← Акыда

Акыда · id 7728

شرح العقيدة الواسطية لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سورة الإخلاص وما تضمنته من قواعد العقائد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ؛ ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح] . آخر ما ذكر الشيخ ﵀ من القواعد في هذه المقدمة قوله: [وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات] وبينا النفي الوارد في كتاب الله والإثبات، وقلنا: إن الأصل فيما وصف الله به نفسه الإثبات، فهذا الأصل، حتى النفي الذي وصف الله به نفسه المقصود به والمراد منه الإثبات، وهذه هي طريقة القرآن، وهي الطريق التي سلكها سلف الأمة، وسار عليها من سلك منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وقابل هذا الطريق وخالفه الذين وصفوا الله بالنفي تفصيلاً، وبالإثبات إجمالاً، وهؤلاء هم المتكلمون، فالمطالع ما ألفه المتكلمون من أهل البدع في هذا الباب يجد أنهم يفصلون ويطنبون في السلوب والنفي، ويجملون في الإثبات، حتى إن بعضهم لا يثبت لله وصفاً إلا وصف الوجود. ولا شك أن هذا في غاية المضادة لما جاء به النبي ﷺ ، ولما بينه القرآن؛ فإن القرآن لم يأت بالنفي إلا لأجل الإثبات، ولم يأت نفي مقصود لذاته؛ ولذلك تجد أن هؤلاء المفتونين بالكلام يجعلون التنزيه والتقديس فيما يصفون الله به من السلوب، فتجد أحدهم يقول: لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، ولا يرى، ولا يشار إليه، ولا يقرب منه شيء، ولا يقرب من شيء، وما إلى ذلك من النفي، وهم يريدون بهذا النفي -زعموا- التنزيه والتعظيم، لكن أي تنزيه وتعظيم في قلب العبد إذا اعتقد مثل هذا الكلام الذي لا يحصل منه إلا النفي؟! قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٢-٢٣] إلى آخر ما ذكر الله من أسمائه وصفاته في هذا الموضع وفي غيره، فمن أي الطريقين يحصل للعبد تعظيم الله ؟ فذاك لا يحصل به إلا الجفاء والغلظة للقلب والجهل بالرب، وأما هذا الطريق -طريق القرآن- فهو الذي يحصل به غاية العلم بالله ، العلم الذي يستطيعه المخلوق؛ لأن العليم الخبير أعطانا وأظهر لنا من العلم المتعلق بذاته ما تحيط به عقولنا، وما تستطيع أن تدركه أذهاننا، والإحاطة التي ذكرناها ليست الإحاطة التامة، إنما هي إحاطة الإدراك، وإلا فالكيفيات أمرها إلى الله لا نحيط بها، كما تقدم بيانه في الشرح. ثم بعد أن بين الشيخ ﵀ هذا، وبين أن أهل السنة والجماعة ملتزمون بهذا الصراط، سالكون هذا السبيل لا يحيدون عنه ولا يميلون، بين أن هذا الصراط هو صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وبهذا تعلم أن ما جاءت به الرسل فيما يتعلق بالخبر عن الله واحد، فلم تختلف الرسل فيما أخبرت به عن الله ؛ لأن الرب الذي بعث أولهم هو الذي بعث آخرهم، فالموصوف والمدعو إليه في جميع الرسالات هو رب واحد، هو رب العالمين الذي جاء القرآن ببيان أوصافه والخبر عنه على أكمل وجه. ثم بعد أن فرغ من هذا الفصل أتى بفصل بين فيه بعض ما في كتاب الله مما يتعلق بالخبر عنه ، تطبيقاً للقواعد المتقدمة واستدلالاً لها، فقال ﵀: [وقد دخل في هذه الجملة] ، والمشار إليه هو ما تقدم من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات. وقد تقدم لنا في كلامه ﵀ قاعدتان: القاعدة الأولى: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. الثانية: أنه جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات، فننظر إلى ما ساقه ﵀ من الأمثلة، وما أدرجه تحت تلك الجملة. فقال: [وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص] ، وسورة الإخلاص هي سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، والاسم المشهور في السنة لهذه السورة هو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، سميت بأول ما جاء فيها، وورد اسم الإخلاص لهذه السورة في السنة أيضاً في جامع الترمذي، لكن الاسم المشهور الذي وردت به الأحاديث هو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وسميت بهذا الاسم لأنها أخلصت في الخبر عن الله ، هذا فيما يتعلق بمضمونها. وأما ما يتعلق بمطلوبها فلأن من عمل بها، وقام بما تضمنته فإنه حقق الإخلاص، وهذه السورة لها شأن عظيم، وكان النبي ﷺ يفتتح بها صلاة النهار ويختتم بها صلاة الليل، فكان يقرأ بها في وتره، ويقرؤها في سنة الفجر في ركعتي الفجر، وفي ركعتي المغرب، وفي ركعتي الطواف، فكان يكررها ﷺ في العديد من النوافل، وقد قال لأصحابه مرة: (احشدوا -أمرهم بالاجتماع- أقرأ عليكم ثلث القرآن، فلما احتشدوا واجتمعوا قرأ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، ثم قال: ألا إنها تعدل ثلث القرآن) ، فجمعهم ﷺ ليبين لهم صفة ربهم ، وفضل ما جاء في هذه السورة. قال المؤلف ﵀: [في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن] . أي: تعدل في الثواب والجزاء، ووجه كونها تعدل ثلث القرآن أن معاني القرآن ثلاثة: ثلث يتعلق بالله ، وثلث يتعلق بالأحكام، وثلث يتعلق بالقصص والأخبار، وهذه السورة تضمنت الثلث المتعلق بالخبر عن الله وعن التوحيد، وذكرنا أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب والجزاء، لكن هل تعدل ثلث القرآن في الإجزاء والاكتفاء؟ الجواب: لا؛ ولذلك لو قرأ الإنسان هذه السورة في ركعة من صلاته ثلاث مرات فإنها تعدل القرآن في الثواب، لكن هل تكفيه عن قراءة الفاتحة؟ لا تكفيه عن قراءة الفاتحة؛ لأنها تعدل ثلث القرآن في الثواب لا في الإجزاء. قال ﵀: [تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤]] . افتتحت هذه السورة بأمر النبي ﷺ بالقول الذاتي، والقول الإعلامي الإخباري التبليغي؛ وذلك لأهمية ما تضمنته هذه السورة، وإلا فإن النبي ﷺ مأمور بتبليغ القرآن كله، لكن حيثما رأيت القرآن أمر الله نبيه بأن يقول، فذاك لأن المضمون بعد القول أمر يحتاج إلى عناية وانتباه.

стр. 37

مجامع التوحيد التي تضمنتها السورة قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] تضمنت هذه السورة ثلاثة معانٍ هي مجامع التوحيد، ولا يستقر التوحيد في قلب العبد إلا باجتماعها: الأمر الأول: إثبات الأحدية لله التي تقتضي نفي الشريك، وذلك في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] . الأمر الثاني: إثبات الصمدية له ، وهي تقتضي اتصافه بأوصاف الكمال. الأمر الثالث: إثبات تنزهه عن الشبيه والنظير والمثيل، وذلك في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] .

стр. 38

ما تضمنته السورة إثباتاً هذه السورة تضمنت إثباتاً ونفياً، فالإثبات قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فأثبتت هذه الآية لله الإلهية، وأثبتت له الأحدية، والإلهية تتعلق بالعبادة، والأحدية تتعلق بالعبادة وبالربوبية وبالأسماء والصفات، وهذا الاسم (الأحد) لم يرد ذكره في غير هذه السورة، وهذا مما اختصت به هذه السورة، ومن مزايا هذا الاسم من أسمائه أنه لا يسمى به غيره إلا في النفي، أما في الإثبات فلا يسمى به إلا الله . وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] فيه إثبات هذا الاسم له ، والصمد تنوعت عبارات السلف في بيانه وشرحه وتفسيره، وأشهرها تفسيران: التفسير الأول -وهو الأكثر والأشهر في كتب المفسرين، والأكثر المنقول عن الصحابة والتابعين- تفسيره بأنه الذي لا جوف له، فهو مصمت ، ونزه ربك عن المثال، أو عن تصور حقيقة هذه الصفة، فإنه لم يدر في خلد صحابة رسول الله ولا التابعين ولا سلف هذه الأمة التمثيل أو التشبيه، بل هم سائرون على ما تقدم تقريره من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فإثبات هذا المعنى لا يلزم منه أي محذور، ولا أي نقص في الرب ، وإنما فسر بأنه لا جوف له لأنه الغني ، وإنما احتاج غيره إلى الجوف لافتقاره إلى ما يغذيه، أو إلى ما تقوم حياته به، وهو سبحانه الصمد القائم بنفسه الغني عن كل أحد، فليس به حاجة إلى أحد ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . التفسير الثاني للصمد -وهو الذي جاء في كلام بعض السلف، ورجحه كثير من المتأخرين- أنه السيد الذي تنزل به الحوائج، فيكون (الصمد) بمعنى (القيوم) ؛ لأن القيوم الذي يقوم على كل نفس بما كسبت، فلا قيام لنفس من أنفس بني آدم ومن أنفس غير بني آدم إلا به ، فالمعنى الثاني: الصمد الذي تنزل به حوائج الخلق ويقضيها جل وعلا. وهذان المعنيان هما بمعنى (القيوم) كما بينا في المعنى الثاني، وكذلك في المعنى الأول؛ لأنه القائم بنفسه المقيم لغيره. وجمع آخرون بين هذين المعنيين لهذا الاسم العظيم فقالوا: إن الصمد هو الكامل في أوصافه، فله من العلم غايته، وله من الحلم نهايته، وله من كل صفة منتهاها، فلا فوق ما وصف به نفسه من الصفات، فله الغاية في كل صفة من أوصافه، وهذا المعنى ورد عن بعض السلف فقال: السيد الذي كمل في سؤدده، الحليم الذي كمل في حلمه، العليم الذي كمل في علمه، فيكون معنى الصمد: هو الكامل في أوصافه. واعلم أن هذا الاسم من الأسماء الحسنى لم يرد ذكره في غير هذه السورة، فيكون ثاني اسم من الأسماء التي اختصت به هذه السورة التي بينت صفة الرحمن .

стр. 39

ما تضمنته السورة نفياً قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ، ما تقدم كله صفات ثبوت، وصفات وجودية، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هذا أول الصفات السلبية، وأول النفي المذكور في هذه السورة، وهذا هو نفي للتفصيل، (لم يلد) فلم يتفرع عنه شيء، فليس له فرع، (ولم يولد) فلم يتفرع عن شيء، فلا أصل له، فهو المنزه عن الأصل والفرع؛ وذلك لكمال الله وكمال قيوميته ، فلا يحتاج إلى أصل ينتسب إليه، ولا إلى فرع يستند إليه أو يتقوى به، بل هو الغني ، فهل أفادنا هذا النفي معنى ثبوتياً أم لا؟ وهل هو نفي محض؟ الجواب: لا، إنما هو نفي لإثبات كمال الغنى، هذا من حيث المعنى العام، ونفي ما وصفه به الجاهليون من أن له ولداً، كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، فكل هذا منفي بقوله : (لم يلد) ، وهذا النفي في هذه الآية لبيان كمال صمديته ؛ ولذلك فسر جماعة (الصمد) بأنه الذي لم يلد ولم يولد. ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، وهذا فيه النفي أيضاً، ووصفه بالنفي والسلب، وهو نفي وسلب إجمالي، والمراد منه نفي الشريك، ونفي النظير وهو المثيل العديل؛ وذلك لكمال تفرده بصفات الكمال، وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ومعنى قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، ومعنى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة:٢٢] ، ومعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، فهذا نفي مجمل لبيان كمال انفراده . واعلم أنه لا كفؤ له في أسمائه، ولا كفؤ له في صفاته، ولا كفؤ له في أفعاله، ولا كفؤ له في شيء من أموره، بل ولا فيما يجب له؛ ولذلك إذا جمعت بين أول هذه السورة وآخرها وبين قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) ، وبين قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ اجتمع لك غاية التوحيد بنفي التمثيل ونفي الشريك، وبهذا يصح ما ذكره الشيخ ﵀ من أن هذه السورة وما ذكر فيها من أوصاف داخلة في الجملة المتقدمة التي اختطها أهل السنة والجماعة، وسار عليها سلف الأمة من إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، والإقرار بأن الله جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات.

стр. 40

آية الكرسي وما تضمنته من أسماء الله وأوصافه

стр. 41

سبب كونها أعظم آية ثم بعد ذلك قال ﵀: [وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول] وذكر آية الكرسي. أما كون آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله فذاك ثبت به الحديث في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سأل أبي بن كعب فقال له: (أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال أبي ﵁: الله ورسوله أعلم، ثم لما كرر عليه قال: آية الكرسي، فقال النبي ﷺ : ليهنك العلم أبا المنذر) إقراراً وتهنئة منه أن توصل إلى معرفة ذلك بنفسه، والبشارة له بالعلم، وهذا يفيد أن كل من تأمل وتدبر كتاب الله فإنه اشتغل بتحصيل العلم؛ لأن أبياً لم يحصل على ذلك بنقل، إنما حصله بنظر وتأمل وتدبر فيما يحفظه ويتلقاه عن رسول الله ﷺ ، فكانت أعظم آية في كتاب الله، وهذا من حيث النقل، أما من حيث النظر فإنه يقال: لماذا كانت هذه الآية أعظم آية في كتاب الله؟ فالجواب: لأنها تضمنت من أوصاف الله ما لم تتضمنه أو تشتمل عليه أي آية في كتاب الله ، ففيها من الأوصاف وعظيم الصفات والأخبار عن الله جل وعلا ما ليس في غيرها من آيات الكتاب المبين، ويتبين هذا باستعراض ما تضمنته هذه الآية الكريمة. قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] افتتح هذه الآية الكريمة بأعظم مطلوب وأجل مقصود وغاية الوجود وهو التوحيد، توحيد العبادة له دون غيره، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، وهذا أول ما وصف الله نفسه في هذه الآية، وهو وصف بنفي، فنفى الإلهية عن غيره لانفراده بها ، فهذا أول نفي تضمنته هذه الآية، وهل هو نفي مقصود لذاته أو مقصود لغيره؟ مقصود لغيره، وهو إثبات الكمال له بهذه الصفة، وهي صفة الإلهية. ثم قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والحي القيوم اسمان من أسماء الله ، يثبت منهما للرب وصفان: وصف الحياة ووصف القيومية. واعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن الاسم الأعظم هو مجموع هذين الاسمين (الحي القيوم) ، وقد ورد في ذلك أثر وحديث، ولا غرو ولا عجب أن يكون هذان الاسمان هما الاسم الأعظم، وذلك لأن جميع ما وصف الله به نفسه وسمى به نفسه يرجع من حيث المعنى إلى هذين الاسمين، فمدار جميع الأوصاف على مضمون هذين الوصفين، أشار إلى هذا المعنى ابن القيم ﵀ فقال: وله الحياة كمالها ولأجل ذا ما للممات عليه من سلطان وكذلك القيوم من أوصافه ما للمنام لديه من غشيان وكذاك أوصاف الكمال جميعها ثبتت له ومدارها الوصفان يعني: المتقدمين، وهما الحياة والقيومية، واعلم أن صفات الله تنقسم إلى قسمين في الجملة: صفات ذات، وصفات فعل، أي: صفات ذاتية لازمة تختص به، وصفات فعلية تقوم به وتتعلق بغيره، وتتعدى إلى غيره، فجميع صفات الذات ترجع إلى اسمه الحي، وجميع صفات الفعل ترجع إلى اسمه القيوم ، وبهذا يصح ما قاله ﵀: ومدارها -أي: صفات الله الوصفان، فصفات الذات ترجع إلى كونه الحي، وصفات الفعل ترجع إلى كونه القيوم . وهذان الوصفان ثبوتيان، ولإثبات كمال اتصاف الله بهما جاء النفي في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ، والسنة مقدمة النوم، فلا يأخذه جل وعلا نوم ولا مقدماته؛ لأن النوم يلزم منه نقص في الحياة، فالنوم أخو الموت، ونقص في القيومية؛ لأنه إذا نام فمن يقوم بشئون الخلق؟ ولذلك نفى هذين الأمرين السنة والنوم لثبوت كمال الوصفين المتقدمين، وهما الحياة والقيومية؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) ، فيستحيل ويمتنع النوم عن الرب جل وعلا لكمال حياته وقيوميته. فعرفنا أن ثاني سلب ونفي في هذه الآية هو قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وأنه يفيد إثبات كمال حياته وقيوميته .

стр. 42

إثبات الملك لله تعالى في هذه الآية ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ، وهذا فيه إثبات ملك الله للسماوات والأرض، له السماوات والأرض وما فيهما، فكلها مملوكة لله ، وهذا فيه عظيم ملكه جل وعلا، ولإثبات عظيم الملك جاء النفي بعده في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ؛ فإن النفي هنا لإثبات تمام الملك، وأنه من تمام ملكه وكمال ربوبيته وقدرته وتصرفه وانفراده بالتدبير لا يمكن أن يشفع أحد عنده إلا بعد إذنه، ففهم من هذا النفي إثبات كمال الربوبية والملك الذي أفاده قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ، وهذا ثالث سلب ونفي جاء في هذه الآية، وعرفنا أن فائدته إثبات كمال الصفة التي تقدم ذكرها.

стр. 43

إثبات كمال العلم له سبحانه ثم قال : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ، وهذا فيه إثبات كمال علم الله ، (ما بين أيديهم) يعني: ما يستقبلون، و (ما خلفهم) يعني: ما مضى، وبه تفهم أن علم الله محيط بالمستقبلات والماضيات، فيعلم الشيء قبل وقوعه، ويعلمه بعد وقوعه، لا تخفى عليه خافية، ولإثبات كمال علمه أتى النفي في قوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ، فما عندنا من علم مما يتعلق بالله أو مما يتعلق بغيره من أمور الدين أو أمور الدنيا إنما هو من تعليم الله لنا، وهذا فيه إثبات كمال هذا الوصف في هذه الآية، وأنه سبحانه كامل العلم كما قال : ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الأعراف:٨٩] ، فوسع علمه كل شيء، واعلم أن صفة العلم من الصفات التي لها تعلق بكل شيء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه وتقريره في الآيات التي يذكرها الشيخ ﵀. المهم أننا استفدنا من قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ إثبات صفة العلم، ومن قوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ إثبات كمال عمله ، ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ أن يتضرع الإنسان إلى ربه، وأن يلجأ إليه أن يمن عليه بالعلم، وأنه لا سبيل له لتحصيل المعارف والعلوم إلا بمنة الله ، كما قالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢] ، ومن قال: هذا علمي حصلته باجتهادي، وبذلي وكدي وسهر الليالي، فقد غرته نفسه، وأوبقته في المهالك. فعلمك الدقيق أو الجليل في أمر الدنيا أو أمر الدين إنما هو من قبل الله ، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل:٧٨] ، فتصور حالك أول ما خرجت من بطن أمك لا تعلم شيئاً، الذي هدى الرضيع إلى أن يلتقم ثدي أمه للرضاعة هو الله ، فهو الذي علمه ذلك، ثم بنى هذه المعلومات شيئاً فشيئاً إلى أن تمايز الناس وتفاوتوا بما عندهم من علوم ومعارف، وكل ذلك فضل الله ومنه وإحسانه وكرمه.

стр. 44

الكرسي وما قيل فيه وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ الكرسي قيل: إنه العلم، فيكون المعنى وسع علمه السماوات والأرض، وقيل: إنه العرش، وقيل: إنه كرسي من خلق الله يضع الله جل وعلا عليه قدميه، كما ورد ذلك عن ابن عباس ﵁، فهو خلق ليس بالعلم ولا بالعرش، وقيل: إنه خلق من خلق الله عظيم الله أعلم به، فهذه هي أبرز الأقوال في معنى (الكرسي) ، وجاءت أقوال أخرى لكن هذا أشهر ما قيل. وتفسير الكرسي بالعلم ضعيف، وذلك أن علم الله ليس قاصراً على السماوات والأرض، بل وسع السماوات والأرض وكل ما خلقه الله قبل السماوات والأرض وبعدهما؛ ولذلك لم تأت سعة العلم مقيدة بالسماوات والأرض، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] ، والعلم يتعلق بكل موجود وبكل شيء، فتفسير الكرسي بالعلم تفسير قاصر، ثم إنه قد تقدم بيان سعة علمه في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فلا وجه لتكراره هنا. وتفسير من فسره بالعرش أيضاً فيه قصور؛ لأنه قد ورد ما يدل على أن الكرسي غير العرش، وأنه خلق آخر. أما تفسيره بأنه الذي يضع الرب جل وعلا عليه قدميه فقد جاء ذلك بسند لا بأس به عن ابن عباس، وتفسير الكرسي بأنه موضع القدمين اختيار شيخنا ﵀، وأما القول بأن الكرسي خلق من خلق الله عظيم، الله أعلم به، فهذا مبني على ضعف الأثر الوارد عن ابن عباس ﵁، وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀، وهو أن الكرسي خلق من خلق الله عظيم، الله أعلم به. وعلى كل حال، فسواء أقيل بأنه موضع القدمين، أم قيل بأنه خلق من خلق الله عظيم، فكلاهما موافق للصواب من حيث إنه ليس بالعلم ولا بالعرش، بل هو خلق مخالف لهذين.

стр. 45

خاتمة الآية الكريمة ثم قال تعالى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ هذا لبيان كمال قدرته ، وهذا السلب الخامس في الآية، فآية الكرسي تضمنت خمسة سلوب هذا هو خامسها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين له ، الأول: (العلي) ، وسيأتي بيان وأدلة إثبات علو الله قدراً وقوة وقهراً ومكانة وشرفاً، فهو العالي على خلقه، فكل هذه المعاني الثلاث ثابته له من هذا الاسم، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. (العظيم) هذا الاسم لا يقال لمعنى واحد، بل إنما يوصف الشيء بأنه عظيم لاجتماع أوصاف عديدة فيه، فالله عظيم لاجتماع صفات الكمال فيه، فهذا ما تضمنته هذه الآية الكريمة من النفي والإثبات. فلو قيل لك: أين الدليل في هذه الآية على أن الأصل في صفات الله الإثبات؟ فالجواب: أنه في جميع الصفات التي ذكرت يبتدئ بذكر صفة ثبوتية، فأول سلب ورد في هذه الآية سلب الألوهية عن غير الله ، فافتتحت الآية بقوله تعالى: (الله) وفيها إثبات الإلهية له، ثم أتى بعد ذلك بقوله: (لا إله إلا هو) ، ثم بعد ذلك قال: (الحي القيوم) ، ثم بعد ذلك قال: (لا تأخذه سنة ولا نوم) ، ثم قال: (له ما في السموات وما في الأرض) ، ثم قال: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) إلخ الآية، فكل نفي سبق بإثبات، وهذا يدل على أن الأصل في صفات الله الإثبات، وأن النفي تابع، والمقصود منه إثبات الكمال في الصفات. فرغنا من الكلام على آية الكرسي، وما تضمنته من الصفات الثبوتية والصفات السلبية. ثم قال ﵀: [ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح] ، وهذا الفضل جاءت به السنة في قصة الشيطان مع أبي هريرة ﵁، حيث تردد عليه في ثلاث ليال يسرق من الصدقة، وفي آخر ليلة قال له: ألا أعلمك شيئاً ينفعك؟! إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر النبي ﷺ بما قال له، فقال له النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب) ، فأقر ما أخبر به من أن هذه الآية تحفظ صاحبها، وتبعد عنه كيد الشياطين، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: إذا ابتلي الإنسان بأحوال شيطانية من سحرة ومشعوذين وغير ذلك فقرأ هذه الآية فإن الله يبطل كيدهم، ويذهب ما يزينونه من الباطل، فهذه الآية لها مكانة عظيمة؛ ولذلك ورد الحث على قراءتها في أوقات عديدة، مثل أدبار الصلوات، وعند المنام، وذلك لما تضمنته من هذه الصفات العظيمة للرب جل وعلا. وقد يقول قائل: نحن نقرأ ونجد من الشياطين تسلطاً علينا! فنقول: إنما يثبت الفضل بالإقرار بما فيها، والعلم بما فيها وتدبرها، وهذا ليس خاصاً بهذه الآية، بل هو في كل فضل رتب على عمل، فكل الفضائل في الكتاب والسنة المرتبة على الأعمال لك من هذه الفضائل سواء أكانت الفضائل أجوراً أخروية أم فوائد معجلة في الدنيا لك منها بقدر ما يحصل لك من حضور القلب عند فعل تلك الأعمال وقول تلك الأقوال، وهذا أمر مهم يفوت كثيراً من الناس، وسببه الغفلة، وظن أن مجرد القول ومجرد لفظ اللسان يتحقق به المقصود من هذه الفضائل.

стр. 46

شرح العقيدة الواسطية [٥] في القرآن الكريم كثير من الآيات التي فيها ذكر صفات الله تعالى، كالآيات التي أخبرت عن علمه، والآيات التي أخبرت عن كمال حياته وقيوميته، والآيات التي أخبرت عن كونه الأول والآخر والظاهر والباطن، والآيات التي نفت وسلبت صفات النقص عنه وأثبتت ضدها، والقاعدة في هذا كله: أن نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، وأن ننفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه ونفاه عنه نبيه ﷺ في سنته.

стр. 47

بعض ما جاء في القرآن من أوصاف الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

стр. 48

إثبات الحياة له سبحانه ونفي ضدها قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] ، وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢] ، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] ، وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]] . ذكر ﵀ في سياق ما مثل له من القواعد السابقة قوله: [وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]] . وهذه الآية مقدمة على قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] ؛ فالنسخة المحققة فيها تقديم هذه الآية على آية الحديد. وهذه الآية فيها وصفان لله : الوصف الأول: ثبوتي، وهو الحياة. والوصف الثاني: سلبي، وهو نفي الموت عنه ، ونفي الموت لبيان كمال اتصافه بالحياة جل وعلا، فهو نظير قوله : ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وهذه الآية متصلة بالآية السابقة في إثبات الحياة له .

стр. 49

كونه الأول والآخر والظاهر والباطن ثم قال: [وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]] . هذه الآية فيها إثبات صفة الأولية لله وصفة الآخرية، والظاهرية والباطنية، وهذه أربع صفات فسرها النبي ﷺ تفسيراً يبين معناها، وذلك فيما ثبت في صحيح مسلم من قوله ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) . فالأول هو السابق لكل شيء، وليس قبله شيء، قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) ، فهو الآخر ، فله الآخرية المطلقة؛ لأنه الدائم بلا انتهاء ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وكل اثنين من هذه الأسماء الأربعة مرتبطان، فالأول والآخر مرتبطان وبهما يحصل كمال المعنى، والظاهر والباطن مرتبطان وبهما يحصل كمال المعنى المراد إثباته لله ، فالأول والآخر فيهما إثبات الإحاطة الزمانية له ، والظاهر والباطن فيهما إثبات الإحاطة المكانية له جل وعلا. ثم أكد هذه الإحاطة بقوله : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] ، و (الظاهر) مضمن معنى (العلي) ، فهو ظاهر على كل شيء ظهوراًَ مكانياً -فهو فوق كل شيء وظهوراً معنوياً. وأما الباطن فقد فسره بعضهم بالقريب، فقالوا: هو القريب من كل شيء، والقرب هنا ليس القرب الذي ذكره الله لأوليائه، كقربه ممن دعاه، وقربه من الساجد؛ فإن ذلك قرب خاص، وإنما القرب هنا قرب عام، وهذا على القول بأن القرب ينقسم إلى عام وخاص، وسيأتي رأي شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة فيما يذكره من صفة القرب، وأن القرب لا ينقسم إلى قرب عام وخاص، بل القرب لا يكون إلا خاصاً. وعليه فيكون معنى الباطن الذي لا تخفى عليه من خلقه خافية، فلا يحجب خلقه عنه شيء، بل هو المطلع على ظواهرهم وبواطنهم، وقد أطال الكلام على هذا ابن القيم ﵀ في (طريق الهجرتين) ، ولما أفهم وبين وخشي أن يكون القارئ غير مدرك لما ذكر، قال: فإذا لم تستطع فهم هذا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع، يعني أن الإنسان لا يلزم أن يكون مدركاً لمعنى كل اسم من أسماء الله على وجه الكمال، فإذا خفي عليه شيء، أو ضاق ذهنه أو فهمه عن إدراك معنى شيء من أسماء الله ، فالواجب عليه أن يؤمن بما أخبر الله به ورسوله على مراد الله ورسوله ويمضي.

стр. 50

علمه تعالى، والنصوص الواردة فيه ثم قال الله في هذه الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] ، وهذا لتأكيد الإحاطة، وفيه إثبات صفة العلم، وصفة العلم صفة ذاتية لله ، كصفة الحياة، وكصفة القيومية، وإن كانت صفة القيومية ترجع إليها صفات الفعل لكن هو قيوم أزلاً وأبداً، قائم بنفسه ومقيم لغيره من خلقه، فالعلم صفة ذاتية، وذكرنا في السابق أن الصفات تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية، والذاتية تنقسم إلى قسمين: صفات لازمة، وصفات متعدية، فالصفات اللازمة كصفة الحياة، والصفات المتعدية هي أكثر ما ذكر الله من صفاته، كالسمع، والبصر، والعلم، والإرادة، والقدرة، والكلام فكلها متعدية، وكذلك الصفات الفعلية تنقسم هذا الانقسام، فمنها ما هو لازم، ومنها ما هو متعدٍ، فمن اللازم في الصفات الفعلية الاستواء والمجيء والإتيان، وأما المتعدي فكالرزق والإحياء والإماتة. ثم ذكر المؤلف ﵀ في إثبات هذه الصفة لله -صفة العلم- قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] وفي هذه الآية إثبات صفتين لله : صفة العلم وصفة الحكمة، والعلم قد تقدم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] . واعلم أن علم الله يتعلق بكل شيء، ولذلك جاء متعلقاً بجميع الأشياء في قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] ، وقال : ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] ، وقال: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه:٩٨] أي: وسع علمه كل شيء، فعلم الله يتعلق -من حيث الزمن- بالماضي والمستقبل والحاضر، ومن حيث الأشياء يتعلق بالممكنات والمعدومات والممتنعات، ويتعلق علمه بفعله وبفعل غيره، فعلمه أحاط بكل شيء، ولبيان هذا ذكر المؤلف ﵀ قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢] ، (ما يلج في الأرض) أي: ما يدخل فيها، (وما يخرج منها) من النبات وغيره، (وما ينزل من السماء) أي: من الملائكة والمطر والوحي وغير ذلك، (وما يعرج فيها) أي: ما يصعد إليها من الملائكة، ومن أعمال العباد وغير ذلك مما لا نعلمه، ولبيان تفصيل علم الله وأنه أحاط بالكليات والجزئيات قال المؤلف ﵀ في الاستدلال في هذا: [وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩]] ، و (مفاتح) : جمع مفتح، وهو آلة فتح المغلق كالمفتاح، ولكن (المفتح) أفصح كما قال بعضهم، والغيب كل ما خفي على الإنسان ولم يدركه، سواء أكان غيباً كلياً أم غيباً جزئياً، فالغيب الكلي يكون في المستقبلات كعلم الساعة، والغيب الجزئي النسبي هو ما يعلمه غيرك ويخفى عليك، ومفاتح الغيب هي التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] ، وهكذا بينها رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيح حيث قال: (مفاتح الغيب خمسة) ، وبينها بهذه الآية. قال تعالى: ﴿لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ، فبعد أن بين أن مفاتح الغيب عنده نفى علمها عن غيره، فقال: ﴿لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ، وبين شمول علمه فقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ ، وهذا لبيان إحاطة علمه لما في الجو؛ لأنه ذكر البر والبحر، ثم ذكر الجو في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ ؛ لأن الأوراق الغالب فيها أن تكون في الجو. قالت تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ وهذا ليبين أن علمه يشمل ما خفي واندثر في باطن الأرض، قال تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ ، وهذا يعم كل شيء، والمخلوق لا يخلو أن يكون رطباً أو يابساً من العاقلات ومن غير العاقلات، قال تعالى: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، فهو يعلم كل ذلك، وكل ذلك في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ، وهذا يدل على سعة علم الله ، وأنه محيط بكل شيء، فما من حركة ولا سكون في هذا الكون إلا بعلمه، فحركة الأشجار والأسماك في قاع المحيطات لا تكون إلا بعلمه جل وعلا، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، قال في بيان اتصافه بهذه الصفة: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١] فقوله تعالى: ((وما تحمل من أنثى)) يصدق على كل أنثى من البشر وغيرهم، (وَلا تَضَعُ) يعني: ولا تضع ما في بطنها (إِلاَّ بِعِلْمِهِ) يعني: إلا وذلك بعلم منه ، فالباء هنا للمصاحبة والملابسة، أي أن ذلك حاصل بعلم منه . قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢]] . هذا أيضاً فيه إثبات سعة علمه ، وأن علمه محيط بكل شيء.

стр. 51

الفرق المخالفة لأهل السنة في صفة العلم واعلم -بارك الله فيك- أن صفة العلم خالف فيها طوائف، وأشدهم مخالفة الفلاسفة الذين قالوا بأن الله لا يعلم الجزئيات، إنما يعلم الأمور الكليات. فليس عنده علم بجزئيات ما يفعله العباد، إنما يعلم الكليات والأمور العامة، وأما الجزئيات فإنه لا يعلمها، وسبب ذلك أنهم قالوا: إنه يلزم من إثبات علمه بالجزئيات تجزؤ علمه. فانظر كيف الشبهة تدخل عليهم فتحملهم على تكذيب ما جاءت به الرسل، وما اتضحت وظهرت أدلته في الكتاب والسنة! ونقول لهم: خبتم وخسرتم؛ فإن الله قد أخبر بأن علمه محيط بكل شيء، وفي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩] رد مفحم لهؤلاء القوم؛ لأن الله تعالى أثبت أنه يعلم كل شيء حتى الورقة التي تسقط من الشجرة يعلمها ، ولا تخفى عليه، هذا من وجه. ومن وجه آخر أن ما أخبر الله به في كتابه من تفاصيل ما وقع من الأمم السابقة والأنبياء فعلاً وقولاً يدل على أنه قد أحاط علمه بالجزئيات، فالعلم بالجزئيات ثابت له ، ولا يلزم عن ذلك نقص، بل إنما هو وهم وخيال فاسد، والواجب إثبات ما أثبته الله في الكتاب والسنة، ولا شك أن من قال بهذا القول فهو كافر بتكذيبه ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة، وما دل عليه العقل من أن الله متصف بالعلم الواسع لكل شيء. وطائفة ثانية ضلت في هذا الباب في صفة العلم، وهم غلاة القدرية، فقالوا: إن الله لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها، أما قبل وقوعها فإنه لا يعلمها؛ لأنه لو علمها لكان ظالماً -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-. وهذه البدعة أول ما ظهرت في أواخر عهد الصحابة ﵃، وعرضت على ابن عمر فقال لمن أخبره عن هؤلاء: أخبروهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به ابن عمر لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً لم يتقبل منه حتى يؤمن بالقدر. وهذه بدعة مهجورة مندثرة؛ لأن أصحابها تبين لهم أن قولهم أن الله لا يعلم بالأشياء إلا بعد وجودها مضادة واضحة لما أخبر به النبي ﷺ في كتاب الله وفي سنته ﷺ ؛ ولذلك قال الشافعي: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا وإلا كفروا، وهذه البدعة بدعة كفرية، فمن قال: إن الله لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لأن الذي أنزل عليه يدل على أن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها. وممن ضل في هذه الصفة مثبتتة الصفات، وهذا اسم يتكرر في كلام شيخ الإسلام ﵀ وفي كلام غيره ممن يتكلم عن العقائد، فمن هم مثبتة الصفات غير أهل السنة والجماعة؟ هم الأشعرية والكلابية والماتريدية، وغيرهم ممن يثبت شيئاً من الصفات، لكن هذه الطوائف هي أبرز الطوائف من مثبتة الصفات، فهؤلاء يثبتون العلم لله كما يثبتون غيره من الصفات الذاتية التي يسمونها الصفات المعنوية؛ لأن المعنى قد دل عليها، وهي سبع صفات معروفة نظمها بعضهم فقال: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر فهذه هي السبع الصفات التي يقر بها مثبتة الصفات، وينبغي أن يعلم أن إقرارهم بهذه الصفات ليس كإقرار أهل السنة والجماعة، فإيمان هؤلاء بهذه الصفات مخالف لما عليه سلف الأمة، ولنأخذ لذلك مثلاً في هذه الصفة التي نحن نبحث فيها، وهي صفة العلم، فأهل السنة والجماعة يثبتون أن لله علماً أزلياً، وأنه العليم بكل شيء قبل أن يكون، وأنه سبحانه يعلم بالأشياء بعد وقوعها، كما أنه يعلم بها قبل وقوعها، أما هؤلاء فإنهم يقولون: إن العلم واحد أزلي لا يتجدد كسائر الصفات، والسمع أزلي واحد لا يتجدد، والبصر أزلي واحد لا يتجدد، وسمع الله لكلامنا ليس بسمع حادث في هذه اللحظة، إنما هو السمع القديم الذي في الأزل، وبصر الله لنا ونظره إلينا ليس ببصر حادث متجدد في هذه اللحظة، إنما هو بصر أزلي قديم، وكذلك علمه بما نقول ليس بعلم حادث متجدد، إنما هو بعلم قديم، وقالوا في سبب هذا: إنه إذا أجزنا تجدد وحدوث هذه الصفات لزم من ذلك أن تقوم به الحوادث، ومن قامت به الحوادث فهو حادث، هكذا زعموا، وهذه شبهتهم. والجواب أن يقال: إن الله فعال لما يريد، فهو يعلم الأشياء قبل وقوعها، ويعلمها بعد وقوعها، ولذلك قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ، وقال : ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] ، وقال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١] ، وكل هذا العلم علم حادث بعد أن لم يكن، لكن هل هذا العلم سبقه جهل؟ الجواب: لا، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبهذا ينحل الإشكال عند كثير من المفسرين في هذه الآيات التي تثبت حدوث العلم لله ، فهم يقولون: هذا العلم علم الظهور الذي يحصل به الإثابة والأجر، فهو علم ظهر به حال الإنسان، لكن هذا العلم لا يعارض أن يكون قد حدث، بل ظاهر القرآن أنه حدث بعد أن لم يكن، ولا نقص في ذلك، وأنت -يا أخي- اعمل بالقاعدة المتقدمة أن (ما أثبته الله لنفسه فأثبته) ، ولا تخش شيئاًَ، وإذا قيل لك: ما دليله فعندك حجة من الكتاب أو السنة. واعلم أنه لا يمكن ومن المحال أن يترتب على ما جاء في الكتاب والسنة أي لازم باطل، بل كلها خيالات فاسدة وأوهام كاذبة، تتساقط عند الحجة والبرهان من الكتاب والسنة؛ ولذلك نثبت هذا الأمر ولا نبالي. وكذلك السمع والبصر، فالله أثبت سماعه للكلام، وأثبت استمرار هذا السماع، فقال في سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، و (سمع) فعل ماض، فهو إخبار عما مضى، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] . ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ﴾ [المجادلة:١] ، وهذا يدل على أن السماع حادث بعد أن لم يكن، وكيف نقابل ربنا وبأي حجة عندما نقول: إن السمع الذي حصل بكلام المخلوقين هو بالسماع الأزلي، والله يقول في كتابه: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] ؟ ولذلك كل من استمسك بالنصوص سلم من الاضطراب والتناقض، وكل من أعرض عنها فهو كما قال الله عن المكذبين بما جاءت به الرسل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] . أخي الكريم! ما هناك بدعة من البدع إلا وهناك من يقول بها في هذا العصر لا سيما البدع المشهورة، كبدعة الاعتزال، فإنها مثل التراب في الأمة الآن، وبدعة الأشاعرة لا حصر لهم ولا عد، والآن نسمع من الذين يطالعون الانترنت أن هناك محاضرات عبر الانترنت في إنكار الاستواء، فكيف يقال: إننا لا نحتاج إلى أن نطرق هذه المذاهب ونناقشها ونبينها؟ بل نحن بحاجة إلى معرفة المذاهب المبتدعة القديمة لنربطها بالبدع الحديثة، ولنتمكن من الرد على المحدثات الجديدة؛ لأنه إذا لم نكن على علم بطريقة سلفنا الصالح في الجواب على شبه هؤلاء ومناقشتهم فإننا ندخل الميدان بلا سلاح، وإن كان معنا الكتاب والسنة لفظاً بدون معنى، فإن الكتاب والسنة سلاح ماض في يد من تدبر وفهم وعقل عن السلف الطريقة التي ساروا عليها في كتاب الله وسنة رسوله. فهذا السؤال يتكرر: لماذا ندرس بدعة المعتزلة وبدعة الخوارج وبدعة الرافضة والبدع الأخرى؟ فنقول: ندرسها لأنها موجودة وإن تغيرت المسميات، مع إن كثيراً من البدع باقية باسمها، فالمدرسة الاعتزالية موجودة، وللأسف أنها موجودة حتى في كثير ممن ينتسبون إلى السنة، وهم لا يشعرون بذلك، فالواجب العناية بهذه المذاهب ومعرفتها؛ حتى نتمكن من الرد على أصحابها، وعلى ما يتجدد من البدع مما يتفرع عنها.

стр. 52

شرح العقيدة الواسطية [٦] من أسماء الله الرزاق ذو القوة المتين، وهذه الأسماء تتضمن صفات عظيمة يجب وصف الله بها حقيقة. أثبت الله لنفسه الإرادة والمشيئة، ويندرج تحتها كل ما شاءه الله وقدره وقضاه، وإرادة الله نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعية دينية على حسب ما وردت به النصوص، خلافاً لأهل البدع الذين يثبتون إرادة واحدة، معارضين بذلك النصوص الواردة في المسألة.

стр. 53

إثبات القدرة والقوة لله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: [وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] ، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] ، وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] ، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]] . فرغنا من الكلام على الآيات التي ساقها المؤلف ﵀ لإثبات صفة العلم لله تعالى، وبعد فراغه من تلك الآيات ذكر الآيات الدالة على قدرة الله جل وعلا، وذلك في قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] ، فهاتان الآيتان أثبتتا لله جل وعلا القدرة والقوة، وصفة القدرة والقوة معناهما متقارب، فالقدرة هي القوة على الفعل، وقد أثبتها أهل السنة والجماعة لله كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق:١٢] فيه إثبات صفة القدرة، وأنها عامة تتعلق بكل شيء. واعلم أن القدرة تتعلق بالموجودات، فكل موجود فالله جل وعلا عليه قدير، فهي تتعلق بالممكنات، وتتعلق أيضاً بالواجبات مما يتصف به ، فإنه قادر على فعل نفسه قادر على غيره، وكل هذا مما ثبت في القرآن، وقد ثبت في القرآن إثبات القدرة المتعدية التي تتعلق بالخلق، وإثبات القدرة التي تختص به ، وهي القدرة على أفعاله، فمن الأدلة على القدرة على أفعاله : قوله جل وعلا: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] ، فهذه الآية أفادت أن الله قادر على فعله، والآيات التي تثبت قدرة الله جل وعلا على فعله كثيرة. وبهذا نفهم أن قدرة الله تتعلق بفعله المتعدي واللازم؛ لأن أفعال الله تنقسم: إلى أفعال متعدية، وأفعال لازمة، مثال للأفعال اللازمة: الاستواء الإتيان المجيء، مثال للأفعال المتعدية: الرزق الإحياء الإماتة الرفع الخفض البسط، أفعال كثيرة لا حصر لها، فهو: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ، فالله جل وعلا قادر على هذا وعلى هذا. بقي عندنا الممتنعات، أو المستحيلات، هل تتعلق بها القدرة أم لا؟ الممتنع هو الذي لا يمكن أن يوجد، كثبوت صفة الوجود والعدم لشيء واحد، هل يمكن أن يتصف شيء بأنه موجود وفي نفس الوقت معدوم؟ لا يمكن، فهل هذه الأمور من المحالات والممتنعات تتعلق بها القدرة؟ الجواب: لا تتعلق بها القدرة؛ لأن الممنوعات والمحالات لا تسمى شيئاً في لسان العرب؛ فهي لا تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق:١٢] ، فلا يدخل في هذا إلا الممكنات والواجبات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات:٥٨] ، أي: صاحب القوة، والقوة أبلغ من القدرة، فالقوة هي الكمال في القدرة، (الْمَتِينُ) أي: الشديد، وهذا فيه وصف قوته بالشدة؛ فهاتان الآيتان أثبتت لله هاتين الصفتين، وفيه أيضاً إثبات صفة الرزق، وذلك في قوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) وهذا تبع، لكن المقصود هو إثبات القدرة من خلال سياق هاتين الآيتين.

стр. 54

إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى قال ﵀ بعد ذلك: وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، هذا فيه إثبات صفتي السمع والبصر لله بعد ذكر الصفتين المتقدمتين: العلم والقدرة، والسمع والبصر صفتان ثابتان لله جل وعلا بالكتاب والسنة، والإجماع والعقل؛ فإن السمع والبصر من صفات الكمال التي يدل عليها العقل؛ ولذلك فإن مثبتتة الصفات من أهل الكلام يثبتون السمع والبصر، لا لكونهما ثبتتا بالكتاب والسنة بل لكون العقل قد دل على ثبوتهما، فقالوا: إذا كان الله حياً قادراً عليماً؛ فإما أن يكون يسمع أو لا يسمع، وإما أن يكون يبصر أو لا يبصر، وعدم السمع والبصر نقص، واتصافه بهما كمال؛ ولذلك أثبتوا لله السمع والبصر.

стр. 55

معنى السمع والبصر في القرآن السمع في كتاب الله يطلق على معنيين: المعنى الأول: إدراك الأصوات، وفهم معناها، وهذا هو السمع العام الذي لا يخرج عنه شيء، فقد أحاط سمعه بكل شيء ، يسمع دبيب النملة على الصخرة، ولا تخفى عليه خافية. أما المعنى الثاني الذي يثبته أهل السنة والجماعة لله ، وجاء به الكتاب والسنة: سمع الإجابة والإثابة والقبول، وهذا سمع خاص، وذلك في مثل قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩] ، وفي مثل قول المصلي عند رفعه من الركوع: سمع الله لمن حمده، فإنه لا يثبت السمع العام الذي هو إدراك الأصوات وفهم معناها -وهذا مما لا إشكال فيه- وإنما يثبت السمع الخاص، وهو سمع الإثابة والإجابة والقبول، وكلا النوعين ثابتان لله ، فحيثما ذكر السماع لله في الدعاء أو العبادة فإنه سماع الإجابة والقبول والإثابة، وأما إذا ورد مطلقاً كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فالمراد إثبات السمع العام الذي يفيد إدراك الأصوات وفهم المعاني، هذا بالنسبة لصفة السمع. أما صفة البصر فهو إدراك المبصرات، فالله جل وعلا يرى كل ما خلقه، ويقع بصره عليه، وهذا البصر لم يرد تقسيمه إلى بصر عام وبصر خاص، وإنما الوارد في البصر هو البصر العام، أما الرؤية والنظر فهناك أقسام لها وهي بمعنى البصر.

стр. 56

الرد على متأولي صفتي السمع والبصر وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] ، هذا أيضاً فيه إثبات هذين الوصفين لله ، وهذا في آية النساء التي فيها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨] ، وقد قرأ النبي ﷺ هذه الآية، ولما بلغ قوله (سميعاً بصيراً) أشار بإبهامه إلى أذنه، وبسبابته إلى عينه، وهذا ثابت في السنن بسند صحيح، فما المراد من هذه الإشارة؟ هل المراد من هذه الإشارة التمثيل؟ لا، وحاشا أن يريد النبي ﷺ بذلك التمثيل، إنما مراده تحقيق اتصاف الله بهذه الصفة، وأنه موصوف بها على حقيقتها، وهذا فيه الرد على الذين تأولوا هاتين الصفتين، فقالوا: السمع والبصر في كتاب الله المراد بهما العلم، وهذا عليه طائفة من المتكلمين، فقالوا: إن قوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ، لا نثبت منه سمعاً ولا بصراً، إنما نثبت به لله صفة العلم، وهذا بخس لما دلت عليه النصوص، وجناية على كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فإن صفة العلم ثابتة لله ولا إشكال في ثبوتها، وقد أضافت النصوص صفتي السمع والبصر إلى الله؛ فوجب إثبات هذين له ، وهما غير العلم؛ ولذلك ورد ذكرهما في كتاب الله منفصلين، ولو كان المراد بهما العلم لكفى أحد الوصفين عن الآخر لإثبات العلم، ولاقتصر على أن يقول: وهو البصير، أو يقول: وهو السميع، ويحصل بذلك المقصود في إثبات العلم، ففرق الله جل وعلا بين هذين الوصفين في كثير من الآيات، ففي الآية الأولى: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ، وفي الثانية: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) ، وقال لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، فدل ذلك على أن كل وصف مستقل عن الآخر. ثم إن الله قد قرن بين السمع والعلم في آيات عديدة، فدل ذلك على أنهما وصفان، وليسا وصفاً واحداً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ، فدل ذلك على أن السمع غير العلم، ومن فسر السمع بالعلم فقد جنى على النصوص، ولم يثبت ما أثبتت.

стр. 57

إثبات صفتي المشيئة والإرادة لله تعالى ثم انتقل المؤلف ﵀ بعد إثبات هذين الوصفين له إلى إثبات المشيئة والإرادة، فقال: [وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] ، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]] . هذه الآيات فيها إثبات صفة المشيئة، وصفة الإرادة لله ، والمشيئة والإرادة معناهما متقارب، إلا أن بينهما فروقاً: فالمشيئة واحدة لا تنقسم، ويندرج تحتها كل ما شاءه الله ، كل ما قضاه الله وقدره في هذا الكون فإنه مندرج تحت المشيئة؛ فالخير والشر وكل حادث وكائن في هذا الكون مندرج تحت مشيئة الله ، ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، فالمشيئة شيء واحد يندرج تحته كل خلق الله جل وعلا؛ إذ كل شيء خلقه الله فقد شاءه.

стр. 58

أقسام الإرادة والفرق بينهما أما الإرادة فإنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إرادة أمرية شرعية دينية: والقسم الثاني: إرادة كونية خلقية، فما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما: أن الإرادة الشرعية الدينية الأمرية يندرج فيها كل ما يحبه الله ، فكل ما أمر الله به ديناً من الواجبات والمستحبات فإنه يدخل تحت الإرادة الشرعية، فالأمر بالصلاة والإحسان إلى الأقارب من الإرادة الشرعية، وهكذا كل ما أمر الله به ورسوله. والإرادة الكونية الخلقية بمعنى المشيئة التي تقدم ذكرها، فالإرادة الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، وهل هناك فرق بينهما؟ الجواب: نعم، هناك فرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية: الإرادة الشرعية لا يلزم وقوع المراد فيها، فالله أراد من عباده أن يعبدوه، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، فهل تحققت هذه الإرادة؟ لا، قال الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] ، فالآيات التي تدل على أن مراد الله أن يعبده الناس كثيرة، وهذا لم يتحقق، فعلمنا بهذا أن الإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها، فقد يريد الله الشيء شرعاً، لكنه لا يقع كوناً. هناك أيضاً وصف آخر تتميز به الإرادة الشرعية: وهي أنها تتعلق بما يحبه الله ؛ فكل ما يحبه الله مندرج تحت الإرادة الشرعية؛ لأنه لا يأمر شرعاً إلا بما يحب. أما الإرادة الكونية الخلقية القدرية فإنها لا تتعلق بمحاب الله ، وما تضمنته وما يندرج تحتها ليس لازماً أن يكون مما يحبه الله ، بل يقضي الله كوناً وقدراً وخلقاً ما يكرهه ويبغضه ويسخطه، هذا أولاً، والثاني: أنها إرادة لازمة الوقوع، فما أراده الله كوناً لابد أن يقع، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، فما قضاه كوناً لابد أن يقع، وبهذا نفهم أن قوله: (لا راد لقضائه) المراد بالقضاء هنا القضاء الكوني. ننظر فيما ذكر المؤلف من الآيات لنرى أيها المندرج تحت الكونية، وأيها المندرج تحت الشرعية. يقول ﵀: (وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] ) ، هذا فيه إثبات المشيئة التي هي الإرادة الكونية، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، هذه أيضاً تثبت لله مشيئة كونية؛ لأن القتال لا يحبه ، فلما وقع علمنا أنه من الإرادة الكونية. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] الإرادة هنا هي الإرادة الشرعية، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) لو أن الآية اقتصرت على هذا لكانت شرعية، لكن لما ذكر الله جل وعلا إرادته للأمرين في سياق واحد كانت الإرادة هنا كونية، وهي نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، فالإرادة هنا إرادة كونية قدرية أمرية. وهل نقول: هناك مشيئة شرعية ومشيئة قدرية؟ لا، فإن المشيئة لا تنقسم.

стр. 59

ما تتعلق به الإرادة والمشيئة هذه الإرادة بماذا تتعلق، هل تتعلق بكل شيء؟ كل ما وجد وخلق فالإرادة الكونية والمشيئة تتعلق به. وأفعاله هل تتعلق بها إرادته؟ نعم تتعلق بها إرادته. والممتنع والمحال هل تتعلق بهما الإرادة؟ الجواب: لا تتعلق بهما الإرادة؛ لأن الممتنع والمحال ليسا بشيء، ففهمنا من هذا أن القدرة والإرادة أمرهما واحد في كونهما يتعلقان بالممكنات وبالواجبات، أما الممتنعات فإنهما لا يتعلقان بها، وهذا ما أشار إليه السفاريني ﵀ لما ذكر الصفات فقال: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر بقدرة تعلقت بممكن كذا إرادة فعي واستبن (فعي واستبن) أي: انتبه واستوضح، ففهمنا من هذا: أن الإرادة والقدرة لا تعلق لهما بالمحالات والممتنعات، وإنما ننبه على هذا حتى لا يأتينا أحد ويقول: هل يستطيع الله جل وعلا أن يوجد مثل نفسه؟ الجواب: هذا مما لا تتعلق به القدرة، والصواب في السؤال أن يقال: هل يقدر الله جل وعلا أن يوجد مثله أو أن يعدم نفسه؟ هذا سؤال من سفيه لم يقدر الله حق قدره، والجواب عليه: أن القدرة لا تتعلق بالممتنعات، وهذا منها، وكذلك الإرادة لا تتعلق بالممتنعات، وهذا منها.

стр. 60

الفرق التي ضلت في الإرادة اعلم أن تقسيم الإرادة إلى قسمين هو منهج ومذهب أهل السنة والجماعة كما دلت على ذلك النصوص، وقد ضل في هذا طوائف الجبرية والقدرية وغيرهم، فجعلوا الإرادة نوعاً واحداً، وجعلوا أمر الله بالصلاة كغيره من أوامره، وقضاء الله الشرعي بالصلاة كقضائه بوجود المحرمات، وهذا سفه ومخالفة لما دلت عليه النصوص من التمييز بين هذين النوعين من الإرادة الإرادة القدرية والإرادة الشرعية، ويتبين عدم تمييزهم بما سيأتي مما يذكره المؤلف ﵀ من إثبات صفة المحبة له . المهم أن الجبرية والقدرية وجماعة من مثبتة الصفات جعلوا الإرادة نوعاً واحداً، فكل ما في هذا الكون يصدر عن إرادة واحدة، ولا يميزون بين محبوبات الله وبين ما لا يحبه مما اقتضت حكمته أن يكون.

стр. 61

إثبات صفة المحبة لله تعالى قال ﵀: [وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]] .

стр. 62

الفرق بين الصفات الفعلية والذاتية هذه الآيات الكريمات فيها إثبات صفة فعلية من صفات الله ، وهي صفة المحبة، وهذا أول ما ذكره المؤلف ﵀ مما يتعلق بالصفات الفعلية، وتقدم لنا فيما سبق أن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية، وصفات ذاتية، والصفات الذاتية هي الصفات التي لم يزل ولا يزال الله جل وعلا متصفاً بها أزلاً وأبداً، وتقدم لنا منها: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، وسيأتي بقية ما يكون من صفات الله الذاتية، وهي ليست محصورة بالسبع، لكن أشهرها السبع التي يثبتها مثبتة الصفات من الأشاعرة والكلابية والماتريدية. أما الصفات الفعلية: فهي الصفات التي تتعلق بالمشيئة. هذا ضابطها: كل صفة تعلقت بالمشيئة فإنها صفة فعلية، فكل ما تعلق بالمشيئة: إن شاء الله فعله، وإن شاء لم يفعله فإنها من الصفات الفعلية، هذا هو الحد المميز أو الفاصل بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية. الصفة الفعلية التي ذكرها المؤلف هنا هي صفة المحبة، والآيات التي ساقها ﵀ كلها تدل على إثبات صفة المحبة لله ، ومن حسن تصنيف المؤلف ﵀ أنه أتى بهذه الصفة بعد ذكر المشيئة؛ لأن جماعة من المتكلمين المبتدعين جعلوا المشيئة هي المحبة، ففسروا المشيئة بالمحبة، والمحبة بالمشيئة، فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] هذه لا نثبت بها صفة المحبة بل هي المشيئة، فأولوا وعطلوا الرب جل وعلا عن هذه الصفة، فأتى ﵀ بعد إثبات المشيئة ببيان هذه الصفة، والأدلة الدالة على ثبوتها.

стр. 63

القدر الذي يثبته أهل السنة من صفة المحبة اعلم أن صفة المحبة صفة يثبتها أهل السنة والجماعة لله على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ كسائر ما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله ﷺ . والمحبة التي يثبتها أهل السنة والجماعة هي محبة الله لعباده، ومحبة العباد لله جل وعلا، فيثبتون المحبة من الطرفين من الله لعباده ومن العباد لله ، وكل هذا قد دل عليه الدليل، وقد جمع النوعين في قوله تعالى: (يحبهم ويحبونه) ، فأثبت محبته لأوليائه وأصفيائه وعباده المتقين، وأثبت محبة عباده له ، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] ، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ؛ هذا فيه محبة الله لعباده ومحبة العباد له . ومن ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤] ومعنى: الودود المحب، فهو الغفور الودود جل وعلا، وهو الذي يحب.

стр. 64

الفرق التي ضلت في صفة المحبة والرد عليهم دلت النصوص على إثبات هذين النوعين لله ، وهي من الصفات الفعلية، وقد ضل في ذلك الجهمية، فأنكروا المحبة من الطرفين، فقالوا: إن الله لا يحِب ولا يُحَب! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، قالوا: إن الله لا يحب أحداً من عباده، ولا يحبه أحدٌ من عباده، سبحان الله العظيم! كيف يجرءون على هذا، ويعطلون ما دل عليه الكتاب والسنة؟! وعلتهم في هذا النفي أنهم: قالوا: إن المحبة إنما تكون بين متناسبين، ولا نسبة بين الخالق والمخلوق. هكذا زعموا وافتروا في إبطال ما أثبته الله لنفسه من محبته لعباده، وما أثبته من محبة عباده له. والجواب على هذا أن يقال: كذبتم بأنه لا مناسبة بين الخالق والمخلوق، ولا يلزم من ثبوت المحبة بين شيئين أن يكون بينهما تناسب، فالإنسان يحب سيارته ومركبه وبيته، وهل هناك تناسب بين الجماد والإنسان؟ ليس هناك تناسب، النسبة منقطعة بينهما تماماً، وقد قال النبي ﷺ في جبل أحد: (أحد جبل يحبنا ونحبه) ، فأثبت له المحبة من طرفين وليسا متناسبين، هذا على التسليم بما قالوه من الشبهة التي عطلوا بها المحبة، وهي: لا نسبة بين الخالق والمخلوق، والصحيح أننا نمنع هذه الشبهة، ونقول: أعظم المناسبات هي المناسبة بين الصانع والمصنوع، فهو الذي خلقك ورزقك، ومن كل خير أمدك، فما بك من نعمة فمن الله، فكيف بعد هذا كله نقول: لا مناسبة بين الخالق والمخلوق، بل أعظم المناسبات هي بين الخالق والمخلوق، يعني: أعظم الأسباب التي يقوم من أجلها الحب هو ما كان بين الخالق والمخلوق؛ ولذلك كان من أسمائه: الإله، وهو الذي اشتق منه أعظم أسمائه وهو الله، الله أصله الإله؛ حذفت منه الهمزة للتسهيل، كأناس يقال: الناس، ولا يقال الأناس للتسهيل، ومن هو الإله؟ الإله هو المألوه الذي تتعلق به القلوب محبة وتعظيماً، فكيف يقال بعد هذا: لا مناسبة بين الخالق والمخلوق؟! إذاً: أبطلنا شبهتهم بالمنع والتسليم، يعني: سواء سلمنا لكم فيما تقولون من دعوى، أو أننا أبطلنا دعواكم؛ فعلى كلا الأمرين قولكم ليس بصحيح، بل أعظم المناسبة هي بين الخالق وبين المخلوقين. والطائفة الثانية التي ضلت في هذه الصفة هم الذين قالوا: إنه لا يحِب ولكنه يحَب، فعطلوا محبة الله لعباده، وأثبتوا محبة المخلوق للخالق. وهؤلاء الجواب عليهم أن يقال: كيف تنكرون ما جاءت النصوص بإثباته، فهم مثل الفرقة الأولى إلا أنهم أهون بدعة منهم. والصحيح أن يثبت الأمران لله ، فهو الذي يحِب ويحَب جل وعلا.

стр. 65

شرح العقيدة الواسطية [٧] الرحمة صفة من الصفات التي وصف الله بها نفسه، وأثنى على أوليائه المتصفين بها، وأمرهم أن يتواصوا بها، ويراد بها في الشرع الصفة القائمة بالله تارة، وتارة يراد بها آثارها ومتعلقاتها. ومن الصفات الثابتة للمولى : الرضا والغضب والسخط والأسف والكره والمقت، وكلها نثبتها لله كما يليق به ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. أيضاً من الصفات الثابتة لله صفة الوجه واليدين والعينين، وهي صفات حقيقية لا يعلم كيفيتها إلا الله تعالى.

стр. 66

إثبات صفة الرحمة لله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] ، وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] ، وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]] . هذه الآيات فيها إثبات صفة الرحمة لله ، والرحمة صفة فعليه اختيارية من صفات الله جل وعلا يثبتها أهل السنة والجماعة، لما جاء في الكتاب والسنة من إثبات هذه الصفة؛ ولأن السلف أجمعوا على ذلك، ولدلالة الفطر والعقول عليها. الرحمة صفة عظيمة من صفات الله جل وعلا، وهذه الصفة جاء لها اسمان من أسماء الله في القرآن وهما: (الرحمن الرحيم) ، وكلاهما مشتق من الرحمة التي هي صفته .

стр. 67

الفرق بين اسمي (الرحمن والرحيم) والفرق بين الرحمن والرحيم فيه عدة أقوال، وأصح ذلك وأقربه إلى الصواب: أن الرحمن يتعلق بالصفة القائمة بالذات، والرحيم يتعلق بإيصال الرحمة إلى الخلق، فالفارق بينهما: أن الرحمن دلالته على الصفة القائمة بالرب، والرحيم دلالته على فعله ، وهو إيصال الرحمة، ودليل ذلك أنه قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] ، فلما ذكر إيصال الرحمة ذكر هذا الاسم وهو الرحيم، ولما ذكر المؤمنين قال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] ، فأثبت الرحمة التي تصل لعباده. هذا إذا اقترنا، أما إذا جاء ذكر الاسم مستقلاً فإنه يدل على صفة الذات وصفة الفعل، وكذلك مما يدل على التفريق: أنه لما ذكر الله الفعل الذي يقوم به قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ولم يرد: (إنه كان بهم رحمان) أو ما أشبه ذلك، وهذا مما يقرر ويؤكد هذا الفرق، وقد تكلم ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد على الأقوال في التفريق بين هذين الاسمين العظيمين، وانتهى إلى هذه النتيجة، وهو أن الرحمن ألصق بما يقوم بالرب من صفة، والرحيم يوصف به إيصال الفعل إلى المرحوم. والرحمن من حيث الاشتقاق اللغوي على وزن فعلان، وهي تدل على كثرة الرحمة وسعتها، والرحيم فعيل بمعنى فاعل، أي: راحم، وهو يدل أيضاً على كثرة رحمة الله ، لكن اسم الرحمن أبلغ وأوضح في كثرة الرحمة. ومن الفروق بين الاثنين أيضاً: أن الرحمن اسم خاص لا يسمى به إلا الله جل وعلا، أما الرحيم فإنه يسمى ويوصف به غيره، كما قال الله جل وعلا في وصف النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .

стр. 68

الصيغ التي وردت بها الرحمة في الكتاب والسنة الرحمة جاء ذكرها في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ على نحوين: الأول: يراد به الصفة القائمة بالله ، كقوله في الحديث: (سبقت رحمتي غضبي) ، وفي الآية: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، فالمكتوب هنا هو رحمته التي وصف بها. الثاني: يأتي ذكر الرحمة في كلام الله والمقصود بها آثارها ومتعلقاتها؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧] ، فالرحمة هنا ليست صفته، إنما هي أثر الصفة، وهذا ليس خاصاً بالرحمة، بل عدة صفات تذكر ويراد بها مسمى الصفة، وتارة تذكر ويراد بها متعلقها وأثرها، من ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] ، فالمشار إليه هنا هل هو الصفة القائمة بالله أو أثر هذه الصفة، وهو خلقه جل وعلا؟ المراد الأثر، وهذا بالنظر والتتبع أمثلته عديدة في كتاب الله ، المهم أن اسم الصفة يطلق ويراد به مسمى الصفة، وهو ما يتصف به ، ويطلق ويراد به أثرها ومتعلقها، ومثالها: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، هنا أطلق اسم الصفة وهو يريد الصفة القائمة بالله، أي: مسمى الصفة، وفي قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠] ، المراد هنا الرحمة التي تشاهد وتدرك، ومنه قول النبي ﷺ : (إن الله خلق مائة رحمة) ، فالرحمة المخلوقة ليست هي صفته؛ لأن صفته ليست مخلوقة، والرحمة ذكرنا أنها من الصفات الفعلية الاختيارية التي يثبتها أهل السنة والجماعة كسائر ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﷺ .

стр. 69

الفرق التي ضلت في صفة الرحمة ضل في صفة الرحمة أقوام فقالوا: إن الله لا يوصف بالرحمة، وهم الجهمية وبعض مثبتة الصفات، قالوا: لأن الرحمة رقة، فبماذا عرفوا الرحمة، وبماذا أولوها والكتاب من فاتحته ومروراً بكل سورة تفتتح بهذين الاسمين الكريمين إلا سورة براءة؟ أولوها فقالوا: إن كان المراد الوصف القائم بالذات فهو إرادة الخير، وإن كان المراد ما يصل إلى المخلوق من هذه الرحمة فالمراد به إرادة الإحسان، المهم أنهم أولوا هذه الصفة بالإرادة كالمحبة، وهذا من ضلالهم وعدم تسليمهم بالنصوص. يقول ﵀: وقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر:٧] ، وهذا فيه إثبات سعة رحمة الله جل وعلا، وأنها وسعت كل شيء. قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] ، هذا فيه تخصيص المؤمنين بالرحمة؛ لأنهم أهلها المستحقون لها. وقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] هذا فيه إثبات أن رحمة الله وسعت كل شيء، حتى أهل الكفر فإن رحمته قد وسعتهم. وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] هذا فيه إثبات صفة الرحمة له. وقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] ، فيه أنه موصوف بمنتهى وغاية ما يوصف به شيء من رحمته ، فرحمته بلغت المنتهى، فلا مثيل ولا نظير له فيها كسائر ما وصفه به نفسه .

стр. 70

إثبات صفات الرضا والغضب والسخط والأسف والكره والمقت قال ﵀: [وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] ، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] ، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] ، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]] . هذه الآيات كلها من الآيات التي تثبت بها صفة الفعل له ، وكلها صفات فعلية يثبتها أهل السنة والجماعة لله على وجه الكمال له ، ولا نقص فيها بوجه من الوجوه. ذكر المؤلف في هذه الآيات ست صفات: الرضا والغضب والسخط والأسف والكره والمقت، وكلها من صفات الفعل وكذلك الانتقام، لكن اعلم أن هذه الصفات قد جرى فيها أهل الكلام على ما جروا عليه من القول في الصفات الفعلية الأخرى من التعطيل والتأويل، فقد تأولوا كل هذه الصفات إما إلى إرادة الثواب أو إرادة العقاب، فالرضا أولوه بإرادة الثواب، والغضب والسخط والمقت والكره والأسف كلها أولوها بإرادة العقاب، وجروا في الصفات الفعلية على هذا النسق. واعلم أن الجهمية المحضة من المعتزلة ومن سار في طريقهم لا يسمون هذه صفات، إنما يسمونها إضافات، فهم لا يعدونها من آيات الصفات، إنما يعدونها من الإضافات التي يراد بها مفعول الله لا ما يقوم به من صفات، فيقلون: الرضا ثواب، والغضب، والكره، والسخط ما يفعله بالمخالف من العقاب، وهذا ديدنهم، وهذه هي طريقتهم، والصحيح أن نثبت لله من الصفات ما أثبته لنفسه، وأن نعلم أن ما ثبت في الكتاب والسنة من صفات لا يمكن أن يتطرق إليها نقص بحال من الأحوال، ولسنا أعلم بالله من نفسه، ولسنا أحرص على تعظيمه جل وعلا وتنزيهه منه لنفسه، أو من رسوله ﷺ له، فهم قالوا: الرضا والغضب كلها أمور تقتضي ميلاً، وتقتضي نقصاً لا سيما الغضب؛ لأنه غليان دم القلب، فأولوه بإرادة السخط. والجواب عليهم كالجواب الذي قدمناه في صفتي المحبة والرحمة. وأما قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] ، فقد فسرها ابن عباس ﵁ بالغضب، يعني: فلما أغضبونا، وكذا فسرها ابن قتيبة، فقال: الأسف الغضب، وليس المراد بالأسف هنا الحزن، فإنه لا يوصف به ، وليس من صفاته.

стр. 71

إثبات صفتي الإتيان والمجيء لله [وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ، وقوله: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥]] . هذه الآيات أيضاً مما يثبت به صفات الفعل لله جل وعلا، والأصل في إثبات صفات الفعل قوله : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ؛ فكل صفة فعل تندرج تحت هذه الآية، وهذه الآيات ذكرها ﵀ لأن فيها إثبات صفة الإتيان له ، وذلك في قوله: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) ، وكذلك إثبات صفة المجيء، وذلك في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ، فهذه الآيات أثبتت لله هذين الوصفين على الوجه اللائق به ، والإتيان والمجيء من صفات الفعل، وهو يأتي لفصل القضاء في يوم القيامة. قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ) هذا تهديد، والخطاب فيها لأهل الكفر والشرك المعاندين للرسل، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ) يعني: بالموت (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني: لفصل القضاء (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يعني: أشراط الساعة، وهو خروج الشمس من مغربها، وعند ذلك تنقطع التوبة. قوله: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، هذا أيضاً فيه إثبات مجيئه ، وذلك يوم القيامة لفصل القضاء، وهو المذكور في قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ) ظلل: جمع ظلة وهي القطعة، (مِنْ الْغَمَامِ) أي: من السحاب الأبيض، وذلك حين مجيئه لفصل القضاء، وقوله: (فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ) (في) هنا بمعنى (على) ، أي: يأتي الله جل وعلا يوم القيامة على ظلل، أي: قد علا -كما يليق به- على ظلل من الغمام، (وَالْمَلائِكَةُ) أي: وتأتي الملائكة، وما عاقبة هذا المجيء منه ومجيء ملائكته؟ (وَقُضِيَ الأَمْرُ) أي: وقضي الأمر بين الناس بفصل القضاء بينهم. قوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) أي: بالسحاب الأبيض، (وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً) ، وهذا إنما يكون إذا جاء الرب لفصل القضاء كما في الآية الأولى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] فهذه الآيات أثبتت لله المجيء والإتيان. وقد أول أهل الكلام المجيء والإتيان هنا بأنه مجيء أمره وإتيان أمره، وهو تأويل باطل؛ لأن الأصل فيما أضافه الله جل وعلا لنفسه من الأفعال فإنه له حتى يدل الدليل على أنه لغيره -وهذه قاعدة- الأصل فيما ذكره الله في كتابه مما أضافه لنفسه بصيغة الإفراد فهو له ولا يضاف إلى غيره، وقالوا في تشبيههم: نحن نحمل المطلق في هذه الآيات على المقيد في قوله في سورة النحل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل:٣٣] . قلنا لهم: أخطأتم؛ لأن قوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) المراد بالإتيان هنا هو الساعة وهي القيامة، فذكر الله في موضع أن المشركين ماذا ينتظرون تهديداً لهم؟ هل ينتظرون إتيان الملائكة بالموت قبل الساعة أو بإتيان الساعة؟ وفي موضع آخر ذكر شيئاً مما يكون في الآخرة، وهو إتيانه لفصل القضاء. ثم إننا نقول: لا يعقل أن يكون الأكثر والأغلب في كلام الله إضافة الإتيان إليه، ثم نحمل الأقل على الأكثر، ونقول: إن الإتيان والمجيء إنما هو إتيان ومجيء أمر الله . ثم نقول: المرجع في بيان الإتيان إلى السنة، وقد بينت السنة الصحيحة أنه يأتي لفصل القضاء، فلا مناص ولا مخرج ولا محيص من إثبات ما أثبته الله لنفسه في هذه الآية، وهم عندما أنكروا ذلك قالوا: لأنه يتنزه عن الانتقال، ونحن نقول: أأنتم أعلم بالله من نفسه؟ الجواب: لا، والله قد أثبت لنفسه هذه الصفات، ومن أين لكم أن الانتقال نقص؟ ومن أين لكم أن إتيانه يلزم منه أن يخلو منه مكانه كما تزعمون؟ قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فهو كما أخبر به عن نفسه، ولا يمكن أن تدركه عقولنا، ولا أن تحيط به أفهامنا، ولا أن تبلغه فهومنا، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .

стр. 72

إثبات صفات الوجه واليد والعين لله تعالى [وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] ، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]] . هذه الآيات الكريمات فيها إثبات الصفات الخبرية السمعية لله ، وهذا قسم من الصفات لم نذكره قبل ذلك. الصفات السمعية الخبرية هي الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق الوحي، وهي: الوجه واليد والعين والأصابع وما أشبه ذلك، وهذه الصفات باعتبار التفصيل السابق الذي ذكرناه في الصفات الفعلية والذاتية تعتبر من الصفات الذاتية؛ لأنه لم يزل ولا يزال متصفاً بها ، وإنما خصت بهذا الاسم -وهو الصفات الخبرية- تمييزاً لها عن الصفات المعنوية التي يستدل في إثباتها بالدليل العقلي، أما هذه الصفات فمهما نظر الإنسان وتأمل وفكر فلن يتوصل إلى إثباتها من طريق العقل؛ لأنه لا يوصل إلى العلم بهذه الأمور. الآيات التي قرأناها فيها إثبات صفة الوجه واليد والعين لله تعالى، واعلم أن أهل السنة والجماعة جروا في هذا النوع من الصفات كما هي حالهم في بقية صفات الله : يثبتونها له من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 73

إثبات صفة الوجه والرد على المخالفين فيها إذا قال قائل: كيف وجه الله؟ نقول: الله أعلم، فهذا أمر لا تحيط عقولنا به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، لكن لما أخبر الله عن نفسه بأن له وجهاً، فليست لنا حجة، وليس معنا برهان إذا لم نثبت ذلك، كيف يلقى العبد ربه وهو لا يثبت له هذا الذي أثبته لنفسه؟ فنحن نسلم بالنصوص، ونؤمن بما جاء فيها، وقد جاء الخبر بأن ربنا ﵎ له وجه، واعلم أنه ليس كمثله شيء، فمهما تخيل الإنسان وبلغ في تصوره والتفكير فيما أخبر به عن نفسه فإنه لا يصل إلى شيء، وقد قال الله في إثبات هذه الصفة: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] . ومن حسن تصنيف المؤلف أن بدأ بهذه الآية في إثبات صفة الوجه؛ لأنها آية لا يتمكن أهل التأويل من إبطال مدلولها، فإنها أصرح آية في إثبات صفة الوجه لله ، هم تأولوا الآيات التي فيها صفة الخبر، كالوجه واليد والعين، لكن هذه الآية فيما يتعلق بصفة الوجه لا يستطيعون تأويلها؛ لأن الله أخبر عن بقاء الوجه، ثم إنه وصف وجهه فقال: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وهم في صفة الوجه يؤولونها بأنه ما يقصد به الله، فيقولون: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ، يعني: ما ابتغي به وجهه، أي: ما أخلص له هو الذي يبقى، وأما ما عداه فهو هالك، ويحملون عليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، قالوا: كل عمل يبطل ويضمحل ولا تحصل ثمرته إلا ما قصد به وجهه، كقول النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه) أي: قصد به . فالجواب على تأويلهم: أنه لا يستقيم لكم هذا التأويل -وبالأصح نقول: هذا التحريف- في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ؛ لأنه وصف الوجه بوصفين: فقال: (ذو الجلال) أي: صاحب الجلال، (والإكرام) أي: صاحب الإكرام، والجلال هو الكبرياء والعظمة، والإكرام تكلم في تفسيره أهل العلم، ويدور كلامهم فيه على معنيين من الإكرام، قالوا: ذو المحبة والحمد، يعني: صاحب المحبة فهو يحب ، والحمد فهو أحق من حمد جل وعلا، وله المحامد كلها، فهل يصح أن يوصف العمل بأنه ذو كبرياء؟ لا يصح، فلما كان لا ينطبق عليه هذا الوصف، ولا يوصف به عمل الإنسان، ولا يوصف به ثواب العمل؛ فقد تبين بطلان هذا التأويل، وأن الوجه هنا هو ما اتصف به ، فيكون المعنى: ويبقى وجهه الذي هو صفته، ووصف وجهه ، الذي تنزه عن كل نقص وعيب بهذين الوصفين: (ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) ذو العظمة والكبرياء، وذو المحبة والحمد. ثم قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وهذا أيضاً فيه إثبات هذه الصفة من هذه الآية له . ولقائل أن يقول: لماذا لم يذكر الشيخ ﵀ في الاستدلال لهذه الصفة قول الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ؟ الجواب على هذا السؤال: أن الشيخ ﵀ يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: قبلته، فالوجه هنا بمعنى الاتجاه؛ ولذلك لم يذكر هذه الآية في الآيات التي ساقها لإثبات صفة الوجه لله .

стр. 74

إثبات صفة اليد لله ذكر ﵀ صفة اليد وصفة العين، وهما من الصفات الذاتية الخبرية السمعية، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، هذا فيه إثبات صفة اليدين له ، واليدان وصف له ذاتي ثبت بالنص في الكتاب والسنة، وجاء في هذا السياق بلفظ التثنية، وهذا أحد الصيغ أو الأوصاف التي ذكرت ووردت بها صفة اليد في كتاب الله. ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، هذه الآية تضمنت إثبات صفة اليد، ووردت بصيغتين: صيغة الإفراد في قوله: (يَدُ اللَّهِ) ، وصيغة التثنية في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، وهناك صيغة ثالثة لم يذكرها المؤلف ﵀ هنا، وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ؛ فجاءت بصيغة الجمع، وبهذا نعلم أن هذه الصفة وردت في كتاب الله بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع.

стр. 75

إثبات صفة العين لله الكلام في صفة اليد يشبه ما في صفة العين، ولذلك نقرأ ما يقول المؤلف من آيات في إثبات صفة العين: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، أثبت صفة العين بصيغة الجمع، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣-١٤] ، هذه صيغة الجمع أيضاً، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، هذه صيغة الإفراد. إذاً: فهمنا أن صفة العين وردت في كتاب الله بصيغتين: صيغة الجمع وصيغة الإفراد، فهل وردت في كتاب الله بصيغة التثنية؟ الجواب: لا، وإنما جاء ذلك في السنة في حديث أبي هريرة مفهوماً فهماً واضحاً في ذكر الدجال، وأنه أعور، فإن الأعور في لسان العرب الذي ليس له إلا عين واحدة، ففهم من نفي العور عن الله جل وعلا: (وإن ربكم ليس بأعور) ، أي: أن له عينين جل وعلا؛ ولذلك يثبت أهل السنة والجماعة لله يدين، ويثبتون له عينين. هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة في صفة اليد، وفي صفة العين.
следующие страницы →