← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 7725

شرح أخصر المختصرات لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (2 153 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

حكم الوقوف في المسجد إذا لم يكف الوقت لتحية المسجد السؤال إذا دخلت المسجد وليس هناك وقت كاف لتحية المسجد، فهل أجلس أو أنتظر الإقامة واقفاً؟ الجواب انتظر واقفاً، ولا تجلس إذا كانت الإقامة قريبة، وإذا أمكنك أن تصلي ولو ركعة وتتم الركعة الثانية بعد الإقامة فلا بأس.

стр. 667

الصلاة على الدابة خاص بالسفر السؤال صلاة النافلة على الدابة هل هو خاص بالسفر أم يجوز في الحضر؟ الجواب ما ذكروه إلا في السفر؛ لأن الذي في الحضر يمكن أن يصل إلى مقصده ويصلي الراتبة.

стр. 668

كيفية الصلاة على الطائرة ومعرفة الوقت السؤال إذا كان المسافر في الطائرة، وخاصة في أقصى الشرق أو أقصى الغرب، ولا يعرف وقت دخول الصلاة- وخاصة صلاة الفجر، فقد يكون في ليل، ويدخل في النهار بسرعة، وإن كان يعرف الاتجاه، ولكن الكراسي في الاتجاه المعاكس، ولم يستطع أن يصلي واقفاً، فماذا يفعل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب إذا كان يمكن وصوله قبل طلوع الشمس انتظر، وأما إذا خشي أن تطلع الشمس فإنه يصلي على حسب حاله، ويجتهد ويتحرى، ويسأل الطيار أو الملاحين ونحوهم عن الوقت، وهم عندهم معرفة بذلك.

стр. 669

حكم من يطوف ويحمل ولده الصغير معه بدون طهارة السؤال بعض الناس يطوفون وهم يحملون أولادهم الصغار على أكتافهم، وهؤلاء الأطفال يلبسون الحفائظ، وقد تكون فيها نجاسة، فما حكم طوافهم؟ الجواب عليهم أن يتحققوا من نظافتها قبل دخول المسجد، وإذا أرادوا أن يطوفوا بالطفل فعليهم أن ينظفوه ويطهروه ثم يلبسوه حفيظة طاهرة، ثم يبدءوا في الطواف، والعادة أنه لا يخرج منه شيء في الوقت القريب، وإذا خرج شيء ولم يشعروا به فلا حرج.

стр. 670

حكم من أحس بخروج المني من الصلب ولم يخرج السؤال من أحس بخروج المني من الصلب ولم يخرج، ثم صلى ولم يغتسل لجهله، فهل يعيد الصلاة، مع العلم أنها حصلت كثيراً؟ الجواب في الغالب أنه إذا انفصل من الصلب أنه يخرج، وإذا بقي -مثلاً- ساعة أو نصف يوم فلابد أن يخرج بعد ذلك، ولو سيلاناً مع البول، فهذا الذي يحس -مثلاً- بشهوة الغالب أنه لا ينتقل؛ لأن الذي ينتقل لابد أن يخرج، وإذا جاوز محله فلابد أن يخرج إما في الحال وإما بعد ساعة أو بعد ساعات يسيرة. ننصحك بألا تكثر الوهم، وإلا فكلما حصلت لك شهوة اعتقدت أنه انتقل، فهذا ليس بصحيح، ولا تكلف نفسك.

стр. 671

حكم من ظهر منه دم في الصلاة ثم مسحه بالمنديل السؤال ماذا يفعل من ظهر منه دم في صلاته ومسحه بمنديل، ووضع المنديل في جيبه، هل صلاته صحيحة؟ وما حد الدم الكثير واليسير؟ الجواب إذا كان يسيراً فإنه يعفى عنه، كأن يكون نقطتين أو ثلاث نقط، أما إذا كان كثيراً فإنه يقطع الصلاة، ويجدد الوضوء، وينظف بدنه أو منديله.

стр. 672

حكم من يقوم بتجديد بعض الإقامات للعمال النصارى السؤال معقب لدى إحدى المؤسسات، ويقوم بتجديد بعض الإقامات للعمال النصارى، فهل عمله هذا يدخل في التعاون على الإثم والعدوان؟ الجواب إذا كانوا يدفعون له أجرة ويعاونهم بالأجرة، فلا بأس أن يأخذ منهم الأجرة، فهو أولى من أن يأخذها غيره من الفسقة أو الكفرة، ومعلوم أنه لابد لهم من هذه الإقامات، وهذه الجوازات، وهذه الرخص وما أشبهها، فكونهم يبذلونها لمسلم أولى من كونه يأخذها كافر.

стр. 673

حكم المداومة على الإطالة في الصلوات الجهرية السؤال ما حكم المداومة على الإطالة في كل الصلوات الجهرية، نرجو التوضيح؟ الجواب الإطالة لا بأس بها، ولكن المداومة على ذلك بحيث يشق على المأمومين مشقة كثيرة لا يجوز.

стр. 674

حكم قراءة الإمام بسورة الأعراف في المغرب السؤال هل يصح للإمام في وقتنا هذا أن يقرأ بسورة الأعراف في صلاة المغرب اتباعاً للسنة، وهل له أن يخبر الجماعة بأنه سيقرأ بهم سورة الأعراف؟ الجواب فعل ذلك بعض مشايخنا، وبعض زملائنا، وبعض تلامذتنا -أيضاً- اقتداءً بالسنة، واتباعاً للأحاديث، ولكن لا يداوم على ذلك، وإذا فعله مرة كفى، وينبه المأمومين.

стр. 675

حكم تعمد الإمام الإسرار في الصلوات الجهرية السؤال ما حكم تعمد الإمام القراءة سراً في الصلوات الجهرية؟ الجواب لا يجوز، وإن كان ذلك لا يبطل الصلاة، هم ذكروا أن الجهر في الظهر لا يبطلها، والإسرار في المغرب لا يبطلها، ولكنه خلاف السنة، ولا يجوز تعمد ذلك.

стр. 676

حكم ترك قراءة السورة بعد الفاتحة السؤال ما حكم ترك قراءة السورة بعد الفاتحة سواء كان ناسياً أو متعمداً؟ الجواب الأصل أنه لا يجوز تعمده، وإذا كان ناسياً فالصلاة صحيحة، وإن تعمد ذلك لبيان الجواز فلا بأس، فالأصل أن السورة بعد الفاتحة ليست واجبة.

стр. 677

حكم إمامة من يخرج منه قيح ودم من الدبر السؤال أنا إمام مسجد، وقد قدر الله علي بخروج ورم قرب فتحة الشرج، ينفتح هذا الورم ويخرج منه دم من خارجه، وإذا قمت بضغطه فإنه يخرج منه قيح يسيل مع فتحة الشرج، وأرى بعض أثر الدماء والقيح -وهي قليلة غالباً- في السراويل، فالسؤال: هل ترون أن أستمر في إمامة المسجد والحالة هذه، أم أترك الإمامة؟ والله يرعاكم. الجواب لك أن تستمر إذا كان يسيراً، ولك أن تتعاهد نفسك قبل الدخول في الصلاة، وتنظف هذا الجرح، ولا حرج عليك إن شاء الله.

стр. 678

الجهر بالتأمين في الجهرية والإسرار بها في السرية السؤال ما معنى قول المؤلف: (يجهر بها -أي: بـ (آمين) - إمام ومأموم معاً في جهرية وغيرهما مما يجهر فيه) ؟ الجواب في كل صلاة يجهر بها إمام ومأموم، والمنفرد يخير، والذي يجهر هو الصلوات الجهرية، كالأولتين من المغرب والعشاء، وصلاة الصبح، والجمعة، والعيد، والكسوف، والاستسقاء ونحوه.

стр. 679

حكم ضرب النساء بالدف وإعطائهن الأجرة على ذلك السؤال هل يجوز إعطاء الأجرة للنساء اللائي يضربن الدف الإسلامي في الحفلات؟ الجواب الدف لا بأس بالضرب به، فهو من السنة؛ لحديث (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف) ، فإذا لم يجد من يحسن الضرب عليه إلا امرأة وطلبت أجرة فلها ذلك.

стр. 680

شرح أخصر المختصرات [٢٥] اهتم العلماء بالعلوم الشرعية، وبينوا أن الإسلام شامل لكل ما يحتاج إليه العباد في أمور دينهم ودنياهم، وليس خاصاً بالعبادات؛ بل يدخل فيه المعاملات والمعاقدات والجنايات، ومن أهم المعاملات التي اهتم العلماء ببيانها البيوع؛ لحاجة الناس إليها، ولكثرة الأخطاء الواقعة فيها، وللبيع شروط لا يصح إلا إذا توافرت جميعها فيه.

стр. 681

اهتمام العلماء بالتصانيف وترتيبهم لها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب البيع وسائر المعاملات: ينعقد بمعاطاة وبإيجاب وقبول بسبعة شروط: الرضا منهما، وكون عاقد جائز التصرف، وكون مبيع مالاً وهو ما فيه منفعة مباحة، وكونه مملوكاً لبائعه أو مأذوناً له فيه، وكونه مقدوراً على تسليمه، وكونه معلوماً لهما برؤية أو صفة تكفي في السلم، وكون ثمن معلوماً، فلا يصح بما ينقطع به السعر، وإن باع مشاعاً بينه وبين غيره أو عبده وعبد غيره بغير إذن، أو عبداً وحراً، أو خلاً وخمراً صفقة واحدة صح في نصيبه وعبده والخل بقسطه، ولمشتر الخيار. ولا يصح بلا حاجة بيع ولا شراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، وتصح سائر العقود، ولا بيع عصير عنب لمتخذه خمراً، ولا سلاح في فتنة، ولا عبد مسلم لكافر لا يعتق عليه، وحرم ولم يصح بيعه على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه] . علماء هذه الأمة اعتنوا بالعلوم الشرعية وأولوها اهتمامهم، وبينوا أن الشرع الشريف شامل لكل ما يحتاج إليه من أمور الدين ومن أمور الدنيا، وأنه ليس خاصاً بالعبادات، بل يدخل في ذلك المعاملات، ويدخل في ذلك العقود، ويدخل في ذلك الجنايات وما أشبهها، فليس هناك شيء يحتاج إليه إلا والشرع الشريف قد بينه ووضحه. ثم إن الأولين كانوا يجمعون علم العقائد مع علم الأحكام؛ وذلك لأن العقائد تعتبر هي أساس علم العبادات، ولا تصح العبادات إلا إذا صحت العقائد التي هي التوحيد القولي والتوحيد العلمي، كما فعل البخاري حيث قدم كتاب العلم وكتاب الإيمان قبل كتاب الأحكام من الطهارة وما بعدها، وكذلك فعل مسلم حيث قدم كتاب الإيمان، وكذلك ابن ماجة حيث قدم -أيضاً- كتاب الاعتقاد أو الإيمان. ثم إن كثيراً من العلماء أفردوا كتاب العقائد والتوحيد، وجعلوه في كتب خاصة؛ وذلك لأهميته؛ ولأن الخلاف فيه قد يخرج من الملة، فألفوا فيه مؤلفات خاصة مثل كتاب السنة للإمام أحمد، والسنة لابنه عبد الله، والتوحيد لـ ابن خزيمة، والتوحيد لـ ابن مندة، والسنة لـ ابن أبي عاصم، والسنة للخلال، والإيمان لـ ابن أبي شيبة، والإيمان لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، والإيمان لـ ابن مندة، والشريعة للآجري وأشباهها. ولما أفردوا كتب العقائد بقي من الشريعة نوعان: نوع سموه الأحكام، ونوع سموه الآداب، فأما الآداب فإنها آداب المسلم فيما يتعامل به مع إخوانه، وفيما يتعامل به مع جيرانه، وما أشبه ذلك، وهذا النوع مستحسن عقلاً، ووارد شرعاً، ومع ذلك فإن أهل الجاهلية كانوا يحبذون العمل به، ويمتدحون أهله؛ فلذلك أفرد هذا النوع في مؤلفات خاصة، مثل الأدب المفرد للإمام البخاري، والآداب للبيهقي، وأدب الدنيا والدين للماوردي، والآداب الشرعية لـ ابن مفلح وما أشبهها، يتكلمون فيها عن الفضائل: كالصدق وحسن الخلق وما يتصل به، وأضداد ذلك كذم الكذب، وذم سوء الخلق، وكذلك مدح الكرم، وذم البخل، ومدح الأمانة وذم الخيانة، وما أشبه ذلك. فمنهم من يكون معتمده الأحاديث كما فعل النووي في رياض الصالحين، وكذلك المنذري في الترغيب والترهيب، ومنهم من يتعدى للآثار والأشعار وما أشبهها كما فعل ابن حبان في روضة العقلاء، وكل هذا لا شك أنه علم مفيد، وأن التأدب به يفيد من تعلمه وتخلق به، ولكنه لا يضلل بتركه، ولا يخرج من الملة، وإن كان يمدح به في التزكية، ويقدح ضده في العدالة، وترد به الشهادة وما أشبه ذلك، فجعلوا هذا العلم خاصاً في مؤلفات خاصة، وأدرجه بعضهم في المؤلفات العامة، فـ البخاري جعل في صحيحه كتاب الأدب، وكذلك مسلم، وكذلك أبو داود والترمذي ونحوهم، وأفرد هذا النوع بكتب خاصة، وما ذاك إلا لأهميته ولاختلاف الآراء فيه، وما بقي إلا الأحكام التي يتعلق بها الحكم من صحة أو فساد، وسموا هذا القسم بعلم الأحكام، أو بعلم الفقه، وهو ما ألف فيه في المذاهب الأربعة وغيرها، وأكثر العلماء من التأليف فيه في كل مذهب، وفي المذهب الحنبلي أول من ألف في الأبواب الخرقي صاحب المختصر، والمؤلفون قبله كانوا يعتمدون على أشياء خاصة، كالذين كتبوا مسائل الإمام أحمد، حيث قسموها أو بوبوها، ولكنهم أضافوا إلى الأحكام غيرها.

стр. 682

ترتيب كتب الفقه ولما كتبوا في هذا النوع -الذي هو علم الأحكام الفقهية- قسموه إلى أربعة أقسام: قسم العبادات، وقسم المعاملات، وقسم المعاقدات، وقسم الجنايات، وبدءوا بقسم العبادات؛ لأنها حق الله على العبيد؛ ولأن منها ما هو فرض عين؛ ولأنها حق الله تعالى، فلابد من معرفته. ثم إنهم قسموها إلى أربعة أقسام على ترتيب أركان الإسلام، فبدءوا بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، هذا هو ترتيب أكثرهم، وأضاف كثير منهم الجهاد، وجعلوه ركناً سادساً، كما فعل ابن قدامة في المقنع ومن تبعه من بعده، فرتبوها على ترتيب أركان الإسلام، وبدءوا بالصلاة، إلا أنهم قدموا شرطها عليها وهو الطهارة؛ لأن الشرط يتقدم على المشروط، وانتهوا من الصلاة وما يتعلق بها، وألحقوا بها -أيضاً- الجنائز؛ لأن أهم ما يعمل في الجنائز الصلاة على الميت، فألحقوها بالصلاة، وبعد ذلك ذكروا الزكاة لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله، وبعد ذلك ذكروا الصيام؛ فإنه جاء في حديث الأركان بعد الصلاة والزكاة؛ ولأنه فرض عين على كل مكلف، وبعد الانتهاء منه ذكروا كتاب الحج؛ وذلك لأنه من أركان الإسلام، وأخروه لأنه لا يجب في العمر إلا مرة، ولا يجب إلا على المستطيع، وبعد ذلك ذكروا الجهاد؛ لأن الصحيح أنه من فروض الكفاية، وإن كان قد يصل إلى فرض العين في بعض الأحوال. ولما انتهوا من قسم العبادات بدءوا بالمعاملات؛ وذلك لأن أهم شيء يحتاجه الإنسان في حياته هو تحصيل القوت والغذاء الذي به قوام حياته، ومعلوم أن الإنسان لابد له من غذاء يتقوت به، وهو الأكل والشراب والكسوة ونحوها، وذلك يتوقف على تحصيل المال والكسب، وقد عرف أن أنواع المكاسب التي يكتسب منها المال كثيرة، فمنها الحرف اليدوية كالصناعات من حدادة ونجارة ونساجة وحياكة، ومثلها -أيضاً- الصناعات الجديدة، والصناعات الحديثة، كصناعة الأدوات والمكائن وما أشبهها، وما تحتاج إليه من هندسة ونحو ذلك، فهذه من أنواع المكاسب التي ينشغل بها خلق كثير، ومنها -أيضاً- الحرف اليدوية، مثل البناء والحفر والغرس والتكسب بمثل ذلك كخياطة وغسيل وما أشبه ذلك، هذه -أيضاً- من المكاسب التي يتكسب بها، وكذلك -أيضاً- تربية المواشي، والتكسب من ورائها، وكذلك غرس الأشجار واستثمارها، والتكسب من ثمارها أكلاً وتجارة وما أشبه ذلك، وكل هذه تعرف بالتجربة، ويحتاج في معرفتها إلى تعلم مبادئها، وليس لها أحكام من الأحكام التي يعرف بها حلها أو حرمتها، إلا الأشياء العامة من تحريم الغش فيها والخيانة والمخادعة وخلف الوعد وما أشبه ذلك.

стр. 683

أهمية البيوع والتجارة واهتمام العلماء بها أهم شيء في المعاملات هو البيع والتجارة، فلذلك اعتنوا بهذا النوع الذي هو قسم التجارة، فـ ابن ماجة في سننه قال: كتاب التجارات، والبخاري قال: كتاب البيوع. وكذلك مالك وأبو داود ومسلم وغيرهم قالوا: كتاب البيوع. وبعضهم قال: كتاب البيع، وسبب تخصيصهم واعتنائهم بالبيع أن فيه مخالفات، وفيه شروط، وفيه أخطاء كثيرة، ويدخل الشرع في أموره، فأحل أشياء وحرم أشياءً، وفيه أنواع الربا، وفيه النهي عن الغرر، وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا من أهم الأمور المهمة في هذه الحياة التي يحتاج إليها. ولا شك أن الكسب الحلال له تأثير في الغذاء، وتأثير في حسن الحياة وطيبها، وأن الكسب الحرام له -أيضاً- تأثير في العبادات والمعاملات؛ ولذلك ورد في الحديث: (لا يدخل الجنة لحم نبت على سحت) وفي رواية: (كل جسد نبت على سحت فالنار أولى به) ، والسحت: هو الحرام الذي ذم الله اليهود به، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:٤٢] أي: للحرام، وقال تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٢] ، وفسر أكلهم هذا بقوله في آية أخرى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١] فإن هذا من السحت. وقد أخبر النبي ﷺ بأن أكل الحرام سبب لرد الدعاء في قوله: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!) يعني: أنه لما تغذى بالحرام رد دعاؤه مع وجود الأسباب الكثيرة التي تكون سبباً في إجابة الدعاء؛ فلذلك يتأكد على المسلم أن يبتعد عن أكل الحرام، وأن يحرص على أكل الحلال، ولا شك أن له تأثيراً عجيباً في إجابة الدعاء. ذكروا أنه قبل نحو سبعين أو ثمانين سنة كان رجل في بعض القرى القريبة مستجاب الدعوة، يأتي إليه المريض فينفث عليه، فيشفى بإذن الله، ويدعو له ويستجاب دعاؤه، ثم إنه استحضر إلى هذه البلاد، وخيف أنه يتعاطى سحراً أو نحو ذلك، فلما أحضر أخبر بأنه لا يأكل إلا حلالاً، وأن والده خلف له بستاناً من كسب يده، وأوصاه بأن لا يأكل إلا منه، وأنه توقف عليه، فهو ينفق عليه بجزء منه، ويتغذى بجزء منه، ويبيع بيعاً صحيحاً بعضه، ويشتري بما يبيعه منه حاجاته الأخرى الضرورية. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ : (أن رجلاً رأى سحابة وسمع صوتاً فيها يقول: اسق حديقة فلان، ثم إن تلك السحابة تقدمت قليلاً وأمطرت في شعب، فتابع سيره حتى وصل إلى حديقة وفيها رجل يصلح الماء، فسأله فإذا هو ذلك الرجل الذي سمع اسمه من السحابة، فأخبره بأنه يقسم إنتاجها ثلاثة أقسام: قسم يتصدق به، وقسم يأكله، وقسم يرده فيها ينفق به عليها) ، فرحمه ربه بهذا العمل الحسن، وأرسل هذه السحابة لسقي حديقته. وذكر لنا بعض مشايخنا أنه في بعض القرى تأخر المطر عن زمانه، وخيف على بعض الأشجار والثمار من الكساد والموت واليبس، ولم يقدروا على الاستسقاء إلا بأمر عام من الحكومة، ثم إن أحدهم استسقى وحده ومعه أولاده وأخوه، صلى ركعتين في صحراء قريبة من بستانه، ولما صلى ركعتين رفع يديه ودعا، وقلب رداءه أو كساءه، وقلب أهله أرديتهم، ولم يمكث إلا يوماً واحداً حتى جاءت سحابة وسقت بستانه حتى روي، ووصل الماء إلى جاره ولم يسق منها إلا خمس نخلات ثم وقف! فإجابة الدعوة من آثار الكسب الحلال. ولا شك أنه كلما فشا الحرام وكثر تداوله كان ذلك من أسباب رد الدعاء وعدم الاستجابة، وهكذا -أيضاً- إذا فشت المعاصي وكثرت المخالفات. والحاصل أن العلماء اهتموا في هذه الكتب بالكسب الحلال، فذكروا شروط البيع، والخيار، والربا والتحذير منه وأنواعه، وكذلك بقية المعاملات، إلى أن ذكروا أنواع المكاسب التي يحصل منها كسب المال، ومنها الفرائض والوصايا والعتق، وبنهاية العتق يكون قد انتهى قسم المعاملات التي فيها كسب المال بأي طريق من الطرق، وبعدما انتهوا من هذا القسم عرفوا أن المسلم إذا حصل على قوته، وعرف كيف يكسب المال، وعرف وجوه المكاسب المباحة، فلابد له بعد ذلك من أمر آخر، ألا وهو النكاح، فإنه -أيضاً- من الضروريات في هذه الحياة، وإن لم تكن الضرورة إليه مثل الضرورة إلى الغذاء الذي هو القوت، فهو ضروري في كل يوم مرة أو مرات، فلما انتهوا من المعاملات بدءوا بالقسم الثالث، وهو قسم النكاح، ويسمى: العقود والمعاقدات، وأدخلوا فيه الخلع والطلاق والإيلاء والظهار واللعان والعدد والنفقات؛ لأنها من تمامه، وإن كان لها تعلق بالقسم الثاني الذي هو المعاملات. وبعدما انتهوا من هذا القسم فالعادة أن الإنسان إذا تمت عليه نعمة المأكل والمشرب والمسكن والملبس والمنكح؛ فلابد أن يكون عنده شيء من التعدي، فطبع الإنسان الأشر والبطر والاعتداء على الغير، فجعلوا بعد ذلك قسماً رابعاً هو خاتمة أقسام الفقه وهو قسم الجنايات، الذي هو الشجاج والقصاص والديات وما يتصل بها، وكذلك الحدود التي حددها الشرع عقوبة على المحرمات كحد الزنا، وحد السرقة إلخ، وألحقوا بذلك -أيضاً- القضاء؛ لأنه لا يحتاج إليه إلا عند كثرة الجنايات وكثرة الخصومات، وختموا بالإقرار الذي يكون سبباً للحكم بما أقر به. هذه هي أقسام الفقه، وهكذا قسم كتب الفقه فقهاء الحنابلة، لكن هناك كثير من المتقدمين والمتأخرين قدموا وأخروا في هذه الأقسام، ولكل اجتهاده.

стр. 684

تعريف البيع وصيغته البيع أكثر ما يستعمل في المكاسب، وقد ذكروا أن اشتقاقه من الباع، والباع: هو ما بين اليدين إذا مدتا، سمي بذلك لأن المتبايعين يمد كل منهما باعه -أي: يده- للأخذ والإعطاء، فالبائع يمد يده بالسلعة، والمشتري يمد يده بالثمن. وتعريفه: عقد أو معاملة لأخذ شيء من السلع بثمن معلوم، والعقد: هو المعاقدة بين المشتري والبائع، ولابد فيه من الصيغة التي يصح بها، وله صيغتان: صيغة قولية، وصيغة فعلية، فالقولية: هي الإيجاب والقبول، والفعلية: هي المعاطاة من البائع أو المشتري، والصيغة القولية أن يقول البائع: بعتك، ويقول المشتري: قبلت. مثلاً: يقول: بعتك الثوب بعشرة، فيقول المشتري: قبلته أو رضيت به. وهذه هي العادة، فلابد من إيجاب وقبول، ثم لابد أن يكون الإيجاب هو المتقدم، وقيل: يصح تقدم القبول، فإذا قال -مثلاً-: اشتريت الكتاب منك بعشرة، فقال: قد بعتك؛ صح ذلك ولو كان القبول متقدماً، وكذلك إذا قال: بعني هذا الكتاب بعشرة. فقال: خذه بها؛ صح ذلك. واختلفوا في تأخير الإيجاب أو تأخير القبول، كأن يقول: بعتك الكتاب بعشرة. فسكت المشتري ساعة أو ساعتين، ثم قال: قبلت. والصحيح أنه يجوز ذلك وينعقد، وكذلك لو اشتغل بكلام أجنبي، كأن يقول: بعني هذا الكتاب بعشرة. فسكت البائع، ثم انتقل إلى كتاب آخر فقال: بعني هذا المصحف -مثلاً- بعشرين. ثم بعد ذلك قال: قد بعتك الأول بعشرة. فلا حاجة إلى أن يقول: قبلت؛ وذلك لأنه قد بدأ بسومه من قبل. وصيغة المعاطاة فعلية، وهي: أن يمد إليه بالسلعة، ويمد الثمن إذا كان قد عرف ثمنها كما، لو كان مكتوباً على الكتاب ثمنه أو على الكيس ثمنه فمد الدراهم ولم يتكلم، وأخذها البائع ومد إليه بالسلعة ولم يتكلم واحد منهما؛ صح، وتسمى هذه صيغة فعلية، وتستعمل في الأشياء التي عرف ثمنها، فإذا أتيت إلى الخباز فإنك تدفع إليه ريالاً ويمد إليك بأربعة أرغفة عادة دون أن يتكلم واحد منكما، وهكذا -أيضاً- بقية المعاملات التي لا يحتاج فيها إلى مماكسة، وأثمانها معروفة، ومثلها الأجرة إذا كانت محددة، أجرة السيارة إلى مكان معين، فتسمى هذه معاطاة.

стр. 685

شروط البيع يشترط للبيع سبعة شروط لابد منها، وقد أشار إليها المؤلف:

стр. 686

التراضي الشرط الأول: التراضي منهما؛ لقول النبي ﷺ : (إنما البيع عن تراض) أي: لا يكون إلا عن تراضي، ويخرج بهذا المغصوب، فلو أخذت منه سلعة بدون اختيار منه فإن البيع باطل؛ وذلك لأنه لم يسمح بها، ولم يرضَ بذلك الثمن، إما لأنه بحاجة إلى سلعته كسيارته مثلاً أو بيته أو ثوبه، وإما أن الثمن الذي بذل له قليل، فلذلك اشترط التراضي، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] أي: عن رضاً من الطرفين. وكذلك -أيضاً- لو أكره المشتري على الشراء، فإن البيع باطل.

стр. 687

أهلية العاقد الشرط الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، سواء كان هو البائع أو المشتري، فإذا كان سفيهاً أو صغيراً أو محجوراً عليه أو مملوكاً فلا ينفذ تصرفه، وأجازوا للصغير البيع والشراء في المحقرات، الصغير الذي دون العاشرة أو نحوها، فإذا جاءك -مثلاً- بريال أو بخمسة ريالات وطلب حاجة معروفة، وأعطيته، فإن هذا عادة ينفذ؛ لأنه في الغالب يتسامح فيه، وأما إذا جاء بمال كثير كخمسين أو مائة فالأصل أن أهله لا يولونه مثل هذا، فلابد أنه أخذها من غير رضا، فلا يجوز أن ينفذ بيعه وشراؤه، وهكذا -مثلاً- لو أخذ كيساً أو ثوباً له قيمة أو كتاباً له قيمة وجاء به ليبيعه، فالعادة أن أهله لا يوافقون على توكيله في هذا، فلابد أن يكون العاقد جائز التصرف، وسيأتي -إن شاء الله- في باب الحجر متى يجوز تصرفه.

стр. 688

كون المبيع مالاً الشرط الثالث: كون المبيع مالاً، وهو ما فيه منفعة مباحة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه منفعة، أو فيه منفعة ولكنها محرمة مثل الخمر، كما ذكر الله في قوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، وكذلك إذا كانت المنفعة ليست مباحة مطلقاً كالكلب، فإنه وإن كان فيه منفعة الحراسة والصيد، لكنها منفعة خاصة لمن يحتاج إلى ذلك. وكذلك الحشرات ليس فيها منفعة، فإذا كان فيها منفعة خاصة فإنه يجوز بيعها، مثل بيع النحل؛ لأنه يستخرج منه العسل، فيجوز بيعه ولو كان من الحشرات التي هي شبيهة بالذباب، ومثل بيع دود القز، فإن نسيجه ينتج منه الحرير، ونسجه مثل نسج العنكبوت إلا أنه أرق وألين، فيؤخذ هذا النسج وينسج منه ثياب لينة رفيعة الثمن، فيجوز بيع غزله، ويجوز بيع الدود نفسه، وأما بقية الحشرات فلا يجوز بيعها، وكذلك كل ما لا منفعة فيه. ويجوز بيع ما فيه منفعة مباحة ولو كان حرام الأكل، مثل الحمار الأهلي، فمنفعته مباحة، والناس يحتاجون إليه للحمل عليه وركوبه عادة، وإن كان غير مأكول، فبيعه متعارف عليه.

стр. 689

كون المبيع مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه الشرط الرابع: كون المبيع مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه، ويخرج بذلك أن يبيع ما ليس في ملكه، فلا يبيع شاة غيره، ولا بيت غيره، ولو كان خاصاً بأبيه وأمه، إلا إذا كان موكلاً مأذوناً له في البيع فإنه يقوم مقام صاحب المال، وكذلك لا يشتري بمال غيره، فلو أعطاك إنسان ألفاً أو عشرة آلاف أمانة، فلا تقل: سوف أشتري له بها أرضاً أو داراً، ولو كانت رخيصة، بل احفظها له حتى تسلمها، ولا تقل: إن هذا أنفع. ولا يجوز لك أن تبيع شاة غيرك، حتى لو جاء إنسان محتاج وسوف يدفع فيها ثمناً كبيراً فتقول: أبيعها لأجل المصلحة، لأجل هذه المصلحة التي ليس لها نظير، فلا يجوز ذلك، وما ذاك إلا لأنه في هذه الحال قد لا يرضى، وقد تكون حاجته إلى تلك الشاة أو ذلك الثوب أو ذلك الكيس أو ما أشبهه أشد، فالحفظ لهم أولى. ولو اشتريت شاة ونويتها لزيد بدراهم عندك له، ثم قبلها زيد، أو كان عندك له دراهم، وعرفت بأنه بحاجة إلى شاة، ورأيت شاة مناسبة واشتريت تلك الشاة بدراهمه، فإن رضي فهي له، وإن سخط لزمتك أنت، ولا ترجع لصاحبها البائع، إلا إذا أخبرته وقلت: إني أشتريها لزيد، وقد لا يكون موافقاً؛ لأنه غائب وعندي له دراهم، فإذا لم يرضها في هذه الحالة فإن صاحبها يقبلها؛ لأنك أخبرته بأنك لا تشتريها لنفسك، وإنما هي لإنسان عندك له مال، وهو لم يرضَ. أما إذا كان حاضراً، واشتريت له بماله، وأقرك، وانتهى العقد، وهو ساكت ويرى تصرفك، فالصحيح أنه يلزمه ذلك، وإذا تم البيع فليس له الرجوع، وليس لصاحبها أن يلزم. وهذا يعتبر من الشروط المشهورة، وهو كون البائع مالكاً للعين أو وكيلاً في تلك العين مأذوناً له فيها.

стр. 690

القدرة على التسليم الشرط الخامس: القدرة على التسليم، ويخرج به إذا كان لا يقدر على تسليمه فإنه لا يصح العقد، ومثلوا لذلك ببيع الجمل وهو شارد، فإنه عادة إذا شرد لا يستطيعون اللحوق به، توجد عندهم الخيل، ولكن قد لا تدركه، وقد تدركه ولكن يغلب الفرس بقوته، فربما صدمها وسقطت؛ فلذلك قالوا: لا يباع الجمل وهو شارد. ويمكن في هذه الأزمنة أن يدرك بالسيارات، وإن كان قد يسلك طريقاً صعباً لا تسلكها السيارات، إذا كانت الطريق فيها شعاب وأشجار وحجارة ومرتفعات ومنخفضات، فالجمل قد يصعد الجبال، وقد يسرع السير في تلك المرتفعات ولا يهمه، فلذلك لا يصح بيعه حتى يقدر على تسليمه. وكذلك العبد الآبق -الهارب- لا يجوز بيعه؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. وهكذا بيع الطير في الهواء ولو ألِف الرجوع كالصقر والبازي والباشق التي تعلم لأجل الصيد بها، إن كان طائراً في الهواء فالعادة أنه لا يفهم، وإذا قيل له: ارجع، فلا يدري ولا يرجع، وإن كان أهله يشيرون إليه إشارات فينزل بها لهم، ولكن ليس ذلك مطرداً؛ لذلك لا يجوز بيع الطير في الهواء، وهكذا الطيور المأكولة، لو مر بك قطيع من الحمام في السماء فلا يجوز أن تقول: أبيعك يا فلان خمساً من هذه الحمام، سأرميها وأسقطها؛ لأن هذا ليس في إمكانك، وليست في ملكيتك، ولو كنت معتاداً أن تصيب إذا رميت، فلا يجوز بيعه وهو في الهواء. وكذلك السمك في البحر، فالعادة أنه يكون بعيداً، وقد يهرب إذا نزل إليه أحد ليصيده، فلا يجوز بيعه وهو في هذه الحال، وهذه أمثلة.

стр. 691

العلم بالمبيع رؤية أو صفة الشرط السادس: أن يكون معلوماً لهم برؤية أو صفة تكفي للسلم. المبيع لابد أن يكون مرئياً أو موصوفاً صفة توضحه، فالمرئي مثل الجمل تشاهده وتنظر إليه، ومثل الثوب تقلبه، ومثل القدر ترفعه وتنظر فيه، ومثل الكتاب تقلب ورقاته وتعرفه؛ فهذا بيعه صحيح بعد رؤيته وتقليبه، والغائب لابد من وصفه وصفاً دقيقاً لا يكون معه اختلاط. وسيأتينا في باب السلم أنه لا يجوز السلم في الأشياء التي لا تنضبط بالوصف، كالتي تدخلها الصناعات اليدوية، فعلى هذا لابد أن يكون منضبط الصفة، مثل ثوب من صفته كذا وكذا، نوع القماش كذا وكذا، طوله كذا، عرضه كذا، شاة صفتها كذا، ولونها كذا، سمينة أو متوسطة أو هزيلة، وسنها كذا وكذا، وكذلك -مثلاً- فيما ينضبط بالصفة من الأحذية أو الكتب والرماح والسيوف والأقواس بأنواعها، والحبوب والثمار التي توصف وتنضبط بالصفات، كعشرين صاعاً من بر من نوع كذا وكذا، أو من تمر، ولا شك أن هذه تنضبط بالصفات.

стр. 692

العلم بالثمن الشرط السابع والأخير: كون الثمن معلوماً؛ وذلك لأنه أحد العوضين، والعوض لابد أن يكون معلوماً للمتعاقدين، فالثمن عوض يبذله المشتري، فلابد أن يكون معلوماً بالعدد أو بالنوع، فإذا كان في البلد عملات مختلفة، فيها -مثلاً- جنيه سعودي، وجنيه مصري، وجنيه سوداني، فلابد أن تقول: بمائة جنيه. وتعينها، وإذا كان في البلد ريال سعودي ويمني وقطري، فلابد أن تحدد الريال الذي تبيع به من أي العملات هو، وإذا كان فيها -مثلاً- دينار كويتي ودينار بحريني ودينار أردني فلابد أن تحدد بأي الدنانير هو، وهكذا إذا كان فيها عملتان مختلفتان، فإذا كان فيها دينار ودولار فلابد أن يحدد البيع بأيهما، فلا يقول -مثلاً-: بمائة. ويسكت، لابد أن يبين النوع، مائة دينار، مائة دولار، مائة ريال وهكذا، فيجب أن يكون الثمن معلوماً. وكذلك -أيضاً- العدد، بأن يقول: بعشرين، بثلاثين، بمائة وما أشبه ذلك، فلا يصح بما ينقطع به السعر، أي: بما تقف عليه السلع، كأن يقول: أنا جلبت هذه الأكياس، خذ منها عشرة بالسعر الذي أبيع به في السوق، وما ينقطع به السعر، وهذا فيه خلاف، ولعل الأقرب أنه جائز إذا كان السعر عادة معيناً، ومن منع من ذلك فهو مخافة أن يكون البيع مجهولاً، وأن يكون السعر في السوق متفاوتاً، فقد يبيع كيساً بمائة، وقد يبيع كيساً بتسعين، وقد يبيع آخر بمائة وعشرة، فلذلك لابد أن يحدد السعر.

стр. 693

تفريق الصفقة يقول المصنف: [وإذا باع مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، أو باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة، أو باع عبداً وحراً صفقة واحدة، أو خلاً وخمراً صفقة واحدة؛ صح في نصيبه من المشاع، وفي عبده وفي الخل لقسطه، ولمشتر الخيار إذا لم يبع صاحبه أو صاحب القسم الثاني] . تسمى هذه: مسائل تفريق الصفقة، وهي التي تصح الصفقة في بعض البيع دون بعض، فلو كان لك أرض مساحتها ثمانمائة متراً، مشتركة بينك وبين زيد، ثم جاءك إنسان وقال: بعني هذه الأرض بمائة ألف. فبعتها بمائة ألف، وشريكك ما وكلك، بل هو غائب لم يحضر ولم يدر، ففي هذه الحال إذا جاء شريكك وقال: لا أوافق. فإن المشتري يأخذ نصيبك فقط، وهو نصف الأرض أربعمائة، أو يردها ويقول: لا أريد إلا الجميع، فله الخيار في ذلك، وحيث إنك بعت نصيبك من هذه الأرض فإن لشريكك أن يشفع فيأخذ نصيبك، ويعطيك الثمن الذي بعت به. وكذلك إذا بعت عبدك وعبد زيد، وهو عبد واحد مشترك بينكما فبعته، وشريكك لم يقبل، أو كانا عبدين، إنسان يريد أن يشتري عبدين فبعت عبدك وعبد زيد صفقة واحدة بعشرة آلاف مثلاً، ثم امتنع صاحب العبد الآخر من بيعه؛ فإن المشتري له الخيار أن يأخذ عبدك أو أن يرد الجميع ويقول: لا أريد إلا الاثنين. وكذا لو أخذ شاتين، شاة لك وشاة لزيد، وقال: لا أريد إلا اثنتين. فبعت شاتك وشاة زيد ولم يرض زيد، فإن البيع يصح في شاتك، ولا يصح في شاة زيد إلا برضاه، وإذا لم يرض فللمشتري الخيار. وكذلك لو باع ما لا يحل مع ما يحل، فلو باع عبداً وحراً، أو خلاً وخمراً، فالحر لا يجوز بيعه، والخمر لا يجوز بيعه، فإذا باع بألف خلاً وخمراً صح في الخل؛ لأنه ينتفع به، وهو مباح، ولم يصح في الخمر، وللمشتري الخيار لو كان المشتري يعتقد أن كليهما خل، ولم يظن أن أحدهما خمر.

стр. 694

حرمة البيع بعد النداء الثاني للجمعة إلا لحاجة يقول: [ولا يصح بلا حاجة بيع ولا شراء ممن تلزمه الجمعة قبل ندائها الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩] النداء الثاني هو الذي عند جلوس الإمام، فإذا نودي للصلاة بالنداء الثاني حرم البيع والشراء، ومن باع أو اشترى فالبيع باطل، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] أي: اتركوا البيع، والنهي يقتضي الفساد، واستثني صاحب الحاجة، إذا كان هناك حاجة ملحة شديدة، كأن يكون -مثلاً- بحاجة إلى ثوب ليستتر به في الصلاة، ووجد امرأة أو نحوها تبيع، فإنه يشتري ذلك، ويصح البيع، وكذلك لو اشترى -مثلاً- طعاماً وكان في شدة الجوع، جاز شراؤه لأنه مضطر، أما من لا تلزمه الجمعة كالمرأة والصغير فإنه لا حرج في بيعه وشرائه إلا من الرجال، أما سائر العقود فتصح بعد نداء الجمعة، كعقد النكاح وعقد الوقف وعقد الخلع؛ لأنها ليست من جنس البيع، ولا تدخل في مسماه.

стр. 695

بيوع لا تصح لا يصح بيع ما يستعان به على معصية، فإذا عرفت -مثلاً- أن إنساناً يشتري منك العنب ليعمله خمراً حرم عليك بيعه، أو يشتري منك عنباً ليعصره ويعمله خمراً حرم عليك أن تبيعه؛ وذلك لأن فيه مساعدة له على المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ، وكذلك السلاح في فتنة بين المسلمين، فإذا عرفت أنه يشتري منك هذا السيف ليقتل به مسلماً، أو هذا الرصاص أو البارود ليقاتل به المسلمين، حرم عليك أن تبيعه؛ وما ذاك إلا لأنه يقتل به بريئاً، فإذا بعته أعنته على منكر. وكذلك لا يجوز بيع عبد مسلم على كافر إذا لم يعتق عليه، أما إذا عتق عليه كأبيه أو أخيه أو ابنه فيصح، فإذا أسلم عبد، وكان سيده مسلماً، فإنه لا يجوز أن يباع على كافر، إلا إذا كان الكافر ممن يعتقه إذا اشتراه؛ لأن العبد إذا اشتراه أبوه عتق، أو اشتراه ابنه عتق، أو اشتراه أخوه أو عمه أو خاله يعتق عليهم، فأما إذا كان لا يعتق عليه كابن عمه أو ابن خاله ونحوهم فلا يجوز بيعه عليه؛ وذلك لأن فيه إهانة للمسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] ، وإذا تولى عليه وهو مسلم فلابد أنه يؤذيه، ولابد أنه يهينه ويمتحنه ويشق عليه.

стр. 696

حرمة بيع الرجل على بيع أخيه يقول: [وحرم ولم يصح بيعه على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه] . ورد النهي في قوله ﷺ : (لا يبع بعضكم على بيع بعض) ، وقال: (لا يبيع المسلم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه) ، وصورة ذلك: إذا رأيت جارك باع ثوباً بعشرة، وأشرت إلى المشتري وقلت: رده وأنا أبيعك مثله بتسعة. فيرده لأجل رخص الثمن، وكذلك لو رأيت جارك اشترى شاة أو ذهباً وباعه له البائع بمائة -مثلاً-، ثم إنك رغبت فيه، فأشرت إلى البائع وقلت له: استرجع شاتك أو ذهبك وأنا أشتريها منك بأكثر، أنا أدفع لك في الشاة مائتين أو مائة وخمسين، فحمله على ذلك استعادة تلك السلعة طمعاً في هذا الثمن الزائد الذي زدته عليه، ولا شك أن هذا فيه ضرر بالمسلم. والعلة في تحريم ذلك أنه يسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنك إذا أفسدت عليه صفقة حقد عليك، فإنه قد باع هذا الثوب بعشرة بيعاً جازماً، ولما باعه أشرت إلى المشتري وقلت: أنا أعطيك مثله بتسعة. فقال: خذ ثوبك ورد علي دراهمي. ولا يدري ما السبب، فإذا عرف أن السبب كونك أنت جاره، ومع ذلك أفسدت عليه هذا المشتري أو هؤلاء المشترين حقد عليك. وكذلك -أيضاً- الشراء على شرائه، كما لو جلب عليه سمن فاشتراه بمائة، وقبل أن يتفرقا قلت لصاحب السمن: استرجعه وأنا أعطيك مائة وعشرة. فاستعاده، فلا شك أن هذا يعتبر ضرراً؛ لأنه قد جزم على الشراء، وقد اشترى هذا السمن بمائة، فأنت أفسدت عليه العقد، وطلبته بمائة وزيادة، فتكون بذلك قد أبطلت عليه تجارته أو أغررت به. فالحاصل: أن هذا ونحوه من جملة ما جاء الشرع بالمنع منه، وهذا من الأشياء التي فيها ضرر على الطرفين، والعلة في تحريم ذلك ما يسببه من العداوة والبغضاء والحقد بين المسلمين، وإثارة الشحناء، فيقول: فلان كلما اشتريت شيئاً لمز صاحبه، وزاد علي، أو اشتراه من صاحبه بعد أن اشتريته، وكلما بعت على أحد الزبائن أشار إليه واجتذبه إليه، فهو مضار بي، ويحرص على أن يفعل بي ما يضرني. ولا شك أن هذا مما جاءت الشريعة بالنهي عنه؛ حتى يكون المسلمون إخوة متحابين في الله.

стр. 697

شرح أخصر المختصرات [٢٦] الشروط في البيع منها ما هو صحيح ومنها ما هو فاسد، فالشروط الصحيحة هي التي تكون من مقتضى العقد ولا تخالفه، والشروط الباطلة هي التي تنافي مقتضى العقد وتخالفه، فهذه تفسد عقد البيع وتبطله.

стр. 698

الشروط في البيع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والشروط في البيع ضربان: صحيح: كشرط رهن وضامن وتأجيل ثمن، وشرط بائع نفعاً معلوماً في مبيع كسكنى الدار شهراً، ومشتر نفع بائع كحمل حطب أو تكسيره، وإن جمع بين شرطين بطل البيع. وفاسد يبطله: كشرط عقد آخر من قرض وغيره، أو ما يعلق البيع كبعتك إن جئتني بكذا، أو رضي زيد. وفاسد لا يبطله: كشرط أن لا خسارة، أو متى نفق وإلا رده، ونحو ذلك. وإن شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ] . بدأ المؤلف بالشروط، وهي جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي: علامات الساعة. وفي اصطلاح الفقهاء: الشرط إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة. ويتضح بالأمثلة التي تأتي إن شاء الله، وذكر أن الشروط في البيع نوعان: نوع صحيح، ونوع باطل، والباطل ينقسم إلى نوعين: نوع يبطل العقد، ونوع يبطل الشرط وحده.

стр. 699

الشروط الصحيحة في البيع ذكروا أن الصحيح ثلاثة أنواع: الأول: شرط مقتضى العقد. الثاني: شرط البائع. الثالث: شرط المشتري. والشروط الأصل أنها صحيحة، ودليل ذلك الحديث المشهور، وهو قوله ﷺ : (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) فدل على أن الشروط كلها معتبرة إلا إذا خالفت الشرع. فمثال شرط مقتضى العقد -وهو لم يذكر هنا-: لو اشترط شرطاً لا أهمية له، كأن يقول: اشتريت منك الثوب بشرط أن ألبسه، أو أهديه، أو لولدي، واشتريت منك الدابة بشرط أن أتمكن من حلبها، أو من ركوبها إذا كانت مركوبة، أو من ذبحها إذا كانت مما يؤكل، واشتريت منك الدار بشرط أن أسكنه أو أؤجره، أو أسكن فيه أولادي كل هذا لا حاجة إليه؛ لأنك إذا ملكته فلك التصرف فيه، إذا ملكت الكتاب فلك أن تنسخه، ولك أن تقرأ فيه، ولك أن تعيره من يقرأ فيه، ولك أن تبيعه، ولك أن تورثه من بعدك، فقد ملكته، وإذا اشتريت الثوب فقد ملكته، فلك أن تلبسه، ولك أن تكسوه أحد أولادك أو من تريد، ولك أن تبيعه، فقد دخل في تصرفك، فهذا النوع الأول يسمونه: شرط مقتضى العقد؛ لأن العقد يقتضي ملكية المشتري للسلعة، ويقتضي ملكية البائع للعوض، وهو الثمن الذي بذلته للبائع قد دخل في ملكه، فهذه الدراهم ثمن هذا الثوب أو الكيس قد ملكها، فله أن يتصرف فيها كيف يشاء. أما شروط البائع فالبائع قد يكون محتاجاً للسلعة، فيقول: بعتك البيت بشرط أن أسكنه شهراً، يعني: أنه بحاجة إلى سكناه هذه المدة، أو سنة -مثلاً-؛ فله ذلك، أو يقول: بعتك السيارة بشرط أن تبقى معي خمسة أيام أنقل عليها رحلي أو نحو ذلك، فهذا شرط له فيه مصلحة، أو قال: بعتك الكتاب بشرط أن أستعيره منك لمدة خمسة أيام أقرأ فيه أو نحو ذلك، فيشترط البائع منفعة في المبيع، وتكون تلك المنفعة مباحة، أما إذا كانت لا تباح فلا يجوز، فلو قال: بعتك الأمة بشرط أن تمكنني من وطئها شهراً أو يوماً، فلا يجوز؛ وذلك لأنها لما انتقلت من ملكه حرم عليه وطؤها، وكذلك الشروط التي فيها شيء يدخل في الحرام، ومنه إذا قال: بعتك الشاة بشرط أن تقرضني مائة. فإن هذا قرض جر نفعاً فيكون ربا؛ لما ورد في بعض الأحاديث: (كل قرض جر منفعة فهو ربا) فمثل هذه شروط باطلة. والشروط التي من قبل المشتري: إما صفة في المبيع، وإما خدمة من البائع، فالصفة مثالها أن يقول: اشتريت منك العبد بشرط أن يكون كاتباً. فإن هذه الصفة تزيد في قيمته، أو الأمة بشرط أن تكون بكراً، أو الدابة بشرط أن تكون هملاجة أو ذات لبن، فهذا ونحوه يصح لأن فيه منفعة للمشتري؛ لأنها إذا فقدت ثبت له الخيار، فإذا اشترى الدابة ولم يجد فيها اللبن جاز له ردها، أو وجدها شروقاً شروداً وقد اشترط أن تكون هملاجة -يعني: مذللة- معسوفة، فإن هذا يفوت عليه منفعة، وكذلك إذا شرط صفة في المبيع له فيها منفعة. ومن الشروط التي للمشتري إذا اشترط على البائع: خياطة الثوب أو تفصيله، كأن يقول: اشتريت منك هذه القطعة القماش بشرط أن تفصلها، أو بشرط أن تخيطها، فإن هذا فيه مصلحة للمشتري، أو يقول: اشتريت منك هذه الحزمة الحطب بشرط أن توصلها إلى المنزل، أو بشرط أن تكسر أعواد هذا الحطب، فإن هذا -أيضاً- فيه مصلحة للمشتري، وهكذا إذا اشترط عليه حمل الكيس فقال: اشتريت منك هذا الكيس بشرط أن تحمله إلى سيارتي أو إلى بيتي، ولا شك أنه يزيد في الثمن مقابل أجرة إيصاله؛ وذلك لأن العادة أن هناك قيمتان: قيمة للكيس، وأجرة لإيصاله إلى المنزل، فمعلوم أنك إذا اشتريت كيسين: كيس ستحمله أنت، والكيس الثاني سيحمله البائع معك إلى منزلك الذي يبعد -مثلاً- عن المستودع هذا حوالى نصف كيلو؛ فلا شك أنه سيزيد عليك في قيمة الكيس الذي يحمله، ولكن يعتبر هذا شرطاً إذا اشترطت أن يوصله. فالحاصل: أن هذه شروط صحيحة.

стр. 700

حكم الجمع بين شرطين في البيع قال: [إن جمع بين شرطين بطل البيع] ؛ لأنه ورد في الحديث (أنه ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، وعن شرطين في بيع) ، وقال: (لا شرطان في بيع) وهذا الحديث أشكل على كثير من العلماء، وتوقف كثير منهم وتورعوا عن هذه الشروط، وورد -أيضاً- حديث بلفظ: (نهى عن بيع وشرط) ، ومع ذلك فالصحيح أنها تجوز الشروط التي من مصلحة العقد، وقد ثبت في الصحيح أن جابراً باع جمله على النبي ﷺ ، واشترط حملانه إلى المدينة، وهذا شرط من مصلحة البائع، أي: لمصلحة جابر، فهو دليل على جواز جنس الشروط إذا كان فيها مصلحة، والشرع لا ينهى عن شيء فيه مصلحة وليس فيه مضرة. وحديث: (ولا شرطان في بيع) نلتمس له صورة تنطبق عليه، فيحمل على شرطين باطلين؛ وذلك لقوله ﷺ في حديث عائشة: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) ، ويراد بـ (كتاب الله) شرع الله، أي: كل شرط مخالف لشرع الله فهو باطل، فعلى هذا إذا قال: اشتريت منك الدابة بشرط أن تكون هملاجة ولبوناً. فهل هذان شرطان؟ الصحيح أنه جائز، والهملاجة: المذللة، واللبون: ذات اللبن، والمعنى: أنه اشترط فيها صفة فيها منفعة، فهي صفة ينتفع بها هذا المشتري، فلا محذور في ذلك، وكذلك يجوز على الصحيح أن يقال: اشتريت منك هذا القماش بشرطين: أن تفصله وأن تخيطه. فهذا من مصلحة المشتري، ولا محذور في ذلك، خلافاً لما فهمه كثير من الفقهاء، وكذلك لو قال: اشتريت منك الحطب بشرط أن تحمله ثم تكسره. فهذان -أيضاً- من مصلحة المشتري؛ وذلك لأنه قد يشق عليه حمله وتكسيره، فله في ذلك مصلحة، ولا محذور في ذلك. وعلى هذا كيف يحمل حديث: (لا شرطان في بيع) ؟ يحمل على أن المراد الشرطان الفاسدان اللذان ينافيان مقتضى العقد، كأن يشترط -مثلاً- أن لا خسارة عليه، أو يشترط أن الولاء له، أو ما أشبه ذلك من شروط تنافي مقتضى العقد، ويمكن أن يدخل في ذلك -أيضاً- الشروط الربوية التي توقع في المحظور من الربا ونحوه. والحاصل: أن هذه الأنواع شروط صحيحة، سواء كانت شروطاً من مقتضى العقد، أو شروطاً من البائع كسكنى الدار شهراً، أو حملان البعير إلى موضع معين، أو من المشتري كحمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وتفصيله، وكذلك صفات المبيع ككون العبد كاتباً أو خصياً أو مسلماً، والأمة بكراً، والدابة هملاجة أو لبوناً، وهكذا الصفات في المبيع.

стр. 701

الشروط الباطلة في البيع الشروط الفاسدة في البيع منها: شروط تنافي مقتضى العقد، وهذه تفسد العقد، فإذا قال -مثلاً-: بعتك الكتاب بشرط ألا تقرأ فيه، ولا تبعه، ولا تعره، ولا تمكن أحداً يقرأ فيه. فماذا أنتفع به وما حاجتي به؟ أو يقول: بعتك البيت بشرط ألا تسكنه، وألا تؤجره، ولا تستبدله، ولا تبعه فهذه شروط تفسد العقد، وهكذا بقية أنواع الانتفاع؛ لأنك -مثلاً- ما اشتريت الثوب -مثلاً- إلا لتلبسه أو لتهبه أو لتبيعه، فكيف يمنعك من ذلك؟! وما اشتريت هذا الطعام إلا لتأكله، أو لتتصدق به، أو لتطعمه ضيفك أو أهلك، فكيف يشترط عليك منعك من ذلك؟! فهذا ينافي مقتضى العقد. ومن الشروط ما يبطل الشرط ويصح العقد، ومثلوا لذلك بما ورد في الحديث أنه ﵊ قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق) ورد هذا في قصة بريرة لما شرط أهلها أن الولاء لهم لما أعتقوها، وإنما الولاء لمن أعتق. فإذا قال: بعتك العبد بشرط ألا تعتقه، ولا تستخدمه، ولا تبيعه، أو بشرط أنك إذا أعتقته فلي الولاء. فمثل هذا شرط باطل، والعقد صحيح. وهكذا في الرهن، لو قال: اشتريت منك -مثلاً- هذه الأكياس، ورهنتك هذا السلاح، بشرط أنك لا تبعه إذا حل الدين. أو قال -مثلاً-: إذا حل الدين ولم أوفك فالسلاح لك. فهذا كله شرط باطل، والبيع صحيح، وماذا يفعل؟ يبيعه إذا حل الدين، ويستوفي دينه من ثمنه، وبقية الثمن يرده لصاحبه، وقد ورد في الحديث: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) . هذه أمثلة لهذه الشروط ما يصح منها وما لا يصح.

стр. 702

شرح أخصر المختصرات [٢٧] قد يحصل البيع والشراء على عجلة وعدم تروٍ وتمهل في الأمر، وفي هذه الحالة قد يندم أحد المتعاقدين، وإذا ندم كان بإمكانه أن يرد السلعة أو يرد الثمن، ولكن في مدة معلومة، فإذا مضت تلك المدة لم يكن له أن يرد، وهذا هو ما يسمى في الشريعة (الخيار) ، وهو دليل على يسر الشريعة وسماحتها وكمالها وشمولها لجميع جوانب الحياة.

стр. 703

الخيار في البيع وأقسامه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والخيار سبعة أقسام: خيار مجلس: فالمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما عرفاً. وخيار شرط: وهو أن يشترطاه أو أحدهما مدة معلومة. وحرم حيلة ولم يصح البيع، وينتقل الملك فيهما لمشتر، لكن يحرم، ولا يصح تصرف في مبيع وعوضه مدتهما إلا عتق مشتر مطلقاً، وإلا تصرفه في مبيع، والخيار له. وخيار غبن يخرج عن العادة لنجش أو غيره، لا لاستعجال. وخيار تدليس بما يزيد به الثمن، كتصرية وتسويد شعر جارية. وخيار غبن وعيب وتدليس على التراخي ما لم يوجد دليل الرضا إلا في تصرية فثلاثة أيام. وخيار عيب ينقص قيمة المبيع، كمرض وفقد عضو وزيادته، فإذا علم العيب خيّر بين إمساك مع أرش أو رد وأخذ ثمن. وإن تلف مبيع، أو أعتق ونحوه تعين أرش، وإن تعيب عنده أيضاً خير فيه بين أخذ أرش ورد مع دفع أرش ويأخذ ثمنه، وإن اختلفا عند من حدث فقول مشتر بيمينه] . الخيار في اللغة: هو التخيير بين شيئين، كقولك مثلاً: اختر هذا أو هذا. وعند الفقهاء: الخيار: طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد؛ وذلك لأن البيع قد يقع في حال عجلة، وفي هذه الحال قد يندم أحد المتعاقدين، فإذا ندم كان في إمكانه الرد، وإذا مضت المدة لم يتمكن من الرد، فلذلك شرع الخيار، وذكر أنه سبعة أقسام، ولكنه ذكر ثمانية.

стр. 704

خيار المجلس القسم الأول: خيار المجلس، أي: مكان موضع العقد، سواء كانا جالسين أو واقفين أو راكبين أو ماشيين، ما داما مجتمعين فإن الخيار ثابت لكل منهما، ودليله: قوله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما صاحبه، فإن خير أحدهما صاحبه فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا فقد وجب البيع) فسبب ذلك: أنك -مثلاً- قد تشتري السلعة، ثم يتبين لك أنها عندك، فتقول: لم يحصل تفرق، خذ سلعتك ورد دراهمي. أو -مثلاً- تبيع السلعة، ثم يتبين أنك بحاجة إليها، فتقول: رد علي سلعتي وخذ دراهمك؛ فإني لا أستغني عنها؛ فهذا سبب شرعية خيار المجلس، وهذا مما جاء به الشرع، ولم يكن معروفاً قبل الإسلام، إلا أنهم كانوا إذا تبايعوا وتعاقدوا فإنه قد يندم أحدهما ويطلب الإقالة، فالحاصل أن في هذا دليلاً على شرعية هذا النوع. وكذلك في كل عقد من العقود التي بمعنى البيع، مثاله: إذا جئت بجنيه، وطلبت من الصيرفي تحويله إلى دراهم، فقال: أشتريه منك بخمسمائة وخمسين، ثم سلم لك القيمة واستلم الجنيه، ثم تذكرت أنه لابد أن يشتريه بستمائة، فندمت وقلت: رد علي جنيهاتي وخذ دراهمك، نحن لا نزال في المجلس. فيلزم بأن يرده عليك. وكذلك الإجارة: لو استأجرت من المكتب داراً بعشرة آلاف لمدة سنة أو نصفها، وبعدما سلم لك المفاتيح، وقبل أن تتفرقا، وقد أعطيته الأجرة أو نصفها تذكرت أنك مغلوب، وأنه يوجد عند فلان أرخص منها، وأنها لا تساوي إلا ثمانية، فندمت وقلت: رد علي دراهمي وخذ مفاتيح دارك، لا حاجة لي فيها، فهذا يصح. وهكذا -أيضاً- العكس: لو أن صاحب الجنيه ندم، وقال: أنا اشتريت منك الجنيه بخمسمائة وخمسين، وأنا أعرف أنه غالٍ، لا أريده، رد علي دراهمي، أو أنا بحاجة إلى دراهمي ولا حاجة لي في هذا الجنيه، وكذا صاحب البيت إذا أجرك بعشرة، ثم بعد ذلك تذكر أنه يساوي اثني عشر، فقال: ندمت، لا أؤجره بهذا، رد علي مفاتيحي وخذ دراهمك، فمن ندم بعدما تم العقد، ورد في المجلس؛ فإنه يجوز ذلك. وهكذا في الرهن، وفي السلم، وفي الشركات، وفي الصلح الذي هو بمعنى البيع وما أشبهها. هذا النوع يسمى: خيار المجلس، ومتى يحصل لزوم البيع؟ بالتفرق بالأبدان، بأن يتفرقا، فإذا اشترى -مثلاً- الكيس، وحمله على سيارته، ثم ركب سيارته ومشى -مثلاً- عشرة أمتار، ثم ندم ورجع وقال: خذ كيسك. لزم البيع، ولا يتمكن من إرجاعه؛ وذلك لأنه قد حصل التفرق، وكذلك لو ندم البائع بعدما ركب المشتري سيارته ومشى عشرة أمتار أو نحوها فأدركه أو اتصل به هاتفياً وقال: ندمت، رد لي أكياسي. لا يصح، وقد وجب البيع، فالتفرق هو التفرق بالأبدان، هذا هو الصحيح، وخالف في ذلك المالكية والأحناف، وتكلفوا في رد هذا الحديث، فالإمام مالك رده لأنه مخالف لعمل أهل المدينة، وقال: لا أعرف أحداً يعمل به في المدينة من مشايخنا. وقد خالفه كثير من العلماء في زمانه وبعده، وذكر ابن عزيز أنه حديث مشهور، وأنه معروف معمول به في البلد، وابن عزيز من علماء قريش من أهل المدينة، فعرف بذلك أن القول بكونه مخالفاً لعمل أهل المدينة غير صحيح، وأتباع مالك الذين قلدوه تمسكوا بأنه ليس هناك خيار مجلس، وتكلفوا في صرف الحديث عن ظاهره، فقالوا: المراد بالتفرق التفرق بالأقوال. ولا شك أن هذا خلاف الواقع، وذلك لأنهما قبل الأقوال لا يسميان متبايعين، والرسول ﷺ قال: (البيعان) فقبل أن يقول: بعني، وقبل أن يقول: بعتك، هل يسميان بيعان؟! لا، فهذا صرف للفظ عن ظاهره، وكذلك الأحناف أعذارهم لرد هذا الحديث غير سديدة، ولا عذر عن العمل بهذا الحديث.

стр. 705

خيار الشرط القسم الثاني من أقسام الخيار: خيار الشرط. إذا اشترطا لهما أو لأحدهما مدة معلومة ولو طويلة فإنه لازم، ولابد من تحديد المدة، فيقول -مثلاً-: اشتريت السيارة بعشرين ألفاً، ولي الخيار أستشير مدة يوم أو يومين أو أسبوع. اشتريت منك البيت، ولي الخيار مدة شهر أبحث عن جيرانه -مثلاً-، وأبحث عن صفاته الخفية، عن أسسه، وعما فيه من العيوب، فلي الخيار في هذه المدة شهراً مثلاً أو نحوه. فإنه يصح ذلك، ولابد أن يحدد فيقول: شهراً هلالياً، أو أسبوعاً. وكذلك -أيضاً- قد يكون البائع هو الذي يشترط، فيقول: بعتك الدار ولي الخيار شهراً أبحث هل أجد سكناً بثمنها أم لا. فيكون له الخيار مدة شهر أو أسبوع على حسب ما يتفقان عليه، ويسمى هذا خيار الشرط، ويصح لكل واحد منهما، فيقول -مثلاً-: بعتك السيارة بعشرين ألفاً، ولي الخيار مدة أسبوع. أو يقول: اشتريتها، ولي الخيار مدة عشرة أيام. وفي هذه الحال لو ندم البائع والمشتري يريدها فإنها ترد، ولو ندم المشتري والبائع يريد التنفيذ فإنها ترد، فمن ندم منهما وطلب فسخ البيع فإنه يستحق ذلك. والخيار يصح في البيع، ويصح في الصلح -الذي هو بمعنى البيع-، وفي السلم، وفي الإجارة، إذا قلت -مثلاً-: استأجرت منك هذه الدار ولي الخيار يوماً أو أسبوعاً. جاز ذلك، فإن ندمت في هذه المدة، وإلا لزم عقد الإجارة. وفي هذه المدة -مدة الأسبوع أو نحوها- الملك للمشتري، ومع ذلك لا يتصرفان في هذا المبيع، لا يتصرف المشتري ولا يتصرف البائع، يجوز للبائع إذا شرط الخيار في الدار مثلاً أن يسكنها، فله ذلك، مع أن له الخيار، ويمكن للمشتري أن يتصرف، فيركب السيارة -مثلاً- للتأكد من سلامتها، أو لمعرفة سرعتها، أو لمعرفة ما تحمله، أو يجرب الدابة إذا كانت مركوبة، يجربها ماذا تحمل، ويجرب لبنها هل فيها لبن كثير أم لا، يصح ذلك، وله أن يلبس الثوب ليقيسه أو ما أشبه ذلك، وفي هذه المدة لو انهدمت الدار فإنها من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي اشتراها في هذه المدة، وإذا كانت تؤجر يومياً فأجرتها للمشتري، والبائع قبض الثمن، فلو جعله في سلع وربح في هذين اليومين أو في هذا الأسبوع فالربح للبائع في هذا الثمن؛ لأنه قبضه على أنه ملك له، فالملك في العين للمشتري وله أجرتها، ولو -مثلاً- ولدت الشاة التي فيها خيار، فإن الولد يكون للمشتري، فيتبعها في البيع، وله أن يحلبها -مثلاً- في هذه المدة؛ لأن عليه علفها، والخراج بالضمان.
следующие страницы →