Полный текст (2 153 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وجوب زكاة الفطر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وتجب الفطرة على كل مسلم إذا كانت فاضلة عن نفقة واجبة يوم العيد وليلته وحوائج أصلية، فيخرج عن نفسه ومسلم يمونه، وتسن عن جنين.
وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، وتجوز قبله بيومين فقط، ويومه قبل الصلاة أفضل، وتكره في باقيه، ويحرم تأخيرها عنه، وتقضى وجوباً، وهي صاع من بر أو شعير أو سويقهما أو دقيقهما، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، والأفضل تمر فزبيب فبر فأنفع، فإن عدمت أجزأ كل حب يقتات، ويجوز إعطاء جماعة ما يلزم الواحد وعكسه.
فصل: ويجب إخراج زكاة على الفور مع إمكانه، ويخرج ولي صغير ومجنون عنهما، وشُرِطَ له نية، وحرم نقلها إلى مسافة قصر، إن وجد أهلها، فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلد المال، وفطرته وفطرة لزمته في بلد نفسه، ويجوز تعجيلها لحولين فقط، ولا تدفع إلا إلى الأصناف الثمانية وهم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل، ويجوز الاقتصار على واحد من صنف، والأفضل تعميمهم والتسوية بينهم، وتسن إلى من لا تلزمه مئونته من أقاربه، ولا تدفع لبني هاشم ومواليهم، ولا لأصل وفرع وعبد وكافر، فإن دفعها لمن ظنه أهلاً فلم يكن أو بالعكس لم تجزئه إلا لغني ظنه فقيراً.
وصدقة التطوع بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه سنة مؤكدة، وفي رمضان وزمن ومكان فاضل، ووقت حاجة أفضل] .
يسن للمسلم الحرص على اتباع السنة بقدر ما يستطيع، فإذا جاءته الأوامر وفيها ما هو مسنون وواجب حرص على أن يأتي بالمسنون زيادة على الواجب، وكثيراً ما نسمع أن هذا سنة وهذا واجب، ويريدون بالسنة: الفضيلة العمل الذي ليس بواجب ولكنه متأكد، فعندنا مثلاً: زكاة الفطر، فيها واجب وفيها مسنون، فتجب على الإنسان الموجود وعن أولاده ومن يمونه، وتسن عن الجنين في بطن أمه، ولا تجب على الجنين ومن لا تلزمه مئونته ونحوه.
الفطرة: صدقة الفطر، وهذه الصدقة تخرج في آخر رمضان، إما عند رؤية الهلال، وإما في صباح يوم العيد، وإما قبله بيوم أو يومين.
стр. 352
سبب مشروعية زكاة الفطر
لماذا شرعت زكاة الفطر؟ شرعت لسببين: السبب الأول: طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وذلك لأن الصائم قد يعمل بعض الأخطاء التي تقدح في صومه، فكلامه فيما لا يعنيه، وسفهه ولغوه، والغيبة والسباب ونحو ذلك، كل هذه لا شك أنها تنقص الصوم، كما قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) يعني: أنه إذا عمل بقول الزور فإن صومه يبطل أو ينقص أجره، وفي الحديث لما ذكر الصوم قال: (إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث ولا يجهل، فإن سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم) ، وورد حديث: (أهون الصيام ترك الطعام والشراب) يعني: أن ترك الغيبة وترك النميمة وترك الأعمال السيئة صعب على النفوس، وهو في الحقيقة ثمرة الصيام، وفي حديث آخر: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
فلما كان الصائم لا يسلم إلا نادراً شرع أن يختم صيامه بهذه الصدقة؛ لتكون مكملة لما نقص، ومرقعة لما تخرق.
ولذلك يقول بعضهم: استغفر الله من صيامي طول زماني ومن صلاتي صوم يرى كله خروق وصلاة أيما صلاة السبب الثاني لشرعيتها: أنها طعمة للمساكين، ففي الحديث: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) فإن يوم العيد يوم فرح وسرور، والناس يظهرون فيه بالفرح ويهنئ بعضهم بعضاً، ولذلك يكون من الذلة أن يذل الإنسان نفسه بتكفف الناس في ذلك اليوم، إذا لم يكن عنده ما يقوت به نفسه ويقوت به عياله، فلذلك شرعت هذه الفطرة: طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
стр. 353
من تجب عليه زكاة الفطر
تجب زكاة الفطر على كل مسلم، ولا تجب على كافر، ثم لا تجب عليه إلا إذا فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، صاع أو أكثر، فلا بد أن يبدأ بنفسه، فقد ورد في الحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) ابدأ بنفسك وتصدق عليها، فيبدأ بنفسه، يترك لنفسه طعامه وطعام عياله يوم العيد وليلة العيد، وكذلك أيضاً ما يسد حوائجهم الأصلية من كسوة وأوانٍ وحاجيات، فيقدم حاجته، (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، وفي لفظ: (أن يحبس عن من يملك قوته) ، فإذا عجز عنهم بدأ بنفسه، فإن فضل شيء فلزوجته، فإن فضل بعدها فلأمه، ثم أبيه، ثم أولاده الأكبر فالأكبر، ثم من ينفق عليهم كخادم أو نحوه، وقيل: إن الخادم يقدم على الأولاد؛ وذلك لأنه يقول: أطعمني وإلا فأعتقني.
أما الجنين الذي في بطن أمه فلا تجب عنه ولكن تسن عنه، يعني: سنة مؤكدة، ولو ولدته قبل غروب الشمس بدقيقة وجبت عنه، فإن ولد في ليلة العيد فلا تجب، يعني: بعد غروب الشمس وإنما تسن، ولا تجب عن الكافر، فلو كان عند مسلم خادم كافر مملوك فلا تجب عليه؛ لأنها طهرة، والكافر ليس أهلاً للتطهير، فإن أسلم قبل غروب الشمس بدقيقة وجب أن يخرج عنه، وإن أسلم بعد غروب الشمس لم يجب، وكذلك لو اشترى عبداً قبل غروب الشمس بدقيقة فعليه فطرته، وبعد غروب الشمس لا تلزمه وإنما تلزم الذي باعه.
стр. 354
وقت إخراج زكاة الفطر
وقت وجوب زكاة الفطر غروب شمس ليلة الفطر، يعني: بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، هذا وقت الوجوب، ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين، وذلك لأنه قد يشق على الناس تفريقها في ليلة واحدة، فلذلك رخص في أن يقدمها قبل العيد بيوم أو يومين، ولأن العادة أنها إذا جاءت إلى الفقير قبل العيد بيوم أو يومين يبقى بعضها إلى يوم العيد، فيبقى عنده ما يسد حاجته يوم العيد، ويكفيه عن التطوف.
وأفضل إخراجها: يوم العيد قبل الصلاة، أي: صباح العيد قبل الصلاة، ولو لم تصل إلى أهلها إلا بعد الصلاة، فمثلاً: إذا أخرجت إلى الجمعيات في صباح العيد، فجمعت عند الجمعية ولو بلغت عشرين كيساً أو أكثر، فالجمعية تفرقها في ذلك اليوم، أو بعده بيوم أو بعده بأيام، فيكون صاحبها قد أخرجها قبل الصلاة، فإن لم يتيسر له إخراجها قبل صلاة العيد، أخرجها ولو في ذلك اليوم، فإن فات يوم العيد كله فإنها لا تسقط، بل يقضيها ويبادر بقضائها متى انتبه إلى ذلك أو عرفه، فلو وكل من يخرجها ليلة العيد فنسي الوكيل ولم يعلم أنه لم يخرج إلا بعد العيد بيوم أو يومين فإنها لا تسقط، وعليه أن يقضيها لأنا عرفنا أنها فريضة، تجزئ في باقي العيد مع الكراهة، ويحرم تأخيرها بلا عذر عن يوم العيد، فيقضيها وجوباً.
стр. 355
مقدار زكاة الفطر
مقدار زكاة الفطر صاع من بر أو صاع من شعير أو سويقهما أو دقيقهما، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، هذه هي الأصول الخمسة التي وردت في الأحاديث، وكانت من القوت المعتاد في ذلك الزمان، وهي غالب قوتهم وكان أهل البوادي كثيراً ما يقتاتون الأقط، فجاءت الأحاديث بإخراجها من هذه الخمسة، ففي حديث أبي سعيد: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) فسر الطعام بأنه البر.
وجاء في حديث ابن عمر: (عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين) هكذا في موطأ مالك، فدل على أنها لا تخرج عن العبد الكافر، ولو كان صاحبه ومالكه ينفق عليه؛ لأنها طهرة وهو ليس أهلاً للطهرة.
والدقيق هو الطحين، يعني: إذا طحن البر أو الشعير جاز إخراج صاع منه، ولكن يكون بالوزن لا بالمكيال؛ لأنه إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فربما يكون الصاع بصاع ونصف بعد ما يطحن، فيخرج بالوزن، فننظر كم وزنه، ووزن الصاع خمسة أرطال وثلثاً فيخرج خمسة أرطال وثلث من الدقيق أو من السويق، والسويق: هو البر أو الشعير يطبخ في سنبله طبخاً طويلاً نحو ثلاث ساعات أو أربع، ثم بعد ذلك يجفف، ثم يصفى من السنبل، ثم يسحق، ثم يؤكل بدون طبخ، وإذا أرادوا أكله بلوه بماء وأكلوه؛ فإنه قد نضج عندما طبخ وهو في السنبل، ويتخذه المسافر زاداً إذا كان مستعجلاً، ويكون الصاع من هذا بالوزن لا بالكيل، يعني: خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
стр. 356
أفضل الأنواع التي تخرج منها الفطرة
أكثر الصحابة على أن أفضل الأصناف في زكاة الفطر: التمر لسهولة نقله وعدم احتياجه إلى طبخ أو إصلاح، فكانوا يخرجونها من التمر كـ ابن عمر، ولكن يفضل الأنفع للفقراء، ومعاوية لما قدم من الشام وجد أهل المدينة يخرجونها من الشعير، والشعير رخيص، فأشار عليهم أن يخرجوها من البر ولو أقل، فقال: أرى نصف صاع من سمراء الشام يعدل صاعاً من الشعير؛ وذلك لأنه رأى أن الشعير لا يؤكل، وإنما يدفع علفاً للغنم ونحوها، والناس يخرجون منه، فأشار عليهم أن يخرجوا شيئاً يؤكل ولو قليلاً، وكانت قيمة الصاع من الشعير بقيمة نصف صاع من البر، فجعلوا صاع الشعير بنصف صاع من بر، ولكن أبا سعيد استمر على إخراج صاع كامل، ولو من الشعير.
فنقول: إن كان ولابد من إخراج شعير -والشعير لا يؤكل- فنصف صاع من البر الذي يؤكل أفضل من صاع أو صاعين مما لا يؤكل، أما إذا كانوا يخرجونها صاعاً من بر بطيب نفس فإن ذلك أكمل.
فالأفضل هو التمر كما فعله ابن عمر، ثم بعده الزبيب؛ لأنه شبيه به، ولا يحتاج إلى طبخ، ثم بعده البر؛ لأنه أنفع، ثم ينظر إلى الأنفع، فإذا عدمت هذه الخمس أجزأ كل حب يقتات، وذهب بعض العلماء كـ شيخ الإسلام إلى أن الأفضل إخراجها من القوت المعتاد، وأفتى مشايخنا بإخراجها من الأرز؛ لأنه أكثر استعمالاً في هذه الأزمنة، فإخراجها منه أفضل، وإذا لم يتيسر فالبر أفضل، لأنه قوت، أما التمر فقد لا يقتات به إلا القليلون، ولو كان ينفع الفقراء ونحوهم، لكن الغالب أنهم لا يجعلونه قوتاً، فإذا عدمت هذه الأصناف وكان قوت أهل البلد مثلاً: الدخن أو الذرة أو السلق أو الفول فإنهم يخرجون منه؛ لأنه يصبح قوتاً معتاداً.
واختلف هل تخرج من اللحم؟ إذا كان قوتهم لحم سمك أو لحم طير فنقول: إذا كانوا لا يطعمون إلا اللحم أخرجوا الزكاة مما يأكلون.
стр. 357
حكم إخراج زكاة الفطر نقداً
اختلف هل يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر؟ الحنفية يجيزون إخراج القيمة، والجمهور يقولون: إذا وجدت الأصناف الخمسة أو القوت فلا؛ وذلك لخدمة الفقراء، والحنفية قالوا: نظرنا وإذا الحاجة تندفع بالقيمة، ونظرنا وإذا كثير من الذين يأخذونها يبيعونها برخص، فربما يشتري صاحبها الصاع بخمسة، فيجتمع عند الفقير عشرون صاعاً فيبيع الصاع بثلاثة؛ لأنه يريد الثمن، فلو أعطي قيمتها لكان أربح له، ولكن الأولى إخراجها من الأصناف، وإعطاؤها لمن هو بحاجة إليها ليأكلها، أما هؤلاء الذين يجمعونها ويبيعونها فلا يستحقونها، ولو كان يشملهم اسم الفقر، ولكن ينظر من هم الفقراء الذين يحتاجون إلى القوت، فشراؤها لهم خدمة لهم، وتسهيل عليهم، فبدل ما يذهبون ويشترونها من الأسواق تأتيهم عند أبوابهم.
قوله: (ويجوز إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه) يعني: إذا كان الفقراء كثيرين فأخرجت صاعاً وفرقته عليهم حفنة حفنة، وكذلك إذا كان الفقير واحداً والبيوت كثيرة: عشرة بيوت، وكلهم جمعوا فطرتهم وأعطوها هذا الفقير فهذا جائز إذا كان مستحقاً.
стр. 358
وجوب إخراج الزكاة على الفور
ذكر المصنف إخراج الزكاة، يعني: زكاة المال وزكاة الفطر، وإخراجها يعني: إيصالها إلى أهلها وإعطاؤها لمستحقيها فوراً بدون تأنٍ وبدون تأخير، فقد يحتاج إلى عمل، ويحتاج إلى أن يحصي قيمة بضائعه ويدققها، ويحسب الديون التي عليه، ويحسب الديون التي له، ويسقط هذه من هذه، ثم ينظر في الباقي، ثم ينظر هل عنده سيولة نقود، ثم بعد ذلك يسأل: أين الفقراء؟ لمن نصرفها؟ فإذا تيسرت وجمع ما يكفي أخرجه وأوصله إلى أهله.
стр. 359
وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون
الصبي والمجنون في أموالهما زكاة، وعليهما زكاة فطر ولو لم يكونا مكلفين، فيلزم الولي إخراج الفطرة عن الصبي وعن المجنون ولو لم يكونا من الذين يصومون، فإذا كانت لهما أموال فالولي هو المكلف بإخراج الزكاة منها، هذا هو قول الجمهور، وذهب بعض العلماء كالحنفية إلى أنه لا يزكى مال المجنون؛ لأنه غير مكلف، يقولون: تسقط عنه الصلاة ويسقط عنه الصوم، ويسقط عن الحج، فكيف يكلف بالزكاة؟!
و
الجواب
أن الزكاة تجب في المال ولا تجب على البدن، أما الصلاة والصوم فإنها على البدن؛ ولأن المال الموجود تتعلق به نفوس الفقراء، فينظرون إلى هذا المال الذي يديره وكيله، فيتحرون أن يأتيهم حقهم منه، ولا ينظرون إلى مالكه، فلذلك تجب الزكاة في مال الصبي وفي مال المجنون.
ولابد من النية عند إخراج الزكاة، فلو أخرج من جيبه مالاً وأعطاه مسكيناً كتطوع، ثم أراد أن ينويها زكاة لا يصح؛ لأن النية لابد أن تكون مقارنة لإعطائها الفقير، فلا يصح أن يخرجها بلا نية ولا تجزئ.
стр. 360
حكم نقل الزكاة إلى بلاد غير بلاد المزكي
هل يجوز نقل الزكاة إلى بلاد أخرى؟ أكثر الفقهاء على أنها لا تنقل إلى مسافة قصر، يعني: إلى مسيرة يومين بسير الإبل، بل تفرق في البلد الذي فيه المال؛ وذلك لأن الفقراء فيه يتشوفون إلى حقهم في هذا المال، فإذا نقلت إلى بلاد أخرى كان في ذلك تفويتاً لحقهم، وإساءة الظن بأهل هذا المال، فيظنون أنهم لا يزكون، ويقولون: كيف زكوا ونحن فقراء ولم يأتنا شيء منها؟! فهذا هو السبب.
واستدلوا أيضاً بقوله ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) فإن ظاهره أنها تؤخذ من هذا وتعطى لهذا في الحين وفي الحال، وكان النبي ﷺ يرسل السعاة فيأمرهم أن يفرقوها على الفقراء في حينها، فإذا لم يجدوا أحداً من الفقراء جاءوا إليه بما بقي.
ولعل الصواب: أنه يصح نقلها للمصلحة، ومعروف أنه ﵇ كان يرسل الجباة ليأتوا إليه بالزكاة، وأن أولئك الجباة كانوا يأتون فيقولون: هذه هي الزكاة التي جمعناها، فيفرقها على أهل المدينة أو على أهل البوادي وغيرهم.
وفي حديث ابن اللتبية أنه قال: (هذا لكم وهذا أهدي إلي) ، فأنكر عليه النبي ﷺ قبول الهدية، مخافة أنه تغاضى لأجلها عن بعض الحقوق، وقال: (أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً) .
فدل على أن الواقع أنهم كانوا يأتون بها إليه، ولا شك أنهم كانوا يفرقون بعضها، ولكن الغالب أنهم يأتون بأكثرها، ولعل السبب في ذلك: أن أهل تلك البوادي أغنياء وعندهم أموال، فإذا جبيت من هؤلاء البوادي وليس فيهم فقراء فإنها تجمع ويؤتى بها إلى الإمام ثم الإمام يتولى توزيعها أو يدخلها في بيت المال، والواقع في هذه الأزمنة أن الجباة والعمال يوجهون ويقال لهم: أعطوا فلاناً، وأعطوا فلاناً، وأعطوا فلاناً؛ فيعطون بحسب تلك الأسماء، وما بقي فإنهم يأتون به ويدخلونه في بيت المال، ولا شك أن من دفعها إلى ولي الأمر برئت ذمته؛ لأن بيت المال مجمع الأموال التي تجبى من كل جهة وتصرف في مصالح المسلمين.
стр. 361
تخرج زكاة المال في بلد المال، وزكاة الفطرة في مكان وجوده
إذا كان المزكي في بلد وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلد المال، وأخرج فطرته وفطرة من يمونه وفطرة من لزمته في البلد الذي هو فيه، قالوا: لأن الزكاة تتبع المال، والفطرة تتبع البدن، مثاله: إذا كانت أمواله في الرياض وهو مستقر في مكة أو في جدة، فإنه يفرق زكاة أمواله ببلد المال: الرياض، ويخرج فطرته وفطرة عياله في البلد التي أقاموا فيها، وقيل: إنه يخرج فطرته في البلد الذي تغيب شمس الثلاثين من رمضان وهو فيه، فلو قدر مثلاً أنه وعياله صاموا في الرياض، وقبل العيد ببومين أو بيوم ذهبوا إلى مكة، وجاءتهم ليلة العيد وهم بمكة فيفطرون في مكة، يعني: كأن الفطرة تتبع البدن، فيخرجونها في البلد الذي هم فيه ليلة العيد.
стр. 362
جواز تعجيل الزكاة
يحوز تعجيل الزكاة لحولين فقط، يعني: إذا رأيت مستحقاً في هذه السنة وعندك زكاة السنة القادمة وزكاة السنة التي بعدها فقلت: سوف أعجل زكاة سنتين وأعطيها هذا الفقير الذي يكاد أن يسجن في دينه، أو الذي أحدق به الغرماء وشددوا عليه، فأعطيته زكاة سنتين دفعة واحدة جاز ذلك، ولا يجوز أكثر من سنتين، وإنما يجوز هذا إذا كان هناك سبب، وإلا فالأصل إخراج زكاة كل مال بعد حوله.
واستدلوا بأنه ﷺ قال: (إنا كنا احتجنا فأقرضنا العباس صدقة سنتين) لما جاء عمر فقال: إن العباس منع الزكاة، قال: (هي علي ومثلها معها) يعني: كان العباس قد دفع زكاة سنتين، فدل على أنه يجوز إخراج الزكاة عن سنتين ولا يستحب.
стр. 363
مصارف الزكاة
أهل الزكاة هم المذكورون في الآية الكريمة من سورة التوبة، ذكروا أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يسأله من الزكاة، فقال: (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) فبين أن الله تعالى هو الذي تولى قسمها في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) ، (إنما) أداة حصر، ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وحد الفقير: هو الذي دخله يكفيه أقل من نصف الشهر، وبقية الشهر يقترض، فإذا كان دخله خمسمائة وينفقها في ثلاثة عشر يوماً، وبقية الشهر ليس عنده شيء فهذا نسميه فقيراً، فإذا كان مثلاً دخله ستمائة وتكفيه سبعة عشر يوماً فنسميه مسكيناً، فالمسكين أقل حاجة من الفقير، والدليل أن الله تعالى ذكر الفقراء وحث على الإنفاق عليهم، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ، وقال تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [البقرة:٢٧٣] هكذا وصفهم، وكذلك في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] وصفهم بأنهم فقراء؛ لأنهم تركوا أموالهم وهاجروا، فالفقراء أشد حاجة، وقد ثبت أنه ﷺ استعاذ من الفقر: (أعوذ بك من الفقر إلا إليك) .
وأما المسكنة فالمسكين أخف حاجة، وهو الذي يكفيه دخله أكثر الشهر، والدليل قول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] فوصفهم بأنهم مساكين، وأن لهم سفينة يعملون عليها في البحر، فدل على أنهم قد يملكون بعض الأشياء، ومع ذلك يوصفون بأنهم مساكين، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) فكونه استعاذ من الفقر، وسأل ربه أن يجعله مسكيناً دل على أن المسكنة أقل شدة من الفقر.
الثالث: العاملون عليها، يعني: الجباة الذين يجمعونها، يرسلهم الأئمة ليجمعوها، فيكون لهم حق فيها بقدر تعبهم، ويستثنى من ذلك إذا كان لهم رواتب، فالحكومة في هذه الأزمنة تفرض لهم رواتب، فإذا كان كذلك فلا يحق لهم أن يأخذوا منها شيئاً، بل يكتفون بما يفرض لهم من الرواتب، فإن فرضت لهم الحكومة شيئاً ونسبة معينة اقتصروا عليها، ولا يزيدون، هذا هو الصواب.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم رؤساء القبائل ومن كانت لهم شهرة ومكانة في أقوامهم، فيعطون تأليفاً لهم، إذا كان يرجى إسلامه أعطي من الزكاة ولو كان كافراً حتى يسلم، أو ليقوى إيمانه، فهو مسلم، ولكن إيمانه ضعيف، فيعطى حتى يقوى إيمانه، أو إسلام نظيره، فإذا أعطيناه أسلم أولئك الآخرون من القواد والرؤساء، أو يرجى منه جباية زكاة، إذا كان رئيساً وقومه يطيعونه ولا يجبون الزكاة إلا إذا أمرهم، فإذا أعطيناه شيئاً منها سلم قومه وعشيرته ودفعوا الزكاة، فمثل هؤلاء مؤلفة قلوبهم فيعطون منها.
وثبت أنه ﷺ لما غنموا غنائم حنين أعطى منها المؤلفة قلوبهم، ومنهم: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، ومنهم عباس بن مرداس أعطاه أقل من عيينة والأقرع؛ فغضب لذلك فكمل له النبي ﷺ مثلهم، لا شك أن مثل هؤلاء كانوا يُتألفون، وفي عهد عمر ﵁ قوي الإسلام وانتشر وتمكن في البلاد، وعاد أولئك الرؤساء كسائر الناس لا يحتاج إلى تأليفهم، فأسقط عمر حقهم، وقال: إن الله قد أعز دينه فلا حاجة إلى أن نتألفهم، وليسوا فقراء ولا مساكين ولا ضعفاء ولا غارمين، ولا نعطيهم لأنهم أكابر ورؤساء وقواد، وهم لا يستحقون من الزكاة، إنما كان ذلك في حالة ضعف الإسلام، فأما بعد ما قوي الإسلام فلا حق لهم، وهذا هو السبب في إسقاطه حقهم.
الخامس: الرقاب، يعني: المماليك الذين اشتروا أنفسهم بمال مؤجل، ويسمون المكاتبين، فالمكاتب الذي اشترى نفسه يعطى من الزكاة حتى يوفي عن نفسه.
السادس: الغارمون، والغارم: هو المدين الذي عليه دين كثير لا يستطيع وفاءه، إما غارم لإصلاح ذات البين، كأن يقترض أموالاً يصلح بها بين فئتين من المسلمين، وإما غارم لنفسه يعني: استدان ولا يستطيع أن يفي، ولو لم يوصف بأنه فقير، ولو كان عنده دخل، ولكن الدين استغرق أمواله.
السابع: في سبيل الله، فسر بأنه في الجهاد، يعني: المجاهدون الذين ليس لهم رواتب، فيعطون من الزكاة ما يشترون به أسلحة وما ينفقون به على أنفسهم ذهاباً وإياباً ولو كانوا أغنياء في بلادهم؛ تقوية للمجاهدين وللجهاد، وتكون النفقة عليهم مضاعفة، فالنفقة في سبيل الله: الحسنة أو الدرهم بسبعمائة، وذهب بعض العلماء إلى أن كلمة في سبيل الله تعم وجوه الخير كلها، فيدخل في ذلك بناء المساجد، وبناء المدارس، وإصلاح القناطر، وإصلاح الطرق، وتهيئتها للسالكين، ويدخل في ذلك نشر العلم، وطبع الكتب، وتيسير وسائل العلم وما أشبه ذلك، وقالوا: إن سبيل الله كل وسيلة توصل إلى رضا الله تعالى.
ونقول: إذا تعطلت هذه المصالح ولم يوجد لها إلا مصرف الزكاة صرف فيها من الزكاة، وإلا فالأصل أن الزكاة لها مصرف خاص، وهو كونها في سبيل الله يعني: في القتال.
الثامن: ابن السبيل، ويعرفونه: بأنه المسافر الذي انقطع به السفر، وإن كان له أموال في بلاده، وفي هذه الأزمنة يمكنه أن يتصل ببلاده، ويطلب إرسال مال بواسطة البنوك، ويأتي بسرعة، لكن إذا لم يتيسر وبقي منقطعاً لا يستطيع حيلة، وليس له وسيلة يصل بها إلى أهله؛ حلت له الزكاة إلى أن يصل إلى أهله، هؤلاء هم أهل الزكاة الثمانية.
стр. 364
الاقتصار في صرف الزكاة على صنف واحد من الأصناف الثمانية
هل يجوز الاقتصار في صرف الزكاة على صنف واحد؟ الصحيح أنه يجوز، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] فاقتصر على الفقراء، فدل على أنه يجوز إعطاؤهم الزكاة كلها، والأفضل تعميمهم، يعني: الأفضل إذا كان عندك مال كثير أن تقول: هذا نصيب الفقراء، هذا نصيب المساكين، هذا نصيب الغارمين، هذا نصيب المجاهدين، هذا نصيب العاملين، هذا نصيب المنقطعين، وتسوي بينهم، يعني: إذا كانت ثمانية آلاف فكل قسم أو صنف له ألف، ولكن الصواب أنه يقدم أكثرهم حاجة، فالأشد حاجة كالفقراء والغارمين مثلاً يقدمون.
قوله: (وتسن إلى من لا تلزم مئونته من أقاربه) إذا كان له أقارب وفقراء لا تلزمه مئونتهم ففيهم أفضل، يقول ﷺ : (صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة) بشرط ألا تلزمه مئونتهم، فإن كانت تلزمه مئونتهم فلا يجوز؛ لأنه يدفعها حماية ووقاية لماله، والذين تلزمه مئونتهم: هم الذين يرثهم أو يرثونه، فإذا كان له إخوة فقراء وليس لهم أولاد لو ماتوا لورثهم، ألزم بإعطائهم النفقة، وألزم بالإنفاق عليهم إذا كان قادراً، فإن كان لهم أولاد فإنه لا يرثهم، ففي هذه الحالة يعطيهم من الزكاة، وكذلك أعمامه إذا لم يكن لهم أولاد ولم يكن لهم إخوة، وكان هو الذي يرثهم لو ماتوا، أو يرثون منه يلزمه الإنفاق عليهم فلا يعطيهم من الزكاة.
стр. 365
حكم دفع الزكاة لبني هاشم في حالة الضرورة
لا تدفع الزكاة لبني هاشم، وبنو هاشم: هم أقارب النبي ﷺ ، يقول ﷺ : (لا تحل الصدقة لبني هاشم، إنما هي أوساخ الناس) وقال لهم: (إن لكم بخمس الخمس ما يغنيكم عن الزكاة) هذا هو المشهور.
وفي هذه الأزمنة يوجد كثيرون يسمون أنفسهم سادة، ويدعون أنهم من ذرية علي إما من ذرية الحسن أو الحسين، أو من ذرية جعفر أو نحو ذلك، فيقولون: نحن من بني هاشم ويوجد فيهم فقراء وضعفاء ومساكين وغارمون، ولا يأتيهم من بيت المال ما يكفيهم، فنقول: إذا اضطروا واحتاجوا جاز أن يدفع لهم؛ وذلك لأنه لم يتيسر لهم ما كانوا يعطونه من خمس الخمس، كان النبي ﷺ إذا غنم غنيمة قسمها خمسة أخماس: أربعة أخماس للغانمين، وخمس يجتبيه، ثم إن هذا الخمس يوزعه خمسة أخماس على قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] فيوزعه على هؤلاء، وفي هذه الأزمنة لا يوجد جباية أموال، ولا يوجد ما يقوم مقام الزكاة، فلا خمس ولا غنائم، فيحتاجون إلى أن يعطوا من الزكاة ما يسد حاجتهم.
ذكر المصنف أن موالي بني هاشم لا تحل لهم الزكاة، والصحيح أنها تحل لهم في هذه الحالة كما تحل لبني هاشم، واستدل الفقهاء بحديث أبي رافع مولى النبي ﷺ ، ذكر أن بعض العمال استدعاه أن يخرج معه في عمالة للزكاة ليصيب منها، فاستشار النبي ﷺ فقال: (إنها لا تحل لنا، وإن مولى القوم منهم) فلم يخرج أبو رافع، فإذا قلنا: إنها تحل لبني هاشم للحاجة فمواليهم بالطريق الأولى، فمواليهم ليس لهم شرف السيادة التي لبني هاشم.
стр. 366
حكم دفع الزكاة إلى من تلزم مئونته
قوله: (ولا تحل لأصل ولا فرع) وذلك لأنه تلزمه مئونتهم، فالأصل: هم الآباء والأجداد ذكوراً وإناثاً، فلا يعطي منها أباه ولا أمه ولا جده أبا أبيه، ولا جده أبا أمه، ولا جداته من كل جهة، ولا يعطي أحداً من أصوله، وكذلك الفروع وهم من تفرع عنه: أولاده ذكوراً وإناثاً، وأولاد بنيه ذكوراً وإناثاً، وأولاد بناته وأولاد بنات بناته ونحوهم؛ لأنه ينفق عليهم عند الحاجة، وينفقون عليه إذا احتاج.
ولا تحل الزكاة لكافر؛ وذلك لأنها صدقات، والكفار ليسوا أهلاً للصدقات.
стр. 367
حكم دفع الزكاة لمن ظُن من أهلها ثم تبين خلاف ذلك
قوله: (فإن دفعها لمن ظنه أهلاً فلم يكن لم تجزئ) يعني: دفعها لهاشمي يظنه غير هاشمي فإنها لا تجزئ إذا علم بعد ذلك أنه من بني هاشم، أما إذا دفعها لمن يظنه غنياً فبان فقيراً فإنها تجزئ، وفيه قصة ذلك الرجل الذي قال: لأتصدقن الليلة، فخرج فوضع صدقته في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقيل له: إنه قد قبلت صدقتك، وكذلك لو تعمد إخراجها لمن يعتقده غنياً، قال: هذا الرجل أعطيه وأنا أجزم أنه غني، فأعطاها إياه، ثم تبين أنه فقير، فهل تجزئ؟ لا تجزئ؛ لأنه عندما دفعها كان جازماً أنها في غير أهلها.
стр. 368
الحث على صدقة التطوع وتضاعفها في الأزمنة والأماكن الفاضلة
بعد ذلك ذكر المصنف صدقة التطوع، والصدقة بالفاضل مستحبة، وقد رغب الله تعالى في الصدقات كما في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:١٧٧] يعني: آتى المال على حبه، وكذلك قوله تعالى في قصة عباد الله الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٨-٩] كل هذا في صدقة التطوع، وورد فيها فضل كبير ومضاعفة كبيرة.
فلابد أن يتصدق بما فضل عن كفايته وكفاية من يمونه، فهي سنة مؤكدة، ولا يجوز أن ينقص كفاية عياله؛ لحديث: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها) وحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) .
وتضاعف أجر الصدقة في رمضان ورد فيه حديث: (إذا دخل رمضان فانبسطوا في النفقة فإن النفقة فيه مضاعف) ، وكذلك في سبيل الله، وكذلك في الأزمنة الفاضلة كعشر ذي الحجة ويوم الجمعة، وكذلك الأماكن الفاضلة كمكة والمدينة، وكذلك أوقات الحاجة، إذا كانت هناك حاجة وشدة وفقر وجوع شديد في بلد، فإن الصدقة عليهم تكون مضاعفة، هذا هو الأصل في إيجاب الصدقات.
стр. 369
شرح أخصر المختصرات [١٥]
من كرم الله أن شرع لعباده كثيراً من العبادات التي يكسبون بها الأجور والحسنات، ومن أعظم تلك العبادات فريضة الصيام، وقد حددها الشارع بزمان وعلامات.
فعلى المسلم أن يعرف أحكام الصيام وما يتعلق به؛ ليحقق هذه العبادة العظيمة كما أمره الله تعالى، فينال بذلك الفضل والأجر.
стр. 370
كتاب الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف ﵀: [كتاب الصيام.
يلزم كل مسلم مكلف قادر، برؤية الهلال ولو من عدل، أو بإكمال شعبان، أو وجود مانع من رؤيته ليلة الثلاثين منه كغيم وجبل وغيرهما، وإن رؤي نهاراً فهو للمقبلة.
وإن صار أهلاً لوجوبه في أثنائه، أو قدم مسافر مفطراً، أو طهرت حائض أمسكوا وقضوا.
ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً.
وسن الفطر لمريض يشق عليه ومسافر يقصر، وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتا فقط، أو على ولديهما فمع الإطعام ممن يمون الولد.
ومن أغمي عليه، أو جن جميع النهار لم يصح صومه، ويقضي المغمى عليه.
ولا يصح صوم فرض إلا بنية معينة بجزء من الليل، ويصح نفل ممن لم يفعل مفسداً بنية نهاراً مطلقاً] .
صيام رمضان هو الركن الرابع، وقبله ركن الشهادة وركن الصلاة والزكاة، وقد أجمع المسلمون على أنه فريضة على كل مسلم، ولا يلزم إلا المسلم، فلا يلزم الكافر ولا يصح منه، ولا يلزم إلا المكلف، فلا يلزم المجنون ولا الصغير، لكن الصغير يدرب عليه حتى يألفه إذا كلف، ولا يلزم العاجز كالمريض ونحوه ممن يشق عليه.
стр. 371
كيفية ثبوت دخول رمضان وانتهاؤه
يجب صوم رمضان برؤية الهلال، أو بإكمال عدة شعبان، وهذا متفق عليه، وكم يكفي للرؤية؟ الأكثرون على أنه يكفي واحد لرؤية هلال رمضان، وأما هلال شوال فلا يكفي إلا اثنان عدلان، فقد ورد أنه جاء أعرابي فقال: (إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بلالاً أن يؤذن للصوم) .
ثم هناك سبب ثالث ذكره بقوله: أو وجود مانع في الرؤية ليلة الثلاثين منه كغيم وجبل وغيرهما، هذه المسألة مختلف فيها، فإذا كانت ليلة الثلاثين وحال دونه غيم أو قتر أو مانع كجبل فهل يصومون أم لا؟ المشهور عند الإمام أحمد أنهم يصومون، والراجح من حيث الدليل أنه لا يصام؛ واستدل الإمام أحمد بحديث عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له) قالوا: اقدروا له يعني: ضيقوا عليه، واستدلوا على أن القدر بمعنى التضييق بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] ، واستدلوا أيضاً بأن ابن عمر كان إذا كان ليلة الثلاثين أرسل من ينظر إليه، أرسل أربعة أو عشرة وقال: انظروا إلى الهلال، فإن كانت صحواً ولم يروه أصبح مفطراً يوم الثلاثين، فإن رأوا الهلال صام، فإن كان هناك غيم أو قتر حال دون أن يروه أصبح صائماً، فجعلوا فعل ابن عمر تفسيراً لقوله: (فاقدروا له) ولكن إذا نظرنا إلى بقية الأحاديث رأينا أن أكثر الروايات تبين أن القدر بمعنى الإتمام، فقد ورد في رواية: (فاقدروا له ثلاثين) وفي رواية: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ، وفي رواية: (فأكملوا العدة) وهذا هو الصحيح.
قوله: (وإن رؤي نهاراً فهو لليلة المقبلة) لكن لا يعتد به إلا إذا رؤي متأخراً عن الشمس، فأما إذا رؤي أمام الشمس فإنه لا يعتبر هلالاً، وإنما يكون هلالاً إذا رؤي بعد غروب الشمس، أو رؤي في النهار وقد سبقته الشمس، وعرف بأنها تغيب قبله.
стр. 372
من صار أهلاً للصيام أثناء نهار رمضان
قوله: (ومن صار أهلاً لوجوبه في أثنائه أمسك وقضى) صورة ذلك: إذا قدر أن إنساناً صغيراً، ابن إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة، وفي أثناء نهار رمضان كان مفطراً، فنام في النهار فاحتلم، فنقول له: أمسك بقية يومك، واقضه إذا انتهى رمضان، وصم بقية الشهر، وكذلك الفتاة إذا حاضت في أثناء النهار، نقول: هذا النهار الذي حاضت فيه قد بلغت فيه، فيلزمها قضاؤه، وكذلك مثلاً: إذا طهرت الحائض في أثناء النهار، وكانت قد أصبحت مفطرة بسبب الحيض، ولما كان في نصف النهار طهرت واغتسلت، فإنها تمسك بقية النهار، وتقضي ذلك اليوم الذي طهرت في أثنائه، وكذلك المسافر إذا قدم في وسط النهار وهو مفطر فإنه يمسك بقية نهاره ويلزمه القضاء، وكذا المريض إذا عوفي في وسط النهار وهو مفطر، لزمه الإمساك بقية يومه، ولزمه القضاء.
стр. 373
الكبير والمريض الميئوس يطعمان عن كل يوم مسكيناً
الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، لأنه معذور في إفطاره، ولا يستطيع الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فيلزم أولياؤه أن يطعموا عنه.
واختلف العلماء فيما إذا كان قد ذهب عنه التمييز، يعني: خرف فأصبح لا يعقل ولا يفهم ولا يميز، يقولون له: أمسك وصم فيقول: أمسكت، ثم بعد ذلك يشرب أو يأكل، فصار أقل حالة من الطفل، ففي هذه الحال من العلماء من يقول: يسقط عنه التكليف كالمجنون؛ لأنه فاقد العقل، والأكثرون على أنه يطعم عنه؛ لأنه لم يزل تحت ولايتهم؛ ولأنه قد تجاوز سن التكليف.
стр. 374
بيان الأفضل للمريض والمسافر من الصوم والإفطار
المريض الذي يشق عليه الصيام هل الأفضل له أن يفطر أم يصوم مع المشقة؟ الأفضل أن يفطر مع المشقة، وهذه رخصة، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، فإذا كان الصوم يتعبه فالفطر أفضل له، وكذلك المسافر الذي يقصر الصلاة، هل الأفضل له أن يفطر ويقضي أو الأفضل له أن يصوم؟ في ذلك تفصيل: إذا كانت عليه مشقة في الصيام في السفر بحيث إنه يسقط، ويحتاج إلى من يخدمه، ومن يفرش له الفراش، ومن يرشه، ومن يحمله؛ ففي هذه الحال الأفضل له الفطر، ولو صام وصبر على الكلفة أجزأه الصيام عن أيام رمضان، هذا قول الجمهور، يعني: أن الأفضل له الفطر مع المشقة الإفطار، وأنه لو تكلف وتجشم وصام فإن ذلك يجزئه، ويسقط عنه الفرض، واستدلوا بحديث أبي الدرداء قال: سافرنا في حر شديد حتى إن أحدنا ليجعل يده فوق رأسه من حر الشمس، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة، ففي هذا مشقة وصبر على الصوم.
وأما إذا لم تكن عليه مشقة، والصيام لا يكلفه ولا يعوقه عن حاجته، فيخدم نفسه ويصلح شئونه: يصلح طعامه ويفرش فراشه، ويصلح مركبه، ولا يحوجه إلى أحدٍ يخدمه؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل، وإن أفطر جاز، فعن أنس قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فكانوا يرون أن من به قوة وقدرة فإنه يصوم، وفي حديث جابر المشهور: أنهم كانوا في سفر، قال: (فمنا الصائم ومن المفطر، فنزلنا منزلاً، فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال النبي ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر) وذلك لأن الصوام سقطوا تحت الظل، ولم تكن عندهم قدرة على أن يخدموا أنفسهم، ولا أن يخدموا رفقتهم من شدة الجهد، ومن شدة الضمأ، ومن شدة التعب، فإذا كانوا بهذه الحال بحيث إنهم يسقطون إذا نزلوا منزلاً، ولا يستطيعون أن يخدموا أنفسهم، فالفطر والحال هذه أفضل، وعليه يحمل حديث أبي موسى وغيره: (أنه ﷺ كان في سفر، فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر) فهذا محمول على ما إذا كان هذا الصائم محتاجاً إلى من يظلل عليه، وإلى من يخدمه، وإلى من يرشه، وإلى من يبل مكانه الذي ينزل فيه، ففي هذه الحالة: صيامه ليس من البر، فكونه يغني نفسه، ويخدم نفسه، أولى من كونه يصوم ويحتاج إلى من يخدمه، وفي حديث آخر: أن قوماً جاءوا من سفر، فأخذوا يمدحون صاحبهم فلان، وقالوا: ما كنا في نهار إلا وهو صائم، وما كان في ليل إلا وهو قائم، فقال ﷺ : (ومن يصلح حاله؟ من يحمل رحله؟ ومن ينزل رحله؟ ومن يصلح طعامه؟ ومن يصلح فراشه؟ فقالوا: نحن الذين نخدمه، فقال: أنتم خير منه) وذلك لأنه يحتاج إلى من يخدمه؛ لأن الصيام أقعده وأتعبه، وحال بينه وبين أن يغني نفسه، فإذا كان كذلك فالصوم والحالة هذه ليس بفاضل بل مفضول.
والخلاصة: إذا كنت في سفر، وليس عليك مشقة، والصوم لا يعوقك عن خدمة نفسك، فالصوم أفضل، حتى توقع الصيام في زمانه الذي فرض فيه وهو أيام رمضان، وحتى لا يكلفك القضاء، فإن كثيراً من الذين يفطرون يصعب عليهم القضاء، فلا يقضون ما عليهم إلا قرب رمضان الثاني، ففي هذه الحالة: الصوم مع عدم المشقة أفضل، والفطر مع وجود المشقة أفضل، والصوم مع وجود المشقة جائز، والفطر مع عدم المشقة جائز ولكنه مفضول.
стр. 375
حكم إفطار المرضع والحامل
قوله: (إذا أفطرت الحامل أو المرضع خوفاً على أنفسهما فعليهما القضاء فقط) .
إذا أفطرت حامل خوفاً على نفسها، فليس عليها إلا القضاء؛ لأنها كالمريض، خافت على نفسها من الألم، فإن كان خوفها على الجنين أو على الرضيع، فهي خائفة على غيرها فعليها مع القضاء الإطعام، هكذا روي عن ابن عباس وغيره، وحمل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] .
والإطعام على من يلزمه مؤنة الولد؛ لأنها أفطرت لأجل هذا الولد، فلذلك يكون عليه الإطعام، وإن أطعمت هي من مالها أجزأ.
قوله: (ومن أغمي عليه أو جن جميع النهار لم يصح صومه) فإذا أغمي عليه قبل الفجر بساعة وما أفاق إلا بعد غروب الشمس وما أكل ولا شرب فهل يجزئه هذا الصوم؟ لا يجزئه؛ لأنه ما نوى، وكذلك من أصابه جنون قبل طلوع الفجر وأفاق بعد غروب الشمس ولو لم يأكل فلا يكون صياماً، لأن الصيام يحتاج إلى نية.
أما النوم، فلو قدر أنه عازم على الصيام في رمضان ثم غلبه النوم قبل الفجر، واستغرق في النوم ولم يستيقظ إلا في الليل، ففي هذه الحال نقول: يجزئه الصيام؛ وذلك لأن النوم ليس كالجنون، وإذا نبه انتبه، ولأنه ناو.
وإذا أغمي عليه جميع النهار فإن عليه القضاء، وأما المجنون فلا قضاء عليه؛ لأن من شرط التكليف العقل.
стр. 376
وجوب النية في الصيام
الصيام لابد له من نية، ولابد أن يعيّنه، وتكون النية بجزء من الليل، ولكن قال بعض العلماء: إنه تكفيه نية واحدة في رمضان، فإذا دخل رمضان وقد عزم على أن يصوم الشهر كله، فلا حاجة إلى أن يجدد النية في كل ليلة، ومعروف أنه إذا استيقظ وأكل آخر الليل فإن أكله يكون بنية السحور، فإذا قيل له: لماذا تأكل؟ يقول: لأني أريد الصوم، فينطق بما في قلبه، فيدل على أن النية موجودة، فلا حاجة إلى أن يحرك قلبه بالنية كل ليلة.
стр. 377
من أراد السفر فلا ينوي الإفطار إلا بعد أن يجد به السير
مسألة: المسافر إذا أراد أن يسافر فلا يجوز له الإفطار، بل عليه أن يصبح صائماً، ولا يفطر إلا إذا فارق عامر البلد، إذا كان عازماً على الإفطار، فبعض الناس إذا قال: سوف أسافر غداً أفطر بالنية، وقال: إني قد حجزت، وقد أركب الساعة الثامنة أو التاسعة، فيصبح ولم يعزم على الصوم، فربما يعرض له عارض فلا يتيسر له السفر، فيقول: أنا ما أكلت شيئاً منذ أصبحت، وأريد أن أتم صومي؛ لأن السفر لم يتيسر لي، فهل يجزئه؟ لا يجزئه؛ لأنه أصبح بنية الإفطار، فقد عزم على الإفطار ونواه، ونقول له: إنك أخطأت بهذه النية، كان عليك أن تنوي الصوم، ولا تعزم على الإفطار إلا إذا جدّ بك السير، فأما قولك: نويت الإفطار وأنت ما جدّ بك السير فإنك مخطئ؛ وذلك لأنه قد لا يتيسر لك السفر، فلذلك ينتبه لمثل هذا.
стр. 378
حكم النية في صيام النافلة
صوم النفل يجوز أن ينوى له من النهار، ففي حديث عائشة قالت: (دخل عليّ النبي ﷺ فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم) دخل عليها في الصباح، ولما لم يجد طعاماً عزم على أن يتم صوم ذلك اليوم، مع أنه ما نوى من الليل، ولكن هذا خاص بالنفل، ويشترط له شرطان: الشرط الأول: ألا يكون قد أكل أو شرب في أول النهار، فإن ذلك ينافي الصوم.
الشرط الثاني: أن ينوي قبل الزوال، ليكون صومه أكثر النهار، وليس له أجر إلا على ما نواه، أما نهاره الذي ما نوى فيه فإنه لا أجر له فيه؛ لأنه أصبح بنية الإفطار.
стр. 379
شرح أخصر المختصرات [١٦]
اتفق العلماء على أن من مفطرات الصيام: الأكل والشرب والجماع والحيض والنفاس، واختلفوا في غيرها هل تفطر أم لا؟ مثل الحجامة والقيء وما دخل الجوف من غير الأكل والشرب، فينبغي تحقيق الراجح في هذه المسائل لأهميتها البالغة، وللصيام مستحبات ومكروهات ينبغي معرفتها، كما ينبغي معرفة الأيام التي يستحب صيامها والتي يكره أو يحرم صيامها.
стр. 380
مفطرات الصيام
قال رحمه الله تعالى: [ومن أدخل إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغ وحلق شيئاً من أي موضع كان غير إحليله، أو ابتلع نخامة بعد وصولها إلى فمه، أو استقاء فقاء، أو استمنى، أو باشر دون الفرج فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأمنى، أو نوى الإفطار، أو حجم، أو احتجم عامداً مختاراً ذاكراً لصومه؛ أفطر، لا إن فكر فأنزل، أو دخل ماء مضمضة أو استنشاق حلقه، ولو بالغ أو زاد على ثلاث.
ومن جامع برمضان نهاراً بلا عذر شبق ونحوه فعليه القضاء والكفارة مطلقاً، ولا كفارة عليها مع العذر: كنوم، وإكراه، ونسيان، وجهل، وعليها القضاء، وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت.
وكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، وذوق طعام، ومضغ علك لا يتحلل، وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر، والقبلة ونحوها ممن تحرك شهوته.
ويحرم إن ظن إنزالاً، ومضغ علك يتحلل، وكذب وغيبة ونميمة وشتم ونحوه بتأكد.
وسن تعجيل فطر، وتأخير سحور، وقول ما ورد عند فطر، وتتابع القضاء فوراً.
وحرم تأخيره إلى آخر بلا عذر، فإن فعل وجب مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، وإن مات المفرط ولو قبل آخر أطعم عنه كذلك من رأس ماله، ولا يصام، وإن كان على الميت نذر من حج، أو صوم، أو صلاة ونحوها سن لوليه قضاؤه، ومع تركة يجب، لا مباشرة ولي.
فصل: يسن صوم أيام البيض، والخميس والإثنين، وست من شوال، وشهر الله المحرم، وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، وآكده يوم عرفة لغير حاج بها.
وأفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم.
وكره إفراد رجب والجمعة والسبت والشك، وكل عيد للكفار، وتقدم رمضان بيوم أو بيومين ما لم يوافق عادة في الكل.
وحرم صوم العيدين مطلقاً، وأيام التشريق إلا عن دم متعة وقران.
ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه بلا عذر، أو نفل غير حج وعمرة كره بلا عذر] .
يتكلم الفقهاء في كتاب الصوم على من يلزمه الصيام، ثم بماذا يلزم؟ ثم يتكلمون عن المفطرات، وعن غير المفطرات مما يظن أنه مفطر أو نحوه، ويتكلمون أيضاً عن المكروهات في حال الصيام، ثم يتكلمون عن صيام التطوع، وما يلزم فيه وآكده ونحو ذلك، ثم بعدما ينتهون من باب الصيام يتبعونه بالاعتكاف؛ لما له من الصلة بالصيام.
ذكر هاهنا ما يفطر به الصائم، الصيام في الأصل يكون: عن الأكل والشرب وعن الجماع، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فأباح بالليل المباشرة والأكل والشرب إلى أن يتبين الفجر، ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء -الأكل والشرب والوطء- إلى الليل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، لكن لما كان الأكل هو إدخال الطعام إلى الجوف تكلم الفقهاء على ما يلحق به مما يدخل إلى الجوف، فقالوا: إن من أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان فإنه يفطر؛ وذلك لأنه شبيه بالتغذي، ولأن الغذاء هو إدخال الطعام إلى الجوف عن طريق الفم عادة أو عن طريق الأنف أو غير ذلك.
стр. 381
أمور مختلف في وقوع الإفطار بها
قوله: (ومن أدخل إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغ وحلق) يعني: إذا جرح أو شج في رأسه فداوى الجرح، ودخل الدواء إلى دماغه في رأسه؛ فقد دخل هذا الدواء إلى مجوف فهل يفطر بذلك أم لا؟ هناك أسباب متفق على الفطر بها وأسباب مختلف فيها، وهذا من المختلف فيه، فقيل: يفطر؛ لأنه أدخل شيء إلى مجوف وهو الدماغ فإنه جوف الرأس، وقيل: لا يفطر، ولعل الأقرب أن هذا معالجة جرح، وليس بغذاء، ولا يسمى آكلاً ولا شارباً إذا أدخل إلى دماغه دواء.
قوله: (كدماغ أو حلق) لا شك أن الحلق يوصل إلى الجوف؛ لأن الطعام يدخل عن طريق الحلق إلى المريء الذي هو مدخل الطعام والشراب، فإذا وصل إلى حلقه فإنه يعتبر داخلاً في جوفه، فيفطر ولو بقطرة أو قطرات من ماء أو نحوه.
قوله: (من أي موضع كان غير إحليله) الإحليل: هو مخرج البول، يعني: الثقب الذي في رأس الذكر، فإذا أدخل منه شيئاً فإنه لا يفطر به، لماذا؟ لأنه لا يصل إلى الجوف، والبول الذي يخرج من الإحليل (من هذا الثقب) ليس من الجوف، وإنما هو من المثانة، والمثانة ليس لها منفذ، وإنما يأتي إليها البول عن طريق الرشح، بمعنى أنه يجتمع البول في أسفل البطن، ثم تمتصه هذه المثانة، فيدخل إليها عن طريق الرشح، مثل رشح القربة التي في جوفها ماء وليس فيها خروق، ولكن لابتلالها يرشح الماء من ظاهرها.
فعلى هذا لا يكون الإحليل منفذاً، فإذا أدخل منه شيئاً فليس داخلاً إلى الجوف، بخلاف ما إذا أدخل من دبره.
أما الإدخال من الأذن ففيه أيضاً خلاف، وكذلك الإدخال من العين، ذكر الأطباء أن في العين عرقاً يتصل بالخياشيم، ولذلك إذا اكتحل في عينه فإنه يحس بأثر الكحل في خياشيمه، وكذلك إذا قطر في عينه قطرة حارة أو حامضة أو مالحة أحس بطعمها أو أحس بحرارتها في خياشيمه؛ فتصل إلى الفم، ولكن هل يسمى هذا أكلاً أو شرباً؟ لا يسمى أكلاً ولا شرباً إذا جاء عن طريق العين أو عن طريق الأذن، ومع ذلك فإن أكثر الفقهاء قالوا: إذا أحس بطعم القطرات -التي في عينه أو في أذنه- في خياشيمه فإنه يفطر إذا كان متعمداً، ورجح شيخ الإسلام أنه لا يفطر؛ لأن العين والأذن ليستا منفذاً محسوساً للأكل والشرب بخلاف الفم والأنف، فإنه منفذ محسوس، ومعلوم أن الماء إذا دخل في الخياشيم (المنخرين) دخل إلى الجوف، وقد ثبت في حديث لقيط أنه ﷺ قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) .
قوله: (أو ابتلع نخامة بعد وصولها إلى فمه) النخامة تارة تخرج من الرئة (من الجوف) فتصل إلى حلقه، فإذا أخرجها فوصلت إلى لسانه ثم عاد وابتلعها فقد ابتلع شيئاً له جرم فيفطر، وكذلك لو نزلت من رأسه ثم أخرجها عن طريق الفم فوصلت إلى فمه ثم أعاد ابتلاعها؛ لأنه ابتلع شيئاً له جرم.
стр. 382
حكم القيء والاستمناء للصائم
القيء ورد فيه حديث صححه جمع من العلماء، وضعفه بعضهم، وهو أنه ﵊ قال: (من استقاء فقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه) فإذا استقاء متعمداً بأن أدخل يده في حلقه حتى أخرج الطعام أو الشراب من جوفه فعليه القضاء، فأما إذا غلبه القيء وخرج قهراً فإنه معذور، فلا قضاء عليه.
وكذلك إذا استمنى بيده -وهو ما يسمى بالعادة السرية- فإنه يجب عليه القضاء؛ وذلك لأنه عالج شهوته بيده، فيكون بذلك متسبباً لقضاء شهوة، والصائم يجب أن يتجنب ذلك، قال الله في الحديث القدسي: (ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) .
وكذلك إذا باشر فأمنى أو أمذى، والمباشرة هي: مباشرة الزوجة ولو من وراء ثوب أو من وراء إزار، فإذا باشرها فحضرت شهوته فأمذى أو أنزل -يعني: خرج منه مذي أو مني- فإنه يعتبر قد فعل الشهوة، فيكون عليه القضاء.
وكذلك إذا كرر النظر إلى امرأة أو إلى صورة في أفلام أو نحو ذلك فحصل منه الإمناء (المني) فإنه عليه القضاء.
وقد اختلف في خروج المذي، ولعل الأقرب أنه لا يقضي إذا وقع منه المذي؛ وذلك لأن الكثير من الشباب الذين معهم قوة شهوة يحصل من أحدهم المذي بمجرد نظرة، أو بمجرد فكرة، أو بمجرد رؤية لما يثير الشهوة؛ فيشق عليهم التحفظ من ذلك، فأما إذا خرج المني فإنه يفطر، وهو الذي يخرج دفقاً بلذة، ويكون لونه أصفر بخلاف المذي، فالمذي رقيق أبيض معروف.
ومما يفطر أيضاً: النية، ولو لم يتناول شيئاً، فإذا نوى الإفطار، ونوى قطع الصيام بالنهار، وعزم على أن يفطر ولو لم يتناول، ثم عزم على أن يتم؛ بطل صومه؛ لأن الصيام نية، فإذا نوى تركه بطل الصوم.
стр. 383
حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وخلاف العلماء في ذلك
قوله: (أو حجم أو احتجم) الحجامة فيها خلاف طويل، فأكثر الأئمة لا يرون الفطر بالحجامة، وذهب الإمام أحمد إلى أنه يفطر بها؛ وذلك لكثرة الأحاديث التي وردت فيها، فقد ذكر بعض العلماء أن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أحد عشر صحابياً، وبعضهم جمع رواة حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) إلى سبعة عشر صحابياً، وتلك الأحاديث لا تخلو من الضعف، وذكر الإمام أحمد منها عدة أحاديث صحيحة كحديث شداد وحديث ثوبان، وأنها معتبرة وصحيحة، فالإمام أحمد ذهب إلى أنه يفطر بالحجامة: الحاجم والمحجوم عملاً بهذا الحديث، وذهب الأئمة الباقون إلى عدم الإفطار بالحجامة، وقالوا: لأنه ورد أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، هكذا في صحيح البخاري، وأكثر الروايات على أن اللفظ: (احتجم وهو محرم صائم) ، ولكن الإمام أحمد ﵀ يقول: إن ذكر الصيام خطأ من بعض الرواة، فإن أصحاب ابن عباس الملازمين له لم يذكروا فيه الصيام، وإنما ذكروا فيه الإحرام.
وبكل حال إذا احتجم فالاحتياط أنه يفطر ويقضي، وكان كثير من الصحابة يؤخرون الحجامة إلى الليل، فإذا أراد أحدهم أن يحتجم أخر حجامته إلى الليل، وفي هذا دليل على اعتبارهم أن الحجامة من المفطرات.
والذين قالوا: إنها لا تفطر قالوا: إنما الفطر بما أدخله لا بما أخرجه، والدم إنما هو شيء يخرج من الإنسان،
و
الجواب
أن الفطر قد يكون أيضاً بما يخرج، كفطر الحائض بدم الحيض، مع أنه شيء خارج، ومع ذلك لا يصح صومها، وليس لها عذر إلا هذا الخارج، فكذلك أيضاً إخراج الدم بالحجامة، ويلحق بها أيضاً جميع أنواع إخراج الدم: كالفصد والشرط وما أشبهه.
وفي هذه الأزمنة يقام بإخراج الدم للتبرع، فإذا أخرج دماً كثيراً للتبرع لمريض أو نحوه ألحق بالحجامة، وكذلك إذا أخرج دماً كثيراً للتحليل، أما إذا كان يسيراً فلا يلحق بالحجامة، والذي يخرج بالتحليل عادة يكون شيئاً يسيراً يمكن أن يقدر بأنه أقل من فنجان الشاي، فإذا كان أقل من ذلك فإنه لا يعتبر ملحقاً بالحجامة.
وفطر الحاجم؛ لأنه كان يمص الدم، كانت المحجمة مثل القعب، ولها طرف دقيق، فيلصقها بالبشرة بعدما يجرحها جروحاً، فيخرج منها الدم لامتصاصه الهواء الذي في داخلها، ومع امتصاصه يخرج منه دم يختلط بريقه، فيكون ذلك سبباً في إفطاره، حيث إنه لابد أن يختلط بريقه ولو مجه، وأما فطر المحجوم فلإخراجه لهذا الدم.
وفي هذه الأزمنة توجد حجامة بدون امتصاص، يعني: كالإبر التي يستخرج بها الدم، أو آلات تمسك بدون أن يمصها، فلذلك نقول: إذا احتاج إنسان إلى حجامة لمرض أو نحوه فالحاجم إذا لم يمتص بمحجمه فلا قضاء عليه.
واشترطوا في هذه الأشياء كلها -يعني: في إدخال شيء إلى جوفه أو في ابتلاع النخامة، أو القيء أو الاستمناء أو المباشرة أو تكرير النظر أو الحجامة- أن يكون عامداً، فإذا كان مخطئاً فلا يفطر، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يكون مختاراً بخلاف ما إذا كان مكرهاً، بأن يدخل إلى جوفه قهراً عليه كالمريض المغمى عليه.
الشرط الثالث: لابد أن يكون ذاكراً لصومه، فإذا كان ناسياً فلا يفطر.
стр. 384
الداخل إلى الجسم عن طريق الإبر هل يعد مفطراً ؟
الإبر الموجودة في زماننا هذا هل يفطر بها الصائم أم لا؟ كان مشايخنا الأولون يمنعون منها، فكان المرضى إنما يعالجون في الليل، ويضربون الإبر في الليل، وقد عهدنا من سنة أربع وسبعين إلى خمس وتسعين أنهم لا يضربون الإبر لأحد إلا بالليل، ويمنعون منها بالنهار، كالشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، والشيخ عبد الله بن حميد، وكذلك الشيخ ابن باز كان يمنع منها، ولما كثرت الشكايات، وذكر الأطباء أن كثيراً من الإبر لا يحصل منها وصول إلى الجوف، وإنما هي إبر موضعية؛ فلذلك رخصوا في الإبر إلا أن تكون مما يصل إلى الجوف، كالإبر التي في الوريد (في العروق) فإنها تنتشر بسرعة، وكذلك إبر التغذية والتقوية، فأما التي في طرف البدن أو في طرف الجلد لتهدئة أو نحوها فرخصوا فيها بعد ذلك.
مما ذكروا أنه لا يفطر: لو تصور المرأة، وفكر فيها، فثارت شهوته؛ فأنزل، فهذا شيء قهري لا يفطر به، وكذلك إذا طار إلى حلقه ذباب أو غبار غير متعمد له فلا يفطر، وكذلك إذا تمضمض أو استنشق ومع ذلك دخل شيء من ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى حلقه وهو غير متعمد فلا يفطر، مع أنه منهي عن المبالغة، ولكن لو قدر أنه بالغ أو قدر أنه زاد على ثلاث في المضمضة أو في الاستنشاق فدخل إلى جوفه أو حس بطعمه فابتلعه فلا يفطر بذلك؛ لأن الممضمضة مأمور بها شرعاً.
стр. 385
تحريم الجماع في نهار رمضان وكفارته
من المفطرات الوطء (الجماع) ، فإذا جامع في نهار رمضان بلا عذر فعليه القضاء والكفارة، ولابد أن يكون نهاراً، وأن يكون ذاكراً، وأن يكون بلا عذر، فإذا كان بعذر كأن يغلبه الشبق الذي هو شدة الشهوة، ولم يستطع أن يتمالك نفسه، ففي هذه الحال ليس عليه إلا القضاء، فأما إذا كان يقدر أن يملك نفسه، ولو مع وجود الشهوة فإن عليه القضاء والكفارة.
والذي تجب فيه الكفارة هو الوطء الحقيقي الذي يوجب الحد في الزنا، ويوجب الغسل في الجماع، ولو لم يحصل به إنزال.
والكفارة مثل كفارة الظهار على الترتيب: أولاً: عتق رقبة، والصحيح أنها لابد أن تكون مؤمنة؛ لأن الله اشترط الإيمان في كفارة القتل، وأطلق في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد.
ثانياً: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] فلابد من التتابع.
ثالثاً: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤] لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من شعير أو غيره، وقيل: بل نصف صاع من الجميع: من الأرز أو البر أو نحوه، وهو الأحوط.
قوله: (فإن لم يجد سقطت) استدلوا بقصة ذلك الرجل الذي قال: (هلكت! وقعت على أهلي في رمضان، فقال: هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، فأتي النبي ﷺ بعرق -والعرق الزنبيل- فيه تمر فقال: أين الهالك؟ خذ هذا وتصدق به، فقال: أعلى أفقر مني؟! ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فقال: أطعمه أهلك) ولم يأمره بالقضاء إذا أيسر، فدل على أنها سقطت عنه.
أما المرأة فاختلف في الكفارة عليها، فإن كانت معذورة كأن يطأها وهي نائمة، أو أكرهها وقهرها، أو كانت ناسية أو جاهلة؛ فلا كفارة عليها، وإن كانت مختارة ومطاوعة وعالمة ومتعمدة وعارفة بالحكم فعليها كفارة مثله، ويلزمهما قضاء ذلك اليوم الذي أفسداه.
стр. 386
مكروهات الصيام
ذكر المصنف مكروهات الصيام ومنها: أن يجمع ريقه فيبتلعه، مع أنه يجوز ابتلاع الريق، ولكن كونه يجمع ريقه ثم يبتلعه فهذا يشبه امتصاص الشيء الذي فيه رطوبة أو نحوه، فيكره ولكن لا يفطر.
وكذلك ذوق الطعام بلا حاجة مكروه، كأن يجعل الطعام على لسانه؛ لأنه إذا وضعه على لسانه ابتل لسانه، وعرف حلاوته وحرارته وحموضته أو مرارته أو ملوحته، ولا يكره عند الحاجة، فقد تحتاج المرأة إلى معرفة طعم الطعام من ملوحة أو نحوها، فإذا جعلته على لسانها ثم دلكت طرف اللسان حتى لا يبقى له طعم، فلعله يعفى عن ذلك.
ومن المكروهات: مضغ العلك الذي لا يتحلل، ويحرم مضغ العلك الذي يتحلل، والعلك هو ما يمضغ في الفم لتسلية أو نحوها، وأكثره من اللبان الشجري المعروف، وليس له طعم عادة، وإنما يمضغ؛ لأنه يسبب نكهة أو رائحة أو نحو ذلك، فإذا كان لا يتحلل فهو مكروه، وإن كان يتحلل منه أجزاء فتختلط بالريق وتبتلع فهو حرام، فهناك كثير من العلوك تمضغ وتتحلل، وقد يكون فيها شيء من الحلاوة ونحوها، فإذا وجد طعم العلك في حلقه أفطر، أما إذا لم يجد فلا يفطر، ولكنه مكروه.
стр. 387
حكم القبلة للصائم
اختلف في القبلة للصائم، فقيل: إن كانت عن شهوة فهي مكروهة وهي داخلة في قوله: (ترك شهوته) ، فإذا قبل فإنه لم يترك شهوته، لكن جاءنا الحديث عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم) فلذلك اختلف في حكم القبلة، فمنعها بعضهم؛ لأنها من جملة الشهوة، وأباحها آخرون؛ لفعل النبي ﷺ ، والصحيح التفصيل، وهو أنه إذا كانت القبلة تثير شهوته منعت، وإذا كانت القبلة قبلة شفقة ورحمة ورقة فلا بأس بها، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة أنه كان يقبل تقبيل شفقة لا تقبيل شهوة، فالحاصل أنها تكره إذا كانت تحرك شهوته، وقد تحرم إذا غلب على ظنه ثوران الشهوة ثم الإنزال أو نحو ذلك، يعني: إذا غلب على ظنه أنه سوف ينزل منه المني حرم التقبيل، وإلا فهو مكروه، وإباحته لمن لا تحرك شهوته.
стр. 388
اشتداد تحريم الغيبة والنميمة والشتم في حق الصائم
أما حكم الغيبة والنميمة والشتم ونحوه فهذا يحرم على كل حال؛ وذلك لأن هذه الأشياء محرمة على الصائم والمفطر، فإذا صام تأكد التحريم، ووجب عليه التحفظ أكثر، وقد ذكرنا بعض الأدلة مثل قوله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وقوله: (إذا كان صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم) ، وفي حديث آخر: (ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث) ، وفي حديث آخر: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) ، والأحاديث في ذلك مذكورة في كتب فضائل رمضان.
стр. 389
مستحبات الصيام
يسن تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وقد ورد حديث: (أحب عباد الله إليه أعجلهم فطراً) ، وذكر أن اليهود كانوا لا يفطرون حتى تشتبك النجوم، فقال ﷺ : (خالفوهم) ، وحدد وقت الإفطار بقوله: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا -يعني: أقبل الليل من المشرق، وأدبر النهار من المغرب- وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم) فإذا رأيت سواد الليل مقبلاً من جهة المشرق، وتحققت من غروب الشمس؛ فقد دخل وقت الإفطار.
وبهذا يعرف أنه لا يستحب الوصال، وهو: صلة الليل بالنهار، وما روي أنه ﷺ كان يواصل فقد اعتذر بأنه يبيت يطعمه ربه ويسقيه، والصحيح أن معنى ذلك: أن الله تعالى يقويه، فيفتح عليه أنواع الإلهامات وأنواع الواردات التي تغنيه عن الأكل، ولم يرخص للصحابة بالوصال، ولكن لما رأوه يواصل استمروا في الوصال؛ فواصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: (لو تأخر لزدتكم، كالمنكل لهم) فالوصال يفوت هذا الخير المذكور في قوله: (أحب عباد الله إليه أعجلهم فطرا) .
كذلك يسن تأخير السحور، والسحور: هو أكلة السحر في آخر الليل، وفيها أيضاً فضل، مثل قوله ﷺ : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) وورد حديث: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) وأحاديث أخرى مذكورة في كتب الفضائل.
ويسن عند الإفطار أن يدعو بما ورد من الأدعية، مثل أن يقول: اللهم إني لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي، ويا واسع الرحمة ارحمني، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، أو يدعو بما تيسر من الأدعية، ويرجى إجابة ذلك، وقد ورد في حديث: (للصائم عند فطره دعوة لا ترد) .
стр. 390
قضاء الصوم وما يتعلق به من أحكام
قضاء الصيام دين على الإنسان، فإذا أفطر في رمضان لسفر أو مرض، أو أفطرت المرأة لحيض أو نفاس فيعتبر ديناً، وعلى المسلم أن يبادر بقضائه؛ لأنه لا يأمن العوارض، ولا يأمن الأعذار التي تعوقه وتحول بينه وبين القضاء، فلذلك اختاروا أنه يقضي الأيام التي عليه بعد رمضان مباشرة، مخافة العوارض والعوائق، ومع ذلك فإن له التأخير إذا كان الوقت واسعاً، وأما إذا خاف من العوائق فلا يجوز له التأخير.
وقد يقال: إن عائشة كان يكون عليها الصوم من رمضان فلا تقضيه إلا في شعبان، واعتذرت بأن ذلك لمكان النبي ﷺ ، يعني: لمكان خدمته، وحاجته، وكثرة سفرها معه، ونحو ذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك كل عام، ويمكن أنه وقع مرة أو مرتين، وإلا فالغالب أنهن يبادرن بالقضاء.
وإذا أخره لعذر إلى رمضان بأن مرض واستمر مرضه أو استمر سفره حتى أدركه رمضان آخر؛ فليس عليه إلا القضاء، فإن كان لغير عذر فإن عليه القضاء والكفارة، وهي إطعام مسكين لكل يوم، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والأكثرون استدلوا بأن هذا مروي عن كثير من الصحابة، فإنهم أمروا بالكفارة: إطعام مسكين عن كل يوم، ويجوز في هذا الإطعام تفريقه، ويجوز سرده، أي: يجوز إعطاؤه مسكيناً، ويجوز إعطاؤه مساكين دفعة واحدة.
следующие страницы →