Полный текст (2 153 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
مكروهات الصيام
ذكر المصنف مكروهات الصيام ومنها: أن يجمع ريقه فيبتلعه، مع أنه يجوز ابتلاع الريق، ولكن كونه يجمع ريقه ثم يبتلعه فهذا يشبه امتصاص الشيء الذي فيه رطوبة أو نحوه، فيكره ولكن لا يفطر.
وكذلك ذوق الطعام بلا حاجة مكروه، كأن يجعل الطعام على لسانه؛ لأنه إذا وضعه على لسانه ابتل لسانه، وعرف حلاوته وحرارته وحموضته أو مرارته أو ملوحته، ولا يكره عند الحاجة، فقد تحتاج المرأة إلى معرفة طعم الطعام من ملوحة أو نحوها، فإذا جعلته على لسانها ثم دلكت طرف اللسان حتى لا يبقى له طعم، فلعله يعفى عن ذلك.
ومن المكروهات: مضغ العلك الذي لا يتحلل، ويحرم مضغ العلك الذي يتحلل، والعلك هو ما يمضغ في الفم لتسلية أو نحوها، وأكثره من اللبان الشجري المعروف، وليس له طعم عادة، وإنما يمضغ؛ لأنه يسبب نكهة أو رائحة أو نحو ذلك، فإذا كان لا يتحلل فهو مكروه، وإن كان يتحلل منه أجزاء فتختلط بالريق وتبتلع فهو حرام، فهناك كثير من العلوك تمضغ وتتحلل، وقد يكون فيها شيء من الحلاوة ونحوها، فإذا وجد طعم العلك في حلقه أفطر، أما إذا لم يجد فلا يفطر، ولكنه مكروه.
стр. 387
حكم القبلة للصائم
اختلف في القبلة للصائم، فقيل: إن كانت عن شهوة فهي مكروهة وهي داخلة في قوله: (ترك شهوته) ، فإذا قبل فإنه لم يترك شهوته، لكن جاءنا الحديث عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم) فلذلك اختلف في حكم القبلة، فمنعها بعضهم؛ لأنها من جملة الشهوة، وأباحها آخرون؛ لفعل النبي ﷺ ، والصحيح التفصيل، وهو أنه إذا كانت القبلة تثير شهوته منعت، وإذا كانت القبلة قبلة شفقة ورحمة ورقة فلا بأس بها، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة أنه كان يقبل تقبيل شفقة لا تقبيل شهوة، فالحاصل أنها تكره إذا كانت تحرك شهوته، وقد تحرم إذا غلب على ظنه ثوران الشهوة ثم الإنزال أو نحو ذلك، يعني: إذا غلب على ظنه أنه سوف ينزل منه المني حرم التقبيل، وإلا فهو مكروه، وإباحته لمن لا تحرك شهوته.
стр. 388
اشتداد تحريم الغيبة والنميمة والشتم في حق الصائم
أما حكم الغيبة والنميمة والشتم ونحوه فهذا يحرم على كل حال؛ وذلك لأن هذه الأشياء محرمة على الصائم والمفطر، فإذا صام تأكد التحريم، ووجب عليه التحفظ أكثر، وقد ذكرنا بعض الأدلة مثل قوله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، وقوله: (إذا كان صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم) ، وفي حديث آخر: (ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث) ، وفي حديث آخر: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) ، والأحاديث في ذلك مذكورة في كتب فضائل رمضان.
стр. 389
مستحبات الصيام
يسن تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وقد ورد حديث: (أحب عباد الله إليه أعجلهم فطراً) ، وذكر أن اليهود كانوا لا يفطرون حتى تشتبك النجوم، فقال ﷺ : (خالفوهم) ، وحدد وقت الإفطار بقوله: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا -يعني: أقبل الليل من المشرق، وأدبر النهار من المغرب- وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم) فإذا رأيت سواد الليل مقبلاً من جهة المشرق، وتحققت من غروب الشمس؛ فقد دخل وقت الإفطار.
وبهذا يعرف أنه لا يستحب الوصال، وهو: صلة الليل بالنهار، وما روي أنه ﷺ كان يواصل فقد اعتذر بأنه يبيت يطعمه ربه ويسقيه، والصحيح أن معنى ذلك: أن الله تعالى يقويه، فيفتح عليه أنواع الإلهامات وأنواع الواردات التي تغنيه عن الأكل، ولم يرخص للصحابة بالوصال، ولكن لما رأوه يواصل استمروا في الوصال؛ فواصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: (لو تأخر لزدتكم، كالمنكل لهم) فالوصال يفوت هذا الخير المذكور في قوله: (أحب عباد الله إليه أعجلهم فطرا) .
كذلك يسن تأخير السحور، والسحور: هو أكلة السحر في آخر الليل، وفيها أيضاً فضل، مثل قوله ﷺ : (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) وورد حديث: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) وأحاديث أخرى مذكورة في كتب الفضائل.
ويسن عند الإفطار أن يدعو بما ورد من الأدعية، مثل أن يقول: اللهم إني لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي، ويا واسع الرحمة ارحمني، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، أو يدعو بما تيسر من الأدعية، ويرجى إجابة ذلك، وقد ورد في حديث: (للصائم عند فطره دعوة لا ترد) .
стр. 390
قضاء الصوم وما يتعلق به من أحكام
قضاء الصيام دين على الإنسان، فإذا أفطر في رمضان لسفر أو مرض، أو أفطرت المرأة لحيض أو نفاس فيعتبر ديناً، وعلى المسلم أن يبادر بقضائه؛ لأنه لا يأمن العوارض، ولا يأمن الأعذار التي تعوقه وتحول بينه وبين القضاء، فلذلك اختاروا أنه يقضي الأيام التي عليه بعد رمضان مباشرة، مخافة العوارض والعوائق، ومع ذلك فإن له التأخير إذا كان الوقت واسعاً، وأما إذا خاف من العوائق فلا يجوز له التأخير.
وقد يقال: إن عائشة كان يكون عليها الصوم من رمضان فلا تقضيه إلا في شعبان، واعتذرت بأن ذلك لمكان النبي ﷺ ، يعني: لمكان خدمته، وحاجته، وكثرة سفرها معه، ونحو ذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك كل عام، ويمكن أنه وقع مرة أو مرتين، وإلا فالغالب أنهن يبادرن بالقضاء.
وإذا أخره لعذر إلى رمضان بأن مرض واستمر مرضه أو استمر سفره حتى أدركه رمضان آخر؛ فليس عليه إلا القضاء، فإن كان لغير عذر فإن عليه القضاء والكفارة، وهي إطعام مسكين لكل يوم، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] والأكثرون استدلوا بأن هذا مروي عن كثير من الصحابة، فإنهم أمروا بالكفارة: إطعام مسكين عن كل يوم، ويجوز في هذا الإطعام تفريقه، ويجوز سرده، أي: يجوز إعطاؤه مسكيناً، ويجوز إعطاؤه مساكين دفعة واحدة.
стр. 391
من مات وعليه صوم صام عنه وليه
إذا مات المفرط فإن على ورثته أن يكفروا عنه، فيطعمون عنه من رأس ماله، ولا يصام عنه، ومثال ذلك: إذا أفطر عشرة أيام لمرض، ثم شفاه الله بعد رمضان شهراً أو شهرين أو نصف سنة، ولكن كان يدعي شيئاً من المرض مع أنه قادر على أن يصوم ولكن: تساهل، ثم عاد إليه المرض بعد ثلاثة أشهر، ولما عاد إليه حبسه، وبقي مريضاً حتى أدركه رمضان الثاني أو لم يدركه ولكنه مات في هذا المرض الثاني، فماذا يجب على ورثته؟ الإطعام من رأس ماله، فيطعمون عليه عن كل يوم مسكيناً، ولو تبرع أحدهم أن يصوم عنه هل يصام عنه أم لا؟ أكثر الأئمة يجوزون أن يصام عنه، فيصوم عنه ولده الذكر أو الأنثى أو زوجته أو أخته، وذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يصام عنه ما أفطر من أيام رمضان؛ وذلك لأنه ثبت عنده أن الحديث الذي في قضاء الصيام عن الميت إنما هو صيام النذر، فتلك المرأة قالت: (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأقضي عنها؟ قال: نعم) وفي رواية: رجل، ولكن جاءنا حديث صحيح واضح في أنه يقضى عنه، وهو قوله ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ولا شك أنه يعم صيام الفرض وغيره، فصيام النذر ورد تشبيهه بالدين مع أنه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه المرء على نفسه، فصيام الفرض الذي أوجبه الله أولى بأن يقضيه عنه أحد أولاده أو أهله.
فالصحيح أنه يقضى عنه، فإن شاءوا صاموا عنه، وإن شاءوا أطعموا عنه، وأما النذر فالمشهور أنه يلزم القضاء عنه، فيصوم عنه أحد أقاربه.
وإذا قلنا: يجوز الصيام عنه فهل يلزم أن يكون الصائم واحداً أم يجوز أن يكونوا عدداً؟ يجوز أن يكونوا عدداً، فإذا كانت عليه عشرة أيام، وأولاده عشرة: خمسة ذكور وخمسة أناث، فقالوا: نصوم عنه يوماً واحداً كلنا، فأصبحوا صياماً يوماً واحداً، ونووا أن صيامهم عن أبيهم، فالصحيح أن ذلك يجزئ.
قوله: (وإن كان على الميت نذر من حج أو صوم أو صلاة ونحوها سن لوليه قضاؤه) إذا كان عليه نذر كأن يقول: إن شفاني الله تعالى أو رد غائبي، أو عافاني من هذا المرض، أو ربحت في هذه التجارة، أو جاء ولدي من غيبته؛ فعليَّ أن أصوم عشرة أيام، أو أن أحج حجة واحدة، أو أن أصلي عشرين ركعة، أو أن أتصدق بمائة، أو أن أقرأ القرآن في ليلة، أو أن أذكر الله في هذا اليوم ألف مرة، أو نحو ذلك من القربات، فهذا يعتبر نذر طاعة يجب الوفاء به، فإذا مات ولم يقضه قيل: يسن لوليه القضاء، وقيل: يجب، وإذا كانت له تركة وجب أن يخرج من تركته ما يقضي نذره، فيقال لأحد الناس: حج عن فلان فإن عليه نذراً، أو يقال لولده: صم عنه، أو صل عنه، واجعل صلاتك عوضاً عن صلاته التي نواها ولم يقدر، ففي هذه الحال يجب الصوم على الولي، وكذلك الصلاة والحج والقراءة والذكر وما أشبه ذلك.
قوله: (ومع تركة يجب لا مباشرة ولي) أي: إذا كانت للميت تركة فيجب أن يقضى عنه ولو بأجرة، كأن يعطى من يحج عنه ونحو ذلك.
стр. 392
صيام التطوع
إن الله تعالى يحب من عباده أن يكثروا من أنواع العبادة، ومن جملة العبادة الصيام، فإن جنسه فرض، وهو صوم رمضان، فإذا كان جنسه واجباً بأصل الشرع فإنه يستحب الإكثار من التقرب إلى الله بالتطوع منه.
стр. 393
استحباب صيام الأيام البيض
يستحب صيام أيام البيض، وقد وردت أحاديث كثيرة عن بعض الصحابة: أنه ﷺ أوصاهم أن يصوموا ثلاثة أيام من كل شهر منهم: أبو هريرة وأبو ذر، وورد في حديث أبي بن كعب: (إذا صمت من الشهر ثلاثاً فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) وسميت هذه أيام البيض؛ لأن لياليها بيض بالقمر، ونهارها أبيض بالنهار، وهي مما يسن صيامه.
стр. 394
استحباب صيام الإثنين والخميس
يسن صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع لمن قدر على ذلك، وإذا قلنا: أيهما أفضل: صيام الإثنين والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر التي هي أيام البيض؟ لا شك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، ووردت فيه عدة أحاديث، وجعل ذلك عدلاً لصيام الدهر؛ لأنه إذا صام ثلاثة أيام فكأنه صام الدهر، فيكون كمن صام كل شهر، فالحسنة بعشر أمثالها، ولا شك أن الإثنين والخميس أكثر من الأيام الثلاثة؛ لأنه إذا صام الإثنين والخميس يصوم من كل شهر ثمانية أيام أو أكثر، وسبب تفضيل هذين اليومين ما روي أنه صلى الله عليه والسلام كان يحافظ عليها، ويقول: (إنها ترفع فيها الأعمال، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) فدل هذا على فضل هذه الأيام.
стр. 395
فضل صيام ست من شوال
يسن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، وجاءت فيها أحاديث كثيرة، أشهرها حديث في صحيح مسلم عن أبي أيوب: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) وفي حديث آخر: (صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ست من شوال بشهرين، وذلك كصيام الدهر) وهذه الست فيها كلام طويل، والأرجح أنه يستحب أن يبدأ بها ويتبعها رمضان، لقوله: (أتبعه) فيصوم الأيام التي بعد العيد ليصدق عليه أنه أتبعها، وحيث إنه جاء في الحديث: (ستاً من شوال) فإنه يصدق عليه أن يصوم من شوال كله: من وسطه أو من أوله أو من آخره، وتجزئ متتابعة، وتجزئ متفرقة؛ لأن الجميع يصدق عليها أنها من شوال.
وتكلم العلماء أيضاً على ما إذا كان عليه قضاء فهل يبدأ بالقضاء أو يبدأ بأيام الست؟ ومن كان عليه قضاء فليبدأ بالقضاء، ولو استغرق القضاء صيام الشهر، فلو أن امرأة نفست في رمضان فأفطرت الثلاثين يوماً، ولم تطهر إلا في عشر من شوال، فصامت عشرين يوماً من شوال قضاء عن رمضان وانتهى شوال، وبقي عليها من رمضان عشرة أيام، وصامتها في ذي القعدة، فهل تفوت عليها هذه الست؟ الصحيح أنها تقضيها وتصومها من ذي القعدة؛ لأن رمضان في حقها صار في شوال، وهكذا: من أفطر لعذر، مثلاً: رجل استمر به المرض، وأفطر رمضان كله للمرض، وشفي في شهر محرم أو في شهر صفر فإنه يقضي في شهر صفر ثلاثين يوماً، ثم يتبعه بصيام الست؛ حتى يحصل له صيام الدهر، فيصومها بعد الانتهاء من قضائه.
стр. 396
استحباب صيام محرم لا سيما يوم عاشورا
يستحب صيام شهر محرم؛ لقوله ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه: المحرم) وهو الشهر الأول من السنة الهجرية، ويسمى شهر عاشوراء؛ لأن اليوم العاشر منه يسن صيامه، والشهر كله يتقرب إلى الله فيه بالصيام؛ لأنه أحد الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] وأفضله اليوم العاشر ثم التاسع.
اليوم العاشر يسمى يوم عاشوراء، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة مختلفة اختلافاً كثيراً، يمكن أن تنظر في منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار، ولعل السبب أنه دخل فيها الكذب، وسبب الكذب أن الرافضة لما قتل الحسين في يوم عاشوراء ولدوا فيه الأكاذيب الكثيرة، وأنه يوم شؤم؛ لدرجة أنهم إلى هذا اليوم يحزنون فيه، ويذكرون أنه يوم مشئوم، ويعملون فيه مآتم وأشياء محرمة.
ثم إنه قابلهم من يعرفون بالنواصب، فوضعوا فيه أحاديث أخرى كثيرة، وأنه يوم شريف، وأن يحصل فيه كذا، وأن من اكتحل فيه ومن ادهن فيه، ومن وسع فيه على أهله، ومن تطيب فيه إلخ، يريدون بذلك مراغمة الرافضة، فصار هذا اليوم لعبة بين هؤلاء الضدين: الروافض والنواصب، فأولئك كذبوا، وهؤلاء كذبوا؛ فلأجل ذلك توجد فيه الأحاديث المختلفة.
والذي صح فيه عن النبي ﷺ هو الصيام، وأنه كان يصومه ويأمر بصيامه، ويخبر أن صيامه يكفر سنة، فأما تلك الأشياء المختلفة فهي من وضع هاتين الطائفتين، ولا يلتفت إلى أقوالهم.
في صحيح مسلم أنه قيل: يا رسول الله! إن اليهود يصومونه، يعني: إنك تصومه الآن موافقاً لهم، فقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) ؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن التاسع ناسخ للعاشر، وفهموا ذلك من هذا الحديث، لكن لعله غير ناسخ، وأن الحكم باق في أنه يصوم التاسع والعاشر، ثم ورد أيضاً: (صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده وخالفوا اليهود) وفي رواية: (صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) ، هذا هو الذي صح فيه.
стр. 397
استحباب صيام تسع ذي الحجة
يسن أيضاً صيام التسعة الأيام الأولى من شهر ذي الحجة؛ لما ورد فيها من الفضل الكثير، كما هو مذكور في كتب الفضائل، ومنها الحديث الذي في البخاري: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام إلخ) .
قوله: (وآكده يوم عرفة) .
يوم عرفة هو آكد أيام التسع، وهو اليوم التاسع، ويسن صيامه إلا للحجاج الذين وقفوا بعرفة، فإن الأفضل للحاج أن يفطر ولا يصوم فيه إلا لسبب كما إذا لم يجد الهدي وصام السابع والثامن والتاسع، أما غيرهم فإن الأفضل لهم أن يفطروا؛ ليتقووا على الدعاء، ولأنهم ضيوف الله تعالى، والكريم لا يجوع ضيوفه، فأما غير الحاج فإن صومه فيه فضل، حتى ورد أنه يكفر السنة الماضية والسنة الباقية.
стр. 398
أفضل الصيام صيام داود
وأفضل الصيام صيام داود الذي أرشد إليه النبي ﷺ عبد الله بن عمرو، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فداود ﵇ اشتهر هذا عنه، ونقله عنه النبي ﵊ فقال: (أفضل الصيام صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى) فهذا هو أفضل الصيام.
стр. 399
ما يكره صيامه
يكره صيام الدهر، وما روي عن بعض السلف أنهم كانوا يصومونه فإن ذلك اجتهاد منهم، ففي حديث: (لا صام من صام الدهر) وفي حديث آخر: (لا صام ولا أفطر) .
ويكره إفراد شهر رجب بالصوم؛ وذلك لأن فيه عادات جاهلية، ومنها إفراده كله بالصيام، فهذا من العادات الجاهلية.
ويكره إفراد يوم الجمعة، وقد ورد أنه ﷺ قال: (لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده) إلا لسبب، وكذلك يوم السبت، وقد ورد فيه أيضاً: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر فليمضغه) وقوله: (فيما افترض عليكم) يعني: فيما شرع لكم واستحب لكم صيامه، ولا يفهم منه أن المراد الفريضة في رمضان.
ويجوز صوم الجمعة والسبت لأسباب كما إذا كان أحد أيام ذي الحجة الأول، أو كان يوم عرفة يوم جمعة أو يوم سبت، أو وافق اليوم الذي يصومه، فإذا كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصام يوم الجمعة أفطر السبت، أو صام يوم الخميس وأفطر الجمعة وصام يوم السبت، فمثل هذا لم يتعمد صيامه، وإنما وافق صيامه، وكذلك إذا كان عاشوراء يوم سبت أو يوم جمعة جاز صيامه.
ويوم الشك هو: الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو لا؟ ومثاله: إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان لم ير الهلال فيها، فهل يجوز أن يصومه بالتحري؟ نعم، وقد كان يصومه بعض السلف ويقولون: لأن أصوم يوماً من شعبان أفضل من أن أفطر يوماً من رمضان، ولكن ورد فيه حديث عمار المشهور: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم) يعني: النبي ﷺ .
فليلة الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال فيها فإنه لا يصام، وليلة الثلاثين من رمضان إذا لم ير الهلال يلزم الصوم.
وكذلك يكره صيام عيد الكفار؛ لأن في صيامه شيئاً من التشبه بهم، فكأنه عظّمه موافقة لهم.
وكذلك يكره صوم اليومين الأخيرين من شعبان، قال ﷺ : (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا أن يكون صوماً يصومه أحدكم فليصمه) فإذا كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ووافق اليوم الذي يصومه آخر يوم من شعبان فلا بأس بذلك؛ لأنه ما صامه على أنه تحري، ولا صامه على أنه من رمضان، فإنه كان ينهى عن وصل رمضان بغيره، فلا يوصل رمضان بيوم قبله ولا بيوم بعده، بل يلزم إفطار يوم العيد، وكذلك يتأكد إفطار يوم الثلاثين من شعبان.
ويحرم صيام يومي العيدين؛ وذلك لأنهما عيد المسلمين؛ ولأنه يفصل بها بين الأيام التي تصام والتي لا تصام، ولا يجوز صيامها ولو لنذر، ولا يجوز صيامها ولو لكفارة وغيرها.
أما أيام التشريق -وهي الثلاثة الأيام التي بعد عيد النحر: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر- فلا يجوز صيامها؛ لأنها عيد، وفي الحديث: (يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) >ويجوز صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، فإذا كان عليه دم تمتع أو دم قران في حج المتمتع أو القارن ولم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج فإذا لم يتمكن من صيام الثلاثة قبل العيد صام الثلاثة بعد العيد.
قوله: (ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه بلا عذر) يعني: إذا دخل في قضاء يوم من رمضان، فيحرم قطعه بلا عذر، أما إذا كان هناك عذر كمرض أو سفر أو نحو ذلك، فإنه لا بأس بأن يفطره، فأما إذا لم يكن هناك عذر فإنه يتم صيامه؛ لأنه دخل في فرض، وأما إذا كان في نفل فإنه يكره بلا عذر، فإذا دخل في صيام نفل كره قطعه بلا عذر، أما نفل الحج ونفل العمرة فإنه لا يجوز تركه، فإذا أحرم بحج أو بعمرة لم يجز تأخيره ولا إبطاله، بل يلزمه الإتمام كما سيأتينا في الحج إن شاء الله.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 400
شرح أخصر المختصرات [١٧]
الاعتكاف من العبادات العظيمة، وهو سنة مؤكدة، وقد حافظ عليه رسول الله ﷺ إلى أن توفاه الله، والقصد من الاعتكاف التفرغ للعبادة والانقطاع لها، وللاعتكاف: شروط وسنن ونواقض ومحظورات بينها العلماء، فمن أراد الاعتكاف فعليه أن يراجع ذلك ليستقيم له اعتكافه ويكون اعتكافه، مقبولاً عند الله تعالى.
стр. 401
باب الاعتكاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [فصل: والاعتكاف سنة، ولا يصح ممن تلزمه الجماعة إلا في مسجد تقام فيه إن أتى عليه صلاة، وشرط له طهارة مما يوجب غسلاً.
وإن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة؛ فله فعله في غيره، وفي أحدها فله فعله فيه وفي الأفضل، وأفضله المسجد الحرام،ثم مسجد النبي-﵇ فالأقصى.
ولا يخرج من اعتكف منذوراً متتابعاً إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة إلا بشرط.
ووطء الفرج يفسده، وكذا إنزال بمباشرة، ويلزم لإفساده كفارة يمين.
وسن اشتغاله بالقرب، واجتناب ما لا يعنيه.
] يذكرون الاعتكاف بعد الصيام اقتداء بالكتاب العزيز، فإن الله تعالى لما ذكر الصيام أتبعه بالاعتكاف في قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
والاعتكاف: لزوم مسجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف في الشرع، فلابد أن يكون في مسجد؛ حتى لا تفوت المعتكف الجمعة والجماعة؛ لأن التفرد والوحدة التي تفوت صلاة الجماعة لا خير فيها.
والقصد من الاعتكاف: التفرغ للتزود من العبادة، فلأجل ذلك فالمعتكف يكون منفرداً مشتغلاً في زاوية من المسجد بأنواع الطاعة: فيقرأ القرآن، ويكثر من تدبره، ويكثر من ذكر الله تعالى بأنواع الذكر، ويكثر من الأدعية رجاء إجابتها، ويشتغل بالصلوات النوافل، ويكثر من التقرب إلى الله تعالى، ويعتزل مجالسة العامة، والخوض في الدنيا وفي أمورها الخاصة، ويصون لسانه عن الكلام السيئ الذي ينافي العبادة، ولا يهتم بأمور الدنيا، ولا ينشغل بشيء من ملذاتها، ولا يهتم بالسؤال عن شيء من أمور الدنيا من أمواله أو نحوه إلا لضرورة.
стр. 402
حكم الاعتكاف
الاعتكاف سنة مؤكدة، فقد ثبت أنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، وما ترك الاعتكاف إلا سنة من السنين ثم قضاه في شوال.
ودخل مرة معتكفه، وأمر أن يبنى له خباء في جانب المسجد، فبني له خباء يستتر به، واستأذنته عائشة أن تعتكف وتبني لها خباء، فلما رأتها حفصة بنت خباء، ثم رأتهن زينب فبنت خباء، فلما انصرف من صلاة الصبح وإذا بالمسجد قد امتلأ بتلك الأخبية التي ضيقت على المصلين، فعرف أن هذا من باب المنافسة، فأمر بها فنقضت؛ وترك الاعتكاف في تلك السنة، واعتكف في شوال عشرة أيام؛ لأنه أحب أن يداوم على هذه العبادة.
والاعتكاف سنة، ولكنه يجب بالنذر، فإذا نذر أن يعتكف لزمه الوفاء بنذره.
стр. 403
شروط الاعتكاف ومن يصح منه الاعتكاف
ممن يصح الاعتكاف؟ يصح ممن تلزمه الجماعة، وهو: المسلم الحر البالغ العاقل، فلا يصح الاعتكاف من الكافر، ولا من الصغير، ولا من المجنون، ولا يصح من العبد إلا بإذن سيده.
ويشترط أن يكون في مسجد، قال تعالى: ((وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)) [البقرة:١٨٧] ، ويشترط في هذا المسجد أن تقام فيه صلاة الجماعة، وإذا كان يتخلل اعتكافه الجمعة اختار أن يعتكف في مسجد فيه جمعة حتى لا يخرج؛ لأنه إذا اعتكف في مسجد لا تصلى فيه الجماعة احتاج أن يخرج كل يوم خمس مرات، وكثرة الخروج تنافي الاعتكاف، فإذا كان في مسجد تقام فيه الجماعة فإنه يصلي فيه، ولا تفوته الجماعة، ولا يخرج من معتكفه.
ويشترط أيضاً: الطهارة مما يوجب غسلاً، فلا يعتكف في المسجد وهو جنب، وإذا قدّر أنه احتلم خرج فوراً واغتسل.
стр. 404
حكم نذر الاعتكاف
يجب الاعتكاف بالنذر، فإذا نذر أن يعتكف وجب عليه الوفاء، وخالف في ذلك الحنفية وقالوا: لا يجب الوفاء بالنذر إلا في أشياء جنسها واجب بأصل الشرع، والاعتكاف ليس جنسه واجباً بأصل الشرع، فيجب عندهم الوفاء بنذر الصلاة؛ لأن منها ما هو واجب، والوفاء بنذر الصوم؛ لأن هناك صوم الفرض، والوفاء بالصدقة؛ لأن هناك زكاة الفرض، والوفاء بالحج إذا نذره، وأما الاعتكاف فلا يجب عندهم، والصحيح أنه يجب لعموم قوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ، فإذا نذر طاعة وجب عليه الوفاء، والاعتكاف طاعة فيجب عليه الوفاء، سواء كان النذر مطلقاً أو معلقاً، فإذا قال: إن رزقت ولداً فلله عليّ أن أعتكف عشراً في هذا الشهر، ثم رزق ولداً؛ وجب عليه الوفاء؛ وذلك لأنه ألزم به نفسه وتحقق الشرط، وكذلك إذا لم يعلق بأن قال ابتداء: لله علي أن أعتكف في هذا الشهر يوماً أو عشراً أو نحو ذلك.
стр. 405
أقل مدة للاعتكاف
اختلف في أقل الاعتكاف، فقيل: يكفي أن يعتكف ساعة: ستين دقيقة، وقيل: أقله يوم أو ليلة، ولعل هذا هو الأقرب؛ وذلك لأن في حديث عمر ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام -وفي رواية: ليلة- فقال: أوف بنذرك) ، فعلى هذا أقل مدة للاعتكاف اثنتا عشرة ساعة: يوم بدون ليلة أو ليلة بدون يوم، فأما اعتكاف ساعة فلا يسمى اعتكافاً؛ لأن الاعتكاف في الأصل هو طول الملازمة، وطول الإقامة في المكان الذي يجلس فيه، وقد كان المشركون يعكفون عند معبوداتهم كما في قولهم: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] يقيمون عندها يوما أو أياماً، وكذلك قول إبراهيم ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] ، فالحاصل أنه إذا أراد أن يعتكف فلا أقل من يوم أو ليلة.
стр. 406
تعيين الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة غير ملزم
إذا نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة لم يلزمه فيه، بل يجوز في غيره، ومثال ذلك: إذا نذرت وقلت: لله علي أن أعتكف في هذا المسجد يوماً ولا أخرج منه، جاز لك أن تعتكف في المسجد الثاني الذي يقع جنوب أو يقع شمال، وجاز لك أن تعتكف في كل مسجد يوماً؛ لأن القصد هو العبادة، وهذا المسجد ليس له مزية على غيره، فكلها مساجد تصح فيها العبادة.
أما إذا خص أحد المساجد الثلاثة فإنه يلزمه فيه، والمساجد الثلاثة هي التي تشد إليها الرحال، وأفضل المساجد الثلاثة: المسجد الحرام؛ لأن الصلاة فيه بمائة ألف، ثم يليه المسجد النبوي، والصلاة فيه بألف، ثم المسجد الأقصى والصلاة فيه بخمسمائة.
روي أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في المسجد الأقصى، فقال: صل ها هنا) يعني: في مسجد مكة؛ لأنه أفضل، فقال: (إني نذرت في ذلك المسجد، فكرر عليه ذلك مراراً، فقال: شأنك إذاً) فإذا اخترت ذلك فلك ذلك، فمن نذر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يقضي نذره أو صلاته في المسجد النبوي؛ لأنه أفضل، ومن نذر أن يعتكف أو يصلي في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف أو يصلي في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل، ومن نذر أن يعتكف أو يصلي في المسجد الحرام لم يجزئه في غيره؛ لأنه ليس هناك ما هو أفضل منه، فأما المساجد الأخرى فإن بعضها ينوب عن بعض، فإذا نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد قباء جاز أن يصلي أو يعتكف في غيره من مساجد المدينة، أو في المسجد الأموي في دمشق الشام أو في مسجد عمرو بن العاص في مصر، وكذلك في غيره.
والحاصل: أنه إذا نذر في غير المساجد الثلاثة صلاة أو اعتكافاً فإنه يجزئه في غيره، وأما في الثلاثة فلابد أن يجزئ في أحدها، وإن عين الأفضل لم يجزئه في غيره، والأفضل هو مسجد مكة (المسجد الحرام) ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى (مسجد بيت المقدس) .
стр. 407
حكم نذر الاعتكاف متتابعاً
قوله: (ولا يخرج من اعتكف منذوراً متتابعاً إلا لما لابد منه) لأنه صار واجباً بنذره، فإذا نذر صياماً متتابعاً فإنه يلزمه التتابع إلا لعذر، وإذا نذر اعتكافاً متتابعاً وجب الوفاء به، والتتابع: كأن يقول: نذرت أن أعتكف هذا الأسبوع، والأسبوع سبعة أيام، فإنه يجب عليه أن يتابع هذا الأسبوع ولا يقل: أعتكف يوماً ثم أخرج ثم أعتكف يوماً ثانياً حتى أتم سبعة؛ لأنها لا تسمى أسبوعاً.
ثم إن المعتكف لا يخرج إلا لما لابد منه، يخرج مثلاً لقضاء حاجته من البول ونحوه، ويخرج للطهارة إذا لم يكن هناك في المسجد ما يتطهر به، ويخرج للأكل إذا لم يجد ما يأكله أو لم يأت ما يأكله، أو يخرج لإحضار الطعام، ولكن يقتصر على قدر الحاجة.
стр. 408
الصيام في الاعتكاف مستحب وليس بواجب
اختلف هل يشترط مع الاعتكاف صوم؟ والصحيح أنه لا يلزم، والحديث الذي فيه (لا اعتكاف إلا بصوم) لم يثبت، والدليل على أنه يصح بدون صيام: الحديث الذي ذكرنا عن عمر أنه نذر أن يعتكف ليلة، والليل ليس محلاً للصوم، فدل على أنه يصح بلا صوم، والسبب في ذلك أنه عبادة مستقلة، والاعتكاف هو التفرغ للعبادة، فإن تيسر الصيام معه فهو أفضل، أما إذا كان في رمضان فيلزم؛ لأن رمضان واجب صومه بأصل الشرع، وإن اعتكف في غير رمضان فسنة أن يعتكف صائماً.
стр. 409
حكم خروج المعتكف لزيارة ونحوها
هل للمعتكف أن يعود مريضاً ويشهد جنازة؟ الصحيح أنه لا يفعل ذلك إلا إن اشترط فقال مثلاً: لله علي نذر أن أعتكف في هذا المسجد أسبوعاً، فلا يخرج لا لعيادة مريض ولا لشهادة ميت أو تشييعه إلا إذا اشترط، فقال: بشرط أن أعود فلاناً المريض، أو أن أعود المرضى من أقاربي، أو أن أشهد من مات منهم وأشيعه، فله شرطه؛ لأن المسلمين على شروطهم.
стр. 410
الأمور التي يفسد بها الاعتكاف
متى يفسد الاعتكاف؟ يفسده الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] عبر بالمباشرة عن الوطء، وكذلك لو أنزل بالمباشرة، والوطء: الجماع الصريح وإن لم يحصل إنزال، والإنزال الذي سببه التقبيل أو الضم أو المباشرة دون الفرج يفسد الاعتكاف، فإذا كان الاعتكاف منذوراً لزمه قضاؤه، ولزمه مع القضاء كفارة يمين؛ لأنه ما وفى بنذره إذا كان معيناً، والمعين كأن يقول: لله علي أن أعتكف العشر الأول من شهر ربيع الثاني، فحدد العشر الأول ثم أفسد منها يوماً بالإنزال أو بالجماع، فنقول له: كمل اعتكافك، واقض ذلك اليوم، وكفر كفارة يمين؛ وذلك لأنك ما وفيت بالشرط كما ينبغي.
стр. 411
وظائف الاعتكاف
ذكرنا أن المعتكف يعتزل الناس، وأنه ينفرد، فلا يأذن لأحد أن يزوره، ولا يفتح الباب للزوار ولكثرة المخالطين بل ينفرد عنهم، وإذا قدر أن زاره أحد فلا بأس أن ينبسط معه، ولكن لا يتمادى معه في شيء من كلام الدنيا.
وعلى المعتكف أن يشتغل بالقربات، ويشتغل بكثرة الذكر تسبيحاً وتحميداً وتهليلاً وتكبيراً واستغفاراً، ويشتغل بالدعاء، فيكثر من دعاء الله تعالى، ويشتغل بالصلوات في غير أوقات النهي، ويشتغل بالقراءة، ويتجنب ما لا يعنيه، يعني: الكلام الذي لا أهمية له فلا يتكلم في شيء من أمور الدنيا، ولا يتكلم في فلان أو فلان، ولا يتكلم في حالات الناس، ولا في أسعارهم، ولا في مبايعاتهم، ولا في الحوادث التي تحدث، يتجنب ذلك كله حتى يكتب له اعتكافه عملاً صالحاً، نكتفي بهذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 412
الأسئلة
стр. 413
طول نهار رمضان في بعض البلدان ليس مسوغاً للإفطار
السؤال
طالب كان يدرس في بلد يطول فيه النهار ويقصر فيه الليل، حيث يمسكون في شهر رمضان عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ويفطرون عند الساعة التاسعة ليلاً؛ ولطوله لم يصم هذا الطالب الشهر كله، فماذا عليه جزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا أفطر أياماً معلومة، فلابد من قضاء تلك الأيام التي يعرفها، وهذا العذر لا يسوغ له أن يفطر شيئاً من أيام رمضان وهو مكلف.
стр. 414
حكم حيض المرأة قبل الصلاة
السؤال
امرأة دخل عليها وقت صلاة العشاء فأخرتها إلى الساعة العاشرة ليلاً، فأتتها العادة فماذا عليها في هذه الحالة، أفتونا مأجورين؟
الجواب
تبقى هذه الصلاة في ذمتها، وإذا طهرت فإنها تقضيها.
стр. 415
إذا طهرت الحائض قبل طلوع الشمس ولو بدقيقة فعليها أداء صلاة الفجر
السؤال
إذا طهرت الحائض قبل طلوع الشمس، فما هي الصلوات التي يجب عليها أداؤها؟
الجواب
إذا طهرت قبل أن تطلع الشمس ولو بدقيقة عليها أن تقضي صلاة الفجر.
стр. 416
الاحتلام يوجب الغسل ولا يبطل الصيام
السؤال
إذا احتلم وهو صائم فماذا عليه؟ وإذا أفطر وهو يجهل ذلك، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا يجوز له الإفطار، عليه أن يغتسل لأجل الصلاة، والاحتلام لا يبطل الصيام.
стр. 417
حكم الجماع في نهار رمضان وما يترتب عليه
السؤال
ما حكم الجماع في نهار رمضان وما هي كفارته، علماً بأن بعض الناس يستهينون بهذا الأمر؟
الجواب
لا شك أنه يفسد الصيام، وأنه يوجب كفارة؛ لأن الله تعالى أباح الجماع في ليل رمضان في قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فهذا يدل على أن إباحة الوطء خاص بالليل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فمن جامع في نهار رمضان لم يكفه القضاء، بل عليه مع القضاء كفارة مثل كفارة الظهار على الترتيب، ويعتبر ذنباً، والدليل أن النبي ﷺ جاءه ذلك الرجل فقال: (هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في رمضان) فأقره على أن هذا هلاك، فدل على أنه ذنب.
وقد يقع هذا من كثير من الشباب، وبالأخص في الأيام التي هي قرب زواجه، فتقع منه المباشرة والوطء في نهار رمضان، وهذا خطأ، وعليه أن يحفظ صيامه، فإذا أراد أن ينام في نهار رمضان ينام بعيداً عن امرأته حتى لا تغلبه شهوته، والمرأة أيضاً عليها أن تنام في مكان بعيد إذا عرفت أنه لا يملك نفسه إذا قربت منه، ويحفظ كل واحد منهما صيامه عما يفسده.
стр. 418
مفاسد الذهاب إلى الملاهي
السؤال
هذه فتاة تقول: إنها فتاة ملتزمة، ولكن أهلها يذهبون إلى مدن الألعاب والملاهي، ولا تحب الذهاب معهم للأسباب الآتية: التبذير، وكثرة النساء المتبرجات، وقيام بعض النساء بالتصوير بالكاميرات، ومضيعة الوقت، فما هو توجيهكم وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا شك أن ما ذكرت صحيح، وأن هذه الملاهي ليس فيها إلا لهو وسهو، فهذه الألعاب التي ينصبها بعض الناس لاكتساب الأموال، ويسمونها ملاهي، هي في الحقيقة لهو، وفيها إضاعة المال، والنبي ﷺ (نهى عن كثرة السؤال، وإضاعة المال) يعني: صرفه فيما لا أهمية له.
وكذلك يشتد الأمر إذا كان فيها تصوير، فإن هناك من يصور الحاضرات من النساء، وكذلك إذا كان فيهن من تكشف وجهها، وقد يكون هناك رجال كالبوابين والحراس ونحوهم، فيحصل أنها تكشف أمامهم، ولا تبالي بهم ولو كانوا من المتقاعدين ونحوهم، ولا يجوز للمرأة أن تكشف أمام هؤلاء ولا غيرهم.
والوقت ثمين، وعلى المرأة الناصحة لنفسها أن تحفظ وقتها بالشيء الذي ينفعها، وأن تبتعد عن الشيء الذي يضر أو الشيء الذي لا نفع فيه ولا فائدة.
стр. 419
دخان الطبخ ونحوه لا يفطر
السؤال
هل دخان النار لمن يطبخ أو يعمل القهوة على النار يفطر؟
الجواب
الصحيح أنه لا يفطر، هذا البخار الذي يتبخر من القهوة أو من الطعام أو دخان النار ونحوه لو حصل أنه يشم رائحته لا يفطر.
стр. 420
دعوة الصائم عند الإفطار لا ترد
السؤال
في الحديث: (للصائم دعوة عند فطره لا ترد) متى تكون هذه الدعوة؟
الجواب
عند الإفطار، يعني: عندما يبدأ في الإفطار، وقبل أن يتناول شيئاً، يدعو بما تيسر.
стр. 421
جواز المضمضة بالماء البارد في نهار رمضان
السؤال
في أيام رمضان الحارة هل يجوز أن أتمضمض بالماء البارد؟
الجواب
يجوز، على أن تتحفظ حتى لا تبتلع شيئاً، وعلى ألا تبالغ فيه.
стр. 422
يجب التأكد من غروب الشمس عند الإفطار
السؤال
كنت على سفر في رمضان، وأفطرت عند غروب الشمس، وعندما ذهبت قليلاً على طريق مرتفع رأيت أن الشمس لم تغرب كاملاً، فما حكم صومي جزاكم الله خيرا؟
الجواب
نرى أن عليك القضاء؛ لأنك تسرعت، حيث لم تتأن حتى يدخل وقت الإفطار وهو غروب الشمس.
стр. 423
من سقى أرضاً مجهولة فله ثمرها ولصاحبها أجرتها
السؤال
عندي رشاش في مزرعتي أسقي به الزرع، ويخرج الرشاش في دورانه ويسقي أرضاً مجهولة الصاحب، ولعلها للبلدية، والآن قد أثمرت تلك الأرض، فما حكم الحب المنتج من غير أرضي، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
لا بأس في ذلك إذا كنت أنت التي تسقيها ولا تعرف لها أهلاً، فإذا جاء أهله وطلبوا منك أجرتها فعليك أن تعطيهم أجرة على ما نبت فيها من الزرع إذا كان نبت فيها الزرع، وإذا لم يطلبوا شيئاً فلك الزرع؛ لأنه أثر سقيتك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 424
شرح أخصر المختصرات [١٨]
الحج ركن من أركان الإسلام، وهو من أعظم أبواب الخير التي فتحها الله لعباده، فإن من حج حجاً صحيحاً عاد كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، وهو من الجهاد في سبيل الله.
والحج كغيره من العبادات، له أركان، وواجبات، ومستحبات، وشروط، وله مبطلات ومحرمات ومكروهات، وقد فصل العلماء ﵏ كل ذلك وبينوه، فعلى من أراد الحج والعمرة أن يطالع ما كتبه العلماء كي يحج حجاً صحيحاً مبروراً.
стр. 425
كتاب الحج والعمرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الحج والعمرة.
يجبان على المسلم الحر المكلف المستطيع في العمر مرة على الفور، فإذا زال مانع حج بعرفة وعمرة قبل طوافها وفعلا إذن وقعا فرضا، وإن عجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من حيث وجبا، ويجزئانه ما لم يبرأ قبل إحرام نائب، وشُرِطَ لامرأة محرم أيضاً، فإن أيست منه استنابت، وإن مات من لزماه أُخرجا من تركته.
وسن لمريد إحرام غسل أو تيمم لعذر، وتنظف، وتتطيب في بدن، وكره في ثوب، وإحرامٌ بإزار ورداء أبيضين عقب فريضة أو ركعتين في غير وقت نهي، ونيته شرط، والاشتراط فيه سنة.
وأفضل الأنساك التمتع، وهو أن يحرم بعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم به في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يحرم بحج ثم بعمرة بعد فراعه منه، والقران: أن يحرم بهما معاً أو بها ثم يدخله عليها قبل الشروع في طوافها، وعلى كل من متمتع وقارن إذا كان أفقياً دم نسك بشرطه، وإن حاضت متمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة، وتسن التلبية، وتتأكد إذا علا نشزاً، أو هبط وادياً، أو صلى مكتوبة، أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق، أو ركب، أو نزل، أو سمع ملبياً، أو رأى البيت، أو فعل محظورا ناسياً، وكره إحرام قبل ميقات وبحج قبل أشهره.
فصل: ميقات أهل المدينة الحليفة، والشام ومصر والمغرب الجحفة، واليمن يلملم، ونجد قرن، والمشرق ذات عرق، ويحرم من بمكة لحج منها، ولعمرة من الحل، وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
ومحظورات الإحرام تسعة: إزالة شعر، وتقليم أظفار، وتغطية رأس ذكر، ولبس المخيط إلا سراويل لعدم إزار وخفين لعدم نعلين، والطيب، وقتل صيد البر، وعقد نكاح، وجماعٌ، ومباشرة فيما دون فرج.
ففي أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل طعام مسكين، وفي الثلاث فأكثر دم، وفي تغطية الرأس بملاصق ولبس مخيط وتطيب في بدن أو ثوب أو شم أو دهن الفدية.
وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً فعليه جزاؤه، والجماع قبل التحلل الأول في حج وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما مطلقاً، وفيه لحج بدنة ولعمرة شاة، ويمضيان في فاسده ويقضيانه مطلقاً إن كانا مكلفين فوراً وإلا بعد التكليف وبعد حجة الإسلام فوراً.
ولا يفسد النسك بمباشرة ويجب بها بدنة إن أنزل وإلا شاة، ولا بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل الثاني، لكن يفسد الإحرام فيحرم من الحل ليطوف للزيارة في إحرام صحيح ويسعى إن لم يكن سعى وعليه شاة.
وإحرام امرأة كرجل إلا في لبس مخيط، وتجتنب البرقع والقفازين وتغطية الوجه، فإن غطته بلا عذر فدت] .
следующие страницы →