Полный текст (2 153 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
عدم وجوب صلاة الجماعة على النساء
يقول: (لا تلزم إلا الرجال) .
أما النساء فتجوز صلاتهن في المساجد من غير وجوب، ثبت أن النساء كنّ يشهدن صلاة الجماعة مع النبي ﷺ ، وقال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) ، وقال ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، قال: (وبيوتهن خير لهن) ، وقال: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها) ، ومع ذلك فإن بيتها خير لها؛ لأنها قد يتعرض لها الفساق ونحوهم.
стр. 212
الجماعة للصلوات الخمس
لا تلزم الجماعة إلا للصلوات الخمس، أما غيرها من النوافل فتصح في البيت، ولا تلزم أيضاً إلا المؤداة أما المقضية التي قد فات وقتها فيصليها بمفرده متى تيسر له أداؤها، وتسقط عن المملوك إذا كان المسجد بعيداً، فإذا كان قريباً يلزم سيده أن يمكنه من أداء الصلاة جماعة في المساجد، وتسقط عن العاجزين لمرض أو كبر يشق معه الحضور إلى المسجد، وإنما تلزم القادر وهو الصحيح سالم الأعضاء.
كل مسجد له إمام راتب، وهو أولى بمسجده، فيحرم أن يؤم أحد في مسجد قبل إمامه الراتب الذي عين فيه والتزم به، فلا يجوز لأحد ولو كان أفضل منه أن يتقدم ليصلي بالناس إلا بإذنه، فله أن يقدم غيره لحاجة مثل أن يتأخر لعذر، وإذا تأخر ندب أن يرسل إلى من يصلي مكانه، فإذا عرف المأمومون عذره وعدم حضوره قدموا غيره، وكذلك لو عرف المأمومون عدم كراهته أن يتقدم فلان.
стр. 213
ما تدرك به الجماعة
بأي شيء تدرك الجماعة؟ فيه قولان: القول الأول: أنها تدرك بإدراك تحريمة قبل السلام، فإذا أتيت وهم في آخر التشهد وقلت: الله أكبر قبل أن يسلموا أدركت فضل الجماعة، وإن كنت قد فاتك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وفاتك فضيلة متابعة الإمام، ولكن تعد مدركاً للجماعة إذا أدركت هذه التحريمة قبل السلام.
هذا قول.
والقول الثاني ولعله الأرجح: أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، فمن أتى وهم قد صلوا أربع ركعات في الرباعية، وما بقي عليهم إلا آخر الركعة فقد فاتته الجماعة.
نتيجة الخلاف: إذا أتيت مثلاً وهم في التشهد الأخير أو أتيت وقد رفع من الركوع الأخير من الركعة الأخيرة، وما بقيت إلا السجدتان والتشهد، فهل تدخل معهم أو تنتظر جماعة أخرى؟ إذا قلنا: إنها تدرك بالتحريمة تدخل معهم؛ لأنك تدرك الجماعة وفضلها، وإذا قلنا: إنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة فإنك تنتظر جماعة أخرى إن كان معتاداً أن يأتي بعض المتخلفين ويقيموا جماعة أخرى، وإن لم يعتد ذلك بل الأصل أنهم يصلون في بيوتهم، ولا يأتي أحد بعد السلام فادخل مع الجماعة، ولو لم تدرك إلا آخر التشهد.
стр. 214
ما تدرك به الركعة
بأي شيء تدرك الركعة؟ يعني: متى يكون الإنسان مدركاً الركعة التي يعتد بها من صلاته؟ في ذلك خلاف: القول الأول: أنه يدركها بإدراك الركوع، فإذا أدرك الإمام راكعاً، وأدرك معه قول: سبحان ربي العظيم قبل أن يتحرك للرفع من الركوع؛ أدرك الركعة واعتد بها؛ وذلك لأنه أدرك معظمها، والشيء يدرك بإدراك معظمه، فإذا أدرك الركوع ثم أدرك القيام بعده ثم أدرك السجدتين وأدرك الجلسة بينهما؛ فقد أدرك أكثر الأركان، ولم يفته إلا ركن القيام الأول، وقراءة الفاتحة، فيكون مدركاً للركعة لإدراكه أكثرها.
القول الثاني: أنه لا يدرك الركعة إلا إذا أدرك الإمام قائماً وتمكن من قراءة الفاتحة، ويختار هذا القول البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وينقله أيضاً عن بعض العلماء المتقدمين.
ولكن المشهور أنها تدرك بإدراك الركوع، فإذا أدركه راكعاً ولم يشك في أنه ركع وكبر للتحريمة وهو قائم، فقد أدركها، بأن انحنى وتمكن من قول (سبحان ربي العظيم) قبل حركة الإمام للرفع، وأما إذا شك هل رفع الإمام قبل أن أركع؟ وهل أنا سبحت قبل أن يتحرك؟ ففي هذه الحال يقضيها احتياطاً للعبادة.
يلاحظ أن كثيراً يأتون مسرعين إذا جاءوا والإمام راكع، ويكبر أحدهم وهو منحي للتحريمة، وهذا لا يصح، ولا بد أن يقف ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم ينحني راكعاً، وأما قصة أبي بكرة أنه ركع قبل الصف فلم يذكر أنه كبر وهو منحنِ، جاء وهم ركوع، ولما حاذى الصف كبر وركع ومشى على حالة الركوع حتى اتصل بالصف، فقال النبي ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد) أي: لا تعد أن تكبر قبل أن تصل إلى الصف، ولم يأمره بالإعادة؛ لأن الحركة يسيرة خطوة أو خطوتين.
إذا جاء والإمام راكع وكبر ناوياً تكبيرة الإحرام أجزأته وسقطت عنه تكبيرة الركوع، ولكن يسن أن يأتي بتكبيرتين: تكبيرة الإحرام وهو قائم، وتكبيرة للركوع وهو منحنٍ، هذا هو الأفضل.
стр. 215
هل ما يدركه المسبوق أول صلاته أو آخرها
هل ما يدركه المسبوق أول صلاته أو آخرها؟ في ذلك خلاف، وأكثر الفقهاء على أن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه هو أولها، واستدلوا بقوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) قالوا: والقضاء يحكي الأداء، وهو دليل على أن ما فاته هو أول صلاته، فيقضيها على صفتها، يقضي ما فاته على أنه أول صلاته.
وسبب الخلاف في هذه المسألة اختلاف رواية الحديث، ففي رواية: (وما فاتكم فأتموا) ، وفي رواية: (وما فاتكم فاقضوا) ، أخذ أكثر الفقهاء برواية: (فاقضوا) ، والذين قالوا: إن ما يدركه هو أول صلاته استدلوا برواية: (وما فاتكم فأتموا) ، وهي أرجح من رواية: (فاقضوا) من حيث السند، ويمكن أن تحمل رواية: (فاقضوا) على الإتمام لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠] يعني: أكملت وأتمت، فيترجح أن المسبوق إذا أدرك الإمام في ركعة عد هذه الركعة أول صلاته، وإذا قام ليقضي جاء بالركعة التي بقيت عليه.
الذين قالوا: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته تناقضوا، فقالوا: إذا أدرك ركعة من الظهر أو من العشاء ثم قام ليأتي بما فاته فإنه يصلي معها ركعة ثم يتشهد، مما يدل على أنه قد كمل ركعتين، وبعد الركعتين يتشهد ثم يأتي بركعتين بدون قعود بينهما، فنقول لهم: هذا تناقض، لو كان ما يقضيه هو أول صلاته، لقلنا له: فاتك ثلاث ركعات، هذه الثلاث اثنتان سرداً وواحدة فرداً، فإذا قمت تقضي الثلاث فائت بثنتين سرداً لا تجلس بينهما، ثم ائت بالثالثة وتشهد بعدها وسلم، فتكون مثل المغرب، فأما إذا ألزمتموه إذا أدرك ركعة أن يتشهد بعد الأخرى، وأن يسرد الركعتين الباقيتين بدون جلوس بينهما، فهذا يدل على أن الركعة التي أدركها هي أول صلاته.
فالراجح أن ما يدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها؛ وذلك لأن الأول حساً لا يمكن أن نجعله الآخر، فأول شيء أدركه هو هذه الركعة التي مع الإمام، وإن لم يتمكن من أن يقرأ فيها بعد الفاتحة فإنها سقطت القراءة بعد الفاتحة كما تسقط قراءة الفاتحة إذا أدركه راكعاً.
وتوسط بعضهم وقال: نأمره إذا قام ليقضي أن يقرأ مع الفاتحة سورة حتى يدرك ما فاته حقاً؛ لأنه إذا فاته الركعتان اللتان فيهما قراءة الفاتحة وسورة، والركعتان اللتان أدركهما ليس فيهما إلا قراءة الفاتحة، فإذا قام ليقضي قلنا له من باب التدارك أن يقرأ في المقضيتين الفاتحة وسورة حتى يتدارك ما فاتك.
стр. 216
ما يتحمله الإمام عن المأمومين
ذكر المؤلف ما يتحمله الإمام عن المأمومين، ذكروا أنه يتحمل ثمانية أشياء، ونظمها بعضهم في أبيات مذكورة في حاشية الروض المربع للشيخ العنقري أولها قوله: ويحمل الإمام عن مأموم ثمانيه تعد في المنظوم وذكر هاهنا منها ستة، والشارح ذكرها كاملة، وهي: الأول: القراءة، قراءة الفاتحة وقراءة سورة، إذا كانت الصلاة جهرية فإن المأموم ينصت ويستحب أن يقرأ في السكتات كما سيأتي، وأما إذا كانت سرية فيتأكد عليه أن يقرأ، وبعض العلماء لم يسقطها عن المصلي لا في الجهرية ولا في السرية.
الثاني: سجود التلاوة.
الثالث: سجود السهو.
إذا سجد الإمام للتلاوة أو السهو سجد المأموم، ويتأكد عليه أن يتابع إمامه، ولو سها المأموم ولم يسجد إمامه فلا يسجد المأموم.
وإذا سها الإمام، والمأمومون ما سهوا، كأن ترك التسبيح في الركوع والسجود أو التحميد أو ما أشبه ذلك ثم سجد للسهو، فيلزمهم أن يتابعوا الإمام في هذا السجود، فإن لم يتابعوا الإمام فصلاتهم صحيحة، كذلك لو قرأ الإمام آية فيها سجدة وسجد ولم يكبر فقد يشوش على المأمومين، فإذا سجد ولم يتابعوه فإنه يتحملها الإمام.
الرابع: السترة، وهي التي تكون أمامه، يقولون: سترة المأمومين إمامهم، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، والصفوف بعضهم سترة لبعض، فالصف الأول سترة للثاني، والصف الثاني سترة للثالث، وهكذا ولا يجوز المرور بين الصفوف كما يفعله بعض المتساهلين، ويقولون: سترة الإمام سترة لكم، فإن هذا مرور بين يدي المصلي، وصاحبه متعرض للوعيد.
الخامس: دعاء القنوت، فالمأمومون يؤمنون إذا دعا الإمام للقنوت، فلا يقنتون بأنفسهم، ولا يدعون بمثل دعائه، بل يكفيهم التأمين.
السادس: التشهد الأول إذا سبق المأموم بركعة، إذا أتيت والإمام قد صلى ركعة، وأدركت معه الركعة الثانية، فإنك تتشهد بعدها، وإذا تشهدت بعدها فإنك تكون قد تشهدت وأنت ما صليت إلا ركعة، قمت بعدها لتصلي الثلاث، كأنهم يقولون: يجوز أن تأتي بها كصلاة المغرب، ركعتين فتشهد ثم ركعة، ولكن الصحيح أنك تأتي مع الركعة التي أدركت وتشهدت معهم بركعة أخرى، ثم تتشهد، ويكون تشهدك هذا هو التشهد الأول.
السابع: التسميع، وهو قول: (سمع الله لمن حمده) ، لا يقوله إلا الإمام.
الثامن: قول: (ملء السموات وملء الأرض) ، فالمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، وقول: (ملء السموات) يحملها الإمام عنهم.
стр. 217
قراءة المأموم في سكتات الإمام وفي السرية
لما ذكر المؤلف القراءة قال: (يسن أن يقرأ في سكتات الإمام وفي السرية) يعني: إذا كانت الصلاة سرية يتأكد أن يقرأ المأموم فيها كالظهر والعصر والأخيرة من المغرب والأخيرتين من العشاء، فهذه كلها سرية، ويتأكد أن يقرأ المأموم فيها؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت، فإذا كنت لست منصتاً لقراءة الإمام فكيف تسكت ولا تقرأ؟! وقد ذكرنا أن البخاري وغيره يلزمون أن يقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية.
هل للإمام سكتات في الجهرية؟ قد ورد في حديث سمرة قال: (حفظت من النبي ﷺ سكتتين: سكتة إذا استفتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلها) ، وفي رواية: (وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ) هكذا في سنن الترمذي.
وعلى هذا يكون عدها ثلاث سكتات: سكتة قبل الفاتحة، وسكتة بعد ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، وسكتة بعد القراءة كلها وقبل الركوع، لكنه قال: (حفظت من النبي ﷺ سكتتين) ، وسئل عن ذلك عمران بن حصين فأقره، وشهد أنه صادق في هذه السكتتين.
والسكتة التي بعد الفاتحة قد استحبها بعضهم وقالوا: يتأكد على الإمام أن يسكت سكتة بعدها يمكن المأمومين من قراءة الفاتحة؛ وذلك لأن هناك من يوجب قراءتها، وقد يستدلون على ذلك بقول أبي هريرة: (اقرأ بها في نفسك يا فارسي) ، فيدل على أنه يقرأ في نفسه ولو جهر الإمام، ولكن قد ثبت أنه ﷺ قال: (إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) وفسر الإمام أحمد قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها في الصلاة، يعني: أن الوجوب إنما يكون في الصلاة، أي: فإذا قرئ القرآن في الصلاة فأنصتوا، ولا يجتمع قراءة مع إنصات، وقد يقال: يستثنى من ذلك قراءة الفاتحة، فيقرأها بسرعة خروجاً من خلاف وجوبها، وقد يقال أيضاً: إذا قرأ نصفها في سكتة الإمام، ثم ابتدأ الإمام السورة كمّلها بسرعة، وهذا هو الأقرب.
من لم يسمع الإمام إما أن يكون بعيداً، وإما أن يكون أطرش وهو الأصم، فإذا كان لا يسمع الإمام لبعد جاز له أن يقرأ، وإذا كان لا يسمعه لطرش فلا يقرأ؛ وذلك لأنه يشوش على من حوله إذا قرأ، فيسمعه من بجنبه من هنا ومن هنا فيشوش عليهم.
стр. 218
حقيقة التخفيف المأمور به في الصلاة
يقول: (ويسن له التخفيف مع الإتمام) .
الضمير يعود على إمام الصلاة، فيسن له أن يخفف مع الإتمام، وقد انقسم الناس في الصلاة إلى ثلاثة أقسام: قسم يطيلون كثيراً، وقسم يخففون كثيراً، وقسم يتوسطون.
الذين يطيلون قد يكون فعلهم منفراً عن هذه العبادة، كما ثبت أنه ﷺ قال لـ معاذ: (أتريد أن تكون فتاناً؟!) ، وقال: (أيها الناس! إن منكم منفرين، أيكم أمّ الناس فليخفف) ، وذكر العلة: (أن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة) .
ولكن يقول ابن القيم ﵀: إن حديث معاذ هذا كثيراً ما يستدل به النقارون: (أيكم أمّ الناس فليخفف) ، ثم ينقرون الصلاة نقر الغراب ويقولون: هذا هو التخفيف الذي أمرنا به، فنقول: هذه ليست صلاة، فقد ثبت أنه ﷺ : (نهى عن نقر كنقر الغراب) وهو التخفيف المخل.
والتخفيف المشروع هو اتباع ما كان عليه النبي ﷺ ، فقد روى النسائي بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات) أي: أنه فسر قوله بفعله، فمن قرأ بالصافات في صلاة الصبح فإنه يعتبر مخففاً، الصافات ست أو سبع صفحات، ومع ذلك فإنه إذا رأى من الناس نفرة أو إطالة فإنه يقرأ من طوال المفصل كما تقدم.
стр. 219
استحباب إطالة الركعة الأولى على الثانية
قوله: (وتطويل الركعة الأولى على الثانية) : يسن أن تكون الركعة الأولى أطول من الثانية؛ ولعل السبب في ذلك أن يدرك المأمومون هذه الركعة، فقد يكونون متأخرين يسمعون الإقامة فيأتون من أماكن بعيدة فيطيل الأولى حتى يدركوها، فقد روى مسلم عن جابر قال: (كانت تقام صلاة الظهر فيذهب أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع إلى بيته فيتوضأ ثم يأتي إليهم فيدركهم في الركعة الأولى؛ لما يطيل بهم) فذهابه إلى البقيع يقضي حاجته كم يستغرق من الدقائق؟! كذلك رجوعه إلى بيته، كذلك اشتغاله بالوضوء، كذلك ذهابه إلى المسجد، ومع ذلك يدركهم وهم في الركعة الأولى، وهذا دليل على أنه قد يبقى في الركعة الأولى مثلاً خمس دقائق أو ست دقائق على الأقل، ومما يدل أيضاً على أنه كان يطيل بهم.
ولذلك يستحب أن يطيل الركعة الأولى على الثانية.
стр. 220
استحباب انتظار الداخل وخاصة في الركوع
قوله: (وانتظار داخل ما لم يشق) : ذكروا أنه يسن للإمام انتظار داخل ما لم يشق، ويروي فيه أحاديث وآثار، ومنها: (أنه ﵊ كان لا يرفع من الركوع حتى لا يسمع وقع قدم) ، وفي رواية: (حتى لا يسمع وقع نعل) يعني: إذا ركع الإمام، ودخل أحد من الباب من هنا أو من هنا والإمام راكع انتظره حتى يتصل بالصف ما دام يسمع وقع قدمه، لأجل إدراك الركعة، فإن شق على المأمومين فحق المأمومين أولى من هذا الداخل.
ثم على الداخل أن لا يسرع بل يمشي الهوينا لما تقدم: (إذا سمعتم الإقامة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، ولا تأتوها وأنتم تسعون) .
стр. 221
الأولى بالإمامة في الصلاة
قال المصنف: (فصل: الأقرأ العالم فقه صلاته أولى من الأفقه) .
الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته، فهو أولى من الأقرأ وأولى من الأفقه الذي ليس بأقرأ، فإن قلت: أليس النبي ﷺ يقول: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) ولم يذكر الفقه؟
الجواب
أنهم كانوا إذا قرءوا شيئاً تفقهوا فيه، فلا يقرءون إلا بعد ما يتفقهون، فالأقرأ في ذلك الوقت جامع بين القراءة وبين الفقه والفهم سيما للصلاة، فإذا قدم إنسان قارئ حافظ للقرآن ولكنه لا يفقه أحكام الصلاة، فإنه إذا عرض له شيء في الصلاة لم يدر ما يفعل، ولا يقدر أن يميز أركانها من واجباتها من سننها، ولا يدري ما سجود السهو، ولا يدري ما يسجد له، ولا يفرق بين تسبيح الركوع والسجود، وبين التكبير والتسميع فهذا لا يتقدم؛ لأنه قد يصلي صلاة غير مجزئة.
أما إذا جمع بين القراءة والفقه ومعرفة أحكام الصلاة؛ فإنه أولى من الأفقه الذي ليس بأقرأ، وأولى من الأقرأ غير الفقيه.
стр. 222
حكم إمامة الفاسق في الصلوات والجمع والأعياد
قال: (ولا تصح خلف فاسق إلا في جمعة وعيد تعذرا خلف غيره) : الفاسق الذي عرف بالفسق، كأن عرف بشرب الخمر، أو بالزنا، أو بأكل الربا، أو بشهادة الزور، أو بالسرقة، أو بالظلم والعدوان، أو بتتبع العورات، أو غير ذلك من موجبات الفسق، لا تصح إمامته سواء كان فسقه بالأفعال كالزاني والسارق، أو بالعقائد كالرافضي والخارجي، فهؤلاء لا تصح الصلاة خلفهم، ولو كان مستوراً فلا بد أن نبحث عنه.
وهل تصح صلاته بمثله؟ في ذلك خلاف، ومعلوم أنهم إذا كانوا كلهم سواء فلا بد أن يتقدمهم أحدهم، فإذا كنت تعلم فسقه فلا تصل خلفه، إذا كان فسقه شيئاً ظاهراً كحليق مثلاً، أو تعلم أنه يشرب الدخان، أو أنه مسبل ثوبه وأنت تراه فلا تصل خلفه، أما إذا كان مستوراً فإنك لا تبحث عنه.
يستثنى من ذلك: صلاة الجمعة والعيد إذا تعذرا خلف غيره؛ وذلك لأنه غالباً ما يتولاها الأمراء، وقد يكون الأمير مشهوراً بشيء من البطش ومن الظلم ومن الاعتداء، والتسرع في الحكم على المتهمين بظلم أو نحو ذلك، فمثل هذا قد يرخص في صلاة الجمعة والعيد خلفه، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف بعض الأمراء في عهد بني أمية، وأولئك الأمراء قد اشتهروا بشيء من الفسق والمعاصي، مثل: تأخير الصلاة عن وقتها كصلاة العصر، ومثل: التسرع في قتل الأبرياء، وكثرة السجون ونحو ذلك، فيصلون خلفهم لتعذر الصلاة خلف من هم عدول.
стр. 223
حكم إمامة من حدثه دائم وأمي ومريض
لا تصح إمامة من حدثه دائم كصاحب السلس والقروح السيالة، واختلف هل يصلي بمثله أم لا؟ والأرجح أنه يصلي بمثله؛ وذلك لأن حدثه دائم؛ ولأن طهارته ناقصة.
قال: (ولا تصح الصلاة خلف الأميّ وهو الذي لا يحسن الفاتحة أو يدغم فيها حرفاً لا يدغم، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى) .
الأمي في الأصل الذي لا يقرأ ولا يكتب، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة:٢] يعني: أن العرب كانوا أميين غالباً، ثم اصطلح الفقهاء على أن الأمي هو الذي لا يحسن الفاتحة، أو يقرؤها ولكن يغلط فيها، فيدغم فيها حرفاً لا يدغم في أي قراءة من القراءات، هناك قراءة لبعض القراء وهو أبو عمرو يدغم الميم في قوله: (الرحيم ملك) يجعلها ميماً مشدداً، فمثل هذا قراءة سبعية وإن كانت مكروهة.
فأما إذا أدغم حرفاً لا يدغم مثله، فإن ذلك يخل بقراءته، يسأل بعض الإخوان عن بعض الهنود الذي يقلبون الحرف، حرف الحاء هاء، يقول: الهمد لله، نقول: مثل هذا لا تصح إمامته إلا بمثله، لأن هذا قد يكون عاجزاً عن النطق بحرف الحاء، فتصح صلاته بمثله، وإلا فالأصل أنه لا يتقدم الذين لا يحسنون الفاتحة.
وذكر صاحب سلس البول، وقد تقدم أنه داخل في الحدث الدائم.
كذلك العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود ونحوها، هذا أيضاً لا تصح إمامته؛ لأنه إذا كان لا يستطيع الركوع ما تمت صلاته، فيصلي جالساً لنفسه مأموماً فلا يصلي إماماً، وكذلك بقية الأركان.
وحد العاجز هو الذي لا يأتي بالركن كاملاً، فإذا كان عاجزاً عن الانحناء بحيث لا يقدر أن تصل يداه إلى ركبتيه صدق عليه أنه عاجز عن الركوع.
كذلك مثلاً: إذا كان عاجزاً عن القعود بحيث إنه لا يستطيع أن يجلس مفترشاً بين السجدتين أو التشهد؛ لعيبٍ مثلاً في ركبته أو في قدمه، فيصدق عليه أنه عاجز عن القعود، وكذلك إذا كان لا يستطيع السجود لمرض مثلاً في رأسه أو في عينه يمنع من السجود، فيصدق عليه أنه عاجز، وكذا عاجز عن اجتناب نجاسة، فإذا كان مثلاً لا يستطيع أن يزيل النجاسة التي على ثوبه أو على بدنه فهو معذور والحال هذه، وكذلك لو كان عاجزاً عن استقبال القبلة فإنه تصح صلاته وحده ولا يصح أن يكون إماماً.
أما العاجز عن القيام ففيه خلاف قد أشير إليه فيما تقدم، وذكرنا قوله ﷺ (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين) فرخصوا في إمام الحي الراتب إذا رجي زوال مرضه، وابتدأ الصلاة بهم جالساً فإنهم يصلون خلفه جلوساً.
أما إذا كان لا يرجى زوال مرضه، فالأصل أنهم يستبدلون به غيره؛ لأنه والحال هذه يستمرون في صلاتهم وهم جلوس، وكذلك إذا ابتدأ بهم الصلاة وهو قائم ثم اعتلّ لزمهم أن يتموا وهم قيام.
стр. 224
حكم إمامة المميز دون البلوغ والمرأة والمحدث واللحان
صلاة المميز للبالغ في فرض لا تجوز، والمميز هو الذي دون العشر، فلا يصح أن يؤم البالغين في الفريضة، ولو كان أقرأ من غيره.
ولا تصح إمامة المرأة للرجال والخناثى ونحوها؛ وذلك لأن المرأة مأمورة بأن تكون خلف الرجال فلا تتقدمهم، وكذا لو صلت في وسطهم ولو كانوا محارم لها.
ولا تصح خلف محدث يعلم حدثه، فإذا صلى وهو محدث بطلت صلاته وصلاة المأمومين، وكذا إذا كان عليه نجاسة يعلمها بطلت صلاته وصلاة المأمومين، فإذا جهل حتى انقضت صحت صلاة المأموم، فقد ثبت أن عمر ﵁ صلى مرة الفجر، فلما خرج إلى بستان له وجد على فخذه آثار احتلام، فعلم أنه صلى بهم وهو محتلم، فاغتسل وأعاد ولم يأمرهم بالإعادة، فإذا صلى الإمام وهو ناسٍ الحدث ولم يتذكر إلا بعدما انتهت الصلاة أعاد وحده، فإن تذكر وهو في الصلاة لزمهم الإعادة كلهم.
وتكره إمامة اللحان والفأفاء ونحوهم، اللحان قيل: إنه الذي يلحن في قراءته، وقيل: إنه الذي فيه لحن، والكل منهي عنه، سواء كان الذي يلحن في قراءته حتى تكون كأنها غناء، أو الذي يلحن في قراءته ويغلط فيها غلطاً يحيل المعنى.
والفأفاء: هو الذي يكرر الفاء، وكذا التمتام: الذي يكرر التاء عند النطق، إذا أراد أن ينطق مثلاً بكلمة أولها تاء كرر التاء (ت ت ت) وكذلك يكرر الفاء (ف ف ف فأقول) ، هؤلاء في إمامتهم نظر بسبب هذا التكرار.
стр. 225
مكان وقوف المأمومين في الصلاة رجالاً ونساءً أفراداً وجماعات
موقف المأمومين: يقف المأمومون خلف الإمام -هذا هو المعتاد- إذا كانوا اثنين فأكثر، والواحد يقف عن يمينه وجوباً، ولا يجوز أن يقف عن يساره إذا كان المأموم وحده، المرأة الواحدة تقف خلف الإمام أو خلف الصف؛ وذلك لحديث أنس: (أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام فلما أكل قال: قوموا فلأصلي لكم، يقول أنس: فقمت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا) العجوز جدتهما ومع ذلك ما صفت معهما، بل صفت خلفهما، فدل على أن المرأة تقف وحدها ولو كانت فرداً، وأما الرجل فلا يقف وحده خلف الصف، ولا خلف الإمام.
من صلى عن يسار إمام وليس خلف الإمام ولا عن يمينه أحد بطلت صلاته، أما إذا كان عن يمينه وعن يساره فإنها تصح؛ وذلك لما روي أن ابن مسعود ﵁ صلى بين علقمة والأسود يعني: جعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ونقل ذلك عن النبي ﷺ إما قولاً وإما فعلاً، لكن بعضهم حمل ذلك على رؤية المكان وجعله عذراً، فالأصل أن الواحد يقف عن يمين الإمام، والاثنين يقفان خلفه، لكن إذا وقف أحدهم عن يمينه والآخر عن شماله صحت صلاتهم، لحديث جابر يقول: (إنه وقف عن يسار النبي ﷺ فأداره عن يمينه فجاء جبار بن صخر فوقف عن يساره فدفعهما خلفه) فصار هذا هو السنة أن الاثنين يقفان خلف الإمام، إلا إذا كانوا دون البلوغ فإنهم كلهم يقفون عن يمين الإمام.
стр. 226
حكم من صلى خلف الصف منفرداً
من صلى خلف الصف وحده ورد فيه حديث: (لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف) وورد أنه ﷺ : (رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره بأن يعيد) ؛ وذلك لكونه منفرداً.
يكثر السؤال عما إذا جاء والصف مكتملاً فماذا يفعل؟ الجمهور على أنه يصلي منفرداً أو ينتظر حتى يأتي أحد ويصلي معه، وأجاز شيخ الإسلام ابن تيمية بأن يصلي وحده فرداً مع الإمام؛ حتى لا تفوته صلاة الجماعة وهو ينظر إليهم، فقد يأتي وهم في الركعة الأولى وينتظر ولا يأتيه أحد فهل نقول له: اترك صلاة الجماعة وصل وحدك وهو ينظر للجماعة وقد جاء من مكان بعيد؟ في هذا شيء من الخطأ أو شيء من التفويت، لذلك كثر البحث في هذه المسألة وكثر الكلام حولها.
أولاً: نقول له: التمس فرجة، بأن يقرب بعضهم إلى بعض حتى تكون بينهم فرجة تتسع له.
ثانيا: إذا وجدهم متراصين تراصاً شديداً جاز له أن ينبه أحدهم ليتأخر معه، ورد في ذلك حديث أنه قال: (هلا التمست فرجة أو اجتررت رجلاً) ولو كان الحديث ضعيفاً لكن عمل به كثير من الفقهاء وكرهوا أن يجتذبه بقوة؛ لأن هذا تصرف مؤذ، ولكن ينبهه بكلمة خفيفة أو يسحبه سحباً خفيفاً أو نحو ذلك، وحملوا عليه الحديث الذي فيه: (لينوا في أيدي إخوانكم) أن المراد: إذا طلبك أن تتأخر معه حتى تصح صلاته، فتأخر.
ورد أيضاً: (أنه إذا اجتذبه فإن لهذا المجتذب أجر) ؛ لأنه وصل صفاً ومن وصل صفاً وصله الله، فإذا لم يستطع أن يجتذب أحداً لكونهم امتنعوا، فله أن يخرق الصف ويقوم عن يمين الإمام إذا كان هناك متسع عن يمينه، فإذا لم يستطع وكثرت الصفوف ولا يستطيع أن يخرقها وصلى وحده، عملاً بما اختاره شيخ الإسلام فلعل ذلك يجزئه وهو أولى من تفويت الصلاة وهو ينظر.
стр. 227
ضابط صحة اقتداء المأموم بالإمام
متى يقتدي المأموم بالإمام؟ إذا جمعهما مسجد صحت الإمامة، ولو كان بينهما جدار، وإذا كان السور واحد وامتلأ المسجد وصفوا في الرحبة صحت صلاتهم؛ لأن المسجد واحد، وكذلك إذا امتلأت الرحبة وصفوا في الطريق والصفوف متراصة صحت الصلاة، وصح أن يقتدي بهم بشرط أن يعلم بانتقالات الإمام، أي: يعلم برفعه وخفضه وركوعه وسجوده.
أما إذا لم يجمعهما مسجد وصلى خارج المسجد فاشترطوا رؤية الإمام أو رؤية من وراءه ولو بعضهم، فإذا كان يصلي مثلاً في الطريق أو في الشوارع فاشترطوا أن يرى الإمام ولم يكتفوا بسماعه، ولعل الأولى في هذه الأزمنة إذا اتصلت الصفوف الاكتفاء؛ وذلك لوجود المكبر؛ لأن المساجد تمتلئ فهم يصلون في الأرصفة والطرق؛ حيث لا يجدون مكاناً، إلا أنه لا يجوز أن يكونوا أمام الإمام بل عن جانبيه أو خلفه.
стр. 228
المكروهات التي ينبغي اجتنابها في صلاة الجماعة
يقول: (يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين قدر ذراع فأكثر) روي أنه ﷺ لما بني له المنبر ركع عليه وكان مرتفعاً نحو أقل من ذراع وهي الدرجة الأولى، ولما أراد أن يسجد نزل وسجد على الأرض.
صلاته في المحراب إذا كان يمنع من مشاهدته ويستره عن المأمومين الذين يقتدون به مكروهة، فلا يصلي في المكان المرتفع إلا للضرورة إذا امتلأ المسجد ولم يجد مكاناً، وإلا فإنه يتأخر عن المحراب.
صلاة الإمام في التطوع مكان المكتوبة منهي عنه؛ لما ورد في سنن أبي داوود: (أن المغيرة نهى أن يتطوع الإمام مكان المكتوبة) ولكن إذا أراد أن يتطوع فإنه ينتقل إلى مكان آخر.
استقبال الإمام القبلة بعد السلام لا يجوز طويلاً، كان النبي ﷺ ساعة ما يسلم يمكث قدر ما يقول: (أستغفر الله ثلاثاً، اللهم أنت السلام) إلى آخره ثم ينصرف، ولا يبقى مستقبلاً القبلة، كثير من الأئمة في خارج البلاد وربما في داخلها يبقى قدر دقيقة أو دقيقتين وهو مستقبل القبلة لا ينصرف، وهذا خطأ.
وصلاة المأمومين بين السواري إذا قطعت الصفوف منهي عنها، وقد ورد في ذلك حديثان مذكوران في كتاب منتقى الأخبار، ذكر أنس: (أنهم كانوا ينهون عن الصلاة بين السواري إذا كانت تقطع الصفوف) لكن إذا اضطر إلى ذلك بأن امتلأ المسجد ولم يجدوا مكاناً إلا هذه الأماكن فلهم عذر.
قوله: (وحضور المسجد والجماعة لمن رائحته كريهة) قد ثبت أنه ﵊ قال: (من أكل بصلاً أو ثوماً أو كرّاثاً فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) مثل هذه إذا كان محتاجاً لها فإنه يميتها طبخاً.
стр. 229
المعذورون بترك الجمع والجماعات
المريض معذور يصلي في بيته حال مرضه؛ لأن المريض يعذر بترك الجماعة والجمعة وتسقط عنه الجمعة والجماعة؛ لأجل المرض وكذلك مدافع أحد الأخبثين البول أو الغائط معذور أيضاً؛ وذلك لأنه متضرر فهو معذور بتركه الجماعة، ورد أنه ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) لكن يراد بالطعام هنا الذي يحتاج إليه ويتضرر بفواته، كالصائم الذي اشتدت حاجته إلى الطعام، أما إذا كان لا يضره ويستطيع أن يصبر ويقدم الصلاة فهو الواجب.
وإذا خاف ضياع أعماله فإنه يسقط عنه الجماعة ونحو ذلك، فإذا كان مثلاً عنده دواب ويخشى أنها تنفر وتشرد إذا ذهب، أو كان له قريب في الموت فله أن يحضر عنده ولو فاتته صلاة الجماعة، أو تضرر من سلطان وهو ممن يطلبه بظلم، أو كان هناك مطر يمنع من الوصول إلى الجمعة أو الجماعة، أو هناك غريم يطالبه بدين فلا يجد له وفاء، أو يخشى فوات رفقته إذا كان مسافراً فيبقى منقطعاً، كل هذه أعذار يعذر بها المسلم في ترك الجمعة والجماعة.
والأصل أن الإنسان لا يتأخر إلا لعذر شديد فأما مجرد سبب خفيف فلا يكون عذراً، فليس مجرد خوف الغريم عذراً أن لا يخرج، إلا إذا كان لا يخرج من بيته دائماً فهو عذر، فأما إذا كان يخرج إلى الأسواق وإلى الدوائر ويترك الخروج إلى الصلاة فليس هذا عذراً.
стр. 230
صفة صلاة المريض
عندنا صلاة المريض، ثبت أنه ﷺ قال لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) فإذا استطاع أن يقوم وجب عليه قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فإذا كان القيام يشق عليه فإنه يصلي وهو قاعد، فإذا كان قعوده أيضاً يشق عليه صلى على أحد جنبيه الأيمن أو الأيسر، والأيمن أفضل، فإذا لم يقدر فعلى الأيسر، فإذا لم يقدر على أحد جنبيه صلى مستلقياً على ظهره رجلاه إلى القبلة ويرفع رأسه حتى يواجه القبلة.
تكره صلاة المريض مستلقياً مع القدرة على الصلاة وهو على جنب، وإذا صلى وهو على جنب فإنه يومئ بالركوع والسجود.
وإذا صلى وهو جالس فإنه يجعل السجود أخفض من الركوع، إذا لم يستطع صلى على جنب ويحرك رأسه عند الركوع والسجود، فإذا لم يستطع تحريك رأسه فبعضهم يقول: يحرك طرفه يعني: عينيه مع تحريك يديه، ولو رءوس الأصابع، فتحريك الطرف أن يحرك عينيه وينوي بقلبه، وذلك مثل المأسور الموثق على خشبة أو نحوها لا يستطيع أن يتحرك ينوي بقلبه، ويحرك طرفه، فإذا عجز عن تحريك طرفه نوى بقلبه وصلى على حسب حاله ناوياً بقلبه فكلما انتقل إلى ركن نوى الانتقال، يستحضر القول والفعل، وإذا عجز عن الأقوال أتى بما يستطيع ولو بأدنى حركة، فيحرك شفتيه بالقراءة والذكر وما أشبه ذلك، وما دام عقله معه فلا تسقط الصلاة عنه، بل يصلي على حسب حاله ما دام عاقلاً.
كثير من المرضى لشدة الألم ولشدة الوجع يترك الصلاة مع قدرته على الصلاة، ولو بتحريك رأسه، وهذا خطأ، أيضاً الذين حوله يقولون: إنه متألم ومشغول بالألم عن أن يصلي، فنحن نقول: يجب أن تذكره بالصلاة وأن وقتها قد دخل، فإذا ذكرته وأمرته واعتذر بأنه لا يطيق أو أنه منشغل بالآلام وبالوجع فقد برئت أنت.
وإذا طرأ العجز في أثناء الصلاة انتقل إليه، فلو أن إنساناً كبر وهو قائم، ثم عجز انتقل إلى الجلوس، فإن كبر وهو جالس ثم تعب انتقل إلى الاضطجاع، وهكذا مثلاً: لو كبر وهو جالس ثم أحس بنشاط قام وانتقل إلى القيام، أو كبر وهو على جنبه ثم أحس بنشاط انتقل إلى الجلوس؛ وذلك لأنه قد أصبح قادراً ولو استفتح الصلاة وهو عاجز.
стр. 231
حكم صلاة المسافر وصفتها
عندنا صلاة السفر فيها كلام كثير سيما في هذه الأزمنة.
هل القصر سنة أو رخصة؟ فإذا قيل: إنه رخصة، فإن الأفضل الإتمام، وإذا قيل: إنه سنة، فإن الأفضل القصر مع جواز الإتمام.
الأكثرون على أنه عزيمة وأنه سنة؛ لأنه هو الذي داوم عليه النبي ﷺ .
وذهب كثير من العلماء إلى أنه رخصة كسائر الرخص، والرخصة إنما تفعل عند الحاجة، فإذا كان هناك حاجة فإن فعلها أفضل، وإذا لم يكن هناك مشقة ولا حاجة ولا ضرورة فإن تركها أفضل.
فنقول: أولاً: السفر مظنة المشقة سيما في الأزمنة القديمة، ثبت أنه ﷺ قال: (السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم نومه وراحته، فإذا قضى نهمته فليسرع الفيئة) ، كان المسافرون يبقون في السفر شهراً وأشهراً وسنين، وكانوا أيضاً يلاقون مشقة، حيث إنهم يمشون على أقدامهم عشر ساعات أو أكثر، وإذا ركبوا ركبوا على ظهر البعير والشمس تصهرهم من الأمام أو الخلف، والجلسة غير مريحة، يجلس أحدهم على ظهر القتب، أو على ظهر الرحل جلسة غير مطمئنة، يعني: قد يكون مشيه أسهل عليه من الركوب، يبقى على ذلك مثلاً مدة خمس ساعات وهو راكب أو أكثر أو أقل، فكان السفر مشقة.
стр. 232
رخص السفر
فجاءت الرخص فيه أربع: الرخصة الأولى: الفطر؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ثم ذكر العلة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
الرخصة الثانية: قصر الرباعية، يعني: أن الصلاة على المقيمين أربع فتقصر للمسافر وتكون ركعتين تخفيفاً عليه.
الرخصة الثالثة: الجمع أن يجمع بين الظهرين في وقت إحداهما وكذا بين العشاءين؛ لمشقة النزول.
الرخصة الرابعة: الزيادة في مدة المسح على الخفين إذا كان يمسح على خفه.
فهذه الرخص تختص بالسفر، إن قالوا: في سفر طويل، الطويل حددوه بيومين، ويمكن أن يقال: يوم وليلة، أكثرهم حدده بأنه مسيرة يومين، فإذا كان مثلاً أقل من يومين فليس بطويل، ولم يحددوه بالمساحة إلا لأجل أنها تستغرق يومين، فالمساحة التي هي ستة عشر فرسخاً، أربعة برد هي ثمانية وأربعون ميلاً، فهم نظروا فيها وإذا هي مسيرة أربعٍ وعشرين ساعة، كان المسافر يسير اثنتي عشرة ساعة ثم يريح نفسه بالليل اثنتي عشرة ساعة، مسيرة أربع وعشرين ساعة، فهذا هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة مسيرة ستة عشر فرسخاً ولكنها لا تقطع إلا في اثنتي عشرة ساعة؛ لأن الفرسخ ثلاثة أميال، فتكون المساحة ثمانية وأربعين ميلاً، والميل مسيرة نصف ساعة.
стр. 233
شروط الترخص برخص السفر
اشترطوا: أن يكون السفر مباحاً، فإذا سافر لقطع طريق فليس له أن يقصر فيه ولا أن يترخص برخص السفر، وذكرنا أنه إذا كان لعذر جاز ذلك.
ثم في هذه الأزمنة يكثر التساهل في الرخص كالذين يسافرون ساعتين أو نصف يوم نرى أن هذا ليس بسفر، إذا كان مثلاً يذهب في أول النهار ثم يرجع في الليل فلا يسمى سفراً، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وذكر: أن السفر يحدد بالزمان لا بالمساحة، فهو يقول: لو أن إنساناً قطع مسافة طويلة لا تقطع إلا في يومين ورجع في يومه فلا يقصر، ولا يترخص، ولو قطع مسافة قليلة في زمن طويل فإنه يترخص فجعل العلة هي طول الزمان، ولم يكن في زمانه أسرع من الخيل، فضرب بها مثلاً، فقال: لو ركب إنسان فرساً سباقاً وقطع مسافة لا تقطع إلا في يومين ثم رجع في يومه فلا يترخص؛ فهو جعل العبرة بالزمان لا بالمساحة، وتجدون كلامه في المجلد الرابع والعشرين في رسالة طويلة في أحكام السفر، وقد لخص كلامه أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع، فنقل اختياره أن السفر يقدر بالزمان.
فعلى هذا لو أن إنساناً خرج من الرياض مسافة ثلاثين كيلو وطال مقامه وجلس هناك - مثلاً- يومين فله أن يترخص، ولو وصل - مثلاً- إلى القصيم مع طول المسافة ورجع في يومه فلا يترخص؛ نظراً إلى الزمان، وكذلك لو سافر في الطائرة إلى جدة ورجع في يومه فلا يترخص، فهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام؛ لأنه نظر إلى العلة وهي الزمان الذي يغيب فيه عن أهله، لأن الإنسان إذا غاب عن أهله نصف يوم فقط ولو وصل إلى أطراف المملكة، فإن لا يقصده الناس، ولا يأتون ليسلموا عليه، ولا ليهنئوه بسلامته من السفر، ولا يظنون أنه سافر، أما إذا غاب يومين أو ثلاثة أيام، ولو كانت مسافة عشرين أو ثلاثين كيلو فقط فإنهم يفتقدونه ويأتون إليه ليسلموا عليه ويهنئوه، فهذا هو العذر.
وهذا هو الأقرب وهو أن السفر لا يقدر بالمساحة، بل يقدر بالزمان.
стр. 234
قضاء صلاة السفر في الحضر
يقول: (من قضى صلاة سفر في حضر فإنه يقضيها تامة) .
مثلاً: إذا مرت عليه صلاة الظهر وهو في السفر، وجاء إلى بلده وقت العصر وأراد أن يصلي الظهر فإنه يصليها تامة؛ لأن السفر قد انقضى.
يتساهل بعض الناس إذا سافروا إلى الرياض مثلاً ودخل عليهم وقت الظهر في الطريق وبينهم وبين البلد ساعة فيصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، ثم يجيئون والعصر لم يدخل وقته فيقولون: قد صلينا، ويكتفون بتلك الصلاة، نقول: إنكم أصبحتم من أهل صلاة العصر وتلزمكم أربعاً، أصبحتم مطالبين بها فلا تسقط عنكم، وكذلك في العشاءين إذا أقبل بعضهم إلى الرياض وبينه وبينها مقدار ثلاثين كيلو أو نحوها وصلى المغرب والعشاء وقصر العشاء، ثم يجيء والناس لم يصلوا العشاء وقد أذن أولم يؤذن، نقول له: عليك صلاة العشاء أربعاً، هذا هو الراجح، ورخص هناك من رخص، لكن الإنسان يحتاط للصلاة.
لو أن إنساناً دخل عليه وقت الظهر وهو في البلد ثم خرج قبل أن يصلي، فأراد أن يصليها بعدما يخرج من البلد، فإنه يصليها أربعاً؛ لأنها لزمته أربعاً، وكذلك لو أخرها وفوتها ثم صلاها في الطريق فإنه يصليها أربعاً.
стр. 235
حكم صلاة من نوى إقامة مطلقة أو أكثر من أربعة أيام
من نوى إقامة مطلقة لموضع أو نوى أكثر من أربعة أيام أو ائتم بمقيم لزمه الإتمام، هذا هو المشهور عند الفقهاء: أنه إذا نوى إقامة من غير تحديد فإنه يتم، وإذا نوى أربعة أيام فإنه يتم بعدها، وإذا ائتم وصلى خلف مقيم فإنه يتم؛ وذلك لأنه لا فرق بينه وبين المقيمين، فإذا سافر إلى بلد كالرياض أو مكة أو جدة أو الدمام أو بريدة ونحوها من هذه المدن، واستقر إما في فندق وإما في شقة مثلاً استأجرها أو نحو ذلك وتمتع بما يتمتع به المقيمون، يعني: عنده الكهرباء وعنده الفرش وعنده السرر وعنده الطعام، وعنده السيارات التي تنقله إلى حيث يريد، وليس بينه وبين المقيمين فرق، فكيف تسقط عنه صلاة الجماعة؟! وكيف يقصر؟! هل يقال: إن هذا على سفر؟ ليس على سفر، هو مقيم مع المقيمين، وعليه الإتمام، أما إذا لم ينو إقامة محددة ولم يستقر في البلد، فإن له القصر ولو طالت المدة؛ لأن الفقهاء يعتبرون إقامة النبي ﷺ عام الفتح ستة عشر يوماً أنه لم يكن عازماً على الإقامة، بل كان متهيئاً للسفر في أي يوم، فكان ذلك سبباً في استمراره على القصر.
وقيل: إن عذره كونه على أهبة السفر أو كونه كمسافر؛ لأنه ما استقر في البلد، ولا دخل البيوت، ولا استقر الصحابة أيضاً في المساكن ولا في بيوت المدر أو بيوت الطين، إنما منازلهم تحت ظل الشجر، أو تحت القباب الصغيرة أو الخيام أو البيت من الشعر يستظلون به، أو يستظلون في الكهوف، فهم في حكم المسافر بخلاف الذين يستقرون في داخل البلد، سواء استقر وسكن عند أخ له أو قريب له أو استأجر مكاناً في المدن المشهورة ونحوها، يمكن أن يقال: إن القرى ليس فيها فنادق وليس فيها شقق تؤجر، وأن الذي يأتي إليها لا يستقر فيها، إنما ينام في سيارته مثلاً، أو ينزل خارج البلد تحت شجرة أو عريش أو نحو ذلك، فيمكن أن هذا يقصر ولو طالت المدة.
أما إذا عزم على الإقامة الطويلة فإنه يقصر حتى ولو كان يسكن في فنادق أو في خيام أو نحو ذلك، هناك مثلاً بعض الجنود الذين يستقرون في أطراف المملكة ولو كانوا مرابطين، ولكن يعلمون أنهم يبقون هناك أشهر وربما نصف السنة أو أكثر، فمثل هؤلاء لا يقصرون؛ لأنهم ليسوا على سفر، فيلزمهم أن يتموا الصلاة، ومثلهم أيضاً الطالب الذي يأتي ويقيم خمسة أيام، سواء كان سكنه في الجامعة أو في خارجها، نقول: إنك لست مسافراً، ويلزمك الإتمام.
وكذلك الذي يملكون ما يسمى بالاستراحات أو بساتين تبعد عن الرياض مثلاً تسعين كيلو أو مائة كيلو، يذهبون إليها مثلاً يوم الخميس والجمعة، ولهم هناك بيوت، ولهم مساكن، فمثل هؤلاء لا يقال إنهم مسافرون، ولو غابوا عن البلد يوماً وليلة، أو يومين؛ لأنهم في ملكهم وفي بيوتهم وفي بلادهم، ولو كانوا لا يقيمون فيها إلا يومين، فليس لهم رخصة في أن يقصروا، يمكن أن يقال: لهم رخصة في القصر إذا جاءهم الوقت وهم في الطريق، فأما إذا وصلوا فإنهم مقيمون.
стр. 236
حكم صلاة المسافر خلف المقيم والعكس
سئل ابن عباس: (ما للمسافر إذا صلى وحده قصر، وإذا صلى مع المقيمين أتم؟ فقال: تلك السنة) ولأنه إذا صلى مع المقيمين فإنه يلزمه متابعة الإمام، فلا يخالف الإمام، وأما إذا صلى المسافر بالمقيمين فإن له القصر، كان ﷺ يصلي بمكة قصراً، فإذا صلى ركعتين وسلم أمر الذين يصلون معه من أهل مكة بالإتمام، وقال: (أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر)
стр. 237
حكم صلاة المسافر المحبوس ظلماً
أما إذا حبس ظلماً ولم ينو إقامة فإنه يقصر أبداً؛ فهو معذور، لأنه منع من السفر ولم يتمكن، فهو مغلوب وله أن يقصر، وكذلك الذي ما نوى إقامة إنما هو متردد ولكنه لم يستقر.
стр. 238
جمع الظهرين والعشاءين للمسافر والمريض
أما الجمع بين الظهرين والعشاءين في وقت أحدهما للمسافر، فالصحيح أنه خاص بالسائر الذي على ظهر الطريق، فأما النازل فإنه ولو قصر لا يجمع، فمثلاً الحجاج في منى يقصرون ولا يجمعون؛ وذلك لأنهم لا مشقة عليهم في الصلاة في كل وقت، وهم يجمعون الظهرين في عرفة والعشاءين في مزدلفة؛ وذلك لأن جمعهم في عرفة لأجل أن يطول الموقف، وجمعهم في مزدلفة لأنهم متأخرون فلا يصلون إليها إلا بعد أن يدخل وقت العشاء.
المسافر يفعل الأرفق به إذا جمع، فإذا توجه مثلاً من هنا إلى مكة أو إلى جيزان، ودخل عليه وقت الظهر وهو قد ركب سيارته وأحب أن يؤخره حتى ينزل وقت العصر فيصليهما جميعاً فهو جائز، أو دخل عليه وقت الظهر وهو نازل ويحب أن يواصل السير إلى المغرب قدم العصر وصلاها مع الظهر فهو جائز أيضاً، يعني: له أن يجمع في وقت إحداهما.
كذلك المريض إذا كان يلحقه مشقة بالتوقيت فله أن يجمع في وقت إحداهما، ويفعل الأرفق به.
стр. 239
حكم الجمع للمطر والوحل والريح
أما الجمع للمطر فالصحيح أنه لا يجمع إلا العشاءين؛ لأنها تكون في ظلمة؛ ولأن الأسواق تمتلئ بالطين، والذين يأتون إلى المساجد يتخبطون في الطين، ويخوضونه مثلاً إلى نصف الساق فيشق عليهم، والطرق مظلمة والشوارع مليئة بالطين وبالزلق والمزلة فيجمعون بين العشاءين.
أما في النهار فلا يجمع؛ وذلك لأنه لا مشقة، ولأنهم يبصرون الطريق وليس هناك مشقة برد ولا مشقة زلق أو مزلة، نعم له أن يتخلف إذا كان المطر غزيراً بحيث يبل الثياب وتوجد معه مشقة.
وكذلك الوحل، وهو الطين المتجمع في الأسواق بحيث يخوضونه مثلاً إلى نصف الساق ولا يستطيعون أن يجدوا طريقاً غيره، وكذلك الريح الشديدة الباردة، ولا بد أن تكون شديدة باردة، فيجوز أن يجمع بها بين العشاءين، أما إذا كانت باردة فقط فلا يجمع إلا إذا كانت الليلة مظلمة حالكة الظلام، فجمع التقديم أو التأخير يفعل ما هو الأرفق، أما إذا كان يصلي في بيته فلا حاجة إلى الجمع إلا للضرورة كالمريض ونحوه.
وعند الجمع لا بد أن يجمع بينهما بلا فاصل، فلو صلى بينهما سنة بطل الجمع، وإذا فرق بينهما بعمل كأن صلى الظهر ثم اشتغل ثم أراد أن يصلي العصر بطل الجمع، فلا بد أن يكون الجمع متوالياً، لكن لو انتقض وضوءه مثلاً وتوضأ وضوءاً خفيفاً فلا بأس، وكذلك لو فصل بينهما بإقامة.
ذكر بعد ذلك صلاة الخوف، وأنها صحت من ستة أوجه، وكلها جائزة، وتسن عندما يخاف هجوم العدو على المسلمين، وفي هذه الأزمنة قد تكون متعذرة، وذكروا أنه يسن فيه حمل السلاح الخفيف لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] .
ننتهي إلى هذا والله أعلم، وصلى الله على محمد.
стр. 240
شرح أخصر المختصرات [١٠]
لقد فرض الله صلاة الجمعة على هذه الأمة واختارها وهداها إليها من بين سائر الأمم، وهذا فضل منه .
والحكمة من مشروعيتها هو اجتماع أهل البلد، وتذكيرهم بما يجب عليهم وما نهوا عنه، وكذلك الاجتماع من أجل التعارف والتآلف والتعاون والتراحم، كما أنه تعالى شرع صلاة العيدين: عيد الفطر بعد الانتهاء من صيام رمضان، وعيد الأضحى بعد الانتهاء من مناسك الحج، وكذلك شرع لنا صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء، فعلى المسلم أن يتعلم أحكام هذه الصلوات وصفاتها حتى يؤديها على الوجه الصحيح.
стр. 241
حكم الطمأنينة في الصلاة والوتر عند الحنفية
لاحظ علينا بعض الإخوة أننا ذكرنا أن الحنفية لا يرون أن الطمأنينة ركن، ونقل من كلام الكاساني ومن كلام ابن عابدين وهما من علماء الحنفية ما يأتي: فصل في بيان الواجبات الأصلية في الصلاة، ثم يقول: ومنها الطمأنينة، والقرار في الركوع والسجود، يعني: أنها من الواجبات وليست من الفروض.
الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب، وكذلك أيضاً غيرهم، كالحنابلة فإنهم يفرقون بين الركن والواجب، فالركن عندهم فرض ولا تتم الصلاة إلا به، والواجب يجبر بسجود السهو، فهذا الكاساني عدّ الطمأنينة والقرار في الركوع والسجود من الواجبات، ثم أجاب عن حديث المسيء صلاته لأنه وارد عليهم، يقول: أما حديث الأعرابي فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخاً للكتاب، ولكن يصلح مكملاً، فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب، يعني أن قوله ﷺ للأعرابي: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم ارفع حتى تعتدل جالساً) يحمل على الوجوب ويحمل نفيه الصلاة على نفي الكمال، أي في قوله: (فإنك لم تصل) ، يعني أن الصلاة مجزئة ولكن فيها نقص.
وتمكن النقص الفاحش الذي يوجب عدمها من وجه، وأمره بالإعادة على الوجوب؛ جبراً للنقصان أو على الزجر عن المعاودة إلى مثله.
بكل حال هذا دليل على أنهم ما عملوا بحديث المسيء صلاته وجعلوه من الآحاد، فلا يصلح ناسخاً للكتاب، وجعلوه مكملاً فيحمل الأمر بالاعتدال على الوجوب.
نحن ما قلنا: إن الحنفية يكرهون الطمأنينة، ولا أنهم يحرمونها، ولكنهم لا يرونها ركناً، أما غيرهم فإنهم يقولون إنها ركن، وإن من صلى بلا طمأنينة فإنها لا تصح صلاته؛ ولذلك قال ﷺ : (فارجع فصل فإنك لم تصل) كلمة: (لم تصل) دليل على الإبطال، لا على نفي الكمال كما يقوله الكاساني.
وبكل حال لعل هذا الحديث ما بلغ أبا حنيفة ﵀، وإلا فـ أبو حنيفة كان ممن يطمئن في صلاته ويخشع فيها، بل كان يقوم الليل أو أغلب الليل، وليس عليه نقصان ولا عليه طعن.
فالحاصل أنه يقول: الطمأنينة في الركوع واجبة حتى لو تركها ساهياً يلزمه سجود السهو، الآخرون يقولون: إنها ركن والأركان لا تجبر بسجود السهو.
وأما الوتر فيرون أنه واجب، والواجب عندهم أقل رتبة من الفرض، فالواجب ما ثبت بدليل ظني، والركن ما ثبت بدليل قطعي، وأدلتهم مذكورة في كتبهم ولكلٍ اجتهاده.
ذكرنا وجوب صلاة الجماعة، أي: الاجتماع على الصلاة في المساجد على الرجال الأحرار القادرين، وعرفنا بأي شيء تدرك الجماعة، وبأي شيء تدرك الركعة؟ ومتى تجزئ الركعة تكبيرة واحدة، وما يتحمله الإمام عن المأموم وهي ثمانية أشياء، وحكم قراءة من خلف الإمام، وأنه يستحب أن يقرأ في سكتاته وفي السرية، وحكم التخفيف الذي استحبوه وأنه ليس هو النقر.
وكذلك ذكرنا أنه يقدم في الإمامة الأقرأ الأفقه، وحكم الصلاة خلف الفاسق ومتى تصح، وإمامة الأمي أو من يلحن لحناً يحيل المعنى، أو صاحب السلس أو العاجز عن الركوع والسجود أو القعود، أو العاجز عن القيام، ومتى يصلي المأمومون خلف الإمام جلوساً، وحكم إمامة المميز، والمرأة، والمحدث النجس، واللحان، والفأفاء، وأين يقف المأمومون من الإمام، وحكم صلاة المنفرد خلف الصف رجلاً كان أو امرأة، ومن صلى عن يسار الإمام مع خلو يمينه، ومتى يصح اقتداء المأمومين بالإمام، والفرق بين ما إذا كانوا خارج المسجد أو داخل المسجد، ومتى يشترط رؤية الإمام أو سماع صوته، وكذلك انصراف الإمام بعد السلام مباشرة، والصف بين السواري، وحضور المسجد بشيء فيه رائحة كريهة، ومن يعذر بترك الجمعة والجماعة، وصلاة المريض كيف يصلي قائماً ثم قاعداً، ومتى يصلي مستلقياً، وكيف يومئ بالركوع والسجود، وذكر بعض المحققين أنه تسقط عنه الصلاة إذا وصل إلى حالة لا يستطيع فيها الحركة إلا بطرفه؛ وذلك لعجزه، والجمهور على أنها لا تسقط ما دام العقل معه.
وكذلك قصر المسافر للرباعية وأن الصحيح أن السفر يقدر بالزمان لا بالمسافة، وتقدير الفقهاء بالزمان حيث قدروه بمسيرة يومين قاصدين، والذين قدروه بالمساحة؛ لأن تلك المساحة كانت لا تقطع إلا في يومين قاصدين، وحكم من نوى الإقامة إقامة مطلقة، أو عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ائتم بمقيم أن الجميع يتمون، وأما إذا حبس ظلماً ولم ينو إقامة فإنه يقصر، وحكم الجمع بين الظهرين والعشاءين، وكذلك جمع المسافر والمريض، وحكم الجمع في المطر، وكذلك للريح الشديدة في الليلة الباردة، وهل الأفضل أن يقدم أو يؤخر، وحكم الجمع في البيوت بلا ضرورة، ومتى يبطل الجمع بين الصلاتين بالفاصل بينهما.
стр. 242
صلاة الخوف
وصلاة الخوف صحت من ستة أوجه أو من سبعة، استوفى طرقها ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] ، وكذلك غيره من الذين ألفوا في الأحاديث كـ البيهقي وغيره، والإمام أحمد يختار حديث صلاة ذات الرقاع، وهو أنه صفهم ﵊، فطائفة صفت خلفه وطائفة تجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما ًوأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم، وقال: إنها أقرب لموافقة الآية الكريمة، ولكن الكل جائز إذا كان هناك مناسبة.
стр. 243
مشروعية صلاة الجمعة وأحكامها وشروطها وأركانها
قال رحمه الله تعالى: [فصل: تلزم الجمعة كل مسلم مكلف ذكر حر مستوطن ببناء، ومن صلى الظهر ممن عليه الجمعة قبل الإمام لم تصح، وإلا صحت، والأفضل بعده، وحرم سفر من تلزمه بعد الزوال، وكره قبله ما لم يأت بها في طريقه أو يخف فوت رفقة، وشرط لصحتها الوقت، وهو أول وقت العيد إلى آخر وقت الظهر، فإن خرج قبل التحريمة صلوا ظهراً وإلا جمعة.
وحضور أربعين بالإمام من أهل وجوبها، فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا جمعة إن أمكن وإلا ظهراً، فمن أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة، وتقديم خطبتين من شرطهما: الوقت، وحمد الله، والصلاة على رسوله ﵇، وقراءة آية، وحضور العدد المعتبر، ورفع الصوت بقدر إسماعه، والنية، والوصية بتقوى الله، ولا يتعين لفظها، وأن تكونا ممن يصح أن يؤم فيها لا ممن يتولى الصلاة، وتسن الخطبة على منبر أو موضع عال، وسلام خطيب إذا خرج وإذا أقبل عليهم، وجلوسه إلى فراغ الأذان وبينهما قليلاً، والخطبة قائماً معتمداً على سيف أو عصا، قاصداً تلقاءه، وتقصيرهما والثانية أكثر، والدعاء للمسلمين، وأبيح لمعين كالسلطان.
وهي ركعتان يقرأ في الأولى بعد الفاتحة الجمعة والثانية المنافقين، وحرم إقامتها وعيد في أكثر من موضع ببلد إلا لحاجة، وأقل السنة بعدها ركعتان وأكثرها ست، وسن قبلها أربع غير راتبة، وقراءة الكهف في يومها وليلتها، وكثرة دعاء وصلاة على النبي ﷺ ، وغسل وتنظف وتطيب، ولبس بياض، وتبكير إليها ماشياً، ودنو من الإمام، وكره لغيره تخطي الرقاب إلا لفرجة لا يصل إليها إلا به، وإيثار بمكان أفضل لا قبول، وحرم أن يقيم غير صبي من مكانه فيجلس فيه، والكلام حال الخطبة على غير خطيب، ومن كلمه لحاجة، ومن دخل والإمام يخطب صلى التحية فقط خفيفة.
فصل: وصلاة العيدين فرض كفاية، ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد قضاء، وشرط لوجوبها شروط جمعة، ولصحتها استيطان وعدد جمعة، لكن يسن لمن فاتته أو بعضها أن يقضيها وعلى صفتها أفضل، وتسن في صحراء، وتأخير صلاة فطر، وأكل قبلها، وتقديم أضحى وترك أكل قبلها لمضحٍ، ويصليها ركعتين قبل الخطبة يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً، وفي الثانية قبل القراءة خمساً، رافعاً يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً، أو غيره، ثم يقرأ بعد الفاتحة بالأولى سبح، والثانية الغاشية، ثم يخطب كخطبتي الجمعة، لكن يستفتح في الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع، ويبين لهم في الفطر ما يخرجون، وفي الأضحى ما يضحون.
وسن التكبير المطلق ليلتي العيدين، والفطر آكد، ومن أول ذي الحجة إلى فراغ الخطبة، والمقيد عقب كل فريضة في جماعة من فجر عرفة لمحل، ولمحرم من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق.
فصل: وتسن صلاة كسوف ركعتين، كل ركعة بقيامين وركوعين، وتطويل سورة وتسبيح، وكون أول كل أطول، واستسقاء إذا أجدبت الأرض وقحط المطر، وصفتها وأحكامها كعيد، وهي والتي قبلها جماعة أفضل، وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة، والخروج من المظالم، وترك التشاحن، والصيام، والصدقة، ويعدهم يوماً يخرجون فيه، ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً متنظفاً لا مطيباً، ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ ومميزو الصبيان، فيصلي ثم يخطب واحدة، يفتتحها بالتكبير كخطبة عيد، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويرفع يديه وظهورهما نحو السماء، فيدعو بدعاء النبي ﷺ ، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً) إلى آخره.
وإن كثر المطر حتى خيف سُنَّ قول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] الآية) ] .
في هذا حكم صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء، أما الجمعة فمعروف أنها كل أسبوع، أي: في اليوم السابع من الأسبوع وهو يوم الجمعة، وأما العيد فإنه في كل سنة، عيد الفطر مرة في السنة، وعيد الأضحى مرة في السنة.
стр. 244
الحكمة من مشروعية صلاة الجمعة
الحكمة في شرعية صلاة الجمعة جمع أهل البلد كل أسبوع وتذكيرهم وتأليفهم، ومعلوم أن مساجد الجماعة يجتمع فيها أهل كل حي، فأهل هذا الحي يجتمعون مثلاً في هذا المسجد، وأهل الحي الثاني يجتمعون في مسجدهم كل يوم خمس مرات، فإذا جاء يوم الجمعة اجتمع أهل البلد في مسجد واحد، يحصل تقابلهم، وتعارفهم، وتآلفهم فيما بينهم، وتباحثهم في الأمور ذات الأهمية، فلأجل ذلك لا يجوز تكرار الجمعة في البلد إلا لحاجة، ولا تقام في البلد إلا في مسجد واحد.
في العهد النبوي ما كان هناك إلا مسجد واحد هو المسجد النبوي، يأتي إليه أهل قباء وأهل العوالي وأهل الأماكن التي هي بعيدة عن المدينة، يأتون كلهم ويصلون مع النبي ﷺ ، حتى إن بعضهم يأتي من الصباح، ويرجع إلى أهله فلا يصل إليهم إلا مساءً؛ ذلك لأن القصد جمع أهل البلد في مسجد واحد، ولذلك روي عن ابن عباس أو غيره من الصحابة قالوا: (الجمعة على من آواه المبيت إلى أهله) ، ومعناه: أن الجمعة واجبة على الإنسان الذي إذا صلى الجمعة ثم رجع إلى أهله أدركهم قبل الليل، ولو سار ثلاث أو أربع ساعات، وهذا دليل على أنهم كانوا يسيرون قبل الصلاة نحو ثلاث ساعات أو أربع متوجهين إلى المسجد، وبعد الصلاة يتوجهون إلى أهليهم فيسيرون نحو ثلاث أو أربع ساعات؛ وذلك لأنه ليس هناك إلا مسجد واحد.
ثم ورد أنه ﷺ لما اجتمع عيد وجمعة في يوم رخص لمن صلى العيد أن لا يرجعوا إلى صلاة الجمعة؛ وذلك للمشقة عليهم؛ لأنهم أتوا إلى صلاة العيد مبكرين، يمكن أنهم ساروا من آخر الليل، فقطعوا مسيرة ساعتين أو نحوها حتى وصلوا إلى مصلى العيد، ثم لابد أنهم يرجعوا إلى أهليهم بعد صلاة العيد، فيسيرون أيضاً مسيرة ساعتين حتى يصلوا إلى أهليهم، فلو كلفوا أن يأتوا إلى صلاة الجمعة لأتوا أيضاً مسيرة ساعتين قبل الزوال، ثم يرجعون بعد صلاة الجمعة أيضاً مسيرة ساعتين، فيتكلفون ثمان ساعات مشياً، ولا شك أن في ذلك مشقة، فأسقطت عنهم صلاة الجمعة إذا أدركوا صلاة العيد، حيث إنهم قد حصلوا على خير، فيصلون في أماكنهم ظهراً، والقريبون يصلون جمعة، ولذلك قال في الحديث: (وإنا لمجمعون) فالنبي ﷺ صلى الجمعة بمن كان قريباً، فأما البعيدون فأسقطها عنهم لأجل المشقة، فهذا هو السبب.
إذا اجتمع عيد وجمعة سقطت الجمعة عمن بينه وبين المسجد مسيرة ساعتين، فأما من كان دون ذلك فلا تسقط على الصحيح.
يتساهل كثير من الناس فيصلون ظهراً ويتركون صلاة الجمعة يوم العيد، وربما يصلون في بيوتهم، وليس بينهم وبين المسجد إلا عشر دقائق أو ربع ساعة على السيارات التي يسرها الله وسخرها، فنقول: إن هذا تفريط وإهمال، ما شرعت الجمعة إلا لمصلحة، شرعت لأجل الاجتماع، ولأجل التذاكر، ولأجل التعارف والتباحث في الأمور المهمة، وشرعت لأجل الفوائد التي يستمعونها من الخطباء، ولأنهم قد يكونون جهلة بالقراءة وجهلة بالأحكام، فيتعلمون القراءة ويتعلمون الأحكام التي يلقيها الخطباء عليهم فيرجعون بفائدة.
стр. 245
من تجب عليهم صلاة الجمعة
وتجب صلاة الجمعة على كل مسلم، فلا تجب على الكافر كما لا تجب عليه الصلوات الخمس حتى يسلم.
وتجب على مكلف، فلا تجب على الصغير الذي دون سن التكليف، ولا تجب على فاقد العقل كما لا تجب عليه الصلاة أصلاً.
وتجب على ذكر، فلا تجب على النساء، وإن حضر النساء أجزأتهن.
وتجب على حر، فلا تجب على المملوك؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، ولأن الجمعة غير واجبة عليه بنص الحديث، فإذا كان بينه وبين المسجد ساعتين فوّت على سيده مثلاً خدمة أربع ساعات ذهابا ًوإياباً، أما إذا كان قريباً ليس بينه وبين المسجد إلا ربع ساعة أو نصف ساعة فلا تسقط عن الرقيق.
وتجب على مستوطن، فلا تجب على أهل البوادي، وهم البدو الرحّل الذين يتنقلون من مكان إلى مكان وليسوا مستقرين.
ذكروا أن المستوطن لابد أن يكون مستوطناً ببناء، والصحيح أنه إذا كان ساكناً في مكان لا يذهب عنه فإنها لا تسقط عنه ولو كان في خيمة كالمرابط من العساكر ونحوهم، والذين في الحدود فإنها تجب عليهم، ولو كانوا يسكنون في صنادق أو في خيام أو بيوت شعر أو ما أشبه ذلك.
стр. 246
حكم صلاة الظهر ممن تلزمه الجمعة قبل الإمام
قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه الجمعة قبل الإمام لم تصح) أي: كيف يصلي الظهر وهو ممن تلزمه الجمعة؟! فيلزمه أن يصلي مع الإمام، فإن لم يفعل أعادها جمعة أو أعادها ظهراً، أما إذا فاتته صلاة الجمعة مع الإمام فإنه يصليها ظهراً، بعد صلاة الإمام، وإذا كان عاجزاً عن الإتيان إلى المسجد لمرض أو بعدٍ أو نحو ذلك فمتى يصلي الظهر؟ يتحرى فراغ الإمام من صلاة الجمعة فيصلي بعده، وإن صلى وقت صلاة الجمعة فلا بأس؛ لأن الخطباء قد يطيلون مثلاً فيفرغ الذي يصلي ظهراً وحده قبلهم.
стр. 247
حكم إنشاء السفر يوم الجمعة
حكم السفر يوم الجمعة: السفر بعد الزوال لا يجوز، وذلك لأنه دخل وقتها، فلا يجوز أن يسافر بعد دخول الوقت وهو النداء لها، قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] دليل على أنهم مخاطبون بالسعي إليها إلى أن تنقضي، ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] .
أما السفر قبل الزوال فإنه مكروه إذا علم بأنه لا يصليها في الطريق، أما إذا تحقق بأنه سيدركها في الطريق فلا بأس؛ لأن بعض الطرق قد يكون فيها عدة قرى في كل قرية مسجد، فإذا سافر مثلاً إلى الحجاز فإنه يمر بعدة مساجد قبل صلاة الجمعة، لو سافر مثلاً في الضحى أو سافر في الصباح فقد يمر بعشرة جوامع أو أكثر، فعليه إذا مر وقت الصلاة أن يصلي في أحدها.
فالحاصل أنه إذا سافر يوم الجمعة قبل الزوال فسفره مكروه إذا لم يعلم أنه يؤديها في الطريق، وكان بعض المشايخ يقول: وجدنا بالتجربة أن المسافر يوم الجمعة حري أن لا يوفق، ويقول: من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة فأصابه بلوى فلا يلومن إلا نفسه.
ويرخص له إذا كان تبعاً لرفقة بحيث إذا لم يسافر معهم بقي منقطعاً فيخشى فوت رفقته، ولو لم يكن في الطريق مساجد، فيسقط عنه إذا كان السفر قبل الزوال.
стр. 248
وقت صلاة الجمعة واشتراط العدد لها
يشترط لها الوقت، فلا تصلى قبل الوقت، والمشهور عند الفقهاء أنه يدخل بوقت صلاة العيد، أي: بخروج وقت النهي، والقول الثاني: أنه لا يدخل إلا بالزوال، فيؤذن لها الأذان الأول قبل الزوال، ووقت أدائها بعد الزوال مباشرة، وهذا هو المستحب والذي عليه العمل، وأما آخر وقتها فهو آخر وقت الظهر بالاتفاق، يعني: صيرورة ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.
قوله: (إذا خرج قبل التحريمة صلوها ظهراً) ، إذا خرج الوقت قبل أن يكبر التحريمة بقوله: الله أكبر، كما لو أطال الخطبة فخرج وقت الظهر ودخل وقت العصر فإنهم يصلونها ظهراً قضاءً، وأما إذا أحرم قبل أن يخرج الوقت فإنهم يصلونها جمعة.
الشرط الثاني: العدد واختلف فيه، فالمشهور عند الفقهاء الحنابلة اشتراط أربعين من أهل وجوبها، أي: من المكلفين الأحرار المسلمين المقيمين، واستدلوا بأن في حديث كعب بن مالك أن أول جمعة أقيمت في المدينة كان عددهم أربعين، وكان جمعهم أسعد بن زرارة صلى بهم بعض الصحابة، ولكن هذا ليس دليلاً على اشتراط هذا العدد، فلذلك ذهب المالكية إلى أنها تجزئ باثني عشر، واستدلوا بأن في حديث جابر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] ذكر أن أهل المسجد خرجوا لما سمعوا بتلك التجارة ولم يبق إلا اثنا عشر،
و
الجواب
أنهم خرجوا ونظروا ثم رجعوا، لا شك أنهم رجعوا وأكملوا صلاتهم، ولكن خروجهم دليل على الاكتفاء بهذا العدد وهو اثنا عشر، وقد ذكر عن بعض العلماء أنها تصح بثلاثة، إمام ومؤذن ومستمع، وأن الثلاثة أقل العدد، وبكل حال الاحتياط والاجتهاد في إتمام العدد، فإن نقص عددهم وهم مقيمون في بلادهم عن هذا العدد فالصحيح أنها تجزئهم.
هنا يقول: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا جمعة إن أمكن وإلا ظهراً) إذا نقصوا قبل إتمامها انتظروا حتى يجيء عدد يكملهم، فإذا علم بأنهم لا يتمون صلوها ظهراً، يعني: على هذا القول.
стр. 249
ما تدرك به صلاة الجمعة
قال: (من أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة) ، أي: أما إذا جاء والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية فإنها قد فاتت، فعليه أن يصليها ظهراً، هذا هو القول الصحيح، وإن كان هناك من العلماء من يجيزون أن يصليها جمعة ولو لم يدرك إلا التشهد، يقولون: إنه أدرك ما يسمى بجمعة، ولكن الجمهور على أنه إذا فاتته الركعتان فإنه يدخل معهم بنية الظهر إذا كان قد دخل وقت الظهر، فيصلي معهم ويقوم ويأتي بأربع.
стр. 250
اشتراط خطبتي الجمعة وذكر شروطهما
الشرط الثالث: تقديم خطبتين، أي: لابد يوم الجمعة من خطبتين، وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ كان يطيل في خطبته، فمن طولها فإنه يفصل بينهما بجلسة، يخطب فإذا تعب جلس ثم استأنف وخطب، فهو دليل على أنه كان يطيل الخطبة، فيمكن أن الخطبة تستغرق ساعة أو على الأقل نصف ساعة لكل واحدة من الخطبتين.
ولو كان لا يطيل وكانت خطبته عشر دقائق أو عشرين دقيقة لما احتاج إلى الجلسة بين الخطبتين، ولما احتاج إلى هذا الفاصل، وهو الجلوس، وكان في إمكانه أن يواصل خطبته نصف ساعة أو ثلثي ساعة ثم ينزل ويصلي، فلما فصل بينهما دل على أنه كان يطيل، فلا ينكر على من أطال الخطبة بقدر نصف ساعة أو نحوها.
وأما الحديث الذي فيه: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) فإن الطول والقصر نسبي، فيقال مثلاً لمن خطبته أربعون دقيقة: هذه خطبة قصيرة، ويقال لمن خطبته ساعتان مثلاً أو ساعة ونصف: هذه طويلة، فقصر خطبته يعني: أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته بحيث يخطب مثلاً نصف ساعة ولا تكون خطبته أكثر من ساعة هذه هي الخطبة القصيرة.
قوله: (مئنة) يعني: علامة من فقهه.
للخطبتين شروط: قيل إنها تشترط في مجموعهما، وقيل: في كل واحدة من الخطبتين.
الشرط الأول: الوقت، فلا يخطب قبل دخول الوقت، سواء قلنا: إن الوقت يدخل بدخول وقت صلاة العيد، أو بدخول وقت صلاة الظهر، لابد أن تكون الخطبتان بعد الوقت.
الشرط الثاني: حمد الله، لابد أن يبدأ الخطبة بالحمد لله؛ لأن هذا هو المعتاد من النبي ﷺ .
الشرط الثالث: الصلاة على النبي ﷺ ، وذلك لما أُثر من أنه ﷺ ذكر أن الدعاء موقوف حتى يصلى عليه، ولعموم الآية وهي قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، ولما ورد من أنهم قالوا: (كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) إلخ.
وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، منها قوله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة عليّ فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله؟ كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ -يقول: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ، فهذا يؤكد أن يوم الجمعة أحق أن تكثر فيه الصلاة على النبي ﷺ ، ففي الخطبة أولى.
الشرط الرابع: قراءة آية من القرآن، فقد ثبت أنه ﷺ كان يقرأ آيات في خطبته، وربما قرأ سورة، فثبت أنه كان يقرأ سورة (ق) كاملة في خطبته، فأقل شيء آية، ولكن لابد أن تكون الآية طويلة، يعني: لها فائدة ولها عمل، فلا يجزئ آية تتكون من كلمة أو من كلمتين، ويستحب أن تكون الآية في الموضوع الذي يتطرق إليه في أثناء الخطبة، فإذا خطب عن التقوى قرأ آية تتعلق بالأمر بالتقوى، وإذا خطب عن الصلاة قرأ آية تتعلق بذكر الصلاة، وهكذا في كل المواضيع.
الشرط الخامس: حضور العدد المعتبر الذي هو الأربعون على قول الفقهاء، فلابد أن يحضر الأربعون فيها من أول الخطبة إلى آخرها.
الشرط السادس: رفع الصوت بقدر إسماعه، فالخطيب لابد أن يكون صيتاً بحيث يسمع المصلين، وبعد وجود المكبر لا يلزمه رفع الصوت؛ لأن المكبر يرفع الصوت ويدفعه.
الشرط السابع: النية، لابد أن ينوي لهذه الخطبة أنها الخطبة المشترطة، التي هي وظيفة هذه الصلاة.
الشرط الثامن: الوصية بتقوى الله، ولا يتعين لفظها، ولا يتعين أن يقول: اتقوا الله، ولكن يوصيهم بشيء يحرك القلوب، فيوصيهم بالخوف من الله، أو تقوى الله، أو عبادته، أو رجائه، أو التوكل عليه، أو دعائه، ويبسط القول في ذلك حتى يكون للخطبة معنى، يتوسع في ذكر الأدلة التي تتعلق بالموضوع الذي اختاره.
الشرط التاسع: (أن تكون ممن يصح أن يؤم فيها) وفي بعض النسخ: (أن يؤم فيما) ، والصواب: (أن يؤم فيها) أي: أن تكون من الخطيب الذي يصح أن يكون إماماً فيها، أي: في هذه الصلاة، وهو الذكر الحر العاقل البالغ، فلا تصح من غيره.
والإقامة ليست شرطاً على الصحيح، فيجوز أن يصلي بهم المسافر إذا كان أفضل منهم.
قوله: (ممن يصح أن يؤم فيها، لا ممن يتولى الصلاة) ، معناه: أنه يصح أن يتولى الخطبة واحد ويتولى الصلاة غيره، فإن الصلاة عبادة والخطبة عبادة أيضاً فلا يلزم أن يتولاهما واحد، ولكن لابد أن يتولى كلاً منهما من هو أهل ممن تنطبق عليه هذه الصلاة.
следующие страницы →