Полный текст (2 153 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
طريقة العلماء في البدء والتبويب في كتبهم
الأصل أن العلماء يبدءون بكتاب الصلاة، ولكن بدءوا بالطهارة لأنها شرطها، والعادة أن الشرط يتقدم المشروط، واستطردوا في كل ما يتصل بالطهارة، وفي كل ما له صلة بإزالة النجاسات وما أشبهها، وإن كانت عادة المؤلفين الأولين أن يرتبوا كتبهم على ترتيب أركان الإسلام، فيبدءون بالشهادتين، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، تم بالصيام ثم بالحج.
فعل ذلك مسلم في صحيحه، وكذا البخاري في تقديمه للإيمان الذي هو مضمون الشهادتين، ثم الصلاة، ثم الصوم -إلا أن البخاري أخر الصوم عن الحج- ثم بالحج، وهذا هو الترتيب المعتاد.
ولما كان التوحيد هو العقيدة الأساسية أفرد بعد ذلك بكتب، فجعلت باسم التوحيد أو الإيمان، أو السنة، أو الشريعة، وجعلت كتب التوحيد مفردة لأهميتها، وجعلت بقية الأحكام مجموعة، وقسموا الأحكام أربعة، فبدءوا بالعبادات؛ لأنها حق الله، فإذا انتهوا من العبادات التي هي حق الله بدءوا بالمعاملات التي فيها كسب المال؛ لأن الإنسان بحاجة إلى كسب المال الذي هو قوته، والذي هو مادة حياته، ثم بعد ذلك بالنكاح؛ لأنه أيضاً من تمام الضرورات، ثم ختموا بالحدود والجنايات؛ لأنها تنتج عمن كملت عليه النعمة، واتصلت نفسه بعد ذلك بالعدوان وبالظلم.
стр. 107
وجوب الصلاة
والآن نحن في القسم الأول الذي هو العبادات، وفي أهمها وهو الصلاة.
стр. 108
الصلوات الواجبة
الصلوات الواجبة خمس كما هو معروف، دليلها قوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) ، في حديث طلحة بن عبيد الله، وقوله ﷺ لـ معاذ: (فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) ، فدل على أن الصلوات المكتوبة خمس.
وفي حديث الإسراء: (إن الله تعالى فرض عليه خمسين صلاة، ثم إنه طلب التخفيف بإشارة من موسى حتى جعلها الله تعالى خمساً، وقال: لا يبدل القول، هي خمس وهي خمسون) يعني: أن من حافظ عليها فله أجر خمسين، والحسنة بعشر أمثالها.
هذه الصلوات الخمس واجبة على المسلم، والكافر مطالب بشرطها وهو الإسلام، فإذا لم يسلم لم يطالب بها.
стр. 109
خطاب الكفار بالصلاة
وهناك خلاف أصولي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ تكلم العلماء على ذلك في أصول الفقه، ورجحوا أنهم مخاطبون بها وإن كانت لا تقبل منهم، ويكون خطابهم بمعنى زيادة العقوبة عليهم، فيقال مثلاً: هذه عقوبتك على الشرك، وهذه عقوبتك على ترك الصلاة، وهذه عقوبتك على ترك الصوم وهكذا، وإلا فلو أنهم صلوا وهم مشركون ما قبلت منهم ولا أجروا عليها.
ثم هو معروف أن كلمة (تجب) بمعنى: تلزم، أي أنها واجبة وجوباً مؤكداً، لا تجب إلا على المسلم المكلف.
والمكلف: هو البالغ العاقل، هذا تعريف التكليف: البالغ العاقل، فيخرج بذلك الصغير، فإنه لا تجب عليه، وأمره بها أمر تعليم وتدريب، ويخرج بذلك أيضاً فاقد العقل، وهو المجنون، فإنه مرفوع عنه القلم حتى يفيق، فإن الله تعالى إنما خاطب بالواجبات من يعقل، ومعلوم أن فاقد العقل لا يفهم، ولا يدري ما يقال له، ولا يميز بين الواجب وغيره، وعلامة ذلك: أنه يفعل الأفعال التي لا يقرها العقل وليس معه ما يميز به بين النافع والضار.
ويستثنى من هذا الوصف الحائض والنفساء، فتسقط عن الحائض والنفساء في زمن الحيض وزمن النفاس، فلا تجب عليها الصلاة، ولا يلزمها قضاؤها كما تقدم في الحيض، وتقدم أن السبب استمرار هذا العذر وهذه النجاسة، ومشقة القضاء عليها، حيث إنه قد يجب قضاء خمسة عشر يوماً وأربعين يوماً في الحيض، فيكون في ذلك صعوبة.
وبعد ذلك صرح بما يحترز به عن مسلم مكلف، وعرفنا أن (مكلف) احترازاً من مجنون وصغير، فلا تصح من المجنون ولا يؤمر بها؛ لأنه لا يحسن ولا يفهم ولا يدري ما يقال له، وكذلك من الصغير غير المميز، وأما إذا كان مميزاً فإنه يؤمر بها، ويكون أمره للتدريب، حتى يألفها لصغره، وحتى تخف عليه عند التكليف، وحددوا الصغر الذي يميز معه بسبع سنين، وقد ورد في الحديث قوله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) .
الأمر هاهنا للأولياء؛ فهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ النبي ﵊ يقول لنا: (مروا أولادكم) هذا الأمر قال بعضهم: إنه للوجوب، ويلزم الولي أن يأمر أولاده ذكوراً وإناثاً بالصلاة لتمام سبع، ولكن القرينة وهي أنه ما أمر بالضرب إلا لتمام عشر تدل على أن الأمر ليس للإلزام، وإنما هو للتعليم والتدريب، فإذا بلغ سبع سنين ودخل في الثامنة فإن والده وولي أمره يأمره، ويستدعيه، ويأخذ بيده إلى المسجد ويعلمه ما يلزم، فيعلمه الطهارة، ويعلمه اجتناب النجاسة، ويعلمه الصلاة بقدر ما يستطيع، فيعلمه ما يقول في القيام، وما يقول في الركوع والسجود، وما يقول في القعود وفي الرفع من الركوع، ويعلمه الطمأنينة والخشوع، ويعلمه الإقبال على الصلاة وعدم الحركة والالتفات، ويدربه على ذلك.
كما أنه في هذه السن يحافظ عليه أيضاً، فيحفظه عن المحرمات، ويبعده عن السفه، ويبعده عما هو محرم أو منكر -مثلاً- كرؤية الصور القبيحة والأفلام الخليعة، وكذلك سماع الأغاني والملاهي وما أشبهها؛ لأنه في هذه السن يألف ما يسمع، وينطبع في ذاكرته ما يقال له، ويتدرب على هذا السماع المحرم، ويكون ذلك سبباً في انخراطه، أو في توغل هذه المنكرات في قلبه، فيصعب بعد ذلك تخليصه.
ويضرب على تركها لعشر؛ ولذلك لأن العشر مظنة البلوغ، والأصل أن أقل ما يبلغ فيه الصبي إذا تم عشر سنين.
فيوجد كثير ممن يحتلم وقد تم له عشر سنين.
ودخل في الحادية عشرة، أو مثلاً يبلغ بالإنبات أو نحوه، فإذا بلغ عشر سنين فهو مظنة البلوغ، فيضرب على تركها.
وهل الضرب ضرب تعليم أو ضرب تأديب؟ الصحيح أنه ضرب تعليم.
يعني: لا يشدد فيه، بل يضربه ضرب تعليم حتى يعلم ذلك؛ لأنه لا يزال في سن الصغر غالباً، فيعلمه تعليماً وفيه شيء من الشدة.
هذا ما يتعلق بمن تلزمه.
стр. 110
تحريم تأخير الصلاة إلى وقت الضرورة
بعد ذلك يقول: (ويحرم تأخيرها إلى وقت الضرورة) .
وذلك لأنها لا تؤخر إلا للضرورة، وقت الضرورة يكون في صلاة العصر والعشاء، إلا لمن له الجمع بنيته إذا كان يجوز له الجمع، كإنسان سائر في الطريق ودخل عليه وقت الظهر وهو مستمر في السير، ويحب مواصلة السير، فدخل عليه وقت العصر، وهو مشتغل أيضاً بالسير ويحب مواصلة السير، فخرج وقت الاختيار الذي هو أن يكون ظل كل شيء مثليه، واستمر في سيره حتى دخل وقت الضرورة.
أي: قبل الغروب بنصف ساعة أو بثلث ساعة فوقف، فصلى الثنتين في وقت الضرورة.
أي: في وقت العصر الذي هو وقت الضرورة.
وكذا لو كان سائراً في الليل، وشق عليه النزول، وأراد مواصلة السير، فلم ينزل إلا في آخر الليل، فإنه يجوز له؛ لأن هذا له عذر في التأخير، فأما الإنسان المقيم فلا يجوز أن يؤخر العصر إلى ما قبل الغروب؛ لما ورد في ذلك من قوله ﷺ : (تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) يعني: أنه فرط في الوقت وأخره صلاة العصر إلى أن قرب الغروب، وقد ورد: (أن الشمس تغرب بين قرني شيطان، فحينئذ يسجد لها المشركون) ، كذلك تطلع بين قرني شيطان، ولأجل ذلك نهي عن الصلاة في هذين الوقتين: عند الطلوع وعند الغروب؛ لئلا يكون سجوده للشيطان.
فالحاصل أنه لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت -وقت الضرورة مثلاً- إلا لمن له الجمع بنيته، قال: (ومشتغل بشرط لها يحصل قريباً) : إذا كان أخرها لأجل أن يشتغل بشرطها، فعرف أن شرطها يحصل قريباً، مثاله: تأخر لانتظار الماء، فينتظر أن يأتيه الماء، لأنه الآن ليس عنده ماء، وقد أرسل وارداً، فينتظر ولو خرج وقت الاختيار ودخل وقت الاضطرار.
مثال ثانٍ: السترة.
يعني: الثياب، إذا كان ليس عليه ثياب تستره، ولكن ينتظر أن يأتي فلان بثوب ساتر أو ينتظر خياطة هذا الثوب الذي يستر به عورته، فله أن يؤخرها لانتظار هذا الشرط، وكذا بقية الشروط.
стр. 111
كفر جاحد الصلاة
بعد ذلك يقول: (وجاحدها كافر) .
ما تكلم إلا على جاحدها، وقد ذهب جمع من العلماء إلى أن تاركها كافر ولو لم يجحد، ولكن إذا دعي إليها وأصر على أن يمتنع من الصلاة، ففي هذه الحال يقتل، وإذا قتل وهو مصر على تركها فلا يعامل معاملة المسلمين، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ وذلك لأنه استمر على الترك وأصر عليه ولو لم يجحد، واستمر على ذلك إلى أن صبر على القتل.
نقول: وردت أحاديث تدل على كفر تاركها، تجدونها في كتاب الصلاة لـ ابن القيم، وذكر أدلة من يقول بأنه كافر، ومن يقول بأنه غير كافر لا يخرج من الإسلام، وحكم بين القولين، ولكنه ذكر أن العلماء فرضوا مسألة ممتنعة الوقوع، وهي: أنهم يقولون: إنما يعامل معاملة الكافر إذا دعي إلى الصلاة، وقيل له: صلِّ وإلا قتلناك.
فقال: لا أصلي، وأنا معترف بأن الصلاة فريضة، وأنها ركن من أركان الإسلام بل عمود الإسلام، وأنها فريضة الله التي فرضها على عباده، وأنها أول ما يحاسب عنه العبد وآخر ما يخرج من الدين، وأن الله فرضها منه إلى نبيه ﷺ بلا واسطة، وأنها شعار الإسلام وشعار المسلمين أنا أعترف بذلك كله، ومع ذلك فإني لا أصلي ولو قتلتموني، ولو قطعتموني إرباً إرباً.
ويقال: هل هذا صحيح؟ هل يكون مؤمناً الإيمان الصحيح بأن تاركها كافر، وبأنها فريضة الله، وبأنها عمود الإسلام، وبأنها أول ما يحاسب عليه العبد، ومع ذلك يصبر على القتل ولا يصليها؟! إذا رأينا مثل هذا قلنا: كذبت، لست معترفاً بفضلها، ولست معترفاً بفرضيتها، ولو كان كذلك ما صعبت عليك، فالصلاة ليس فيها مشقة ولا تعب ولا صعوبة، بل الصلاة تعتبر لذة للمؤمن وراحة وقرة عين له، فأنت على هذا القول وعلى هذا الصبر تقول: (اقتلوني ولا أصلي) ، وتقول مع ذلك: إنك مصدق بأنها فريضة.
نقول: هذا قول يخالف الفعل، وفعلك هذا يخالف كلامك.
ففي هذه الحال إذا صبر على القتل وأصر عليه نحكم بأنه جاحد، وأن إقراره باللسان يخالف ما في قلبه، فيخالفه عمله تركاً وإصراراً وصبراً على القتل، وهو دليل على أنه ليس مقتنعاً بأنها فريضة، فإذا قتل والحال هذه فإنه يعامل معاملة الكفار.
يعني: لا يتولاه المسلمون، فلا يغسلونه ولا يكفنونه ولا يصلون عليه، ولا يدفنونه في مقابر المسلمين، وتطلق منه زوجته في الحياة -مثلاً- وكذلك لا يرثه أقاربه المسلمون، ويعتبر مرتداً، ويعتبر ماله فيئاً، فإذا مات أحد من أقاربه فإنه لا يرثه إذا كان في هذه الحال.
فالحاصل أنه ذكر هنا أن (جاحدها كافر) ولو -مثلاً- عُرِّف وأمر وبين له فإنه يعتبر كافراً.
стр. 112
حكم تارك الصلاة تكاسلاً
أما تاركها تكاسلاً وتهاوناً ففي هذه الحال لا يكفر إلا إذا دعي إليها وأصر، فلو قال: أنا معترف بفرضيتها، ولكني متكاسل أرى أنها ثقيلة، وأرى مشقة فيها، فأنا أستثقل أداءها في كل يوم في كل هذه الأوقات، ففي هذه الحال يدعى إلى فعلها، ويشدد ويضيق عليه، فإذا امتنع وأصر حتى قتل، أو حتى تضايق وقت الذي بعدها ففي هذه الحال يحكم بكفره، وذكر العلماء أنه يستتاب ثلاثة أيام، فإن فعلها وأقر بوجوبها وإلا فإنه يقتل، وحينئذ يقتل قتل كافر، وحيث كفر فإنه يقتل بعد الاستتابة ولا يعامل معاملة المسلمين.
فالحاصل أن الصلاة لها أهميتها، ومكانتها في الدين، فلذلك يراها المسلمون لذة وراحة، ويراها المنافقون ونحوهم ثقلاً وعائقاً، ومشهور أن النبي ﷺ كان يقول لـ بلال: (أرحنا بالصلاة) يعني: عجل بها حتى نريح أنفسنا إذا دخلنا فيها فنجد لها راحة، ونجد لها لذة: (وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) ، فدل على أنها لذيذة عند أهل الإيمان، وثقيلة عند غيرهم، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] أي: فعلها ثقيل إلا على أهل الخشوع، فالخاشعون تكون عندهم خفيفة ولذيذة وراحة وسروراً وسلوة، وغيرهم تكون عندهم كبيرة وثقيلة.
стр. 113
الأذان والإقامة
ومما يلحق بالصلاة: الأذان والإقامة، واتفق العلماء على أنها من شعائر الإسلام، وأن الأذان من شعائر الإسلام، وكان النبي ﷺ إذا أغار على قوم انتظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم لمعرفته بأنهم مسلمون، وإلا أغار عليهم، ذلك لأنه رفع صوت بذكر الله تعالى، ونداء إلى شعيرة من شعائر الإسلام.
стр. 114
فضل الأذان
وورد في فضل المؤذنين أحاديث كقوله ﷺ : (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) ، وقوله: (يغفر للمؤذن مدى صوته) ، وفي حديث آخر: (لا يسمعه حجر ولا شجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) ، وورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] قالوا: نزلت في المؤذنين.
стр. 115
حكم الأذان والإقامة
الأذان والإقامة فرضا كفاية، وفروض الكفاية هي التي إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركوها أثموا كلهم، فإثمهم كلهم دليل على أنهم مكلفون بها، وإثمهم جميعاً دليل على تكليفهم، فإذا قام بهما من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
والأفضل أن المؤذن يتولى الأذان بنفسه، ولا يعتمد على جهاز أو آلة أو نحو ذلك، ففي بعض الدوائر أو بعض الشركات يجعلون الأذان من الأشرطة.
فمثلاً: يأخذون شريطاً عند المكبر ثم يشغلونه.
صحيح أنه يحصل به المقصود والإعلان المطلوب، ولكن الأصل أن المؤذن الذي يريد الأجر يلقيه بنفسه كما هو، ويستمع إليه المدعوون.
الأذان: الإعلام بدخول الوقت.
والإقامة: الإعلام بالقيام إليها.
الوجوب والفرضية على الرجال، ولا يجب على النساء، ولو كانت قرية -مثلاً- أو خياماً أو بيوت شعر في بادية كلهم إناث فلا أذان عليهم، ولا تتولى الأذان المرأة؛ لأنها منهية عن رفع الصوت أمام الرجال.
ويشترط أيضاً أن يكون الأذان على الأحرار، أما إذا كانوا مماليك فيقولون: لا يجب عليهم الأذان، ولكن يسن؛ وذلك لأنهم مكلفون بأن يصلوا ولو كانوا مملوكين، ويجب على سادتهم أن يمكنوهم، ويخلوا لهم وقتاً يؤدون فيه الصلاة جماعة، إلا إذا كان المسجد بعيداً يستغرق ساعة مثلاً ذهاباً وساعة إياباً فلهم أن يمنعوهم؛ لأنهم قد يعتذرون بأنها عشر ساعات يفوت عليهم فيها خدمة هذا المملوك، فأما إذا كان المسجد قريباً كنصف ساعة أو ربع فلا يسقط عن المملوك.
- ويشترط أيضاً في الأذان: أن يكون على المقيمين، ويسن للمسافرين من غير وجوب، فالمقيمون يلزم عليهم، سواء كانوا في بيوت مدر أو في بيوت شعر، فيلزمهم ويجب عليهم، والمسافرون يسن لهم، وكان بلال ﵁ يؤذن للصحابة وهم في السفر، ودائماً هو الذي يتولى الأذان عند دخول الوقت، بل يشرع حتى للمنفرد؛ لحديث عن أبي ذر أنه ﷺ قال: (إني أراك تحب البادية والغنم، فإذا كنت في باديتك أو غنمك فأذنت فارفع الصوت بالأذان؛ فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن وإنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) ، فهو فضيلة حتى ولو كان منفرداً.
стр. 116
حكم الأذان لغير الصلوات الخمس والجمعة
السنية تكون للصلوات الخمس المؤداة وللجمعة، ويخرج الكسوف، وينادى لها ولكن لا يؤذن لها بالأذان المعتاد، والاستسقاء، والعيد والتراويح لا يؤذن لها، ولو أنهم فاتتهم صلاة الفجر واستيقظوا بعدما طلعت الشمس، وأرادوا أن يقضوا الصلاة فلا يؤذنون، ولابد أن يكون الأذان للصلاة التي تؤدى في وقتها.
стр. 117
الموالاة والترتيب في الآذان
ولا يصح الأذان إلا مرتباً متوالياً، وترتيبه: أن يبدأ بالتكبيرات الأربع، ثم بالشهادتين الأربع، ثم بالحيعلات الأربع، ثم بالتكبيرتين، ثم بالتهليل كما هو معروف، هذا هو الترتيب، فلو قدم الشهادات لم يصح، ولو قدم الحيعلة على الشهادات لم يصح، ولم يسقط به الوجوب، ولابد أن يكون مرتباً.
كذلك لابد أن يكون متوالياً، فلو كبر التكبيرات الأربع ثم سكت، أو خرج -مثلاً- ثم رجع بعد خمس دقائق أو عشر دقائق أو أربع دقائق فاتته الموالاة، فلابد أن يعيده من أوله، ويعيد ما فعله حتى تكون متوالية، والسنة أن يقف بين كل تكبيرتين.
التوالي هو كونه إذا أتى بالتكبيرة أتى بالذي بعدها، والسنة أن يترسل في الأذان، وقد ورد فيه حديث: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر) والترسل: أن يقف بعد كل تكبيرة، وكلما أتى بتكبيرة وقف وتنفس، ثم أتى بالتكبيرة الثانية، ثم توقف وتنفس، ثم بالثالثة ويقف ويتنفس، ثم بالرابعة وهكذا الشهادات، وهكذا الحيعلات، وذلك ليحصل به مد الصوت؛ لأن المؤذن يمد صوته بقدر ما يستطيع، ومعلوم أنه إذا جمع جملتين في نفس لم يحصل مده كما ينبغي، فإذا جمع تكبيرتين في نفس لم يحصل المد المطلوب، ثم هو يخالف الترسل الذي في الحديث: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر) والحدر: هو الإسراع، والترسل: هو التأني في الإلقاء.
وهذا هو الأذان المعتاد.
стр. 118
الفصل بين التكبيرات في الآذان
وفي السنين المتأخرة كان المؤذنون في الحرم يجمعون التكبيرتين في نفس واحد، الذي حملهم على ذلك: الإسراع من غير دليل، ثم جاءت الإذاعة فصارت تنقل صوت مؤذني الحرم على هيئته: تكبيرتين بنفس.
فاعتقد الناس أن هذا هو السنة، وقلدهم كثير من المؤذنين، وصاروا يجمعون تكبيرتين في نفس، وهو خلاف الحديث وخلاف الحكمة التي لأجلها شرع الأذان، وهو مده ومد كل جملة مداً بليغاً حتى تطول مدته، وكنا نسمع بعض المؤذنين قديماً أنه يقيم في الأذان -قبل وجود المكبر- نحو خمس دقائق يمد صوته؛ حتى يسمعه الغافل؛ لأن هناك إنساناً منشغلاً وإنساناً غافلاً، فإذا طالت مدته سمع ولو جملة، فالسنة أن يمد كل تكبيرة مداً بليغاً بأقصى نفسه، ثم يقف بعدها ويسترجع النفس، ثم يمد التكبيرة الثانية بقدر أقصى نفسه، ثم يقف بعدها، وهكذا التكبيرات الأربع، وهكذا الشهادات.
المد يكون في حروف المد، في (الله) يمد اللام، وكذلك في الشهادة (أن لا إله إلا الله) يمد هذه الحروف بقدر ما يتسع له نفسه، هذا هو الأذان المعتاد.
فنرى أن جمع التكبيرتين في نفس واحد من الخطأ، ورأيت من تكلم في ذلك من العلماء، نقل عن ذلك عن النووي أنه أجاز جمع التكبيرتين، وكأنه حكى ذلك قولاً في الجواز، وقال: لأنهما من جنس واحد.
ثم تكلم على ذلك المباركفوري -شارح الترمذي تحفة الأخوذي- وكأنه يرى استحباب جمع التكبيرتين في نفس واحد، ولكن سبب ذلك أنه رأى هذا هو أذان أهل الحرم.
والحجاج إذا حجوا ورأوا تكبير الحرم اعتقدوا أن أهل الحرم هم أهل السنة وهم أهل الدليل، وأنهم أقرب إلى الصواب، وما علموا أن هؤلاء مقلدة حدث منهم هذا في عهد أخير.
وقد كنا قبل خمسين سنة في مكة، وكان يؤذن أربعة مؤذنين في زوايا الحرم، هذا مؤذن حنفي، وهذا مالكي، وهذا شافعي، وهذا حنبلي، والمؤذن الحنبلي هو الذي يرتب الأذان، والأخيرون كأنهم مشوا على طريقتهم هذه التي هي طريقة محدثة: جمع التكبيرتين، ثم أمروا بعد ذلك بأن يقتصروا على المؤذن الواحد؛ لأنه يحصل به الإعلام، مع أنهم أيضاً قبل ثمانين سنة أو نحوها -قبل الفتح- كان يصلى أربع جماعات في الحرم، كل أهل مذهب يصلون وحدهم، حتى جمعهم الله تعالى بعد استيلاء هذه الدولة المباركة.
فالحاصل أن المباركفوري كأنه استدل بالحديث الذي في صحيح مسلم، وهو قوله ﷺ : (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر.
فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله.
ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله.
فقال: أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم قال: حي على الصلاة.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: حي على الفلاح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: الله أكبر الله أكبر فقال: الله أكبر الله أكبر) ، فاستدل به على جمع التكبيرتين، ورأيت أيضاً بعض الشباب الذين يؤذنون على هذه الكيفية يستدلون بهذا الحديث، والجواب أن نقول: هل سمعتم النبي ﷺ عندما تكلم بهذا؟! هل تأكدتم أنه ما سكت بين التكبيرتين؟ قد يكون سكت، قد يكون قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر.
فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، وأيضاً فإنه من باب تعليمهم ما يقولون، والدليل: أنه ما ذكر إلا تكبيرتين مع أنها أربع، فكأنه يريد جنس التكبيرات، فلا يكون في هذا الحديث دليل على أنه يجمع التكبيرتين، هذا هو الذي أختاره.
стр. 119
من شروط الأذان
يشترط أن يكون منوياً: أن يكون ناوياً الأذان أنه نداء للصلاة.
يشترط أن يكون من ذكر، فلا يجوز أن تؤذن الأنثى ولا يرفع صوتها ولو في أشرطة أو نحوها.
يشترط أن يكون مميزاً، فلا يكون صغيراً دون التمييز، وهذا دليل على أنه إذا ميز كابن سبع صح أذانه؛ لأنه يحصل به المقصود.
يشترط أن يكون عدلاً، وهذا يخرج الفاسق، فالفاسق ليس له أن يتولى أعمال الخير، لكن لو كان ظاهره العدالة اكتفي بذلك، ولا نبحث عن باطنه أو عن أسراره.
ويشترط أن يكون الأذان بعد دخول الوقت، فمن أذن قبل الوقت فإنه يعيد ولو بدقيقة، ولو أذن للمغرب قبل الغروب، أو للظهر قبل الزوال ولو بدقيقة يعيد، واختلفوا في أذان الفجر، وأكثر الفقهاء -إلا الحنابلة- أجازوا الأذان للفجر قبل طلوع الفجر، ومنهم المؤلف هنا، والصحيح أنه لا يجوز ولو اشتهر ذلك في كتب الحنابلة، وذلك لأن الصلاة لا تصح إلا بعد دخول وقتها، ومنها: صلاة الصبح، فلا تصح إلا بعدما يدخل الفجر، والفجر يدخل بطلوع الصبح، فلابد أن يكون بعد طلوع الفجر، وأما ما استدلوا به من أذان بلال؛ فإنه كان لأجل الصوام ينبهم على أن يستعدوا للسحور ونحوه.
стр. 120
ما يسن للمؤذن
ما يسن للمؤذن؟ الوصف الأول: كونه صيتاً -أي: رفيع الصوت- لأنه المقصود، نعم يصح الأذان ولو كان صوته خافتاً ويحصل به المقصود، ولكن الحكمة من الأذان بلوغ الصوت إلى آخر القرية أو نحوها.
الوصف الثاني: أن يكون أميناً، وذلك لأنه يؤتمن على هذه العبادة، فيسمعه -مثلاً- المعذور أو النساء فيصلون في بيوتهم، ويسمعه الصائم فيفطر، ويسمعه الصائم فيمسك للصيام، فلابد أن يكون أميناً وموثوقاً يعتمد أذانه.
الوصف الثالث: أن يكون عالماً بالوقت، أي أن عنده معرفة بالمواقيت، بحيث إنه يعرف متى يدخل الوقت ومتى يخرج، ففي هذه الحال لابد أنه يتعلم أول الوقت وآخره.
стр. 121
الأذان والإقامة في الجمع والقصر
يقولون: إذا جمع صلاتين في وقت واحد كالمسافر، أو من جمع لمطر أو نحوه كفاه أذان واحد.
وقد ثبت أنه ﷺ لما جمع في عرفه الظهرين اكتفى بأذان واحد، وفي مزدلفة العشائين أذن للأولى وأقام لكل صلاة.
كذلك أيضاً إذا قضى فوائت، فقد اشتهر أيضاً أنه ﵊ لما كان في غزوة الأحزاب شغله الأحزاب عن الأربع الصلوات: عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فصلاها كلها في وقت العشاء أو بعد العشاء، وأذن مرة فاجتمعوا، ولم يكن هناك حاجة إلى أن يكرر الأذان لاجتماعهم، ثم صلى كل صلاة بإقامة.
стр. 122
متابعة المؤذن وترديد قوله
يسن للمؤذن والسامع متابعته سراً، قالوا: المؤذن أيضاً يجيب نفسه، فإذا كبر وقال: (الله أكبر) بصوت مرتفع كبر أيضاً سراً ليحصل على إجابة نفسه، وكذا السامع إذا سمعه يكبر كبر، وبعد كل جملة إلا في الحيعلة فيقول الحوقلة، وذلك بأن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
بعد كل واحدة، وهي أربعة جمل، وبعد التثويب -الذي هو قوله: الصلاة خير من النوم- يقول: صدقت وبررت.
كأنهم قالوا: إن هذا استحسان، وذلك لأن كلمة (حي على الصلاة) ليست ذكراً وليست آية، وإنما هي دعوة نداء.
أي: هلموا إلى الصلاة! فلا فائدة في أن تقولها وأنت تجيبه، ولا فائدة للسامع أن يقول: حي على الصلاة.
وكذلك في الصلاة إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) .
فليست هذه ذكراً، فلا فائدة للمأموم في أن يقول: سمع الله لمن حمده، فلأجل ذلك يقول: ربنا ولك الحمد.
فهكذا في قول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يأتي بالحوقلة لأنها ذكر، كأنه يقول: أنا أجيبك أيها المنادي معتمداً على حول الله وقوته، فليس لي حول وليس لي طول وليس لي قدرة وليس لي قوة إلا بأن يمدني الله تعالى بحول منه وبقوة منه، فيكون في هذا اعتماد على الله وتوكل عليه.
كذلك التثويب (الصلاة خير من النوم) ليست ذكراً، فلا فائدة في قولها، فإذا قال: صدقت وبررت، فإنه لا بأس بذلك، يكون ذكراً أن يصدقه فيما يقول.
وبعض العلماء يقول: يأتي بها لعموم الحديث الذي فيه: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) ولكن الصحيح: أن عموم قوله: (فقولوا مثلما يقول) مستثنى منه الأشياء التي ليست ذكراً، ومثلها كلمة (قد قامت الصلاة) ليست ذكراً، فلا فائدة في أن يقولها، والحديث الذي فيه أن يقول: (أقامها الله وأدامها) ضعيف، ولكن لما كانت كلمة (أقامها الله وأدامها) كلمة دعاء فلا يعترض على من قالها، ولا يقال: إن هذا لم يثبت.
ونحن نقول: إنه لم يثبت مرفوعاً، ولكن الدعاء لا يمنع منه، وكونك تعيدها مع المقيم فتقول: قد قامت الصلاة.
لا فائدة في ذلك.
стр. 123
الصلاة على النبي بعد الأذان
وبعد ذلك ذكر الصلاة على النبي، فيصلي السامع على النبي ﷺ وكذلك المؤذن نفسه، وذلك لأنه موطن إجابة للدعاء، ومن أسباب إجابة الدعاء تقديم الصلاة على النبي ﷺ لحديث: (الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى على النبي) .
قال: (وقول ما ورد) : ومنه: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) ، وزيادة (إنك لا تخلف الميعاد) ما وردت في الحديث، ولكن لا بأس بها، وذلك لأنها واردة في القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٤] ، فلا ينكر على من أتى بها، حيث إنها بعض آية من كلام الله.
يسن بعد ذلك: الدعاء، وقد ورد حديث: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) أي: من أسباب الإجابة.
стр. 124
حكم الخروج من المسجد بعد الأذان
قال المصنف ﵀: (يحرم خروج من مسجد بعد الأذان بلا عذر أو نية رجوع) .
ورد حديث عن أبي هريرة أنه رأى رجلاً بعد الأذان خرج من المسجد، فقال: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم) ، ويحمل على أن أبا هريرة عرف أنه لا يرجع، أما إذا خرج ليتوضأ ثم يرجع سريعاً بأن كان حاقناً أو له عذر شديد فخرج وقضى حاجته ورجع فلا حرج عليه في ذلك، وهكذا إذا كان -مثلاً- إماماً في مسجد آخر فلا حرج أن يذهب إلى مسجده، أو عرف بأنه يدرك الصلاة في مسجد آخر، وكان له شغل في ذلك المسجد، كان له عذر، فالعذر في قوله: (بلا عذر) كونه -مثلاً- إماماً في مسجد، أو مؤذناً في مسجد آخر، أو له حاجة قرب ذلك المسجد، أو يريد أن يقطع بعض الطريق، أو نحو ذلك من الأعذار، فمثل هذا يباح له أن يخرج بعد الأذان إذا أمن ألا تفوته الصلاة جماعة.
والحكمة في ذلك: أنه إذا خرج فاتته الجماعة، فيكون تسبب في فوت صلاة الجماعة التي هي من الواجبات كما سيأتي.
стр. 125
من شروط الصلاة: دخول الوقت
والشرط: ما لا يتم المشروط إلا به، وشروط الصلاة تكون قبلها، ولا يدخل فيها إلا بعدما تتكامل الشروط، وشروطها معروفة يحفظها الأطفال في المرحلة الابتدائية، وذكر هنا ستة، وهي تسعة، وذلك لأن الثلاثة الأول: الإسلام والعقل والتمييز شروط لكل عبادة، فكأنهم يتركونها لأنها معروفة متكررة، فيتكلمون على الشروط الخاصة بالصلاة.
الشرط الأول: الطهارة، وقد تقدمت في كتاب الطهارة، ويراد بها الطهارة من الحدث.
والشرط الثاني: دخول الوقت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] ، من حكمة الله تعالى أنه ما أوجب الصلوات جميعاً سبع عشرة ركعة في وقت واحد، فإنه قد يشق ويصعب الإتيان بها في وقت واحد، فجعلت متفرقة، ومن الحكمة في ذلك: تجدد الصلة بالله، وذلك لأن العبد إذا غفل وقتاً من الأوقات، وقسا قلبه دخل عليه وقت الصلاة، وهو الوقت الذي يؤدي فيه عبادة فيها ذكر وشكر ودعاء، وفيها قراءة وخشوع وفيها إنابة وتذلل، فيكون هذا الذكر وهذه العبادة مما يصقل القلب، وينشطه على العبادة، ومما يزيل ما به من الغفلة، وما وقع من آثارها من القسوة.
стр. 126
الحكمة من تفاوت الأوقات بين الصلوات
إن أطول الأوقات التي لا صلاة فيها: ما بعد العشاء وما بعد الفجر، وذلك لأن ما بعد العشاء محل راحة غالباً ومحل نوم، ومع ذلك شُرع فيه التهجد، وقد وردت الأدلة في تأكيد التهجد وفي تأكيد صلاة الليل وهي مشهورة.
والثاني: بعد الفجر إلى الظهر، ومع ذلك شرعت فيه صلاة الضحى، والحكمة أن يكون هذا الوقت الطويل لا يخلو من صلاة ولو تطوعاً.
أما بقية الأوقات فإنها متقاربة، من الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، هذه أوقات متقاربة، فلأجل ذلك لا تطول فيها الغفلة.
стр. 127
مأخذ المواقيت
هذه المواقيت قد تؤخذ من عموم الآيات أو من ظواهرها، واستنبطت من آية في سورة هود: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] .
(طرفي النهار) : يدخل في الطرف الأول صلاة الفجر وفي الطرف الثاني الظهر والعصر؛ لأنهما في النصف الثاني من النهار.
(وزلفاً من الليل) أي: المغرب والعشاء؛ لأنهما في أول الليل.
والآية الأخرى في سورة الإسراء، وهي قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، (فدلوك الشمس) يعني: ميلها، ويدخل فيه الظهر والعصر.
و (غسق الليل) يدخل فيه المغرب والعشاء.
(قرآن الفجر) يعني: صلاة الفجر.
واستنبطت أيضاً من قوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧-١٨] .
فـ (حين تمسون) يذكر فيه صلاة المغرب والعشاء.
(وحين تصبحون) يذكر فيه صلاة الفجر.
و (عشياً) صلاة العصر.
و (حين تظهرون) صلاة الظهر هكذا فسّرها المفسرون.
стр. 128
وقت صلاة الظهر
بدأ بالظهر؛ لأن الذي قبلها ليس وقتاً لشيءٍ من الفرائض.
أي ما بين طلوع الشمس إلى زوال الشمس لم يوقَّت فيه فريضة، فهو ليس وقتاً لشيءٍ من الصلوات المكتوبة، فلذلك بدءوا بالظهر؛ لأن الأوقات التي بعدها متصل بعضها ببعض، فالظهر يتصل وقتها بالعصر وليس بينهما فاصل، والعصر يمتد وقتها إلى المغرب، والمغرب يمتد وقتها إلى العشاء، والعشاء يمتد وقتها إلى الفجر.
ويبدأ وقت الظهر بالزوال.
والزوال يراد به زوال الشمس من وسط السماء، ومعلوم أن الشمس إذا طلعت لا تزال ترتفع وينتصب للأشياء ظل، وكل شيءٍ شاخص فإنه يكون له ظل، ثم لا يزال ذلك الظل يتقلص وينقص حتى تكون في وسط السماء فيتوقف نقصه، فإذا مالت إلى جهة الغرب ابتدأ يزيد ولا يزال يزيد إلى أن تغرب، فإذا مالت وابتدأ الظل في الزيادة ولو قدر أنملة دخل وقت الظهر.
إذاً: يدخل وقت الظهر بزوال الشمس وذلك إذا مالت وابتدأ الظل بالزيادة.
يقول ﵀: [حتى يتساوى منتصب وفيئه سوى ظل الزوال] .
يعني: متى ينتهي وقت الظهر؟ إذا تساوى منتصبٌ وفيئه.
(فيئه) أي: ظله.
ويراد ما كان زائداً على الظل الموجود وقت الزوال.
فمثلاً: إذا نظرنا إلى شيء منتصب عندما زالت الشمس، ومن وقت زوال كانت الشمس مائلة إلى جهة الجنوب، فكان له ظل -مثلاً- ولو قدر أصبعين؛ فهذا الظل الموجود وقت الزوال لا نعتد به، وإنما يبدأ وقت الظهر من زيادة الظل، ولا نحسب الظل الموجود وقت الزوال، ثم لا يزال وقت الظهر ممتداً حتى يصير ظله مثله، ويتساوى وفيئه.
إذا قدرنا مثلاً: أن هذا الشيء ثمانية سنتيمتر مثلاً، فإذا زاد طول الظل بعد الظل الموجود على ثمانية سنتيمتر خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
- نفرض مثلاً: أن طول هذا الجدار عشرة أمتار، فمتر موجود قبل الزوال وعشرة بعده، إذا وصل ظله إلى أحد عشر متراً انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر.
- افرض أنك وقفت وقت الزوال وإذا ظلك قدم، فهذا الظل الموجود وقت الزوال لا يعتد به، ويمتد وقت الظهر إلى أن يكون ظلك مثلك.
- افرض مثلاً: أن طولك مائة وخمسون سنتيمتر، فإذا كان الظل مثلك فإنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر، فهذا معنى قوله: (يتساوى منتصب وفيئه سوى ظل الزوال) .
стр. 129
وقت صلاة العصر
إذا انتهى وقت الظهر دخل وقت العصر.
والعصر لها وقتان، وقت اختيار ووقت اضطرار، والمختار يبدأ من خروج وقت الظهر حتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه.
أي: إذا كان ظلك مثلك مرتين ولا تعد الظل الموجود وقت الزوال خرج وقت الاختيار ودخل وقت الاضطرار، ووقت الضرورة يمتد إلى أن تغيب الشمس، وقد تقدم أنه لا يجوز تأخيرها إلى وقت الضرورة إلا لعذر.
стр. 130
وقت صلاة المغرب
وبعد الغروب يدخل وقت المغرب، ويمتد حتى يغيب الشفق الأحمر، والشفق الأحمر هو الحمرة التي تكون في الجهة الغربية بعد غروب الشمس، فإذا انتهت وغابت تلك الحمرة وأظلم الجو خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء.
стр. 131
وقت صلاة العشاء
والعشاء أيضاً لها وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار، فالمختار يبدأ من غروب الشفق إلى ثلث الليل الأول، وقيل إلى نصفه، ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر.
стр. 132
وقت صلاة الفجر
والفجر فجران، فجر أول وهو بياض في آخر الليل مستطيل دقيق يشبهونه بذنب السرحان، فهذا لا يدخل به وقت الفجر ولا يحرم على الصائم الأكل، وأما الفجر الثاني ويسمى الفجر الصادق: فهو البياض المعترِض في الأفق الشرقي فهذا هو الذي يحرم الطعام على الصائم، ويبيح صلاة الفجر، ووقت الفجر يمتد إلى طلوع الشمس.
يعني: إلى خروجها، فيخرج وقتها ولا يكون وقتاً بعد طلوع الشمس.
стр. 133
ما تدرك به المكتوبة
قال المصنف ﵀: [تدرك المكتوبة بإحرم في وقتها] إذا أحرم فقال: (الله أكبر) قبل أن يخرج الوقت فقد أدرك الوقت وأصبحت صلاته أداءً لا قضاءً، هذا قول، والقول الثاني أنه لا يُدرك إلا بإدراك ركعة، وهذا هو الصواب الصحيح أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة، قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) ، يعني: فيضيف إليها باقي الصلاة.
لكن ورد في رواية: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس) ، وحملت السجدة على أن المراد بها الركعة التي هي قيام وقعود وركوع وسجود، فمن أدرك ركعة عُدّت صلاته أداءً وإلا فهي قضاء، ويحرُم تأخيرها إلى وقت لا يسعها، ويحرم أن يؤخرها إلى أن يبقى وقتٌ يضيق عن أدائها، فإذا كانت -مثلاً- صلاة الفجر تستغرق أربع دقائق فأخرها إلى أن لم يبق إلا ثلاث أو دقيقتان حرم عليه، أو صلاة العصر تستغرق أربع دقائق أو خمساً فأخرها حتى لم يبق بينه وبين غروب الشمس إلا دقيقتان، فلا يجوز ذلك.
والصلاة لا بد أن تكون في الوقت، فلا يصلي حتى يتيقن أن الوقت قد دخل؛ لأنه ربما يؤديها قبل دخول الوقت فلا تجزئ، فلا يصلي الظهر حتى يتحقق أن الشمس قد زالت، ويعرف الزوال بزيادة الظل إذا كانت الشمس طالعة، وإذا كان غيماً فبالتحري أو يغلب على ظنه دخوله إن عجز عن اليقين.
إذا غلب على الظن أنه قد زالت الشمس أو قد طلع الفجر إن كان هناك -مثلاً- غيم، يعني: قبل انتشار الساعات الموجودة؛ لأن الساعات تحدد الوقت.
ويعيد إن أخطأ: فلو قدر -مثلاً- أنه صلى الفجر قبل أن يطلع الفجر، ثم تبين أنه أخطأ فيعيد، وكذلك لو تبيّن أنه صلى المغرب قبل غروب الشمس ولو بدقيقة فيعيد.
قال المصنف ﵀: [من صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها بتكبيرة لزمته وما يجمع إليها قبلها] من صار أهلاً لوجوبها.
يعني: من وجبت عليه قبل أن يخرج وقتها بتكبيرة لزمته وما يجمع إليها قبلها.
إذا أدرك من آخر وقتها قدر تحريمة وهو أهل لوجوبها لزمته، يدخل في ذلك مثالان: المثال الأول: المجنون، إذا أفاق قبل أن تغرب الشمس بدقيقة أو بتكبيرة لزمته العصر وما يجمع إليها، لأنه أدرك آخر العصر، والذي يجمع إليها قبلها هو الظهر؛ فيقضي الصلاتين، لأنه قبل ذلك كان ساقطاً عن التكليف ولكن الآن أصبح مكلفاً، فنقول له: اقض الصلاتين اللتين أدركت وقتهما ولو لم تدرك إلا جزءاً يسيراً، لأن وقتهما واحد.
وكذلك في العشائين إذا أفاق هذا المجنون قبل أن يطلع الفجر بدقيقة أو بنصف دقيقة أو بقدر تحريمة ألزمناه أن يقضي صلاة المغرب والعشاء لأنه أدرك آخر وقتهما وهما تجمعان.
المثال الثاني: الحائض، وهذا يقع كثيراً إذا طهرت الحائض قبل أن تغرب الشمس بدقيقة لزمها الظهران، وإذا طهرت قبل أن يطلع الفجر لزمها العشاءان، والعمدة في ذلك أنها صارت من أهل التكليف، وأن الصلاتين وقتهما واحد.
ثم العمدة أيضاً على ورود آثار عن الصحابة، فهو مرويٌ عن عبد الرحمن بن عوف وعن سعد بن أبي وقاص وعن ابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة رواها ابن أبي شيبة في مصنفه في المجلد الثاني الطبعة القديمة في صفحة (٢٣٥) أو نحوها.
وكثير من النساء جادلن في ذلك، فنقول: العمدة في ذلك كلام هؤلاء الصحابة ﵃، وهم لا يقولون إلا عن توقيف.
стр. 134
ترتيب قضاء الفوائت فوراً
قال المصنف ﵀: [يجب فوراً قضاء فوائت مرتباً] .
إذا كان عليه فوائت فإنه يجب قضاؤها فوراً، فلا يؤخرها، مثال ذلك: شخص كان مغمى عليه لمدة يومين، أو ثلاثة أيام، فإذا فاق صار عليه قضاء خمسة عشر فرضاً، ففي هذه الحال يقضي هذه الفروض إذا صحا مرتِّباً لها.
إذا كان أولها -مثلاً- الفجر صلى فجر ظهر عصر مغرب عشاء فجر ظهر وهكذا حتى يكملها، ولا يؤخرها بل يأتي بها فوراً.
يعني: ساعة ما يصحو أو ساعة ما ينتهي عذره، كصاحب البنج -مثلاً- إذا زال العذر قضاها فوراً مرتّبة.
فإن تضرر فله أن يؤخرها -مثلاً- إذا سئم وتعب، أو إذا كان مريضاً -مثلاً- ويشق عليه ذلك، وبقي فيه من أثر المرض إرهاق وتعب، ففي هذه الحال يجوز أن يؤخر بعضها حتى يريح نفسه قليلاً، وإذا نسي أولها صلاها حسب اعتقاده.
يعتقد بعض الناس أن قضاءها يكون كل وقت مع وقته، يقول: إذا صليت الظهر صل معها ظهر من الفوائت، وإذا صليت العصر صل معها عصراً من الفوائت، وكذا المغرب والعشاء والفجر، وهذا خطأ لا دليل عليه، بل تقضيها كلها متوالية.
وكذلك إذا خشي فوت الحاضرة أو اختيارها: كما إذا استمر يصلي حتى خرج وقت الظهر، فنقول: يقدِّم الظهر؛ لأنها تؤدى أداءً، أو إذا استمر يقضي هذه الصلوات فخرج وقت الاختيار للعصر وهو صيرورة ظل الشيء مثليه، فيقدِّم العصر.
стр. 135
من شروط الصلاة: ستر العورة
قال المصنف ﵀: [ستر العورة] :
стр. 136
تعريف العورة
الشرط الثالث: ستر العورة: ومسائله يسيرة.
العورة: هي ما يلحق كاشفها عار.
والسوءة: هي ما يلحق الإنسان عار وعيب ويسوءه ذلك، لأجل ذلك تسمى السوءة، في قوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] .
يجب ستر العورة حتى في خارج الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ، ولقوله: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] .
стр. 137
ما يحصل به ستر العورة
يستر الإنسان عورته بشيء طاهر ولو كان في خلوة وليس عنده أحد، روي أنه ﵊ قيل له: (يا رسول الله! يغتسل أحدنا في الصحراء عارياً، فقال: الله أحق أن يستحيا منه) ، وكذا إذا كان في ظلمة، ولا يقول: ليس عندي أحد يرى عورتي، بل يستر عورته.
والستر يكون بما لا يصف بشرته.
يعني: بالستر الذي يستر الجسد بحيث لا يكون شفافاً توصف من ورائه البشرة بحيث يُرى شعر البشرة أو لونها بياض أو سواد أو حمرة، ولا بد أن يكون الساتر يستر ظاهر الجسد فلا يرى ما وراءه.
стр. 138
بيان حد العورة
عورة الرجل والصغيرة الحرة والصغيرة المراهقة التي دون البلوغ والأمة كبيرة أو صغيرة من السرة إلى الركبة، وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط.
الحرة: المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، فإنها تكشف وجهها في الصلاة، أما بقية بدنها فإنها تستره لحديث أم سلمة قالت: (يا رسول الله! أتصلي المرأة بالدرع الواحد فقال: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها) ، فاشترط أن يغطي ظهور القدمين، وهكذا يغطي الكفين ويغطي العنق مع تغطيتها بقية الجسد.
стр. 139
ستر المنكبين في الصلاة
الصحيح أنه يشترط للرجل إذا صلى فرضاً أن يستر العورة التي من السرة إلى الركبة ويستر المنكبين أو أحدهما، أي: العاتقين، قال ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) ، فلا بد أن يستر العاتق أو العاتقين، وفي بعض الروايات: (عاتقيه) .
ومن العلماء من أجاز أن يقتصر على ستر عورته، واستدل الشافعية بقوله ﷺ : (فإن كان واسعاً فالتحف به وإن ضيقاً فاتزر به) ، فأباح أن تجعله إزاراً فتصلي في الإزار ولكن لعل هذا لعذر.
وعن أبي هريرة أن سائلاً سأل النبي ﷺ : (أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان) ، وفي لفظ: (أوكلكم يجد ثوبين) ، يعني: أن كثيراً منهم لا يجدون إلا ثوباً واحداً إزاراً أو رداءً، فأكثر لباسهم كلباس المحرم.
ومن انكشفت بعض عورته وفحُش أعاد، أما إذا كشفت الريح -مثلاً- إزاره أو ثوبه ولكنه غطاه بسرعة فلا يعيد، وذلك لأن هذا ليس فاحشاً، فأما إذا انكشف بعض عورته.
يعني: ما فوق الركبة أو ما تحت السرة وفحش -يعني: طالت المدة- فإنه يعيد، وكذا إذا صلى في نجس أو غصب ثوباً أو بقعة أعاد.
стр. 140
الصلاة في الثوب المغصوب
ذكرنا أنه إذا صلى في ثوب أو بقعة مغصوبة فالصحيح أنه لا يعيد، وذلك لأنه أدى الصلاة كما ينبغي، ولكنا نقول له: آثم، وصاحب المغصوب يطالبه بأجرته سواءٌ أجرته للصلاة فيه أو أجرته خارج الصلاة، وصاحب البقعة المغصوبة أيضاً يطالبه بردها، أما الثوب النجس فإنه إذا صلى فيه متعمداً فإنه يعيد، كما سيأتي، ولا بد أن يصلي في ثوب طاهر.
قال: (لا من حُبس في محل نجس لا يمكنه الخروج منه) أي: إذا حبس والمكان نجس كمزبلة مثلاً أو مكان فيه أبوال أو أرواث أو فيه دماء ولا يستطيع التخلص فهو معذور، فيصلي على حسب حاله.
стр. 141
شرح أخصر المختصرات [٦]
اجتناب النجاسات واستقبال القبلة والنية من شروط الصلاة، وهي شروط تتعلق بها أحكام وتتفرع عليها مسائل ينبغي للمسلم معرفتها.
стр. 142
من شروط الصلاة: اجتناب النجاسة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
ابتدأنا في كتاب الصلاة، وذكر المؤلف من تجب عليه الصلاة، ومن تسقط عنه، ومتى يؤمر بها الصغير، ومتى يضرب، وحكم تأخيرها إلى آخر الوقت، وحكم من جحدها، وكذلك ذكر الأذان والإقامة على من يجبا، وما يشترط للأذان من الترتيب والموالاة والنية، ومن يصح منه، وأنه يشترط أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، وذكرنا أن استثناء الفجر بناءً منهم على حديث بلال أنه كان يؤذن في آخر الليل، والظاهر من الأحاديث أنه ما كان يفعل إلا في رمضان أو آخر الليل، ولم يقتصروا على أذانه بل يؤذن بعده ابن أم مكتوم، فيترجح أنه لا يؤذن لصلاة إلا بعد أن يدخل وقتها، ولا فرق بين الفجر وغيره.
وكذلك متابعة المؤذن في كلمات الأذان وما له في ذلك من الأجر، وأنه إذا كان ذلك خالصاً من قلبه دخل الجنة، وأنه لا يتابع في الحيعلة، ولا في التثويب ولا في قد قامت الصلاة؛ لأنها ليست من الأذكار، وما يقول بعد الفراغ من الأذان، وكذلك أيضاً شروط الصلاة والحكمة في تفريق المواقيت، ودخول وقت الظهر ونهاية ذاك الوقت، وأن صلاة العصر لها وقتان اختياري واضطراري، وكذا العشاء، وبأي شيء تدرك الصلاة في وقتها لتكون أداءً لا قضاءً، وترجيح أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، وكذا إدراك الجماعة، ووجوب التأكد من دخول الوقت ولو بغلبة الظن، وأنه إذا صلى قبل الوقت وأخطأ فإنه يعيد.
وحكم من أدرك أول وقتها وهو غير مكلّف ثم كلِّف في آخر وقتها كالمجنون يفيق والحائض تطهر في آخر الوقت، وماذا تقضيه، وحكم قضاء الفوائت وكيفيته، وحكم ستر العورة، ومتى يجب، وهل يختص الستر بداخل الصلاة؟ ومقدار عورة الرجل والحرة والأمة والصغير، وكذلك من انكشف بعض عورته في الصلاة وفحُش، وحكم من صلى في مكان نجس أو مغصوب أو ثوب مغصوب يرجِّحون أنه يعيد، والراجح أنه لا يعيد إذا صلى في ثوب مغصوب أو بقعة مغصوبة، ولكنه يأثم.
هذه خلاصة ما مر بنا.
والآن نأتي إلى بقية الشروط.
قال ﵀: [الرابع: اجتناب نجاسة غير معفو عنها في بدن وثوب وبقعة مع القدرة.
ومن جبر عظمه أو خاطه بنجس وتضرر بقلعه لم يجب، ويتيمم إن لم يغطه اللحم، ولا تصح بلا عذر في مقبرة وخلاء وحمام وأعطان إبل، ومجزرة ومزبلة، وقارعة طريق، ولا في أسطحتها.
الخامس: استقبال القبلة، ولا تصح بدونه إلا لعاجز ومتنفل في سفر مباح، وفرض قريب منها إصابة عينها وبعيد جهتها، ويعمل وجوباً بخبر ثقة بيقين وبمحاريب المسلمين، وإن اشتبهت في السفر اجتهد عارف بأدلتها وقلّد غيره، وإن صلى بلا أحدهما مع القدرة قضى مطلقاً.
السادس: النية، فيجب تعيين معيَّنة وسنة مقارنتها لتكبيرة إحرام، ولا يضر تقديمها عليها بيسير، وشُرِط نية إمامة وائتمام ولمؤتم انفراد لعذر، وتبطل صلاته ببطلان صلاة إمامه لا عكسه إن نوى إمام الانفراد] .
من شروط الصلاة: اجتناب النجاسة: النجاسة يراد بها النجاسة العينية كالبول والغائط والقيء النجس والدم وأجزاء الميتة والخمر والدواب النجسة كالخنزير والحُمُر، وأرواث الدواب النجسة كروث الحُمُر ونحوه، فهذه كلها تسمى نجاسات عينية، وهي التي لو غسلت لم تطهر، مثلاً الكلب لو غسل ثم غسل لا يطهر، الميتة لو غسلت لم تطهر بالغسل، وكذلك الخنزير والأعيان النجسة.
فالمصلي يكون متطهراً ويجتنب النجاسات، سواء في ثيابه أو على بدنه أو في البقعة التي يصلي عليها حتى لا يكون حاملاً للنجاسة، لو حمل النجاسة ولو مثلاً قطرات بول في قارورة، أو نقط دم لا يعفى عنها في منديل، فإنه لا تصح صلاته.
стр. 143
نجاسة الدم
ويتساهل كثير من الناس في حمل المناديل التي فيها دم، أحدهم مثلاً يرعف، أو يظهر في أسنانه شيءٌ من الدم أو في جرح معه فتراه يمسحه بالمنديل ثم يستمر في صلاته ويجعل المنديل في مخبئه، ويكون ذلك الدم مما لا يعفى عنه، فمثل هذا لا يصح أن يحمله.
وكذلك لو خرج منه الدم في خارج الصلاة ومسحه بمنديل مثلاً ثم حمل المنديل معه فإن هذا خطأ، لا يصلي وهو حامل لنجاسة.
ثم نقول: قد تقدم في بعض الأسئلة التي عرضت أن بعضهم يشك في نجاسة الدم، وكثير من الإخوان يقولون: الدم ليس بنجس، وذكرنا أنه نجس، وإنما يعفى عن قليله، كنطفة أو نقطٍ يسيرة متفرقة، وذكرنا أن الدليل كونه محرَّماً: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، وكل محرم من السوائل فإنه نجس العين، ومن الأدلة أيضاً على نجاسته: أن النبي ﷺ أمر في تطهيره بثلاثة أشياء سُئِل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) ، وذلك دليل على نجاسته.
ولا يقال: إن هذا خاص بدم الحيض فإن الحكم واحد، لأن دم الحيض أصله يخرج من عروق في جوف المرأة خلقها الله تعالى لتغذية الجنين، فهي من جملة بدن المرأة.
وقد ذكر ﷺ أن دم المستحاضة دم عرق يقال له (العاذل) ، فدل على أن مخرجه واحد ويُلحق به بقية الدماء من الجروح ومن البدن ومن الذبيحة ونحوها، وذكرنا أن صلاة عمر ﵁ وجرحه يثعب دماً، لأنه معذور، ويُلحق بمن حدثه دائم، لأن الذي حدثه دائم كالجروح السيالة، وصاحب السلس يصلي على حسب حاله، ولأنه لو ترك الصلاة ما توقّف الدم، وكذلك صلاة الصحابي الذي رمي وهو يصلي واستمر في صلاته ودمه ينزف، لأنه لا يستطيع إيقاف الدم فاستمر في صلاته، فهو كمن حدثه دائم، وهناك أدلة أخرى كثيرة.
стр. 144
ما يعفى عنه من النجاسات في الصلاة
هناك نجاسة معفو عنها، وهي مثل نقط الدم اليسيرة؛ يعفى عن نقطة أو نقطتين أو ثلاث متفرقة من الدم، وذلك للمشقة.
ويعفى أيضاً: عن أثر الاستجمار بمحله، إذا استجمر الإنسان بعد التغوط ومسح أثر الخارج بالحجارة وبقي شيءٌ لا يزيله إلا الماء فمثل هذا يُعفى عنه كما تقدّم في إزالة النجاسة، وذكر أنه يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم ونحوه من حيوان طاهر، لا دم سبيل.
وكذلك أيضاً دم ما لا نفس له سائلة كدم البراغيث والقمل ونحو ذلك.
стр. 145
النجاسة في الثوب والبدن
ويتجنب النجاسة في ثوبه وفي بدنه وفي البقعة التي يصلي عليها، ويكون ذلك مع القدرة، فإن عجز فهو معذور، فإذا لم يجد إلا الثوب الذي فيه نجاسة، أو سجن في مكان نجس، أو ليس له قدرة كالمريض الذي لا يستطيع أن يتطهر، ولا يستطيع أن يمسك بوله، ولا يستطيع أن يتطهر بعد التخلي، فمثل هذا عاجز عن التطهر، فيصلي على حسب حاله.
следующие страницы →