الصريحة كحديث وائل بن حجر وأنس وغيرهما: (أنه كان إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) ، ودل على ذلك أيضاً: أن هذه هي جلسة النشاط، وأن تقديم اليدين جلسة العاجز؛ لأنه معروف أنه إذا قدّم يديه اعتمد عليهما، فيكون ذلك من جلسة المتثاقل العاجز، ومعلوم أن الإنسان إذا دخل في مجلس، وأراد أن يجلس على الأرض وهم جلوسٌ على الأرض، فإنه عادة لا يقدم يديه إلا إذا كان مريضاً أو كان كبير السن فيعتمد على يديه، أما إذا كان نشيطاً فإنه يجلس جلسته العادية ويحني رجليه ويجلس على الأرض، وهذا هو الصحيح.
وقد نصره ابن القيم ﵀ في كتبه الثلاثة: في زاد المعاد واستوفى الكلام حوله، وفي كتاب الصلاة وأطال فيه، وفي شرحه أو حاشيته على سنن أبي داود لما أتى على الحديث عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، فبين أن هذا الحديث فيه انقلاب، وأن الصواب أن يضع ركبتيه قبل يديه، وبتتبع طرق الحديث وجد أن في الحديث ضعفاً، واضطراباً، وأشار إلى اضطرابه في زاد المعاد، وبيّن الضعف، وكذلك أيضاً في كتاب الصلاة أطال في ذلك ورجح أنه ضعيف.
ثم بيّن أيضاً أن أوله يخالف آخره، فإن البعير يبدأ بيديه قبل رجليه، وأما قولهم: إن ركبة البعير في يده، فهذا غير صحيح، والأصل أن الركبة إنما هي في الرجل في كل شيء، ولو كانت صورة ركبة البعير في يديه صورةً فإنها لا تسمى ركبة بل تسمى كما في اليد مرفقاً.
يعني: يرتفق به، فالبعير مشاهد أنه يقدم يديه قبل رجليه، فإذا قدم إنسان يديه أشبه البعير في بروكه، وهذا هو الصحيح، ثم وردت أيضاً أحاديث تؤيد حديث وائل في أنه يقدم يديه قبل ركبته.
وورد أيضاً حديث أبي هريرة في شرح معاني الآثار للطحاوي، وفي مصنف ابن أبي شيبه، وفيها: (فليضع ركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كما يبرك الفحل) ولو كان في الإسناد راوٍ ضعيف لكنه يتقوى ببقية الروايات، وهذا هو القول الصحيح، ولا عبرة بمن رد على ابن القيم وأنكر ما قاله، حتى المحقق الذي حقق زاد المعاد ضعف رأي ابن القيم ولم يجب عن كل الاعتراضات التي ذكرها.
وألف بعض تلامذة الألباني رسالة في تأييد تقديم اليدين بعنوان: (نهي الصحبة عن تقديم الركبة) ولكنه تكلف في رده، وأتى بأدلة لا تنهض له.
وقد ألف فيها الفريح البهلال، الشيخ المعروف في الزلفى، وأيد ابن القيم وانتصر للحق، وبين أن الحديث الذي عن أبي هريرة خطأ ولا دلالة فيه، وأن الحديث الثاني الذي استدلوا به ضعيف، وأنه إنما صح من فعل ابن عمر، وابن عمر فعل ذلك لما كبر سنه، وكان يقدم يديه قبل ركبتيه لعجزه عن ذلك.
وقد بين ذلك أيضاً الشيخ خليل إبراهيم الذي حقق رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأحاديث، وطبعت مع مجموعة رسائل الشيخ، ورجح ما رجحه ابن القيم، وبين الأدلة الواضحة على ذلك، وذكرنا ذلك أيضاً في تحقيقنا لشرح الزركشي، وبينا الأدلة، هذا هو الذي يترجح لنا، ومن قرأ كلام ابن القيم بإنصاف عرف موافقته، فالحاصل: أنه ذكر أنه يقدم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته ثم أنفه.
ويسن كونه على أطراف أصابعه.
يعني: سجوده على أطراف أصابع رجليه، ويجعل رءوسها إلى القبلة، وبطونها إلى الأرض منبسطة، ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذه، فلا يلصق عضده بالجنب، بل يفرج إذا استطاع ما لم يضايق الذي إلى جانبه، ويرفع بطنه عن فخذيه ويرفع فخذيه عن ساقيه، ولا يلصق بطنه بفخذيه؛ فإن هذا كأنه غير ساجد، ويفرق بين ركبتيه، وكذلك يفرق بين رجليه فلا يلصقهما، وذلك بأن يجعل بينهما مثلاً نحو شبر، وقد استدل البعض على إلصاق القدمين بحديث عائشة: (فوقعت يدي على رجليه أو على قدميه وهما منصوبتان) .
نقول: هذا لا يدل على أنهما ملتصقتان فإنها قد تمس أصابعها قدماً وأسفل الكف قدماً.
وقد تكون مسحتهما مسحاً وبينهما فاصل فوقعت يدها على الرجل ثم على الرجل مع وجود الفرجة التي بينهما.
стр. 173
الدعاء في السجود
الدعاء في السجود مندوب، والتسبيح كتسبيح الركوع سبحان ربي الأعلى -ثلاثاً- وهو أدنى الكمال، وأعلاه عشر، ويسن فيه الإطالة: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، فيسن أن يكثر فيه من الدعاء لقوله: (فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) .
وبعد ذلك يرفع مكبراً، ويجلس مفترشاً، والافتراش أن يفرش رجله اليسرى ويضع عليها إليتيه وينصب اليمنى، ويضع بطون أصابعها إلى الأرض، ويقول: رب اغفر لي ثلاثاً، ويزيد أيضاً، ويطيل هذا الركن أيضاً.
كان أنس إذا جلس بين السجدتين أطال حتى يقول القائل: قد نسي.
ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى، وبعد ذلك ينهض مكبراً معتمداً على ركبتيه بيديه، وينهض مكبراً معتمداً على ركبتيه بيديه، ولا يجلس بعد الركعة الأولى جلسة الاستراحة؛ وذلك لأن جلسة الاستراحة ما رويت مرفوعة صريحة، إنما رويت من فعل رجل من التابعين وكان شيخاً كبيراً.
في حديث أبي قلابة يقول: جاءنا مالك بن الحويرث، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فقيل لـ أبي قلابة: كيف كان يصلي؟ فقال: مثل صلاة شيخنا هذا، قال: وكان ذلك الشيخ إذا رفع من الركعة الأولى لم يقم حتى يستوي جالساً.
ذلك الشيخ يقال له عمرو بن سلمة الجرمي وليس صحابياً على الصحيح، ولو كان أدرك عهد النبي ﷺ وهو صغير، وهو الذي قدمه قومه يصلي بهم وهو صغير كما في صحيح البخاري ولم تثبت صحبته، فجلسته هذه كانت لعجزه ولكبر سنه، وكان يجلس بعد الأولى وبعد الثالثة.
أما مالك بن الحويرث فلم يذكر أنه ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم يقم حتى يستوي جالساً، وهذه الرواية ليست في الصحيح، فيدل على أنها رويت بالمعنى، وأنها كانت من فعل عمرو بن سلمة، وهذا الذي يترجح لنا أنها ما رويت إلا من فعل هذا الرجل.
وأما حديث أبي حميد الساعدي الذي بعضه في الصحيح، فلم تذكر أصلاً في صحيح البخاري، وذكرت في سنن الترمذي، ولكن الصحيح أنه غلط من الراوي، وأنها تكرر عليه ذكرها؛ ولأجل ذلك ذكر أن جلسته بين السجدتين وجلسته بعد السجدتين على حد سواء، وهذا ليس بصحيح.
فالحاصل أن ذكرها في حديث أبي حميد غير ثابت.
يعني: أن العبرة بما في حديث أبي حميد عند البخاري، وأما ذكرها في حديث المسيء صلاته فلم تذكر إلا في رواية وقعت خطأ في صحيح البخاري نبه البخاري على أنها خطأ، ووقعت في كتاب الاستئذان.
وذهبت الشافعية إلى استحباب هذه الجلسة وبالغوا في ذلك، وأنكرها الحنفية، ولما كانوا ينكرونها ذكر بعض الاعتراضات عليها الطحاوي في شرح معاني الآثار، وابن حجر لما كان شافعياً تكلف في إجابته على تلك الإيرادات التي أوردها الطحاوي في فتح الباري، ولكلٍ اجتهاده.
وما روي أن الإمام أحمد رجع إليها فلعله رجع إليها بالفعل لما أسن، ولما كبر سنه وتجاوز السبعين، وكان مما يشق عليه أن يقوم بسرعة معتمداً على ركبتيه أو معتمداً على صدور قدميه فكان يجلس ثم يعتمد ويقوم، وقد تكلمنا أيضاً عليها في تعليقنا على شرح الزركشي.
فالحاصل أنه ذكر أنه ينهض مكبراً معتمداً على ركبتيه بيديه، فإن شق عليه القيام لكبر أو مرض فله أن يعتمد بيديه على الأرض.
قوله: (فيأتي بمثلها غير النية والتحريمة) أي: الركعة الثانية يأتي بها كالأولى إلا أنه لا يأتي بالتحريمة، ولا بالاستفتاح ولا بالتعوذ ولا بتجديد النية إلا إذا لم يتعوذ في الركعة الأولى.
قوله: (ثم يجلس مفترشاً) : أي: بعد الركعتين يجلس مفترشاً.
فيفرش رجله اليسرى كجلسته بين السجدتين ويجلس عليها.
قوله: (وسن وضع يديه على فخذيه، وقبض الخنصر والبنصر من يمناه، وتحليق إبهامها مع الوسطى) : أي: يسن أن يضع يديه على فخذيه، ويقبض من اليمنى الخنصر والبنصر، ويحلق بإبهامه والوسطى، أي: يجعلهما كالحلقة.
стр. 174
الإشارة بالسبابة وتحريكها
ويشير بالسبابة: أي يشير بها عند التشهد إشارة إلى الوحدانية، وعند الدعاء، وعند ذكر الله مطلقاً.
وقيل: إنه يشير بها كلما أتى بذكر (الله) ، أو عند الدعاء إذا قال: (السلام عليك) ، (السلام علينا) ، أو عند الشهادة: (أشهد) ، أو عند الدعاء مطلقاً إذا دعا في آخر صلاته.
أما تحريكها دائماً فليس بسنة، إنما يشير بها أحياناً، وبعد ذلك يبسط اليسرى على ركبته، وبعد ذلك يتشهد بهذا التشهد، واختار الإمام أحمد هذا التشهد؛ لأنه مروي عن ابن مسعود بأسانيد صحيحة، ولم ينقل عنه اختلاف فيه.
стр. 175
التشهد الأوسط
وبعدما يتشهد إذا كان في ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالعشاء أو كظهرين نهض مكبراً، بعد قوله: (وأن محمداً عبده ورسوله) ، وصلى ما بقي سراً ويقتصر على الفاتحة ولا يجهر.
стр. 176
التورك
وبعدما يأتي بالباقي يجلس متوركاً إذا تيسر كالإمام والمنفرد، وأما المأموم فإذا شق عليه بأن لم يجد متسعاً فله أن يجلس مفترشاً؛ لأنه قد يكلفه إلى إخراج رجله إلى من بجانبه وكذا الثاني والثالث فيحصل مضايقة.
стр. 177
التشهد الأخير
يجلس متوركاً ويأتي بالتشهد المذكور، ثم بعد ذلك يأتي بالصلاة على النبي ﷺ ، ولم يذكر في هذا إلا الصلاة على إبراهيم، وفي بعض الروايات أنه يجمع بين إبراهيم وآله، وأنكر بعض العلماء وقالوا: لم يرد الجمع، بل إما أن يقول: كما صليت على إبراهيم، أو كما صليت على آل إبراهيم، والأكثر: (كما صليت على آل إبراهيم) ، والإشارة إلى ذكر ذلك في سورة هود في قوله: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣] .
стр. 178
التعوذ بعد التشهد
وبعد ذلك يسن أن يتعوذ، وقد ورد في حديث أنه يتعوذ من عذاب جهنم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، وروي أيضاً أنه: (كان يستعيذ من المأثم والمغرم، فقيل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) .
стр. 179
عدم الدعاء بأمر من أمور الدنيا
ولا يدعو بدعاء يخص الدنيا، بل يكون دعاؤه للآخرة، فلا يدعو بدعاء خاص كربح تجارة مثلاً أو مال كثير أو أواني أو أمتعة أو ما أشبه ذلك، بل يدعو بدعاء عام كأن يقول: (اللهم ارزقني، أو أغنني بحلالك عن حرامك، أو هيئ لي من أمرك رشداً) .
стр. 180
التسليم
وبعد ذلك يسلم فيقول: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمنيه وكذلك عن يساره، مرتباً معرفاً السلام، ولا يقول: (سلام) ، وزيادة: وبركاته رويت في سنن أبي داود، والظاهر أنه ﵇ ما كان يقولها إلا قليلاً.
وذكر ابن القيم في كتاب الصلاة أن الذين رووا (ورحمة الله) خمسة عشر صحابياً.
следующие страницы →