Полный текст (2 153 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
حكم صلاة الظهر ممن تلزمه الجمعة قبل الإمام
قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه الجمعة قبل الإمام لم تصح) أي: كيف يصلي الظهر وهو ممن تلزمه الجمعة؟! فيلزمه أن يصلي مع الإمام، فإن لم يفعل أعادها جمعة أو أعادها ظهراً، أما إذا فاتته صلاة الجمعة مع الإمام فإنه يصليها ظهراً، بعد صلاة الإمام، وإذا كان عاجزاً عن الإتيان إلى المسجد لمرض أو بعدٍ أو نحو ذلك فمتى يصلي الظهر؟ يتحرى فراغ الإمام من صلاة الجمعة فيصلي بعده، وإن صلى وقت صلاة الجمعة فلا بأس؛ لأن الخطباء قد يطيلون مثلاً فيفرغ الذي يصلي ظهراً وحده قبلهم.
стр. 247
حكم إنشاء السفر يوم الجمعة
حكم السفر يوم الجمعة: السفر بعد الزوال لا يجوز، وذلك لأنه دخل وقتها، فلا يجوز أن يسافر بعد دخول الوقت وهو النداء لها، قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] دليل على أنهم مخاطبون بالسعي إليها إلى أن تنقضي، ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة:١٠] .
أما السفر قبل الزوال فإنه مكروه إذا علم بأنه لا يصليها في الطريق، أما إذا تحقق بأنه سيدركها في الطريق فلا بأس؛ لأن بعض الطرق قد يكون فيها عدة قرى في كل قرية مسجد، فإذا سافر مثلاً إلى الحجاز فإنه يمر بعدة مساجد قبل صلاة الجمعة، لو سافر مثلاً في الضحى أو سافر في الصباح فقد يمر بعشرة جوامع أو أكثر، فعليه إذا مر وقت الصلاة أن يصلي في أحدها.
فالحاصل أنه إذا سافر يوم الجمعة قبل الزوال فسفره مكروه إذا لم يعلم أنه يؤديها في الطريق، وكان بعض المشايخ يقول: وجدنا بالتجربة أن المسافر يوم الجمعة حري أن لا يوفق، ويقول: من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة فأصابه بلوى فلا يلومن إلا نفسه.
ويرخص له إذا كان تبعاً لرفقة بحيث إذا لم يسافر معهم بقي منقطعاً فيخشى فوت رفقته، ولو لم يكن في الطريق مساجد، فيسقط عنه إذا كان السفر قبل الزوال.
стр. 248
وقت صلاة الجمعة واشتراط العدد لها
يشترط لها الوقت، فلا تصلى قبل الوقت، والمشهور عند الفقهاء أنه يدخل بوقت صلاة العيد، أي: بخروج وقت النهي، والقول الثاني: أنه لا يدخل إلا بالزوال، فيؤذن لها الأذان الأول قبل الزوال، ووقت أدائها بعد الزوال مباشرة، وهذا هو المستحب والذي عليه العمل، وأما آخر وقتها فهو آخر وقت الظهر بالاتفاق، يعني: صيرورة ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.
قوله: (إذا خرج قبل التحريمة صلوها ظهراً) ، إذا خرج الوقت قبل أن يكبر التحريمة بقوله: الله أكبر، كما لو أطال الخطبة فخرج وقت الظهر ودخل وقت العصر فإنهم يصلونها ظهراً قضاءً، وأما إذا أحرم قبل أن يخرج الوقت فإنهم يصلونها جمعة.
الشرط الثاني: العدد واختلف فيه، فالمشهور عند الفقهاء الحنابلة اشتراط أربعين من أهل وجوبها، أي: من المكلفين الأحرار المسلمين المقيمين، واستدلوا بأن في حديث كعب بن مالك أن أول جمعة أقيمت في المدينة كان عددهم أربعين، وكان جمعهم أسعد بن زرارة صلى بهم بعض الصحابة، ولكن هذا ليس دليلاً على اشتراط هذا العدد، فلذلك ذهب المالكية إلى أنها تجزئ باثني عشر، واستدلوا بأن في حديث جابر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] ذكر أن أهل المسجد خرجوا لما سمعوا بتلك التجارة ولم يبق إلا اثنا عشر،
و
الجواب
أنهم خرجوا ونظروا ثم رجعوا، لا شك أنهم رجعوا وأكملوا صلاتهم، ولكن خروجهم دليل على الاكتفاء بهذا العدد وهو اثنا عشر، وقد ذكر عن بعض العلماء أنها تصح بثلاثة، إمام ومؤذن ومستمع، وأن الثلاثة أقل العدد، وبكل حال الاحتياط والاجتهاد في إتمام العدد، فإن نقص عددهم وهم مقيمون في بلادهم عن هذا العدد فالصحيح أنها تجزئهم.
هنا يقول: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا جمعة إن أمكن وإلا ظهراً) إذا نقصوا قبل إتمامها انتظروا حتى يجيء عدد يكملهم، فإذا علم بأنهم لا يتمون صلوها ظهراً، يعني: على هذا القول.
стр. 249
ما تدرك به صلاة الجمعة
قال: (من أدرك مع الإمام ركعة أتمها جمعة) ، أي: أما إذا جاء والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية فإنها قد فاتت، فعليه أن يصليها ظهراً، هذا هو القول الصحيح، وإن كان هناك من العلماء من يجيزون أن يصليها جمعة ولو لم يدرك إلا التشهد، يقولون: إنه أدرك ما يسمى بجمعة، ولكن الجمهور على أنه إذا فاتته الركعتان فإنه يدخل معهم بنية الظهر إذا كان قد دخل وقت الظهر، فيصلي معهم ويقوم ويأتي بأربع.
стр. 250
اشتراط خطبتي الجمعة وذكر شروطهما
الشرط الثالث: تقديم خطبتين، أي: لابد يوم الجمعة من خطبتين، وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ كان يطيل في خطبته، فمن طولها فإنه يفصل بينهما بجلسة، يخطب فإذا تعب جلس ثم استأنف وخطب، فهو دليل على أنه كان يطيل الخطبة، فيمكن أن الخطبة تستغرق ساعة أو على الأقل نصف ساعة لكل واحدة من الخطبتين.
ولو كان لا يطيل وكانت خطبته عشر دقائق أو عشرين دقيقة لما احتاج إلى الجلسة بين الخطبتين، ولما احتاج إلى هذا الفاصل، وهو الجلوس، وكان في إمكانه أن يواصل خطبته نصف ساعة أو ثلثي ساعة ثم ينزل ويصلي، فلما فصل بينهما دل على أنه كان يطيل، فلا ينكر على من أطال الخطبة بقدر نصف ساعة أو نحوها.
وأما الحديث الذي فيه: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) فإن الطول والقصر نسبي، فيقال مثلاً لمن خطبته أربعون دقيقة: هذه خطبة قصيرة، ويقال لمن خطبته ساعتان مثلاً أو ساعة ونصف: هذه طويلة، فقصر خطبته يعني: أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته بحيث يخطب مثلاً نصف ساعة ولا تكون خطبته أكثر من ساعة هذه هي الخطبة القصيرة.
قوله: (مئنة) يعني: علامة من فقهه.
للخطبتين شروط: قيل إنها تشترط في مجموعهما، وقيل: في كل واحدة من الخطبتين.
الشرط الأول: الوقت، فلا يخطب قبل دخول الوقت، سواء قلنا: إن الوقت يدخل بدخول وقت صلاة العيد، أو بدخول وقت صلاة الظهر، لابد أن تكون الخطبتان بعد الوقت.
الشرط الثاني: حمد الله، لابد أن يبدأ الخطبة بالحمد لله؛ لأن هذا هو المعتاد من النبي ﷺ .
الشرط الثالث: الصلاة على النبي ﷺ ، وذلك لما أُثر من أنه ﷺ ذكر أن الدعاء موقوف حتى يصلى عليه، ولعموم الآية وهي قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، ولما ورد من أنهم قالوا: (كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) إلخ.
وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، منها قوله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة عليّ فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله؟ كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ -يقول: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ، فهذا يؤكد أن يوم الجمعة أحق أن تكثر فيه الصلاة على النبي ﷺ ، ففي الخطبة أولى.
الشرط الرابع: قراءة آية من القرآن، فقد ثبت أنه ﷺ كان يقرأ آيات في خطبته، وربما قرأ سورة، فثبت أنه كان يقرأ سورة (ق) كاملة في خطبته، فأقل شيء آية، ولكن لابد أن تكون الآية طويلة، يعني: لها فائدة ولها عمل، فلا يجزئ آية تتكون من كلمة أو من كلمتين، ويستحب أن تكون الآية في الموضوع الذي يتطرق إليه في أثناء الخطبة، فإذا خطب عن التقوى قرأ آية تتعلق بالأمر بالتقوى، وإذا خطب عن الصلاة قرأ آية تتعلق بذكر الصلاة، وهكذا في كل المواضيع.
الشرط الخامس: حضور العدد المعتبر الذي هو الأربعون على قول الفقهاء، فلابد أن يحضر الأربعون فيها من أول الخطبة إلى آخرها.
الشرط السادس: رفع الصوت بقدر إسماعه، فالخطيب لابد أن يكون صيتاً بحيث يسمع المصلين، وبعد وجود المكبر لا يلزمه رفع الصوت؛ لأن المكبر يرفع الصوت ويدفعه.
الشرط السابع: النية، لابد أن ينوي لهذه الخطبة أنها الخطبة المشترطة، التي هي وظيفة هذه الصلاة.
الشرط الثامن: الوصية بتقوى الله، ولا يتعين لفظها، ولا يتعين أن يقول: اتقوا الله، ولكن يوصيهم بشيء يحرك القلوب، فيوصيهم بالخوف من الله، أو تقوى الله، أو عبادته، أو رجائه، أو التوكل عليه، أو دعائه، ويبسط القول في ذلك حتى يكون للخطبة معنى، يتوسع في ذكر الأدلة التي تتعلق بالموضوع الذي اختاره.
الشرط التاسع: (أن تكون ممن يصح أن يؤم فيها) وفي بعض النسخ: (أن يؤم فيما) ، والصواب: (أن يؤم فيها) أي: أن تكون من الخطيب الذي يصح أن يكون إماماً فيها، أي: في هذه الصلاة، وهو الذكر الحر العاقل البالغ، فلا تصح من غيره.
والإقامة ليست شرطاً على الصحيح، فيجوز أن يصلي بهم المسافر إذا كان أفضل منهم.
قوله: (ممن يصح أن يؤم فيها، لا ممن يتولى الصلاة) ، معناه: أنه يصح أن يتولى الخطبة واحد ويتولى الصلاة غيره، فإن الصلاة عبادة والخطبة عبادة أيضاً فلا يلزم أن يتولاهما واحد، ولكن لابد أن يتولى كلاً منهما من هو أهل ممن تنطبق عليه هذه الصلاة.
стр. 251
سنن خطبة الجمعة
أما سنن الخطبة: فالسنة الأولى: أن يكون على منبر، أو موضع عال حتى يشرف على المأمومين، كان النبي ﷺ يخطب على جذع نخلة معروف في قبلة المسجد، ثم صنع له المنبر وجعل ثلاث درجات، فكان يخطب عليه، فيتأكد أن يكون الإمام أعلى من المأمومين في حالة إلقاء الخطبة.
السنة الثانية: سلام الخطيب، إذا خرج فإنه يبدؤهم بالسلام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يسلم إذا دخل سلاماً عادياً، ويسلم سلاماً عاماً إذا أقبل عليهم.
السنة الثالثة: الجلوس إلى فراغ الأذان؛ يجلس حال الأذان على كرسي أو نحوه، فإذا فرغ الأذان ابتدأ، وكذلك يجلس بين الخطبتين، يفصل بينهما بجلوس ليستريح فيه.
اختلف في خطبة القاعد هل تصح أم لا؟ كثير من العلماء يقولون: القيام سنة، لو خطب وهو جالس لأجزأ ذلك، فيذكرون أن عثمان ﵁ كان يخطب جالساً، وكذا بعض خلفاء بني أمية، ولكن عذر عثمان العجز والكبر، لأنه كان قد تجاوز الثمانين من عمره، فكان يشق عليه إطالة القيام، وإلا فالصحيح القيام في الخطبة لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة:١١] .
ومن السنن أيضاً: أن يعتمد بيده على سيف أو عصا، يعني: أي شيء يعتمد عليه بجنبه، كانت عادة الخطباء أن يرتجلوا الخطبة، فيمسكون بأيديهم عصاً أو قوساً أو سيفاً أو نحو ذلك، فالأفضل أن يمسك عصاً معتادة، وكونه ﷺ أمسك مرة سيفاً لعله لم يتيسر له إلا هو.
ومن السنن أيضاً: أن يقبل بوجهه على من أمامه، يقصد بتلقاء وجهه، لكن إذا احتاج إلى أن يلتفت يميناً ويساراً ليسمع من هاهنا ومن هاهنا، بحيث لا يكون هناك مكبر فلا بأس، وأما تقصيرهما فقد عرفنا أنه تقصير نسبي، والثانية أكثر تقصيراً، يعني: يطيل الأولى ويقصر الثانية، وتقصيره الخطبتين تقصيراً نسبياً.
ومن السنن أيضاً: أن يدعو للمسلمين، كان المجاهدون في تلك السنين يتحرون وقت الخطبة فيبدءون في القتال، ويقولون: هذا الوقت الذي يدعو فيه الخطباء للمجاهدين، فيدعو للمسلمين عموماً، ومن جملتهم المجاهدون.
وهل يباح الدعاء لمعين؟ أباحوا ذلك للسلطان؛ لأن صلاحه صلاح للرعية، ولو ذكر باسمه أو بصفته أو بكنيته أو بلقب يتميز به، أو بلفظه الذي يختص به كأن يقول: اللهم وفق سلطاننا أو إمامنا أو نحو ذلك، وذلك لأن صلاح الأئمة أمر مقصود للأمة، وفيه مصلحة عظيمة.
стр. 252
صفة صلاة الجمعة وآدابها
صلاة الجمعة ركعتان بالاتفاق، قيل: إنها ظهر مقصورة، وقيل: إنها فرض يوم الجمعة، والصحيح أنها ظهر مقصورة، وأن القصر جاءت بدله الخطبتان، ثم بالاتفاق أنه يجهر بالقراءة فيها، والحكمة في ذلك أنه يحضرها عدد كثير، فيحضرها أناس من الجهلة ومن البوادي ومن أطراف البلاد، فيحتاجون إلى من يسمعهم الفاتحة، ويسمعهم قراءة السورة أو نحو ذلك، حتى يستفيدوا من هذا السماع، بخلاف صلاة الظهر فإنه يسر فيها؛ لأنهم يكتفون بقراءة الجهر في الليل.
стр. 253
ما يقرأ في صلاة الجمعة وفي فجرها
يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقون، لأنه ورد ذلك مرفوعاً: (أنه ﷺ قرأ بالجمعة والمنافقون) ، والأكثر على أنه كان يقرأ بسبح والغاشية.
ويسن أيضاً: أن يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة السجدة، وهل أتى على الإنسان، والحكمة في ذلك اشتمالهما على المبدأ والمعاد والوعد والوعيد.
стр. 254
حكم إقامة أكثر من جمعة في البلد الواحد
ذكر أنه يحرم إقامتها في البلد الواحد في أكثر من موضع إلا لحاجة، كسعة البلاد وكثرة السكان وضيق المسجد، بحيث يصلون في الطرق، فلا بأس بالتعدد للحاجة، وأما إذا كانت المساجد واسعة ومتقاربة فلا يجوز التعدد، وحده بعضهم بمسيرة فرسخ ونصف، وقيل: بفرسخ، والفرسخ مقدار ثلاثة أميال، فإذا كان بين المسجدين ثلاثة أميال فلا يصح إقامة مسجد في هذا المكان، أما إذا كانت المسافة أكثر من ثلاثة أميال فإنه يجوز إقامتها للحاجة إذا كان هناك مسافة طويلة، أو كان الجمع كثيراً.
стр. 255
السنن القبلية والبعدية للجمعة
ذكروا أن لصلاة الجمعة سنة قبلها وبعدها، فيسن أن يصلي بعدها، وأقل السنة ركعتان وأكثرها ست؛ وذلك لأن الوقت وقت تستحب فيه العبادة، أما السنة قبلها فهي غير راتبة، ولكنها مستحبة، لا تدخل في الرواتب، دليلها أنه ﷺ قال: (من تطهر يوم الجمعة ثم أتى المسجد وصلى ما كتب له، ثم أنصت للخطبة كان كفارة لما بينه وبين الجمعة الأخرى) .
стр. 256
ما يسن في يوم الجمعة وليلتها
يسن قراءة سورة الكهف في يومها أو ليلتها، ورد فيها حديث وأن قراءتها تعصم من فتنة الدجال، أو (أنه يضيء له نور بينه وبين السماء) ، وإن كان الحديث فيه مقال، لكن وروده من طرق كثيرة يبين أن له أصلاً، مع فضل السورة وعظمها.
ويسن في يوم الجمعة كثرة الدعاء، فإن فيها ساعة الإجابة، وقد اختلف فيها على أقوال: ذكر ابن حجر في فتح الباري نحو أربعين قولاً في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة.
ويسن أيضاً كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، وقد ذكرنا الحديث: (فأكثروا فيه من الصلاة علي، فإن صلاتكم معروضة علي) .
اختلف في حكم الغسل يوم الجمعة، وقد تقدم في باب الغسل أنه سنة مؤكدة، وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أنه واجب، وفصل بعضهم فقال: إنما يجب على من كانت رائحة بدنه كريهة، كذلك التنظف والتطيب ولبس أحسن الثياب من البياض، الحكمة في ذلك لئلا يتأذى به المصلون، فيأتي بثياب نظيفة وينظف بدنه ويتطيب؛ حتى لا يؤذي المصلين ولا يؤذي الملائكة.
ومن السنة التبكير إليها ماشياً، حتى تكتب له خطواته؛ لحديث: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) إلخ، والساعة الأولى هي أول ساعة من النهار بعد خروج وقت النهي، والساعة الثالثة هي التي يصلى فيها، أو تقام فيها الصلاة، وذلك بالنسبة إلى التوقيت الغروبي.
ويسن أن يدنو من الإمام؛ لأنه إذا تقدم أو بكر وجد فرجة أو وجد مكاناً قريباً من الإمام، وإذا تأخر فاته القرب.
стр. 257
حكم تخطي الرقاب للإمام والمأموم
ويحرم تخطي الرقاب إلا لعذر، فإذا كانت الصفوف متراصة فالذي يتخطاهم يؤذيهم، روي: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يتخطى فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت) يعني: آذيت المصلين وتأخرت، وفي بعض الروايات: (أنه من يتخطى الرقاب فقد اتخذ جسراً إلى النار) أو كما ورد عنه ﵊.
ويجوز للإمام إذا لم يكن هناك مدخل أن يتخطى الرقاب لحاجة، كما يجوز للمصلي إذا رأى فرجة في الصفوف المتقدمة أن يتخطى الرقاب إليها، وذلك لأنهم فرطوا حيث تركوا هذه الفرجة، ولأنه لا يصل إليها إلا بالتخطي.
стр. 258
حكم إيثار الشخص لغيره بالمكان الأفضل
يكره الإيثار بالمكان الأفضل، فإذا كنت في الصف الأول فهل تؤثر صديقك مثلاً أو أخاك أو نحو ذلك؟ يكره الإيثار؛ لأنك أحق به، ولأن القربات لا يؤثر بها أحد، أما القبول فيجوز، أي: إذا آثرك أخوك أو ولدك جاز أن تقبل الجلوس في مكانه.
стр. 259
حكم إقامة المصلي من مكانه والكلام حال الخطبة
يحرم إقامة المصلي من مكانه الذي قد سبق، إلا أن يكون صبياً صغيراً كان في الصف الأول وكان دون العشر فلا بأس أن يقام؛ ليتحقق أن يلي الإمام أولو الأحلام والنهى، فلا يقام غيره من مكانه ويجلس فيه، وفي ذلك أحاديث.
ويحرم الكلام حال الخطبة إلا للخطيب فيجوز له أن يتكلم، فقد ثبت أنه لما دخل رجل والنبي ﷺ يخطب قال: (قم يا فلان فاركع ركعتين) وكذلك من يكلمه لحاجة؛ لقصة ذلك الذي دخل على النبي ﷺ وهو يخطب، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا) إلخ.
من دخل والإمام يخطب صلى التحية فقط وخففها، لقوله ﷺ : (صل ركعتين وتجوز فيهما) .
стр. 260
حكم صلاة العيدين وصفتهما وما يشترط فيهما
صلاة العيدين اختلف فيهما: فقيل إنهما سنة، وقيل: فرض كفاية، وقيل: فرض عين، وذهب بعض المحققين إلى أنها فرض عين تجب على كل مكلف، واستدل بأنه ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا العواتق وذوات الخدور، وأن يخرجوا الحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، ولكن هذا دليل على آكديتها لا على أنها فرض عين، فعلى الأقل أنها فرض كفاية يجب على أهل البلد أن يقيموها، فإذا تركوها أثموا.
стр. 261
وقت صلاة العيدين
وقتها كصلاة الضحى، يعني: من خروج وقت النهي إلى الزوال، آخره الزوال وأوله ارتفاع الشمس قيد رمح، وإذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال قضوها من الغد، أما إذا علموا قبل الزوال فإنهم يصلونها، إذا علموا قبل الزوال فإنهم يؤدونها، وإذا جاءهم الخبر بعد الزوال صلوها من الغد قضاءً.
стр. 262
شروط صلاة العيدين
يشترط فيها شروط الجمعة التي تقدمت، وهي: أن يكونوا في بلد، وأن يكونوا أحراراً، وأن يكونوا مقيمين، وكذلك أيضاً يشترط لها الخطبة، وأن تشتمل الخطبة على تلك الشروط التي تقدمت، ويشترط لصحتها الاستيطان وعدد الجمعة، فالاستيطان أن يكونوا مستوطنين، فلا تلزم البوادي، وعدد الجمعة أن يكونوا أربعين على القول الذي اختاره الفقهاء.
من فاتته أو فاته بعضها سن له أن يقضيها وعلى صفتها أفضل، فإذا فاتته ركعة قضاها كما هي بتكبيراتها ونحو ذلك، فإذا فاتت جماعة قضوها وجهروا فيها.
стр. 263
ما يسن في العيدين
تسن في الصحراء، أي: أن يخرجوا خارج البلد، كان ﷺ يخرج في الصحراء، يعني: في البقيع.
يسن تأخير صلاة الفطر، أي: يؤخرها إلى ما بعد طلوع الشمس بربع ساعة أو نحوه ليبدءوا في الصلاة.
وأن يأكل قبلها تمرات وتراً ثلاثاً أو خمساً حتى يكون قد تحقق الإفطار، أما صلاة عيد الأضحى فيبكر بها بعد طلوع الشمس مثلاً بخمس أو عشر دقائق وأن لا يأكل قبلها حتى يأكل من أضحيته إذا كان عنده أضحية.
стр. 264
صفة صلاة العيدين وخطبتيهما
صلاة العيد ركعتان كما أن صلاة الجمعة ركعتان، لكن تزيد على الجمعة بالتكبيرات الزوائد، ففي الركعة الأولى ست تكبيرات زوائد بعد تكبيرة الإحرام، تقول: الله أكبر الله أكبر حتى تتم الست، وفي الثانية قبل القراءة خمس، يرفع يديه مع كل تكبيرة، وهذا دليل على أن رفع اليدين يطرد في كل تكبير ليس فيه انتقال، كتكبيرات الجنائز.
وبين كل تكبيرتين يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً، أو غيره، لو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أجزأ ذلك.
ثم بعد هذه التكبيرات يقرأ الفاتحة، ويقرأ بعدها سبح في الأولى والغاشية في الثانية، وكان ﷺ يكثر من قراءة هاتين السورتين في الأماكن التي تجمع خلقاً؛ وذلك لأن في سبح التذكير في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:٩-١١] وفي سورة الغاشية التذكير أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] فكأنه يقول: إنما بعثت لأذكركم فتذكروا.
يقول: (كخطبتي الجمعة) ، أي: يخطب خطبتين، واختلف هل تستفتح بالتكبير؟ أكثر الفقهاء على أنه يفتتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع، والتكبيرات تكون سرداً: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وأنكر ذلك كثير من العلماء، وقالوا: إن الحديث الذي ورد في ذلك غير مقبول، وجعلوا عمل بعض الصحابة أو عمل بعض الخلفاء في كونهم يبتدئونها بالتكبير غير مسوغ، وقالوا: المعتاد أن النبي ﷺ كان يفتتح خطبه كلها بالحمد، فعلى هذا يستحب أن يبدأها بالحمد، ويكون التكبير بعد الحمد وبعد المقدمة، واستحباب التكبير ليتحقق الأمر به، قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] ولذلك يسن التكبير في تلك الأماكن، ويستوي في ذلك المأمومون والمنفردون وغيرهم، فيستفتحها بالحمد ثم يكبر بعد الحمد تسع تكبيرات في الأولى وسبعاً في الثانية.
تشمل خطبة عيد الفطر على زكاة الفطر وبيان ما يخرجون، وعلى فضل ذلك اليوم، وعلى الوصايا والأعمال الصالحة التي يوصيهم بها، وفي خطبة الأضحى على ذكر الأضحية وبيان حكمها وما أشبه ذلك.
стр. 265
مشروعية التكبير في العيدين وصفته
يسن في ليلة عيد الفطر التكبير المطلق، ويتأكد في ليلة العيد وفي يوم العيد وفي المصلى، ويستمر إلى أن يبدأ الإمام في الصلاة، ثم يستمر الإمام في التكبير ويكبر في أثناء خطبته، وكذلك في ليلة عيد النحر، ويستحب أيضاً في العشر الأول من ذي الحجة، من حين يدخل الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] فيتأكد إذا رأى بهيمة الأنعام؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] ، فيكون هذا تكبيراً مطلقاً يجهرون به في أسواقهم وفي مساجدهم، وفي بيوتهم، ويجهر به المصلي الذي ينتظر الصلاة مثلاً ويجهر به الماشي والراكب ونحو ذلك؛ إظهاراً لهذا الشعار وهو قوله تعال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] ويستمر إلى فراغ الخطبة، وهذا يسمى: التكبير المطلق.
أما المقيد فيسن عقب كل فريضة تصلى في جماعة وأوله فجر يوم عرفة لأهل القرى، وللمحرم من ظهر يوم النحر، ويستمر إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة تصلى في جماعة، وصفته: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد مرتين أو ثلاثاً.
стр. 266
حكم صلاة الكسوف وصفتها
تقدم في التطوع أن آكد صلاة التطوع صلاة الخسوف، ثم بعدها الاستسقاء، واستدلوا بأنها تشرع لها الجماعة؛ ولأن الكسوف ينادى لها، والكسوف هو كسوف أحد النيرين: الشمس والقمر، الذي هو ظهور الانمحاء عليه في نهار أو في ليل، وثبت أنه وقع كسوف الشمس في عهد النبي ﷺ حتى أظلمت كثيراً، ولما رأى ذلك فزع إلى الصلاة، وأمر بأن ينادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصلى بهم صلاة طويلة وغاير فيها عن بقية الصلاة وبقية التطوعات، حيث كرر فيها الركوع والقيام، فالمشهور أنه صلى في كل ركعة ركوعين، يعني: قام قياماً طويلاً، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً قرأ فيه أيضاً الفاتحة وسورة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رفعاً معتاداً، ثم سجد سجدتين، ثم قام للركعة الثانية وفعل فيها كما فعل في الأولى.
وقد روي أيضاً في صحيح مسلم: (أنه ركع في كل ركعة ثلاثة ركوعات) ، وفي حديث آخر: (أنه ركع في كل ركعة أربعة ركوعات) ، يعني: أنه قرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ ثم ركع، أربعة ركوعات في الركعة الواحدة، وروي أيضاً في سنن أبي داود وغيره: (أنه ركع خمس ركوعات) ، وقد أنكر كثير من المحققين هذه الزيادات، وقالوا: إنه لم يقع الكسوف إلا مرة يوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ .
يقول شيخ الإسلام: معلوم أنه لم يمت مرتين، وأنه لم يكن هناك إبراهيمان.
ولكن إذا نظرنا إلى الأحاديث التي فيها تكرار الركوع ثلاثاً أو أربعاً أو خمسا ًوجدناها بأسانيد صحيحة تقبل في الأحكام الأخرى، فكيف نردها؟ لا نردها بهذا الاحتمال، فيترجح أن صلاة الكسوف تكررت، إما كسوف شمس تكرر وإما كسوف قمر، لأن من العادة أنه يقع كسوف الشمس في كل سنة أو في كل سنتين، فلا بد أن يتكرر في العهد النبوي، وكذلك كسوف القمر قد يتكرر في السنة مرتين أو أكثر، فلابد أنه وقع في القصة أنه ﷺ لما صلى بهم انتهى وقد تجلت الشمس، وذلك دليل على أنه أطال فيها.
في بعض الروايات قرأ في الركوع الأول قدر سورة البقرة، وأن ركوعه قريب من قيامه، ثم الركوع الثاني يمكن أنه قدر سورة آل عمران، والركوع أقل من الركوع الثاني، فلابد أنها استغرقت صلاته نحو ثلاث ساعات أو أكثر، مما يدل على أنه أطال فيها؛ لأنه انصرف وقد تجلت الشمس، ثم اختلف هل خطبهم كخطبة الجمعة أم علمهم تعليماً، فالمشهور أنه علمهم مجرد تعليم، فأخبرهم بأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وأنها آية يخوف الله بها عباده ولو كانت معلومة السبب.
وكذلك أيضاً حثهم على الفزع إلى الصلاة: (إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) ، وكذلك ذكرهم بما رأى في صلاته تلك، فذكر أنه تمثلت له الجنة بينه وبين الحائط فتقدم إليها، يقول: (تناولت منها قطفاً لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، يقول: وعرضت علي النار وتقهقر لما رآها، ورأى فيها عمرو بن لحي يجر قصبه) ؛ لأنه أول من غير دين إبراهيم (ورأى فيها سارق الحاج صاحب المحجن الذي يعلق المتاع في محجنه ويجره، فإذا فطنوا له قال: إنما تعلق بالمحجن، وإذا لم يفطنوا له أخذه، ورأى فيها المرأة التي تعذب في هرة حبستها) ، يعني: ذكرهم بنحو هذا، وكأنه يحثهم على أداء الأمانات وعلى عدم الظلم والعدوان، وأن ذلك من أسباب تغير الأحوال.
يسن تطويل قراءة السورة وتطويل التسبيح، وكون الأول أطول من الثاني، فيكون كل ركوع أطول من الذي بعده، وكل قيام أطول من الذي بعده.
стр. 267
مشروعية صلاة الاستسقاء وصفتها وحكمها
تشرع صلاة الاستسقاء إذا أجدبت الأرض وقحط المطر؛ وذلك لأن الله تعالى يبتلي عباده بهذا القحط فيؤخره حتى يعرفوا أنهم بحاجة إلى فضله وعطائه، فيضرعوا إليه.
فتأخر المطر قد يكون بسبب المعاصي: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] ، وقد يكون ابتلاء وامتحاناً، وقد يكون سببه حثهم على الدعاء والرغبة.
أما صفة صلاة الاستسقاء وأحكامها فكصلاة العيد، يعني: أنه يبدؤها بالتكبيرات في الركعة الأولى ست مرات بعد تكبيرة الإحرام، خمس مرات، وأنه يجهر فيها بالقراءة ونحو ذلك، وصلاة الاستسقاء الأفضل أن تصلى جماعة وتجوز فرادى عند المناسبة والحاجة.
стр. 268
ما يفعله الإمام في الاستسقاء
إذا أراد الإمام أن يخرج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة وترك المظالم والتخلي منها، وترك التشاحن، والصيام والصدقة، يعني: يكون هذا التذكير لهم في المساجد أو في الخطب قبل خروجهم، ويعدهم يوماً يخرجون فيه، ويسن أن يكون عاماً للمنطقة أو نحوها، بأن يستسقوا كلهم في يوم واحد، فيبين لهم أن التوبة سبب لإجابة الدعوة، وأن المظالم سبب للعقوبات، وأن التشاحن والتقاطع فيما بينهم سبب لمحق البركات، ويبين لهم أن الصدقة والصيام من أفضل العبادات التي يجيب الله دعوة صاحبها، ويذكرهم ويحثهم على الأعمال الصالحة.
يخرج كل واحد منهم وبالأخص الإمام متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً، يعني: أنه يتصف بصفة المسكنة، يخرج وهو منكسر القلب، في الحديث: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) هذا الانكسار وهذا التواضع وهذا التذلل وهذا التعبد من أسباب إجابة الدعاء، وهكذا يخرج كل واحد من المصلين، ويكون متطهراً نظيف البدن، إلا أنه لا يتطيب؛ لأن استعمال الطيب يحمل صاحبه على الفخر وعلى الخيلاء ونحو ذلك، فلا يناسب صفة المنكسرة قلوبهم.
على الإمام أن يخرج بأهل الدين والصلاح والشيوخ؛ لأنهم أقرب إلى إجابة الدعوة، ولا يخرج الفسقة والعصاة والعتاة وأهل الذنوب وأهل قلة العبادات، بل يختار الذين يخرجون من أهل الدين وأهل التدين وأهل الالتزام، وأهل الصلاح والإصلاح شيوخاً أو شباباً، ويخرج بمميزي الصبيان؛ وذلك لأنهم من أسباب إجابة الدعاء، يذكر في الحديث: (لولا شيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صباً) يعني: أن الله تعالى يرفع العذاب بهؤلاء الضعفاء كبار السن، وصغار السن الذين هم أطفال، وأهل الصلاح الذين يديمون العبادة.
وأن يصلي بهم ركعتين كصلاة العيد ثم يخطب، ذكر بعض العلماء أنه يخطب قبل الصلاة، ولكن المشهور أنه يخطب بعدها لكن خطبة واحدة، اختلف هل يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد؟ الأكثرون على أنه يبدؤها بالتكبير، وذهب بعض المحققين إلى أنه يبدؤها بالحمد.
وأن يكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار، مثل قوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠-١١] ومثل قوله: ﴿وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣] ونحو ذلك.
يرفع يديه عند الدعاء يجعل ظهورهما نحو السماء؛ لأن من شدة الرفع تكون ظهورهما إلى السماء، يعني: يبالغ في الرفع، وما كان يبالغ في الرفع إلا في صلاة الاستسقاء، ويدعو بدعاء النبي ﷺ ، والدعاء قوله: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً) إلى آخره فيقول: (مجلجلاً سحاً طبقاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والشدة والجهد ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ادفع عنا الجوع والجهد والبلاء، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم إنك أمرتنا بالدعاء ووعدتنا إجابتك، فقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدنا) هذه الأدعية ذكرها الشارح وذكرها أيضاً غيره ممن شرحوا هذه الأذكار.
إذا كثر المطر وخيف الهدم والضرر يدعو بقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) الظراب: هي الروابي والمرتفعات الصغيرة، والآكام: هي ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً، إذا ارتفع عما حوله كالتلال وغيرها، وبطون الأودية: هي مجاري السيول، ومنابت الشجر: أصولها.
يسن أن يكمل الآية، ويسن لمن أغيث بمطر أن يقول: (مطرنا بفضل الله ورحمته) ويحرم أن يقول: (مطرنا بنوء كذا وكذا) كما كان أهل الجاهلية يقولونه.
من رأى سحاباً أو هبت ريح شديدة فإنه يقول: (اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به) إذا سمع الرعد يقول: (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) ، إذا رأى كوكباً انقض يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ، إذا سمع نهيق الحمار أو نباح الكلب يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ، إذا سمع صياح الديك يقول: (أسأل الله من فضله) .
تكلموا على ما يسمى بقوس قزح، وهو إشارة ممتدة في الأفق لونه أخضر، وقالوا: إنه حماية لأهل الأرض من الغرق، والصحيح أنه من آيات الله تعالى، أما الذين يقولون: إنه دليل الفتنة أو الدماء فإن ذلك ليس له أصل.
الآن انتهينا من كتاب الصلاة وبقي علينا كتاب الجنائز والزكاة والصوم والحج والجهاد لعلنا نكملها، والله أعلم.
стр. 269
الأسئلة
стр. 270
حكم الأذكار والأدعية الجماعية بعد الصلوات
السؤال
في بلدنا يقوم بعض العامة ببعض الأذكار الجماعية التي يفعلونها بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح، فما حكم هذا العمل؟
الجواب
الأدعية الجماعية يظهر أنها بدعة إذا كان فيها رفع صوت، أما إذا كان هناك أناس لا يحسنون الدعاء، وأمروا واحداً أن يدعو وهم يؤمنون فلا بأس بذلك كالدعاء للقنوت، ولكن لا يتقيد بدعاء معين، ولا يتقيد بوقت معين كبين التراويح.
стр. 271
حكم الصلاة خلف الفاسق والمبتدع
السؤال
ذكرت أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، مع أن شيخ الإسلام نقل الاتفاق على صحة الصلاة خلف المبتدع وهو أشد من الفاسق، فما ردكم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هكذا ذكر المؤلف صاحب المتن كما ترون، وكأن المراد إذا كان هناك من هو خير منه، وكأن كلام شيخ الإسلام أن المراد إذا ابتلي أهل بلد وغلب عليهم أهل البدعة، ففي هذه الحالة ليس لهم إلا أن يصلوا خلف هذا المبتدع سيما الجمع والأعياد ونحو ذلك، فليس لهم مفر؛ لأنه متغلب عليهم، فالحاصل أنه إذا وجد رجل صالح لم يعين الفاسق الذي يعلن بفسقه، أما إذا لم يوجد إلا الفاسق والبقية لا يحسنون قراءة الفاتحة ولا يعرفون الأحكام فهم معذورون بهذا.
стр. 272
حكم الاستمناء باليد
السؤال
وقد تكرر كثيراً، وأذكره لكثرة ما تكرر، يقول: ما حكم الاستمناء المعروف الآن بالعادة السرية وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأصل أنه لا يجوز، أجازه بعض الأئمة كالإمام أحمد للضرورة، إذا خشي التشقق والمشقة، أو خاف الوقوع في الزنا فبعض الشر أهون من بعض، والصحيح أيضاً أنه إذا حصل في رمضان فإنه يبطل صوم ذلك اليوم، فلابد من قضائه إذا استمنى وهو صائم، وأنه يوجب الغسل؛ لأنه إخراج مني بدفق ولذة.
стр. 273
حكم تصوير العروسين ليلة الزواج للذكرى
السؤال
هذه سائلة تقول: ابتلي الناس في هذا الزمان بتصوير العروسين ليلة الزواج لتذكر ذلك في المستقبل، محتجين بجواز التصوير بكاميرا الفيديو، أولاً: هل يجوز التصوير بهذه الكاميرا، ثانياً: وعلى فرض جوازها هل يجوز التصوير بالفيديو مع كثرة ما سببته من المشاكل التي توقع الطلاق غالباً لانتشار ذلك الشريط وفشوه بين الناس، ثالثاً: وهل أعتبر آثمة لعصيان زوجي الذي يرغب في هذه المسألة مع نصيحته وتوجيه نصحي له، وجزاكم الله خيراً، مع أنها تقول: إنها على باب الزواج؟
الجواب
نقول: إن هذا لا يجوز والحال هذه، يعني: كون الرجل يدخل ويجلس على منصة بين النساء إلى جانب زوجته ثم يخرجون هذه الكاميرا ويصورونه ويقولون: إن هذا للذكرى ونحو ذلك، هذا لا يجوز لهذه الحال، حتى ولو رخص في جنس التصوير بالفيديو ونحوها، فإنه على هذه الحال منكر فننهى عنه، ولا حاجة إلى مثل هذا، ولا ضرورة إلى ذلك، كون الإنسان يقول مثلاً: إن هذا للذكرى، تذكر حالته، ماذا تفيده هذه الذكرى ونحو ذلك؟ فيتوب إلى الله تعالى، ولا يجوز له إلزام زوجته بهذا، ولا يجوز أيضاً لولي الأمر إقرار مثل هذا، ويقتصرون على ما كانوا عليه من إدخال الزوجة إليه، وانضمام كل منهما إلى الآخر بخلوة لا بأس بذلك.
стр. 274
حكم خلو الخطيب بالمخطوبة قبل الزواج
السؤال
ما حكم دخول الخطيب قبل الزواج؟
الجواب
قبل العقد لا يجوز له الخلوة بالمرأة، وأما بعد العقد فيجوز له أن يخلو بها؛ لأنه قد حلت له بمجرد العقد.
стр. 275
حكم إمامة غير المميز للبالغين في الصلاة
السؤال
ذكرتم أحسن الله إليكم بالأمس: أن غير المميز لا تصح إمامته للبالغين، فما قولكم وفقكم الله لكل خير في حديث عمرو بن سلمة، وأنه كان يؤم قومه وهو صغير؟
الجواب
هذا الحديث مروي في الصحيح، وهم كانوا في برية ولما جاءهم وفد وسمعوا منه أنه يؤمهم أقرؤهم؛ ولم يجدوا أحداً أقرأ من عمرو بن سلمة الجرمي، فقدموه، يقول: قدموه وهو ابن ست أو سبع سنين، يعني: كان صغيراً، ويظهر أن هذا اجتهاد منهم، لم يكن ذلك عن أمر من النبي ﷺ ، ولم يذكر أنه بلغه ذلك وأقره، فهو اجتهاد منهم، ولم ينقل ذلك إلا في هذه القصة، فالصحيح أن الذي لم يبلغ لا تصح إمامته.
стр. 276
حكم شرب الزعفران مع القهوة وغيرها للمحدة
السؤال
التي في الحداد على زوجها الميت هل تشرب ما به زعفران كالقهوة والنعناع وغيرهما؟
الجواب
تنصح بأن لا تقرب شيئاً فيه طيب، الزعفران لا شك أن فيه شيئاً من الطيب، ولو كان يشرب، وقد رخص فيه بعض العلماء، ولكن على الأقل أنه مكروه، إذا كان يكره لها أن تمسح به وجهها وخديها وأن تدهن به ذراعيها، فكذلك شربه في القهوة ونحوها، أما المشروبات الأخرى لعلها جائزة كالشاهي والنعناع وما أشبهه.
стр. 277
حكم الجمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر
السؤال
ما رأي فضيلتكم في مسألة الجمع بين صلاة الجمعة والعصر؟
الجواب
صرح مشايخنا بأن ذلك لا يجوز، وأنكر الشيخ ابن باز في سنة ست عشرة وخمس عشرة على الذين جمعوا بين الجمعة والعصر في الرياض، وأمرهم بالإعادة، كذلك غيره من المشايخ، فهذا هو الأصل، لكن المسافر إذا سافر يوم الجمعة، ثم في الطريق مر على بلدة وصلى معهم الجمعة فينويها ظهراً مقصورة، ويجمع معها العصر ويواصل سيره، نرى أن هذا لا بأس به للذي هو في الطريق، ونختار أن الجمع يختص بالمسافر، وأن المقيم لا يجمع.
стр. 278
حكم صلاة المرأة للجمعة في بيتها ركعتين بدل الظهر
السؤال
بعض النساء يصلين ركعتين في البيت على أنها صلاة جمعة بدل صلاة الظهر، فهل هذا الفعل صحيح؟
الجواب
غير صحيح، المرأة تصلي صلاة الظهر أربعاً، إن صلت مع الجماعة في المسجد صلت معهم ركعتين، وأما إذا صلت في بيتها فتصلي أربع ركعات.
стр. 279
اعتذار الشيخ عن الذهاب إلى شرورة
السؤال
هذا أحد الإخوة من شرورة يقول: ندعو الشيخ لزيارتنا، وإقامة لقاء مفتوح هناك، ويسأل من الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم؟
الجواب
نعتذر في هذه السنة، ويمكن عندنا زيارة في أول شهر أربعة للمنطقة الجنوبية نقيم هناك نحو نصف شهر في أبها وفي الخميس، هناك يمكنهم أن يأتوا ويستفيدوا من هناك.
стр. 280
حكم إمامة من يقصر لحيته كثيراً
السؤال
هناك إمام مسجد يقصر لحيته كثيراً، فهل تجوز إمامته؟
الجواب
ذنب كبير مع الإصرار عليه، فإذا كان كذلك فإن عليهم أن ينصحوه ويكرروا النصيحة له، أو يرفعوا بأمره لمن له ولاية، لعله أن يتوب، أو لعله أن يبدل بغيره، أما الصلاة خلفه فلا نقول بإعادتها، الصلاة خلف من أقام الصلاة كاملة صحيحة.
стр. 281
حكم الصلاة على النبي ﷺ دون ذكر الآل
السؤال
هل ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تصلوا علي الصلاة البتراء، قالوا: يا رسول الله! وما البتراء؟ قال: أن تقولوا: اللهم صل على محمد، ولكن قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد) ؟
الجواب
قد سمعت بهذا ولكنه ضعيف، لم يثبت ثبوتاً يجزم به، الله تعالى أمر بالصلاة والسلام عليه ولم يذكر آله حيث قال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، دائماً العلماء يقولون: ﷺ ولا يذكرون آله، ذكر الآل في التشهد: (اللهم صل على محمد وآل محمد) ، مع أن الآل فيهم خلاف هل هم الأتباع، أو أنهم أهل البيت، ولكل قول ما يرجحه.
стр. 282
حكم الصلاة في المسجد الأبعد خلف إمام سنة
السؤال
إذا كان المسجد قريباً من مسجد آخر بفرسخ أو أقل منه، ولكن المسجد القريب فيه إمام غير معروف بالسنة وبالمنهج الصحيح، والمسجد الأبعد معروف بالعلم والسنة، فأين نصلي جزاكم الله خيراً؟
الجواب
تصلي مع الإمام المعروف بالسنة، وتحتسب أجر الخطوات، والأبعد أفضل من الأقرب.
стр. 283
حكم صيام اليوم الذي لم يعلموا بأنه عيد إلا في الظهر
السؤال
إذا لم يعلموا عن العيد إلا بعد الظهر فإنهم يؤدون العيد من الغد قضاء، فهل يجوز صيام ذلك اليوم الذي صلوا فيه العيد؟
الجواب
لا يجوز، وذلك لأنهم جعلوه يوم عيد، فلا يجوز صيام اليومين: اليوم الذي جاءهم الخبر فيه إذا كانوا صياماً فإنهم يفطرون، واليوم الذي أدوا فيه الصلاة.
стр. 284
حكم إمامة الفاسق الأقرأ والأحفظ لكتاب الله
السؤال
هل يقدم الإمام الفاسق إذا كان أقرأ وأحفظ لكتاب الله، أفتونا مأجورين؟
الجواب
يقدم إذا لم يوجد غيره، أما إذا وجد من هو محسن للقراءة وقائم بالصلاة وسالم من الفسوق فإنه الأحق.
стр. 285
حكم من يتعمد عدم حضور خطبتي الجمعة ويحضر للصلاة
السؤال
من تعمد عدم حضور صلاة الجمعة إلى بعد الخطبتين وبداية الصلاة، فما حكم عمله هذا؟
الجواب
لا شك أنه مخطئ وأنه فوت على نفسه أجراً كبيراً وعملاً كثيراً، ولكن مع ذلك ما نقول: إنها بطلت صلاته، بل إنه أدرك الصلاة ولو ما أدرك إلا ركعة واحدة، فإنه يعتد بها كجمعة ولكنها ناقصة.
следующие страницы →