Полный текст (2 153 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
القراءة والدعاء في صلاة الجنازة
بعد التكبيرة الأولى يقرأ الفاتحة بلا استفتاح، وإنما يستعيذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة، واختلفوا هل يزيد عليها؟ روي في بعض الأحاديث أنه قرأ الفاتحة وسورة، وأنكر بعضهم ذكر السورة، فقد رواه البيهقي وقال: ذكر السورة ليس بمحفوظ، وناقشه بعض المتأخرين، وذكروا أنه محفوظ، وأنه مروي من طرق ثابتة، وبكل حال لم تذكر السورة في الروايات الصحيحة، فإن زادها فلا بأس.
وبعد التكبيرة الثانية الصلاة على النبي ﷺ مثل الصلاة في التشهد: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم، وإن شاء قال: على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبعد التكبيرة الثالثة الدعاء للميت، ويسن أن يدعو بما ورد، وذكر المؤلف هذا الدعاء؛ لأنه مأثور ووارد، فيدعو بالدعاء العام والدعاء الخاص، أما الدعاء العام فقوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا) إلخ، والدعاء الخاص مثل قوله: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه) إلخ كما في حديث مالك بن عوف، والأدعية المأثورة الصحيحة مشتهرة، ويجوز الدعاء بغير ما ورد، فقد روى أبو داود قول النبي ﷺ : (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) يعني: ادعوا له بدعاء كثير خالص؛ ليكون ذلك أقرب إلى الإجابة فإنه قد انقطع عمله فيحب أن يزوده إخوته بهذه الأدعية الواردة وما يلحق بها.
وروي أيضاً الحديث الذي فيه: (اللهم أنت ربه، وأنت خلقته، وأنت قبضت روحه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئنا شفعاء إليك فاغفر له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، اللهم إنه عبدك وابن عبدك، نزل بجوارك وأنت خير منزول به، ولا نعلم إلا خيراً، اللهم إنك غني عن عبادته، وهو فقير إلى رحمتك ومغفرتك) أو ما أشبه ذلك، وليس هناك تحديد لعموم هذا الحديث: (أخلصوا له الدعاء) ، فيكثر من الدعاء بما تيسر.
والدعاء للصغير وغير المكلف قد وردت فيه أحاديث منها: (اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً، وأجراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم) الفرط في قوله: (وفرطاً) هو الذي يتقدم الوراد، فالقوم إذا وردوا على الماء أرسلوا واحداً يهيء لهم المورد، ويسمونه: فرطاً، وفي الحديث أنه ﷺ قال: (أنا فرطكم على الحوض) وسمي الطفل فرطاً؛ لأنه يتقدم أبويه ليهيئ لهما المدخل، يعني: دخول الجنة؛ ولذلك سمي فرطاً، والذخر: هو الشيء الذي يدخر للآخرة ونحوها، والشفيع: الذي يشفع في أبويه.
وقوله: (ثقفل به موازينهما) ورد في حديث أن رجلاً خف ميزانه، فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه.
والدعاء بكونه في كفالة إبراهيم لحديث سمرة الذي في صحيح البخاري في الرؤيا أنه قال: (ورأيت إبراهيم ﵇ وإذا عنده خلق كثير من أولاد المسلمين بكفالته) يعني: أطفال المسلمين.
ثم يكبر الرابعة، وهل يدعو بعدها أم لا؟ ذكر بعضهم أنه يدعو بعدها، وورد في بعض الأحاديث أنه وقف وأطال حتى ظنوا أنه يكبر خامسة، ولا شك أن وقوفه لابد أن يكون فيه دعاء، وقد ذكر النووي في رياض الصالحين أنه يستحب أن يقول بعد الرابعة: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله) .
ثم بعد ذلك يسلم، والصحيح أنها تكفي تسليمة واحدة، وإن سلم اثنتين فلا حرج، والمعتاد أن التسليمة الواحدة يحصل بها الخروج.
والتكبيرات في صلاة الجنازة مثل تكبيرات صلاة العيد، فيرفع يديه مع كل تكبيرة، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة لصلاة الجنائز، ولا شك أن ذلك دليل على أنه من السنة.
стр. 317
حمل الجنازة والإسراع بها
بعد ما يصلى على الجنازة يشرع حملها إلى القبر، وكانوا يحملونها على الأكتاف، ويجوز حملها على الدابة، وفي هذه الأزمنة يجوز أن تحمل على السيارة، وقد كانوا يستحبون أن يحملها أربعة، وكل واحد يحمل من الجهات الأربع حتى يكون قد حملها، فيحمل مع الجانب الأيمن المتقدم ويجعله على كتفه الأيسر، ثم يتأخر ويحمل الجانب الأيمن المؤخر فيجعله على كتفه الأيسر، ثم ينتقل فيحمل الجانب المقدم الأيسر ويحمله على كتفه الأيمن، ثم المؤخر الأيسر يحمله على كتفه الأيمن، ويكون كأنه حملها كلها، هذا معنى قوله: يسن التربيع في حملها.
وأما الإسراع فاستدلوا عليه بقوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) وقد أخذ بعضهم بظاهر الحديث وقال: الإسراع هو شدة السير في حملها، فيسرعون في حملها جداً، ويسيرون سيراً سريعاً، حتى قالوا: إنه مر بجنازة وكأنها تنفض نفضاً، ولكن إذا كان فيه مشقة أو كان المكان بعيداً فإنهم لا يكلفون على أنفسهم، وإنما يسيرون سيراً هادئاً، ومعلوم أنهم بالسيارات لا يتمكنون من الإسراع إلا بالسير المعتاد؛ لشدة الزحام ولكثرة السيارات، فيسيرون السير الذي يمكنهم بحسب اتساع الطريق أو ضيقه.
القول الثاني: أن المراد به الإسراع في التجهيز، يعني: لا تحبسوها، كما ذكرنا في قوله ﷺ : (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) فيكون المراد أسرعوا بتجهيزها، ويكون قوله: (تضعونه عن رقابكم) أي: تتخلصون منه؛ لأنكم ملزمون به، وليس الكل يحملونها على رقابهم، بل يحملها عادة أربعة أو نحوهم.
ويسن كون الماشي أمامها والراكب خلفها، ويجوز الركوب لحاجة كما لو كان المكان بعيداً، وكانوا يحملونها على الرقاب، والأصل إباحة المشي خلفها وأمامها، والأكثر والمعتاد أنهم يمشون خلفها، وبذلك يفسر التبع في قوله: (ومن تبعها حتى تدفن) ، وهذا يدل على أنهم يتبعونها، وأنهم يكونون خلفها، أما في هذه الأزمنة ولوجود السيارات؛ فلا يتمكن من تحقيق التأخر، ولكن على حسب ما تيسر.
وكذلك القرب منها، يعني: كونه قريباً منها، وهذا يتيسر إذا كانت محمولة على الأعناق، وأما إذا كانت على السيارات ففي ذلك شيء من الصعوبة.
стр. 318
اللحد والدفن وكيفيته
اللحد أفضل من الشق، وذلك أنهم إذا حفروا القبر، ووصلوا إلى منتهاه؛ لحدوا في الجانب الذي يلي القبلة، وحفروا في أحد جوانب القبر ما يكفي لإدخال الميت فيه، أما الشق فإنهم إذا وصلوا إلى قعره، شقوا في وسطه شقاً لقبر الميت، ثم صفوا عليه اللبن صفاً، وأما اللحد فإنهم ينصبون عليه اللبن نصباً، بحيث تكون كل لبنة معتمدة على قعر القبر وطرف اللحد، فيصف صفاً، وينصب نصباً لحديث سعد قال: إلحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً كما فعل برسول الله ﷺ ، وفي حديث: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) وفيه ضعف.
ويقول الذي ينزله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله، يقول ذلك عندما يدليه، وكذلك عند الدفن يقولون: باسم الله، وعلى ملة رسول الله، وذلك إشارة إلى أنهم متبعون في ذلك للسنة.
فيوضع على شقه الأيمن في لحده، ووجهه إلى القبلة لحديث: (قبلتكم أحياء وأمواتاً) يعني: الكعبة، فيجب أن يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن.
قوله: (ويكره جلوس تابعها بلا حاجة) أي: قبل وضعها، وقد كانوا يؤمرون أن يقوموا إذا رأوا الجنازة، فإذا مرت بهم جنازة قاموا وقوفاً، وقد مرت بهم جنازة وهم مع النبي ﷺ فوقف، فقالوا: إنها جنازة يهودي، فقال: (أليست نفساً؟!) وفي حديث آخر قال: (إن للموت فزعاً) فكانوا يستحبون أن يقوموا، وهذا من باب الاستحباب، لا أنه من باب الوجوب.
ويكره جلوس تابعها قبل وضعها، وبعد الدفن يشرع أن يحثوا قِبَل رأسه ثلاث حثيات، يحثي على القبر ويقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله (ثلاثاً) ، إذا تيسر له ذلك.
стр. 319
حرمة تجصيص القبور والبناء عليها
يكره -وقيل: يحرم- تجصيص القبور، والبناء عليها، والمشي والجلوس عليها، والصحيح أن هذا كله محرم، فقد ورد أنه ﷺ : (نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها) ، والنهي في الأصل للتحريم، ولعل السبب في ذلك أنه إذا جصص أو بني ورفع كان ذلك سبباً للغلو فيه، فقد يعتقد العامة أنه ذو جاه، وأنه ذو مكانه؛ فيتبركون به ويدعونه فيقع الشرك، هذا هو السبب، وفي حديث علي: (لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) يعني: سويته بسائر القبور، وأزلت ارتفاعه حتى يكون مثل سائر القبور، والقبر يرفع قدر شبر أو نحو ذلك؛ ليكون ذلك علامة على أنه قبر، فأما البناء عليه ورفعه فإن ذلك داخل في النهي.
وكتابة اسمه عليه على الحجر أو نحو ذلك لا يجوز، وإذا وجد فإنه يمحى.
والمشي على القبور، والوطء عليها تعمداً، والجلوس عليها؛ كل ذلك لا يجوز، فقد قال ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر) .
ولا يجوز إدخال القبر شيئاً مسته النار، وقد يتساهل بعضهم فيدخل فيه شيئاً من البلك، وهو مما مسته النار، بل يقتصر على اللبن، أو على الحجارة، أو على أعواد أو نحوها.
ويكره بتأكد أن يخوضوا في حديث الدنيا وهم عند القبر، وكذلك الضحك والتبسم؛ لأنهم في حالة يذكرون فيها الموت، ويجهزون فيها أخاً لهم ميتاً، فكونهم يخوضون في الدنيا ويتبسمون ويضحكون يدل على أنهم لم يستعدوا للموت، وأنه ليس للموت فزع عندهم.
ويحرم دفن اثنين أو أكثر في قبر واحد إلا لضرورة، كما حصل في قتلى أحد؛ لما كان بالمسلمين من الجراح، فكانوا يدفنون الاثنين في قبر، وذلك للضرورة، فإذا لم تكن هناك ضرورة فإن كل واحد يفرد في قبر وحده.
стр. 320
إهداء الأعمال الصالحة للموتى وانتفاعهم بها
قوله: (أي قربة فعلت وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت نفعته) هذا هو القول الصحيح، أنه يجوز أن يهدى للميت من الأعمال فتنفعه، فإذا حججت ونويت حجك عنه أو عمرتك أو صدقتك أو دعاءك أو جهادك أو نحو ذلك فإن ذلك ينفعه، واختلفوا في القراءة وفي الصلاة، والأكثرون على أنه يجوز أن تهدي إليه صلاة أو قراءة، وتقول: إذا قرأت سورة أو ختمة: اللهم اجعل ثوابها لفلان سواء كان حياً أو ميتاً، ومنع ذلك كثيرون، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، ولكن الصحيح أن الآية في الملكية، أي: ليس له الملكية إلا لما سعاه، فلا يستطيع أن يملك أعمال غيره، لكن إذا أهديت إليه تملكها.
стр. 321
زيارة القبور خاصة بالرجال
زيارة القبور خاصة بالرجال، ولا تجوز للنساء، ويسن للرجل زيارة قبور المسلمين، وتجوز زيارة قبور الكفار للعبرة، وقد كان النبي ﷺ نهاهم عن ذلك في أول الأمر مخافة الغلو، ومخافة الندب والنياحة، ثم بعد ذلك أذن لهم وقال: (إنها تذكركم الآخرة) أي: تزهدكم في الدنيا، وترغبكم في الآخرة، وتذكركم الموت وما بعده، فالزيارة للقبور فيها مصلحتان: الدعاء للأموات والترحم عليهم، وتذكر الآخرة والاعتبار، وقد حفظ عن أبي العتاهية أنه مر على قبور فقال: ألا يا عسكر الأحياء هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى وهم منتظرو الكبرى يحثون على الزاد وما زاد سوى التقوى يقولون لكم جدوا فهذا آخر الدنيا فأهل الدنيا يكون مآلهم إلى ما آل إليه أولئك المقبورون الذين قد دفنوا.
وأما زيارة النساء للقبور فلا تجوز؛ لقوله ﷺ : (لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج) ، وثبت أيضاً أنه رأى نسوة ينتظرن جنازة، فقال: (هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، هل تحملن فيمن يحمل؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) وفي رواية: (فأنكن تفتن الأحياء، وتؤذين الأموات) .
وروي أيضاً أنه رأى فاطمة قد جاءت من قبل البقيع، فسألها فقالت: (أتيت إلى أهل ذلك الميت فعزيتهم، فقال: لعلكم بلغت معهم الكدى -يعني: طرف المقابر- قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تقول ما تقول، فقال: لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك) فهذا تشديد عظيم، وهو دليل على أنه لا يجوز للنساء زيارة القبور؛ وذلك لقلة صبرهن وغير ذلك، ولا عبرة بقول بعض المتأخرين الذين أخذوا يشددون ويقولون: إنه يجوز، ويطرحون هذه الأدلة، ويتمسكون بالحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها) فإن الخطاب للرجال.
أما القراءة عند القبور فلا تجوز؛ وذلك لأنه قد يتخذ وسيلة إلى اعتقاد أن القراءة عند القبر أفضل منها في المسجد، ثم يجر ذلك إلى الصلاة عند القبور، وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، ثم يجر ذلك إلى الغلو في الأموات واتخاذ قبورهم مساجد، فالصحيح أنه لا يجوز أن يتحرى القراءة عند القبر.
стр. 322
وضع الجريد على القبور من خصائصه ﷺ
قوله: (وما يخفف عنه ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) .
الصحيح أن هذا لا يجوز، والنبي ﷺ عندما مر على قبرين يعذبان، وغرز فيهما جريدتين، هذا من خصائصه؛ لأن الله تعالى أطلعه على هذين، وأما غيره فليس له هذه الخصيصة، وليس له أن يفعل ذلك، ولو كان ذلك جائزاً لاشتهر عند السلف، ولرأيناهم يغرزون في كل قبر جريدة خضراء، فالصحيح أنه لا يجوز، إنما يدعى له، ويترحم عليه، ويسلم عليه بهذا السلام: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ، وفي رواية: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) أو بما تيسر من السلام.
قوله: (وتعزية المصاب بالميت سنة) ورد فيه حديث: (من عزى مصاباً فله مثل أجره) وإن كان فيه ضعف، فالمصاب بحاجة إلى تسليته وتعزيته وتخفيف مصيبته، فيأتي إليه المعزون، ويترحمون على ميته، ويدعون له، ويحثونه على الصبر والتسلي.
стр. 323
جواز البكاء على الميت وتحريم النياحة
يجوز البكاء على الميت ولا يجوز النحيب، ولا يجوز الزفير الشديد، وقد ورد أنه ﷺ قال: (العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ، وورد أيضاً أنه بكى مرة عند بعض أصحابه، فقال: (ألا تسمعون؟! إن الله لا يعذب بحزن القلب، ولا بدمع العين، ولكن يعذب بهذا أو يرحم) يعني: اللسان، فلذلك يحرم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، وما أشبه ذلك من أمور الجاهلية، فقد كان أهل الجاهلية إذا مات فيهم الميت يلطم أحدهم خده، أو يضرب صدره، والمرأة تشق ثوبها أو تشق جيبها، وقد ثبت أنه ﷺ (برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) ، والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها أو تنتفه، والشاقة: هي التي تشق ثوبها، وفي الحديث: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) ودعوى الجاهلية: أنهم إذا مات فيهم الميت أخذوا يندبونه بنداء كنداء الغائب، إما باسمه كأن يقولوا: وا سعداه، وا راشداه، وا زيداه، وا عمراه، وإما بقرابته كأن يقولوا: وا ولداه، وا أخواه، وا أبواه، وا عماه، وإما بصفة تصل إليهم منه، كأن يقولوا: وا مطعماه، وا كاسياه، وا كافلاه، وا حافظاه، وما أشبه ذلك، فكل هذا من الندب الذي نهى عنه النبي ﷺ ؛ لأنه تسخط لقدر الله تعالى وقضائه، ولأن ذلك لا يرد فائتاً.
والله أعلم، وصلى الله على محمد.
стр. 324
شرح أخصر المختصرات [١٣]
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وقد فرضها الله طهرة للأموال وزكاة للنفس، وهي من محاسن هذا الدين وفرائضه؛ إذ بها تسود الألفة بين طبقات المجتمع، وبها ترتفع الشحناء، وتسد الفاقة، وتدفع الحاجة.
وقد حدد الشرع الأموال التي تجب فيها الزكاة، وحدد الأنصبة والمقادير وشروط كلٍّ، وما يتعلق بها من أحكام، وفصل الفقهاء كيفية الإخراج، وما يشترط له الحول وما لا يشترط، وكيفية حساب المقادير المختلفة، وضم بعضها إلى بعض، وذلك حتى يعبد المسلم ربه بإخراجها على بصيرة.
стр. 325
كتاب الزكاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الزكاة.
تجب في خمسة أشياء: بهيمة أنعام، ونقد، وعرض تجارة، وخارج من الأرض، وثمار، بشرط: إسلام، وحرية، وملك نصاب، واستقراره، وسلامة من دين ينقص النصاب، ومضي حول إلا في معشر، ونتاج سائمة، وربح تجارة، وإن نقص في بعض الحول ببيع أو غيره لا فراراً انقطع، وإن أبدله بجنسه فلا، وإذا قبض الدين زكّاهُ لما مضى.
وشرط لها في بهيمة أنعام: سوم أيضا.
وأقل نصاب إبل: خمس، وفيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهي التي لها سنة، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وهي التي لها سنتان، وفي ست وأربعين حقة، وهي التي لها ثلاث، وفي إحدى وستين جذعة وهي التي لها أربع، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وأقل نصاب البقر ثلاثون، وفيها تبيع، وهو الذي له سنة، أو تبيعة، وفي أربعين مسنة، وهي التي لها سنتان، وفي ستين تبيعان، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
وأقل نصاب الغنم أربعون، وفيها شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث، إلى أربعمائة، ثم يستقر في كل مائة شاة، والشاة بنت سنة من المعز، ونصفها من الضأن.
والخلطة في بهيمة الأنعام بشرطها تصير المالين كالواحد.
فصل: وتجب في كل مكيل مدخر خرج من الأرض، ونصابه خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل بالدمشقي، وشرط ملكه وقت وجوب، وهو اشتداد حب، وبدو صلاح ثمر، ولا يستقر إلا بجعلها في بيدر ونحوه.
والواجب عشر ما سقي بلا مئونة، ونصفه فيما سقي بها، وثلاثة أرباعه فيما سقي بهما، فإن تفاوتا اعتبر الأكثر، ومع الجهل العشر.
وفي العسل العشر سواء أخذه من موات أو ملكه أو ملك غيره إذا بلغ مائة وستين رطلاً عراقية.
ومن استخرج من معدن نصاباً ففيه ربع العشر في الحال، وفي الركاز الخمس مطلقاً، وهو ما وجد من دفن الجاهلية.
فصل: وأقل نصاب ذهب عشرون مثقالا، وفضة مائتا درهم، ويضمان في تكميل النصاب، والعروض إلى كل منها، والواجب فيهما ربع العشر.
وأبيح لرجل من الفضة خاتم وقبيعة سيف، وحلية منطقة ونحوه، ومن الذهب قبيعة سيف وما دعت إليه ضرورة كأنف، ولنساء منهما ما جرت عادتهن بلبسه، ولا زكاة في حلي مباح أعد لاستعمال أو عارية.
ويجب تقويم عرض التجارة بالأحظ للفقراء منهما، وتخرج من قيمته، وإن اشترى عرضاً بنصاب غير سائمة بنى على حوله] .
стр. 326
اقتران الزكاة بالصلاة في كتاب الله
ذكر كتاب الزكاة بعد كتاب الصلاة؛ لأنها قرينتها، فالصلاة تذكر بلفظ الإقامة، والزكاة تذكر بلفظ الإيتاء، كقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فقد أمر بالزكاة أمراً مطلقاً قبل الهجرة في السور المكية، وأما أنصبتها ومقدارها وشروطها فإنما وجدت في المدينة، وذلك بعد وجود أسبابها؛ لأن أهل مكة كانوا يتصدقون بكل أموالهم أو جلها، كما قال تعالى في شأن أبي بكر ﵁: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] ، وكذلك يروى أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] نزل في أبي بكر وفي غيره.
стр. 327
الزكاة نماء وطهرة
الزكاة في اللغة هي: النماء والتطهير، فقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] أي: تنمي أموالهم وتطهرها؛ وذلك لأن الأموال غالباً قد يكون فيها شيء من الخلل من الغش، أو من الخداع، أو من الشبهة، فتكون هذه الزكاة مطهرة ومصفية لها، ومع ذلك فإنها تنميها وتزيدها، ولذلك جاء في الحديث: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) ، فأخبر بأن المال وإن كثرت الصدقة منه فإن الله تعالى يخلفه، وفي الحديث: (ينزل ملكان كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) ، وكذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] .
стр. 328
شروط وجوب الزكاة
قوله: (تجب في خمسة أشياء) ذكروا لوجوبها شروطاً وهي: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول، فلا تجب على العبيد؛ لأنهم مملوكون، وما بأيديهم ملك لأسيادهم، ولا تجب على الكافر؛ لأنه مطالب بشرطها، ولا تجب على الفقير؛ لأنه يستحق المواساة، ولأن ماله قليل، فأقل شيء ملك النصاب، ولابد أن يستقر الملك عليه، فإذا لم يكن مستقراً كدين الكتابة والمهر قبل الدخول فإنها لا تجب الزكاة فيه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة، بل لابد أن يمضي الحول.
стр. 329
الأموال التي تجب فيها الزكاة
وأصول الأموال الزكوية أربعة: بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والنقود، وعروض التجارة، والمؤلف جعلها خمسة ففرق بين الخارج من الأرض وبين الثمار، والثمار خارجة من الأرض.
إذاً: فالأموال الزكوية أربعة: أولها: بهيمة الأنعام، وهي أكثر ما كان موجوداً في العرب في وقت نزول القرآن، ثم يليها التجارة، وكان الكثير من التجار ينمون أموالهم بالتجارة فيحصل لهم ربح كثير، ثم بعد ذلك الخارج من الأرض الذي هو ثمر النخل والزبيب والحبوب وما أشبهها، ثم بعد ذلك النقود، ومعلوم أن النقود لا تتوالد، ولكنها تنمى بالتجارة؛ لأنه تشترى بها عروض ثم تباع بربح، هذه هي الأموال الزكوية.
ثم ذكر الشروط: الإسلام، وعرفنا أنه لابد أن يكون مسلماً، والحرية، وملك النصاب واستقراره، وقد ذكرنا مثاله وهو المهر قبل الدخول؛ لأنها عرضة للطلاق، فلا تزكيه المرأة حتى تملكه ويستقر ملكها عليه؛ لأنه إذا طلقها فسيسقط نصفه، أو يعفى عنه كله، ومن غير المستقر أيضاً: الدين على المملوك ويسمى دين كتابة، فإنه يمكن أن يعجز نفسه فيسقط الدين، فلابد أن يكون الملك مستقراً.
стр. 330
الكلام على اشتراط الخلو من الدين للزكاة
وشرط الفقهاء شرطاً خامساً وهو: السلامة من الدين الذي ينقص النصاب، واختلفوا هل الدين يمنع من الزكاة كلاً أو لا يمنعها أصلاً، أو فيه تفصيل؟ فأكثر الفقهاء على أنه يمنع؛ وذلك لأنه إذا كانت عليه ديون تستغرق ماله أصبح المال لغيره، فيصبح كأنه فقير، وعلى هذا فلا فرق بين جميع الأموال إذا كان الدين يستغرق الأموال، أو لا يبقي إلا أقل من النصاب فلا يصير غنياً، والنبي ﵊ يقول: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وهناك قول آخر: أن الدين لا يمنع، وأن الزكاة تؤخذ من كل الأموال، سواء على أصحابها دين أم لا؛ لأنهم مفرطون حيث لم يوفوا أهل الدين من هذه الأموال.
والقول الثالث: أنه لا يمنع من الأموال الظاهرة ويمنع من الخفية، والأموال الظاهرة مثل بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان يبعث من يخرص النخل على أهله، ولم يقل: هل عليكم دين؟ بل يخرصون النخل والزرع ونحو ذلك، وكذلك كان يرسل من يأخذ الصدقات من بهيمة الأنعام، ولم يكونوا يسألونهم: هل عليكم دين أم لا؟ وقالوا: لأن الأموال الظاهرة تتعلق بها نفوس الفقراء، حيث يرون هذه الأموال الظاهرة ويعتقدون أن لهم فيها حقاً، فإذا لم يأتهم منها شيء أساءوا الظن بأصحابها، وقالوا: لا يزكون، فيكون في ذلك إساءة ظن بأصحاب الأموال.
فعلى هذا يترجح أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الخفية كالتجارة والنقود؛ لأن صاحبها هو الذي يحاسب نفسه، دون الأموال الظاهرة كالثمار والنخيل والأعناب والزروع وبهيمة الأنعام، والإبل والبقر والغنم، فهذه لا يمنع الدين الزكاة فيها.
وبكل حال فإن الفقهاء عندما اشترطوا ذلك نظروا إلى العلة، وهي: أن الزكاة شرعت للمواساة، فإذا كان المال مستحقاً لأصحاب الديون فكيف يواسي من مال مستحق عليه؟! وله وجه، ويمكن أن يقال لصاحب الحروث: إذا كان زرعك أو نخلك ليس لك بل عليك فيه ديون فإنك تعطي أصحاب الديون حقوقهم، فإن بقي شيء وإلا فلا حق عليك ولا زكاة عليك؛ لأنك ملحق بمن يستحق الزكاة وهم الفقراء.
стр. 331
ما يشترط للزكاة فيه مضي الحول وما لا يشترط
وشرط سادس: وهو الحول، الحول هو السنة، أي: اثنا عشر شهراً هلالياً، فلم تجب الزكاة في كل شهر، ولا في كل شهرين، وإنما تجب في كل سنة؛ لأن في السنة تتنامى الأموال فتتوالد البهيمة، وتنمو التجارة، ويمكن تنمية النقود وما أشبهها.
يستثنى من مضي الحول: المعشّر، وما المراد بالمعشّر؟ المعشّر: هو الخارج من الأرض، كالتمر والزبيب والتين إذا كان يدخر، أو الشعير أو البر، أو الذرة، وجميع ما يدخر، وسمى معشراً؛ لأنه يخرج منه العشر، أو يخرج منه نصف العشر؛ وذلك لأنه لا يحتاج أن يحول عليه الحول، والغالب أنه يبقى في الأرض خمسة أشهر ثم يحصد.
فمثلاً: إذا زرع في الصيف دخناً أو ذرة، وبعد ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حصد فإنه يخرج الزكاة، ثم بعد شهر أو شهرين زرعها براً أو شعيراً وبعد خمسة أشهر حصد فإنه يخرج زكاتها، فأخرج الزكاة مرتين من هذه الأرض: زكاة دخن وزكاة بر، فلذلك قالوا: المعشرات لا يشترط لها الحول.
وكذلك نتاج السائمة لا يشترط لها الحول، وصورة ذلك: إذا كان عنده مائة وعشر من الغنم، ولما تمت أحد عشر شهراً ونصف ولدت مائة من السخال، فأصبحت مائتين وعشراً، فبدل ما كان الواجب عليه شاة صار الواجب عليه ثلاث شياه، مع أن هذه المائة السخال ما لها إلا شهر، فلا يشترط أن يتم لها الحول.
الثالث: ربح التجارة لا يشترط له الحول، مثاله: إذا بدأ التاجر تجارته ورأس ماله ألف، وأخذ يتجر، ففي الشهر الأول ربح ألفاً، وفي الشهر الثاني ربح ألفين، وفي الشهر الثالث ربح أربعة، وما زال يربح كل شهر الضعف، ولما تمت السنة وإذا ماله أربعون ألفاً، فمنها ما لم يكن له إلا شهر، ومنها ما له شهران، ومنها ما له ثلاثة، مع أنه لما بدأ لم يكن معه إلا ألف، فكم يزكي؟ يزكي أربعين ألفاً؛ فربح التجارة يتبعها، ولا يشترط له أن يمضي عليه الحول.
وإذا نقص عن النصاب في بعض الحول لبيع أو غيره انقطع إلا أن يكون فراراً، فمثلاً: إذا ابتدأ التجارة ورأس ماله ألف، ثم ربح في شهر ألفاً وربح في شهرين ألفين، وهكذا وفي الشهر السادس خسر، أو دفع المال الذي معه ولم يبق معه إلا أربعون ريالاً، ثم بعد ذلك هذه الأربعون ربحت، في الشهر السادس فبدأت تزيد، فبلغت ألفاً في الشهر السابع، وفي الشهر الثامن تمت ثلاثة آلاف، وفي الشهر التاسع عشر بلغت عشرين ألفاً، فمتى يزكيها؟ إذا تمت حولاً بعد ابتدائه لها من تمام النصاب، نقول: النصاب انقطع في الشهر الخامس؛ لأنه نقص النصاب ولم يبق معه إلا أربعون، بعد أن كانت معه عشرة آلاف فانقطع النصاب في الشهر الخامس، ولم يتم نصاباً إلا في الشهر السابع، فيبدأ الحول من الشهر السابع، ويستأنف سنة من الشهر السابع، إلا إذا كان الذي دفعه لهذا الفرار من الزكاة، فمثلاً: إذا كان عنده خمسمائة ألف، ولما قارب الحول وإذا الخمسمائة الألف فيها اثنا عشر ألفاً ونصف، فخاف من الزكاة واشترى بها عقاراً، فقال: هذا العقار للسكنى، ثم بعد ذلك باع العقار بستمائة، ففي هذه الحال لا ينقطع الحول؛ لأنا نتهمه بأنه فعل ذلك هرباً وفراراً من الزكاة فلا تسقط الزكاة، بل يبني على حوله الأول.
وإذا أبدله بجنسه لم ينقطع الحول، فمثلاً: إذا كان عنده من الضأن خمسون، وفي نصف السنة أبدلها بستين من المعز، فهل ينقطع الحول؟ ما ينقطع؛ لأن الضأن والمعز نصابها واحد، وكذلك لو كان عنده عشر من الإبل، وبعد نصف سنة أبدلها بجمال أو ببخاتي أو بعراب فإنه لا ينقطع الحول؛ لأن الجنس واحد، فكلها إبل.
стр. 332
زكاة الدين عند قبضه
قوله: (وإذا قبض الدين زكاه لما مضى) .
هكذا ذكروا، أن الدين إذا قبضه زكاه لما مضى ولو أتلفته الزكاة، وقد اختلف في زكاة الدين، هل يزكى الدين أو لا زكاة فيه، أو فيه تفصيل؟ والناس في هذه الأزمنة يكثرون من الدين، فقال العلماء: إن كان الغريم الذي عنده دين قادراً على الوفاء موسراً غنياً فإنك تزكيه عن كل سنة، واعتبر دينك كالوديعة، ما دمت تقدر على أخذه متى ما أدرت، وأما إذا كان المدين موسراً ولكنه مماطل، أو معسراً فقيراً، فقيل: إنك تزكيه إذا قبضته عن السنين الماضية كما قاله صاحب المختصر، فلو كان الدين عشرة آلاف ومكث ثلاثين سنة ثم استرجعته فإنك على هذا القول تزكيه للسنة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة وهكذا حتى تتم الثلاثين سنة، فعن السنة الأولى تزكي عشرة آلاف، وعن السنة الثانية تزكي تسعة آلاف وسبعمائة وخمسين؛ لأنه قد نقص، وعن السنة الثالثة تزكي ما بقي، وهكذا، فإن لم يبق إلا أقل من النصاب فإنه لا يزكى.
والقول الثالث: أنه يزكى إذا قبض عن سنة واحدة عند أن يقبضه؛ وذلك لأنه يعتبر كأنه كسبه، وحصل عليه بعد أن أيس منه، فإذا قبضت هذه السنة العشرة الآلاف فأخرج زكاة سنة واحدة: مائتين وخمسين، وهذا هو الأقرب حتى لا يجحف بأصحاب الحقوق؛ لأنا لو قلنا له: زك عن ثلاثين أو أربعين سنة لما بقي له إلا أقل من النصاب، والنبي ﵇ أخبر بأن الزكاة إنما تؤخذ من الأغنياء، ولأن هذا يجحف بالأموال، فالقول الوسط: أن الدين إذا بقي على صاحبه زمناً طويلاً اقتصر على إخراج زكاة سنة واحدة.
стр. 333
زكاة بهيمة الأنعام
ابتدأ بزكاة بهيمة الأنعام، وهي التي كانت منتشرة عند العرب، وأفضلها عندهم الإبل، ثم الغنم فهي أكثر ما يقتنون، والبقر موجودة ولكنها قليلة، ويشترط لها السوم، وهو الرعي، والسائمة هي التي ترعى كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠] ، أي: ترعون بهائمكم، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران:١٤] أي: التي ترعى.
أما إذا كانت معلوفة أكثر الحول ولا تخرج بل كانت محجوزة في شباك أو بستان أو داخل السور وتأكل مما ينبت لها صاحبها من الأعلاف ونحوها أكثر الحول، يعني: سبعة أشهر أو ستة أشهر ونصف فلا زكاة فيها، فإن كانت تخرج كل يوم وترعى ولو أنها لا تجد إلا شيئاً يسيراً من فتات الحشيش ومن يابس الشجر ثم تأوي إلى مراحها فإنها تعتبر سائمة.
стр. 334
نصاب زكاة الإبل ومقدارها
ثم ذكر النصاب، وأقل نصاب الإبل خمس، والخمس والعشر والخمسة عشر والعشرون: زكاتها من غيرها؛ لأنه لو أخرجت زكاتها منها لأجحف بها، فلو قيل: في الخمس واحدة لكان في ذلك الخُمس، والخُمس كثير، والأصل أنه ليس فيها إلا ربع العشر، ففي الأربعين من الغنم شاة وهو ربع العشر، فلذلك تكون زكاة الإبل من الغنم، والعادة أن أهل الغنم يملكون الإبل، وأهل الإبل يملكون الغنم، فكانوا يخرجون زكاة الإبل من الغنم.
قوله: (ففي الخمس شاة) .
الشاة: اسم لواحدة من الغنم ذكوراً وإناثاً ضأناً ومعزاً، وإذا أرادوا التفصيل قالوا لأنثى الضأن: نعجة، ولذكر الضأن: كبش، ولأنثى المعز: عنز، ولذكر المعز: تيس، والواحد من الجميع: شاة، فالعنز شاة والنعجة شاة، والكبش شاة، والتيس شاة، فإذا أخرج شاة في الخمس تكون قيمتها متوسطة، كما إذا كانت الإبل متوسطة القيمة، ومعروف أن قيمة الإبل تختلف، فأحياناً تكون الإبل هزيلة وضعافاً فيخرج شاة ليست ضعيفة ولكنها ليست السمينة الغالية، وأحياناً تكون متوسطة، وأحياناً تكون ثمينة سمينة غالية فيخرج شاة من خيار الغنم.
وفي العشر شاتان، وما بينهما يسمى وقص، أي: نقول لصاحب الخمس: عليك شاة، ولصاحب التسع: ليس عليك إلا شاة، ولصاحب العشر: عليك شاتان، ولصاحب الأربع عشرة: عليك شاتان، ولصاحب الخمس عشرة: عليك ثلاث، ولصاحب التسع عشرة: عليك ثلاث، ولصاحب العشرين: عليك أربع، ولصاحب الأربع والعشرين: عليك أربع، فيسمى ما بين الخمس إلى العشر وقص، والوقص ليس فيه شيء.
فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، وبنت المخاض: هي البكرة التي قد تم لها سنة، سميت بنت مخاض؛ لأن أمها ماخض، والغالب أن أمها قد حملت وانتهى لبنها، وليس شرطاً أن تكون أمها حاملاً، ولكن ذكروها بهذا علامة لها، فهي ما تم لها سنة، سواء كانت أمها ماخضاً أم لا.
وفوق خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين وقص فإذا وصلت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وبنت اللبون ما تم لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن أمها غالباً قد ولدت، فهي ذات لبن، وليس ذلك شرطاً، بل إذا تم لها سنتان فهي تجزئ في هذا المقدار، وما بين ست وثلاثين إلى خمس وأربعين وقص، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة، والحقة ما تم لها ثلاث سنين، ولماذا سميت حقة؟ لأنها استحقت أن تركب، واستحقت أن يطرقها الفحل، فاسمها ووصفها أنها ما تم لها ثلاث سنين، فتجب في ست وأربعين إلى ستين، فإذا زادت عن الستين واحدة ففيها جذعة، وهي ما تم لها أربع سنين، وسميت بذلك؛ لأنها قد جذعت ثناياها، يعني: قد كمل نبات الثنايا وتم لها أربع سنين، وبذلك نعرف أن بنت المخاض لا تجب إلا مرة واحدة، والجذعة لا تجب إلا مرة واحدة، وأما بنت اللبون والحقة فإن وجوبها يستمر كما سيأتي.
وإذا لم يجد بنت لبون ودفع بنت مخاض دفع معها جبراناً، وفي ذلك الوقت كان الجبران شاتان أو عشرون درهماً، وفي هذا الوقت تقدر بنت المخاض بأن قيمتها أربعمائة، وبنت اللبون قيمتها خمسمائة، والحقة قيمتها ستمائة والجذعة قيمتها سبعمائة، فيأخذون الآن القيمة وذلك لتعذر حمل هذه الأنعام معهم حيث إنهم يذهبون على سيارات فلذلك يأخذون القيمة، مع أن القيمة مختلف فيها، ولكن لما ورد أنه يُدفع الفرق عشرون درهماً كان هذا مسوغاً لأخذ القيمة.
فإذا لم يجد بنت لبون ودفع حقة فإن المصدق يرد عليه شاتين أو عشرين درهماً، يعني: الفرق بين بنت اللبون والحقة، وإذا لم يجد بنت المخاض ووجد جذعة وبينها وبين بنت المخاض سِنَّان: ففي هذه الحال يرد عليه المصدق أربع شياه أو قيمتها.
ويجزئ أن يدفع ابن اللبون مكان بنت المخاض؛ وذلك لأنه مقارب لقيمتها، ولا شك أن الذكور أقل قيمة من الإناث عادة.
فإذا تجاوز ذلك وتمت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون، فإذا تمت إحدى وتسعين يعني: مائة إلا تسعاً ففيها حقتان، وما بين ست وسبعين إلى تسعين وقص، فإذا تمت مائة وإحدى وعشرين فثلاث بنات لبون، وما بين إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين وقص ليس فيه شيء، فمن عنده إحدى وتسعون عليه حقتان، ومن عنده مائة وعشرون عليه حقتان، فإذا تمت إحدى وعشرين ومائة فثلاث بنات لبون.
ثم بعد ذلك في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فيكون الوقص عشراً، فإذا تمت مائة وثلاثين فهي عبارة عن: أربعين وأربعين وخمسين، ففي أربعين بنت لبون، وفي أربعين بنت لبون، وفي خمسين حقة، فإذا تمت مائة وأربعين فهي عبارة عن خمسين وخمسين وأربعين، ففي الخمسين حقة وفي الخمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون، وإذا تمت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق؛ لأنها عبارة عن خمسين وخمسين وخمسين، وإذا تمت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون؛ لأنها عبارة عن أربعين وأربعين وأربعين وأربعين، وإذا تمت مائة وسبعين فالمائة والعشرون فيها ثلاث بنات لبون، والخمسون فيها حقة، فإذا تمت مائة وثمانين: ففي المائة حقتان، وفي الثمانين بنتا لبون، فإذا تمت مائة وتسعين ففي المائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي الأربعين بنت لبون، فإذا تمت مائتين اتفق الفرضان؛ لأن المائتين أربع خمسينات أو خمس أربعينات، فإن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون.
стр. 335
نصاب زكاة البقر ومقدارها
ونصاب زكاة البقر ثلاثون، وفيها تبيع، وهو الذي له سنة، أو تبيعة، فيخير المالك، وقيل: يخير العامل، وهكذا ورد في الحديث، قال بعضهم: إن (أو) للتخيير، وقال بعضهم: إنها للشك، وأكثرهم على أنها للتخيير، فإذا تمت أربعين ففيها مسنة، وما بين الثلاثين والأربعين وقص، والمسنة ما تم لها سنتان، فإذا تمت ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان، وما بين الأربعين إلى الستين وقص، ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة، فإذا عرفنا أن في الثلاثين تبيعاً وفي الأربعين مسنة إذاً: ففي السبعين مسنة وتبيع، وفي الثمانين تبيعان أو تبيعتان، وفي التسعين ثلاثة أتبعة، وفي المائة تبيعان ومسنة، وهكذا.
стр. 336
نصاب زكاة الغنم ومقدارها
أما نصاب الغنم، فأقل النصاب أربعون وفيها شاة، ثم ما فوق الأربعين وقص إلى مائة وعشرين، فمن عنده أربعون فعليه شاة، ومن عنده مائة وعشرون فليس عليه إلا شاة، ومن عنده مائة وإحدى وعشرون فعليه شاتان، ثم ما بعد المائة والإحدى والعشرين وقص إلى مائتين، أي: ففي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وما بعد مائتين وواحدة وقص إلى أربعمائة، فمن عنده مائتان وواحدة فعليه ثلاث شياه، ومن عنده أربعمائة إلا واحدة فعليه ثلاث شياه.
فإذا تمت أربعمائة ففيها أربع شياه، وفي الخمس خمس شياه، وفي الست ست شياه، وهكذا.
ثم ذكر أن الشاة من المعز ما تم لها سنة، ومن الضأن ما تم لها نصف السنة.
стр. 337
تأثير الخلطة في زكاة الأنعام
والخلطة في بهيمة الأنعام تصير المالين كالواحد، ولكن يكون بشرطها، وليس هناك شيء من الأموال تكون فيه الخلطة مؤثرة إلا في بهيمة الأنعام، أما في غيرها فإنها لا تؤثر، فمثلاً: إذا زرع اثنان على بئر ولما حصدا كان نصيب كل واحد منهما أقل من النصاب، ففي هذه الحالة لا زكاة عليهما، ولو كان مجموعهما نصاباً؛ لأن كل واحد منهما يستقل بنصيبه، وكذلك أيضاً لو اشترك ثلاثون فجاءوا بألف وخمسمائة، ومع ذلك ما ربحت تجارتهم ولا زادت ولا نمت، فتم الحول وإذا نصيب كل واحد منهم أقل من النصاب، فلا زكاة على أحد منهم، فأما إذا ربحوا وصار نصيب كل واحد منهم نصاباً أو أكثر فإن فيه الزكاة.
وأما بهيمة الأنعام فإن الخلطة تصير المالين كالواحد، فلو كان هناك ثلاثة، كل واحد له أربعون شاة، ثم اشتركوا واختلطوا طوال السنة، وتمت السنة وليس لهم إلا أربعون، أربعون، أربعون فالمجموع مائة وعشرون، فليس عليهم إلا شاة واحدة يتقاسمون ثمنها، وكذلك إذا وجد رجلان لكل واحد منهما أربع من الإبل واختلطوا في الحول كله فعليهم زكاة، ولو افترقا لم يكن عليهما زكاة، فالأربع ليس فيها زكاة.
وكذلك إذا كان لواحد مائة وخمس من الغنم، ولواحد مائة وخمس واختلطوا، فأصبحت مائتان وعشر فعليهم ثلاث شياه، ولو لم يشتركوا فليس عليهم إلا شاتان، فالخلطة تؤثر.
وذكر الفقهاء للخلطة شروطاً وهي: أن يكون الراعي واحداً، وأن يكون المشرب واحداً، فيسقونها في حوض واحد وبدلو واحد، ويكون المبيت في مكان واحد، بحيث تبيت في حضيرة واحدة، أو في سور واحد، ويكون مكان الحلب واحداً، فهؤلاء يأتون ويحلبون فيه وهؤلاء يأتون ويحلبون فيه، وليس شرطاً أن يخلطوا الحليب في إناء، فكل واحد منهم يعرف أغنامه فيحلبها ويختص بها، فإذا اختلطوا في المرعى والمحلب والمبيت والحوض تمام الحول فإنهما يصيران كواحد.
ثم لا يجوز أن يتفرقوا لأجل الزكاة، فلو كانوا ثلاثة لكل واحد ثلاثين وخلطوا طول الحول، ولما أقبل العامل تفرقوا، وكل واحد منهم عزل غنمه وقال: ما عندي إلا ثلاثين وليس عليّ زكاة، فهذا لا يجوز، فإذا اختلطوا طوال الحول فلا يتفرقون لأجل الفرار من الزكاة.
وكذلك أيضاً لا يجتمعون لتقل الزكاة عليهم، كما لا يجوز جمعهم لتزيد عليهم الزكاة، فإذا كان عند هذا سبعون، وعند هذا ثمانون، السبعون فيها شاة والثمانون فيها شاة، فلا يجوز للعامل أن يجمعهم فيقول: اجتمعوا حتى آخذ منكم ثلاث شياه؛ لأنكم إخوة، فلا يجمعهم العامل لأجل أن تزيد الزكاة، وقد ورد في الحديث: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الزكاة، بل يزكي كل على ما كان عليه) .
ثم إذا كان أحد الخليطين ليس من أهل الزكاة، يعني: إذا كان أحد الخلطاء كافراً ذمياً، أو ليس له مال كالمكاتب فالصحيح أنه لا أثر لخلطته؛ لأن ماله ليس زكوياً.
стр. 338
زكاة الخارج من الأرض ونصابها
أما زكاة الخارج من الأرض وهو الثمار والحبوب، فقد اختلف في الخارج من الأرض: هل يزكى كل ما يخرج من الأرض أم لا يزكى إلا بشرطه؟ فالمختار عند الإمام أحمد أنه لا يزكى إلا ما يكال ويدخر من الثمار والحبوب، فالكيل هو المعيار بالصاع ونحوه، والادخار هو الحفظ، أي: يحفظ ولا يفسد ولو طالت المدة، فمثلاً التمر يدخر فيبقى سنة ولا يتغير، وكذلك الزبيب يدخر ويكال أيضاً، وكذلك الشعير والدخن والذرة والأرز وما أشبه ذلك، فهذه تكال وتدخر، فعلى هذا القول لا زكاة فيما لا يدخر ولو جني منه أثمان كثيرة، فلا زكاة في الفواكه كالتفاح والموز والكمثرى، وكذلك البطيخ بأنواعه، ولا زكاة في الخضار كالقرع والكوسة والطماطم والبصل؛ وذلك لأنه لا يتم الانتفاع بها في المآل، لأنها لا تدخر.
ولو أنها في هذه الأزمنة تدخر بواسطة الثلاجات وتبقى مدة، فمثلاً: البطاط والطماطم والخيار والكوسة وما أشبهه قد يبقى أشهراً في الثلاجات ولكن يكلف كثيراً، بما يصرف عليه من الكهرباء ونحوه، فلأجل ذلك تسبب تكلفته هذه أنه لا زكاة في عينه وإنما الزكاة في ثمنه إذا حال عليه الحول، ويعتبر ككسب يستقبل بثمنه حولاً.
وخالف في ذلك الحنفية، واختاروا أن جميع الخارج من الأرض يزكى، واستدلوا بقوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) .
و
الجواب
أن هذا وإن كان عاماً لكن نظرنا في العلة فإن هذه الفواكه لا يتم الانتفاع بها انتفاعاً كاملاً، والغالب أن أهلها يأكلونها، فيأكلون البطيخ أو يبيعون منه شيئاً يسيراً في حينه، ويأكلون التفاح والبرتقال والأترج أو الليمون ولا يدخرونه ولا يكون عندهم منه شيء كثير، وإن كان بعضها قد يجفف مثل التين فإنه يجفف وينتفع به، وكذلك الطماطم يجفف وينتفع به في المآل، فإنه والحال هذه إذا بلغ الذي جفف نصاباً فإنه يزكى.
والنصاب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، فالخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، وقدرت بالرطل الدمشقي: ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل بالرطل الدمشقي، أو بما يعادله، والأصل أنها خمسة أوسق، وأن الوسق ثلاثمائة صاع، ثم الصاع على الصحيح خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ثمانية أرطال.
ويشترط في وجوبه: ملكه وقت الوجوب وهو وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر، فإذا باعه بعدما اشتد حبه، فهل الزكاة على المشتري أو على البائع؟ على البائع؛ وذلك لأنها وجبت عليه قبل أن يخرجه من ملكه، ولا زكاة على المشتري إلا إذا باعه وحصل من ثمنه على نصاب وتم الحول.
وكذلك النخل إذا بدا صلاحه، يعني: احمر أو اصفر فباعه صاحبه فالزكاة على البائع؛ لأنها وجبت فيه وهو في ملكه.
ثم لا يلزمه إخراجها إلا بعد أن يصفيه ويجعله في البيدر، يقول: (لا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر) كان أهل الزرع يلوطون مكاناً خاصاً يسمونه (البيدر) ويسمى عند العامة (البوع) ، وهو الذي يدوسون فيه الزرع ويصفونه فيه، فيقول: ما دام أنه في سنبله فإنه عرضة للهلاك، وربما يأتيه سيل وربما يأتيه جراد، وربما تأتيه ريح تسفي عليه أو تقلعه فلا يطالب بإخراج الزكاة إلا إذا حصده وجمعه في هذا المكان المهيأ لأن يصفى فيه، فإذا جعل في (البيدر) استقر الوجوب.
ثم قالوا: الواجب نصف العشر فيما سقي بآلة، والعشر فيما سقي بالمطر وثلاثة أرباعه فيما سقي بهما (أي: بالآلة وبالأمطار) وإن تفاوتا اعتبر الأكثر، ومع الجهل العشر، وقد ورد قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) وذلك لأن الذي يسقى بالمطر أو يسقى بالأنهار النابعة من الأرض تخف المئونة عليه، فإذا كان يسقى بالدلاء أو يسقى بالمكائن والمضخات التي تستخرج الماء من أجواف الآبار فإنه يكلف وقوداً ويكلف قطع غيار، ويكلف عاملاً ولأجل ذلك تخفف فيه الزكاة، فيكفي إخراج نصف العشر، فإن سقي نصف السنة بماء السماء والنصف الثاني بماء الدلاء فثلاثة أرباع، وإذا تفاوتا نظر إلى الأكثر، فإذا كان ثلاثة أرباع السنة يسقيها بالدلاء، والربع الباقي جاءت السيول وصارت تشرب بعروقها فإنه يقدر ثلاثة أرباع العشر، وإذا جهل فلا يدرى أيهما أكثر فالأولى أن لا ينقص عن العشر.
стр. 339
زكاة العسل ومقدارها
أما زكاة العسل فقد اختلف فيها العلماء: فالإمام أحمد اختار أنه يزكى، وقد ورد في ذلك حديث، ولكن الحديث فيه مقال، فلأجل ذلك لم يعمل به جمهور العلماء، والإمام أحمد كأنه ثبت عنده فجعل في العسل الزكاة، سواء أخذه من الموات يعني: من أشجار العظة التي في البراري، أو من ملكه، كما لو كان في ملكه سدر وشجر فتأتي النحل وتعمل بيوتها فيها، أو من ملك غيره، إذا وجده في أشجار مملوكة ولكن أصحابها لا يعرفونه ولا يهتمون به، فإذا بلغ مائة وستين رطلاً عراقياً، فإنه يزكى، وإذا نقص عن مائة وستين فإنه لا يزكى.
وتقدر بقربتين، والقربة جلد شاة متوسطة.
стр. 340
زكاة المعادن ونصابها
المعدن: هو ما يستخرج من جوف الأرض، فإذا عثر على معدن من المعادن فإن كانت تختلف قيمتها كمعدن نحاس أو رصاص أو حديد، فاستخرج منه نصاباً فإن فيه ربع العشر في الحال؛ وذلك لأنه يعتبر كسباً جديداً، فيخرج منه.
أما إذا كان قليل القيمة كالملح أو الجص أو الأشياء الرخيصة، فمثل هذه تخرج الزكاة من القيمة إذا باعه بما يبلغ النصاب.
стр. 341
زكاة الركاز
وفي الركاز الخمس مطلقاً، والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، فإنه يوجد مدفوناً في قعر الأرض، وهو كنوز قديمة قد ترجع مدتها إلى آلاف السنين، فإذا وجدت اعتبرت مثل الغنيمة، فيخرج من قيمتها الخمس، فإذا كانت عليها علامات الإسلام فإنها لقطة فتعرف، فإذا لم تعرف أخرج منه قدر العشر ثم بعد ذلك يملكها، والله أعلم.
стр. 342
نصاب الذهب والفضة ومقدار زكاتهما
عندنا زكاة التجارة، وزكاة النقود، ففي حديث أنس الطويل الذي في الصحيح، قال النبي ﷺ : (وفي الرقة ربع العشر) ، وحدد نصابها بمائتي درهم، وقال: فإذا لم يكن عند الرجل إلا مائة وتسعون فليس عليه زكاة إلا أن يشاء، وحدد العلماء نصاب الذهب بعشرين مثقالاً، ونصاب الفضة بمائتي درهم، ثم ذكروا أنها بالجنيه السعودي أحد عشر جنيهاً ونصف، وبالريال السعودي الفضي ستة وخمسون ريالاً عربياً سعودياً، وبالريال الفرنسي اثنان وخمسون ريالاً فرنسياً، وكانوا يتعاملون به قبل ستين أو سبعين سنة قبل أن يضرب الريال السعودي.
وقدروا نصاب الذهب الآن فقال بعضهم: إنه واحد وتسعون جراماً، وقال بعضهم: بل خمسة وثمانون، وهو في هذه الحدود، فإذا بلغ النصاب فإنه يزكى، والذهب إما أن يكون تبراً أو مسبوكاً أو مضروباً، فالتبر هو الذي لم يصف، فلا يزال فيه خبثه وفيه ترابه، فلا زكاة فيه حتى يعلم مقدار ما فيه من الذهب بعد التصفية، فإذا بلغ خمسة وثمانين جراماً فإنه نصاب.
وأما المسبوك فهو الذي سبك حلياً، بمعنى أنه صيغ إلى خواتيم أو أسورة أو قلائد أو أقراط، ويسمى مصوغاً ومسبوكاً، فهذا إذا بلغ وزنه خمسة وثمانين جراماً فإنه نصاب، وما نقص فليس فيه نصاب وليس فيه زكاة.
أما المضروب فهو الذي ضرب دنانير أو جنيهات من الذهب كالجنيه السعودي والإفرنجي، فهذا يعتبر أيضاً بوزنه، وعرفنا أنه بالجنيه السعودي أحد عشر جنيهاً ونصفاً، وأنه إذا كان بغيره فإذا بلغ خمسة وثمانين جراماً فإنه نصاب.
أما الفضة فالفضة تكون تارة تبراً، يعني: مستخرجة من الأرض غير مصفاة، فإذا بلغ الصافي منها مقدار مائتي درهم أو ستة وخمسين ريالاً سعودياً فإنه نصاب وتخرج منه الزكاة إذا حال عليه الحول، وكذلك لو كان مصوغاً، فقد يصاغ من الفضة الحلي والخواتم، والحلق والأسورة، فإذا كان مقدراه مائتي درهم، أو ستة وخمسين ريالاً فضياً فإنه نصاب.
стр. 343
نصاب النقود الورقية ومقدارها
والآن جاءت هذه الأوراق، ووقع فيها خلاف طويل وكثير بين العلماء، فبعض مشايخنا يقول: إن نصابها ستة وخمسون كنصاب الفضة؛ لأن الريال الورقي بدل عن الريال الفضي سواء بسواء، ويقول: إن ريال الفضة لا يؤكل ولا يشرب ولكنه يدفع كقيمة، وكذلك يقال في ريال الورق إنه يؤخذ كقيمة، فلا فرق بينهما.
والأكثرون من المشايخ على أنها ليست كالفضة، وذلك لاختلاف القيمة، فأنت الآن إذا ذهبت للصرافين وطلبت منهم الريالات الفضية بريالات ورقية لا تجدها عندهم إلا بثمن أكثر، فقد يساوي ريال الفضة عشرة ريالات ورقية، وربما عشرين، فدل على أنها ليست مثلها في القيمة، ولعل السبب النفاسة، فإن الفضة يمكن ادخارها وتنفع في كل الدول، بخلاف الأوراق فإنه لا يمكن ادخارها، وهي أيضاً عرضة للتلف.
وكان بعض مشايخنا الأولين الذين ماتوا قديماً لما خرجت لا يدخرها، ويقول بعبارته: الفأر يخرقها، والماء يغرقها، واللص يسرقها، والنار تحرقها، والريح تفرقها، ومعنى هذا أنها ليست كالريالات الفضية، وذكروا أن بعض التجار ادخر ريالات ورقية كثيرة في زاوية من زوايا بيته، وغفل عنها عدة أشهر، فوجد الأرضة قد أكلتها، فذهبت عليه مئات الألوف، وكذلك كثير من الذين يغفلون عن النقود في مخابئهم، ثم يلقون الثوب في الغسالة، ويخرج وقد اضمحلت تلك النقود التي فيه.
وأيضاً معلوم أن ستة وخمسين في ذلك الوقت -قبل خمسين سنة أو أربعين سنة- كانت لها قيمة، والذي يملك ستة وخمسين ممكن أن يشتري له أرضاً، ويمكن أن تقوته سنة أو نصف سنة، وفي هذه الأزمنة لا يقال لمن عنده ستة وخمسون إنه غني، ولو اشترى بها ثوباً أو عمامة قد لا تكفي، ولذلك فالصحيح أنها ليست مثل الريالات الفضية؛ لوجود الفرق في الثمن، فعلى هذا تقدر قيمتها فنسأل ونقول: كم قيمة الريال الفضي عندكم أيها الصيارفة الآن بالريال الورقي؟ فإذا قالوا: عشرة ضربنا ستة وخمسين في عشرة فتكون خمسمائة وستين، فيكون هذا هو النصاب، فإذا حال عليها الحول فإنه يزكى، فهذا هو القول الأقرب.
стр. 344
ضم الأموال بعضها إلى بعض وتزكيتها عند بلوغها النصاب
قوله: (ثم يضمان في تكميل النصاب، وتضم العروض إلى بعضها) : يعني: إذا كان عنده نقود فضة ونقود ذهب، ونقود الذهب أقل من النصاب وكذا الفضة، فإذا قدرنا أن الذهب نصف نصاب والفضة نصف نصاب، فإنه يزكي؛ لأن مجموع الذي عنده أصبح نصاباً، وإذا كان عنده ربع نصاب فضة وربع نصاب ذهب ونصف نصاب عروض فإنها تضم.
والعروض هي السلع التي تعرض للبيع.
стр. 345
زكاة عروض التجارة ومقدارها وكيفية تقويمها
والعروض تخرج زكاتها فتقدر قيمتها وقت وجوب الزكاة، ولا يعتبر ثمنها الذي اشتريت به، فإذا اشترى الكيس بمائة، ولما تم الحول كان الكيس يساوي مائتين، فإنه يزكي قيمته المائتين، يعني: ببيع الجملة.
وكذلك إذا اشترى قطع القماش الطول بمائة، ثم صار الطول يساوي مائتين في رأس الحول، فإنه يزكي مائتين.
ويجمع الذي عنده بعضه إلى بعض، فإذا كانت تجارته في أطعمة وفي أكسية وفي أحذية وفي كماليات وفي أوانٍ، فلابد أن يخرج زكاة الجميع، فيقدر قيمة الثياب وقيمة الأغذية وقيمة الأحذية وغيرها، ببيع الجملة بسعر يوم إخراج الزكاة، ثم يخرج زكاتها.
حتى إن عمر ﵁ مر عليه رجل يحمل جلوداً، فاستدعاه وقدرها وأمره أن يخرج زكاتها؛ لأنها بلغت نصاباً؛ ولأنه ﷺ بعث من يخرص الزكاة على التجار ومنهم عمر ﵁، فذكروا أنه منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس وكانوا تجاراً، فعذر النبي ﷺ خالداً؛ لأن الذي عنده أسلحة قد أوقفها، فكان عنده دروع وسيوف ورماح ولكنه قد أوقفها كلها وجعلها في سبيل الله تعالى فلا زكاة فيها، وتحمل زكاة العباس؛ لأنه عمه، ولم يعذر ابن جميل، فدل على أنه تخرج الزكاة من التجار؛ ولأن أغلب أموال الناس الآن في التجارة، فإذا لم يجب على التجار زكاة سقطت عن أكثر الأموال، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] .
وزكاة النقود وزكاة التجارة والعروض ربع العشر فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع العشر، وربع العشر في المائة ريالان ونصف، وفي المائتين خمسة، وهكذا.
стр. 346
ما يباح للرجل والمرأة من الذهب والفضة
ويباح للرجل من الفضة الخاتم، فيلبس خاتماً في يده اليمنى أو اليسرى، في إصبعه الصغيرة: الخنصر أو البنصر، وكذلك تباح قبيعة السيف، يعني: طرف غلافه الذي يمسك به؛ وذلك لأنه مما يتخذ للزينة، وتسميها العامة الحياصة.
كذلك الجوشن يجوز أن يحلى بشيء من الفضة، وحلية المنطقة: وهي التي تجمع فيها الذخيرة.
أما الذهب فيباح للرجل منه قبيعة السيف، أي: طرفه، وكذلك ما دعت إليه الضرورة كأنف ونحوه، وفي قصة عرفجة أنه قطعت أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه، فرخص له النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب، وذلك للضرورة.
أما النساء فيباح لهن ما جرت العادة بلبسه، وعادتهن في كل زمان لبس ما تيسر، وفي هذه الأزمنة: ما يلبس في الرقبة وتسمى قلائد أو رشارش، وما تلبس في الأصابع وتسمى خواتيم، وما تلبس في الذراع وتسمى أسورة، ويسميه العامة: غوائش، وما تلبس في الأذن ويسمى أقراطاً، وما تلبس في الرأس وتسمى حلقاً، وما يلبس في الوسط ويسمى حزاماً، وما يلبس أيضاً في اليد، وما جرت عادتهن بلبسه.
стр. 347
زكاة الحلي وخلاف العلماء فيها
واختلف في زكاة الحلي المباح الذي يعد للاستعمال أو العارية، فكثير من الفقهاء يقولون: لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال أو العارية، وقاسوه على الأكسية، وأن المرأة لو كانت عندها ثياب ثمينة كثيرة فلا زكاة فيها، وكذلك قاسوها على الأواني، فإذا اتخذ إنسان عدة أوان زائدة عن قدر الحاجة ولو كانت أثمانها كثيرة فلا زكاة فيها، وكذلك كل ما يستعمل، فكل ما يتخذ للاستعمال لا زكاة فيه قياساً على النواضح وهي الإبل التي يستقى عليها أو يحمل عليها، ومثله في هذه الأزمنة السيارة التي يركب عليها أو الماكنة التي يسقي بها، أو ماكنة خياط يخيط بها، قالوا: لا زكاة فيها؛ لأنها ليست للنماء وإنما هي للاستعمال.
وهذا هو الذي كان عليه مشايخنا الأولون كالشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن رشيد ونحوهم، فقد كانوا لا يرون زكاة في الحلي المستعمل، وأما شيخنا الشيخ ابن باز فيختار أنه يزكى.
وقد كثر الخلاف في هذه المسألة وألفت فيها المؤلفات ما بين مؤيد للزكاة وما بين منكر لها، والخلاف طويل، والأدلة من هؤلاء وهؤلاء مختلفة، وكل منهم يجيب عن أدلة الآخر، والإطالة في هذا غير مناسبة.
ولكن نقول: الاحتياط أن ما يلبس دائماً كالخواتيم والأسورة لا زكاة فيه، وأما الذي لا يلبس إلا في المناسبات فإن فيه الزكاة، وذلك لأن كثيراً من النساء أسرفن في ذلك، فربما يكون عليها من الحلي ما قيمته مئات الألوف ولا تلبسه إلا مرة أو مرتين في السنة في أفراح أو في أعياد أو نحو ذلك، ولا شك أن هذا الإسراف يستدعي عدم التساهل، ويستدل أيضاً بالأحاديث التي استدل بها الشيخ في إيجاب الزكاة وهي مذكورة في الكتب الفقهية.
стр. 348
كيفية تقويم عروض التجارة وإخراج زكاتها
قال ﵀: (ويجب تقويم عروض التجارة بالأحظ للفقراء منهما) ، أي: من الذهب أو من الفضة، فإذا كان الأحظ أن تقوم بالذهب فتبلغ مثلاً أحد عشر جنيهاً قومت بالذهب، وإذا كان الأحظ للفقراء أن تقوم بالفضة قومت بالفضة، فإذا كانت عنده ثياب فإن قومناها بالفضة بلغت ثلاثمائة وإن قومناها بالجنيه ما بلغت إلا ثمانية جنيه أو خمسة جنيه فإننا نقومها بالفضة لأنها الأحظ للفقراء.
قوله: (وتخرج من قيمتها) .
أجاز بعض العلماء أن تخرج زكاتها منها، فمن كان عنده ثياب فيخرج الزكاة ثياباً، ومن كان عنده أحذية فيخرج الزكاة أحذية، ومن كانت عنده كتب فيخرج الزكاة كتباً، ومن كان عنده مواعين أخرجها منها.
ولكن القول الآخر وهو الصحيح أنها تخرج من القيمة، فيقومها ويخرج قيمتها.
стр. 349
كيفية حساب الحول إذا استبدل البضاعة بغيرها
قوله: (فإذا اشترى عرضاً بنصاب بنى على حوله، وإذا اشتراه بسائمة لم يبن) .
مثلاً: إذا كانت بضاعته ثياباً، ثم إنه اشترى بالثياب أطعمة فإنه يبني على حوله، فإذا كانت قد مرت ستة أشهر وبضاعته أكسية، والستة الأخرى جعلها أكياس أطعمة من الأرز أو من البر أو ما أشبه ذلك، فإنه يبني على حوله؛ وذلك لأن التجار يغيرون بضاعتهم كل يوم أو كل شهر، فيشتري أحدهم بضاعة جديدة ويصفي ما كان عنده وهكذا.
أما إذا أبدلها بسائمة فإنه ينقطع الحول، فلو كانت عنده تجارة تقوم بمائة ألف، ولما تم لها أحد عشر شهراً اشترى بها خمسين من الإبل سائمة، فحينئذ ينقطع الحول ويستقبل بالإبل حولاً جديداً.
стр. 350
شرح أخصر المختصرات [١٤]
من فضل الله وكرمه أن شرع عبادات في نهاية كل عبادة هامة؛ لتجبر النقص والتقصير الحاصل فيها، ومن ذلك الصيام، فإن النقص في هذه العبادة حاصل وكثير، فشرع الله لجبره وسد خلله زكاة الفطر، فإنها تجبر ما حدث في الصيام من خلل، فهي طهرة للصائم وطعمة للمساكين، ومصرف زكاة الفطر الفقراء والمساكين، مع أن مصارف زكاة الأموال ثمانية تولى الله بيانها وتحديدها بنفسه كما في آية التوبة.
стр. 351
وجوب زكاة الفطر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وتجب الفطرة على كل مسلم إذا كانت فاضلة عن نفقة واجبة يوم العيد وليلته وحوائج أصلية، فيخرج عن نفسه ومسلم يمونه، وتسن عن جنين.
وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، وتجوز قبله بيومين فقط، ويومه قبل الصلاة أفضل، وتكره في باقيه، ويحرم تأخيرها عنه، وتقضى وجوباً، وهي صاع من بر أو شعير أو سويقهما أو دقيقهما، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، والأفضل تمر فزبيب فبر فأنفع، فإن عدمت أجزأ كل حب يقتات، ويجوز إعطاء جماعة ما يلزم الواحد وعكسه.
فصل: ويجب إخراج زكاة على الفور مع إمكانه، ويخرج ولي صغير ومجنون عنهما، وشُرِطَ له نية، وحرم نقلها إلى مسافة قصر، إن وجد أهلها، فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلد المال، وفطرته وفطرة لزمته في بلد نفسه، ويجوز تعجيلها لحولين فقط، ولا تدفع إلا إلى الأصناف الثمانية وهم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل، ويجوز الاقتصار على واحد من صنف، والأفضل تعميمهم والتسوية بينهم، وتسن إلى من لا تلزمه مئونته من أقاربه، ولا تدفع لبني هاشم ومواليهم، ولا لأصل وفرع وعبد وكافر، فإن دفعها لمن ظنه أهلاً فلم يكن أو بالعكس لم تجزئه إلا لغني ظنه فقيراً.
وصدقة التطوع بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه سنة مؤكدة، وفي رمضان وزمن ومكان فاضل، ووقت حاجة أفضل] .
يسن للمسلم الحرص على اتباع السنة بقدر ما يستطيع، فإذا جاءته الأوامر وفيها ما هو مسنون وواجب حرص على أن يأتي بالمسنون زيادة على الواجب، وكثيراً ما نسمع أن هذا سنة وهذا واجب، ويريدون بالسنة: الفضيلة العمل الذي ليس بواجب ولكنه متأكد، فعندنا مثلاً: زكاة الفطر، فيها واجب وفيها مسنون، فتجب على الإنسان الموجود وعن أولاده ومن يمونه، وتسن عن الجنين في بطن أمه، ولا تجب على الجنين ومن لا تلزمه مئونته ونحوه.
الفطرة: صدقة الفطر، وهذه الصدقة تخرج في آخر رمضان، إما عند رؤية الهلال، وإما في صباح يوم العيد، وإما قبله بيوم أو يومين.
стр. 352
سبب مشروعية زكاة الفطر
لماذا شرعت زكاة الفطر؟ شرعت لسببين: السبب الأول: طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وذلك لأن الصائم قد يعمل بعض الأخطاء التي تقدح في صومه، فكلامه فيما لا يعنيه، وسفهه ولغوه، والغيبة والسباب ونحو ذلك، كل هذه لا شك أنها تنقص الصوم، كما قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: أنه إذا عمل بقول الزور فإن صومه يبطل أو ينقص أجره، وفي الحديث لما ذكر الصوم قال: (إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث ولا يجهل، فإن سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم) ، وورد حديث: (أهون الصيام ترك الطعام والشراب) يعني: أن ترك الغيبة وترك النميمة وترك الأعمال السيئة صعب على النفوس، وهو في الحقيقة ثمرة الصيام، وفي حديث آخر: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
فلما كان الصائم لا يسلم إلا نادراً شرع أن يختم صيامه بهذه الصدقة؛ لتكون مكملة لما نقص، ومرقعة لما تخرق.
ولذلك يقول بعضهم: استغفر الله من صيامي طول زماني ومن صلاتي صوم يرى كله خروق وصلاة أيما صلاة السبب الثاني لشرعيتها: أنها طعمة للمساكين، ففي الحديث: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) فإن يوم العيد يوم فرح وسرور، والناس يظهرون فيه بالفرح ويهنئ بعضهم بعضاً، ولذلك يكون من الذلة أن يذل الإنسان نفسه بتكفف الناس في ذلك اليوم، إذا لم يكن عنده ما يقوت به نفسه ويقوت به عياله، فلذلك شرعت هذه الفطرة: طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
стр. 353
من تجب عليه زكاة الفطر
تجب زكاة الفطر على كل مسلم، ولا تجب على كافر، ثم لا تجب عليه إلا إذا فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، صاع أو أكثر، فلا بد أن يبدأ بنفسه، فقد ورد في الحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ابدأ بنفسك وتصدق عليها، فيبدأ بنفسه، يترك لنفسه طعامه وطعام عياله يوم العيد وليلة العيد، وكذلك أيضاً ما يسد حوائجهم الأصلية من كسوة وأوانٍ وحاجيات، فيقدم حاجته، (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، وفي لفظ: (أن يحبس عن من يملك قوته) ، فإذا عجز عنهم بدأ بنفسه، فإن فضل شيء فلزوجته، فإن فضل بعدها فلأمه، ثم أبيه، ثم أولاده الأكبر فالأكبر، ثم من ينفق عليهم كخادم أو نحوه، وقيل: إن الخادم يقدم على الأولاد؛ وذلك لأنه يقول: أطعمني وإلا فأعتقني.
أما الجنين الذي في بطن أمه فلا تجب عنه ولكن تسن عنه، يعني: سنة مؤكدة، ولو ولدته قبل غروب الشمس بدقيقة وجبت عنه، فإن ولد في ليلة العيد فلا تجب، يعني: بعد غروب الشمس وإنما تسن، ولا تجب عن الكافر، فلو كان عند مسلم خادم كافر مملوك فلا تجب عليه؛ لأنها طهرة، والكافر ليس أهلاً للتطهير، فإن أسلم قبل غروب الشمس بدقيقة وجب أن يخرج عنه، وإن أسلم بعد غروب الشمس لم يجب، وكذلك لو اشترى عبداً قبل غروب الشمس بدقيقة فعليه فطرته، وبعد غروب الشمس لا تلزمه وإنما تلزم الذي باعه.
стр. 354
وقت إخراج زكاة الفطر
وقت وجوب زكاة الفطر غروب شمس ليلة الفطر، يعني: بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، هذا وقت الوجوب، ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، وذلك لأنه قد يشق على الناس تفريقها في ليلة واحدة، فلذلك رخص في أن يقدمها قبل العيد بيوم أو يومين، ولأن العادة أنها إذا جاءت إلى الفقير قبل العيد بيوم أو يومين يبقى بعضها إلى يوم العيد، فيبقى عنده ما يسد حاجته يوم العيد، ويكفيه عن التطوف.
وأفضل إخراجها: يوم العيد قبل الصلاة، أي: صباح العيد قبل الصلاة، ولو لم تصل إلى أهلها إلا بعد الصلاة، فمثلاً: إذا أخرجت إلى الجمعيات في صباح العيد، فجمعت عند الجمعية ولو بلغت عشرين كيساً أو أكثر، فالجمعية تفرقها في ذلك اليوم، أو بعده بيوم أو بعده بأيام، فيكون صاحبها قد أخرجها قبل الصلاة، فإن لم يتيسر له إخراجها قبل صلاة العيد، أخرجها ولو في ذلك اليوم، فإن فات يوم العيد كله فإنها لا تسقط، بل يقضيها ويبادر بقضائها متى انتبه إلى ذلك أو عرفه، فلو وكل من يخرجها ليلة العيد فنسي الوكيل ولم يعلم أنه لم يخرج إلا بعد العيد بيوم أو يومين فإنها لا تسقط، وعليه أن يقضيها لأنا عرفنا أنها فريضة، تجزئ في باقي العيد مع الكراهة، ويحرم تأخيرها بلا عذر عن يوم العيد، فيقضيها وجوباً.
стр. 355
مقدار زكاة الفطر
مقدار زكاة الفطر صاع من بر أو صاع من شعير أو سويقهما أو دقيقهما، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، هذه هي الأصول الخمسة التي وردت في الأحاديث، وكانت من القوت المعتاد في ذلك الزمان، وهي غالب قوتهم وكان أهل البوادي كثيراً ما يقتاتون الأقط، فجاءت الأحاديث بإخراجها من هذه الخمسة، ففي حديث أبي سعيد: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) فسر الطعام بأنه البر.
وجاء في حديث ابن عمر: (عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين) هكذا في موطأ مالك، فدل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر، ولو كان صاحبه ومالكه ينفق عليه؛ لأنها طهرة وهو ليس أهلاً للطهرة.
والدقيق هو الطحين، يعني: إذا طحن البر أو الشعير جاز إخراج صاع منه، ولكن يكون بالوزن لا بالمكيال؛ لأنه إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فربما يكون الصاع بصاع ونصف بعد ما يطحن، فيخرج بالوزن، فننظر كم وزنه، ووزن الصاع خمسة أرطال وثلثاً فيخرج خمسة أرطال وثلث من الدقيق أو من السويق، والسويق: هو البر أو الشعير يطبخ في سنبله طبخاً طويلاً نحو ثلاث ساعات أو أربع، ثم بعد ذلك يجفف، ثم يصفى من السنبل، ثم يسحق، ثم يؤكل بدون طبخ، وإذا أرادوا أكله بلوه بماء وأكلوه؛ فإنه قد نضج عندما طبخ وهو في السنبل، ويتخذه المسافر زاداً إذا كان مستعجلاً، ويكون الصاع من هذا بالوزن لا بالكيل، يعني: خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
следующие страницы →