← Акыда

Акыда · id 7728

شرح العقيدة الواسطية لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح العقيدة الواسطية [١] من أهم العلوم التي يجب على الإنسان أن يتعلمها: علم العقيدة، إذ به النجاة من الفتن، والعصمة من الشبهات. ومن أحسن ما كتب في العقيدة: كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وما ذاك إلا لما اشتمل عليه من الاعتقاد الصحيح المأخوذ من الكتاب والسنة.

стр. 2

سبب تأليف العقيدة الواسطية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا أول دروس العقيدة الواسطية، والعقيدة الواسطية هي: عقيدة مختصرة مباركة، ألفها الإمام العالم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ألفها استجابة لطلب أحد قضاة واسط يدعى: رضي الدين الواسطي، أتى إلى الشيخ ﵀ وطلب منه أن يكتب له عقيدة يعتمدها ويستند إليها، فاعتذر الشيخ ﵀ وطلب منه العذر، وقال له في اعتذاره: إن عقائد العلماء المؤلفة كثيرة، فخذ أحدها واكتفي به، فألح عليه هذا القاضي، يقول الشيخ ﵀: فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، والإنسان يعجب من هذه العقيدة التي كتبها الشيخ ﵀ استجابة لطلب هذا القاضي دون إعداد مسبق، مع ما تميزت به من ميزات قل توافرها في كثير من العقائد المؤلفة!

стр. 3

بعض ميزات العقيدة الواسطية هذه العقيدة اتسمت وتميزت عن غيرها من العقائد بأنها عقيدة مستندة إلى الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم؛ ولذلك قال الشيخ ﵀ -في المناظرة التي عقدت له حول هذه العقيدة-: تحريت في هذه العقيدة الكتاب والسنة، وقال ﵀ -في جملة ما قال-: إنه ما من لفظ في هذه العقيدة إلا وله دليل من الكتاب أو السنة أو إجماع السلف، وهذا يدلك على أن هذه العقيدة منبثقة وصادرة عما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومما تميزت به هذه العقيدة أيضاً: أنها عقيدة استقرأت أقوال السلف، وتتبعت ما قاله أئمة الأمة من الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة، وأجملت واختصرت بعبارة واضحة؛ ولذلك قال الشيخ ﵀ -في المناظرة التي عقدت له حول هذه العقيدة-: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم. يعني: لم تكن هذه العقيدة خاصة بإمام من الأئمة، أو عالم من العلماء، بل هي مجمل ما اعتقده سلف هذه الأمة، على اختلاف مذاهبهم العملية، وإن كانوا لا يختلفون في المذهب الاعتقادي والمنهج الاعتقادي، فالمنهج الاعتقادي لأهل السنة والجماعة واحد. ومما تميزت به هذه العقيدة أيضاً: تحرير ألفاظها تحريراً بالغاً دقيقاً، حتى إن الشيخ ﵀ تحدى خصومه الذين ناظروه ووشوا به إلى السلطان، وأمهلهم ثلاث سنوات ليأتوا بشيء في هذه العقيدة يخالف ما عليه سلف الأمة، وهذا يدلك على بلاغة التحرير، وعظم التدقيق في هذه العقيدة. ومما تميزت به هذه العقيدة أيضاً: أنها من العقائد الشاملة لكثير من مسائل الأصول، فليست معتنية بجانب من جوانب العقيدة، بل انتظمت أكثر مسائل الاعتقاد: فيما يتعلق بالأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالمعاد، وفيما يتعلق بالإيمان، وفيما يتعلق بالقدر، وفيما يتعلق بالمسلك العملي لأهل السنة والجماعة، وهذه إضافة على سائر العقائد، فإن كثيراً من العقائد تذكر صفات أهل السنة والجماعة في الأصول، وتذكر ما تميزوا به في الفروع، لكن يغفلون الجانب العملي، وهذه العقيدة أولت الجانب العملي اهتماماً، فأفرد الشيخ ﵀ في هذه العقيدة توضيحاً في فصل أو فصلين في آخرها، بين فيه المسلك العملي الذي يسير عليه أهل السنة والجماعة. ومما تميزت به هذه العقيدة: أنها حضيت باهتمام وثناء العلماء قديماً وحديثاً، فالثناء عليها موصول، فأثنى عليها الذهبي، وأثنى عليها ابن رجب، والأول من تلاميذ شيخ الإسلام ﵀ ومن معاصريه، والثناء عليها موصول إلى يومنا هذا؛ ولذلك كثر الحفاظ لها، والدارسون لها والمدرسون، فاهتم بها أهل العلم تعلماً وتعليماً، حفظاً وتدريساً، وهذا لما تضمنته من المزايا السابقة، وهي عقيدة مباركة سلفية واضحة، لا يملك الخصم إلا أن يسلم لما احتوته؛ لكونها مليئة بالدلائل الواضحة الساطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقراءتنا لهذه الرسالة -إن شاء الله تعالى- ستكون تنبيهاً على القواعد والجمل والأصول في اعتقاد أهل السنة والجماعة، وسنترك الاستطراد فيما لا صلة له مباشرة بما نحن فيه من دراسة العقائد المضمنة في هذه الرسالة. أسأل الله أن يرزقنا السداد، وأن يعيننا على الصواب، وأن يوفقنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبالمناسبة فقد جمعت في كتاب لطيف كلام شيخ الإسلام ﵀ على أكثر مباحثها، ولخصت فيه جل ما علق عليه الشيخ، وتكلم عليه من مسائل هذه الرسالة.

стр. 4

مشروعية البدء بالبسملة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً. أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة: أهل السنة والجماعة. وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره. ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ : من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل] . قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) افتتح الشيخ ﵀ هذه الرسالة المباركة بالبسملة، وهي سنة جارية جرى عليها أهل العلم قديماً وحديثاً تأسياً بكتاب الله ، حيث افتتح الله كتابه بالبسملة، وعملاً بسنة رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ كان يفتتح كتبه ورسائله بالبسملة، وعلى هذا جرى أهل العلم، وورد في ذلك حديث إلا أنه لا يقوى من حيث السند على إثبات سنية هذه البسملة في أول الرسائل، لكن دليل هذا كتاب الله ، وهدي النبي ﷺ ، أما الحديث الوارد في ذلك فهو ضعيف. والكلام على البسملة واضح، إلا أن شيخ الإسلام ﵀ اختار في متعلق البسملة أنه اسم، خلافاً لما جرى عليه كثير من النحاة من أن متعلق البسملة فعل، وهذا شيء ينبه عليه؛ لخروجه عن المعروف المشهور في متعلق البسملة، فإن البسملة جملة تامة متعلقة بفعل أو باسم، والشيخ ﵀ اختار أنها متعلقة باسم مؤخر مناسب، والتقدير: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي، وغيره يقدر فعلاً، فيكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ. افتتح الشيخ ﵀ هذه الرسالة بالبسملة وثنى بالحمد، واختار هذه الصيغة في الحمد، وهي من براعة الاستهلال؛ لأن هذه الرسالة تضمنت بيان أمرين: بيان العلم النافع، وبيان العمل الصالح؛ ولذلك قال: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، والهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، فالدين معناه العمل كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أي: لكم عملكم ولي عملي.

стр. 5

الكلام على الحمد والحمد عرفه كثير من المفسرين بأنه: الثناء بجميل الأوصاف، وأبلغ من هذا وأصح في بيان معنى الحمد ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ من أن الحمد: ذكر المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً؛ لأن الثناء بجميل الأوصاف مجرداً عن المحبة والتعظيم ليس هو الحمد المذكور في كتاب الله ، ولا هو المناسب للخالق جل وعلا، بل الحمد المناسب له هو ذكره بصفات الكمال محبة وتعظيماً. والألف واللام في الحمد للاستغراق كما هو معلوم، فجميع المحامد لله ، فله الحمد أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، وله الحمد كله جل وعلا. والغالب في الحمد أن يعقبه ذكر أسماء الله ، أو صفاته العلا، أو أفعاله الجميلة، هذا هو الغالب في ذكر الحمد في كتاب الله ، وفيما يفتتح به الخطاب. وهنا ذكر فعلاً من أفعاله الجميلة، وهو إرساله رسوله بالهدى ودين الحق، والرسول المقصود به محمداً ﷺ ، وإن كان كل رسول أرسله الله موصوفاً بهذين الوصفين، أي: أن رسالته بالهدى ودين الحق، لكن أوفرهم نصيباً وأعظمهم حظاً من هذين الوصفين هو محمد رسول الله ﷺ . قوله: (ليظهره على الدين كله) . (ليظهره) : اللام هنا للعاقبة، أي: عاقبة هذا الإرسال ظهور هذا الرسول وما جاء به. (على الدين كله) يعني: على جميع الملل على اختلافها وتنوعها دون استثناء، ما كان منها صحيح في وقته، وما كان منها غير صحيح.

стр. 6

معنى: وكفى بالله شهيداً (وكفى بالله شهيداً) أي: كفى به شهيداً على صحة ما جاء به الرسول ﷺ ، وهذا من الاستشهاد بفعله على صحة ما جاءت به رسله؛ لأنه من المحال أن يكون ما جاءت به الرسل كذباً وضلالاً، ومع ذلك يشاهدهم الله ويقرهم على كذبهم وضلالهم، فلما أقرهم وأدالهم على عدوهم ونصرهم وأظهر ما جاءوا به، دل ذلك على صحة ما جاءوا به؛ ولذلك تكفي شهادة الله في صدق الرسل، ولما طلب الكفار من النبي ﷺ آية قال: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد:٤٣] أي: إني أدعوكم وأبين لكم وأقول لكم: إن الله يأمركم بكذا، وينهاكم عن كذا، والله شاهد على ذلك، ولم ينزل بي عقوبة، بل أظهرني وأيدني ونصرني وأمدني بالحجج والبينات! (وكفى) : فعل يستعمل غالباً في تقوية اتصاف الفاعل بوصف يدل على التمييز المذكور، وهذه في جميع السياقات التي يرد فيها هذا الفعل بهذه الصيغة: كفى بالله شهيداً، كفى بالله نصيراً، كفى بالله وكيلاً، كل هذا لبيان وتقوية اتصاف الفاعل -وهو الله جل وعلا في هذه السياقات- بالتمييز المذكور وهو في سياقنا هذا (شهيداً) ، وفيما ذكرنا من الأمثلة: وكيلاً ونصيراً وما أشبه ذلك.

стр. 7

مناسبة ذكر الشهادة يقول ﵀: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً) بعد أن فرغ من ذكر الحمد ثنى بعد ذلك بذكر الشهادة، وهي مما تجمل به الخطب، وهي لب الإسلام، وقلب الإيمان، وهي أوله وآخره؛ ولذلك ناسب أن تفتتح بها الخطب والمقالات. أشهد أن إلا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً، أي: إقراراً بالقلب واللسان، وتوحيداً، أي: أشهد بذلك مفرداً الله بهذه الشهادة، فلا أشهد بها لغيره . قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً) فبعد أن شهد لله بالوحدانية شهد للنبي ﷺ بالرسالة، ووصفه بأعظم وصفين يوصف بهما النبي ﷺ ، وهما وصف العبودية والرسالة في قوله: عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلماً مزيداً آمين.

стр. 8

معنى: أما بعد ثم قال ﵀: (أما بعد) . جملة (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى المقصود بالكلام، وليس كما يقول بعض أهل اللغة من أنها تستعمل في الانتقال من موضوع إلى موضوع، أو من أسلوب إلى أسلوب، هذا لم يجر على لسان العرب، والذي جرى في استعمال النبي ﷺ -وهو أبلغ الفصحاء- استعمال هذا اللفظ في الانتقال من المقدمة والاستفتاح إلى المقصود بالحديث.

стр. 9

اعتقاد الفرقة الناجية قوله: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة) هذا هو ما تضمنته هذه الرسالة، فالمشار إليه ما احتوته هذه الرسالة المباركة من اعتقاد الفرقة الناجية، أي: ما تعتقده الفرقة الناجية المنصورة، فوصف هذه الفرقة بوصفين: وصف النجاة ووصف النصر، وهما وصفان دل عليهما سنة رسول الله ﷺ ، أما النجاة: ففي قول النبي ﷺ : (وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) ، وسميت ناجية لأنها نجت من النار، هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فلكونها نجت من البدعة والضلالة، وأما كونها منصورة فلما رواه الإمام أحمد من قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين -بهذا اللفظ- لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة) ، فشهد لهم النبي ﷺ بالنصر؛ ولذلك قال الشيخ ﵀: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة، فهما وصفان لفرقة واحدة، (إلى قيام الساعة) أي: منصورة إلى قيام الساعة للحديث الذي ذكرناه.

стр. 10

أهل السنة والجماعة قوله: (أهل السنة والجماعة) هذا من عطف البيان، والمقصود به زيادة التوضيح والبيان لهذه الفرقة، من هي هذه الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة؟ هم أهل السنة والجماعة، وأهل الشيء هم أصحابه المتمسكون به، المعروفون به، فهؤلاء عرفوا بهذين الوصفين، وهما: مصاحبة السنة، ومصاحبة الجماعة، أما السنة فلقول النبي ﷺ لما سئل عن الفرقة الناجية: (هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وأما الجماعة؛ فللرواية التي وردت في بيان هذه الفرقة حيث قال النبي ﷺ (هم الجماعة) وقوله: (ويد الله على الجماعة) فدل ذلك على أن هذين الوصفين مأخوذان من سنة رسول الله ﷺ .

стр. 11

عقيدة أهل السنة والجماعة إجمالاً ثم بدأ المؤلف بعد بيانه لما تضمنته هذه الرسالة بتفصيل مضمونها، ومن جميل تأليفه وحسن تصنيفه ﵀ أن افتتح ذلك ببيان الجملة العامة التي تنتظم عقيدة أهل السنة والجماعة، فبين عقد أهل السنة والجماعة على وجه الإجمال، وانتقل منه إلى التفصيل، وهذا من بديع التصنيف والتأليف، أن يبدأ الإنسان بذكر الجملة العامة التي تنتظم ما سيتكلم عنه؛ وذلك ليدرك الإنسان ما هو مضمون هذا المؤلف، وليتشوف أيضاً لمزيد بيان لهذه الجملة المقدمة، فابتدأ الشيخ ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ببيان الإيمان المجمل العام الذي يطالب به كل أحد، والذي لا يستقيم الإيمان في قلب أحد إلا بالإقرار به، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، هذه هي أصول الإيمان وقواعده ومبانيه العظام التي لا يثبت الإيمان إلا بها. ودليل هذا الكتاب والسنة، أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] وهذا شاهد لخمسة أصول، بقي القدر أين دليله؟! قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فهذا دليل هذه الأصول الستة من الكتاب، أما دليلها من السنة: فحديث عمر بن الخطاب ﵁ في قصة مجيء جبريل، وسؤاله النبي ﷺ عن الإيمان، فأجابه رسول الله ﷺ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) ، وهذا الإيمان هو الإيمان المجمل. ما معنى: الإيمان المجمل؟ معنى الإيمان المجمل أي: الإيمان المطلوب من كل أحد على وجه الإجمال، ولو لم يعلم تفاصيل ما يتضمنه الإيمان بالله، أو تفاصيل ما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر، أو تفاصيل ما يتضمنه الإيمان بالملائكة، وبقية أركان الإيمان، فالإيمان المجمل هو: أن يقر الإنسان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ على وجه الإجمال، ولو لم يدرك معناه، ولو لم يبلغه تفصيله، وهذا الإيمان لا يعذر أحد بتركه، وأما التفصيل فيختلف باختلاف أحوال الناس.

стр. 12

الأمور التي يتضمنها الإيمان المجمل وبعد أن ذكر الشيخ ﵀ الإيمان على وجه الإجمال انتقل إلى التفصيل، ولكن نقف عند ما يتضمنه الإيمان المجمل في هذه الأصول الستة، فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده الإيمان بربوبيته الإيمان بأسمائه وصفاته الإيمان بإلاهيته جل وعلا، وأهم هذه الأمور وأصلها الذي لا يقر الإيمان ولا يستقيم إلا به، هو الإيمان بإلاهيته؛ لأنه يتضمن جميع أنواع التوحيد الأخرى؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀ في توحيد الإلهية: وهو قلب الإيمان وأوله وآخره. كيف أوله؟! لا يدخل إنسان الإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وآخره: أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، فهذا يدل على عظم هذا النوع من التوحيد، وعلى أهميته، وعلى شدة الحاجة إليه، ومن استقام له هذا النوع فإن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات تابع له؛ لأنه يتضمن ويستلزم هذين النوعين. والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بما أخبر الله عنهم في كتابه من أنهم مخلوقون من نور، وأنهم مربوبون متعبدون لله جل وعلا، والإيمان بما ذكر من أسمائهم وأوصافهم وأعمالهم وأحوالهم، وكل هذا يندرج تحت بالملائكة، والإيمان بمن ذكر الله اسمه منهم كجبريل وإسرافيل وميكائيل، وأن من لم يسمه الله لنا منهم أكثر ولا يحصيهم إلا الله، والملائكة من عالم الغيب، هذا المعنى العام للملائكة وما يتضمنه الإيمان بهم. والكتب: جمع كتاب، والإيمان بالكتب يتضمن: الإيمان بأن الله أنزل إلى رسله كتبه، منها ما ذكره في كتابه، ومنها ما لم يذكره، وأنه تكلم بهذه الكتب، فكل كتاب أنزله فقد تكلم به كلاماً حقيقياً، والإيمان بما سماه الله من هذه الكتب كالإنجيل والتوراة والزبور، هذا ما يتضمنه الإيمان بالكتب عموماً. والقرآن أخص هذه الكتب وألزمها إيماناً؛ لأنه الكتاب الذي اختصت به هذه الأمة، فتميز عن غيره من الكتب بوجوب تصديق أخباره، ووجوب الانقياد لأحكامه، وهذا ليس من لازم الإيمان بالتوراة، ولا من لازم الإيمان بالإنجيل، ولا بغيرهما من الكتب، بل هو مما اختص به الإيمان بالقرآن. والإيمان بالرسل يتضمن: الإيمان بأن الله أرسل إلى خلقه رسلاً، سمى لنا منهم من سمى، وهم عدد لا يحصيه إلا الله جل وعلا، وأشرفهم وخاتمهم محمد ﷺ ، والواجب الإيمان بالجميع: من سماهم الله لنا منهم ومن لم يسمه. والبعث بعد الموت -أيضاً- من أصول الإيمان، وهذا الإيمان يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به الله ، وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، وسيأتي تفصيل هذا النوع من أركان الإيمان وأصوله في هذه الرسالة. والإيمان بالقدر خيره وشره هو الإيمان بأنه ما من شيء إلا بقضاء الله جل وعلا وقدره، وسيأتي تفصيل هذا النوع من الإيمان، وما يتضمنه من مراتب في هذه الرسالة المباركة. هذا هو الإيمان المجمل الذي افتتح به الشيخ ﵀ هذه الرسالة المباركة، ثم بعد ذلك انتقل إلى التفصيل، وابتدأ في التفصيل بذكر ما يتضمنه الإيمان بالله تعالى، فقال ﵀: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه) إلى آخر ما قال.

стр. 13

شرح العقيدة الواسطية [٢] إن مما يجب علينا الإيمان به: الإيمان بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فإن الله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) ، هذه هي طريقة أهل السنة والجماعة.

стр. 14

وقوف أهل الحق عند أدلة الكتاب والسنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال المصنف ﵀: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه أعلم سبحانه بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠-١٨٢] فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب] . نشرع بإذن الله في تفصيل ما ذكره الشيخ ﵀ من جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة على وجه الإجمال في قوله: (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره) . قال ﵀: (ومن الإيمان بالله -هذا تفصيل للإجمال السابق-: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، فهم واقفون في هذا الباب على ما جاء عن الله ، وعلى ما جاء عن النبي ﷺ ، لا يزيدون في ذلك ولا ينقصون، بل هم مع النصوص دائرون، وحيث ما نزلت ينزلون، وحيث ما ارتحلت يرتحلون، فإمامهم وقدوتهم فيما يعتقدونه في الله جل وعلا -في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد- ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذه والله السعادة والطمأنينة؛ لأن الإنسان يصدر في أهم أمر وأعظمه عن حجج واضحة وبينات ساطعة، بخلاف أولئك الذين يتخبطون، وفي كل واد يهيمون، لا يصيبون صواباً، ولا يحققون خيراً.

стр. 15

سبب تخصيص المصنف توحيد الأسماء والصفات بالذكر في هذه الرسالة وخص المؤلف ﵀ هذا النوع من التوحيد بالبيان في هذه الرسالة؛ لما شاع في عصره وكثر في زمنه من الانحراف في باب الأسماء والصفات، ولأن الذي طلب منه التأليف والكتابة شكا له حال الناس في جهته، وما هم فيه من اضطراب واختلاف، فبين الشيخ ﵀ هذا الجانب بياناً واضحاً في هذه الرسالة المباركة. هذا من وجه. ومن وجه آخر وهو أن سبب تخصيص المؤلف ﵀ هذا النوع من التوحيد بالعناية: أن الرسل جميعاً جاءت داعية إلى الله ، مُعرَّفةً بالله وبأسمائه وصفاته، ولا يمكن أن يستقيم عقد الإيمان، ولا توحيد العبد إلا بكمال الإيمان بالأسماء والصفات؛ ولذلك فصل الشيخ ﵀ في هذا، وبين بياناً شافياً واضحاً، وبدأ الشيخ ﵀ في تقرير هذا الأمر ببيان المنهج العام الذي يسلكه أهل السنة والجماعة أهل الفرقة الناجية في هذا الباب من أبواب المعرفة بالله ، فقال ﵀: (الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ ، فالمصدر لإثبات الأسماء والصفات ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة.

стр. 16

قيود هامة في باب الأسماء والصفات ولما كان كل أحد ممن ينتسب إلى أهل الإسلام وهو من أهل القبلة يدعي أنه إنما يصدر عن الكتاب والسنة؛ أراد المؤلف تمييز منهج أهل السنة والجماعة (الفرقة الناجية) عن غيرهم من الفرق وعن غيرهم من الطوائف، وهذا تمييز دقيق ومعيار صحيح لتخليص طريق أهل السنة والجماعة عن غيرهم بهذه القيود التي ابتدأها بقوله: (من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) وهذه القيود الأربعة يأمن بها الإنسان من نوعي البدع في باب الأسماء والصفات، فإن البدع في باب الأسماء والصفات على اختلاف الطوائف، وتنوع الطرق ترجع إلى طريقين كبيرين: طريق المعطلة، وطريق الممثلة، وبهذه الاحترازات المذكورة تحصل السلامة للمؤمن من هاتين البدعتين في باب الأسماء والصفات، فقوله: (من غير تحريف ولا تعطيل) هذا ضمان السلامة من بدعة المعطلة، وقوله: (ومن غير تكييف ولا تمثيل) هذا ضمان السلامة من بدعة التمثيل؛ ولذلك حري بنا أن نقف عند هذه القيود؛ لنتبين معانيها، ونعرف ماذا تتضمن، فليست هي من عطف المترادفات، وإنما كل قيد مراد.

стр. 17

معنى التحريف قوله ﵀: (من غير تحريف) . التحريف في الأصل: هو الميل بالشيء إلى حرفه، أي: إلى جانبه، فالأصل في التحريف الميل، من حرفت الشيء إذا أملته، والمراد به هنا: إزالة اللفظ عن معناه، أو صرف اللفظ عن معناه الراجح المتبادر إلى المعنى المرجوح من غير دليل، وهذا التحريف يسميه أهله تأويلاً، فحيث ما رأيت في كلام المبتدعة من أهل الكلام التأويل فمرادهم به التحريف، وليس هذا معروفاً في اصطلاح المتقدمين، فإن التأويل في اصطلاح المتقدمين هو التفسير؛ ولذلك يكثر في كلامهم: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا، ثم يفسر ويبين ويشرح الآية، فالتأويل في لسان القرون المفضلة وسلف هذه الأمة معناه التفسير. ومما يراد به أيضاً: حقيقة ما يئول إليه الخطاب، وهذا كفعل النبي ﷺ حيث كان يسبح في ركوعه وسجوده، ويكثر من قول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي) ، يتأول بذلك قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١-٣] فهو يتأول، أي: يعمل بما تضمنته هذه الآية، هذا هو معنى التأويل في كلام السلف وأهل القرون المفضلة، أما التأويل في كلام المتأخرين فهو التحريف الذي فسرناه: وهو إزالة اللفظ عن معناه، أو صرف اللفظ عن معناه الظاهر المتبادر إلى معنى مرجوح من غير دليل.

стр. 18

معنى التعطيل ثم قال ﵀ في بيان القيد الثاني: (ولا تعطيل) ، فثاني القيود نفي التعطيل، والتعطيل في اللغة: مأخوذ من عطَّل الشيء إذا أخلاه، والمراد به هنا نفي الصفات، إما كلياً أو جزئياً، فكل من نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فله نصيب من التعطيل، فمن نفى الصفات جميعاً فهو معطل للجميع، ومن نفى بعضها -كمثبتة الصفات- وأثبت البعض فهو معطل تعطيلاً جزئياً، المهم أن التعطيل هو نفي الصفات، فإما أن يكون كلياً يعني: يكون نفيه كلياً، وإما على جزء من الصفات فيكون نفيه جزئياً. والتحريف والتعطيل مقترنان، فكل من حرف فقد عطل، وكل من عطل فإنه لا يصل إلى تعطيله إلا بتحريف، وإنما قدم التحريف على التعطيل؛ لأنه سبيله والوسيلة إليه، فإنما يتوصل المعطل إلى تعطيله عن طريق التحريف.

стр. 19

أنواع التحريف واعلم أن التحريف قد يكون تحريفاً في المعنى، وقد يكون تحريفاً في اللفظ، وقد يكون تحريفاً في اللفظ والمعنى، وكل هذه الأنواع تفضي بصاحبها إلى التعطيل، فتحريف المعنى -وهو الغالب الكثير في أهل الكلام-: صرف اللفظ عن ظاهره، أي: عن المعنى الظاهر، وإزالة اللفظ عن معناه، مثال ذلك: تأويل وتحريف الاستواء بالاستيلاء، فقالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استولى، هل هذا تحريف لفظي أو معنوي؟ تحريف معنوي، هم ما غيروا ما في المصحف، إنما غيروا المعنى، ومن التحريف المعنوي: قولهم في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] قالوا: كلمه أي: جرحه بأظافير الحكمة، فحملوا الكلم هنا على معنىً غير المعنى المتبادر من اللفظ، وهو الكلام المعروف، وهذا من التحريف المعنوي. ومن التحريف اللفظي: ما اقترحه ابن أبي دؤاد على المأمون من تغيير قوله تعالى وكان مكتوباً على ستار الكعبة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] قال: أزل: السميع البصير، وضع: العزيز الحكيم (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) فهذا تحريف لفظي، وما المراد منه؟! المراد منه نفي اتصاف الله بالسمع والبصر. ومنه قول جهم: وددت أن أحك من المصحف: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، أحك يعني: أزيل، فهذا تحريف لفظي. النوع الثالث من التحريف: التحريف اللفظي المعنوي، وهو مجتمع في تحريف بعضهم لقوله تعالى: (وكلم اللهَ موسى تكليماً) وجه ذلك: أنهم غيروا الحركة المتفق عليها بين القراء، وهي الضم في لفظ الجلالة، فالآية: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] فمن الفاعل للتكليم؟ الله جل وعلا، فقلبوا الأمر، وجعلوا الله مكلماً لا متكلماً فقالوا: (وكلم اللهَ موسى تكليماً) فجعلوا المتكلم موسى، وهذا تحريف لفظي ومعنوي، والرد عليهم من أسهل ما يكون، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فهذا لا يمكن تحريفها، فماذا يفعلون بالضمير: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) ؟! وهذا يدل على أن كل من أراد أن يبطل شيئاً في كتاب الله فإنه ينقلب عليه ما استدل به، وهذه قاعدة مطردة: أن كل من استدل بشيء من الكتاب والسنة على باطله، كان فيما استدل به ما يبطل ما ادعاه من الباطل والزور، المهم أن التحريف الذي يتوصلون به إلى التعطيل قد يكون في اللفظ، وقد يكون في المعنى، وقد يكون في اللفظ والمعنى.

стр. 20

معنى التكييف ثم قال ﵀: (ومن غير تكييف ولا تمثيل) التكييف مأخوذ من الكيف، والكيف هو طلب صورة الشيء، فالتكييف طلب صورة الصفات وحقيقتها، فكل من طلب هيئة الصفة وصورة الصفة وحقيقة الصفة، وحقيقة ما أخبر الله به عن نفسه فإنه مكيف، وأهل السنة والجماعة قد أوصدوا هذا الباب وأغلقوه، فلا سبيل إلى معرفة الكيفيات؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه أمر لا تدركه العقول على وجه الكمال، إنما ندرك منه المعنى، وأما الحقائق وما عليه الأمر فإنه من العلم الذي استأثر به الله ، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] إذا وقفنا على لفظ الجلالة فالمقصود بالتأويل هنا: حقيقة ما يئول إليه ما أخبر به عن نفسه وعن أمور الغيب، فإنه لا يعلم ذلك إلا الله . فإذا قال قائل: كيف استوى على العرش؟ كيف وجهه؟ كيف يده؟ كيف كلامه؟ كل هذا لا سبيل إلى معرفته؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه، والله قد نفى الإحاطة بصفة من صفاته، فكيف بصفاته؟ فكيف به ، قال : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فنفى الإحاطة بشيء من علم الله جل وعلا، فكيف بمن أراد أن يحيط بجميع صفاته وما أخبر به عن نفسه؟ وقال : (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] حتى النظر الذي أخبر به في نعيم أهل الجنة ليس نظراً يدرك به الناظر الله جل وعلا، بل قد قال : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فنفى إدراك الأبصار له؛ وذلك لكماله وبديع وجميل صفاته وذاته . فإذا كان العبد لا يمكن أن يدرك ما وصف الله به نفسه إدراكاً تاماً، فكيف يستطيع أن يكيف ما وصف الله به نفسه؟ هذا باب موصد لا سبيل إلى تحصيله ولا إلى ولوجه، والمؤمن يقف عند ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، ويقول: يسعني ما وسع رسول الله ﷺ والصحابة وسلف الأمة، ومن تجاوز هذا الحد فإنه قد ولج باب بدعة.

стр. 21

معنى التمثيل رابع ما احترز به الشيخ ﵀ لمنهج أهل السنة والجماعة قوله: (ولا تمثيل) فنفى عن أهل السنة والجماعة التمثيل، والتمثيل مأخوذ من المثل، والمثل هو النظير والمساوي، والمنفي من التمثيل هنا هو مساواة الله بغيره فيما يجوز عليه، وفيما يجب له، وفيما يمتنع عنه، فكل من سوى بالله غيره فيما يجب أو فيما يجوز أو فيما يمتنع فإنه قد مثل، والنصوص واضحة وبينة ومتنوعة في نفي المثل، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فنفى عن نفسه المثل، وقال جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وقال : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] ، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] كل هذا لنفي المثل، فإذا كان لا مثل له ولا سمي ولا نظير، فإنه لا يمكن أن يماثل شيئاً مما يستحقه الله أو يتصف به شيء من المخلوقات، والله لا مثيل له لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا فيما يجب له، بل ولا في شيء من أموره ، وإذا وقر هذا في قلب العبد أورثه تعظيماً للرب، وعرف أن الرب الذي يعبده ويتقرب إليه بالطاعات لا يستحق أحد غيره ما يتعبد به، وما يتقرب إليه به، فيكون هذا التوحيد موصلاً إلى توحيد الإلهية، ومثمراً إفراد الله بالعبادة.

стр. 22

الفرق بين التكييف والتمثيل قال ﵀: (من غير تكييف ولا تمثيل) . ما الفرق بين التكييف والتمثل؟ التكييف طلب الصورة من غير مثل، أي: من غير تقييد بمماثل، وأما التمثيل فهو ذكر صورة الصفة مقيدة بمماثل، هذا الفرق بين التمثيل والتكييف؟ ولماذا بدأ بالتكييف؟ لأنه لا يحصل التمثيل إلا عن طريق التكييف، فهو سببه وطريقه ووسيلته، وبهذا يتبين أن هذه القيود قيود مانعة جامعة، مانعة: تمنع من دخول غير أهل السنة والجماعة في زمرتهم، وجامعة تجمع طريق أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

стр. 23

قوله: بل يؤمنون بأن الله سبحانه ثم قال الشيخ ﵀: (بل يؤمنون بأن الله سبحانه) بل: حرف إضراب، وكم أنواع الإضراب؟ نوعان: إبطالي، وانتقالي، والإضراب هنا ما نوعه؟ هل يريد أن يبطل ما تقدم أم يريد أن ينتقل؟! يريد أن ينتقل، فهو إضراب انتقالي، والغالب أن يأتي بعد (بل) جملة فعلية، وقد يأتي اسم فتكون (بل) عاطفة. قال المؤلف ﵀: (بل يؤمنون بأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) يؤمنون أي: يعتقدون أن ربهم جل وعلا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا دليل للقيود السابقة، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] يدل على صحة القيدين في قوله: من غير تكييف ولا تمثيل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] دليل على صحة القيدين في قوله: من غير تحريف ولا تعطيل؛ لأن الله جل وعلا خاطب الناس بلسان عربي مبين، ولا يفهم العربي من السميع إلا إثبات صفة السمع، ولا من البصير إلا إثبات صفة البصر، فمن قال: إنه لا يوصف بالسمع ولا بالبصر فقد خالف ما دلت عليه النصوص، وخالف مقتضى اللسان العربي الذي خاطب الله به هذه الأمة، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، يبطل بدعة التمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] يبطل بدعة التعطيل.

стр. 24

وقوف أهل السنة عند الأدلة نفياً وإثباتاً قال ﵀ -في تفصيل سبيل أهل السنة والجماعة، والبيان للقيود السابقة-: (فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه) ، فليس من منهج أهل السنة والجماعة نفي ما وصف الله به نفسه، بل يثبتون ما وصف الله به نفسه، ثم إنهم لا ينفون عن الله شيئاً إلا وقد دل الدليل عليه، وهذا من تمام وقوفهم في هذا الباب على الكتاب والسنة، فهم في الإثبات لا يثبتون إلا ما دل عليه الدليل، وفي النفي لا ينفون إلا ما دل الدليل على نفيه، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، كما أنهم لا يصفونه بالنفي المطلق؛ وذلك لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض نقص، والله جل وعلا منزه عن النقص. قال ﵀: (ولا يحرفون الكلم عن مواضعه) الكلم جمع كلام، وهو اسم جنس للكلام، والمراد به ما تكلم الله به ورسوله ﷺ في هذا الباب، باب الأسماء والصفات وفي غيره، لكن نحن نتكلم فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فأهل السنة والجماعة سالمون من تحريف الكلم عن مواضعه، وتحريف الكلم عن مواضعه هو: الخروج به عن معناه الذي جاء من أجله، هذا معنى تحريف الكلم عن مواضعه.

стр. 25

معنى الإلحاد في أسماء الله قال: (ولا يلحدون في أسماء الله وآياته) لا يلحدون: هذا نفي للإلحاد، وهو تأكيد لنفي التحريف؛ لأن الإلحاد هو الميل، وأهل السنة سالمون من الميل في هذين البابين: باب الأسماء والصفات، وباب آيات الله ، بل هم سالمون من الميل في كل أمر؛ لأنهم أمة وسط، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] فلا يميلون إلى غلو، ولا يميلون إلى تقصير وتفريط. والإلحاد يكون في الأسماء أي: في أسماء الله ، ويكون في آياته، أسماء الله هي ما سمى به نفسه : كالله الرحمن الرحيم العزيز الكريم الملك القدوس، كل هذه أسماء، فلا يلحدون في أسمائه.

стр. 26

أنواع الإلحاد والإلحاد في أسمائه يكون بأمور: يكون بتسمية غيره بأسمائه، نظير ذلك ما فعله أهل الجاهلية من تسمية أصنامهم بأسماء الله ، أو الاشتقاق من أسماء الله أسماءً لآلهتهم، ونظير ذلك تسميتهم العزى ومناة، العزى من العزيز ومناة من المنان، واللات من الإله، فهذا نوع من أنواع الإلحاد في أسماء الله . النوع الثاني من أنواع الإلحاد في أسماء الله : وصفه بالنقص كوصف النصارى لربهم بأنه أب، وقولهم: الأب يريدون به الله ، وكقول المتكلمين في وصف الله : هو العلة الفاعلة، وهذا من وصفه بالنقص، فهذه من صور الإلحاد في أسمائه. الصورة الثالثة من صور الإلحاد في أسمائه: إثبات النقص فيما سمى به نفسه، وذلك بتحريفها وتعطيلها؛ لأنهم يقولون: إن مقتضى إثباتها يفضي إلى مشابهته بالمخلوقين، فالنوع الثالث من أنواع التحريف هو تعطيل أسماء الله ، وتعطيل صفاته، وصرفها عن معناها المتبادر الظاهر الراجح إلى تحريفات وتأويلات اخترعوها. هذه من صور الإلحاد في أسماء الله ، وقد تكلم عليها المفسرون، والجامع لجميع صور التحريف والإلحاد في أسماء الله هو تغييرها وصرفها من الكمال إلى النقص.

стр. 27

معنى الإلحاد في آيات الله قال ﵀: (وآياته) أي: ولا يلحدون في آياته، والآيات تشمل الآيات الشرعية والآيات الكونية، والإلحاد يكون في الآيات الشرعية ويكون في الآيات الكونية، ومن الإلحاد في الآيات الكونية إضافة المطر مثلاً إلى غير الله ، كقول القائل: مطرنا بنوء كذا وكذا، فإنه من الإلحاد في آيات الله الكونية؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) ، فهذا من الإلحاد في الآيات الكونية. ومن الإلحاد في الآيات الشرعية تحريفها، أو طمسها وإلغاؤها، كما فعلت اليهود في آية الرجم، فإنهم حرفوها من الرجم إلى الجلد، أو إلى تسويد الوجه، فهذا من الإلحاد في الآيات الشرعية، وأهل السنة والجماعة سالمون من الإلحاد في أسماء الله ، ومن الإلحاد في آيات الله الشرعية والكونية.

стр. 28

شرح العقيدة الواسطية [٣] من عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى أنهم لا يكيفون ولا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، بل يؤمنون بكل ما ورد، ويسلمون لكل ما أخبر به عن نفسه، فإن الله لا يقاس بخلقه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً.

стр. 29

عقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد: قال ﵀: [ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه ، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه. ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠-١٨٢] فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين] . ذكرنا أن التكييف والتمثيل منتف بالكتاب وبالسنة، وبإجماع السلف، والشيخ ﵀ ذكر علة ذلك، يعني: علة أنه لا يكيف ولا يمثل ما أخبر الله به عن نفسه، فقال: (لأنه سبحانه لا سمي له) ومن أين لنا أنه جل وعلا لا سمي له؟ من قوله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، فالاستفهام هنا استفهام نفي، وإنكار أن يكون لله جل وعلا سمي يساميه، ويماثله، ويشابهه في شيء من أسمائه وصفاته، فنفى عن نفسه أن يكون له سمي. قال: (ولا كفء له) وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، (ولا ند له) وذلك في قوله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، فنفى عن نفسه السمي، ونفى عن نفسه الكفء، ونفى عن نفسه الند، ومجموع هذه يفيد نفي النظير والمثيل والعديل والمساوي له ، وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة كنه ما وصف به نفسه، يعني: حقيقة ما وصف به نفسه، ولا سبيل إلى تمثيل شيء مما أثبته لنفسه بما هو ثابت لخلقه.

стр. 30

الأقيسة الممنوعة والجائزة في حق الله تعالى ثم قال ﵀: (ولا يقاس بخلقه وهذا امتداد لنفي التكييف والتمثيل؛ لأن القياس تمثيل وتسوية وتعدية، والقياس الذي نفاه الشيخ ﵀ في قوله: (ولا يقاس بخلقه هو قياس التمثيل وقياس الشمول، فقياس التمثيل: هو مساواة الله بغيره من خلقه، وهو ما يعرف عند الأصوليين بإلحاق فرع بأصل لعلة جامعة. فقياس التمثيل هو: أن يمثل الله جل وعلا بغيره من المخلوقين، ولو في شيء مما ثبت له، فهذا منتفٍ، ولا يمكن أن يقول به مصدق لما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة نفيا التمثيل، ونفيا عنه المثل، وإثبات قياس التمثيل هو إثبات للنظير والمثل، ومخالفة لما أفادته هذه الآيات الدالة على أنه لا مثيل له ولا نظير. النوع الثاني من القياس المنفي: قياس الشمول، وهذا القياس هو: أن يدخل الله جل وعلا وغيره في قضية عامة كلية تستوي أفرادها، وهذا لا يمكن؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يسوى بغيره، ويدخل هو وغيره في قضية كلية عامة، فهذان القياسان لا يمكن إثباتهما، ولا يجوز لمؤمن أن يثبتهما؛ لدلالة الأدلة على أنه لا مثيل له ولا نظير، والقياس الذي استعمله أهل السنة والجماعة هو قياس الأولى، وقياس الأولى: هو أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تخلى منه المخلوق فإن تنزيه الخالق عنه من باب أولى، هذا هو ضابط قياس الأولى، في الكمالات: كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وفي العيوب والنقائص: كل ما تنزه عنه المخلوق من العيب والنقص فتنزيه الخالق منه من باب أولى، ودليل هذا القياس الذي أثبته أهل السنة والجماعة قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] ، هذا هو دليل جواز إثبات قياس الأولى في باب الأسماء والصفات. لكن يجب أن نتنبه إلى أن هذا القياس -الذي هو قياس الأولى- لا يمكن أن نثبت به شيئاً لم يرد إثباته في الكتاب والسنة، أو ننفي به شيئاً لم يرد نفيه في الكتاب والسنة. إذاً: ما فائدة هذا القياس إذا كان لا يفيدنا في الإثبات ولا يفيدنا في النفي؟ فائدته في إثبات ما جاءت به النصوص أو نفي ما جاءت النصوص بنفيه عن الله بدلالة العقل، وتنبه لهذا، فقل من ينبه عليه أو ينتبه له؛ حتى لا نضطرب ولا نعارض ما تقدم من أننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وأننا لا ننفي عنه ما وصف به نفسه، نعلم بهذا كله أن قياس الأولى الذي أثبته أهل السنة والجماعة واستعملوه هو في الاستدلال لما ثبت بالكتاب والسنة من جهة العقل، وإلا فإنه لا يقوى في إثبات أمر لم يدل عليه الكتاب أو السنة، كما أنه لا يقوى في نفي ما لم يدل الكتاب أو السنة على نفيه. وبهذا يتبين لنا أن القياس في باب الأسماء والصفات ثلاثة أنواع: نوعان ممنوعان، ونوع جائز، النوعان الممنوعان هما: قياس التمثيل وقياس الشمول، والنوع الجائز هو قياس الأولى.

стр. 31

من أوصاف خطاب الله كمال العلم والصدق والنصح قال ﵀: (فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً) هذه جملة تعليلة علل بها المؤلف ﵀ القواعد المتقدمة من قواعد الأسماء والصفات، وأنه لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، ولا نثبت لله جل وعلا إلا ما أثبته له رسوله ﷺ ، وهذا الإثبات لما تضمنه الكتاب ولما تضمنته السنة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، لماذا؟ لأنه قال: (فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره) فهذا إثبات كمال علمه ، ولا ريب أن المخبر إذا اتصف بهذه الصفة كان ذلك من أسباب قبول خبره والوقوف عنده. ثاني ما اتصف به : أنه أصدق قيلاً، فقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] أي: لا أصدق من الله قولاً، فإذا كان قوله صدقاً، ومن لوازم الصدق النصح؛ لأن النصح فرع عن الصدق، فمن كان صادقاً كان ناصحاً، فتميز الخطاب أيضاً بخصيصة وميزة عظيمة وهي: الصدق والنصح، فاجتمع لنا الآن في خطاب الله ثلاثة أوصاف: كمال العلم، وكمال الصدق، وكمال النصح. ثم قال: (وأحسن حديثاً من خلقه) فحديثه أحسن الأحاديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً﴾ [الزمر:٢٣] ، فالله جل وعلا أنزل على هذه الأمة أحسن الأحاديث، فخطاب توافرت فيه هذه الصفات من أين يرد عليه الوهم؟! ومن أين يتطرق إليه الخلل؟! علم وصدق ونصح وبلاغة وفصاحة لا تجارى، ولا يبلغ حدها، بل هي قد بلغت الغاية في الحسن والبيان، فلا سبيل إلى عدم قبول ما تضمنه الكتاب من الأخبار والأحكام، قال الله جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] فهي تامة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ومن ادعى بتأويل أو تحريف أن النص يدل على خلاف ما ظهر منه وتبادر، دون مرجح؛ فإنه قد اتهم خطاب الله إما بنقص العلم أو بنقص الصدق، أو بنقص النصح، أو بعدم البيان والفصاحة، وهذه أوصاف اضبطها، فإنها أوصاف تميز بها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة الثابتة؛ ولهذا لا عدول لأهل السنة والجماعة عما تضمنه الكتاب والسنة.

стр. 32

صدق الرسل فيما أخبروا وبلغوا قد يقول قائل: هذا خطاب الله، لكن الخلل أتانا من الطريق الذي وصلنا به الخطاب، فانتقل المؤلف ﵀ كما سيأتي دليله في الآية إلى تزكية الطريق الذي وصلنا به خبر الله ، وهم الرسل، فقال: (ثم رسله صادقون) فيما يخبرون به عن الله جل وعلا، من العقائد والأحكام والأخبار؛ فأمنا الخلل في الطريق، وقد يكون الإنسان صادقاً، لكنه يخطئ، فيخبر بخلاف الحق، ولنفي هذا الوارد الذي قد يورده المخالفون لطريق الرسل، فيقولون: نحن لا نتهم الرسل فيما أخبروا به، لكن الرسل أخطئوا أو قصروا، فيأتيك الجواب في قوله ﵀: (مصدقون) أي: من الله جل وعلا، فهو عليهم شهيد؛ ولذلك قال في غير ما آية: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [الفتح:٢٨] أي: شهيداً على ما تخبر به الرسل من الأخبار، وما تنبئ به من الأحكام، فشهادة الله على هؤلاء الرسل كافية في قبول ما جاءوا به؛ لأنه لو كان ما جاءوا به مخالفاً للحق لما أقرهم عليه جل وعلا، بل إنه تعهد وتكفل بفضح ومعاقبة كل من افترى عليه كذباً، فقال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة:٤٤] أي: شيئاً منها، ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٥-٤٧] ، والآية الأخيرة تبين أن هذا التهديد ليس في حق الرسل فقط، بل في حق كل من كذب على الله ، وافترى عليه في خبر أو حكم، فإذا كان الرسل مصدقين، وهذه حال الله جل وعلا معهم من الشهادة والاطلاع والعلم بما يخبرون، ومع ذلك لم يتعقبهم بشيء، ولم نر أنه وقع بهم ما أخبر به من العقوبة العاجلة قبل الآخرة؛ دل ذلك على أن ما جاءوا به هو المطابق لما عليه الأمر، والموافق لما تكلم به . وهذه الميزة في خطاب الله ، وفي الطريق الذي وصلنا به خطابه، وليس في أي سبيل آخر، ولذلك قال: (بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون) وهذا وصف مطابق لحال المخالفين للرسل، ومخالفين لما جاءت به الدلائل في الكتاب والسنة، فمهما ادعوا العلم، ومهما بالغوا في خلع الألقاب عليهم، فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه لا أتم، ولا أكمل، ولا أنصح، ولا أفصح، ولا أبين، مما أخبر به عن نفسه، أو أخبرت به رسله. ولا سلامة للمؤمن من الاضطراب والحيرة والضلال إلا بالتسليم لله جل وعلا، والوقوف عند النصوص.

стр. 33

تنزيه الله لنفسه عما وصفه المخالفون للرسل قال المؤلف ﵀: (ولهذا قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠-١٨٢] ) هذه الآيات العظيمة افتتحها الله بتنزيه نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أي: يا محمد! سبحانه فسبح نفسه، والتسبيح معناه التنزيه، فالله نزه نفسه عن كل عيب ونقص وشر في الأقوال والأفعال، والأسماء والصفات، فلا يتطرق إلى شيء من أموره نقص . ولتأكيد امتناع النقص عليه قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ َ)) والعزة: هي الامتناع، وهو ربها أي: صاحبها ، فـ (رب) هنا معناه: صاحب العزة، والعزة له وصف وملك، قال الله : ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [يونس:٦٥] فالعزة له ، وعزة كل عزيز فرع عن عزته، فهو الذي يهبها له، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، فإذا كان هذا وصفه فإنه لا يتطرق إليه النقص، بل أصحاب العقول السليمة لا يمكن أن يدور في عقولهم نقص هذا الرب جل وعلا بوجه من الوجوه. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] أي: عما يصف به الكافرون والمخالفون للرسل ربهم، ويستوي في هذا الاعتقادات الفاسدة الكفرية فما دونها، فكل ما خالف الكتاب والسنة من العقائد في الله جل وعلا فإن الله قد نزه نفسه عن ذلك في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] . ثم سلم على المرسلين فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١] والسلام على المرسلين لسلامة ما قالوه كما سيبين المؤلف ﵀، وهذا السلام بشرى لكل من سلك سبيل المرسلين، فهو سلام للمرسلين ولأتباعهم، وليس خاصاً بالمرسلين، إنما هو للمرسلين ولمن سلك سبيلهم، وانتهج نهجهم، وسار على صراطهم. ثم بعد أن سبح نفسه ونزهها عن العيب والنقص، وسلم على أقوم الناس منهجاً وطريقاً حمد نفسه فقال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٢] ، وهذه الجملة فيها إثبات الكمالات لله : الكمال في الأسماء، والكمال في الصفات، والكمال في الأفعال، فإنه لا يحمد إلا من كملت أسماؤه، ولا يحمد إلا من كملت صفاته، وجملت أفعاله ، ولاحظ كيف افتتح هذا التعقيب بما ذكره في سورة الصافات من أقاويل أهل الكفر واعتقاداتهم في ربهم، واعتقادهم الولد، وجعلهم بينه وبين الجنة نسباً، وما إلى ذلك مما ذكره من العقائد الفاسدة، ثم عقب ذلك بذكر التسبيح والتحميد، وكثيراً ما يقترن في كتاب الله التسبيح مع التحميد، بل نحن في صلاتنا نقول: سبحان الله وبحمده في الركوع والسجود، وفي الأذكار بعد الصلوات نقول: سبحان الله والحمد لله، فالتسبيح والتحميد مقترنان، ووجه اقترانهما أن التسبيح: تنزيه لله عن كل عيب ونقص، وهذا تخلية، والتحميد: إثبات لكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ولذلك كانت سبحان الله وبحمده من خير الكلام، ومما يملأ به الميزان، وتملأ ما بين السماء والأرض؛ لما تمضمنته من إثبات الكمالات لله ، ونفي النقائص عنه . قال المؤلف ﵀: (فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل) وهذا يشمل الكفار الذين نسبوا له الولد، والذين جعلوا بينه وبين الجنة نسباً، والذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذين قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع عن تعب، وما إلى ذلك من العقائد الباطلة التي لا حصر لها ولا حد من عقائد الكفار، ويدخل فيها أيضاً العقائد المنحرفة من عقائد أهل القبلة، يعني: المنتسبين لملة الإسلام من أهل البدع المغلظة، والبدع التي تعتبر من البدع الخفيفة كبدع من أول بعض الصفات وأثبت بعضها. المهم أن هذا ينتظم جميع من خالف سبيل الرسل بكفر أو بدعة، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فإن ما قالوه لا نقص فيه ولا عيب.

стр. 34

جمع الله سبحانه فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات ثم بعد أن فرغ من الاستدلال لما تقدم من القواعد ختم هذا الفصل بذكر قاعدة مهمة وهي في قوله ﵀: (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات) أي: الله في خبره عن نفسه جمع بين النفي والإثبات، النفي هو أمر سلبي، والإثبات أمر إيجابي، واعلم أن المؤلف ﵀ أطلق القول في هذا الموضع، ولكنه فصله في كثير من مؤلفاته، ومراده ﵀ أن يبين أن كلا النوعين -النفي والإثبات- قد وردا في صفات الله ، وفيما أخبر به عن نفسه، لكن هل هما على حد سواء؟ هل النفي كالإثبات؟ الجواب: لا، فالأصل في الإثبات التفصيل في الأسماء والصفات، وقد يرد الإثبات مجملاً في الأسماء والصفات، أما النفي فعلى عكس ذلك، فطريقة القرآن: الإجمال في النفي وعدم التفصيل. فمثال الإثبات المجمل في الأسماء: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، هذا من الكتاب، وفي السنة دعاء الاستخارة: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك) هذا فيه إجمال في إثبات أسماء الله : (سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) هذا إجمال ليس فيه تفصيل، فهو يفيد ثبوت الأسماء إجمالاً. وإجمال الصفات في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ، فهذا إثبات مجمل للصفات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] ، والمثل في الموضعين بمعنى الصفة، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] يعني: له الصفة العليا ، وهذا إثبات مجمل. أما التفصيل فهو الأصل، وهو الغالب، وهو الذي ملء به القرآن، من ذلك ما في آخر سورة الحشر من قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٢-٢٣] ، كل هذا تفصيل في الأسماء والصفات؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، ويدل على صفة أو صفات بدلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام. أما النفي فالأصل فيه الإجمال، ومن ذلك الآيات التي سمعناها في نفي المثل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] . واعلم أنه قد يأتي النفي مفصلاً، لكنه قليل، ثم إنه لا يرد إلا لغرض وهو: إثبات الكمال، إذاً: النفي الوارد في صفات الله هل هو نفي لمجرد النفي؟ الجواب: لا، إنما هو نفي لإثبات كمال، فإذا قرأت في النفي المجمل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] يفيدك هذا تعظيم الرب الذي لا سمي له؛ لثبوت الكمال له في أسمائه وصفاته وأفعاله، فأفادنا الإثبات. والنفي المفصل أيضاً لا يرد إلا لإثبات كمال، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، هذا المراد منه إثبات كمال العدل، وأيضاً يرد النفي في الصفات لنفي ما يتوهمه الجاهلون، أو نفي ما وصف به الجاهلون رب العالمين، وذلك كنفي الولد عنه، لماذا قال : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ؟ لنفي ما وصفه به الجاهلون من أن له ولداً، ونفي الولد عنه يفيد كماله ، وأنه لا شبيه له؛ لأنه ما من شيء إلا له فرع أو أصل، والله قد تنزه عن الفرع والأصل، فالنفي المفصل لا يرد إلا لأجل إثبات الكمال، سواء كان نفياً لما توهمه الجاهلون، أو نفياً لإثبات كمال ضد الصفات، كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، وكنفي العجز في غير ما آية. إذاً: عرفنا أن النفي الأصل فيه الإجمال، ويرد مفصلاً، ولكن يقصد منه الكمال. لماذا لا يرد النفي مفصلاً في صفات الله ؟ لأن النفي المحض الذي لا غرض منه عدم، والعدم ليس كمالاً، وليس بشيء كما يقول شيخ الإسلام فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً، بل قد يكون النفي نقصاً، والله أعلم، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 35

شرح العقيدة الواسطية [٤] اشتمل القرآن الكريم على كثير من أسماء الله تعالى وصفاته، ومن ذلك ما ورد في سورة الإخلاص مما لم يرد في سواها، وهذا يدل على عظم هذه السورة؛ ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، وكذلك آية الكرسي، فقد اشتملت على ذكر اسمين من أسمائه الحسنى، إليهما مرد جميع صفات الذات وصفات الفعل، وهما: (الحي القيوم) ؛ ولذلك كانت أعظم آية في كتاب الله تعالى.

стр. 36

سورة الإخلاص وما تضمنته من قواعد العقائد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ؛ ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح] . آخر ما ذكر الشيخ ﵀ من القواعد في هذه المقدمة قوله: [وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات] وبينا النفي الوارد في كتاب الله والإثبات، وقلنا: إن الأصل فيما وصف الله به نفسه الإثبات، فهذا الأصل، حتى النفي الذي وصف الله به نفسه المقصود به والمراد منه الإثبات، وهذه هي طريقة القرآن، وهي الطريق التي سلكها سلف الأمة، وسار عليها من سلك منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وقابل هذا الطريق وخالفه الذين وصفوا الله بالنفي تفصيلاً، وبالإثبات إجمالاً، وهؤلاء هم المتكلمون، فالمطالع ما ألفه المتكلمون من أهل البدع في هذا الباب يجد أنهم يفصلون ويطنبون في السلوب والنفي، ويجملون في الإثبات، حتى إن بعضهم لا يثبت لله وصفاً إلا وصف الوجود. ولا شك أن هذا في غاية المضادة لما جاء به النبي ﷺ ، ولما بينه القرآن؛ فإن القرآن لم يأت بالنفي إلا لأجل الإثبات، ولم يأت نفي مقصود لذاته؛ ولذلك تجد أن هؤلاء المفتونين بالكلام يجعلون التنزيه والتقديس فيما يصفون الله به من السلوب، فتجد أحدهم يقول: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، ولا يرى، ولا يشار إليه، ولا يقرب منه شيء، ولا يقرب من شيء، وما إلى ذلك من النفي، وهم يريدون بهذا النفي -زعموا- التنزيه والتعظيم، لكن أي تنزيه وتعظيم في قلب العبد إذا اعتقد مثل هذا الكلام الذي لا يحصل منه إلا النفي؟! قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٢-٢٣] إلى آخر ما ذكر الله من أسمائه وصفاته في هذا الموضع وفي غيره، فمن أي الطريقين يحصل للعبد تعظيم الله ؟ فذاك لا يحصل به إلا الجفاء والغلظة للقلب والجهل بالرب، وأما هذا الطريق -طريق القرآن- فهو الذي يحصل به غاية العلم بالله ، العلم الذي يستطيعه المخلوق؛ لأن العليم الخبير أعطانا وأظهر لنا من العلم المتعلق بذاته ما تحيط به عقولنا، وما تستطيع أن تدركه أذهاننا، والإحاطة التي ذكرناها ليست الإحاطة التامة، إنما هي إحاطة الإدراك، وإلا فالكيفيات أمرها إلى الله لا نحيط بها، كما تقدم بيانه في الشرح. ثم بعد أن بين الشيخ ﵀ هذا، وبين أن أهل السنة والجماعة ملتزمون بهذا الصراط، سالكون هذا السبيل لا يحيدون عنه ولا يميلون، بين أن هذا الصراط هو صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وبهذا تعلم أن ما جاءت به الرسل فيما يتعلق بالخبر عن الله واحد، فلم تختلف الرسل فيما أخبرت به عن الله ؛ لأن الرب الذي بعث أولهم هو الذي بعث آخرهم، فالموصوف والمدعو إليه في جميع الرسالات هو رب واحد، هو رب العالمين الذي جاء القرآن ببيان أوصافه والخبر عنه على أكمل وجه. ثم بعد أن فرغ من هذا الفصل أتى بفصل بين فيه بعض ما في كتاب الله مما يتعلق بالخبر عنه ، تطبيقاً للقواعد المتقدمة واستدلالاً لها، فقال ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة] ، والمشار إليه هو ما تقدم من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات. وقد تقدم لنا في كلامه ﵀ قاعدتان: القاعدة الأولى: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. الثانية: أنه جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات، فننظر إلى ما ساقه ﵀ من الأمثلة، وما أدرجه تحت تلك الجملة. فقال: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص] ، وسورة الإخلاص هي سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، والاسم المشهور في السنة لهذه السورة هو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، سميت بأول ما جاء فيها، وورد اسم الإخلاص لهذه السورة في السنة أيضاً في جامع الترمذي، لكن الاسم المشهور الذي وردت به الأحاديث هو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وسميت بهذا الاسم لأنها أخلصت في الخبر عن الله ، هذا فيما يتعلق بمضمونها. وأما ما يتعلق بمطلوبها فلأن من عمل بها، وقام بما تضمنته فإنه حقق الإخلاص، وهذه السورة لها شأن عظيم، وكان النبي ﷺ يفتتح بها صلاة النهار ويختتم بها صلاة الليل، فكان يقرأ بها في وتره، ويقرؤها في سنة الفجر في ركعتي الفجر، وفي ركعتي المغرب، وفي ركعتي الطواف، فكان يكررها ﷺ في العديد من النوافل، وقد قال لأصحابه مرة: (احشدوا -أمرهم بالاجتماع- أقرأ عليكم ثلث القرآن، فلما احتشدوا واجتمعوا قرأ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، ثم قال: ألا إنها تعدل ثلث القرآن) ، فجمعهم ﷺ ليبين لهم صفة ربهم ، وفضل ما جاء في هذه السورة. قال المؤلف ﵀: [في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن] . أي: تعدل في الثواب والجزاء، ووجه كونها تعدل ثلث القرآن أن معاني القرآن ثلاثة: ثلث يتعلق بالله ، وثلث يتعلق بالأحكام، وثلث يتعلق بالقصص والأخبار، وهذه السورة تضمنت الثلث المتعلق بالخبر عن الله وعن التوحيد، وذكرنا أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب والجزاء، لكن هل تعدل ثلث القرآن في الإجزاء والاكتفاء؟ الجواب: لا؛ ولذلك لو قرأ الإنسان هذه السورة في ركعة من صلاته ثلاث مرات فإنها تعدل القرآن في الثواب، لكن هل تكفيه عن قراءة الفاتحة؟ لا تكفيه عن قراءة الفاتحة؛ لأنها تعدل ثلث القرآن في الثواب لا في الإجزاء. قال ﵀: [تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤]] . افتتحت هذه السورة بأمر النبي ﷺ بالقول الذاتي، والقول الإعلامي الإخباري التبليغي؛ وذلك لأهمية ما تضمنته هذه السورة، وإلا فإن النبي ﷺ مأمور بتبليغ القرآن كله، لكن حيثما رأيت القرآن أمر الله نبيه بأن يقول، فذاك لأن المضمون بعد القول أمر يحتاج إلى عناية وانتباه.

стр. 37

مجامع التوحيد التي تضمنتها السورة قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] تضمنت هذه السورة ثلاثة معانٍ هي مجامع التوحيد، ولا يستقر التوحيد في قلب العبد إلا باجتماعها: الأمر الأول: إثبات الأحدية لله التي تقتضي نفي الشريك، وذلك في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] . الأمر الثاني: إثبات الصمدية له ، وهي تقتضي اتصافه بأوصاف الكمال. الأمر الثالث: إثبات تنزهه عن الشبيه والنظير والمثيل، وذلك في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] .

стр. 38

ما تضمنته السورة إثباتاً هذه السورة تضمنت إثباتاً ونفياً، فالإثبات قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فأثبتت هذه الآية لله الإلهية، وأثبتت له الأحدية، والإلهية تتعلق بالعبادة، والأحدية تتعلق بالعبادة وبالربوبية وبالأسماء والصفات، وهذا الاسم (الأحد) لم يرد ذكره في غير هذه السورة، وهذا مما اختصت به هذه السورة، ومن مزايا هذا الاسم من أسمائه أنه لا يسمى به غيره إلا في النفي، أما في الإثبات فلا يسمى به إلا الله . وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] فيه إثبات هذا الاسم له ، والصمد تنوعت عبارات السلف في بيانه وشرحه وتفسيره، وأشهرها تفسيران: التفسير الأول -وهو الأكثر والأشهر في كتب المفسرين، والأكثر المنقول عن الصحابة والتابعين- تفسيره بأنه الذي لا جوف له، فهو مصمت ، ونزه ربك عن المثال، أو عن تصور حقيقة هذه الصفة، فإنه لم يدر في خلد صحابة رسول الله ولا التابعين ولا سلف هذه الأمة التمثيل أو التشبيه، بل هم سائرون على ما تقدم تقريره من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فإثبات هذا المعنى لا يلزم منه أي محذور، ولا أي نقص في الرب ، وإنما فسر بأنه لا جوف له لأنه الغني ، وإنما احتاج غيره إلى الجوف لافتقاره إلى ما يغذيه، أو إلى ما تقوم حياته به، وهو سبحانه الصمد القائم بنفسه الغني عن كل أحد، فليس به حاجة إلى أحد ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . التفسير الثاني للصمد -وهو الذي جاء في كلام بعض السلف، ورجحه كثير من المتأخرين- أنه السيد الذي تنزل به الحوائج، فيكون (الصمد) بمعنى (القيوم) ؛ لأن القيوم الذي يقوم على كل نفس بما كسبت، فلا قيام لنفس من أنفس بني آدم ومن أنفس غير بني آدم إلا به ، فالمعنى الثاني: الصمد الذي تنزل به حوائج الخلق ويقضيها جل وعلا. وهذان المعنيان هما بمعنى (القيوم) كما بينا في المعنى الثاني، وكذلك في المعنى الأول؛ لأنه القائم بنفسه المقيم لغيره. وجمع آخرون بين هذين المعنيين لهذا الاسم العظيم فقالوا: إن الصمد هو الكامل في أوصافه، فله من العلم غايته، وله من الحلم نهايته، وله من كل صفة منتهاها، فلا فوق ما وصف به نفسه من الصفات، فله الغاية في كل صفة من أوصافه، وهذا المعنى ورد عن بعض السلف فقال: السيد الذي كمل في سؤدده، الحليم الذي كمل في حلمه، العليم الذي كمل في علمه، فيكون معنى الصمد: هو الكامل في أوصافه. واعلم أن هذا الاسم من الأسماء الحسنى لم يرد ذكره في غير هذه السورة، فيكون ثاني اسم من الأسماء التي اختصت به هذه السورة التي بينت صفة الرحمن .

стр. 39

ما تضمنته السورة نفياً قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ، ما تقدم كله صفات ثبوت، وصفات وجودية، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هذا أول الصفات السلبية، وأول النفي المذكور في هذه السورة، وهذا هو نفي للتفصيل، (لم يلد) فلم يتفرع عنه شيء، فليس له فرع، (ولم يولد) فلم يتفرع عن شيء، فلا أصل له، فهو المنزه عن الأصل والفرع؛ وذلك لكمال الله وكمال قيوميته ، فلا يحتاج إلى أصل ينتسب إليه، ولا إلى فرع يستند إليه أو يتقوى به، بل هو الغني ، فهل أفادنا هذا النفي معنى ثبوتياً أم لا؟ وهل هو نفي محض؟ الجواب: لا، إنما هو نفي لإثبات كمال الغنى، هذا من حيث المعنى العام، ونفي ما وصفه به الجاهليون من أن له ولداً، كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، فكل هذا منفي بقوله : (لم يلد) ، وهذا النفي في هذه الآية لبيان كمال صمديته ؛ ولذلك فسر جماعة (الصمد) بأنه الذي لم يلد ولم يولد. ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، وهذا فيه النفي أيضاً، ووصفه بالنفي والسلب، وهو نفي وسلب إجمالي، والمراد منه نفي الشريك، ونفي النظير وهو المثيل العديل؛ وذلك لكمال تفرده بصفات الكمال، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ومعنى قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، ومعنى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢] ، ومعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، فهذا نفي مجمل لبيان كمال انفراده . واعلم أنه لا كفؤ له في أسمائه، ولا كفؤ له في صفاته، ولا كفؤ له في أفعاله، ولا كفؤ له في شيء من أموره، بل ولا فيما يجب له؛ ولذلك إذا جمعت بين أول هذه السورة وآخرها وبين قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) ، وبين قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ اجتمع لك غاية التوحيد بنفي التمثيل ونفي الشريك، وبهذا يصح ما ذكره الشيخ ﵀ من أن هذه السورة وما ذكر فيها من أوصاف داخلة في الجملة المتقدمة التي اختطها أهل السنة والجماعة، وسار عليها سلف الأمة من إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، والإقرار بأن الله جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.

стр. 40

آية الكرسي وما تضمنته من أسماء الله وأوصافه
следующие страницы →