Полный текст (2 153 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح أخصر المختصرات [١]
لب العلوم هو الفقه في الدين، ومن أراد الله به خيراً فقهه في الدين، ومن هذا المنطلق كان لدراسة الفقه وتعلمه والتأليف فيه أهمية كبيرة، ودراسة الفقه له عدة طرق، منها: دراسة الفقه المقارن، ومنها: دراسة الفقه على منهج مذهب من المذاهب، وكل مذهب له مؤلفاته الخاصة به، وهي أنواع، فمنها المطول، ومنها المختصر، ومن هذه الكتب المختصرة كتاب (أخصر المختصرات) للبلباني ﵀ في الفقه الحنبلي، وقد عُني به العلماء شرحاً وتعليقاً، وقد ابتدأه المؤلف -كغيره- بكتاب الطهارة، وبيَّن أقسام المياه، وأنواع النجاسات، وآداب دخول الخلاء، وسنن الفطرة.
стр. 2
تعريف الفقه والفهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فالفقه في الدين من نعم الله تعالى التي يخص بها من شاء من عباده، كما قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .
والفقه هو: الفهم للنصوص من الآيات والأحاديث، واستنباط الأحكام منها، وهذا الفهم هو هبة من الله تعالى ممن شاء الله تعالى ولمن هداه وميزه بهذا الفهم، والناس يتفاوتون في هذا الفهم، فمن مقل ومن مستكثر، وسبب الفهم فتح من الله تعالى وتوفيق، وقوة إدراك، وقوة حفظ واستنباط، وذلك مما يتفاوت فيه الناس.
وقد انقسم العلماء ﵏ بالنسبة إلى العلم والحديث إلى أربعة أقسام: القسم الأول: وهبهم الله تعالى الحفظ، فهم حفاظ، يحفظون النصوص، ويحفظون الأحاديث، ويحفظون الأسانيد، حفظ الله تعالى بهم هذه الشريعة من أن يُفقد منها شيء، ويُضرب بحفظ كثير منهم المثل، ولم يكونوا يكتبون، كما روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه قال: (ما كتبت سوداء في بيضاء) يعني: أن كل ما روي عنه فإنه من حفظه.
القسم الثاني: وهبهم الله الفهم والإدراك، بحيث يستنبطون الأحكام من الأدلة، فيأتيهم الحديث وهم لا يحفظونه ولكن يُكتب لهم الفهم فيه، فيستخرجون منه عشرات المسائل، وأنه يدل على كذا، ويفهم منه كذا، ويستنبط منه كذا.
القسم الثالث: الذين جمعوا بين ذلك، فرزقهم الله الحفظ، ورزقهم الفهم.
القسم الرابع: الذين نقص حظهم من الاثنين: من الحفظ ومن الفهم.
قال الشاعر: فرب ذي حرص شديد الحب للعلم والفهم بليد القلب معجّز في الحفظ والرواية ليست له عمن روى حكاية وآخر يُعطى بلا اجتهاد حفظاً لما قد جاء في الإسناد والعلم قد يرزقه الصغير في سنه ويحرم الكبير فإنما المرء بأصغريه ليس برجليه ولا يديه لسانه وقلبه المركب في صدره وذاك خلق عجب
стр. 3
ترجمة الإمام أحمد وبقية أصحاب المذاهب الأربعة
ذكر العلماء أن الإمام أحمد ﵀ جمع بين الحفظ والاستنباط، فرزقه الله الحفظ، ورزقه الفهم، فهو كان -كما ذكر أبو حاتم الرازي - يحفظ ألف ألف حديث، وكذلك أيضاً كان يجيب على المسائل المتعلقة بالحديث، وقد مدحه الصرصري في قصيدته اللامية بقوله: حوى ألف ألف من أحاديث أسندت وأثبتها حفظاً بقلب محصّل أجاب على ستين ألف قضية بأخبرنا لا عن صحائف نقّل أي: أنه عرضت عليه ستون ألف مسألة، فأجاب عنها من حفظه بأخبرنا فلان وحدثنا فلان، ولم يرجع إلى الكتب، ولا إلى الصحائف، ولما كان كذلك كان هو إمام أهل السنة، فمذهبه أقرب المذاهب إلى الحق وإلى السنة، والعلماء الآخرون لا نبخسهم حقهم، بل نقول: إنهم على خير.
فـ أبو حنيفة ﵀ كان قليل الحفظ، لم يذكر بالحفظ ولا بالأحاديث، ولكنه كان قوي الفهم وقوي التعليل، ومعرفته بكيفية الاستدلال أمر يفوق غيره، وقد اهتم تلامذته بتسجيل مسائله التي سئل عنها، فممن سجلها من تلامذته أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ثم اشتهر مذهبه بسبب تلك الكتب التي سجلت فيها مذهبه.
وأما الإمام مالك فهو بلا شك محدث وحافظ، ولكنه لم يتوسع في الحديث، إنما كان حديثه ما رواه عن أهل المدينة وما حفظه عنهم، ومع ذلك فإنه أيضاً قد استنبط مسائل، وألف كتابه (الموطأ) ، وذكر فيه كثيراً من الآراء التي نقلها عن أهل المدينة، وتتلمذ عليه بعض التلامذة، فألفوا مسائله، وعمدتهم في مذهبه النقل، وقد اشتهر مذهبه واشتهر الذين تمذهبوا به في المغرب.
وأما الشافعي ﵀ فهو أيضاً تتلمذ على مالك، وأخذ عنه (الموطأ) ، وكذلك أيضاً أخذ عن غيره، ولكنه لم يكن من أهل الحفظ ومعرفة الصحاح من الأحاديث؛ ولذلك كان يقول لتلميذه الإمام أحمد: (إذا صح الحديث عندكم فأخبرنا حتى نعمل به) ، ولكن رزقه الله تعالى الفهم، فهو يستنبط كثيراً، كما تدل على ذلك كتبه التي كتبها والتي أملاها، فكتبه كتب فقه.
وأما الإمام أحمد فلم يكن يكتب في الفقه، وإنما كان يكتب في الأحاديث أو يكتب في العقيدة، وكره كتابة الفقه والمسائل الفقهية، وأحال تلامذته إلى أن يأخذوا من حيث أخذ؛ ولعل السبب أنه رأى أن كثيراً من الذين كتبوا اختلفوا.
فمثلاً: كتب أبي حنيفة فيها خلاف لمن بعده، وكتب مالك فيها خلاف لمن قبله ولمن بعده، ومسائل الثوري كذلك وهكذا.
ومع ذلك فإن تلامذته كتبوا مسائله التي نقلوها عنه شفاهاً، والتي حضروها؛ في أكثر من ثلاثين مجلداً، يوجد بعضٌ منها، كمسائل أبي داود، ومسائل ابنه صالح، ومسائل ابنه عبد الله، ومسائل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ وغيرها، ولكن أكثرها لم توجد، إما فقدت أو أخذت؛ وذلك لأن الإمام أبا بكر الخلال تتبع مسائل الإمام أحمد، وجمعها في جامع كبير، ورتبها، وقال: نقل حنبل كذا ونقل ابن منصور كذا، ونقل البرزاطي كذا، ونقل ابن هانئ كذا، إلى أن بلغت نحواً من عشرين مجلداً.
ثم جاء بعده ابن حامد فجمع ما فات الخلال، واجتمعت له مسائل كثيرة، ثم كاد مذهب أحمد أن ينطمس وينمحي؛ وذلك لأن أهل القرن الرابع تركوا العقيدة السلفية، واعتنقوا مذهب الأشعري، ومذهب الكرامية ومذهب الكلابية، واشتهر أيضاً مذهب الاعتزال، وأصبح كلام أحمد ومذهب أحمد غريباً، وأصبح من تمذهب بمذهبه يُتهم بأنه مشبه، وبأنه ممثل، وبأنه حشوي، وبأنه وبأنه، فقل أصحاب أحمد، وقل الذين اعتنقوا مذهبه، وصاروا لا يخرجون ولا يصرحون بمذهبهم إلا خفية.
стр. 4
ترجمة مؤلف (أخصر المختصرات) وكتابه
وفي ذلك الزمان ألف الخرقي مختصره، وهو من أهل العراق، ثم انتشر مذهب الاعتزال ومذهب الرفض هناك، فهرب إلى الشام، وبقي في الشام حتى مات.
وكان مذهب أحمد في الشام أكثر؛ بسبب توارث أهل الشام لمذهب الإمام أحمد، وكان يوجد المذهب أيضاً في العراق وفي مصر ولكنه قليل، وما زال كذلك إلى هذه الأزمنة؛ فإن الحنابلة أكثر ما يوجدون في الشام في حلب، وفي دمشق، وفي بعلبك، ونحوها.
وكان أهل نجد جهلة، وبعضهم يذهبون ليتعلمون، فمن ذهب إلى مصر تعلم مذهب الشافعي، ومن ذهب إلى الشام تعلم مذهب الحنابلة، ومن ذهب إلى تركيا ونحوها تعلم مذهب الأحناف، وكان أئمة الدعوة حنابلة؛ لأنهم كانوا يتعلمون هذا المذهب من علماء الشام، وكان في الشام حنابلة إلى العهد القريب، ومن آخرهم الحنبلي المشهور بـ ابن بدران الذي خدم المذهب الحنبلي، ومنهم أبو عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني من علماء الحنابلة في القرن الحادي عشر، ألف كتاباً سماه (كافي المبتدي) ، واشتهر هذا الكتاب، ورأى أن فيه زيادة، وأن فيه ترتيباً أحسن مما قبله كزاد المستقنع ونحوه، ثم اختصره وسماه (أخصر المختصرات) ، وكلاهما للبلباني، و (كافي المبتدي) شرحه أيضاً معاصر المؤلف وهو أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي الحلبي وسمى شرحه (الروض الندي بشرح كافي المبتدي) ، وهو مطبوع في مجلد كبير.
ثم إن أخاه عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الحنبلي شرح (أخصر المختصرات) وسماه (كشف المخدرات) ، فهذان أخوان شرحا هذين الكتابين اللذين ألفهما للبلباني، وكلاهما في القرن الحادي عشر، وكانا في دمشق أو في حلب.
ولا شك أن هذا دليل على عناية الحنابلة بمسائل الفقه، وسبب ذلك: أنهم تميزوا بالفقه الحنبلي واختصوا به، فلذلك الحنابلة المتقدمون والمتأخرون ما تجد مؤلفاتهم غالباً إلا فيما يتعلق بالفقه، وقليل منهم من يؤلف في غيره، إلا العلماء الفطاحلة الكبار كالإمام أحمد ﵀، وكذلك بعض تلامذته كابنه عبد الله، والخلال وابن بطة ونحوهم ممن كتبوا في المسائل الأخرى.
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فهما من الحنابلة، ولكن لهم اختيارات قد يخالفون فيها المشهور عن الحنابلة في الفقه.
هذا الكتاب يقول فيه مؤلفه: إنه لن يجد ما هو أخصر منه، يعني: في زمانه لم يجد أخصر منه، فهو مؤلف على أبواب الفقه، ومسائله قريبة من مسائل كتب الفقه في (زاد المستقنع) ، والغالب أنه لا يخرج عن مسائل الزاد، وإنما يغير صيغتها، وقد يحذف منها بعض الأشياء، وبعض الجمل التي ليست مشهورة.
ولعلنا نقتصر في شرح هذا الكتاب على تحليل المسألة والتمثيل لها إذا احتاجت إلى ذلك، والإشارة إلى الحكم، والإشارة إلى الخلاف إذا كان قوياً.
стр. 5
أقسام المياه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.
المياة ثلاثة: الأول: طهور وهو: الباقي على خلقته، ومنه مكروه كمتغير بغير ممازج، ومحرم لا يرفع الحدث، ويزيل الخبث وهو: المغصوب، وغير بئر الناقة من ثمود.
الثاني: طاهر لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو المتغير بممازج طاهر، ومنه يسير مستعمل في رفع حدث.
الثالث: نجس يحرم استعماله مطلقاً، وهو ما تغير بنجاسة في غير محل تطهير، أو لاقاها في غيره وهو يسير، والجاري كالراكد، والكثير قلتان، وهما مائة رطل وسبعة أرطال وسبع رطل بالدمشقي، واليسير ما دونهما.
فصل: كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله إلا أن يكون ذهباً أو فضة، أو مضبباً بأحدهما، لكن تباح ضبة يسيرة من فضة لحاجة، وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار، وثيابهم طاهرة، ولا يطهر جلد ميتة بدباغ، وكل أجزائها نجسة إلا شعراً ونحوه، والمنفصل من حي كميتته.
فصل: الاستنجاء واجب من كل خارج إلا الريح والطاهر وغير الملوث، وسن عند دخول خلاء قول: (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) وبعد خروجه منه: (غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) وتغطية رأس وانتعال وتقديم رجله اليسرى دخولاً، واعتماده عليها جالساً، واليمنى خروجاً عكس مسجد ونعل ونحوهما، وبعد في فضاء، وطلب مكان رخو لبول، ومسح الذكر باليد اليسرى إذا انقطع البول من أصله إلى رأسه ثلاثاً، ونثره ثلاثاً.
وكره دخول خلاء بما فيه ذكر الله تعالى، وكلام فيه بلا حاجة، ورفع ثوب قبل دنو من الأرض، وبول في شق ونحوه، ومس فرج بيمين بلا حاجة، واستقبال النيرين.
وحرم استقبال قبلة واستدبارها في غير بنيان، ولبث فوق الحاجة، وبول في طريق مسلوك ونحوه، وتحت شجرة مثمرة ثمراً مقصوداً.
وسن استجمار ثم استنجاء بماء، ويجوز الاقتصار على أحدهما، لكن الماء أفضل حينئذٍ، ولا يصح استجمار إلا بطاهر مباح يابس منقٍ، وحرم بروث وعظم وطعام وذي حرمة ومتصل بحيوان.
وشرط له عدم تعدي خارج موضع العادة، وثلاث مسحات منقية فأكثر.
فصل: يسن السواك بالعود كل وقت إلا لصائم بعد الزوال فيكره، ويتأكد عند صلاة ونحوها، وتغير فم ونحوه، وسن بداءة باليمين فيه، وفي طهر وشأنه كله، وادهان غباً، واكتحالٍ في كل عين ثلاثاً، ونظر في مرآة، وتطيب، واستحداد، وحف شارب، وتقليم ظفر، ونتف إبط.
وكره قزع، ونتف شيب، وثقب أذن صبي.
ويجب ختان ذكر وأنثى بعيد بلوغ مع أمن الضرر، ويسن قبله، ويكره سابع ولادته، ومنها إليه] جعل المؤلف المياه ثلاثة أقسام، وهذا اختيار أكثر الفقهاء، وذهب كثير من المحققين إلى أن الماء قسمان: طهور، ونجس، وأن الحد الفاصل بينهما هو التغير بالنجاسة، والذين قسموها إلى ثلاثة، عرفوا الأول: بأنه الباقي على خلقته، كمياه الآبار والأنهار والأمطار والبحار، هذا هو الباقي على خلقته.
يقولون: ومنه مكروه، كالذي تغير بغير ممازج، الممازج هو: الذي يخالط الشيء؛ لأنه يختلط بالماء، ولا يمكن تصفيته منه، فإذا كان غير ممازج له فإنه مكروه مع كونه طهوراً، فإذا صب عليه لبن فإنه يمازجه، ولا يمكن تخليصه منه، وإذا صب عليه دهن فإنه لا يمازجه، بل يطفو فوقه ويمكن تصفيته، فيريد بغير الممازج مثل الدهن، والزيت، والكافور ونحوها، فيقول: إذا تغير بمثل هذه الأشياء فإنه طهور، ولكنه مكروه؛ لأنها قد تظهر رائحتها.
وقد يكون محرماً يزيل الخبث، أو يزيل الخبث ولا يرفع الحدث، وهو المغصوب.
والمغصوب اختلف فيه، هل يرفع الحدث أم لا؟ والصحيح: أنه يرفع الحدث، ويزيل الخبث؛ وذلك لأنه يستعمل لهذه الأعضاء فينظفها، لكن نقول: إن الغاصب آثم، ومذنب، ولا نقول: بطل وضوءه إذا توضأ بهذا الماء المغصوب، بل وضوءه صحيح، وإذا صلى في أرضٍ مغصوبة فصلاته صحيحة، ولا يؤمر بالإعادة، ولكنه آثم بسبب الغصب، فينبغي التنبه إلى أن المغصوب يرفع الحدث مع كون صاحبه آثماً باستعماله، ونقول له: إن شربته، وإن أرقته، وإن توضأت به، وإن غسلت به إناءً، وإن غسلت به نجاسة؛ فأنت آثم، ولكن لا تبطل طهارتك، والإثم هاهنا متعلق بوصف، إلا إذا كان مضطراً، ومنعه صاحبه بغير حق، فإن له أن يغصبه لينقذ نفسه إذا كان مضطراً إلى شرب ويخشى الموت عطشاً، فله أن يغصبه بقيمته.
قوله: (وغير بئر الناقة من ديار ثمود) وديار ثمود هي التي تعرف الآن بمدائن صالح، ذهب كثير من العلماء إلى أن الآبار كلها لا يتوضأ منها إلا بئر الناقة، واستدلوا بأنه ﷺ لما وردوها نهاهم أن يشربوا منها، والذين عجنوا من تلك الآبار علفوا نواضحهم وداوبهم بذلك العجين، والذين ارتووا أراقوا ما ارتووا به.
ثم إن بعض العلماء قال: إن هذا من باب الزجر، ولذلك قال: (أن يحل بكم ما حل بهم) والصحيح: أن الحدث يرتفع بها، أصغر أو أكبر، سواء بئر الناقة أو غيرها، وإنما النهي هنا من باب الزجر.
الماء الطاهر الذي هو طاهر غير مطهر لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس، وهو المتغير بممازج، والممازج هو: المخالط، فإذا صب عليه لبن، أو صب عليه مرق، أو صب عليه حبر، فإنه ممازج، فمثل هذا لا يرفع الحدث، لكن إذا قيل: إن المياه قسمان فهذا لا نسميه ماءً؛ لأنه تغير اسمه، فنقول: هذا مرق، أو نقول: هذا لبن إذا رأيناه أبيض، أو نقول: هذا (شاي) أو قهوة، ونقول: هو طاهر في نفسه، ولكن لا يسمى ماءً، والوضوء إنما يكون بالماء، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣] ، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان:٤٨] ، فعلى هذا لا يدخل في مسمى الماء؛ لأنه تغير بما مازجه.
وقد اختلف في المستعمل، فإذا توضأت، وجمعت الماء الذي مر على جسدك في طست، فهل هذا الماء الذي تصاب من أعضائك طهور أو طاهر؟ يقولون: إنه طاهر غير طهور، والصحيح: أنه طهور، ولكن لا يشرع أن يتوضأ به، ولا أن يغتسل به؛ لأنه قد رفع به حدثاً فلا يرفع به حدثاً آخر، ولأنه لو كان يستعمل مرة ثانية ما فرط النبي ﷺ والصحابة بإتلافه، ولما كانوا يتوضئون ويتركون ماء الأعضاء ينصب على الأرض لتشربه، فلو كان ينتفع به مرة ثانية لكانوا تلقوه وتلقفوه.
وبكل حال الماء المستعمل لا يُرفع به حدث آخر ولو كان طهوراً.
الثالث: النجس الذي يحرم استعماله، وتعريفه هو: ما تغير بنجاسة في غير محل تطهير، أو لاقاها في غيره وهو يسير.
يقول: (إذا تغير بنجاسة) التغير يكون بأحد أوصافه: إما اللون أو الريح أو الطعم، وورد في حديث بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء -وفي رواية ضعيفة- إلا ما تغير طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه) ذكر هذه الرواية في (بلوغ المرام) ، وضعفها كثير من العلماء، وهي من حديث أبي أمامة وغيره، ولكن يقول الإمام أحمد: العمل عليها؛ وذلك لأن الميتة نجسة، فإذا ظهر أثر الميتة في الماء فإنه ينجس، وكذلك الدم نجس والبول نجس فإذا ظهر أثر البول أو الدم في هذا الماء لوناً أو ريحاً أو طعماً فإنه ينجس، ولا يجوز استعماله.
وأما إذا لاقاها في محل التطهير فهو طاهر.
صورة ذلك: نجاسة الكلب تغسل سبعاً، ومحل التطهير آخر غسلة، فإذا كان في آخر غسلة فإن المكان قد طهر، فالماء الذي ينفصل في آخر غسلة يُعتبر طاهراً، وكذلك الثوب إذا كان فيه نجاسة، فالغسلة الأخيرة التي يكون الثوب طاهراً بعدها يعتبر الماء الذي ينفصل عنها طاهراً.
يقول: (والجاري كالراكد) فإذا كان نجساً عليه أثر النجاسة فلا فرق بين كونه يجري أو كونه راكداً.
ثم إن الفقهاء قسموا الماء إلى يسير وكثير، وحددوا اليسير بأنه قلتان فأقل، وأن ما فوق القلتين أو ما بلغ القلتين هو الكثير، وقالوا: القلتان: هي الحد الأعلى لحمل النجاسة، فإذا كان الماء دون القلتين فوقعت فيه نجاسة يسيرة ولم يتغير فإنه يعتبر نجساً، وإذا كان كثيراً فلا ينجس إلا بالتغير، هذا هو كلامهم، فيقولون: إذا كان الماء دون القلتين -يعني: قربتين أو ثلاث قرب- ووقعت فيه ميتة فإنه ينجس، أو وقع فيه قطرات بول أو دم ولكنها لم تظهر ولم يظهر أثرها فإنه يعتبر نجساً، ويستدلون بحديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ، أو (لم ينجس) ومفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، ويظهر أثر النجاسة فيه، فلا يتوضأ به، ثم قدروا القلتين بخمس قرب، وقدروهما بمائة رطل وسبعة أرطال وسبع رطل بالدمشقي، والرطل ميزان كان معروفاً عندهم.
والصحيح في هذا هو: أن الماء قليله وكثيره طهور حتى يظهر أثر النجاسة فيه، وأنه لا فرق بين القلتين وما فوق القلتين وما دون القلتين، ولا فرق بين القليل والكثير، وأن الحد الفاصل هو التغير، فإذا ظهر أثر النجاسة طعماً أو لوناً أو ريحاً فإنه ينجس.
стр. 6
أحكام الآنية
بعد ذلك تكلم المؤلف على الآنية؛ وذلك لأن الماء يحتاج إلى آنية تمسكه، والآنية الأصل فيها: الطهارة، سواء كانت من الزجاج أو من الخشب أو الحجارة أو الحديد أو النحاس أو الصفر أياً كان، عكس الأواني التي تتخذ من الجلود مثلاً، فالجلود تدبغ ثم تجعل أواني، وكذلك يصنعونها من الحجارة، ومن الخشب، وفي هذه الأزمنة أيضاً تتخذ من الربل أو ما أشبه ذلك من المعادن الجديدة، فكل الأواني طاهرة يباح اتخاذها واستعمالها إلا آنية الذهب أو الفضة، وهكذا المضبب بهما لا يباح اتخاذه إناءً ولا استعماله، وقد وردت في هذا الباب أحاديث مشهورة كما في (بلوغ المرام) ، واختُلف في العلة، ففي بعض الروايات: (إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) وعلل بعضهم أن فيها كسر قلوب الفقراء.
والصحيح: أنها تجمع الأمرين: ففيها إسراف، وفيها كسر قلوب الفقراء، وفيها نقص لحظ العبد من الآخرة؛ لقوله ﷺ : (من شرب بها في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة) وقال: (هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة) .
ويعم ذلك كل ما يصاغ من الذهب والفضة، يعم الكأس المصنوع من ذهب أو من فضة، والفنجان المصنوع من ذهب أو فضة، ويعم القدح والإناء وما أشبهها، ويعم القدور والصحون ونحوها، فلا يجوز اتخاذها من ذهب ولا من فضة؛ لهذه العلة.
واُختلف فيما إذا توضأ من إناء ذهب أو إناء فضة، هل يرتفع حدثه؟ الصحيح: أنه يرتفع؛ لأنه استعمل الماء على الأعضاء، ولكنه يعتبر آثماً بالاستعمال، وأما الحدث فإنه يرتفع بوجود رافعه.
والمضبب: هو الملحم، فإذا انصدع -مثلاً- طرفه ثم لحم بفضة يسيرة لحاجة فيجوز، وأما إذا لحم بذهب فلا يجوز، وكذلك إذا طعم أو طلي، والمطعم هو: الذي فيه خروق محشوة بذهب أو فضة، والمطلي به كالذي يطلى بماء الذهب أو نحوه، ولا يجوز استعمال المضبب إلا ما كان فيه ضبة يسيرة لحاجة إذا كانت من فضة.
إذاً: تجوز الضبة بهذه الشروط: أن تكون من فضة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة.
يقول: (آنية الذهب والفضة محرمة مطلقاً) حتى على النساء، ومعلوم أن النساء يجوز لهن التحلي بلباس الذهب ولباس الفضة، كأسورة وقلائد وخواتيم وأقراط؛ ومع ذلك فإن آنية الذهب والفضة شرباً أو استعمالاً أو اقتناءً لا تصح لا للرجال ولا للنساء، وكذلك الأواني ولو كانت صغيرة كسكين أو ملعقة أو قلم أو نحو ذلك، وساعة الذهب للرجال فقط لا تجوز، وإنما تجوز للنساء؛ لأنها حلية.
وتكلم المصنف على آنية الكفار وثيابهم، وذكر أن الأصل فيها أنها طاهرة؛ وذلك لأن الأصل أنهم يتنزهون ويتطهرون، لكن إذا علم أن هذا الثوب صاحبه يتعاطى نجاسة، كالذي يصنع الخمر، ولابد غالباً أن يراق بعضها على ثيابه، فلا تلبس إلا بعد الغسل، وكذلك الطباخون الذين يطبخون في قدورهم لحم الخنازير، أو يشربون في آنيتهم الخمر، فلا تباح هذه الأواني إلا بعد غسلها، فأما إذا لم تعلم نجاستها فإنها طاهرة.
стр. 7
حكم استعمال جلد الميتة
تكلم المصنف على جلد الميتة، واختار أنه لا يطهر بالدباغ، واستُدل على ذلك بحديث عبد الله بن عكيم أن النبي ﷺ قال لهم: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ولكن الحديث فيه مقال، وقد كثر اضطراب المحدثين فيه، فلما كان فيه ضعف واضطرب عدل الإمام أحمد عن العمل به في الآخر، فالصحيح أنه فإذا دبغ الجلد طهر، وقد وردت فيه أحاديث صحيحة كقوله: (أيما إهاب دبغ فقط طهر) ، وقوله: (يطهره الماء والقرظ) يعني: الدباغ، وقوله: (ذكاته دباغه) أي: يعمل الدباغ كما تعمل الذكاة، وغيرها من الأحاديث، وفي فعل الصحابة ﵃ كـ ميمونة دليل على أنه يطهر بالدباغ.
وأجزاء الميتة نجسة إلا الشعر ونحوه؛ لأن الشعر يقطع منها في الحياة، ويختار المؤلف أن أجزاءها كالعظام والأظلاف والقرون نجسة، واختار شيخ الإسلام أن العظم إذا جف فهو طاهر، ولو كانت تحل فيه الحياة، وكذلك الظلف والقرن، فيجوز أن يجعل القرن فقبض سكين مثلاً، وكذا الظلف؛ وذلك لأنه لا تحله الحياة؛ ولأنه لا يسري فيه الدم.
قوله: (والمنفصل من حي كميتته) ، ورد في حديث: (ما أُبين من حي فهو ميتة) يعني: ما قُطع منه، فإذا قُطع ذنب الشاة وهي حية فإنه نجس، أو كذلك قطعت رجل الظبي -مثلاً- وهو حي فإنها نجسة ميتة، وما قطع من السمكة وهي حية فإنه طاهر وحلال؛ لأن ميتة السمك طاهرة.
стр. 8
أحكام الاستنجاء
ذكر المصنف الاستنجاء الذي هو: إزالة النجاسة بعد التبول والتغوط، فذكر: أولاً: أن الخارج من أحد السبيلين ناقض للوضوء.
ثانياً: أنه نجاسة تخرج من أحد المخرجين من القبل أو الدبر، فلا بد من تطهيرها، ولما كان كذلك كان لها آداب، وتلك الآداب مأخوذة من السنة، وقد ثبت أنه ﷺ علم أمته كل شيء حتى الخراءة، يعني: حتى آداب التخلي، وإن كانت عادية وطبيعية، ومما يستحيا من ذكرها.
الاستنجاء هو: غسل أثر الخارج، أي: غسل أثر البول أو الغائط، ويسمى استنجاءً لأنه يقطع الأثر، مشتق من النجو الذي هو القطع، فمن حكمة الله تعالى أنه خلق هذا البشر محتاجاً إلى الطعام والشراب، ثم إن هذا الطعام والشراب بعدما يُتغذى به يتغير ويفسد، فيخرج متغيراً نجساً، فإذا خرج نجساً فلابد من إزالة أثره، فالاستنجاء -أي: غسله بالماء- واجب من كل خارج إلا الريح؛ لأن الريح تخرج من الدبر وليس لها جرم، فلا يستنجى منها، وأما البول والغائط وكل خارج -كما لو خرج من دبره دم أو خرج من ذكره دم أو قيح أو ما أشبهه- فإنه يعتبر نجساً، فلابد من إزالة أثره بالماء.
وإذا خرج منه طاهر -كما لو خرج منه حجر أو شعر أو نحو ذلك- فإن كان مبتلاً فإنه يُستنجى منه، وإن كان يابساً بدون بلل وغير ملوث وليس فيه أثر الغائط ونحوه -والتلويث هو: التغير، لوثه يعني: غيره، وانطبع عليه- فإنه لا يُستنجى منه.
ومثلوا أيضاً للطاهر بالولد، فإذا ولدت المرأة ولداً فإنه طاهر وغير ملوث، ولكن معلوم أنه يخرج مع النفاس الدم.
стр. 9
بيان ما يقال عند دخول الخلاء
قوله: (سن عند دخول الخلاء قول: (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) ورد أن أماكن الخلاء تسكنها الشياطين، فأمر ﷺ بذكر اسم الله عندها، فإن اسم الله يغلب الشياطين، ثم بعد ذلك يأتي بالاستعاذة.
والاستعاذة هي: التحفظ والتحصن، أي: أتحصن وأستعين وأتحرز وأستجير بالله من الخبث والخبائث، وفسر (الخبث) بذكران الشياطين و (الخبائث) بإناث الشياطين، ورويت بإسكان الباء (الخبْث) أي: الشر، و (الخبائث) أهل الشر، وبعد الخروج يقول: (غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) .
فيسن بعد الخروج أن يقول: غفرانك، ومناسبة طلب المغفرة تقصير الإنسان عن شكر نعمة الله تعالى.
روي أن بعض الصحابة كان إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: (يا لها من نعمة! وقال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأذهب عني أذاه، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى الذي لو بقي لأهلكني، وعافاني بدون أذى) .
وثبت أنه يقال بعد الأكل والشرب: (الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مخرجاً) ، وقيل في مناسبة طلب المغفرة: إنه دخل وهو مثقل بهذا الأذى، وخرج وقد أحس بالخفة، فتذكر ثقل الذنوب فقال: أسألك غفرانك.
стр. 10
آداب دخول الخلاء
يسن تغطية الرأس إذا كان في صحراء مثلاً؛ لأنه جالس على شيء مستقذر، وكذلك يلبس نعالاً مخافة أن ينصب عليه البول أو يتطاير إليه.
قوله: (وتقديم رجله اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً) اليمنى تقدم في الأشياء الفاضلة كالمسجد، والبيت، وفي لبس النعل والخف، واليسرى بعكسها، ويقدم الإنسان في دخول الخلاء رجله اليسرى، ويقدم عند الخروج رجله اليمنى، عكس المسجد والنعل، قيل: إن هذا تكريم لليمنى.
وكذلك يعتمد عند جلوسه أكثر ما يعتمد على رجله اليسرى تكريماً لليمنى؛ وقيل: لأنه أسهل للخارج.
ويسن أن يبعد إذا كان في صحراء؛ لأنه على حالة مستقذرة؛ لأنه قد يسمع منه صوت، ولأنه قد يتأذى بما يخرج منه إذا كان قريباً.
ويسن طلب مكان رخو للبول، فإذا كان في أرض صلبة يحرص على أن يجد أرضاً لينة ليأمن رشاش البول، أو يأخذ حجراً فينكت به الأرض إلى أن تلين، حتى إذا انصب البول عليها لم يرتد عليه الرشاش الذي قد يقع على ثوبه أو يقع على قدمه أو على ساقه، فيتنجس وهو لا يدري؛ لأن البول ورشاشه نجس.
أما مسح الذكر باليد اليسرى إذا انقطع البول من أصله إلى رأسه ثلاثاً، وكذلك نثره ثلاثاً، فهذا ليس بصحيح، ولا حاجة إليه، وقد ذكرها الفقهاء وقالوا: إنه من باب الاحتياط؛ حتى يخرج ما بقي في الذكر، ولكن الصحيح أنه لا حاجة إليه؛ وذلك لأن البول -كما ذكر شيخ الإسلام - في المثانة كاللبن في الضرع، إن حُلب در، وإن تُرك قر، فلا حاجة إلى هذا التمسح والنتر، ثم ذكروا أنه يحدث السلس، وهذا واقع، وقد ذكر لي كثير من الشباب أن معهم هذا السلس، بحيث يخيل إلى أحدهم إذا قام وإذا خرج بقطرتين أو بقطرات، وسبب ذلك أنه يستعمل السلت والنتر، فكان من أثر ذلك أن حدث معه هذه الوسوسة، فصار دائماً يوسوس في الطهارة، والصواب: أنه إذا توقف البول وانقضى تقاطره فإنه يستنجي بعده، ويغسله بالماء، والعادة أن الماء يوقفه؛ ولذلك يسن الغسل بالماء استنجاءً من النجو الذي هو القطع، تقول: نجوت الشجرة، أي: قطعتها، فالأصل أنه إذا تبول فإنه يستنجي بعد ذلك، ولا يلتفت إلى ما يوسوس به الشيطان.
ثم ذكر المصنف الأشياء المكروهة، والمحرمة، والمسنونة، فمن المكروهات أن يدخل الحمام أو بيت الخلاء بما فيه ذكر الله، وذكروا أنه ﷺ كان مكتوباً على خاتمه (محمد رسول الله) فكان إذا ذهب إلى الخلاء نزع خاتمه، وإذا لم يستطع أو لم يجد قبض عليه بيده اليمنى، يعني: يجعل فصه مما يلي الكف ويقبض عليه، فإذا كان مع الإنسان أوراق فيها ذكر اسم الله فالأولى أن يخرجها، فإن لم يستطع أو نسي فإنه يخفيها في جيبه.
ويعم ذلك كل ما فيه ذكر الله حتى ما فيه البسملة ونحوها.
ويكره تكلمه وهو جالس على حاجته؛ لأنه على حالة مستقذرة إلا لضرورة كإجابة داع، أو إنقاذ هالك أو نحو ذلك.
ويكره رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض، فإذا كان في الصحراء فلا يرفع ثوبه حتى يقرب من الجلوس؛ لأنه إذا رفع ثوبه انكشفت عورته للناظرين.
ويكره أن يبول في شق ونحوه، أي: جحر الدابة؛ لأنه قد يخرج عليه من الشق شيء من الدواب أو نحوها، وقد يكون ذلك الشق مسكوناً فيه بعض الجن أو نحوهم، ومما يذكر في هذا الباب أن سعد بن عبادة بال في شق فصرع ميتاً، فسمعوا قائلاً يقول: نحن قتلنا سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم نخطئ فؤاده والله أعلم بذلك.
قوله: (ويكره مس فرج بيمين بلا حاجة) يعني: اليمين تنزه عن أن يمس بها فرجه في الاستنجاء أو الاستجمار، أو أن يمسك ذكره بيمينه تكريماً لليمين، لكن إذا كان أقطع أو مشلولاً أو نحو ذلك جاز له ذلك للضرورة.
أما استقبال النيرين فجعلوها من المكروهات، ولعل الصواب أنه لا مانع من ذلك، والنيران هما: الشمس والقمر، ولا دليل على الكراهة إلا لما فيهما من نور الله، واستنبط بعض العلماء جواز الاستقبال والاستدبار من قوله ﷺ : (ولكن شرقوا أو غربوا) وقالوا: إنه أمر أهل المدينة إذا جلسوا لقضاء الحاجة أن يشرقوا، ولم يقل: إلا أن تكون الشمس طالعة، وأن يغربوا، ولم يقل: إلا أن تكون الشمس غاربة، وكذلك القمر، والغالب أنهما يكونان في المشرق والمغرب.
стр. 11
المحرمات عند قضاء الحاجة
ثم ذكر المصنف المحرمات فقال: (وحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان) .
وردت أحاديث كثيرة في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، واختلف في قضاء الحاجة إذا كان في البنيان، فأكثر الفقهاء استثنوا البنيان، وحملوا عليه حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيحين وهو مذكور في العمدة: (أنه رأى النبي ﷺ على لبنتين مستقبلاً الشام مستدبراً الكعبة) ، وحملوا عليه بعض الأحاديث الواردة في ذلك.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني في النيل والمباركفوري في (تحفة الأحوذي) أنه لا يجوز لا في صحراء ولا في بنيان لعموم الأحاديث، وحملوا الأحاديث التي فيها الاستقبال أو الاستدبار أنها من الأفعال، وهي تحتمل أنها للخصوصية، والحكمة في ذلك تنزيه القبلة التي يستقبلها المصلي، سواء في صحراء أو في بنيان، فتنزه عن أن يستقبلها الذي يقضي حاجته بفرجه أو يستدبرها بدبره، فيكون في ذلك استهانة بهذه القبلة.
فالراجح: أنه لا يستقبلها لا في بنيان ولا في صحراء، لكن إذا كان هناك ضرورة عفي عن ذلك، كما في حديث أبي أيوب يقول: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها، ونستغفر الله .
قوله: (ويحرم لبثه فوق حاجته) ، يعني: إطالة جلوسه وهو على نجاسته بغير حاجة كما هو فعل الموسوسين، بل عليه إذا قضى حاجته واستنجى أن يخرج.
قوله: (ويحرم بوله في طريق مسلوك ونحوه، وتحت شجرة مثمرة ثمراً مقصوداً) ؛ لقوله ﷺ : (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) الطريق المسلوك، والظل الذي يستظل فيه الناس؛ لأنهم ربما وقعوا في النجاسة، وكذلك الثمرة المقصودة، كثمر العنب والنخل ونحو ذلك؛ لأنه قد يتساقط فيتلوث بالنجس.
стр. 12
مسنونات قضاء الحاجة
ذكر المصنف بعد ذلك المسنونات فقال: (يسن أن يستجمر ثم يستنجي بالماء) .
يعني: يجمع بينهما، فيبدأ بالاستجمار الذي هو التمسح بأحجار أو نحوها، ثم يستنجي بالماء، ويجوز أن يقتصر على أحدهما، فإن اقتصر على أحدهما فالاقتصار على الماء أفضل، وإن جمعهما بدأ بالاستجمار ثم الاستنجاء.
والاستجمار يسن فيه أن يمسح ثلاث مسحات، إما بالمناديل المعروفة، وإما بالأحجار أو نحوها، يمسح ثلاث مسحات منقية للمخرجين: لمخرج البول ومخرج الغائط.
ولا يجوز الاستجمار إلا بطاهر مباح يابس منقٍ، فلا يستجمر بالنجس، يعني: بالأشياء النجسة، سواء كانت مائعة أوسائلة، فلا يستجمر ولا يتمسح بعظام الميتة أو لحمها ولو يابساً، أو دم متجمد، أو روث حمار أو نحوه، وكذلك لا يغتصب شيئاً يستجمر به، ولا يستجمر إلا بالشيء اليابس؛ لأنه إذا استجمر بالرطب لن يحصل به النقاوة، والعادة أن الاستجمار لا يكون إلا بالأحجار اليابسة أو بالمناديل والخرق والأعواد ونحوها، ولابد أن يكون منقياً، والذي لا ينقي مثل الشيء اللزج ونحوه.
ويحرم الاستجمار بالروث والعظم لما جاء في الحديث: (أنه ﷺ نهى عن الاستجمار بالروث والعظم وقال: إنهما لا يطهران) ، وفي حديث آخر علل بأنهما طعام الجن، وأن الروث علف لدوابهم، وإذا كان يحترم طعام الجن من العظام فإن طعام الإنس أولى كالخبز اليابس ونحوه، وكذلك كل محترم، فلا يتمسح بأوراق كتب علم أو بغلاف كتاب أو ما أشبه ذلك.
وكذلك كل متصل بحيوان، فلا يتمسح بذنب بقرة أو برجلها ونحو ذلك.
ويجزئ الاستجمار وحده بشرط: ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، فإذا انتشر الغائط على صفحات الإليتين فلا ينقى إلا الماء، وكذلك البول إذا ترطب به رأس الذكر والحشفة ونحو ذلك فلابد من الماء.
والاستجمار يكون بثلاث مسحات منقية فأكثر، ويسن قطعه على وتر، كما ورد في حديث: (ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) ، فإذا استنجى باثنتين جعل ثالثة حتى تكون وتراً، فإذا لم ينق إلا بأربع زاد خامسة، فإذا لم ينق إلا بست زاد سابعة، هذا معنى فليوتر.
стр. 13
فضل السواك ومشروعيته
قوله: (يسن السواك بالعود كل وقت إلا لصائم بعد الزوال فيكره) .
يعني: السواك مسنون في كل وقت، والسواك هو: هذا العود الذي تدلك به الأسنان، يؤخذ من أراك أو من زيتون أو نحوه، ولكن أكثر ما يستعمل من الأراك، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة، وتكلم عليه العلماء قديماً وحديثاً، وألف فيه بعض المعاصرين رسالة ماجستير بعنوان: (السواك خلف المجهر) يعني: أنه حقير عند بعض الناس، ولكن المجهر يكبر الشيء، وكأنه يقول: أكبره.
والسواك له حكم كثيرة، وفي الحديث: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ، فالحكمة في شرعيته تنظيف الفم، وتنظيف الأسنان، والمحافظة عليها من التآكل، والمحافظة على الفم من التغير؛ لأن الفم طريق النفس، وكل ما يتبخر من الجوف يمر من الفم، ولأنه طريق الأكل، فالغالب أنه يبقى بين الأسنان شيء من بقايا الطعام فيحتاج إلى إزالتها.
يقول: (يسن السواك بالعود كل وقت إلا لصائم بعد الزوال فيكره) هذا فيه خلاف، والصحيح: أنه لا يكره، لا قبل الزوال ولا بعده، رجح ذلك كثير من العلماء كـ ابن تيمية وابن القيم، والذين كرهوه قالوا: إنه يزيل الخلوف، والخلوف أطيب عند الله من ريح المسك، وحقق ابن القيم أنه لا يزيله؛ لأن الخلوف هو ما يخرج من المعدة من أثر خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يزيل الخلوف، إنما يزيل ما بين الأسنان من النتن وكذلك نتن الفم؛ فلا يكره.
ويتأكد السواك عند الصلاة والوضوء ونحوه، ويتأكد إذا قام إلى الصلاة، حتى ورد حديث ذكره الناظم الذي نظم منظومة في السواك حيث يقول: به الصلاة فضلت سبعين رواه أحمد مسنداً يقيناً يعني: أنه ورد في حديث: (الصلاة التي يُستاك لها تفضل على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفاً) وإن كان في سنده مقال.
وكذلك عند الوضوء ورد فيه حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) .
وعند تغير رائحة الفم، لاسيما بنوم، كان ﵇: (إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك) .
أو بتغير بطول سكوت، أو ببقاء أكل، أو باصفرار أسنان.
ويسن أن يبدأ بجانب طرف فمه الأيمن، ثم ينظف إلى الأيسر، عملاً بأنه ﵇ كان يعجبه التيمن، وكذلك في الطهور، وفي الوضوء يبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى، وبرجله اليمنى قبل اليسرى، كما كان ﵇ يحب التيمن في تنعله وترجله، وفي أمره كله.
стр. 14
استحباب الادهان غباً
وبعد ذلك ذكر المصنف أنه يسن أن يدهن غباً، وفي بعض البلاد تكون هناك حرارة ويبوسة، فيحتاج إلى أن يبل جسده بالدهن، فيدهن وجهه، ويدهن يديه ورجليه، ولكن إذا لم يكن هناك دافع فلا حاجة للإكثار منه.
стр. 15
استحباب الكحل والتطيب
يسن الاكتحال بالإثمد، وهو علاج للعين، وهو من أنفع الأكحال، ويسن أن يكتحل في كل عين ثلاثاً يوماً بعد يوم.
ويسن أن ينظر في المرآة لينظر وجهه، وكان ﵇ ينظر فيها ويقول: (اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي) .
ويسن التطيب، وكان ﵇ يحب الطيب، ويحب الرائحة الطيبة، ويقول: (من عرض عليه طيباً فلا يرده، فإنه طيب الرائحة، خفيف المحمل) .
стр. 16
سنن الفطرة
بعد ذلك ذكر سنن الفطرة التي قال ﷺ : (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشعر، وتقليم الأظفار ونتف الآباط) .
والاستحداد هو: حلق الشعر الذي حول الفرج في الرجال والنساء، وجعله الله تعالى حول هذا الفرج ليكون مخففاً للشهوة أو ليكون حماية وعلامة على العورة، فيسن حلقه.
الشارب: الشعر الذي ينبت على الشفة العليا سُمي شارباً؛ لأنه إذا طال ينغمس في الشراب، فيسن حفه، والحف هو: القص من غير حلق، ويسن أن يقص بالمطراق، ولا يحلق بالموسى.
وتقليم الأظفار: من اليدين أو من الرجلين؛ وذلك لأنها تشوه إذا طالت، ويجتمع فيها أوساخ، وقد تكون حائلة بينها وبين وصول الماء إلى البشرة.
ونتف الإبط هو: الشعر الذي يكون في الإبط، فمن السنة إزالته ولكونه رقيقاً لا يشق نتفهه فينتفه، وهذه من خصال الفطرة.
وقدر بعضهم المدة بأربعين يوماً وقيل: في وقت الحاجة، فمن الناس من يطول شاربه في كل أسبوع أو كل عشرة أيام فيحتاج إلى حفه، وكذلك أظفاره، وكبير السن قد يكون طولها عنده أقل، وقد لا تطول إلا في مدة طويلة تصل إلى أربعين يوماً.
стр. 17
حكم القزع
يكره القزع، وهو: حلق بعض الرأس وترك بعضه، قال ﷺ : (احلقه كله، أو اتركه كله) وسواء كان المحلوق من جانب أو من جانبين أو من الوسط أو من المقدم أو من المؤخر فهذا هو القزع، وهذه الكراهة كراهة التحريم.
стр. 18
حكم نتف الشيب
يكره نتف الشيب؛ وذلك لأن الشيب نور وبهاء في الإنسان، فلا يجوز أن ينتفه هرباً من الشيب؛ وذلك لأن الله تعالى هو الذي قدر أن يكون الإنسان في أول عمره شعره أسود، ثم ينقلب إلى أبيض.
стр. 19
حكم ثقب أذن الصبي
وثقب أذن صبي لا يجوز؛ لأن ثقب أذن الأنثى هو لأجل الحلي، فالأنثى تثقب أذنها لأجل ما يسمى بالقرط، أو الخرص، وهو: قطعة من ذهب تعلق في أذن الأنثى، فأما الصبي فلا يجوز؛ لأن ذلك يعتبر مثلة.
стр. 20
حكم الختان
قوله: (ويجب الختان للذكر والأنثى) ، أما الذكر فإنه واجب، وأما الأنثى فإنه غير واجب؛ لكنه مكرمة، والصحيح: أنه واجب في الرجل لأجل تكملة الطهارة؛ لأن القُلفة التي تكون في رأس الذكر قد يصعب غسل داخلها؛ فلأجل ذلك إذا قطعت وظهر رأس الذكر كان الغسل سهلاً، فقطعها هو لأجل أن تتم الطهارة؛ ولهذا لو مات قبل أن يختن فلا يشرع ختنه؛ ولأن هذه الجلدة تعود في الآخرة حيث لا يكون في الجنة بول ولا غائط ولا نجاسة.
أما ختان الأنثى فهو: أخذ لحمة صغيرة من الفرج كعرف الديك، ولا تستأصل، بل يقطع منها بعضها، وفي الحديث أنه قال للخافضة: (أشمي ولا تنهكي) أي: لا تبالغي.
ومتى يجب الختان؟ يجب بعد البلوغ، ساعة مايبلغ، أو قبل ذلك مع أمن الضرر، فإذا خاف على نفسه جاز تأخيره.
ويسن في الصغر؛ وذلك لأنه في ذلك الوقت ليس له عورة محترمة، والأفضل أن يكون في سابع ولادته، وإذا خيف عليه الضرر فيؤجل، ولكن الأصل أن يرجع بذلك إلى العادة وما يحدث بعدها، فإذا أمنت المضرة فلا بأس أن يُختن ولو في اليوم الأول، وإلا فالأصل أنه يكون في اليوم السابع أو ما بعده، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 21
شرح أخصر المختصرات [٢]
الطهارة والنظافة شعار المؤمن، وقد حث الشرع على الطهارة، وأوجبها عند القيام ببعض العبادات كالصلاة ونحوها، فعلى المؤمن أن يلازم الطهارة؛ فإنها سيما هذه الأمة يوم القيامة، وعليه أن يستنزه ويبتعد عن النجاسات حتى يحبه الله ، فإن الله أخبر في كتابه أنه يحب المتطهرين.
стр. 22
الوضوء وأحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ذكر المؤلف فيما سبق أن المياه ثلاثة أقسام، واختار شيخ الإسلام أن الماء قسمان: طاهر، ونجس، وأن الحد الفاصل بينهما هو التغير.
وذكرنا أن ما سموه طاهراً في نفسه لا يرفع الحدث، هو في الغالب لا يسمى ماءً، حيث إنه يكتسب اسماً آخر كأن يسمى لبناً أو مرقاً أو قهوة أو شاهياً أو نحو ذلك.
وذكرنا في باب الآنية أن الراجح: أن جلد الميتة يطهر بعد الدبغ، لقوة الأدلة في ذلك، وهي واضحة الدلالة، والحديث الذي تمسك به من قال: إنها لا تطهر فيه اضطراب.
وذكرنا في الاستنجاء أن مسح الذكر باليد اليسرى بعد البول ونتره لا دليل عليه، والحديث الذي فيه ضعيف، وأنه يسبب السلس، كما وقع ذلك كثيراً.
وذكرنا في استقبال القبلة واستدبارها في البنيان أنه رجح شيخ الإسلام عدم جوازه كما لا يجوز في الصحراء، أخذاً بعموم الأحاديث التي فيها النهي.
كذلك ذكرنا أن السواك يصح للصائم قبل الزوال وبعده، والحديث الذي فيه: (إذا صمتم فاستاكوا أول النهار ولا تستاكوا آخره) لا يصح، والتعليل أيضاً غير صحيح.
هذه الأمور التي نبه عليها العلماء في المخالفات، سواء كانت مأمورات أو منهيات، والآن نبدأ فيما يتعلق بالوضوء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: فروض الوضوء ستة: غسل الوجه مع مضمضة واستنشاق، وغسل اليدين، والرجلين، ومسح جميع الرأس مع الأذنين، وترتيب، وموالاة، والنية شرط لكل طهارة شرعية غير إزالة الخبث، وغسل كتابية لحل وطء، ومسلمة ممتنعة.
والتسمية واجبة في وضوء وغسل وتيمم، وغسل يدي قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، وتسقط سهواً وجهلاً.
ومن سننه: استقبال قبلة، وسواك، وبداءة بغسل يدي غير قائم من نوم ليل، ويجب له ثلاثاً تعبداً، وبمضمضة فاستنشاق، ومبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل شعر كثيف، والأصابع، وغسلة ثانية وثالثة، وكره أكثر، وسن بعد فراغه رفع بصره إلى السماء، وقول ما ورد.
فصل: يجوز المسح على خف ونحوه، وعمامة ذكر محنكة أو ذات ذؤابة، وخُمُر نساء مدارة تحت حلوقهن، وعلى جبيرة لم تجاوز قدر الحاجة إلى حلها، وإن جاوزته أو وضعها على غير طهارة لزم نزعها، فإن خاف الضرر تيمم، مع مسح موضوعة على طهارة.
ويمسح مقيم، وعاصٍ بسفره من حدث بعد لبس يوماً وليلة، ومسافر سفر قصر ثلاثة بلياليها، فإن مسح في سفر ثم أقام أو عكس فكمقيم.
وشرط تقدم كمال طهارة، وستر ممسوح محل فرض، وثبوته بنفسه، وإمكان مشي به عرفاً، وطهارته، وإباحته ويجب مسح أكثر دوائر عمامة، وأكثر ظاهر قدم خف، وجميع جبيرة.
وإن ظهر بعض محل فرض أو تمت المدة استأنف الطهارة.
فصل: نواقض الوضوء ثمانية: خارج من سبيل مطلقاً، وخارج من بقية البدن من بول وغائط وكثير نجس غيرهما، وزوال عقل، إلا يسير نوم من قائم أو قاعد، وغسل ميت، وأكل لحم إبل، والردة، وكل ما أوجب غسلاً غير موت، ومس فرج آدمي متصل، أو حلقة دبره بيد، ولمس ذكر أو أنثى الآخر لشهوة بلا حائل فيهما، لا لشعر وسِن، ولا بها، ولا من دون سبع، ولا ينقض وضوء ملموس مطلقاً.
ومن شك في طهارة أو حدث بنى على يقينه.
وحرم على محدث مس مصحف وصلاة وطواف، وعلى جنب ونحوه ذلك، وقراءة آية قرآن، ولبث في مسجد بغير وضوء.
فصل: موجبات الغسل سبعة: خروج المني من مخرجه بلذة، وانتقاله، وتغييب حشفة في فرج أو دبر، ولو لبهيمة أو ميت بلا حائل، وإسلام كافر، وموت، وحيض ونفاس.
وسُن: لجمعة، وعيد، وكسوف، واستسقاء، وجنون وإغماء لا احتلام فيهما، واستحاضة لكل صلاة، وإحرام، ودخول مكة، وحرمها، ووقوف بعرفة، وطواف زيارة، ووداع، ومبيت بمزدلفة، ورمي جمار.
وتنقض المرأة شعرها لحيض ونفاس لا جنابة إذا روت أصوله.
وسُن توضؤ بمد، واغتسال بصاع، وكره الإسراف، وإن نوى بالغسل رفع الحدثين أو الحدث وأطلق ارتفع.
وسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل وشرب ونوم ومعاودة وطء، والغسل لها أفضل، وكره نوم جنب بلا وضوء] .
المؤلف كما رأينا يختصر كثيراً، فإنه اقتصر على فروض الوضوء ولم يذكر صفته؛ وذلك لأنه إذا أتى بهذه الفروض فقد أتى بالوضوء المطلوب، وكذلك إذا حافظ على سننه وشروطه وواجباته، وهذه الأشياء التي هي السنن والواجبات والشروط وما أشبهها، مأخوذة من عمومات الأدلة.
стр. 23
تعريف الوضوء
الوضوء: مسمى شرعي، لا تعرف العرب هذا الاسم إلا من حيث العموم، يعني: مشتق من الضوء الذي هو النور، قيل: لأنه ينير للمتوضئ الطريق إلى العبادة، وقيل: لأنه ينور هذه الأعضاء، أي: ينظفها، أو لأنه ينورها في الآخرة تنويراً حسياً، حيث ورد أن هذه الأمة يعرفون بالغرة والتحجيل كما هو مشهور.
стр. 24
شروط الوضوء وفروضه
شروط الوضوء تسعة: من شرطه الإسلام، فلا يصح الوضوء من كافر، والعقل فلا يصح من فاقده، والتمييز فلا يصح من الصغير الذي لا يميز إلى آخرها.
وفروضه ستة: يعني: بالتتبع وجد أنها لا تخرج عن ستة، والمراد: اللازمات والواجبات فيه، وكأنهم بهذا فرقوا بين الفرض والواجب، والجمهور على أنه لا فرق بينهما.
فهاهنا جعلوا هذه هي الفروض وجعلوا الواجب هو التسمية، والفرق بينهما: أن الواجبات تسقط سهواً وجهلاً، وأما الفروض فلا تسقط سهواً ولا جهلا.
والذين فرقوا بينهما كالحنفية قالوا: الفرض آكد، وهو: ما ثبت بدليل قطعي، والواجب: ما ثبت بدليل ظني، ولعل هذا اصطلاح خاص بالأحناف، وإلا فالفرض والواجب تعريف كل منهما واحد، فالواجب هو: ما يثاب فاعله احتساباً ويعاقب تاركه تهاوناً، فيدخل في ذلك الفروض، فإنه يثاب من فعلها تقرباً إلى الله تعالى، ويعاقب من تركها عصياناً وتهاوناً بها، فيعم الفروض والواجبات.
قوله: (وفروض الوضوء ستة: غسل الوجه مع مضمضمة واستنشاق) الوجه: ما تحصل به المواجهة، يعني: المقابلة فلا يدخل فيه الرأس الذي هو منبت الشعر؛ لأنه غالباً يستر بالعمامة والقلنسوة، ولا تدخل فيه الأذنان، فالغالب أنها تستر بالعمامة ونحوها، وتدخل فيه اللحية والعارضان؛ لأنها تحصل بهما المقابلة والمواجهة، فعلى هذا يلزم غسل الشعر كما سيأتي.
والمضمضة والاستنشاق ألحقا بالوجه، والجمهور على أنه واجب أن يتمضمض ويستنشق.
والمضمضة: تحريك الماء في الفم، والاستنشاق: اجتذاب الماء إلى الأنف بقوة النفس، والحكمة تنظيف الفم؛ لأنه قد يكون فيه شيء من الوسخ بعد الأكل وطول الصمت ونحو ذلك؛ ولذلك شرع تنظيفه بالسواك، وكذلك تنظيف الأنف -يعني: المنخرين- لأنهما قد يتحلل منهما شيء من الرأس من المخاط ونحوه، فشرع تنظيفه معه، حتى يأتي الإنسان إلى الصلاة نظيفاً بقدر ما يستطيع.
واستدل على الوجوب بقوله في الحديث: (إذا توضأت فمضمض) وفي حديث آخر: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ، واستدل بأن الوجه يدخل فيه ما يلحق به كالعينين، فالمنخران تابعان له، ويلزم غسل داخلهما بقدر الاستطاعة، والفم أيضاً داخل، فيجعلونه في حكم الظاهر؛ لأنه إذا وضع في فمه ماءً وهو صائم ثم مجه لم يفطر، فدل على أن حكمه حكم الظاهر، ولو وضع في فمه جرعة خمر ثم مجها ما حُد لذلك، ولو أن الصبي الذي في سن الرضاع صب في فمه لبن المرأة ثم مجه لم يعد ابناً لها، فدل على أنه في حكم الظاهر، فيلزم تنظيفه.
وخالف في ذلك الشافعية وقالوا: إنه في حكم الباطن؛ لأنه لا تحصل به المواجهة، فداخل الفم وداخل الأنف لا تحصل بهما المواجهة، فالأنف يستره المنخران، والفم تستره الشفتان، وبكل حال ثبت الفعل الصريح من النبي ﷺ في وضوئه أنه كان لا يترك المضمضة والاستنشاق، وكان هذا مبيناً للآية الكريمة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] .
وغسل اليدين وغسل الرجلين فرضان بلا خلاف، وحد اليدين إلى المرفقين، والصحيح: دخول المرفقين في اليدين، وتكون إلى في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] أي: مع المرافق، وقد روي أنه ﷺ كان إذا توضأ يدير الماء إلى أعلى مرفقيه من جوانبه، مما يدل على أنه يدخل المرفق في الغسل، وكذا الكعبين يغسلهما مع القدمين، والكعب هو: العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم، وفي كل قدم كعبان من الجانبين، وينتهي الكعب بمستدق الساق، فنهاية الكعب وعروقه وما يغسل منه هو مستدق الساق، فيكون الغسل إلى ذلك المكان.
ومن الواجبات مسح الرأس مع الأذنين، والرأس هو: ما ينبت فيه الشعر غالباً، يعني: منابت الشعر المعتاد من نهاية الجبين إلى القفا، ورد مسحه مبتدئاً بالناصية لحديث عبد الله بن زيد: (أنه ﷺ مسح برأسه، فأقبل بهما وأدبر) والواو هاهنا ليست للترتيب، ولكنها لمطلق الجمع، ثم فسر ذلك بقوله: (بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) هذه هي صفة المسح.
فيمررهما على الشعر إذا كان الشعر مسدولاً، أو معقوصاً، أو جعداً؛ لأن المرور يعم جميع الرأس.
واختلف في مسح الأذنين، هل يجوز مسحهما ببقية بلل الرأس أو يأخذ لهما ماءً جديداً؟ ورد في الحديث أنه: (أخذ لأذنيه ماءً جديداً) ، والصحيح: أنه أخذ الماء الجديد لرأسه، (فمسح رأسه بماء غير فضل يديه) ، هكذا ذكر في (بلوغ المرام) .
وصفة مسح الأذنين: إدخال السبابتين في صماخ الأذن، يعني: في خرقها، ومسح ظهور الأذنين بالإبهامين، يعني: يمرر الإبهامين عليها، وأما غضاريف الأذن فلا تمسح، لما في ذلك من مشقة.
وقد ورد أيضاً أنه ﷺ قال: (الأذنان من الرأس) وهو صريح بأنهما يمسحان، وفي ذلك أحاديث مشهورة مروية عن عدة من الصحابة.
والسنة دلت على تعميم جميع رأسه بالمسح من أدناه إلى أقصاه، وخالف في ذلك الشافعية، فقالوا: يجزئ أن يمسح ولو بعض شعره، وهذا خلاف النصوص، فإن الوارد أنه ﵊ كان يعمم رأسه بالمسح، ولم ينقل أنه كان يقتصر على بعضه.
وذهبت الحنفية إلى أنه يكفي ربع الرأس، واستدلوا بحديث المغيرة: (أنه ﷺ مسح ناصيته) وأجاب عن ذلك ابن كثير في التفسير بأنه مسح ناصيته؛ لأنها ظاهرة، وكمل المسح على العمامة، فإن في الحديث: (مسح ناصيته وعلى العمامة والخفين) ولم يقل: إنه اقتصر على مسح بعض الرأس، فمسح جميع الرأس هو فرض، ولا يجزئ بعضه، وهذا هو الأصل.
ومن الفروض أيضاً الترتيب، فالترتيب يكون على ما في الآية، فيبدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم بالرأس، ثم يختم بالرجلين، والرجلان مغسولتان، كما أن اليدين مغسولتان، وعليه أن يتأكد من غسل رجليه؛ فقد ورد في الحديث: (ويل للأعقاب من النار) والأعقاب هي: مؤخر الأقدام، وذلك لأن الذي يتوضأ سريعاً قد يكون من سرعته أنه لا يتعهد مؤخر القدم، فيبقى فيه بقعة أو بياض، فأمر بأن يتعهد ذلك ويدلكه.
ومذهب الرافضة مسح الرجلين، وهو خلاف السنة، ولم ينقل أنه ﷺ مسحهما، بل كان يغسلهما، والسنة مبينة للقرآن.
فالترتيب يبدأه بوجهه، ثم بيده، ثم برأسه، ثم برجليه، فلو غسل يديه قبل وجهه لزمه إعادة غسلهما بعد الوجه، ولو غسل رجليه قبل أن يمسح رأسه لزمه غسلهما آخر وضوئه، ولو مسح رأسه قبل غسل يديه، لزمه أن يمسح رأسه بعد اليدين، حتى يكون وضوءه على ما ورد في الآية: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] فيتوضأ على هذا الترتيب، ويبدأ بما بدأ الله به، كما في الحديث.
والموالاة أيضاً فرض، والموالاة هي: أن يواليها ويسرع فيها، بأن يغسل كل عضو عقب الآخر ولا يتوقف، فإذا انتهى من غسل الوجه بدأ في غسل اليدين، ثم بعد اليدين يبدأ بمسح الرأس، وبعد الرأس يبدأ مباشرة في غسل الرجلين، فلو غسل وجهه ويديه ثم توقف ساعة أو نصف ساعة أو ربع ساعة ثم كمل لم يصح وضوءه؛ لأن الوضوء طهارة وعبادة، ولابد أن تكون متوالية في وقت واحد، ولا يصح أن يفرقها.
وحددوا ذلك: بألا ييبس عضو قبل غسل ما بعده، فلو يبس الوجه قبل غسل يديه أعاد غسل الوجه، إلا إذا كان هناك -مثلاً- ريح شديدة، أو حر وسموم، فإنه قد ييبس الوجه بسرعة، ولكن المراد الوضوء المعتاد.
وهناك بعض الموسوسين يبقى أحدهم في الوضوء ساعة أو ساعتين، ولا شك أن هذا من الشيطان، بحيث إنه يبقى يدلك يديه نصف ساعة، ويخيل إليه أنهما لم يبتلا، ويرجع يغسل رجليه ويدلكهما ساعة أو نصف ساعة على هذه الحال، ويعتبر أنه لم يتوضأ وضوءاً متوالياً، فعليه في هذه الحال إذا كان يشق عليه أن يتوضأ بسرعة في نحو دقيقة أن يعيد الوضوء متوالياً.
ومن فروض الوضوء: النية، وهي شرط لكل طهارة شرعية، والنية هي: عزم القلب على الفعل، بأن ينوي بقلبه أن يعمل فعلاً من العبادات الشرعية، فالطهارة، والوضوء، والغسل، والتيمم، تسمى كل هذه طهارات شرعية، فلابد لها من النية، فلو أن إنساناً غسل وجهه لإزالة نعاس أو نحو ذلك، ثم غسل يديه لنظافتهما ولم ينو الوضوء في ذلك ثم قال: سأكمل الوضوء، فمسح برأسه وغسل رجليه فنقول: يلزمه أن يعيد غسل وجهه ويديه؛ لأنه غسلهما بدون نية رفع الحدث، وإنما بنية رفع النعاس أو بنية النظافة أو ما أشبه ذلك.
وكذلك إذا اغتسل للتنظيف ولم يغتسل لرفع الجنابة، فإنه لا يرتفع حدثه.
والحاصل: أن النية شرط للطهارة كالوضوء والغسل والتيمم.
أما إزالة النجاسة فلا يشترط لها النية، فلو كان لك ثوب نجس ثم أصابه المطر وغمره طهر، أو وقع في سيل فغمره طهر، أو كان في نعله نجاسة فخاض بها في سيل أو في نهر بدون نية طهر.
وكذلك مما لا يشترط له النية غسل الكتابية، وكذا المسلمة الممتنعة لحل وطء، فإذا طهرت الحائض لا يحل وطؤها إلا بعد الغسل، فإذا امتنعت المسلمة أجبرها زوجها على الاغتسال، فغسلها مجبرة بدون نية يبيح الوطء، ولكنه لا يرفع حدثها، ولا يباح لها الصلاة بذلك، وكذلك إجبار الكتابية.
قوله: (والتسمية واجبة في وضوء وغسل وتيمم وغسل يدي قائم من نوم بليل) فالتسمية هي: قول: (باسم الله) ، وقد ورد فيها حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وهذا الحديث روي من عدة طرق عن عدة من الصحابة، ولكن طرقه ضعيفة لا تبلغ درجة الصحة، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يصح في هذا الباب شيء، ولكن يقولون: بمجموع تلك الطرق يتقوى، ويكون دليلاً على الوجوب، فيسمى قبل غسل اليدين، فإذا أراد أن يغسل يديه فإنه يقول: باسم الله، ثم يغسل يديه، ثم يتمضمض، ثم يكمل الوضوء.
وكذلك عند الاغتسال إذا أراد أن يغتسل قبل الوضوء يبدأ بالبسملة ثم يكمل.
وكذلك التيمم، فعندما يتيمم بالتراب يقول: باسم الله.
وهكذا من قام من نوم ليل نوماً مستغرقاً ناقضاً لوض
стр. 25
سنن الوضوء
من سنن الوضوء: استقبال القبلة، يعني: أن يكون مستقبل القبلة حال الوضوء، ولكن لم يرد دليل في ذلك.
ومن سننه: السواك، وقد تقدم قوله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) .
ومن سننه: أن يبدأ بغسل يديه من غير قيام من نوم ليل؛ لأن غسل يدي القائم من نوم الليل واجب، ولكن غيره يغسل كفيه ثلاثاً؛ لأنهما الآلة التي يغترف بهما، فيغترف الماء باليد ويغسل بهما وجهه، ويغترفه باليد ويغسل يديه، وهكذا يغسل رجليه بيده، فلابد أن ينظف اليدين، وتنظيفهما سنة.
أما من نوم الليل فإنه يجب أن يغسلهما قبل الوضوء ثلاثاً، واختلف في العلة في ذلك، واختار المؤلف أنه أمر تعبدي، لا تعرف فيه الحكمة؛ لأنه -مثلاً- لو جعل يديه في كيس حتى أصبح لوجب عليه أن يغسلهما.
ومن السنن: أن يقدم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، فيبدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، فإن أخرهما جاز.
ومن السنن: المبالغة فيهما لغير صائم.
والمبالغة بالمضمضة هو: أن يحرك الماء بقوة في فمه، والمبالغة في الاستنشاق هو: أن يجتذب الماء بقوة النفس إلى أقصى خياشيمه حتى ينظفه، وأما الصائم فلا يبالغ مخافة أن يدخل إلى حلقه.
ومن السنن: تخليل شعر الوجه الكثيف، فإذا كان شعر اللحية كثيفاً فإنه يخلله، بأن يدخل فيها أصابعه حتى يصل إلى أصوله، وإذا اقتصر على غسل ظاهره إذا كان كثيفاً كفى، وضابط الكثيف: أنه الشعر الذي يستر البشرة، والخفيف هو: الذي تُرى البشرة من ورائه، فالخفيف يجب غسل داخله وظاهره.
ومن السنن: تخليل الأصابع، ويتأكد التخليل في أصابع القدمين؛ لأنها غالباً ملتصقة، فيدخل أصابع يديه بين أصابع رجليه حتى يتأكد من وصول الماء، وتخليل أصابع اليدين مستحب لأنها متفرقة يستطيع أن يدخل بعضها في بعض، والعادة والمعروف أن أصابع اليدين متفرقة، وأن الماء يصل إليها.
ومن السنن التثليث، بأن يغسل كل عضو ثلاث مرات: الوجه ثلاث غسلات، وكل يد يغسلها ثلاثاً، وكل رجل ثلاثاً؛ لأن الثلاث هي أكمل، والغسلتان دونهما، ومن اقتصر على غسلة واحدة فقد ارتفع حدثه، ومن غسل كل عضو مرتين فهو أفضل، والثلاث أفضل من الاثنتين، وما زاد على الثلاث لا يجوز، مكروه كراهة التحريم، وقد ورد النهي عن الإسراف، فروي في الحديث: (لا تسرف ولو كنت على نهر جارٍ) .
ومن السن: أن يرفع بصره إلى السماء ويقول ما ورد، فرفع بصره إلى السماء هو لذكر الله تعالى، وكأنه لما أراد أن يدعو الله ويذكره رفع بصره، والذي ورد أنه يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله) وورد أيضاً أنه يقول: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) وإن قال بعد ذلك شيئاً من الأدعية، كأن يقول: (واجعلني من ورثة جنة النعيم) وهو من الدعاء الذي قاله إبراهيم ﵇؛ جاز ذلك.
стр. 26
أحكام المسح على الخفين
انتقل المؤلف بعد ذلك إلى المسح على الخفين، والمسح على الخفين رخصة لهذه الأمة، وهي من الرخص التي فيها تيسير للعبادة، والخف هو: ما يصنع من جلود الإبل أو البقر ونحوها، ويجعل على قدر القدم، ويجعل له موطئ كالنعل، ويجعل له غطاء تربط فيه وتخرج في أصل النعل، ثم بعد ذلك يجعل له مدخل تدخل معه القدم، ثم يعقد على الساق، ويلبس للتدفئة، وللوقاية من البرد، فالمسح عليه من الرخص، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه.
وأنكر ذلك الرافضة ونحوهم من المبتدعة، ولأجل ذلك يذكر العلماء مسائل الخفين في كتب العقيدة؛ وذلك لأن المخالفين فيه هم مخالفون في العقائد.
قوله: (ونحوه) كما يوجد في هذه الأزمنة ألبسة على الأقدام منها ما يكون تحت الكعبين، ومنها ما يكون فوق الكعبين، فالذي يكون فوق الكعبين كالذي يسمى (البسطار) أو نحوه، وينظم على الساق يلحق بذلك، ويمسح عليه، والذي دون الكعبين لا يُمسح عليه؛ وذلك لأنه لا يستر القدم.
ومما ورد المسح عليه الجورب، وهي: عبارة عن منسوج من صوف أو نحوه يستر القدم، وينظم على الساق، فيمسح عليها إن كانت تكفي عن الأحذية، يعني: تنسج من الصوف أو من الشعر، وتكون غليظة تلبس على القدم، ويجعل تحتها رقعة من الجلد تمكن مواصلة المشي فيها، هذه هي الجوارب التي يجوز المسح عليها، ولابد أن تكون قوية النسج بحيث إنه لا يخرقها الماء.
وجاءت في هذه الأزمنة ما يسمى بالشراب، وسميت جوارب، وترخص الناس بالمسح عليها، وتوسعوا في ذلك، ونحن نقول: إذا كانت قوية بحيث إنه لا يخرقها الماء أو لا يخرقها إلا بعد صب كثير فإنه يمسح عليها، فأما إذا كانت شفافة أو رقيقة فلا يمسح عليها؛ وذلك لأنها لا تحصل بها التدفئة المطلوبة، ولأن الجوارب التي كانت في عهد الصحابة كانوا يجعلون تحتها رقعة من جلد ثم يمشون بها وحدها، وكانت تستر القدم كله، إلى مستدق الساق.
стр. 27
جواز المسح على العمامة والجبيرة
يجوز أن يمسح الرجل على العمامة إذا كانت محنكة، وهي التي تشد على الرأس، ثم يجعل طرفها تحت الحنك، ثم تربط، ويشق نزعها.
أو ذات ذؤابة: وهي التي تدار على الرأس كله، وتربط ويجعل لها طرف بين الكتفين يتدلى خلف الظهر يُسمى الذؤابة؛ لأن في رفعها مشقة، فإذا لم يكن في رفعها مشقة كالغترة والقلنسوة التي هي الطاقية فإنه لا حرج ولا مشقة في رفعها، فيلزم رفعها ومسح ما تحتها.
وخمار المرأة إذا كان قد أدارته تحت حلقها يمسح، يعني: أن هناك نوعاً من الخمر تديره المرأة على رأسها، ثم تديره تحت حلقها، ويشق عليها رفعه؛ فيجوز أن تمسح عليه.
والجبيرة هي: ما يجبر به الكسر في اليد أو في الرجل أو نحو ذلك، فإذا جبرت الجبيرة على الكسر فإنه يمسح عليها إذا لم تتجاوز قدر الحاجة، ولا تحديد لها، بل يمسح عليها إلى حلها.
أما إذا جاوزت قدر الحاجة كما يعمل الآن في الجبس، فقد يكون الكسر قدر أربع أصابع، ثم يجعل الجبس على اليد كلها إلى نصف العضد، ففي هذه الحال يلزم نزعها، فإن خاف الضرر تيمم بعد المسح.
وهل يشترط أن توضع على طهارة؟ الصحيح: أنه لا يشترط؛ وذلك لأن الكسر يقع بغتة، فيفزع أهله إلى جبره بسرعة، ويشق عليهم أن يأمروه أن يتوضأ، سيما في ذلك العضو الذي قد انكسر، فيجوز المسح عليها ولو لبسها على غير طهارة، فإذا وضعها على غير طهارة فالصحيح: أنه لا يلزم نزعها، وإذا جاوزت محل الحاجة مسح عليها وتيمم عن الزائد إذا خاف الضرر بنزعها.
стр. 28
المدة التي يمسح فيها على الخفين
مدة المسح للمقيم يوم وليلة، تبدأ المدة على الصحيح من أول حدث، هذا الذي عليه جمهور الفقهاء، وقيل: من أول مسح، والجمهور يرون أنه من أول حدث.
مثال ذلك: إذا توضأ لصلاة الفجر وغسل قدميه، ولبس الخفين، وانتقض وضوءه في الضحى في الساعة العاشرة، ولم يمسح إلا في الساعة الثانية عشر عند صلاة الظهر، فيمسح لصلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم توضأ في الساعة الحادية عشراً من اليوم الثاني فلا يمسح؛ لأن المدة قد انتهت، فإن توضأ في الساعة التاسعة مسح؛ لأن المدة لم تنته.
واختلف فيمن سافر سفر معصية، هل يمسح يوماً وليلة أو ثلاثة أيام، الفقهاء قالوا: يمسح يوماً وليلة؛ لأن العاصي لا يرخص له، والأقرب أنه مثل غيره كسائر المسافرين يمسح ثلاثة أيام بلياليها، ونحن نقول: يأثم بعصيانه، وأما الأحكام الشرعية فلا يختلف فيها العاصي وغيره.
والمسافر سفر قصر يمسح ثلاثة أيام بلياليها من باب التسهيل عليه؛ لأن السفر -كما ورد في الحديث-: (قطعة من العذاب) .
قوله: (ومن مسح في سفره ثم أقام أو عكس) مثلاً مسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد صلاة الظهر، فيمسح مسح مقيم يوماً وليلة، أو مسح وهو في السفر لصلاة الظهر ثم وصل البلد بعد الظهر أو قبل العصر فيمسح مسح مقيم، تغليباً لجانب الإقامة، واحتياطاً للعبادة، أما إذا أحدث -مثلاً- في الساعة العاشرة قبل أن يمسح، ثم سافر في الساعة الحادية عشرة ومسح وهو في السفر، فإنه يمسح مسح مسافر.
стр. 29
شروط المسح على الخفين وصفته
المسح يشترط له شروط: الشرط الأول: أن يلبس الخفين بعد تمام الطهارة، فلا يلبس الخف الأيمن إلا بعد غسل رجله اليسرى، يعني: بعدما ينتهي من الطهارة، واستدلوا بقوله: (أدخلتهما وهما طاهرتان) يعني: ابتدأت بإدخالهما حال كونهما طاهرتين.
هذا قول.
القول الثاني: أنه يجوز أن يلبس الخف الأيمن قبل أن يغسل الرجل اليسرى إذا غسل الرجل اليمنى وطهرها، وهذا أقرب؛ وذلك لأنه أدخلها وهي طاهرة، ثم يغسل اليسرى ويدخلها وهي طاهرة، واستدل الشوكاني في النيل بحديث: (أدخلتهما وهما طاهرتان) فكلمة (وهما) يعني: وكل منهما.
الشرط الثاني: أن يكون الممسوح ساتراً لمحل الفرض، فإذا كان ساتراً لبعضه فلا يمسح عليها ولو كانت تنظم على القدم؛ لأنها ما سترت القدم كله، فلابد للخف أن يستر محل الفرض كله إلى منتهى الكعبين.
الشرط الثالث: أن يثبت بنفسه، فإذا كان لا يثبت إلا بإمساكه باليد فإنه لا يسمى خفاً، ولابد أن ينظم ويستمسك بنفسه، ولو شده بخيط أو نحوه.
الشرط الرابع: أن يمكن المشي فيه عرفاً، فإذا كان لا يمشي فيه أو إذا مشى فيه سقط، وإنما يثبت إذا جلس أو ركب فلا يمسح عليه؛ لأنه عرضة للسقوط.
الشرط الخامس: طهارته، فإذا كان نجساً نجاسة طارئة، أو نجاسة أصلية كالمنسوج من جلد شاة قبل الدبغ أو جلد حمار أو كلب ونحو ذلك فلا يمسح عليه؛ وذلك لأنه سيصلي حينئذ بنجاسة.
الشرط السادس: الإباحة، فإذا كان مغصوباً فلا يمسح عليه، هذا على القول المشهور عند الفقهاء.
والقول الثاني ولعله الأقرب: أنه يمسح عليه، ونقول له: أنت آثم بلبسه، سواء في الصلاة أو في غيرها.
وأما صفة المسح: فالعمامة يمسح أكثر دوائرها، يعني: أطرافها التي تدور على الرأس، فيمسح دوائرها، ويمسح وسطها؛ وذلك لأن العمامة بدلاً عن الرأس، والرأس يمسح كله، وأما الخف فيمسح ظاهره، من أصابعه إلى ساقه، وأما الجبيرة فيمسحها كلها.
قوله: (متى ظهر بعض محل الفرض استأنف الطهارة) فلو انحسر الخف، وظهر الكعب؛ بطلت الطهارة بعد المسح، فيلزم أن يستأنفها.
وكذلك متى تمت المدة بطلت الطهارة، فلو تمت المدة في الساعة الثانية ظهراً، وجاء وتوضأ للظهر اليوم الثاني، وبقي على طهارته إلى العصر، فنقول: انتقض وضوءك في الساعة الثانية التي هي تمام يوم وليلة، فيلزمه أن يخلع ويجدد الوضوء.
стр. 30
نواقض الوضوء
نواقض الوضوء هي: مبطلاته، وذكر المصنف أنها ثمانية، وفي بعضها خلاف: الناقض الأول: ما خرج من السبيلين، فهو ناقض، سواء كان له جرم، أو ليس له جرم كالريح، فإنه يعتبر ناقضاً، وسواء كان طاهراً أو نجساً، فلو خرج من دبره حجر أو خيط يابس أو دود طاهر، فإنه يعتبر ناقضاً؛ وذلك لأنه خارج من مخرج نجاسة، ولا خلاف في هذا.
الناقض الثاني: النجس الخارج من بقية البدن، الخارج من البدن إما أن يكون طاهراً أو نجساً، فإن كان طاهراً فلا ينقض، مثل: العرق والدموع واللعاب والمخاط، فهذه طاهرة لا ينقض خروجها الوضوء، أما النجس فمثل القيح، والصديد، والدم، والبول، والغائط، وقد يقول قائل: كيف يخرج البول والغائط من غير المخرج؟ فنقول: نعم، فلو انسد دبره ففتح له مخرج مع جنبه أو مع ظهره فإن ما خرج منه يعتبر ناقضاً، إلا إذا كان لا يتحكم فيه، فيعتبر كصاحب السلس، وكذلك لو انسد مخرج البول، ففتح له من المثانة فوق العانة أو نحو ذلك فإنه يعتبر ناقضاً، وسواء كان قليلاً أو كثيراً.
أما الخارج النجس من غيرهما فلا ينقض إلا الكثير، فلا تنقض -مثلاً- قطرة دم أو قطرتان، أو قيح أو صديد أو نحو ذلك، واختلف في القيء -وهو ما يسمى بالتطريش- هل ينقض أو لا؟ والصحيح: أنه ينقض إذا كان كثيراً متغيراً برائحة أو بلون، ولا ينقض إذا كان ليس متغيراً، أو كان قليلاً.
الناقض الثالث: زوال العقل، فالمجنون قد لا يشعر بحالته فلا يدري ما يخرج منه، فربما يخرج منه الريح والبول ونحو ذلك ولا يشعر، فإذا كان متوضئاً ثم جن ولو يسيراً انتقض وضوءه، وكذا الإغماء والغشية من نواقض الوضوء أيضاً؛ لأنه لا يشعر بنفسه، أما النوم فإذا كان يسيراً من قاعد أو قائم فلا ينقض، وأما إذا كان مضطجعاً فإنه ينقض ولو كان يسيراً؛ لأنه قد يستغرق، وحد القليل أو اليسير هو ما يبقى معه شعور بنفسه؛ وذلك لأنه إذا استغرق وهو قاعد سقط على جنبه.
الناقض الرابع: تغسيل الميت، وقد ورد فيه أحاديث، وفيها شيء من الخلاف، فورد ما يدل على أن من غسله أنه يغتسل: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) ولكن لعل الأقرب أنه يكفيه الوضوء، وذهب بعضهم إلى أنه لا حاجة إلى الوضوء إذا كان متوضئاً إلا إذا مس عورته أو نحو ذلك.
الناقض الخامس: أكل لحم الإبل، وفيه أيضاً خلاف مع الشافعية، والقول الصحيح: أنه ناقض، والشافعية يرون أنه غير ناقض لأحاديث ترك الوضوء مما مست النار، مع أن الأحاديث الصحيحة تدل على أنه ناقض للوضوء.
واختلف هل كل جميع أجزائها تنقض أو يختص باللحم؟ أكثر الفقهاء على أنه يختص باللحم الأحمر، والقول الثاني -ولعله الأرجح-: أنه ينقض جميع أجزائها، فإذا أكل من الكبد أو من الكرش أو من القلب أو من اللسان فكل ذلك يلحق باللحم.
الناقض السادس: الردة؛ لأن الردة عن الإسلام تبطل الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] والوضوء عمل شرعي، فإذا ارتد بطلت أعماله، ومنها الوضوء.
الناقض السابع: ما أوجب غسلاً، فكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً، ومن موجبات الغسل إذا انتقل المني من الصلب ولم يخرج فإنه يغتسل.
الناقض الثامن: مس فرج آدمي متصل أو حلقه دبره بيده، وهذا أيضاً فيه خلاف، وكذلك الخلاف في قوله: (منفصل) فهل ينقض المنفصل كالذكر المقطوع أم لا؟ والصحيح أنه خاص بالمتصل، والخلاف فيه طويل، وكذلك النقض بمس الدبر فيه خلاف، ولعل الأقرب أنه لا ينقض مس الذكر إلا إذا كان يثير الشهوة.
стр. 31
الخلاف في نقض الوضوء من لمس المرأة والعكس
اختلف في مس الرجل المرأة، أو مس المرأة الرجل بشهوة، فالجمهور على أنه يختص بالذكر، فإذا مس المرأة بشهوة بلا حائل فالأقرب أنه لا ينقض إلا إذا كانت الشهوة حادة، وذهبت الشافعية إلى أنه ينقض مطلقاً، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿أَوْ لمَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] على إحدى القراءات، والصحيح: أنه لا ينقض إلا لشهوة، فإن كان وراء حائل لم ينقض، ولا ينقض مس شعرها، أو مس الظفر، أو السن.
وكذلك لو مسها بظفره أو مسها بشعره.
وكذلك لا ينقض مس طفلة دون سبع سنين؛ لأنها ليست محلاً للشهوة.
ووضوء الملموس لا ينتقض، فإذا مس امرأة بشهوة لا ينتقض وضوءها، وكذلك لو مسته بشهوة منها وهو لم يمسها لا ينتقض وضوءه.
قوله: (من شك في طهارة أو حدث بنى على اليقين) صورة ذلك: إذا شك وقال: هل أنا تطهرت أم لا؟ أو انتقض وضوءه مثلاً في الساعة العاشرة، فقال: لا أدري هل أنا توضأت بعد ذلك الوقت أم لا؟ ففي هذه الحالة نقول: الحدث يقين، والطهارة مشكوك فيها، فعليك تجديد الطهارة، والعكس إذا قال: أنا أتحقق أنني توضأت في الساعة العاشرة ولا أدري هل انتقض وضوئي أم لا؟ ف
الجواب
يبقى على طهارته؛ لأن الأصل الطهارة؛ فلا تزول إلا بيقين.
стр. 32
حكم مس المصحف للمحدث
المحدث الذي انتقض وضوءه بواحد من هذه النواقض لا يجوز له مس المصحف، وفيه كلام كثير، ولكن الراجح: أنه لا يمسه، والآية صريحة في هذا: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٧٩-٨٠] والتنزيل هو هذا القرآن، فلا يمس هذا القرآن المنزل إلا المطهرون، وكذلك أيضاً ورد في السنة، وورد من فعل الصحابة، ورخص فيه بعض العلماء بتأويلات، والصحيح أنه لا يمسه إلا طاهر.
стр. 33
يحرم على المحدث الصلاة والطواف
لا تصح الصلاة إلا بطهور، ورد أنه ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) ، وقال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ، وقال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦] أي: إذا قمتم وأنتم محدثون فاغسلوا.
ولا يجوز أن يطوف إلا وهو متطهر؛ لقوله ﷺ : (غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) ، ولقول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] ، فلابد أن يكون الطائفون متطهرين، ولأنه ﷺ لما أراد أن يطوف توضأ.
فيحرم على الجنب الذي عليه جنابة مس المصحف، والصلاة، والطواف، وكذلك المرأة الحائض التي لم تغتسل.
ويحرم عليهم قراءة القرآن ولو من الحفظ، وبالنسبة إلى الحائض فيها خلاف، وأباح كثير من المشايخ أنه يجوز لها قراءة القرآن إذا خافت النسيان، وأنه يجوز للجنب قراءة آية على أنها دعاء، كقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١] أو على أنها ذكر كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
стр. 34
حكم المكث في المسجد للجنب والحائض
قوله: (يحرم على الجنب ونحوه كالحائض اللبث في المسجد بغير وضوء) ، يعني: يحرم عليه أن يمكث في المسجد وهو غير متوضئ، وقد ورد أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أرادوا أن يجلسوا في حلقة التعليم وعليهم جنابة توضئوا وجلسوا، ويقرهم النبي ﷺ على ذلك، ولا شك أن ذلك دليل على أنهم فهموا أن الوضوء يخفف الجنابة، وأباحوا للجنب أن يدخل المسجد لحاجة كعابر سبيل، كأن يدخل من باب ويخرج من باب، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فقالوا: (عابري سبيل) يعني: قاطع طريق، أي: جعله طريقاً لحاجة.
فهذه نواقض الوضوء ذكرناها مع الاختصار، وذكرنا ما فيه خلاف قوي، وما هو الأصل فيه، على ما ذكره الفقهاء.
стр. 35
موجبات الغسل
ذكر المصنف أن موجبات الغسل سبعة، والغسل يراد به غسل البدن كله، أي: ما يمكن وصول الماء إليه.
وهذه الموجبات هي: الأول: خروج المني من مخرجه بلذة، واشترط بعض العلماء لخروج المني الموجب للغسل شرطان: الأول: الدفق.
والثاني: اللذة.
يعني: أن يخرج في اليقظة ويشعر بلذة عند خروجه، فإذا كان يسيل سيلاناً كالبول فلا يوجب غسلاً، وكذلك إذا خرج دفقاً، يعني: اندفاعاً ولم يصحبه لذة، واستثنوا من ذلك النائم، فإنه إذا وجد المني قد خرج منه فإنه يغتسل؛ لأن النائم لا يشعر به حالة خروجه.
الموجب الثاني: انتقاله، وهو أن ينتقل من الصلب متوجهاً إلى مكان خروجه ولكن لم يخرج، فيغتسل له، فإذا خرج بعد ذلك فلا يعيد الاغتسال، ولكن يتوضأ؛ لأنه خارج من أحد السبيلين.
الموجب الثالث: مسمى الوطء، وحدّه: تغييب حشفة في فرج أصلي قبل أو دبر ولو لبهيمة أو ميت بلا حائل، وفيه أيضاً كلامٌ كثير، والصحيح: أنه يوجب الغسل.
والذين قالوا: لا يوجب، استدلوا بالحديث الذي فيه: (الماء من الماء) يعني: أن الاغتسال لا يكون إلا بعد الإنزال.
والذين قالوا: يوجب، استدلوا بحديث: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ، فإذا غيّب الرجل رأس ذكره إلى محل الختان ولو في بهيمة، أو دبر، أو ميت، أو امرأة حلالاً أو حراماً وجب عليه الغسل، ولا شك أن الحرام يوجب الإثم، كالبهيمة، والدبر، والمرأة الحرام، ولكن مع ذلك يكون عليه جنابة.
واشترط: ألا يكون مع حائل، فإن كان من وراء ثوب فإنه لا يوجب.
الموجب الرابع: الكافر إذا أسلم؛ وذلك لأنه في حالة كفره نجس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] ، وقد ورد أيضاً أنه ﵇ أمر رجلاً أسلم أن يغتسل.
وذهب بعضهم: إلى أنه يستحب إلا أن يكون عليه نجاسة قبل أن يسلم كالجنابة التي لم يغتسل لها.
والأقرب: أنه واجب عليه.
الموجب الخامس: الموت، فإذا مات الإنسان وجب تغسيله، كما هو معروف.
السادس والسابع: الحيض، والنفاس، وهما مما يختص بالمرأة، لقول تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢] .
أما الاغتسالات المسنونة فكثيرة، منها: الأول: غسل الجمعة، وقد ذهب بعضهم: إلى وجوبه، واستدل بقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) .
وذهب بعضهم: إلى أنه ليس بواجب وأنه سنة.
وذهب آخرون إلى أنه واجب على من هو بعيد العهد بالنظافة؛ لأن هذا إذا كان به وسخ أو قذر أو نحو ذلك فإنه يؤذي المصلين، فيجب عليه، وأما إذا كان نظيف البدن فلا.
الثاني: الغسل للعيد، قياساً على الجمعة؛ لأن فيه اجتماعاً عاماً.
الثالث: الاغتسال لصلاة الكسوف، قياساً أيضاً على الجمعة، ولكن ليس هناك دليل.
الرابع: الاغتسال للاستسقاء، ولعل الأقرب: أنه يكتفى بالوضوء لعدم الدليل؛ ولأنه ﷺ لما وقع الكسوف قام فزعاً إلى الصلاة، ولم ينقل عنه أنه اغتسل.
الخامس: الجنون، فإذا أفاق أحد من جنون فإنه يغتسل؛ وذلك لأنه لا يدري ما حدث فيه.
السادس: الإغماء، والغشية، فإذا غشي عليه ثم أفاق فليغتسل، ثبت أنه ﵇ في مرض موته أغمي عليه، فلما أفاق قال (ضعوا لي ماء في مركن فاغتسل، ثم ذهب ليقوم فأغمي عليه) فإن وجد احتلام في الجنون أو الإغماء فإنه يكون واجباً، ولا يكون مسنوناً.
السابع: الاغتسال للاستحاضة عند كل صلاة، كما ورد الأمر لها بأن تغتسل لكل صلاة أو تجمع الصلاتين في اغتسال واحد إذا شق عليها.
الثامن: الاغتسال عند الإحرام، وقال بعضهم بوجوبه، والصحيح أنه سنة.
التاسع: عند دخول مكة، وكان في ذلك الوقت بين الإحرام وبين دخول مكة قد يكون عشرة أيام أو أربعة أيام أو ثلاثة، فأما في هذه الأزمنة فالزمن قصير، يدخلها بعد أن يحرم بساعة أو نحوها، فلا حاجة إلى تجديد الغسل.
العاشر: إذا وصل إلى حدود الحرم، كما يقول المؤلف أيضاً: يغتسل لحرم مكة.
الحادي عشر: يغتسل للوقوف بعرفة.
الثاني عشر: الاغتسال لطواف الزيارة (طواف الإفاضة) .
الثالث عشر: الاغتسال لطواف الوداع.
الرابع عشر: الاغتسال للمبيت بمزدلفة.
الخامس عشر: الاغتسال لرمي الجمار.
هكذا عددوا هذه الاغتسالات، وأكثرها استحسان، وقالوا: لأنه عمل صالح فيسن أن يأتيه بنظافة، والصحيح: أنه لا دليل على ذلك، وأنه لا موجب للاستحباب إلا إذا كان الإنسان بعيد العهد بنظافة أو نحوها.
стр. 36
حكم نقض الشعر للغسل الواجب
قالوا: تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس؛ وذلك لأن الغسل من الحيض ينبغي التنظيف فيه؛ ولأنه تطول مدتها وهي لم تغتسل، ولأنها في النفاس قد تبقى أربعين يوماً وهي لا تصلي، وكذلك ستة أيام أو عشرة أيام في الحيض، وهذه المدة تتسخ فيها، فيتأكد أن تنقض شعرها عند الاغتسال، أما في الجنابة فيكفي أن تروي أصوله، ولا حاجة أن تنقضه، لحديث أم سلمة قالت: (يا رسول الله! إني امرأة أشد ظفر رأسي -تجعل رأسها ظفائر، يعني: قروناً- أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات) فلابد أنها تغرف عليه وتدلكه حتى يصل الماء إلى أصول الشعر.
стр. 37
الاقتصاد بالماء في الوضوء والغسل
السنة أن يتوضأ الشخص بمد، ويغتسل بصاع؛ تلافياً للإسراف، ويكره الإسراف ولو كان الإنسان على البحر أو النهر، ويتوضأ بالمد، يعني: بمقدار المد الذي هو ربع صاع، ويغتسل بالصاع، وإذا كان يغتسل تحت (الرشاش) المعروف فإنه يحاول الاقتصاد وعدم الإسراف.
стр. 38
النية في الغسل لرفع حدثين
إذا نوى الشخص بالغسل رفع الحدثين، أو رفع الحدث وأطلق، ارتفع الحدثان، فإذا كان -مثلاً- على المرأة حدثان: طهرت من الحيض، ولم تجد ماء فتيممت، ووطأها زوجها، ثم وجد الماء، فأصبح عليها موجبان: الجنابة والحيض، فإذا اغتسلت غسلاً واحداً، ونوت رفع الحدثين ارتفعا، وكذلك الرجل، مثلاً: لو وطأ امرأته ثم نام فاحتلم، وأصبح عليه موجبان: موجب الاحتلام، وموجب الوطء، فاغتسل بنية رفع الحدثين أو بنية رفع الحدث وأطلق ارتفع الحدثان.
ولو اغتسل لسنة الجمعة وعليه جنابة لم يتذكرها إلا بعد الاغتسال، فالصحيح: أنه يرتفع حدث الجنابة؛ لأنه اغتسل ناوياً الطهارة لصلاة الجمعة فيطهر.
стр. 39
الأشياء التي تكره للجنب قبل الغسل وبيان أن الوضوء يخفف الكراهة
يسن للجنب أن يتوضأ ويستنجي إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، والغسل له أفضل، كما جاء عن عمر أنه قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) وفي حديث عن عائشة وغيرها: (أنه ﷺ كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) يعني: استنجى ثم توضأ وضوءه للصلاة؛ وذلك لأجل أن الأكل ولو كان مباحاً كل وقت فإنه نعمة من الله تعالى، فينبغي أن يُتطهر له، فإذا شقت عليه الطهارة خفف ذلك بالوضوء.
وقد تقدم أنه يسن إذا أراد الجنب أن يجلس في المسجد أن يتوضأ، وكذلك أيضاً إذا أراد أن يعود إلى الوطء، وقد ورد فيه حديث: (إذا وطأ أحدكم امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما) والاغتسال أفضل.
ويكره نوم جنب بلا وضوء، فأشدها كراهة النوم؛ لكثرة الأحاديث التي جاءت في النهي عن أن ينام أحد وهو جنب إلا بعد أن يتوضأ.
стр. 40
الأسئلة
следующие страницы →