Полный текст (251 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حقيقة قول المتكلمين النهي عن الاهتداء بالقرآن والسنة
ثم قال ﵀: [فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً؛ لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به!!] .
أي أن حقيقة أمر هؤلاء أن المرجع في إثبات ما يجب لله وفي نفي ما يمتنع عليه هو العقل، وأما الكتاب والسنة فلا حاجة إليهما! ولذلك من تأمل ما وصلت إليه مقدماتهم: علم خطورة بدعتهم وأنها كفر كما قال الشيخ ﵀, فهي من أعظم الطرق الموصلة إلى الكفر بالله ورسوله.
стр. 37
مآل المتكلمين إلى تحكيم العقل في نفي وتأويل ما لا يراه موافقاً له من النصوص
ثم هؤلاء الذين اعتمدوا على عقولهم انقسموا إلى فريقين, في طريقة إثبات ما يجب لله ويشير إليهما الشيخ في قوله: [ثم هم هاهنا فريقان: أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه.
ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من أي اختلاف على وجه الأرض- فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم -لا لتعلموا- بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه: لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين] .
لخص الشيخ ﵀ في هذا المقطع حقيقة أمرهم في النصوص وكأنه يقول: إن الله أمرهم في باب الأسماء والصفات أن يرجعوا إلى عقولهم، فينظروا إلى ما أثبتته العقول فيثبتوه، وما لم تثبته العقول فينفوه؛ هذا هو الطريق الأول؛ فما أثبتته العقول أثبتوه جميعاً, وما لم تثبته العقول افترقوا فيه إلى فريقين: فريق نفاة وفريق توقفوا، وهذا مجمل طريقهم، وهو في الحقيقة طريق التعطيل والتفويض، وسيأتينا في كلام الشيخ أن الناس انقسموا في باب ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات إلى طرق, طريق التجهيل وطريق التأويل وطريق التخييل.
الطريق الأول طريق التأويل: وهو صرف الألفاظ عن ظاهرها لغير مقتضي، وهو طريق المتكلمين.
الطريق الثاني: طريق التجهيل: وهؤلاء هم المفوضة الذين قالوا: إن الله خاطب الناس بألفاظ لا حقيقة لها ولا معاني لها, أو أن معانيها غير معلومة.
الطريق الثالث: وهو طريق التخييل: وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن الله أخبر بخيالات؛ ليجذب الناس ويحملهم على العبادة مع أنه لا حقيقة، حتى تعدى أمرهم إلى إنكار البعث وقالوا: إنه لا بعث وإنما أخبرت الرسل بذلك؛ حتى يحملوا الناس على فعل الخير وعلى ترك الشر.
وقد يشير الشيخ ﵀ فيما يأتي إلى هذه الطرق.
والطريق الرابع: هو طريق السلف: وسيذكره الشيخ ﵀ في الفصل القادم؛ وهو أن يقف المؤمن في هذا الباب على ما ذكره الله عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
стр. 38
إلزام المتكلمين على قواعدهم التحاكم إلى الجاهلية
ثم قال ﵀: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه، ومضمونه: أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزولٌ عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم] .
الطواغيت: جمع طاغوت، وهو ما يطغى به الإنسان عن الحق زيادة أو نقصاً، ويشير هنا إلى القواعد التي قرروها، والشبه الكبار التي أصلوها, فتجد أحدهم يقول: لا نثبت هذا لله وهذا محال عليه عقلاً، والآخر يقول: هذا واجب له عقلاً.
وسر الاختلاف بين هذا وهذا أن كلاً منهم نصب عقله حاكماً فيما يجب لله، وما يجب أن تصرف إليه النصوص، وهذا لا يوصلهم إلا إلى عطب واختلاف وتنازع، إذ إن العقول مختلفة، ولذلك سينقل الشيخ ﵀ عن سلف الأمة ما يبين أن اعتماد العقل في باب إثبات الأسماء والصفات منهج ضال، إذ بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فهو يشير في قوله: (الطواغيت) إلى الشبه والأصول التي أصلتها كل فرقة من هذه الفرق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 39
شرح الفتوى الحموية [٥]
إن من شناعة بدعة أهل الكلام أنهم شابهوا المنافقين، وذلك بإعراضهم عن التحاكم إلى الكتاب والسنة، وافتتانهم بكلام المشركين من يونان وصابئة ويهود ونصارى، وقد استلزمت بدعتهم هذه أموراً شنيعة من الطعن في الكتاب والسنة وسلف الأمة، وقد وضحها شيخ الإسلام ﵀ وشرحها الشيخ حفظه الله هنا.
стр. 40
شبه المتكلمين بالمنافقين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به؛ إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم وقد أمروا أن يكفروا بهم.
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠-٦٢] ، فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول - والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته - أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية] .
في هذا المقطع يشبه الشيخ ﵀ هؤلاء المتكلمين بالمنافقين الذين ذكر الله جل وعلا عنهم في كتابه: إعراضهم عن التحاكم إليه والرجوع إليه فيما يقع بينهم من نزاع، وذلك أن هؤلاء رأوا أنهم إذا اختلفوا في شيء لا يرجعون إلى الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة لا يدلان على الله! بل يرجعون في نزاعهم وخلافهم إلى ما تقتضيه العقول والأقيسة، وما قعدوه من قواعد في باب أسماء الله وصفاته وفي غيرها من القضايا التي خالفوا فيها سلف الأمة.
فهؤلاء معهم شعبة من شعب النفاق الكبيرة التي يُخشى على صاحبها الكفر؛ لأن من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على العقول وأقوال الرجال فقد ضل ضلالاً بعيداً، والواجب على كل مؤمن يريد إصابة الحق والتزام الصراط المستقيم أن يسلك ما سلكه السلف الصالحون من اتباع كتاب الله وسنة رسوله.
ثم بين الشيخ ﵀ أن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: (إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريقة التي سلكناها) أي: طريقة التأويل وطريقة اعتماد العقول في تقرير ما يجب لله وما يمتنع عليه في باب الأسماء والصفات.
ثم قال: (والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية) ، وكأنهم بهذا يقولون: إن أدلة النقل تخالف أدلة العقل فلابد من توفيق، ولا يتم التوفيق إلا بصرف النصوص عن ظواهرها حتى تستقيم مع العقول، وهذا من أكذب الكذب ومن أعظم البهتان؛ فإن الشريعة لم تأت بما تحيله العقول وتمنعه, بل جاءت بما قد تحار فيه العقول وقد لا تدركه.
فينبغي أن يوقن المؤمن أن ما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ لا يخالف العقل بالكلية، بل هو موافق للعقل، وأن أي عقل خالف الكتاب والسنة فإنه عقل فاسد إنما أتي من خطأ في قياسه.
ثم بين الشيخ ﵀: أن الرجوع إلى النبي ﷺ في حياته إليه وبعد مماته ووفاته إلى سنته ﷺ .
стр. 41
استبدال أهل الكلام كلام الله بكلام المشركين
ثم قال ﵀: [ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل، إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم؛ لتشابه قلوبهم.
قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣]] .
ذكر الشيخ ﵀ في هذا المقطع أن هؤلاء لما أعرضوا عن الكتاب والسنة، استعاضوا عنهما قواعد قررها أهل الكفر والشرك وأهل الضلال والبدعة، وجعلوها حاكمة على نصوص الكتاب والسنة، وجعلوها مرجعاً في الخلاف الذي وقع بينهم، وهذا خلاف الصواب وخلاف ما أمر الله به؛ إذ إن الله جل وعلا أمر بالرجوع إلى كتابه وإلى سنة رسوله قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، وكذلك الآية الأخرى التي فيها: أن الله أنزل الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فمن عطل الكتاب عما أنزل لأجله فقد ضل ضلالاً مبيناً.
ثم عاد الشيخ ﵀ مرة أخرى لذكر لوازم هذا القول الباطل ولوازم هذه الطريقة الفاسدة -وهي طريقة النفاة- فقال ﵀: [ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بياناً، ولا شفاء لما في الصدور ولا نوراً ولا مرداً عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: إنه الحق الذي يجب اعتقاده، لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً] .
من اللوازم الكبرى على قولهم وفعلهم ونفيهم لصفات الله ، أن الكتاب والسنة ليس فيهما هدى للناس ولا بيانٌ ولا شفاءٌ لما في الصدور، قال: (لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء من نفي الصفات وتعطيلها لم يدل عليه الكتاب ولا السنة لا نصاً ولا ظاهرا) أي: وإذا كان الأمر كذلك علم بذلك ضلال طريقهم.
стр. 42
أقسام العلم
وقوله: (نعلم بالاضطرار) العلم ينقسم إلى قسمين: علم ضروري وعلم نظري.
العلم الضروري: هو ما لا يحتاج في تحصيله إلى نظر وتأمل, فيدركه المتعلم دون كبير نظر ولا تأمل.
وأما العلم النظري: فهو الذي يتوقف تحصيله على النظر والبحث والتأمل.
فنصوص الكتاب والسنة ظاهرة ظهوراً بيناً في بطلان طريقة هؤلاء، وأقل ما في الكتاب والسنة أن طريقة الكتاب والسنة مخالفة لطريقة هؤلاء في تقرير ما يجب لله من الأسماء والصفات.
стр. 43
الرد على تمسك النفاة بآية: (هل تعلم له سمياً) ونحوها
ثم قال الشيخ ﵀ مبيناً شبهةً لهم في باب الأسماء والصفات: [وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]] .
المتحذلق: هو المتشبع بما ليس عنده من العلم والنظر في الكتاب والسنة، فغاية ما عند هذا: أن يستنتج ويستدل لسلامة هذه الطريقة التي هو عليها من نفي الأسماء والصفات، أو من تأويل صفات الله وتعطيل الله سبحانه وتعالى عما يجب له في باب الأسماء والصفات؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، ومعلوم أن هذين الدليلين ليس فيهما متمسك له، والشيخ الآن يجيب عن تمسك هؤلاء بهذين الدليلين وما في معناهما على نفي الصفات، أو على صحة الطريق الذي سلكوه من النفي في باب الأسماء والصفات، فقال ﵀: [وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السماوات ونحو ذلك بقوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ؛ لقد أبعد النجعة، وهو إما ملغز وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين] .
هذا إبطال لقولهم في مسألة علو الله ، وأنه ليس على العرش، وأنه ليس عالياً على خلقه بائناً منهم، وإبطال لطريقتهم في الاستدلال على ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فهذه الآية وما في معناها لا تدل على ما ذهبوا إليه، بل من استدل بهذه الأدلة أو بهذا الدليل ونظائره على نفي العلو وغيره من صفات الله فقد (أبعد النجعة) أي أبعد المرعى، (وهو إما ملغز وإما مدلس) ، وبهذا نعود إلى اللازم السابق: أن من لازم قولهم في نفي الصفات: أن كتاب الله ليس فيه هدى ولا نور ولا بيان ولا شفاء لما في الصدور، وهذا كذب وافتراء، فإن مقتضى الاستدلال بهذه الآية على نفي الصفات: أن يكون الله جل وعلا قد خاطب الناس بغير اللسان العربي المبين، وذلك أن أصحاب الأفهام وأصحاب اللسان يفهمون من قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، أنه جل وعلا لا نظير له في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس من ذلك أن ينفي عنه ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، كما سيأتي تقرير مذهب السلف في ذلك في الفصل القادم من هذه الرسالة.
قال ﵀: [ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم] : المقالة هي: مقالة أن قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، يدلان على نفي الصفات، فيلزم على هذه المقالة [أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمىً وضلالة] .
ما هو المرد قبل الرسالة وبعدها؟ العقل، فإذا كان مردهم إلى العقل قبل الرسالة وبعدها، وجاءت النصوص مضللة بظاهرها المخالف لباطنها، وكان ظاهرها يدل على ما لا يجوز على الله ؛ فإن هذا يدلك على أن الكتاب لم يزد الناس إلا ضلالاً وبعداً عن الحق، وعمىً في باب أسماء الله وصفاته!! ثم قال ﵀: [يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر, ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه؟!] .
هذا مع كمال نصح الرسول ﷺ للأمة، وأنه ما ترك خيراً إلا دلها عليه ولا شرّاً إلا حذرها منه، ومع ذلك لم يقل -لا هو ﷺ ولا أحد من سلف الأمة-: إن هذه الآيات لا يجوز اعتقاد ما دلت عليه, فدل هذا على كذب مقالتهم وأنهم قد أبعدوا عن الصواب ولم يصيبوا إلا خبالاً وتخبطاً.
стр. 44
حديث الافتراق ودلالته على منهج السلف
قال: [ثم رسول الله ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة] .
قوله: (ثم) هنا تكملة للاستدلال السابق، أي: إذا كان الرسول ﷺ لم يقل للأمة: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص، مع إخباره أن الأمة ستفترق، فيكون ما دلت عليه ظواهر النصوص هو الحق الذي يجب التمسك به؛ لأنه لو لم تكن هذه الظواهر هي الحق، لكان يجب عليه -مع إخباره بالافتراق وكثرة الضلال مع كمال تبليغه ونصحه لأمته- أن يبين لهم كيف يتعاملون مع هذه النصوص؛ فلما لم يرد بيان يوافق ما قاله هؤلاء دل ذلك على أن ما كان عليه السلف من إجراء النصوص على ظواهرها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله, هو الطريق الصحيح، وأن طريقة السلف هي أصوب الطرق الموصلة إلى معرفة الله تعالى وما يجب له.
قوله: [فقد علم ما سيكون ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله) وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، فهلا قال: من تمسك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال! وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم!! بعد القرون الثلاثة -في هذه المقالة- وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين] .
وهذا واضح، فإنه لما لم يكن الأمر كما ذكر الشيخ ﵀ دل ذلك على صحة طريق السلف، وأن الاعتماد على العقل مخالف لهدى النبي ﷺ وطريقة السلف الصالح.
والحديث الذي استدل به أو الذي أشار إليه: بأن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، هو حديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد وجاء من طرق عديدة.
وأما قوله: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، فقد جاء في بعض الروايات متمماً لحديث الافتراق، وقد اختلف أهل العلم في إثبات هذه الزيادة ونفيها، والصواب أنها ثابتة، فقد جاءت عن ابن عمر وعن أنس ﵄، وهي وإن لم تصح من جهة السند على قول بعض أهل العلم إلا أن معناها صحيح، فإن السلف سلكوا الطريقة الصحيحة في باب أسماء الله وصفاته وفي جميع أبواب الدين والإيمان، وهي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الذين هم خير القرون.
وأما قوله: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله) فهذا جزء من حديث جابر في صحيح مسلم في صفة حج النبي ﷺ .
стр. 45
أصل مقالة التعطيل ومنشؤها وأول من قال بها
قوله: [ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين] .
هذا المقطع يبين فيه الشيخ ﵀ منشأ هذه البدعة، وذكر المنشأ يبين لك فساد الطريقة؛ لأنه إذا كانت هذه المقالة إنما نشأت عن أهل الضلال؛ فذلك يدل على أنها ليست بصحيحة، ففائدة بيان المنشأ: أولاً: التعرف على منشأ هذه البدعة.
وثانياً: الاستدلال بمنشئها على فسادها.
ثم قال ﵀: [فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني: أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى بمعنى: استولى ونحو ذلك- هو الجعد بن درهم , وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها؛ فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، وكان الجعد بن درهم هذا -فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين، الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكنعانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة، وبطليموس ملك اليونان، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس لا اسم علم] .
بين الشيخ ﵀ منشأ هذه المقالة وأنها مأخوذة من تلاميذ اليهود والمشركين وضلال الصابئين، وسيبين من هم الصابئون بعد قليل، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة -وهي نفي الصفات- الجعد بن درهم، والجعد بن درهم ظهر في القرن الثاني وقتله خالد القسري ﵀ لما أظهر بدعته وقال: إن الله ليس مستوياً على عرشه، ولم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فقتله لما أظهر هذه البدعة الشنيعة التي مقتضاها تكذيب كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
فتلقاها عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان وأظهرها، فله شر إظهار هذه البدعة التي جرت على أهل الإسلام وسببت فُرقة عظيمة، ولما أخذها الجهم بن صفوان وأظهرها نسبت مقالة الجهمية إليه.
(وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ .
لبيد بن الأعصم اختلف فيه: فقيل إنه يهودي، وقيل إنه منافق، وقد سحر النبي ﷺ ، وعلم النبي ﷺ بسحره وأنه هو الذي سحره ولم يقتله.
قوله: (وكان الجعد بن درهم هذا من أرض حران) ؛ هذا فيه بيان لصلة هذه البدعة بالمشركين والصابئة، فبعد أن بين التسلسل لهذه البدعة وذكر أن الجعد أخذها من أبان , ثم ذكر منتهى البدعة إلى لبيد بن الأعصم , قال: (وفوق هذا) وكأنه يشير إلى سبب آخر في ابتداع الجعد وهو أنه من أرض حران (وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة) .
والصابئة: هم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇، وهم قوم من المشركين الذين كانوا يعتقدون في الكواكب والنجوم، ويقولون: إن الكواكب السبعة هي التي تصرف الكون وإليها مرجع تدبير الخلق، فهؤلاء عندهم بدع مغلظة وكفرية فيما يتعلق بالله .
والفلاسفة: جمع فيلسوف وهي كلمة يونانية تتكون من فيلسوفيا ومعناها: محبة الحكمة.
فهؤلاء الذين نشأ فيهم الجعد بن درهم فيهم صابئة وفلاسفة، قال: (بقايا دين أهل نمرود والكنعانيين) وهم الذين بعث فيهم إبراهيم ﵇ وحاجهم، فالنمرود هو الملك الذي جرت بينه وبين إبراهيم المحاجة المذكورة في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] .
قوله: (والنمرود هو ملك الصابئة الكلدانية) ، هذا استطراد في بيان أن النمرود ليس علماً لشخص، بل هو اسم جنس لمن ملك الكلدانيين، كما أن كسرى اسم جنس لكل من ملك فارس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك الأقباط في مصر، والنجاشي لمن ملك الحبشة من النصارى.
стр. 46
حال الصابئة الذين أخذت الجهمية عنهم دينهم
بعد أن بين صلة بدعة نفي الصفات بالمشركين والصابئة, انتقل الشيخ ﵀ إلى بيان حال الصابئة فقال: [فكانت الصابئة -إلا قليلاً منهم- إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركاً بل مؤمناً بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩] ؛ لكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين؛ كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك، كانوا كفاراً مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل] .
قال الشيخ ﵀: (كانت الصابئة -إلا قليلاً منهم- إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة) ، فإذا كان منشأ هذه البدعة قوماً مشركين وعلماؤهم هم الفلاسفة؛ دل ذلك على بطلان هذه الطريقة وأنها لا توصل إلى معرفة الله تعالى؛ لأن المشركين هم أجهل الناس بربهم، والفلاسفة هم أبعدهم عن معرفة ما يجب لله ؛ لأنهم اعتمدوا على عقولهم في إدراك الغيبيات، والاعتماد على العقل في إدراك الغيبيات لا يوصل إلى سلامة.
ثم بعد أن بيَّن الشيخ ﵀ حال هؤلاء الصابئة، كأنه يجيب على سؤال مطروح، وهو أن الله ذكر أن من الصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون, فبين الشيخ ﵀ أنه ليس كل صابئ مشركاً، فمنهم من آمن بالله واليوم الآخر، وهل هم من أولئك القوم أو من غيرهم؟ الله أعلم بذلك، ولكن ظاهر كلام الشيخ أنهم من أولئك؛ لأنه قال: لكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين، أي: فمنهم قوم قلائل على الإيمان والتوحيد ولكن أكثرهم على الكفر والشرك، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كفاراً أو مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، هؤلاء هم عمدة الجهمية وأهل الكلام فيما ذهبوا إليه من نفي صفات الله ، ونفي ما يجب له من التعظيم وكمال الأسماء والصفات.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 47
شرح الفتوى الحموية [٦]
ظهرت بدعة الجهمية في أواخر المائة الثانية، وذلك لما ترجمت كتب فلاسفة اليونان، ثم انتشرت في المائة الثالثة على يدي بشر المريسي وعنه أخذها الناس، وقد تصدى لها السلف وحذروا منها ومن أهلها، لكن جاء من تأثر بالفلاسفة وعاد ليحيي ما كان عند المريسي من الشبهات، وقد فضحهم شيخ الإسلام ورد على أباطيلهم.
стр. 48
مذهب النفاة في الصفات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: قال شيخ الإسلام ﵀: [ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﷺ ، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة.
وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية- بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات؛ فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين] .
في هذا المقطع يبين الشيخ ﵀ مذهب النفاة أي: نفاة الصفات فقال: (ومذهب النفاة من هؤلاء) أي: المتكلمين، (في الرب : أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة) .
فالصفات السلبية: هي التي تصدر بالنفي، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، ولا حي ولا قيوم وما إلى ذلك، وهذه الصفات نفوها عن الله ؛ لما اعتقدوه من أن إثبات الصفات يقتضي التمثيل والتشبيه عندهم.
والصفات الإضافية: هي الصفات التي لا يعقل معناها إلا بغيرها فلا تفهم إلا بواسطة، وقيل: إن الصفات الإضافية هي كل صفة فعلية يكون الفعل فيها متعدياً إلى مفعول.
فقالوا: لا نفهم صفة السمع إلا بأثرها وهو أنه يسمع، ولا البصر إلا بأنه يبصر.
قوله: (أو مركبة) أي: من الصفات السلبية والإضافية، وهذا أيضاً جمع بين النفي والإثبات.
стр. 49
أقسام نفاة الصفات
وهؤلاء النفاة لصفات الله ينقسمون في الجملة إلى أربع طوائف: الطائفة الأولى: الذين أثبتوا الأسماء وبعض الصفات ونفوا حقائق أكثرها، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية والذين يسميهم بعض أهل العلم: مثبتة الصفات.
والطائفة الثانية: هم من يثبت الأسماء دون الصفات، فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهؤلاء هم المعتزلة.
والطائفة الثالثة: هم الذين يصفون الله بالنفي المجرد عن الإثبات ويقولون: إن الله هو الموجود المطلق بشرط الإطلاق أي: لا يوصف بصفة وإنما يوصف بالنفي، فلا موجود، ولا حي، ولا خارج العالم ولا داخل العالم، وهؤلاء هم الجهمية.
والطائفة الرابعة: هم غلاة الجهمية الذين سلكوا مسلك الجمع بين النفي والإثبات في وصف الله ، فيقولون: موجود ولا موجود.
هذا مجمل أقوال هؤلاء في باب الأسماء والصفات، وهؤلاء المتكلمون عملوا على تقسيم الصفات إلى أقسام كثيرة، فيقسمون الصفات إلى صفات سلبية، وصفات ثبوتية، وإلى صفات معنوية، وصفات ذاتية، وصفات اختيارية، وتقسيماتهم كثيرة جداً لمن طالع كتبهم, وهذا خلافُ منهج السلف ﵏، فإن السلف لم يسلكوا هذا المسلك في صفات الله ، إذ إن طريقتهم في باب الأسماء والصفات واحدة لا يختلف، لكن هؤلاء لما فرقوا بين الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا بعضها وأولوا بعضها، احتاجوا إلى هذه التقسيمات؛ ليبرروا تصرفاتهم وتحريفهم في باب الأسماء والصفات.
стр. 50
أسانيد الجهم في الصفات
ثم قال الشيخ ﵀: (وهم الذين بُعث إبراهيم الخليل ﷺ إليهم) يعني: الصابئة, فمذهب النفاة مأخوذ عن هؤلاء الصابئة (فيكون الجعد قد أخذها) ، يعني: قد أخذ مذهبه في باب الأسماء والصفات وما يجب لله في ذلك (عن الصابئة والفلاسفة) (وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته) يعني: كمالها وتقعيدها وتنظيرها (وأخذها الجهم أيضاً -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- لما ناظر السمنية: بعض فلاسفة الهند) وهي فرقة في الهند تعتقد ما ذكره الشيخ (وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات) ، فما لا تدركه الحواس لا يثبتونه، فهم على هذا ينكرون جميع الغيبيات، ومن عقائدهم: تناسخ الأرواح وإنكار الصانع وما إلى ذلك من العقائد المنحرفة.
(فهذه أسانيد جهم!) يعني: هذه أسانيده في العلم وما ذهب إليه من نفي صفات الله ، ومخالفة السلف فيما ذهبوا إليه، قال: (ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين!) .
ثم قال: (والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين) ، وبهذا يتبين ضلال طريق هؤلاء، وأنهم قد أخطئوا سبيل الرشاد.
стр. 51
تاريخ ظهور بدعة الجهمية في الأسماء والصفات
قال ﵀: [ثم لما عربت الكتب الرومية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداءً من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.
ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبى يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم.
وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه (تأسيس التقديس) ، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها التأويلات الذي ذكرها بشر المريسي في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً.
ولهم كلام حسن في أشياء، وإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري , صنف كتاباً سماه: (نقض عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد) ، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي، علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم] .
بعد أن قرر الشيخ ﵀ فيما سبق أصل مقالة التعطيل للصفات، وأنها مأخوذة عن اليهود والمشركين وضلال الصابئين والفلاسفة، وبين مذهب الصابئين في باب أسماء الله وصفاته، وبين صلة أئمة الضلال والانحراف في باب أسماء الله بهذه الفرق والطوائف الضالة.
فانتقل إلى بيان التسلسل التاريخي لهؤلاء فقال: (ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء) فاجتمع شر إلى شر، الشر الأول: وهو التلقي عن هؤلاء قبل أن تعرب الكتب، والشر الثاني: هو تعريب كتب اليونان والروم فيما يتعلق بالعلوم الإلهية، فزاد البلاء (مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء) ، يعني ما كان في قلوبهم من الشبه والريب التي جاءت هذه الكتب فقعدتها وقررتها ونظرتها؛ فكانت هذه الكتب بمثابة التقرير والتقعيد والتنظير لتلك الشبه التي قرت في قلوبهم وتلقوها عن الضلال من الصابئين واليهود والمشركين والفلاسفة وغيرهم.
قال: (ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة) ، وهي مقالة التعطيل ومقالة الجهل والنفي والتحريف في باب أسماء الله وصفاته، (التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية) نسبة إلى الجهم بن صفوان (بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته) ممن سار على طريقته وسلك منهجه في باب تعطيل الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته.
стр. 52
ذم السلف لبدعة الجهمية وتأثر المتأخرين بها
قال: (وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف -صاحب أبي حنيفة - والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم) : فالأئمة تصدوا لهم في أوان بزوغهم وفي أوائل ظهورهم؛ وذكر ذلك ليبين أن السلف ﵏ قد حذروا الأمة وبينوا لها ضلال هذه الطريقة، وأنها لا توصل في باب معرفة الله إلا إلى الحيرة والاضطراب والضلال.
ثم قال: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم في أيدي الناس) : تكلم الشيخ ﵀ عن التأويلات الموجودة في زمانه فقال: (مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات) ، وهذا كتاب مطبوع بأسماء كثيرة من أشهرها: مشكل الحديث وبيانه, ذكر فيه أحاديث صحاحاً وضعافاً وأولها على طريقته فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، (وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه (تأسيس التقديس)) ، وهذا الكتاب كتاب له شأن كبير عند المتكلمين، قرر فيه الفخر الرازي فيه ضلالات كثيرة وانحرافات عديدة مخالفة لطريقة السلف، فرد عليه شيخ الإسلام ﵀ في كتاب جليل عظيم النفع اسمه (نقض التأسيس) ، وهو كتاب مخطوط ويعمل على تحقيقه الآن، ويوجد كثير منها، أي من هذه التأويلات التي في أيدي الناس في ذلك الوقت وإلى وقتنا هذا.
стр. 53
بيان الصلة بين المريسي وبين الخلف وتأثرهم بشبهاته
قوله: (ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل: أبي على الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل الحنبلي) وهؤلاء كلهم ضلال في باب أسماء الله وصفاته، فـ الجبائي والهمداني والبصري معتزلة بل هم من أئمة المعتزلة، وابن عقيل تمذهب بمذهب الأشعري إلا أنه مال في كثير من أقواله إلى المعتزلة كحال أكثر الأشاعرة، فإن متأخري الأشاعرة سلكوا في كثير مما يتعلق بأسماء الله وصفاته مذهب المعتزلة (وأبي حامد الغزالي وغيرهم) فهو ممن عرف عنه التأويل.
(والتأويلات المذكورة في كتب هؤلاء هي بعينها تأويلات بشر المريسي) ، فهي مأخوذة عنه متلقاة منه، وهو قد أخذها من كتب اليونان وورثها عن الأئمة الضلال كـ جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم.
قال: (وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء) ما يفهم منه (رد التأويل) أو بعض التأويلات التي نقلت عن المتقدمين، (ولهم كلام حسن في أشياء) ؛ وهذا من الإنصاف والعدل، فهؤلاء لهم حسنات في بعض الجوانب إلا أن ما أتوا به من الشر وما قرروه كثير.
قال: (فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي) ؛ ليبين الصلة بين ما انتشر في أيدي الناس من الضلال في باب أسماء الله وصفاته، وبين الضلال الذي كان في عهد السلف الذي أتى به الجعد والجهم ومن سار على طريقهم وسلك مسلكهم.
стр. 54
رد عثمان بن سعيد على المريسي
قوله: (ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمن البخاري صنف كتاباً سماه: (نقض عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله من التوحيد)) ، وهذا الكتاب مشهور معروف مطبوع فيه خير كثير، رد فيه على شبهات المريسي، وبه يتبين أن أكثر التأويلات التي شاعت في كتب المتأخرين من المتكلمين متلقاة عنه مأخوذة منه.
قال: (حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها) أي: أحكم وأرسخ في هذه الشبه، وهذه التأويلات وهذه الضلالات، (وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم) يعني: هذه التأويلات (من جهته، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم وضعف حجة من خالفهم.
[ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى- قد أجمعوا عل ذم المريسية، وهي الطريقة التي سلكها بشر ومن بعده- وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله، والفتوى -يعني: هذه الفتوى التي يكتبها الشيخ- لا تحتمل البسط في هذا الباب] ، يعني في باب تقرير شبه هؤلاء وتأويلاتهم وبيانهم والرد عليهم، [وإنما أشير إشارات إلي مبادئ الأمور] .
وقد أحسن ﵀ في بيان أصل هذه المقالة وكيف استقرت وانتشرت بين المسلمين، وهذا كلام نفيس قد لا تجده في غير هذا الموضع، فهو تتبع تاريخي دقيق لبدعة التعطيل في باب أسماء الله وصفاته [وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور، والعاقل يبصر فينظر] .
стр. 55
الكتب التي تنقل كلام السلف وعقيدتهم
ثم قال رحمه الله تعالى: [وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هاهنا إلا قليلاً منه: مثل كتاب السنن للالكائي، والإبانة لـ ابن بطة، والسنة ل أبي ذر الهروي والأصول لـ أبي عمرو الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي.
وقبل ذلك السنة للطبراني، ولـ أبي الشيخ الأصبهاني، ولـ أبي عبد الله بن مندة، ولـ أبي أحمد العسال الأصبهانيين، وقبل ذلك السنة للخلال، والتوحيد لـ ابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، والرد على الجهمية لجماعة، وقبل ذلك السنة لـ عبد الله بن أحمد، والسنة لـ أبي بكر بن الأثرم، والسنة لـ حنبل، وللمروزي، ولـ أبي داود السجستاني، ولـ ابن أبي شيبة، والسنة لـ أبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب الرد على الجهمية لـ عبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، وكتاب خلق أفعال العباد لـ أبي عبد الله البخاري.
وكتاب الرد على الجهمية لـ عثمان بن سعيد الدارمي وكلام عبد العزيز المكي صاحب الحيدة في الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن حماد الخزاعي، وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيي بن سعيد ويحيي بن يحي النيسابوري وأمثالهم.
وقبل ذلك لـ عبد الله بن المبارك وأمثاله، وأشياء كثيرة.
وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره.
وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة ولكن لا يمكن ذكرها في الفتوى , فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير، وإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس المؤمن -بل نفس عاقل- أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين؟!] .
في هذا المقطع قال الشيخ ﵀: (وكلام السلف في هذا الباب) أي: في باب الأسماء والصفات (موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هاهنا إلا قليلاً منها) وذكر جملة من الكتب، وأكثر هذه الكتب -ولله الحمد- مطبوع موجود بين أيدي الناس ليقف من خلالها المؤمن على صحة طريقتهم وسلام منهجهم ومخالفته لمنهج هؤلاء المتكلمين.
стр. 56
الإشارة إلى صحة مذهب السلف بالأدلة السمعية والعقلية
وبعد أن ذكر ﵀ كلام السلف قال: (وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره) في تقرير صحة ما ذهبوا إليه وفي تقرير بطلان طريق النفاة، فاجتمع للشيخ من الأدلة: السمع، وإجماع السلف، والأدلة العقلية.
ثم قال: (وأنا أعلم) وهذا فيه تنبيه أن هذه الأدلة التي ذكرها من السمع، ومن كلام السلف، ومن الأدلة العقلية، لا تسلم عند هؤلاء؛ لبعض الشبهات التي يوردونها على هذه الأدلة, قال: (وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة) يعني: قائمة يثيرونها ويرددونها (ولكن لا يمكن ذكرها في الفتوى) ؛ لأن الفتوى صغيرة, وليس المقصود بسط كلام هؤلاء وتقريره؛ لأن الشيخ قد قام بذلك في كثير من مؤلفاته، (فمن نظر فيها) يعني: في هذه الشبهات (وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير) .
وقد بسط ﵀ هو وغيره من الأئمة هذه الشبه والرد عليها وتفنيدها، وكان له في هذا ﵀ قصب السبق.
والواجب على المؤمن أن يبعد عن شبه هؤلاء، ولكن إن طرأت عليه وألجئ إلى النظر فيها، فلا بأس أن ينظر فيها وأن يفندها، وإلا فالأصل أن يقي المؤمن نفسه هذه الشبه وألا ينظر إليها إلا إذا دعت الحاجة, كأن يكون في مقام مناظرة أو في مقام بيان ضلال هؤلاء وشبههم، وإلا فالأصل الابتعاد عن الشبه؛ لأن الشبه خطافة والقلوب ضعيفة، لاسيما إذا لم ترسخ قدم المرء في العلم بما كان عليه السلف من إثبات ما يجب لله من الصفات والأسماء، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ .
وبعد هذا العرض لطريقة هؤلاء أتى بالخلاصة والعلة في سياق هذا التسلسل التاريخي وبيان أصل هذه المقالة فقال: (فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن -بل نفس عاقل- أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين؟!) ، المغضوب عليهم: الذين علموا ولم يعملوا.
والضالون: الذين عملوا بلا علم واعتقدوا بلا بينة ولا هدى، وقد أمرنا أن نستعيذ بالله من طريق هؤلاء، (ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!) وهو الصراط المستقيم المسئول في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] وهذا الصراط لا يقوم إلا على العلم الصحيح والعمل الصالح، فهذا هو صراط الذين أنعم الله عليهم.
وبهذا يكون الشيخ ﵀ قد فرغ من المقدمة، التي قرر فيها صحة ما ذهب إليه السلف وبطلان ما سلكه الخلف في باب أسماء الله وصفاته، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 57
شرح الفتوى الحموية [٧]
قاعدة أهل السنة في باب الأسماء والصفات، هي الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تحريف.
وبهذا يتميز أهل السنة عن غيرهم.
стр. 58
قاعدة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله والتابعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة: [فصل: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث؛ قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويعلم أن ما وُصِفَ الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم به، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله تعالى منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث؛ لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث في سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدث؛ ولوجوب وجوده بنفسه ] .
بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من الفصل الأول الذي قرر فيه بطلان طريقة المتكلمين في باب أسماء الله وصفاته، وبين أوجه بطلان هذا القول، ومنشأ قولهم، وبين أيضاً صحة طريقة السلف، واستدل لذلك، جاء بهذا الفصل ليشرح منهج أهل السنة والجماعة وطريق السلف في هذا الباب، وبدأ الشيخ ﵀ بذكر قاعدة كلية في باب الأسماء والصفات، وفي غيره مما يتعلق بالله تعالى ومعرفته, فقال: (ثم القول الشامل في جميع هذا الباب) يعني: باب الأسماء والصفات وما يجب له (أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله) وهذه قاعدة كلية، وهو بيان مجمل لعقيدة السلف في باب الأسماء والصفات، وأنهم ﵏ ورضي عنهم كانوا في هذا الباب واقفين على ما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة النبي ﷺ ، واستدل لهذه القاعدة وأنها منهج السلف بقول للإمام أحمد ﵀ فقال: (وما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث) أي: لا يتجاوز في باب وصف الله وفي باب ما يجب له، ما جاء في القرآن والحديث.
قال: (وبما وصفه به السابقون الأولون) وهذا ليس على أنه طريق ثالث لإثبات ما يجب لله في هذا الباب، وإنما ليبين أنهم وقفوا على ما وقف عليه السلف الصالح في هذا الباب فهم سالكون في طريقهم ناهجون لسبيلهم، والسلف الصالح قد وقفوا في هذا الباب على الكتاب والسنة، وهم لا يتكلمون فيما يتعلق بالله من قبل آرائهم ولا من قبل عقولهم، وإنما يتكلمون في هذا الباب بما سمعوه من رسول الله ﷺ وما علموه من كتاب الله جل وعلا، فهم في وصفهم وفيما يخبرون به عن الله لا يخرجون عن هدي الكتاب وسنة النبي ﷺ .
(قال الإمام أحمد ﵁: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث) بل يجب الوقوف عندهما؛ لأن الله جل وعلا أعلم بنفسه وبغيره، فهو أحسن حديثاً وأصدق قيلاً، ورسله صادقون مصدقون فيما يخبرون به عن الله جل وعلا، وهذه التعليلات ذكرها الشيخ ﵀ في الرسالة الواسطية؛ لبيان صحة هذه القاعدة.
فالله أعلم بنفسه وبغيره، فإذا كان كذلك فيجب الوقوف عند ما أخبر عن نفسه وما أعلمنا في كتابه من صفاته وأسمائه؛ لأنه أعلم بنفسه وهو جل وعلا أعلم بغيره، ثم مع كمال علمه فهو أكمل بياناً وأكمل صدقاً، فهو أحسن حديثاً، وأصدق قيلاً، فهذه الصفات الثلاث توجب الوقوف على ما في كتاب الله ، وأنه لا يجوز للعبد أن يتجاوز كتاب الله فيما وصف به نفسه.
стр. 59
وجوب الأخذ عن الرسل
وأما وجوب الوقوف على ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فلأن رسل الله صادقون فيما يخبرون به عنه ، وهم مصدقون أي: مصدقون فيما يخبرون به عنه، فلو أخبروا عنه بالكذب؛ لما أقرهم ولبين كذبهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] .
فالله جل وعلا مطلع على ما تخبر به الرسل عالم به، وهم صلوات الله وسلامه عليهم صادقون فيما يخبرون، فإذا كان الأمر كذلك -وهذا ما يعتقده العبد المؤمن الصادق في كلام الله وفي كلام رسله صلوات الله وسلامه عليهم- وجب على المؤمن أن يقف على ما جاء عن الله في كتابه وما جاء عن رسله صلوات الله وسلامه عليهم، لا سيما خاتمهم محمد ﷺ ، فهو أعلم الخلق بربه وأكملهم معرفة به ، وهذه حجة قوية لصحة هذه القاعدة وسلامتها، وأشار الله إليها في قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠-١٨٢] .
فهذه الآية بينت كمال ما وصف الله به نفسه، وأنه جل وعلا مستحق لكل كمال وأنه منزه -جل وعلا- عن كل نقص، وفيها الشهادة لصحة طريقة الأنبياء والمرسلين، حيث سلم عليهم فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١] ، وفيه بيان خطأ كل طريق يخالف طريق المرسلين حيث قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ [الصافات:١٨٠] ؛ لأنهم لا يصلون إلى وصفه كما ينبغي وإلى تعريف الخلق به إلا عن طريق الرسل ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨١-١٨٢] وهذا -كما مر معنا في الواسطية- فيه إثبات كمال الأسماء وكمال الأفعال وكمال الصفات له جل وعلا، فهذه الآية من أجمع الآيات الدالة على صحة هذه القاعدة التي ذكرها الشيخ ﵀ في ابتداء حكايته وذكره لمنهج السلف في باب الأسماء والصفات.
стр. 60
القيود التي يتميز بها مذهب السلف عن غيره
ثم بعد أن ذكر المنهج إجمالاً، فصل فيه فقال ﵀: (ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) ، وهذه قاعدة كبرى في هذا الباب، فأهل السنة والجماعة يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وهم في وصفهم هذا لا يكيفون، ولا يمثلون، ولا يؤولون، ولا يعطلون، فهذه أربعة قيود تخرج طرائق المبتدعين الذين ضلوا في باب أسماء الله وصفاته.
قوله: (من غير تحريف) .
التحريف لغة: هو الإمالة والتغيير، وفي الاصطلاح: العدول باللفظ عن ظاهره المتبادر إلى معنى مرجوح يحتمله النص.
وأراد الجهمية تلطيف هذا السبيل فسموه تأويلاً؛ ليضلوا الناس وليموهوا باطلهم، فالتحريف المذكور هنا المقصود به التأويل عند المتكلمين، وهو: أنهم يصرفون ألفاظ الكتاب وألفاظ السنة عن ظاهرها المتبادر إلى معان مرجوحة يحتملها النص، لكنها ليست هي المعنى الظاهر من النصوص.
أما التعطيل فهو في اللغة: التخلية والتفريغ، وفي الاصطلاح: تخلية الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الأسماء والصفات إما كلياً وإما جزئياً.
كلياً: كقول الجهمية الذين عطلوا الله عن الأسماء والصفات فلم يثبتوا له الأسماء ولم يثبتوا له الصفات، وجزئياً: كالمعتزلة والأشاعرة والماتردية وغيرهم، فهؤلاء تعطيلهم لصفات الله تعطيل جزئي.
قوله: (ومن غير تكييف ولا تمثيل) التكييف في اللغة: هو التصوير.
وفي الاصطلاح: هو بيان حقيقة الشيء.
ويقول بعضهم: هو بيان كنه الشيء، والكنه هو الحقيقة، فأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات دون طلب تصوير لها؛ لأن التصوير لصفات الله فرع عن معرفة الذات أو فرع عن معرفة كيفية الذات، فلما كانت ذاته جل وعلا غير معروفة وغير مدركة الكنه والحقيقة، فكذلك الصفات، ولذلك القاعدة في رد طلب تكييف هؤلاء أن يقال لهم: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فمن أراد أن يكيف الصفات فليكيف لنا -أولاً- الذات ولن يستطيع إلى ذلك سبيلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
قوله: (ولا تمثيل) التمثيل: هو التشبيه.
وهو في الاصطلاح: إلحاق الصفات الثابتة أو تنظير الصفات الثابتة لله بصفات المخلوقين.
وهذا من أعظم الضلال، وهو قسيم الضلال السابق في التقييد الأول، فالتقييد الأول: من غير تحريف ولا تعطيل، وهذا رد على الفرقة الأولى من الفرقتين اللتين ضلتا في باب أسماء الله وصفاته، وهي فرقة المعطلة، وقوله: ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذا رد على الممثلة؛ لأن مرد الضلال في باب أسماء الله وصفاته يرجع إلى هاتين الطائفتين، إما معطلة وإما ممثلة، فبهذه القيود تميز منهج أهل السنة والجماعة عن طريق التعطيل والتمثيل.
ثم قال: (ونعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك) أي: من الأسماء والصفات (فهو حق ليس فيه لغز) يعني: ليس فيه تعمية وتضليل وإخفاء (ولا أحاجي) ، والأحاجي: هي إظهار الشيء على غير وجهه.
فليس في هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله لغز ولا أحاجي، بل هي ظاهرة بينة لمن شرح الله صدره ووفقه لسلوك طريق السلف الصالح في هذا الباب.
стр. 61
معنى الكلام يعرف من خلال ألفاظ المتكلم
قال: (بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه) أي: معنى ما ثبت في باب الأسماء والصفات يعرف ويدرك من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، يعني: يعرف من الألفاظ كما يعرف كلام المتكلمين من كلامهم، والله قد خاطبنا بكلام وصفه بأنه مبين، ولا يمكن أن يكون هذا الكلام المبين غير دال على صفاته ، فمن أراد أن يفهم ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فلينظر إلى كلام الله وإلى كلام رسوله ﷺ .
(لاسيما) يعني: ويتأكد هذا في أنه يجب علينا أن نفهم الكلام كما يفهم سائر الكلام الذي يتكلم به المتكلمون (إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول) ، فرسله أعلم الخلق به ، فإذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، فالرسول ﷺ فيما أخبر به عن الله في كتابه أو في سنته ﷺ هو أعلم الخلق بما يقول (وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد) فإذا كانت كل هذه الصفات قائمة في المخبر، دل ذلك على وجوب قبول خبره وتصديقه وعدم صرفه عن ظاهره، وهذا شبيه بالعبارة التي ذكرناها قبل قليل في بيان أو في تعليل صحة طريق السلف ﵏.
قال: (وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء) ، يعني: مع إثباتنا لما في كتاب الله وما في سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، فنحن نقر ونعتقد ونؤمن أنه (ليس كمثله شيء) كما أخبر عن نفسه، فليس له مثيل ولا نظير ولا سمي في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في كل ما يجب له، فهو كما وصف نفسه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] في شيء مما يختص به .
(لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله له ذات حقيقة -كما نقر بذلك ونؤمن- وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة) لا نحتاج فيها إلى تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، بل يجب إثباتها على الوجه الذي وردت به.
стр. 62
كل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه
قوله: (وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه) فيه رد على طريقة هؤلاء، ورد على إلزامهم؛ حيث قالوا: إن إثبات الصفات -وبعضهم قال: إن إثبات الأسماء- يستلزم أن الله ناقص أو أنه جل وعلا حادث، قال: (فكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة) لكن نناقشكم في أن من لازم إثبات الصفات أن الله كان متصفاً بالنقص أو أنه حادثاً بعد أن لم يكن، فالحدوث الذي أشار إليه الشيخ هنا هو الحدوث الذي يسبقه العدم، وإلا فالصفات قسمان: منها ما هو صفات ثابتة لازمة وهي الصفات الذاتية وهي التي اتصف الله بها أزلاً وأبداً فهو لا يزال متصفاً بها: كالعلم والحياة والقدرة وغير ذلك من الصفات الذاتية.
ومن الصفات ما يتجدد، أي: يحدث بعد أن لم يكن، كالاستواء، والغضب، والفرح، فهذه صفات فعلية والصفات الفعلية تحدث بعد أن لم تكن.
قوله: (فكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً) أي: حدوثاً بعد أن لم يكن، يعني لو كانت هذه الصفات من لازمها أن الرب جل وعلا كان بعد أن لم يكن أو حدث بعد أن لم يكن؛ لكان ما تقولونه صواباً، ولكن هذه الصفات لا تدل على زعمكم.
وهذه من أكبر الشبه التي يعتمدها الضلّال في نفي الصفات: وهي أن الصفات تستلزم الحدوث، والحدوث ممتنع عن الله جل وعلا.
قال: (فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه) فلا يرام كمال أكمل من كماله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (ويمتنع عليه الحدوث) لامتناع العدم عليه) والحدوث المقصود هنا هو: حدوث الذات والصفات التي لم يزل متصفاً بها أزلاً وأبداً؛ لأن الحدوث قسمان: حدوث الموصوف، وحدوث الصفة، فأما حدوث الموصوف فمحال؛ لأن الله الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا، وأما حدوث الصفة: فمن الصفات ما يحدث بعد أن لم يكن كما مثلنا قبل قليل بالصفات الفعلية.
قوله: (ويمتنع عليه الحدوث؛ لامتناع العدم عليه) جل وعلا؛ لأن من حدث بعد أن لم يكن جاز عليه العدم، فلما كان الله الآخر الذي ليس بعده شيء والأول الذي ليس قبله شيء، فالحدوث ممتنع عليه؛ لأن من لوازم حدوث الموصوف أن يكون مسبوقاً بعدم أو ملحوقاً بعدم.
(واستلزام الحدوث سابقة العدم) يعني: وثبوت صفة الحدوث لذاته يستلزم أن يكون مسبوقاً بالعدم.
قال: (ولافتقار المحدث إلى محدِث؛ ولوجوب وجوده بنفسه كل هذه التعليلات عقلية، جارى فيها الشيخ ﵀ المتكلمين؛ ليبين بطلان شبهتهم، وليستعمل الألفاظ التي يستعملونها ليموهوا بها على الناس، ولذلك برع الشيخ ﵀ في هذا الجانب حيث إنه ناقش هؤلاء بلغتهم وبقواعدهم، وبين أن قواعدهم لا توصلهم إلى النتائج التي وصلوا إليها، بل العقل دال على إثبات الصفات كما دل عليه الكتاب والسنة.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 63
شرح الفتوى الحموية [٨]
أهل السنة وسط في منهجهم بين أهل البدع، فهم وسط بين المعطلة والمشبهة، فإنهم يثبتون الصفات كما أثبتها الله ولا يعطلونها، ومع إثباتهم للصفات فإنهم ينفون عن الله المثيل والمشابه، أما أهل البدع فإن بدعتهم تركبت من التمثيل ثم التعطيل، وهذا هو منشأ ضلالهم.
стр. 64
مذهب السلف بين التعطيل والتمثيل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة: [ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل؛ فهو جامع بين التعطيل والتمثيل: أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله .
فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش؛ للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام؛ فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم.
أما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، كما يلزم من سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، وكلاهما محال؛ إذ لا يعقل موجود إلا هذان.
أو قوله: إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما مثَّل وكليهما عطَّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.
والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط، من أن الله مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك.
ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها] .
بعد أن ذكر الشيخ ﵀ في هذا الفصل القاعدة الشاملة فيما يجب لله في باب الأسماء والصفات، وذكر ذلك بعد الإجمال تفصيلاً، فبين ﵀ في هذا المقطع أن أهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل في باب أسماء الله وصفاته، فوسطية أهل السنة والجماعة بينة في هذا الباب؛ لأن كلاً من أهل التعطيل وأهل التمثيل نزع إلى جانب وغلا فيه.
فأهل التعطيل هم الذين أخلوا الله جل وعلا عما يجب له من الأسماء والصفات إما كلياً وإما جزيئاً لشبه عندهم.
وأهل التمثيل هم الذين قابلوهم فقالوا: كل ما أثبته الله لنفسه من الصفات فهو كما هي للمخلوق، فصفات الخالق كصفات المخلوق، فيده كيدنا، واستوائه كاستوائنا، وما إلى ذلك من الصفات التي أثبتها لنفسه وهي للمخلوق، فهؤلاء غلوا في جانب الإثبات.
وأهل السنة والجماعة بين هؤلاء فهم طريق وسط بين أهل الضلالات، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، وهذا فيه إشارة إلى القاعدة الكبرى في باب الأسماء والصفات وهي: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أنا نتفق جميعاً أن ذات الخالق جل وعلا ليست كذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين، وهذا فيه أعظم الرد على أهل التعطيل وأهل التمثيل.
стр. 65
أهل السنة والجماعة لا ينفون الأسماء والصفات ولا يعطلونها
قال في بيان طريق أهل السنة والجماعة: (ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله) وبهذا نعلم أنهم خالفوا أهل التعطيل في نفيهم ما وصف الله به نفسه، وأنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل.
وأنهم كما ذكر في المقطع الأول: (فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه) ، وبهذا أيضاً تميزوا عن منهج أهل التمثيل الذين يكيفون ويمثلون صفات الله ، وبهذين المقطعين من كلامه ﵀ تمت الضوابط المذكورة سابقاً في طريقة أهل السنة والجماعة، وهي: أنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال: (ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه وصفاته العلى) لأن مقتضى النفي التعطيل (ويحرفوا الكلم عن مواضعه) أي: ويقعوا أيضاً في التحريف؛ لأن سلم التعطيل التحريف، فهم إذا عطلوا فلا يصلون إلى التعطيل إلا بالتحريف أو بالإلحاد.
стр. 66
أنواع الإلحاد وسلامة أهل السنة والجماعة من الإلحاد في الأسماء والصفات
ولذلك قال: (فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته) فذكر التعطيل والتحريف والإلحاد.
والإلحاد هو نظير التحريف؛ لأن التحريف هو: الميل والعدول بأسماء الله وصفاته عن ظواهرها، والإلحاد هو كذلك، لكن الإلحاد أعم من التحريف، فالإلحاد في اللغة: هو الميل والعدول.
وفي الاصطلاح يطلق على أشياء كثيرة: منها -أي: من الإلحاد في أسماء الله : تسميته بغير ما يليق به كما يسميه بعض أهل الملل: (الأب) وغير ذلك من الأسماء التي لا تليق به.
ومن الإلحاد في أسمائه: إنكار بعض ما سمى به نفسه كما وقع من أهل الجاهلية الذين أنكروا اسم الرحمن.
ومن الإلحاد في أسمائه: صرفها عن ظواهرها التي دلت عليها النصوص إلى معان مرجوحة، وهذا هو التحريف الذي أشار إليه في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] .
ومن الإلحاد في أسمائه : تسمية غير الله بأسمائه ، أو اشتقاق أسماء الآلهة الباطلة من أسمائه، كاللات والعزى ومناة، فاللات مشتقة من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
فهذه أربع صور من صور الإلحاد في أسمائه ، وكلها قد سلم منها أهل السنة والجماعة فلم يلحدوا في أسمائه جل وعلا ولا في آياته.
стр. 67
تركيب بدعة المعطلة من التعطيل والتمثيل والعكس
قال: (وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل) فبدعة المعطلة مركبة من بدعة التعطيل ومن بدعة التمثيل، كما أن بدعة الممثلة أيضاً مركبة من تمثيل وتعطيل.
ثم بين الشيخ ﵀ كيف هذا فقال: (أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق) فهم أولاً وقعوا في التمثيل والتشبيه، فلم يفهموا من الاستواء إلا ما عرفوه من المخلوق، ولم يفهموا من السمع والبصر والعلم وغير ذلك من الأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه إلا ما يليق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ لأنها تقتضي التمثيل والتشبيه، والله لا يشبه خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل؛ فأول خطوة في طريق التعطيل هي التمثيل.
قال: (فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم) وهذا غلط؛ لأن الله بين في غير ما موضع من كتابه: أنه لا نظير له ولا كفء له ولا ند ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
قوله: (وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله فلما مثلوا واعتقدوا التمثيل: نفوا ظواهر هذه الأسماء وهذه الصفات فعطلوا ما يجب له من الكمال وما يجب له من الأسماء والصفات.
стр. 68
ذكر شبهة المعطل للاستواء وأن منشأها التمثيل
يضرب الشيخ ﵀ مثالاً للجمع في بدعة التعطيل بين التمثيل والتعطيل فيقول: (فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش) والعرش: هو سرير الملك وهو من أعظم المخلوقات التي خلقها الله جل وعلا وهو من أولها.
قوله: (لو كان الله فوق العرش) أي: وقد أخبر بذلك في كتابه (للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً) هذه لوازم عقلية ناشئة عن تمثيل الله بخلقه، قالوا: استواء الله كاستواء أحدنا على كرسيه أو على دابته أو على سريره، فلما وقعوا في ذلك قالوا: إما أن يكون أكبر -كما هو الحال في المخلوق- من العرش أو أصغر أو مساوياً، (وكل ذلك من المحال) في حقه فهو الكبير المتعال.
قال: (ونحو ذلك) من الإلزامات الباطلة التي منشؤها تمثيل الله بخلقه (فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان) أي: فلم يَعقل المبتدع ويدرِك من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] إلا أنه كاستواء أي جسم على أي جسم.
(وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم) أي: هذا اللازم الباطل تابع لهذا المفهوم وهو التمثيل، (أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة) ؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فإذا اعتقد العبد أن الاستواء الثابت له في كتابه ليس كأي استواء، وأن ذاته ليست كأي ذات، علم بذلك أنه لا يلزم على إثبات ما أثبته الله لنفسه في هذه الصفة أي لازم باطل، بل الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام) .
стр. 69
ذكر شبهة الممثل في الاستواء وأن منشأها التعطيل
وبعد أن فرغ من بيان أن أول طريق التعطيل هو التمثيل أتى إلى الجانب الآخر وهو: أن الممثلة معطلة فقال: (وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع) أي: خالق، فهذا الصانع: (إما أن يكون جوهراً أو عرضاً) الجوهر في كلام العرب هو: حقيقة الشيء وذاته.
ومعناه عند المتكلمين قريب من هذا، وأما العرض فهو: الصفة، وهو ما لا يدوم ولا يبقى ولا يقوم بنفسه بل يقوم بغيره.
يقول: (إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون الصانع جوهراً) له حقيقة وذات، (وإما أن يكون عرضاً) لا يقوم بذاته ولا يدوم، (إذ لا يعقل موجود إلا هذان) لا يعقل موجود إلا عرض أو جوهر.
(وقوله: إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير والفلك) ؛ لأن العرش هو السرير والفلك هي البواخر، فلا يعقل من الاستواء إلا استواء الإنسان على سريره أو استواؤه على البواخر.
(إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا) أي: في حق المخلوقين.
قوله: (فإن كليهما مثّل وكليهما عطّل حقيقة ما وصف الله به نفسه) ، فوقع التمثيل عندما اعتقد المعطل أنه لا يتصور معنى للاستواء الثابت له إلا كالاستواء الثابت للمخلوق على السرير أو على الفلك أو على غير ذلك مما يستوي عليه، فهو في الحقيقة مثّل صفة الله بصفة خلقه، فأدى به هذا إلى أن عطل الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الكمال إذ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فكان الممثل معطلاً.
стр. 70
بيان وجه تمثيل المعطلة وتعطيل الممثلة في الاستواء
ولذا قال: (فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي) فالمعطل امتنع من إثبات أي اسم من الأسماء الحقيقية للاستواء بالنسبة لله ، وذهب يطلب معاني بعيدة للاستواء، ففسر الاستواء بالاستيلاء، أو بالإقبال، أو بالملك، أو بغير ذلك من البدع والتفاسير التي وقعوا فيها، وأولوا فيها الاستواء الثابت في كتابه، فالمعطلة أولوا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بأنه خلقه أو ملكه أو استولى عليه وكل هذه تأويلات وتعطيلات لاسم الاستواء عن معناه الحقيقي.
قوله: (وامتاز الثاني) وهو الممثل (بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين) فعطل الله سبحانه وتعالى عما يجب له من الكمال.
стр. 71
القول الفصل في الاستواء
ثم بعد أن فرغ من ذكر هاتين البدعتين في هذه الصفة، قرر طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الصفة كالممثل بها حتى تقاس بقية الصفات عليها قال: قوله: (والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط: من أن الله مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به) فأهل السنة والجماعة يثبتون الاستواء لله ، لما مر في أول هذه الرسالة من الأدلة الدالة على استواء الله على عرشه.
والاستواء في كلام السلف له أربع معان: العلو، والارتفاع، والصعود، والاستقرار، فكلام السلف في تفسير الاستواء المذكور في كتاب الله -الذي هو صفة له- دائر على هذه المعاني الأربع، وهم بذلك يثبتونه على الوجه الذي يليق به دون أن يمثلوا أو يكيفوا أو يعطلوا أو يحرفوا.
وذكرنا في شرح العقيدة الواسطية بيان انحرافات المتكلمين في هذه الصفة وأن أكثرهم ينفيها أو يؤولها بالاستيلاء، وأجبنا على أقوالهم في تلك الرسالة.
стр. 72
القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
ثم قال الشيخ: (فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك) أي: فكما أن هذه الأوصاف لا يلزم منها تمثيل ولا تعطيل، فكذلك صفة الاستواء، فالاستواء صفة فعلية من صفات الله .
وقوله: (كما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير) ذكر فيه صفات ذاتية: العلم والقدرة والسمع والبصر، وهذا يشير إلى الأصل في باب الأسماء والصفات، وهو: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فلا نفرق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية والصفات الخبرية بل قولنا في صفة من الصفات هو كقولنا في سائر الصفات، فكما أننا نقول: بأنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه سميع بصير، ولا نخترع لوازم باطلة على هذا الإثبات؛ فكذلك في الاستواء؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
فباب الصفات باب واحد لا نميز بينه في اللوازم فنثبت بعضاً وننفي بعضاً، ولذلك ما سلم من ناحية اللوازم إلا من نفى كل الصفات، أما من أثبت بعضاً ونفى بعضاً فقد احتج عليه المبتدع الذي نفى الجميع، وقال: كيف تثبت بعضاً وتنفي بعضاً مع أن الباب واحد، واللازم فيما نفيت يلزم فيما أثبت؟ فوقع هذا المثبت في اضطراب وخطأ، وعلى هذا فكما نثبت هذه الصفات على الوجه الذي يليق به، فنحن نثبت الاستواء وغيره من الصفات الفعلية على الوجه الذي يليق به.
قال: (ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها) ، وهذا جيد وبين، أي: فكما أنكم تقولون يلزم على إثبات الاستواء مماثلة المخلوق، فكذلك العلم والقدرة فإن الله وصف المخلوق بالعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات، فكما أن قيام هذه الصفات في المخلوق لا يلزم منه أن تكون الصفات الثابتة للخالق مماثلة لها، فكذلك في صفة الاستواء وغيرها من الصفات التي نفيتموها، والقاعدة في هذا: أن القول في بعض الصفات كالقول في بقيتها.
وبعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان تلازم شبهتي التعطيل والتمثيل، ناقش الأصل الذي اعتمد عليه هؤلاء وهؤلاء فيما ذهبوا إليه من البدع، وهو اعتمادهم العقل في باب الأسماء والصفات، وسيبين الشيخ ﵀ فيما يأتي أن اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات غير صحيح.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 73
شرح الفتوى الحموية [٩]
إن من الخطأ اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات؛ لأن العقل لا يستقل بمعرفة صفات الله، وإنما هو تابع للسمع في ذلك، لكنه لا يحيل إثبات الصفات إلا إذا كانت المقدمات التي اعتمد عليها فاسدة؛ فإن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح بل يوافقه.
стр. 74
بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير.
ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله، فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء] .
стр. 75
وجوه بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات
قرر المؤلف ﵀ في هذا المقطع بطلان اعتماد العقل في باب أسماء الله وصفاته، بل وفي سائر أبواب الاعتقاد كما سيذكر ذلك في نهاية كلامه، وبطلان اعتماد العقل في باب الإخبار عن الله بين من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن المعتمدين على عقولهم في باب الأسماء والصفات في أمر مريج وفي أمر مضطرب، فمن أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: الاضطراب والتناقض، والتناقض في الشيء دليل على فساده، ولذلك ذكر الشيخ ﵀ أنهم في أمر مريج، ثم بين اضطرابهم وتناقضهم، وضرب لذلك أمثله من البدع عند أهل الكلام: (فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها -يعني: يمنعها- وأنه مضطر فيها إلى التأويل) إلى أن النصوص التي جاء فيها إثبات الرؤية تؤول، ثم يختلفون في تأويلها، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: (إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل) ، كذلك أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ممن ينفي هذه الصفات يقولون: إن الذي حملهم على ذلك أن العقل أحال أن يوصف الله بهذه الصفات.
والشيخ ﵀ تدرج فبدأ بالرؤية التي ينكرها مثبتة الصفات كالأشاعرة والماتردية والكلابية ومن سار على طريقهم، ثم ذكر بدعة الذين ينفون الصفات بالكلية كالمعتزلة والجهمية، ثم أتى ببدعة مغلظة وهي بدعة الفلاسفة الذين ينكرون البعث.
قال: (بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد) يعني: من ينكر أن الأجساد تحشر يوم القيامة وتبعث، (والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك!) وكل هذه من أقوال ابن سينا وهي من أقوال الفلاسفة الذين ينكرون البعث ويقولون: ما أخبرت به الرسل مما يقع في الآخرة إنما هي خيالات؛ ليحملوا الناس على الطاعة ويزجروهم عن المعصية، والذي حمل أولئك على هذا قولهم: إن العقل أحال ذلك وهم مضطرون إلى التأويل (ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل) .
ثم قال: (ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء) وهم الذين اعتمدوا العقل في باب الأسماء والصفات، فأثبتوا ما أثبته العقل؛ ونفوا ما نفاه العقل؛ فيكفيك دليلاً على فساد قولهم: (أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل) فليس هناك قاعدة ثابتة يرجع إليها.
(بل منهم من يدعي أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله) فبعضهم يقول: العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، ومقابله يقول: العقل يمنع ويحيل أن يوصف الله بكذا، ويأتي ثالث ويقول: إن العقل لا يوجب ولا يحيل، بل العقل يجيز أن يوصف الله بكذا، فعقول الناس متفاوتة، بل الواحد منهم -كما ذكر ذلك بعض أهل العلم- تجده في الكتاب الواحد من كتبه يذكر في موضع أن العقل يوجب أن يوصف الله بكذا، وفي نفس الكتاب يقول: يمتنع عقلاً أن يوصف الله بكذا، فهذا التناقض يدل دلالة واضحة على أنه لا يعتمد العقل فيما يجب لله من الكمال والتنزيه إثباتاً ولا نفياً، بل يرجع في ذلك إلى السمع، ويستضاء بالعقل في فهم ما ورد به السمع، أما أن يستقل العقل فيما يتعلق بالله إثباتاً ونفياً، فهذا ليس بصحيح.
ثم قال الشيخ ﵀ بعد أن بين هذا الوجه: (فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟!) فأي العقول التي تحتمل أن يوزن بها كلام الله وكلام رسوله، فقوله: (فيا ليت شعري) أي: ليتني أعلم أي العقول نرجع إليها في فهم كلام الله وكلام رسوله، (فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء وعقولهم) لا شك أن هذا من الضلال المبين والخطأ العظيم.
هذا الوجه الأول من الأوجه التي يبطل بها اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات.
الوجه الثاني: أن اعتماد العقل في هذا الباب مخالف لطريقة السلف، فالسلف ﵏ اقتصروا في هذا الباب على ما جاء عن الله وعن رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.
الوجه الثالث من الأوجه التي تبطل اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات: أنه من المحال أن يستقل العقل بمعرفة ما يتعلق بالله ، فالعقل يحيل الاعتماد على العقل في معرفة ما يجب لله من الأسماء والصفات.
إذاً: الوجه الثالث هو إحالة العقل أن يكون مستنداً ومعتمداً في معرفة ما يجب لله وما يجوز له وما يمتنع عليه؛ وذلك أن باب الأسماء والصفات من الأمور الغيبية التي لا تدرك بالعقل، فلا يستقل العقل بمعرفة ما يجب لله وما يمتنع عليه.
وما يجوز عليه، فهذه ثلاثة أدلة تدل على بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات.
ثم بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من ذكر أدلة بطلان اعتماد العقل في باب الأسماء والصفات ذكر أن من أدلة البطلان: التناقض الذي وقع فيه المتكلمون.
следующие страницы →