Полный текст (251 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح الفتوى الحموية [١]
أول الواجبات معرفة الله تعالى، وقد سئل شيخ الإسلام عن طريقة السلف في التعامل مع آيات وأحاديث الصفات، فبين ﵀ مذهب السلف، ورد على من خالفهم، وذكر الأدلة على صحة مذهبهم ووجوب اتباعه.
стр. 2
الواجب لزوم أدلة الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح في باب الصفات وغيره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذا هو الدرس الأول من دروس شرح (الفتوى الحموية الكبرى) لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى.
[سئل شيخ الإسلام العالم الرباني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى: ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١] إلى غير ذلك من آيات الصفات وأحاديث الصفات كقوله: ﷺ (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) ، وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار) إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه؟ وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى.
فأجاب ﵁ ورحمه: الحمد لله رب العالمين؛ قولنا فيها: ما قاله الله ورسوله ﷺ ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]] .
تبين مما تقدم أن هذه الرسالة جواب عن سؤال ورد إلى شيخ الإسلام ﵀، عن صفات الله جل وعلا، وما الواجب فيها؟ وهذه الرسالة تدور على الجواب عن إشكالات أوردها السائل، وفصل في جوابها شيخ الإسلام ﵀، وابتدأ جوابه بقاعدة مهمة أساسية هي بمثابة التوطئة لجميع الإشكالات التي ترد في هذا الباب، وهو ما بينه ﵀ في قوله: (قولنا فيها ما قال الله ورسوله ﷺ ، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء) .
فبين ﵀ أن القول في باب الصفات موقوف على ما جاء عن الله جل وعلا وعن نبيه ﷺ ، وما كان عليه سلف الأمة من القرون المفضلة ومن سار على طريقهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
فهذه القاعدة هي قاعدة أساسية كلية في باب ما يُعتقد في الله جل وعلا؛ لأن الإخبار عن الله جل وعلا إخبار عن أمر غيبي، والخبر الغيبي لا تدركه العقول ولا تستقل بمعرفته، فلابد في هذا الباب من الرجوع إلى ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به نبيه ﷺ ، وما قاله السلف الذين أخذوا من هذين -من الكتاب والسنة- وهم أعلم الناس بمراد الله وبمراد رسوله ﷺ .
وبدأ الشيخ ﵀ في جوابه بهذه المقدمة الأساسية، فذكر في هذه المقدمة ما يجب اعتقاده، ثم استدل له، وذلك ببيان أن طريقة السلف هي أحسن الطرق، وأنها الطريق الذي توصل إلى معرفة الله جل وعلا، وأنها الطريق التي جاءت بها الرسل، وأن كل طريق يسلكه العبد ليتعرف به على الله جل وعلا غير طريق هؤلاء، فإنه لا يصل إلا إلى ضلال ولا يحصل إلا خبالاً.
стр. 3
الدليل على وجوب لزوم طريق السلف
وقال في الاستدلال لهذه الطريقة، وهي وجوب الوقوف على ما جاء عن الله، وعلى ما جاء عن نبيه ﷺ ، وما جاء عن سلف الأمة من القرون المفضلة ومن بعدهم؛ قال ﵀: (وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم) ، وهذا استدلال لصحة هذه الطريقة بإجماع الأمة على صحة طريق هؤلاء.
فإن الأمة أجمعت -على اختلاف مشاربها- على أن طريق هؤلاء هو أحسن السبل وهو أحسن الطرق.
قوله: (وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره) يعني: في باب الأسماء والصفات وفي باب الغيبيات الذي جاءت الرسل بالإخبار عنه، كالإخبار عما يكون في يوم القيامة وما يتعلق باليوم الآخر وما إلى ذلك من الأمور المغيبة.
قوله: (فإن الله : هذا هو التعليل، فبعد أن ذكر الإجماع أتى بالتعليل لصحة هذه الطريقة، وأنها هي الطريقة التي يجب سلوكها قال: قوله: (فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) ، فإذا كان بعثه بذلك فإن أعظم ما يحتاج إليه الخلق -كما سيذكره الشيخ- هو ما يتعلق بمعرفة الله جل وعلا، إذ إن العباد خلقوا على الفطرة، والفطرة تقتضي أن يتوجه الخلق إلى رب يعبدونه ويحبونه ويلجئون إليه، فإذا كان كذلك فإن من مقتضيات إخراجهم من الظلمات إلى النور أن يخرجهم من الجهل الذي يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله إلى العلم به الذي هو النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ، فهو نور والعلم به من أكمل النور الذي يجب على العبد أن يهتم به ويعتنى به، ولذلك لما كان هذا هو أهم المعلومات، كان أول ما يُسأل عنه العبد في قبره: من ربك؟ لأن بمعرفة الرب تستقيم الأمور كلها.
قال ﵀: [فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] : فالنبي ﷺ جاء سراجاً منيراً، داعياً إلى الله جل وعلا بإذنه، ثم وصف طريقته: بأنه ﷺ على بصيرة فيما يتعلق بما يخبر به عن الله جل وعلا، وفيما يتعلق بما يخبر به من أحكامه وشرعه جل وعلا، فهو على بصيرة في الأمر كله، ولذلك إذا كنا نعتقد أن النبي ﷺ على بصيرة، فالواجب الوقوف على ما جاء عنه ﷺ دون زيادة ولا نقصان؛ وذلك لأن الله قد بعث محمداً؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فبعثه داعيا إليه بإذنه، وبعثه سراجاً منيراً، وأمره أن يخبر الناس بأنه على بصيرة.
стр. 4
بيان الوجوه العقلية الدالة على صحة مذهب السلف
стр. 5
الوجه الأول من الأدلة العقلية على صحة ما ذهب إليه السلف
قال رحمه الله تعالى: [فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته - محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً؟!] : هذا هو الوجه الأول من الأدلة العقلية على صحة ما ذهب إليه السلف الصالح فيما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، إذ إن من المحال كما قال المؤلف ﵀: (فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي بعثه الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور) أن يترك إخبار الناس وتعليمهم ما يتعلق بالله فقال: (محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً) .
وذلك لأن النبي ﷺ أتى معلما، وكما أشار الشيخ ﵀ إلى أن أولى ما يتعلمه الناس وآكد ما يحتاجون إلى معرفته هو ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته؛ لأنهم يعبدونه، والخلق لا يعبدون شيئاً مجهولاً، فقد فُطرت قلوبهم ونفوسهم على أن يعبدوا ما يعلمون، فكلما ازداد العبد لله معرفة كلما ازداد له عبودية، ولذلك إذا أردت أن تعرف درجة العبد من العبودية فانظر إلى درجته من المعرفة بالله ، فإن كان عالماً بالله عالماً بأمره، فإنه في أكمل درجات العبودية؛ ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم: (والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له) فجعل العلم سبباً للخشية، والخشية إنما تكون بعد العلم بالله وصفاته وأفعاله جل وعلا.
فكون الرسول ﷺ على هذه الحال، وكون الله شهد له بأنه أكمل الدين وأتم عليه النعمة، يوجب الوقوف على ما جاء عنه ﷺ دون زيادة ولا نقصان، وإن أي زيادة أو أي نقصان أو أي اختيار غير ما جاء عنه ﷺ هو محض ضلال، فإن الله قد سد الطرق الموصلة إليه إلا طريق النبي ﷺ ، ولذلك لما ينتهي أهل الجنة من العبور على الصراط المضروب على متن جهنم، ويريدون دخول الجنة، فإنه لا يفتح لهم إلا عن طريقه، فيطرق ﷺ الباب فيقول خازنها: من؟ فيقول: محمد، فيقول الخازن: بك أمرت لا أفتح لأحد من قبلك، وهذا يدل دلالة واضحة على أن كل طريق يسلكه العبد غير طريق النبي ﷺ للوصول إلى مرضاة الله ونعيمه في الدنيا والآخرة، لا يحصل بذلك إلا ضلالاً، وأنه لن يصل إلا عن طريق صراط الله المستقيم الذي بينه النبي ﷺ .
стр. 6
الوجه الثاني من الأدلة العقلية على صحة مذهب السلف
قال رحمه الله تعالى: [ومن المحال أيضا أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة! وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) ، وقال فيما صح عنه أيضا: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم) ، وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً.
وقال عمر بن الخطاب: (قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه) .
رواه البخاري] .
هذا هو الوجه الثاني في بيان صحة طريق النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، ووجوب اتباع هذا السبيل، فإن النبي ﷺ قد علم أمته دقيق الأمور وجليلها، فمحال على من علم أمته كل شيء حتى آداب التخلي أن يتركهم في جهل والتباس واشتباه، فيما يتعلق بمن يعبدونه ويتوجهون إليه ويسألونه ويرغبونه، فمقتضى تعليم النبي صلي الله عليه وسلم أمته دقيق الأمور وجليلها، أن يكون قد بصرهم وعلمهم بما يجب لله وما يتعلق به، سواء في أفعاله أو في أسمائه وصفاته، أو فيما يجب له من الألوهية والربوبية.
стр. 7
الوجه الثالث من الأدلة العقلية على صحة مذهب السلف
قال ﵀: [ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت؛ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة، ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه: فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب، زائدين فيه أو ناقصين عنه] .
وهذا الوجه مبني على ما تقدم من أن النبي ﷺ يستحيل عليه أن يترك الأمة في جهل وضلال فيما يتعلق بالله ، مع أن المعرفة بالله هي زبدة الرسالة وهي غاية البعثة، وانظر إلى قوله: (الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب) ، فهذا الترتيب ترتيب بديع، فبدأ أولاً بالمعرفة؛ لأنه لا تتم العبادة إلا بعد معرفته، فمن أراد أن يعبد الله حق عبادته فليتعرف عليه حق معرفته، فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت عبادته له ، وتعلقه به وحبه له ، ثم إذا حصلت له المعرفة حصلت له العبادة، وإذا حصلت له العبادة المبنية على المعرفة به حصل له الوصول إليه الذي هو غاية المطالب، ويتم الوصول إليه جل وعلا بدخول جنته التي من أعظم نعيمها أن يتجلى جل وعلا لعباده فيكشف لهم الحجاب فيرونه.
قوله: (بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية) يعني: معرفة الله جل وعلا، وقد ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً بديعاً جيداً، في أن الرسل إنما جاءوا ليعرفوا الخلق بربهم وليدلوهم عليه، فقال ﵀: إن الرسل قد بينوا كل ما يحتاجه الخلق فيما يتعلق بالله فبينوا لهم صفاته وبينوا لهم أفعاله .
قال ﵀: حتى غدا من طالع كلام الرسل كأنما يرى الله جل وعلا بعينه يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء ويرفع ويخفض وذكر كلاماً بديعاً جيداً في أن الرسل أوفوا هذا الجانب حقه وبينوه غاية البيان، وأن هذا الذي جاءوا به واتفقوا عليه، هو بيان ما يجب لله في صفاته وأفعاله، ما يجب له في الألوهية والربوبية فصدق ابن تيمية ﵀ في قوله: (بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية) .
стр. 8
الوجه الرابع من الأدلة العقلية على صحة مذهب السلف
قوله: (فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة) أي: بقية (من إيمان وحكمة، ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام.
ثم إذا كان قد وقع ذلك منه -أي: البيان- فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين) .
لأن المجادل قد يقول: إن النبي ﷺ قد بين ما يجب لله وما يتعلق بأسمائه وصفاته غاية البيان، إلا أن الصحابة الذين تلقوا عنه لم يوفوا هذا المقام حقه ولم يقدروه قدره! فيقال له: إن الصحابة ﵃ أنصح الأمة للأمة، وهم أعبد الخلق لله ، بل ذكر الشيخ ﵀ أنهم أفضل خلق الله بعد النبيين، وإذا كانوا كذلك، فمحال على هؤلاء مع شهادة النبي ﷺ لهم بالخيرية أن يكونوا قد قصروا في باب الأسماء والصفات، فهذا أيضاً وجه من الوجوه التي تبين صحة طريق السلف، وتبين وجوب سلوك سبيلهم للوصول إلى معرفة الله جل وعلا.
стр. 9
بيان أن معرفة السلف في باب الأسماء والصفات أعظم من معرفة غيرهم
ثم قال ﵀: [ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة -القرن الذي بعث فيه رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم- كانوا غير عالمين به وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع.
أما الأول: فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه -أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته- وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدانية! فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه أولئك السادة في مجموع عصورهم! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضاً عن الله، وأعظمهم إكباباً على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك؟! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه: فهذا لا يعتقده مسلم، ولا عاقل عرف حال القوم] .
هذا الوجه في بيان أن الصحابة ﵃ قد أوفوا هذا المقام حقه, وأنهم أتوا بما تلقوه عن رسول الله ﷺ وأخذوه عنه، وأنهم لم يقصروا فيه لا في زيادة ولا في نقصان فقال ﵀: (ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة -القرن الذي بعث فيه رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين) .
فقوله: (غير عالمين) هذا الاحتمال الأول، والاحتمال الثاني: أنهم علموا وكتموا.
وهذا معنى قوله: (وغير قائلين) أي: غير معلمين لهذا العلم الذي تلقوه عن الرسول ﷺ .
فإذا كنت تقول: إن السلف كانوا على طريقة صحيحة، فإنه يستحيل أن يكونوا غير قائلين بها؛ لأنهم بلغوا عن الرسول ﷺ دقيق الأمر وجليله.
ثم بعد أن ذكر هذين الاحتمالين أبطل هذين الاحتمالين فقال: (لأن ضد ذلك: إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع) : أي لأنهم إن كانوا على ضد ذلك، أي: العلم، والقول بالحق، فذلك الضد هو إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق.
(وكلاهما ممتنع) أي: يمتنع أن يكون الصحابة لم يعلموا ما يجب في باب أسماء الله وصفاته، ويمتنع أيضاً أن يكونوا قد علموا ما يجب في باب أسماء الله وصفاته، ثم كتموه ولم يبلغوه للأمة، بل وتواطئوا على الكتم.
كما أن الاحتمال الثاني وهو: أن يكونوا قد اعتقدوا نقيض الحق أيضاً هذا ممتنع؛ لأنهم خير القرون ولا يمكن أن يشهد النبي ﷺ لقرن بأنهم خير القرون، ثم يكون اعتقادهم في أهم الأمور وأجلها وأخطرها وأعظمها -وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته- أن يكون اعتقادهم في هذا الباب نقيض الحق وخلاف الصدق، فلما كان هذان الاحتمالان ممتنعين رجعنا إلى أن طريقهم هو غاية العلم وغاية الحق وهو سبيل المؤمنين.
ولبيان امتناع هذين الوجهين قال:- (أما الأول) وهو: أن يكونوا غير عالمين بالحق.
قال: (فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب) ، يعني باب أسماء الله وصفاته وأفعاله وما يتعلق به والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه (أكبر مقاصده وأعظم مطالبه أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده) في الله جل وعلا، ولذلك جاء كتاب الله مليئاً ببيان أفعال الله ، وبيان صفاته، وبيان ما يجب له ، فمحال على من كان راغباً فيما عند الله عابداً له على الوجه الصحيح، أن يكون غافلاً عن معرفة هذا المعبود.
ثم استدرك الشيخ فبين أن المحال هو الجهل بما يجب لله ، لا بمعرفة كيفية تلك الصفات التي أخبرت بها الرسل عنه، ولذلك قال: (أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته) أي: فإن هذا لم يسأل عنه الصحابة ولم يشتغلوا به؛ وذلك لأنهم أيقنوا واعتقدوا قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] واعتقدوا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، فمن كان كذلك فإن العقول لا تدرك حقيقة صفاته وكيفيتها.
قال: (وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر) أي: ما يتعلق بالله (وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدانية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي الذي هو من أقوى المقتضيات -يعني الموجبات للعلم والمعرفة- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم) وهي القرن الأول والثاني والثالث.
أما وجه إبطال الثاني وامتناعه، وهو أن يكونوا عالمين بالحق لكن معتقدين بخلافه، فقال: (وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم) ، وهذا حق، فإن المسلم لا يعتقد في القرون الذين شهد الله لهم بالخير، واصطفاهم بصحبة النبي ﷺ ، والقرون الذين شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية؛ أن يقولوا ويعتقدوا غير الحق، بل هم معتقدون للحق قائلون به.
стр. 10
بطلان قاعدة الخلف في أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم
ثم قال رحمه الله تعالى: [ثم الكلام في هذا الباب عنهم: أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى وأضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من أن (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف -من المتفلسفة ومن حذا حذوهم- على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان] .
الآن الشيخ ﵀ في هذا المقطع بدأ بكلام جديد، فبعد أن قرر ﵀ صحة مذهب السلف وسلامة طريقهم، وأنهم قائلون في هذا الباب بالحق المبين، وأنهم مستمسكون بما جاء عن الله وعن رسوله الأمين، أتى ﵀ بوجه آخر وهو إبطال طريقة الخلف، وأن الخلف لم يقفوا على شيء في باب معرفة الله جل وعلا وأسمائه وصفاته، وأنهم في هذا الباب بين ضال ومتخبط ومتحير، وسينقل عنهم ﵀ ما يدل على ضلالهم وخطئهم وتحيرهم، ونقل ﵀ جواب المتأخرين وعذرهم في سلوكهم سبيل غير السلف السابقين.
فإن الخلف لما سلكوا طريقاً غير الطريق الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والقرون المفضلة، احتاج هؤلاء إلى الاعتذار عن مخالفتهم لسبيل السلف الصالح، فأتوا بهذه الجملة التي ترددت في كلامهم وكتبهم، وهي كالاعتذار عن مخالفة طريق السلف الصالحين فقالوا: (إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) .
وهذه الجملة متناقضة وقد حوت حقاً وباطلاً.
أما كونها قد حوت حقا وباطلا، فالحق هو في قولهم: إن طريقة السلف أسلم.
فلا شك أن طريقة السلف أسلم؛ لأنهم أعلم بالله وأعلم بما يجب له ، وأعلم بأسمائه وصفاته.
وأما قولهم: (وطريقة الخلف أعلم وأحكم) فهذا كذب؛ لأن طريقة الخلف لم يصلوا بها إلى علم ولا إلى حكمة، بل وصلوا إلى ضلال وحيرة.
ثم إن عجز هذه الجملة يناقض صدرها، فمقتضى أن طريقة السلف أسلم: أن يكون طريقهم أعلم وأحكم؛ لأن السلامة فرع عن العلم والحكمة، ولذلك شُرع لنا في كل ركعة أن نسأل الله الهداية إلى صراطه المستقيم، وصراطه المستقيم أسلم الطرق الموصلة إليه، وقوام هذا الصراط أمران: العلم والعمل الصالح, ولذلك قال جل وعلا في آخر هذه السورة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] ، لأنهم خالفوا مقتضى العلم، وغير (الضالين) ؛ لأنهم عملوا بلا علم، فطريقة السلف أسلم؛ لأنها قائمة على العلم والحكمة والعمل الصالح، ولا سلامة إلا بعلم وعمل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] .
إذاً: هذا أول الأوجه في بطلان هذه العبارة، وأنها ليست بصحيحة، ثم سيذكر الشيخ ﵀ أوجهاً أخرى لإبطال هذه العبارة، ولابد أن ندرك ونفهم هذه الأوجه للرد على طريق الخالفين من الخلف الذين خالفوا طريق السلف، فإنهم خالفوا في المقدمات، وخالفوا في النتائج؛ ولذلك كانت نتائج طريقهم الحيرة والضلال.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 11
شرح الفتوى الحموية [٢]
ضل كثير من الخلف في باب الأسماء والصفات، وذلك لجهلهم بطريقة السلف أولاً، ثم بزهدهم فيها وظنهم أنها مجرد الإيمان بالألفاظ دون فهم المعاني.
ثم ذهبوا يختطون طريقة أخرى وهي تحريف المعاني الظاهرة إلى معانٍ بعيدة، وعدوا طريقتهم هذه طريقة العلم والمعرفة! وقد بنوا باطلهم على مقدمتين كاذبتين بينهما الشيخ ورد عليهما.
стр. 12
سبب ضلال الخلف: جهلهم وسوء ظنهم بمنهج السلف
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: قال ﵀: [فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى؛ بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف - فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين الكفريتين، كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله!] .
стр. 13
معرفة الله بأسمائه وصفاته هو زبدة الرسالة
تقدم حكاية قول ابن القيم ﵀ حول زبدة الرسالة التي جاءت بها الرسل جميعاً، فقد تكلم عن هذا بكلام طيب في مدارج السالكين، فهذا هو الموضع الذي تكلم به ﵀ فقال: (والرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول، فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلا، حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه، يكلم ملائكته، ويدبر أمر مملكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم، يأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك، ويجيب دعوة مضطرهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويمنع ويعطي، يؤتي الحكمة من يشاء، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويفك عانياً، وينصر مظلوماً، ويقصم ظالماً، ويرحم مسكيناً، ويغيث ملهوفاً، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء تأخيره، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومدار تدبير الممالك كلها عليه، وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة) .
انتهى كلامه ﵀.
وهو كلام بديع يزيد في الإيمان، ويبين عظم ووجوب الاهتمام بما ذكر الله عن نفسه في كتابه، وستجد أن الشيخ ﵀ وافق شيخ الإسلام في هذه العبارة حيث قال: (وهذا مقصود الدعوة وزبدة الرسالة) ، أي: ما تقدم من التعريف بالله جل وعلا، وبيان أوصافه وأفعاله وما يجب له، وهذا هو زبدة الرسالة ومقصود الدعوة التي جاءت بها الرسل، ولذلك قال الشيخ ﵀ في الكلام السابق: (فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب) يعني: باب أسماء الله وصفاته (والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه، أكبر مقاصده وأعظم مطالبه) ، ثم ذكر بعد ذلك أن هذا هو الذي يعد زبدة الرسالة ومقصودها.
فهذا يبين وجوب الاهتمام بهذا الباب، وأن الاهتمام بباب الأسماء والصفات ليس لمجرد الرد على قول المبتدعين والمخالفين من المتكلمين وغيرهم، بل الاهتمام بباب الأسماء والصفات؛ ليزداد الإيمان ولتتم معرفة العبد بربه جل وعلا ليحصل له كمال العبودية، ولذلك لما كان أكثر الخلق علماً بالله هو النبي محمد ﷺ كان أعبد الخلق لربه، ولذلك قال: (والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له) ، فالعبادة والخشية وسائر المقامات هي فرع عن تمام العلم به .
стр. 14
تنفيذ كلام الخلف في عدولهم عن طريقة السلف
أما كلام الشيخ ﵀ -المتقدم- فهو في تفنيد العبارة التي يذكرها المتكلمون في بيان اعتذارهم عن مخالفة طريق السلف الصالحين، وسلوكهم طريق المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في باب أسماء الله وصفاته، فبدأ في الرد عليهم ببيان سبب هذا الضلال الذي وقعوا فيه فقال: (فإن هؤلاء المبتدعة الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم، على طريق السلف إنما أتوا) يعني: إنما وقعوا فيما وقعوا فيه؛ (لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك) ، فهذا هو السبب الأول الذي أوقع المتكلمين في الضلال في باب الأسماء والصفات: حيث ظنوا أن السلف ﵏ لم يفقهوا آيات الصفات ولم يعلموا ما فيها، وأن غاية ما عندهم هو المعرفة لألفاظها دون الوقوف على حقائقها ومعانيها، ولا شك أن ما ظنوه من طريقة السلف خطأ وضلال وجهل، فإن السلف هم أعلم الناس بالله ؛ لأنهم تلقوا ذلك عمن لا ينطق عن الهوى ﷺ ، ولكن السلف لم يدخلوا في باب الأسماء والصفات، وفي باب ما يتعلق بالله بآرائهم وخيالاتهم وعقولهم، بل قبلوا ما جاء عن الله وعن رسوله على ما تقتضيه اللغة، دون الدخول في تكييف ذلك والبحث عن كنهه وحقيقته؛ لأن الباب قد أغلق بقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فالسبب الأول والركيزة الأولى التي بنى عليها المتكلمون مخالفتهم لطريق أهل السنة والجماعة: أنهم ظنوا أن عقيدة السلف التفويض، ولذلك فهم يرون أن التفويض هي عقيدة القرون المفضلة، وأنهم يؤمنون بالألفاظ ويقفون عن المعاني فلا يقولون فيها شيئاً، بل يقولون: أمروها كما جاءت! والسلف لاشك أنهم يقولون: أمروها كما جاءت، ولكن هذا اللفظ المنقول عنهم لا يدل على أنهم لم يقفوا على معاني هذه الأسماء والصفات، فإنهم وقفوا على معانيها وأجروها على ظاهرها، ولم يدخلوا فيها بالرأي والخيال والقول على الله بغير علم، ولا شك أن القول بنسبة السلف ﵏ إلى التفويض من أسوأ النِسب ومن أردئها ومن سوء الظن بهم ﵃؛ لأن مقتضى التفويض التجهيل، ولذلك سيشير الشيخ ﵀ إلى رداءة هذا القول وإلى بيان ضلاله وأن السلف لم يكونوا على هذه الطريقة.
ثم قال: (بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم) أي: فهؤلاء قد جعلوا السلف بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] ، والأميون: جمع أمي، وهو من انتسب إلى أمه لعدم قراءته وكتابته.
وقد اختلف المفسرون في معنى الأميين في هذه الآية على قولين: القول الأول: أن الأميين في هذه الآية هم من لا يقرأ ولا يكتب.
فيكون معنى الآية ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: لا يقرءون ولا يكتبون ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] يعني: إلا بالخرص والكذب واختلاق القول على الله .
والقول الثاني: أن معنى الأميين: من يقرءون الكتاب لفظاً دون فهم معناه، وهذا القول أشار إليه ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة، وهو ظاهر مراد الشيخ ﵀؛ لأن المتكلمين يقرون أن السلف كانوا يقرءون الكتاب، لكنهم يقولون: إنهم يقرءونه دون فهم لمعانيه.
стр. 15
حقيقة ما يقول المتكلمون نبذ الإسلام
ثم قال: (وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقيقتها بأنواع المجازات وغرائب اللغات) : أي: فلما فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف ظنوا أن طريقة الخلف هي الوقوف على المعاني، ولكن الحقيقة أن وقوفهم على المعاني ليس على ما تقتضيه الألفاظ من المعاني الظاهرة المتبادرة إلى الأذهان، وإنما هو صرف لهذه المعاني عن حقائقها والمتبادر منها، وسلكوا في هذا الصرف طريقين: الأول: أن يحملوا الآيات على المجاز، وعلى غرائب اللغة.
وستمر معنا نماذج لتأويلاتهم الباطلة وشبههم المنحرفة التي حرفوا فيها الكلم عن مواضعه، وحملوا ظواهر النصوص على معان غريبة ومجازات بعيدة.
قال: (فهذا الظن الفاسد) أي: ظنهم أن السلف لم يقفوا على المعاني إنما وقفوا وأجروا الألفاظ دون النظر إلى معانيها، (أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء والظهر) ، لأن حقيقة الأمر أن يكون الإسلام له ظاهر وباطن، فعلى هذا يكون له ظاهر يلغى، وباطن يختلف الناس في الوقوف عليه وفي بيان حقيقته، ومقتضاه أيضاً أن الله خاطب الخلق وخاطب الناس بما لا يعقلون، أو خاطبهم بألفاظ مجردة عن معانيها، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ في مواطن كثيرة عن سوء بدعة التفويض وأنها من شر البدع؛ لأن فيها التهمة لله جل وعلا التهمة للنبي ﷺ بعدم البيان (وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويبهم طريقة الخلف) فجمعوا بين سوءتين: الكذب والضلال؛ الكذب على السلف بأن طريقهم لم يكن فيه الوقوف على المعاني، والضلال في تصويب طريقة الخلف على طريقة السلف (فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف بالكذب عليهم، وبين الجهل والضلال في تصويب طريقة الخلف) .
стр. 16
اعتقاد الخلف أن الله لا يوصف في نفس الأمر بما وصفته الآيات
(وسبب ذلك) يعني: سبب هذا القول، وهذا ثاني ما بنى عليه المتكلمون طريقتهم وتصويبهم لطريقة الخلف: أنهم قالوا: (إنه ليس في نفس الأمر صفة) يعني: أن الله لا يوصف بصفة، فلما اعتقدوا أن الصفات ممتنعة على الله جل وعلا وأنه لا يوصف بصفة، احتاروا في النصوص التي أُثبتت فيها الصفات، فذهبوا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها، فاجتمع عندنا أمران سبّبا الضلال عند المتكلمين: الأمر الأول: طعنهم وجهلهم بطريقة السلف.
السبب الثاني: اعتقادهم أن الله لا يوصف بصفة؛ لأن الصفة تقتضي التجدد والحدوث والله لا تحل فيه الحوادث.
وسنتعرض لهذه الشبه في تفصيل ما يثبت من الأجوبة على أعيان المسائل التي سأل عنها السائل في سؤاله للشيخ.
قال: (وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين) أي: الذين عطلوا الله عن أوصافه فقالوا: لا يوصف بصفة.
قوله: (فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى، بقوا مترددين) ، أي: بين أن يسيروا على طريقة السلف؛ فيجروا الألفاظ دون الوقوف على معانيها -كما زعموا- وبين أن يدخلوا في هذه الألفاظ التي وردت بها النصوص بآرائهم فيؤولولها ويصرفوها عن ظاهرها.
قوله: (مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض هذا المعنى) وهذا بزعمهم طريقة السلف، كما قال: (وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع التكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع) .
وهذا (من فساد العقل) ؛ لأنهم قالوا: إنه لا يوصف بصفة أي: إن الله لا يتصف بصفة، ومن (الكفر بالسمع) : إذ إنهم اعتقدوا أن ظاهر الألفاظ كفر؛ لأنها تثبت الصفات فاجتمع عندهم باطلان: فساد العقل، حيث ظنوا أن الله لا يوصف بصفة، والكفر بالسمع، حيث قالوا: إن ظاهر القرآن وظاهر النصوص كفر؛ لأنها تثبت الصفات التي يحيلها العقل.
стр. 17
اعتماد الخلف في نفي الصفات على شبهات ظنوها بينات
قال: (فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين: كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم) أي: فاستبلهوا السلف واستجهلوهم بناء على أن السلف لم يقفوا على المعاني وإنما أجروا الألفاظ على ظاهرها، وظنوا أن طريقتهم هي الطريقة الصواب، فلما أصبحوا في مفترق الطرق: إما أن يسيروا على طريق السلف وهي طريق الجهال والبلهاء -في نظرهم- أو طريق الخلف التي هي طريق العلماء والحكماء؛ فسلكوا طريق الخلف وذموا طريق السلف، وقالوا: إن طريق السلف أسلم؛ لأن حقيقتها الإيمان الخالي عن المعاني، وطريقة الخلف أحكم وأعلم؛ لأنها تؤدي إلى الإيمان المبني على العلم والحكمة، وكذبوا في ذلك وضلوا.
قوله: (واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين بمنزلة الصالحين من العامة؛ لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا على قصب السبق في هذا كله) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 18
شرح الفتوى الحموية [٣]
لما كانت طريقة الخلف مبنية على مقدمات خاطئة، كانت النتيجة التي وصلوا إليها: الحيرة والشك، لذلك نرى كثيراً منهم اضطرب في آخر أمره ورجع إلى منهج السلف، وأخبر أنه سيموت على عقيدة أمه، وبهذا نعلم عظمة ما كان عليه السلف من علم ومعرفة بالله سبحانه، ونعلم سوء ما عليه الخلف من تخبط وجهل وحيرة.
стр. 19
فساد النتيجة التي وصل إليها الخلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد: فإن الشيخ ﵀ استمر في بيان ضلال طريقة الخلف وخطورتها فقال رحمه الله تعالى: [ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة] الآن الشيخ ﵀ يبين ضلال هذه النتيجة التي وصل إليها الخلف متعددة، فأولها وأبينها وأظهرها في إبطال هذه الطريقة: أنها لا تؤدي إلى العلم والحكمة، قال ﵀: [كيف يكون هؤلاء المتأخرون -لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين- الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه مرامهم] .
إذاً: أول استدلال استدل به الشيخ ﵀ على إبطال هذه الطريقة هو: النظر إلى ما أوصلته طريقتهم وبدعتهم التي يقولون: إنها أعلم وأحكم، فإنها لم توصلهم إلا إلى اضطراب وضلال وحيرة، وجهل بالله ، فإذا كانت كذلك فإنها طريقة ضالة لا توصل إلى المقصود، بخلاف طريقة السلف التي توصل إلى العلم، والحكمة، والخشية، وكمال العبادة.
نقف على إبطال هذه النتيجة التي توصلوا إليها وأول ما ذكر شيخ الإسلام هو الاستدلال بحال هؤلاء على إبطال طريقتهم، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم في الدنيا والآخرة.
стр. 20
شهادة كبار علماء الكلام على بطلان طريقتهم
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وهذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة.
كيف يكون هؤلاء المتأخرون -لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين- الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم، كقول بعض رؤسائهم.
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي] .
مازال الكلام في هذه المقدمة المباركة حول تقرير صحة مذهب السلف وبيان بطلان ما سلكه الخالفون من الخلف؛ فيما غايروا فيه طريقة السلف وخالفوهم فيه في باب أسماء الله تعالى وصفاته، فذكر الشيخ ﵀ بطلان طريقة الخلف، وأنها لا توصل إلى علم، وأن قولهم: (إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم) ، غير صحيح، وأن ما وصل إليه هؤلاء وما حصلوه من سعيهم وسبيلهم وطريقهم ضلال، فقال ﵀: (كيف يكون هؤلاء المتأخرون -لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين- الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم) ، ثم ساق من الأقوال التي نطقوا بها وتكلموا بها واستشهدوا بها على بيان سوء حالهم، وأنهم لم يصلوا بعد سعيهم ونظرهم إلا إلى ضلال وعطب، فيكون هذا دليلاً على بطلان طريقتهم.
وأما قوله ﵀ (من المتكلمين) فالمتكلمون: هم كل من تكلم في أسماء الله وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة، فهذا ضابط أو تعريف ينتظم المتكلمين.
وذكر الشيخ ﵀ نقولاً منها: النقل الأول والثاني وما سينقله أيضاً، وكلها تبين سوء حال هؤلاء وسوء عاقبتهم، فقال ﵀ بعد ذلك: (وأقروا على أنفسهم بما قالوه) يعني بما أخبروا به مما حصلوه (متمثلين به) أي: منزلين تلك الأقوال على حالهم، (أو منشئين له) أي: إنهم قالوا قولاً مبتدعاً في بيان سوء عاقبتهم، وأنهم لم يصلوا في بحثهم وطلبهم معرفة الله إلى شيء.
стр. 21
شهادة الرازي على بطلان طريقة أهل الكلام
ثم قال نقلاً عن أحدهم وهو الفخر الرازي: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً) أي: مريضاً يطلب الشفاء (ولا تروي غليلاً) أي: طلب شفاء صدره في هذه الطرق.
(فرأيت أقرب الطرق طريقة القرآن) وطريقة القرآن طريقة واضحة فيها إثبات صفات الله ، وهو إثبات مفصل، وفيها نفي ما لا يليق بالله ، وهو نفي مجمل، ولذلك قال: (أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ، وأقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] وهذا نفي مجمل، والنفي هنا نفى إحاطة العلم به ، وبحقائق هذه الأسماء والصفات، وبأفعاله جل وعلا، فالخلق لا يحيطون به علماً لا حساً ولا علماً، أي: من جهة الأخبار والإحاطة بوصفه بالعلم، فيوم القيامة لا تدركه الأبصار جل وعلا، وهذا فيه نفي الإحاطة الحسية، وأيضاً: فيه نفي الإحاطة الخبرية، أي: أن الأخبار لا تحيط بوصفه جل وعلا.
ولذلك كان من أسمائه ما استأثر به فلم يظهره ولم يخبر به خلقه، وكذلك من صفاته؛ لأن الأسماء تتضمن الصفات، فإذا كان من الأسماء ما لم يخبر به فكذلك الصفات، فإن منها ما استأثر الله بعلمه ولم يخبر بها خلقه.
ثم قال الرازي: (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) ، ولاشك أن السعيد من اعتبر بغيره، ولا يلزم أن نسلك طريقهم حتى نرى ونقف على ما وصلوا إليه وما أصابوه، إنما يكفينا في العبرة والعظة أن نقرأ ما كتبوه وقالوه أو استشهدوا به في بيان سوء عاقبتهم وما وصلوا إليه.
стр. 22
شهادة الجويني على بطلان طريقة أهل الكلام
قال ﵀: [ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي] اهـ.
وهذا النقل نقل مهم، وهو عن إمام كبير من أئمة المتكلمين، وهو إمام الحرمين أبو المعالي الجويني فيقول: (لقد خضت البحر الخضم) وهو ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، (وتركت أهل الإسلام وعلومهم) ، يشير بذلك إلى علماء السلف من أهل القرون المفضلة ومن سار على هديهم من بعدهم، (وخضت في الذي نهوني عنه) وهو علم الكلام الذي نهى عنه السلف.
(والآن) يعني: بعد هذه الجراءة بخوض هذا البحر وترك ما كان عليه سلف الأمة (إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي) .
وهذا يفيدك فائدة عظيمة: أنه على طول بحث المتكلمين وعلى عظم خوضهم في هذا الباب، أنهم لا يصلون إلى شيء يصح أن يعتقد، وعلى أحسن الأحوال تنتهي بهم الأمور إلى أن يعتقدوا ما يعتقده العجائز اللواتي لم يتفقهن تفقهاً تاماً فيما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته.
إذاً: نهاية ما يصل إليه أهل الكلام في بحثهم ودراستهم ونظرهم هو أول نقطة يبتدئ منها أهل السنة والجماعة، والعلماء الذين سلكوا طريق السلف؛ فعلماء السلف يبتدئون من النقطة التي ينتهي إليها أولئك، وشتان بين من كانت خاتمته هي بداية غيره وأن يعتقد عقيدة عوام أهل الإسلام، وبين من كان ابتداؤه أن يعتقد عقيدة عوام أهل الإسلام ثم يصل إلى المعارف والعلوم التي يفتح الله بها عليه مما أدركه سلف هذه الأمة وعلموه.
стр. 23
شهادة الإمام الغزالي على أهلا لكلام بأنهم متشككون
قال ﵀: [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام] والكلام الذي نقله الشيخ عن شك المتكلمين عن الموت هو كلام الغزالي ﵀.
стр. 24
أفضلية علم السلف وبيان جهل الخلف بالله تعالى
(ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر، لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضولون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون؛ أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟!] .
إذاً: من أسباب رد طريقة هؤلاء، أولاً: أنهم حجبوا عن معرفة الله بما سلكوه من طرق، وأنهم مسبوقون بالسلف الصالحين الذين هم ورثة الأنبياء، والذين تلقوا عن النبي ﷺ ، هذا ثاني الأمور، والثالث: أنهم حيارى متهوكون فلم يصلوا في باب العلم بالله وبأسمائه وصفاته إلى شيء، إنما وصلوا إلى ضلال وحيرة واضطراب، وكل هذا مما يؤكد أن طريقهم لا توصل إلى معرفة الله ولا توصل إلى خير، بل هي ضلالات وشبهات وتقولات على الله بغير علم.
قوله: [والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة] يعني: لاستحيا من يطلب الموازنة بينما حصله السلف الذين تلقوا عن النبي ﷺ وما حصله غيرهم في مجموع الأمم ممن لهم كتاب ومن لا كتاب لهم.
стр. 25
صفاء المشرب السلفي وتلوث المشرب الفلسفي الخلفي
قال ﵀: [ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟! أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟] .
وهذا أيضاً استدلال آخر في بيان صحة ما عليه السلف، وهو: النظر إلى من أخذ عنه هؤلاء ومن أخذ عنه أولئك، فالسلف أخذوا عن النبي ﷺ ، فمحال أن يكون من أخذ عن النبي ﷺ أنقص طريقة ممن أخذ عن المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس، فإن المتكلمين ورثوا ما ورثوا من خيالات وشبهات ظنوها علماً؛ ورثوها عن اليونان والهند وغيرهم من المتفلسفة وغيرهم ممن ينطق بالخيالات ولا يعتمد في ذلك على وحي من السماء، فشتان بين أصحاب هاتين الطريقتين، وهذا من الأدلة على صحة طريقة السلف وسلامتها وضلال طريقة هؤلاء وبعدها عن صراط الله المستقيم.
стр. 26
أفضلية السلف إنما كانت بأفضلية علمهم بالله تعالى
ثم قال ﵀: [ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -في الجملة- لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته] ، أي: لأن غاية ما اهتم به الأنبياء والنبي ﷺ خصوصاً هو: تعليم الخلق وتعريفهم بربهم، فالنبي ﷺ اعتنى بهذا الأمر غاية العناية وتلقاه عنه الصحابة، فهم أعلم الخلق بالله بعد الأنبياء، ولذلك كانوا أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل، وفضلهم تابع لعلمهم بالله ، وذلك أن تحقيق العبادة إنما هو فرع عن تمام المعرفة بالله فكلما ازدادت المعرفة به كلما زادت العبودية له وتحققت في الشخص.
ثم قال ﵀: [وإنما قدمت هذه المقدمة؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين] .
بين الشيخ ﵀ سبب ذكر هذه المقدمة، وهي أنها تنفع في باب الأسماء والصفات وفي غيره من أبواب العلم، وأن الخير كل الخير فيما كان عليه السلف ﵏، وأن كل طريقة في باب الأسماء والصفات أو في غيرها من الأبواب خالفت طريقة السلف؛ فهي طريقة ضلال ولا يصل صاحبها إلى خير.
стр. 27
سبب استيلاء الضلال على كثير من المتأخرين
ثم بعد ذلك بين الشيخ ﵀ -تلخيصاً لما مضى- بين أسباب الضلال عند أهل الكلام فقال: [وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم] ، فالسبب الأول هو: نبذ كتاب الله وراء ظهورهم.
ثم قال ﵀: [وإعراضهم عما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى] ، وهذا هو السبب الثاني في ضلال هؤلاء.
قال: [وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين] ، وهذا هو السبب الثالث في ضلالهم.
قال: [والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه وبشهادة الأمة على ذلك] وهذا السبب الرابع، والإقرار الذي ذكره هو في النقول التي تقدمت، وشهادة الأمة على ذلك، أي: على أن كتبهم لا توصل المطالع فيها إلى خير، بل توصله إلى شك وضلال وحيرة، قال: [وبدلالات كثيرة] يعني: غير هذه المذكورة.
ثم قال: [وليس غرضي واحداً معيناً] يعني: ليس غرضي بكلامي هذا واحداً معيناً من أئمة الكلام، أو تحديد سبب من هذه الأسباب، [وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء] يعني: أسباب ضلال هؤلاء في الجملة وليس سبب ضلال واحد منهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 28
شرح الفتوى الحموية [٤]
إن مسألة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه من أعظم المسائل التي بينها القرآن والسنة وأجمع على القول بها سلف الأمة، بل هي مركوزة في الفطر السليمة، والعقول المستقيمة، إلا أن المعطلة خالفوا فيها فنقوها؛ لشبهات ظنوها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة جهليات؛ لما تضمنته من لوازم فاسدة تأتي على الإسلام من أصله، بل إن حقيقة قولهم: إبطال الإسلام واتهام القرآن.
стр. 29
أدلة إثبات العلو والاستواء على العرش
стр. 30
الأدلة القرآنية على علو الله واستوائه على عرشه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
أما بعد: فيقول ﵀: [وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة: مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء.
مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥] ، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] ، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، ((ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) في ستة مواضع: [الأعراف:٥٤] ، [يونس:٣] ، [الرعد:٢] ، [الفرقان:٥٩] ، [السجدة:٤] ، [الحديد:٤] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة] .
بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان سبب ضلال هؤلاء، كأنه أجاب على شبهة مقدرة، وهي ما يدعيه أهل الكلام من أن السلف الصالح لم يهتموا بهذا الباب، وأنهم لم يشتغلوا به، بل كان شغلهم بالعبادة وبالجهاد ونشر الدين، فلم يكونوا مهتمين بتقرير ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته.
فأجاب الشيخ ﵀ عن هذه الشبهة: بأن كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة؛ مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى.
وذكر هذه الصفة بالذات؛ لأن السائل سأله عن مسألة الاستواء والعلو، والاستواء من أدلة علو الله كما سيأتي مفصلاً, وذكر الشيخ ﵀ أن في كلام الله ما يدل على هذه الصفة، وأنها صفة من صفاته التي أخبر بها من النصوص ما لا يكاد يحصى إلا بكلفة، فإذا كان هذا في صفة واحدة من الصفات؛ فكيف بسائر صفاته ، وهذا فيه نقض صريح، ودليل واضح بين على أن هؤلاء قد كذبوا على السلف بقولهم: إن السلف لم يهتموا بهذا وإنهم انشغلوا عن هذا بالجهاد والدعوة والعبادة.
وليس مقصود الشيخ في هذا الموضع تقرير صفة العلو بذاتها؛ لأنه سيأتي لها كلام مستقل، وإنما مراده أن يبين أنه جاء في هذه الصفة من الآيات ما سمعنا، ومن الأحاديث ما سيذكر، ومن النقول عن السلف أيضاً ما سيذكر، وهذا يبين كذبهم وضلالهم.
стр. 31
أدلة إثبات العلو والاستواء على العرش من السنة
قال ﵀: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم) .
وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء! يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً) ، وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء؛ اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع) ، قال رسول الله ﷺ : (إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء) وذكره.
وقوله في حديث الأوعال (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله في الحديث الصحيح للجارية (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) .
وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) ، وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى) إسناده على شرط الشيخين] .
المقصود من هذه النصوص هو بيان كثرة ما ورد عن النبي ﷺ بعد أن بين كثرة ما ورد في الكتاب في هذه الصفة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي ﷺ وأقره عليه: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: (آمن شعره وكفر قلبه) ؛ حيث قال: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العيـ ن ترى دونه الملائك صورا وقوله في الحديث الذي في المسند: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) ، وقوله في الحديث: (يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب) ، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية -أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء] .
стр. 32
دلالة الفطرة وإجماع الأمم على علو الله تعالى
قال: [كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته] .
فما ذكره الشيخ من الآثار دل على ما تقدم من أن النبي ﷺ قد بين هذا المقام بيانا عظيماً وهو استواء الله جل وعلا على عرشه وعلوه على خلقه, فعلو الله جل وعلا واستواؤه على عرشه جاء متواتراً لفظاً ومعنى، وهذا يورث (علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية) يعنى: من آكدها؛ أنه مستو على عرشه وأنه عال على خلقه، وأن الرسول ﷺ قد بلغ أمته علو الله جل وعلا على خلقه، وأنه سبحانه على عرشه.
ثم بعد أن فرغ من ذكر الأدلة على علو الله -الأدلة السمعية من الكتاب والسنة- ذكر الدليل الثالث الدال على علو الله جل وعلا، وهو دليل الفطرة، فقال: (كما فطر الله على ذلك) أي: على علوه وأنه بائن من خلقه؛ فطر على ذلك (جميع الأمم: عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام) ، ولذلك فعلو الله جل وعلا مما أجمعت عليه الأمم , على اختلاف عصورها وعقائدها، ولذلك كان إنكاره من أمحل المحال، والمعارضة فيه من أكبر ما حصل من التناقض عند المتكلمين، لذلك تخبطوا فيه تخبطاً بيناً كما سيتبين لنا إن شاء الله في عرض مذاهبهم.
ثم قال: (إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته) ، وهذا استثناء، ولكن هذا الاستثناء القليل باعتبار الجمع الغفير من الخلق لا يعد خارقاً للإجماع؛ لأنه حصل بعد استقرار فطرة الخلق على علو الله جل وعلا، وما طرأ من خلاف بعد الإجماع لا يعد مخالفاً أو معارضاً للإجماع.
стр. 33
إجماع السلف على علو الله تعالى واستوائه على عرشه
قال: [ثم عن السلف] ، وهذا إجماع أخص من الإجماع السابق؛ فبعد أن ذكر إجماع الأمم ذكر إجماع السلف -خصوصاً وهم خير القرون وخير الخلق بعد النبيين- على أن الله عال على العرش.
قال ﵀: [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفاً، ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن واحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرفٌ واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً] .
بعد أن ذكر إجماع السلف قال: إنه لم ينقل عن أحد من السلف ﵏ حرف واحد يخالف هذا، وانظر حيث قال: (ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن واحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان) أي: كل هؤلاء لم ينقل عنهم مخالف في هذا ولا في حرف واحد.
ثم قال: (ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك) ، فقيد ذلك بأن الأئمة أدركوا زمن الأهواء والاختلاف؛ ليجيب على شبهة عند المتكلمين حيث قالوا: إن السلف لم يتكلموا بهذا؛ لأن المسألة لم تطرأ في عصرهم وهي مستقرة عندهم فأراد أن يبين خطأهم في ذلك.
وقوله: (إن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف لم ينقل عنهم حرف واحد يخالف ذلك) يعني: يخالف تقرير علو الله (لا نصاً ولا ظاهراً) ، أي: لا بالنص ولا بدلالة الظاهر، فدل ذلك على أنهم ﵏ مُطبقون على الإقرار بعلو الله جل وعلا.
ثم قال: [ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا أنه لا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها] .
стр. 34
أقسام الجهمية
بعد أن ذكر الشيخ ﵀ عقيدة السلف ذكر أنه لم ينقل عنهم حرف في ذلك يخالف النصوص ولم يقل أحد منهم قط بخلاف ذلك، ثم حكى أقوال المبتدعة المتكلمين في مسألة العلو فقال: (لم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء) كما تقوله الجهمية، واعلم أن هذه الأقوال في مجموعها ترجع إلى قولين صدرا عن الجهمية، الذين هم أصل الضلال في باب الأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالله مما يجب له من التعظيم والإجلال.
هؤلاء الجهمية انقسموا إلى قسمين:جهمية معطلة، وجهمية حلولية.
الجهمية المعطلة: ساروا على قاعدتهم في نفي صفات الله , حيث إنهم أخلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ ، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن الله ليس في السماء وإنه ليس على العرش، ومن أقوالهم أيضاً: (إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، وإنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع) .
وأما القسم الثاني وهم الجهمية الحلولية: فقالوا: إن الله في كل مكان، ولذلك حكى قولهم في قوله: (ولا أنه بذاته في كل مكان) ، وهذا يناقض القول الأول، والسبب في هذا كما يشير بعض الباحثين, أن الجهمية في أول أمرهم كانوا حلولية، ثم لما اطلعوا على ما كتبه اليونان وما ذكره الفلاسفة من وجود شيء مجرد لا داخل العالم ولا خارجه انتقلوا إليه عن مقولتهم الأولى، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الجهمية عندهم انفصام, فتجدهم في مسألة البحث والنظر يقولون: إن الله ـ جل وعلا تعالى عما يقولون ـ ليس داخل العالم أو خارجه، ولا هو متصل ولا منفصل، وإنه ليس فوق السماء، وإنه ليس على العرش.
هذا من جهة البحث والنظر، أما من جهة التعبد فإنهم يقولون: إن الله في كل مكان، وبرّر هذا القول وبين علته فقال: إنهم في البحث والنظر لا يحتاجون إلى إثبات شيء، فلو توصلوا إلى إثبات العدم الذي وصفوه بأنه هو الله لم يكن ذلك محرجاً لهم، لكن في العبادة لابد من التوجه إلى معبود مقصود ولذلك قالوا: إنه موجود في كل مكان.
وعن هؤلاء الجهمية المعطلة والجهمية الحلولية أخذت الفرق الكلامية عقيدتها في باب علو الله ، فالمعتزلة والأشاعرة والكلابية أتباع للجهمية في هذا الباب فلم يأتوا بمزيد، وإنما انقسموا في المسألة على هذين القولين: قول الجهمية المعطلة وقول الجهمية الحلولية.
وأما قولهم: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، فهذا تتفق عليه كل الفرق الكلامية، وقد أبطله الشيخ ﵀ بما استدل به من ثبوت ذلك عن النبي ﷺ حيث قال: [بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره الرسول ﷺ ؛ جعل يقول: (ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم! فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد) غير مرة، وأمثال ذلك كثير] .
стр. 35
ما يلزم على قول المتكلمين من الطعن على الوحي والسلف
ثم قال ﵀: [فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها , دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً, فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ﷺ ثم على أخير الأمة؛ أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق؟! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط! ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهرا! حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها!! لئن كل ما يقوله هؤلاء المتكلمون والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب -وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً- لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين] .
لماذا؟ لأن ظاهر الكتاب والسنة سيكون دالاً على خلاف ما يجب أن يعتقد في الله ، في حين أن العقول والأقيسة هي التي دلت على الله الدلالة الصحيحة، وعلى هذا هل يكون الكتاب والسنة قد زاد الناس هدى وبصيرة في ربهم أم أنه زادهم ضلالاً وحيرة في ربهم؟! لازم قول المتكلمين: أن يكون الكتاب والسنة زادهم حيرة وضلالة؛ لأنه لم يدلهم على الحق ولا على ما يجب في باب أسماء الله وصفاته، وهذا كذب وضلال، ومن أعظم التهمة لله جل وعلا ولرسوله ﷺ .
стр. 36
حقيقة قول المتكلمين النهي عن الاهتداء بالقرآن والسنة
ثم قال ﵀: [فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً؛ لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به!!] .
أي أن حقيقة أمر هؤلاء أن المرجع في إثبات ما يجب لله وفي نفي ما يمتنع عليه هو العقل، وأما الكتاب والسنة فلا حاجة إليهما! ولذلك من تأمل ما وصلت إليه مقدماتهم: علم خطورة بدعتهم وأنها كفر كما قال الشيخ ﵀, فهي من أعظم الطرق الموصلة إلى الكفر بالله ورسوله.
стр. 37
مآل المتكلمين إلى تحكيم العقل في نفي وتأويل ما لا يراه موافقاً له من النصوص
ثم هؤلاء الذين اعتمدوا على عقولهم انقسموا إلى فريقين, في طريقة إثبات ما يجب لله ويشير إليهما الشيخ في قوله: [ثم هم هاهنا فريقان: أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه.
ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من أي اختلاف على وجه الأرض- فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم -لا لتعلموا- بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه: لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين] .
لخص الشيخ ﵀ في هذا المقطع حقيقة أمرهم في النصوص وكأنه يقول: إن الله أمرهم في باب الأسماء والصفات أن يرجعوا إلى عقولهم، فينظروا إلى ما أثبتته العقول فيثبتوه، وما لم تثبته العقول فينفوه؛ هذا هو الطريق الأول؛ فما أثبتته العقول أثبتوه جميعاً, وما لم تثبته العقول افترقوا فيه إلى فريقين: فريق نفاة وفريق توقفوا، وهذا مجمل طريقهم، وهو في الحقيقة طريق التعطيل والتفويض، وسيأتينا في كلام الشيخ أن الناس انقسموا في باب ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات إلى طرق, طريق التجهيل وطريق التأويل وطريق التخييل.
الطريق الأول طريق التأويل: وهو صرف الألفاظ عن ظاهرها لغير مقتضي، وهو طريق المتكلمين.
الطريق الثاني: طريق التجهيل: وهؤلاء هم المفوضة الذين قالوا: إن الله خاطب الناس بألفاظ لا حقيقة لها ولا معاني لها, أو أن معانيها غير معلومة.
الطريق الثالث: وهو طريق التخييل: وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن الله أخبر بخيالات؛ ليجذب الناس ويحملهم على العبادة مع أنه لا حقيقة، حتى تعدى أمرهم إلى إنكار البعث وقالوا: إنه لا بعث وإنما أخبرت الرسل بذلك؛ حتى يحملوا الناس على فعل الخير وعلى ترك الشر.
وقد يشير الشيخ ﵀ فيما يأتي إلى هذه الطرق.
والطريق الرابع: هو طريق السلف: وسيذكره الشيخ ﵀ في الفصل القادم؛ وهو أن يقف المؤمن في هذا الباب على ما ذكره الله عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
стр. 38
إلزام المتكلمين على قواعدهم التحاكم إلى الجاهلية
ثم قال ﵀: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه، ومضمونه: أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزولٌ عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم] .
الطواغيت: جمع طاغوت، وهو ما يطغى به الإنسان عن الحق زيادة أو نقصاً، ويشير هنا إلى القواعد التي قرروها، والشبه الكبار التي أصلوها, فتجد أحدهم يقول: لا نثبت هذا لله وهذا محال عليه عقلاً، والآخر يقول: هذا واجب له عقلاً.
وسر الاختلاف بين هذا وهذا أن كلاً منهم نصب عقله حاكماً فيما يجب لله، وما يجب أن تصرف إليه النصوص، وهذا لا يوصلهم إلا إلى عطب واختلاف وتنازع، إذ إن العقول مختلفة، ولذلك سينقل الشيخ ﵀ عن سلف الأمة ما يبين أن اعتماد العقل في باب إثبات الأسماء والصفات منهج ضال، إذ بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فهو يشير في قوله: (الطواغيت) إلى الشبه والأصول التي أصلتها كل فرقة من هذه الفرق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 39
شرح الفتوى الحموية [٥]
إن من شناعة بدعة أهل الكلام أنهم شابهوا المنافقين، وذلك بإعراضهم عن التحاكم إلى الكتاب والسنة، وافتتانهم بكلام المشركين من يونان وصابئة ويهود ونصارى، وقد استلزمت بدعتهم هذه أموراً شنيعة من الطعن في الكتاب والسنة وسلف الأمة، وقد وضحها شيخ الإسلام ﵀ وشرحها الشيخ حفظه الله هنا.
стр. 40
شبه المتكلمين بالمنافقين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به؛ إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم وقد أمروا أن يكفروا بهم.
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠-٦٢] ، فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية] .
في هذا المقطع يشبه الشيخ ﵀ هؤلاء المتكلمين بالمنافقين الذين ذكر الله جل وعلا عنهم في كتابه: إعراضهم عن التحاكم إليه والرجوع إليه فيما يقع بينهم من نزاع، وذلك أن هؤلاء رأوا أنهم إذا اختلفوا في شيء لا يرجعون إلى الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة لا يدلان على الله! بل يرجعون في نزاعهم وخلافهم إلى ما تقتضيه العقول والأقيسة، وما قعدوه من قواعد في باب أسماء الله وصفاته وفي غيرها من القضايا التي خالفوا فيها سلف الأمة.
فهؤلاء معهم شعبة من شعب النفاق الكبيرة التي يُخشى على صاحبها الكفر؛ لأن من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على العقول وأقوال الرجال فقد ضل ضلالاً بعيداً، والواجب على كل مؤمن يريد إصابة الحق والتزام الصراط المستقيم أن يسلك ما سلكه السلف الصالحون من اتباع كتاب الله وسنة رسوله.
ثم بين الشيخ ﵀ أن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: (إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريقة التي سلكناها) أي: طريقة التأويل وطريقة اعتماد العقول في تقرير ما يجب لله وما يمتنع عليه في باب الأسماء والصفات.
ثم قال: (والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية) ، وكأنهم بهذا يقولون: إن أدلة النقل تخالف أدلة العقل فلابد من توفيق، ولا يتم التوفيق إلا بصرف النصوص عن ظواهرها حتى تستقيم مع العقول، وهذا من أكذب الكذب ومن أعظم البهتان؛ فإن الشريعة لم تأت بما تحيله العقول وتمنعه, بل جاءت بما قد تحار فيه العقول وقد لا تدركه.
فينبغي أن يوقن المؤمن أن ما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ لا يخالف العقل بالكلية، بل هو موافق للعقل، وأن أي عقل خالف الكتاب والسنة فإنه عقل فاسد إنما أتي من خطأ في قياسه.
ثم بين الشيخ ﵀: أن الرجوع إلى النبي ﷺ في حياته إليه وبعد مماته ووفاته إلى سنته ﷺ .
следующие страницы →