Полный текст (230 стр.). Показаны 211–230 · переход к 216.
стр. 211
فضل آل بيت النبي ﵊ وبيان حقوقهم
قال ﵀: [ويحبون آل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) ، وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ] .
بعد أن فرغ المؤلف من بيان فضيلة الصحابة، وما لهم من فضل وحق، وعقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك؛ انتقل إلى بيان حق آل البيت، واعلم أن أهل السنة والجماعة أهل عدل وإنصاف وعلم، فهم لا يتكلمون إلا بالعلم والعدل، وبهذين الأمرين يحصل الخير لكل أحد، العلم يأمن به الإنسان من الجهل؛ والعدل يأمن به من الظلم، وهذان الأمران مصدر كل شر، مصدر كل شر في الأقوال والأعمال والعقائد الجهل أو الظلم؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الاتصاف بهذين الوصفين -العلم والعدل- في قوله وعمله وعقيدته وسائر شئنه، وليعلم أن الإنسان في أصله مجبول على ذينك الوصفين كما قال الله : ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] ، هذا وصف لجنس الإنسان، ولا خروج له من هذين إلا من طريق الكتاب والسنة، فبقدر استمساكه بهما وعمله بهما وأخذه بهما وإقباله عليهما؛ بقدر ما يسلم من هذين المحظورين.
فلما كان أهل السنة والجماعة أهل علم وعدل خلافاً لغيرهم من الطوائف فإنهم يعطون كل ذي حق حقه؛ ولذلك هم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يحبونهم محبة قلبية زائدة على محبة الصحابة، فأهل البيت لهم حق الإسلام، ولهم حق القرابة، ولهم حق زائد وهو حق الصحبة إن كانوا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ولذلك هم يحفظون حقوق أهل البيت كما قال المؤلف: [ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم] .
خلافاً لطريق النواصب الذين يعادون آل البيت ويذمونهم ويسبونهم.
قال: [ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) ] وذلك أن النبي ﷺ قال في غدير خم: (تركت فيكم ثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور - ورغب في كتاب الله - ثم قال: وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) كررها ثلاثاً ﷺ .
وتقدم لنا أن الثقلين جمع ثقل، والثقل هو كل ما له قيمة وشرف ومنزلة، فأهل البيت لهم قيمة وشرف ومنزلة؛ ولذلك أوصى بهم النبي ﷺ وقال: (أذكركم الله في أهل بيتي) ، أي: فيما يجب لهم من الحقوق، ومن حقوقهم الصلاة عليهم مع رسول الله ﷺ ؛ ولذلك نقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الصلاة الإبراهيمية، فهذا من حقوقهم.
ومن حقوقهم: أن يعطوا الخمس من المغنم.
ومن حقوقهم: الفيء.
ومن حقوقهم: الإكرام والتقدير والمحبة لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، فأهل السنة والجماعة يحفظون حقوق هؤلاء، لكن لا يغلون فيهم، ويلغون فضائل غيرهم بكونهم قرابة رسول الله، فـ علي ﵁ نحبه لقرابته من رسول الله ﷺ ولبلائه وصحبته، ولكن هذا الفضل لا يلغي فضل غيره من الصحابة الذين هم خير منه ك أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع.
فالمفاضلة بين الناس بحاجة إلى هذين الوصفين اللذين تقدم الإشارة إليهما، وهما: العدل والعلم، حتى في المفاضلة بين المعاصرين أو أي أمر يفاضل فيه الإنسان ويحتاج أن يقول: هذا أفضل من هذا، فعليه أن يتكلم بعلم وعدل، وكلما اتصف بهما كلما أصاب الحق، وكلما قل وصفه بهما كلما جانب الصواب.
قال النبي ﵊ للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، هذا الحديث بين أن آل البيت لهم حق خاص لله، والمحبة لله هي عامة لكل مسلم، فكل مسلم يحب لله، ولكن هؤلاء اختصوا بهذه الخاصية وهي قرابتهم من رسول الله ﷺ ، ومحبتهم من محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 212
بيان آل بيت النبي ﵊
قال ﵀: [وقال رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ] .
قال رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل) إسماعيل هو ابن إبراهيم ﵇، (واصطفى من بني إسماعيل كنانة) ، وهو من بني إسماعيل ﵇، (واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، فالنبي ﷺ خيار من خيار، وهذا ترقي في الاصطفاء، وآل بيت النبي ﷺ هم بنو هاشم.
وسبب سياق هذا الحديث بيان منزلة بني هاشم في العرب، وأيضاً: بيان من هم آل النبي ﷺ الذين قال فيهم المؤلف ﵀: ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله، فمن هم؟ هم بنو هاشم: ولد العباس، وولد علي، وولد جعفر، وولد عقيل، هؤلاء هم أهل البيت الذين لهم حق لقرابتهم من رسول الله ﷺ : آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، هؤلاء هم آله من نسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
واعلم أن آله الذين لهم هذه الحقوق هم الذين تحرم عليهم الصدقة.
ومن آله أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله الذين لهم الحقوق السابقة من المحبة والتولي وحفظ رسول الله ﷺ فيهم؛ ولذلك أشار المؤلف ﵀ إلى حقهم خصوصاً فقال: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين] .
وإفراد الحديث عنهن لا لأنهن لسن من آل البيت؛ بل لأنهن اختصصن بأمور زائدة على ما اختص به آل بيت النبي ﷺ من نسبه، فأولئك كلهم آله من النسب، وهؤلاء آله بالزوجية، وقد دل القرآن الكريم على أن أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله حيث قال جل وعلا في سياق الآيات التي فيها خطاب أزواج النبي ﷺ وأمرهن بما أمر جل وعلا: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذا لا إشكال أنه في أزواج النبي ﷺ ، فإن الأمر بالطاعة في قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ موجه إلى زوجات النبي ﷺ ؛ لأن الخطاب مفتتح: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، فأزواجه من آله بنص القرآن.
وأما ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة، وفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة؛ أن النبي ﷺ : (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله في الرداء وغطاه في الرداء، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) ، وفي رواية: (اللهم! هؤلاء أهل بيتي فطهرهم تطهيراً) ، فهذا لا ينفي ما أثبته القرآن من كون أزواجه ﵅ من آله، فإن التخصيص لا يلغي ما دل عليه النص السابق، فهؤلاء لا شك أنهم من آله، ولم يختلف أهل الإسلام أن الحسن والحسين وعلياً وفاطمة ﵃ من آل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا خلاف في ذلك، ولكن هل هذا النص يفيد إلغاء هذا الوصف عن غيرهم؟ الجواب: لا، كيف لا؟ إذا قلت: لا، لا بد أن تبين، فنقول: إن القرآن كالصريح في أن أزواجه من آله؛ لأنه لما وجه الخطاب بأمر ونهي إلى أزواجه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ، وهذا لا معنى له إذا لم يكن تعليلاً للأوامر السابقة، والأوامر السابقة موجهة إلى آل بيته من أزواجه، ثم إن القرآن دل على أن امرأة إبراهيم من آله، وأن امرأة لوط من آله، وهذا أمر معروف، فكيف يكون أزواج النبي ﷺ لسن من آله؟ هذا قصور في حقه ﷺ .
إذاً: ثبت عندنا بالقرآن أن أزواجه من آله، فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ نقول: هذا الحديث فيه إثبات أن أحق من وصف بهذا الوصف هم هؤلاء الذين أدخلهم النبي ﷺ في هذا الغطاء، فهم أحق من وصف بهذا الوصف؛ لأنهم آله من النسب، ولا يعني هذا نفي الحكم والوصف عن غيرهم، ونظير ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأن أول مسجد أسس على التقوى مسجده ﷺ ، فلما سئل عن قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] قال: (هو مسجدي هذا) ، مع أن أهل التفسير متفقون على أن الآية نزلت في مسجد قباء فهل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلغاء لما هو ثابت من أن الآية نزلت في مسجد قباء، لا، ليس إلغاءً لكنه يفيد أن أحق ما وصف بهذا الوصف هو مسجد رسول الله ﷺ ، وهل كونه أحق يلغي هذا الوصف عن غيره؟ الجواب: لا؛ ولذلك نقول: لهذا نظائر، والمقصود من هذا الأسلوب: هو بيان أحقية المخصوص بالوصف، ففي حديث عائشة وأم سلمة ﵄ تخصيص علي وفاطمة والحسن والحسين بقول النبي ﷺ : (هؤلاء أهل بيتي) ، وما فائدته؟ بيان أنهم أحق من وصف بهذا الوصف، لكن كونهم أحق لا يلغي هذا الوصف عن غيرهم؛ ولهذا نقول: لا خلاف بين الكتاب والسنة في أن أزواجه من آله ﷺ .
стр. 213
فضل أزواج النبي ﵊ أمهات المؤمنين
قال ﵀: [يتولون أزواج رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين] .
أزواج: جمع زوج، والنبي ﷺ له عدة زوجات، مات عن تسع، والذين تزوجهن إحدى عشرة امرأة، وهؤلاء كلهن من آله، ولهن خاصية أخرى وهي: أنهن أمهات المؤمنين، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] أزواجه، أي: أزواج النبي ﷺ أمهاتهم، لكن هذا لا يثبت إلا لمن بقي هذا الوصف لها وهو الزوجية، فمن طلقها رسول الله ﷺ هل يثبت لها هذا الحكم؟ الجواب: لا، إنما هذا الحكم ثابت لمن مات عنهن أو متن في حياته.
قال ﵀: [ويؤمنون بأنهن - أي: زوجاته - أزواجه في الآخرة] .
فهن أزواجه في الدنيا، وأزواجه في الآخرة، وهذا يتضمن الشهادة لهن بالجنة، وبه نعرف أن الشهادة ليست مقيدة بمن ذكرهن ﵀، فجميع زوجات النبي ﷺ في الجنة؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وثبوت وصف الزوجية لهن في الآخرة يدل على تحريمهن على غيره، فلا يجوز لأحد أن يتزوجهن، وقد انتهى الموضوع فقد متن ﵅؛ لكن هذا بيان لحكم سابق.
قال: [خصوصاً خديجة] .
بعد أن بين ﵀ ما اختص به أزواج النبي ﷺ ، بين من هو أحق بهذا الوصف منهن، واعلم أن كل من خص بخصيصة فإنه خص لمعنى، ولم يخص بمجرد التخصيص؛ لأننا نؤمن بأن الله حكيم كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، فالله أعلم حيث يجعل الفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] ، أزواجه اللواتي توفي عنهن ﷺ هن: عائشة، وحفصة، وسودة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، تسع زوجات، ومات عنه: خديجة، وزينب بنت خزيمة ﵅، فمات عنه زوجتان، ومات ﷺ عن تسع زوجات، والحق ثابت لجميعهن، فقوله: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة] هذا ثابت للجميع: من مات عنهن، ومن متن عنه.
قال: [خصوصاً خديجة] .
يعني: أحقهن بما ذكر من التولي والمكانة والاحترام، وكونها أيضاً زوجة له في الآخرة خديجة ﵂.
وجه التخصيص قال: [أم أكثر أولاده] هذا واحد.
[وأول من آمن به وعاضده على أمره] هذا اثنين.
[وكان لها منه المنزلة العالية] في حياتها وبعد موتها، فهذا وجه تخصيصها ﵂ بهذا الفضل دون غيرها من الزوجات.
قال: [والصديقة بنت الصديق] الصديقة بنت الصديق هذا معطوف على خديجة ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ، الثريد هو الخبز مع اللحم، وهو أفضل الطعام؛ لكون الخبز من البر وهو أفضل الطعام، ولكون اللحم من الأدم وهو أفضل الإدام؛ ولذلك كان أفضل الطعام، فـ عائشة ﵂ فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا تفضيل عائشة على أزواجه ﷺ ، وقد وقع الخلاف في أيهما أفضل عائشة أو خديجة؟ والقول الفصل في ذلك أن عائشة ﵂ باعتبار ما جرى منها من نشر العلم وحفظ الشريعة هي أفضل من هذا الجانب، وأما خديجة فباعتبار ما كان منها في أول الإسلام من نصرة رسول الله ﷺ وتأييده وتثبيته وإعانته وإمداده هي أفضل، فكل منهما لها فضل من وجه، وكلهن فاضل ﵅.
стр. 214
شرح العقيدة الواسطية [٢٦]
الصحابة ﵃ هم خير الناس بعد الأنبياء، لم يكن ولا يكون مثلهم، هذا هو معتقد أهل السنة، الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، وقد خالف هذا الأصل الروافض والنواصب، فضلوا عن سواء السبيل.
стр. 215
من أهل البدع: الروافض والنواصب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] .
(يتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم) الروافض: اسم لطائفة، وهم الذين رفضوا زيد بن علي لتوليه أبي بكر وعمر، سئل الإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: الذي يبغض أبا بكر وعمر.
وهذا حد ضابط؛ لأن من أبرز ما عرفوا به وأشهر ما اختصوا به بغضهم لـ أبي بكر وعمر ﵄، وهما الإمامان الجليلان وزيرا رسول الله ﷺ وصاحباه، فهؤلاء سبوا وأبغضوا، قال المؤلف: (الذين يبغضون الصحابة) وهذا أمر قلبي، (ويسبونهم) وهذا أمر قولي، فجمعوا في التقصير في حق أصحاب رسول الله ﷺ بين فساد القلب وسوء القول، وأهل السنة الجماعة هداهم الله إلى الطريق الوسط، والصراط المستقيم، فسلموا من هذه البدعة، فلم يقعوا في أحد من الصحابة، بل ألسنتهم بريئة من ذم أو همز أو سب أو نيل من صحابة رسول الله ﷺ ، كيف وهم خير القرون الذين أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع عديدة؟ واعلم أن سب صحابة رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: القسم الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفرهم، أو يقتضي كفر أكثرهم، وهذا صاحبه كافر، يعني: سبهم بما هو كفر، وعابهم بما هو كفر كأن يقول: إن الصحابة ارتدوا، أو الصحابة خانوا وكذبوا، فهذا سب لهم بما هو كفر، وقائله كافر، لماذا؟ لأنه قادح في الكتاب والسنة، وطاعن في الرسالة.
القسم الثاني: سبهم باللعن والتقبيح دون الكفر، يعني: لا ينسبهم إلى ما هو كفر، إنما يلعن ويقبح ويذم، وهذا اختلف العلماء في كفره على قولين، لكن على القول بأنه لا يكفر فالواجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه.
القسم الثالث في السب: أن يسبهم بما ليس فيه نقص في دينهم، كأن يقول: هم جبناء، أو يقول: فلان منهم جبان، أو ما أشبه ذلك مما لا ينقص به دينهم، فهذا صاحبه يعزر ولا يكفر، هكذا قسم شيخنا ﵀ أحوال الساب.
واعلم أن شيخ الإسلام ﵀ أطلق الخلاف بين أهل العلم في سب أصحاب رسول الله ﷺ ، لكن هذا التقسيم يبين لنا مواضع الخلاف ومواضع الاتفاق، فسب المجموع أو الجمهور من صحابة رسول الله ﷺ كفر، إذا كان السب من لازمه نسبتهم إلى الكفر أو الردة، وأما ما دون ذلك فهو الذي جرى فيه الخلاف بين أهل العلم، فهؤلاء سبوا أصحاب النبي ﷺ واستثنوا منهم بضعة عشر فتولوهم، وعليهم حملوا النصوص الواردة في فضل الصحابة وما يجب لهم من التقدير والاحترام، بل غلوا في بعضهم حتى أبلغوه درجة الإلهية، كما غلوا في علي بن أبي طالب، وكما غلوا في الأئمة الذين قالوا: إنهم معصومون.
قابل هؤلاء النواصب وأشار إليهم المؤلف في قوله: (وطريقة النواصب) ، نواصب: جمع ناصب، وهو من ناصب العداوة أهل البيت، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ بعد رسول الله، فأفضل أهل البيت بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، آذوهم بقول إما بسب، أو شتم، أو لعن، أو تكفير، أو تفسيق، أو بعمل، وذلك بأن يوصل إليهم الأذى الحسي، ومنه أذى قبورهم إن عرفت بأن يلقى عليها القاذورات أو تمتهن، فإن هذا من الإيذاء وإن كان لا يصل إليهم بذواتهم، لكن هو إيذاء معنوي نظير السب والشتم، بل هو أشد.
стр. 216
إمساك أهل السنة عما شجر بين الصحابة
قال ﵀: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : (أنهم خير القرون) وأن: (المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم) ، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله] .
يقول ﵀: (ويمسكون) أي: أهل السنة والجماعة (يمسكون عما شجر بين الصحابة) .
شجر يعني: اختلف وتنازع، والمقصود أنهم يمسكون عن الخلاف الواقع بين صحابة رسول الله ﷺ ، وهل المراد الخلاف في المسائل العلمية؟ لا، إنما المراد الخلاف المشهور الذي عرف بالفتنة بين الصحابة، الفتنة التي وقعت بين الصحابة بعد مقتل عثمان ﵁، وقعت الفتنة بين صحابة رسول الله ﷺ ، فانقسم الناس إلى فريقين: فريق مع علي ﵁، وفريق مع معاوية، وجرى بينهم قتال في الجمل وصفين، وهذا هو المراد بقول المؤلف ﵀: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة] أي: من الخلاف والفتنة.
والإمساك هو: عدم الخوض لا بالفكر، ولا بالبحث، ولا بالطلب، ولا بالقول، فهو إمساك كلي عما وقع بين الصحابة؛ والسبب في هذا أنه لا فائدة في هذا البحث؛ ولذلك هذا المنهج ليس خاصاً فيما شجر بين الصحابة فقط بل شيخ الإسلام ﵀ يقول: كل ما شجر بين أهل الإسلام مما لم يطلع عليه الإنسان لا يجوز له أن يتكلم فيه؛ لأنه إن كان مصيباً فلا فائدة في الحديث، وإن كان مخطئاً فقد بغى على القوم، وتكلم بجهل.
وهذه القاعدة لو أعملها الإنسان فيما يقع من خلافات لاستراح قلبه، واشتغل بما ينفعه؛ لأن الدخول في مثل هذه الأمور يوغر الصدور، ويعمي عن الخير، ولو لم يكن فيه مذمة ولا سوء إلا أنه يشغل عن العلم النافع؛ لكان كافياً في الانصراف عنه والبعد؛ لأنه علم لا ينفع، أولئك قوم مضوا وهم في علم عليم خبير لا تخفى عليه خافية، والله جل وعلا يقضي بينهم، ولا مصلحة لنا ولا نفع في الخوض.
ولذلك الذي يقول: أنا أريد أن أبحث حتى أستبين الحق، نقول له: يا أخي! لم يبق من الحق ما تحتاج إلى استبانته إلا هذه القضية! القضايا التي يحتاج الإنسان إلى أن يصل فيها إلى الحق كثيرة: في الأعمال والعقائد، فلينصرف الإنسان إلى ما ينفعه من العلم، وليعلم أن هذا من العلم الذي لا ينفع، ثم إنه من جهة ثانية قل من يخوض في هذا الأمر إلا ويقع في قلبه بغض لبعض الصحابة، وهذا في حد ذاته لوثة وسيئة يجب على المؤمن أن يطهر قلبه منها، فإن القلب إذا عمره بغض الصالحين وأصحاب رسول الله ﷺ أوشك أن يهلك، وأن ينصرف عن خير كثير، أقله إنه إذا ورد الحديث عن طريق هذا الصحابي الذي صار في قلبه عليه شيء لم يرفع به رأساً، هذا أقل ما يكون.
ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: قل من خاض في هذا الأمر إلا وصار في قلبه من البغض والذم ما هو من قبيل المعاصي يعني: لصحابة رسول الله ﷺ ، فيجب على المؤمن أن يحذر من هذا غاية الحذر، يحذر منه قراءةً، وكتابةً، وسماعاً، حتى الأشرطة التي تعرض فيها الفتنة يجب على المؤمن ألا يسمعها، بل يحرم عليه أن يسمعها؛ لأنها توغر صدره، وتشغله بما لا فائدة فيه.
هذا فضلاً عن أن هذا الصراط مخالف لطريق أهل السنة والجماعة، هل رأيتم عالماً من أهل السنة والجماعة حرر هذه المسألة وبحثها، وكتب فيها، وألف؟ لم نعرف ذلك في سلف الأمة، ولا في المتأخرين ممن سار على طريق السلف الصالح، وهم أحرص منا على الحق وإظهاره.
ثم إن قول المؤلف ﵀ في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يمسكون عما شجر بين الصحابة ليس من لازمه عدم ترجيح إحدى الطائفتين على الأخرى، فإن أهل السنة والجماعة مع إمساكهم عما شجر بين الصحابة يعتقدون أن الفئة المحقة هي فئة علي ﵁، وأن الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁، وهذا ليس من الخوض، ولا مما أمسك عنه أهل السنة والجماعة، بل أهل السنة الجماعة مع إمساكهم عما شجر بين الصحابة يقولون: علي ومن معه أولى بالحق؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في عمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) ، وعمار كان مع علي، وقتل في معسكره، وهذا من الدلائل على أن علياً ﵁ كان هو المحق، وأن معاوية ومن معه كانوا هم الفئة الباغية.
لكن اعلم أنه يجب صون اللسان عن أكثر من هذا، فلا يجوز للمؤمن أن ينال من معسكر هؤلاء أو معسكر هؤلاء، ولا يجوز له أيضاً أن يعتقد أن كل واحد في معسكر هؤلاء أو معسكر هؤلاء إما مصيب أو مجتهد، قال شيخ الإسلام ﵀: وقد يكون في أحد العسكرين من هو مريد للدنيا أو صاحب هوى لكن الكلام عن المجموع، فينبغي صون اللسان وحفظه عما وقع بينهم ﵃.
стр. 217
حال الآثار المروية في مساوئ الصحابة
يقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية] .
المشار إليه في مساوئهم، يعني: الآثار المروية فيما شجر بين الصحابة ﵃، والتي هي في مساوئ الصحابة، والمساوئ هي: ما يعاب عليه الإنسان من السيئات والنقائص.
قال: [منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه] .
هذا الاحتمال الثالث، منها ما هو كذب، والكذب مخالفة الواقع، يعني: لم يقع، ومنها ما وقع لكن زيد فيه أو نقص منه، زيد فيه ما لم يقع مما هو ذم لهم، ونقص منه ما يجعل القارئ المطالع لهذه الآثار يذمهم، والثالث من هذه الآثار: غير عن وجهه، أي أنه: لم ينقل نقلاً سليماً، ولم يفهم فهماً صحيحاً، فالتغيير هنا نظير التحريف، وهو تحريف الكلم عن مواضعه، بأن يحمل ما لا يحتمل، ويؤول ويوجه على غير وجهه؛ ولذلك قال: وغير عن وجهه يعني: عن مساقه الذي وقع فيه، فقد تنقل القصة وهي واقعة حقيقية نقلاً على وجه يلحق الذم بعض من في القصة.
فإذا كانت هذه هي الآثار المروية عنهم: إما كذب، وإما زيد فيه، ونقص منه، وإما غير عن وجهه؛ فهذا مما يزهد المؤمن في النظر في هذه القصص وهذه الآثار، هذا قسم.
والقسم الثاني: الصحيح منه ما حاله؟ قال: [والصحيح منه هم فيه معذورون] .
وجه عذرهم هو أنهم: [إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون] ، فهم مجتهدون ﵃، فلا يخلو الأمر أن يكونوا مجتهدين مصيبين، أو مجتهدين مخطئين، فالذي أصاب له أجران، والذي أخطأ له أجر، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الخوض في خبر ما وقع بينهم ﵃؛ لأننا نعلم أن ما كان منهم إنما هو باجتهاد وطلب للحق.
стр. 218
هل الصحابة معصومون من الكبائر ؟
قد يقول قائل: لازم هذا التوجيه أن نقول بعصمة الصحابة، فبادر الشيخ ﵀ إلى بيان عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بعصمة الصحابة فقال: وهم مع ذلك - يعني: ما تقدم من تلمسهم العذر لما نقل عنهم مما صح في الفتنة- لا يعتقدون أن كل واحداً من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره فتجوز عليهم المعاصي، قال: [بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة] ، وقد وقعت الذنوب منهم في عهد رسول الله ﷺ ، فالذنوب جائزة عليهم، ولا يقول أهل السنة والجماعة بأنهم لا يذنبون، لكن انظر إلى قوله: في الجملة، يعني: جملة الذنوب، ويخرج من هذا الكذب، فإن الصحابة ﵃ عدول لا يكذبون على رسول الله ﷺ ، فإنهم سالمون من الكذب على رسول الله ﷺ لعظيم ما ورد من التحذير في الكذب عليه ﷺ ، وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة أن الصحابة عدول فيما ينقلونه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولعل هذا مراد الشيخ ﵀ في قوله: بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، يعني: أنواع الذنوب في الجملة، لكن ما يتعلق بالكذب على رسول الله فلا يكون منهم؛ لعظيم وغلظة ما ورد في الكذب عليه ﷺ ، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدق، يعني: إذا كنا نجوِّز أن تقع منهم الذنوب فهل هذا مسوغ للنيل منهم؟ الجواب: لا، ولذلك قال: [ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدق] ، يعني: إن صح وثبت، إن ثبت صدوره، وصحت نسبته إليهم، قال: [حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم] ، وهذا صحيح، وشاهد ذلك قول النبي ﷺ لما جرى من حاطب ما جرى من المكاتبة لأهل مكة، قال في جواب عمر لما قال: دعني أضرب عنقه: (لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وهذه فضيلة لا يلحقهم غيرهم، ولا يحصلها غير هؤلاء، فهم ﵃ لهم من السبق والفضل ما يوجب مغفرة ما صدر عنهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : (إنهم خير القرون، وإن المد من أحدهم إن تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم) ، وجه ذلك أنهم سبقوا إلى الإسلام، وأن ما قام في قلوبهم من تعظيم الله والانقياد للنبي ﷺ والنصرة لهذا الدين؛ لم يقم في قلوب غيرهم.
وبه علم أن التفاضل في الأعمال لا بصورها، إنما التفاضل بما يقوم في قلب العبد، وبنتائجها وعواقبها، فقد تكون صورة العمل واحدة من شخصين في وقت واحد وفي مكان واحد، ولكن بين هذا وهذا من الفضل كما بين السماء والأرض!
стр. 219
مكفرات الذنوب
قال: [ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه] .
هذا احتمال، إذا ثبت أن أحدهم صدر عنه ذنب فيحتمل أنه تاب منه،والتوبة تجب ما قبلها، وهذا شروع في بيان أسباب مغفرة الذنوب، وهي ليست خاصة بالصحابة ﵃ لكنهم أحق الناس بها.
أسباب مغفرة الذنوب متعددة، منها ما أشار إليه في قوله: فيكون قد تاب منه، هذا أول ما يكون: التوبة من الذنب، والتوبة من الذنب تمحوه وتزيل أثره، قال النبي ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، وقال: (التوبة تجب ما قبلها) .
ثم قال: [أو أتى بحسنات تمحوه] .
أيضاً الحسنات مما يكفر به الذنوب كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ، فالحسنة تذهب السيئة وتزيلها.
قال: [أو غفر له بفضل سابقته] .
بفضل سابقته إلى الطاعة والاستقامة، وهذا دليله واضح، كما في قصة حاطب ﵁، فإنما يغفر لهم لسابقتهم وفضلهم وجهادهم في أول وقعة في مقابلة الكفار، فبه حازوا هذا الفضل.
قال: [أو بشفاعة محمد ﷺ ] .
وهذا واضح، فشفاعة النبي ﷺ يحصل بها مغفرة الذنوب، وهم أحق بشفاعته من غيرهم؛ لملازمتهم له، ونصرتهم إياه ﷺ ، ويدل لذلك من الأثر حديث الحوض: (فيذاد عنه أقوام فأقول: أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنهم قد بدلوا وغيروا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً) ، فكونه ﷺ يقول هذا القول يدل على عنايته بأصحابه، وأنه يشفع لهم، لكن هؤلاء لما غيروا وبدلوا تبديلاً لا تنالهم الشفاعة، قال النبي ﷺ : (فأقول: سحقاً سحقاً) ، ومن هؤلاء الذين غيروا وبدلوا؟ هم المرتدون الذين كفروا بعد النبي ﷺ ، هذا معنى التغيير والتبديل خلافاً لما تقوله الرافضة من أنهم أبو بكر وعمر وأفاضل الصحابة، سبحان الله العظيم! قال: [أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه] .
فالبلاء في الدنيا تكفر به الخطايا، وأدلة هذا كثيرة، وهذا في الذنوب المحققة.
المؤلف ﵀ ذكر هنا من أسباب تكفير الذنوب خمسة أسباب، وقد عدها في غير هذا الموضع عشرة أسباب يحصل بها تكفير الذنوب.
قال: [فإذا كان هذا في الذنوب المحققة] يعني: التي لا مجال لإنكارها، وهي ذنوب ثابتة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؟ العفو فيها أقرب، والتجاوز فيها أحرى وأجدر، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثم قال: [ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم - من فعل بعض الصحابة - قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم] .
قليل: ضد الكثير، والنزر: تأكيد للقلة، فهو قليل لا يكاد يوجد، هذا معنى قوله: قليل نزر، مغمور، أي: أنه لا يوقف عليه إلا بطلب وكد، فإن الذي ثبت من فضائلهم يغمر ما جاء من مساوئ عن بعضهم ﵃.
قال: [مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة -هذا في المهاجرين- والنصرة - هذا في الأنصار - والعلم النافع والعمل الصالح] .
стр. 220
سيرة الصحابة ﵃
ثم ختم هذا الفصل بخاتمة بديعة تبين عظيم سلامة قلوب أهل السنة والجماعة على أصحاب رسول الله، وطريق الوصول إلى ذلك، فهو نتيجة ووسيلة، نتيجة للطريق، ووسيلة لتحصيل النتيجة، قال: [ومن نظر في سيرة القوم] فمن أراد أن يطيب قلبه على أصحاب رسول الله فلينظر في سيرة القوم: [من نظر في سيرة القوم -لكن انظر- بعلم وبصيرة] العلم: ضد الجهل، والبصيرة: هو العمق في العلم، والتدقيق في النظر، وهو أن ينفذ بصر الإنسان في هذا المقروء، وهي منة من الله يهبها العبد، وفرقان يفرق به بين الحق والباطل، فليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم بأن يلقى في قلب العبد نور يستبصر به، ويرى به الحق حقاً، والباطل باطلاً.
قال: [من نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء ﵃] ، فهم خير الخلق بعد الأنبياء، أي: خير من أصحاب موسى، وخير من أصحاب إبراهيم، وخير من أصحاب عيسى، وخير من أصحاب نوح، هم خير الخلق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك كانت هذه الأمة صاحبة السبق والفضل في الدنيا والآخرة.
قال: [ما كان ولا يكون مثلهم] .
كان هنا تامة، يعني: لا وجد ولا يوجد مثلهم، لا وجد في الزمن المتقدم عليهم، ولا يوجد في الزمن اللاحق لهم مثلهم ﵃، فهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله جل شأنه.
стр. 221
شرح العقيدة الواسطية [٢٧]
يؤمن أهل السنة والجماعة بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة، ودلت عليه الوقائع قديماً وحديثاً من وقوع كرامات لأولياء الله تعالى المتبعين لهدي نبيهم، وهم مع ذلك يفرقون بين الآية والمعجزة للنبي، والكرامة للولي، والسحر والشعوذة للسحرة وأتباع الشياطين.
стр. 222
إيمان أهل السنة بكرامات الأولياء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المؤلف ﵀: [ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة] .
انتقل المؤلف ﵀ إلى هذا الفصل الذي فيه بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الكرامات.
قال: (ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء) التصديق ضده: التكذيب، فأهل السنة والجماعة يصدقون بكرامات الأولياء، والكرامات: جمع كرامة، وهي: خرق العادة على يد ولي صالح؛ لكن لابد من قيد مهم حتى تخرج عن غيرها من خوارق العادات، وهذا القيد: هو أن تكون على يد ولي صالح، ولذلك قيدها المؤلف هنا بالإضافة فقال: (بكرامات الأولياء) والأولياء هم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ، وهذا يفيد: أن الكرامات ليست خاصة بالصحابة ﵃، بل هي فيهم وفي غيرهم.
والملاحظ لأخبار الكرامات يجد أنها في غير الصحابة أكثر منها فيهم ﵃؛ والسبب: أن الكرامة يحصل بها تثبيت الإيمان عند الحاجة، وكلما عظم إيمان الشخص قلت حاجته، والصحابة أعظم الناس إيماناً، فما كان من الكرامات في وقتهم لم تكن في الغالب لزيادة إيمانهم إنما هي لنصرتهم على خصومهم، ولذلك كثرت الكرامات فيمن بعدهم؛ لحاجتهم إلى ذلك.
واعلم أنه يشارك الكرامة في خرق العادة شيئان: الآية وهي للنبي، وفعل السحرة والشعوذة وهي للدجالين، لكن اعلم أن الآية التي يسميها كثير من الناس المعجزة أعظم بكثير من الكرامة، ويكون فيها عموم وسلطان وحجة باهرة، بخلاف الكرامة فإنها دون ذلك بكثير.
وأما ما يكون على أيدي السحرة فإنه من جنس الخفة في الحركة، أو من عون الشياطين، أو فتنة من رب العالمين، ومثال الأخير: ما يكون مع الدجال من الآيات التي تبهر ضعاف الإيمان، نسأل الله السلامة والعافية، ولكن الفارق بين خوارق العادات: مرجعها إلى من تجري على يديه، فإن كانت قد جرت على يد صالح ولي فهي كرامة، وإن جرت على يد نبي فهي آية، وإن جرت على يد دجال كذاب فهي شعوذة وسحر وبهتان.
هذا من حيث من تجري على يديه.
أيضاً تختلف هذه الأمور من حيث المقصود بها: فإن ما يجري على يد الساحر مقصوده به: عز نفسه، أو إبطال حق، أو إحقاق باطل، وأما ما يجري على يد الأنبياء والأولياء فإن مقصوده: زيادة الإيمان، وتثبيت الحق وإظهاره، فهو أيضاً مما يحصل به التفريق بين هذه الأمور الثلاثة.
قال ﵀: (التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات) ، ثم بين ما الذي تكون فيه خوارق العادات، قال: (في العلم والمكاشفات) .
الجنس الأول من الكرامات العلم: ويكون ذلك بأن يكشف للإنسان من العلم ما لا يكشف لغيره، سواء كان ذلك في علم الشريعة أو في العلوم الطبيعية والعادية.
فمن جنس العلوم العادية: ما كشف ل عمر ﵁ وهو على المنبر في قصة قوله: يا سارية الجبل، فإنه كشف له الأمر، وقال هذا القول وهو على المنبر، وهذه الكرامة من جنس الكرامة التي تكون في العلم والكشف.
الجنس الثاني من أجناس الكرامات: أنواع القدرة والتأثيرات، وهذا بأن يجري الله عليه ما يعجز عنه البشر في العادة، أو ما لا يمكن وقوعه في العادة، مثل ما جرى للعلاء بن الحضرمي لما مشى على الماء، وهذا في القدرة والتأثير.
الجنس الثالث من أجناس الكرامات: أن يمكن الإنسان ما لا يمكن منه عادة، نظير ذلك: الاستغناء عن الطعام والشراب أياماً.
وهذا مندرج تحت الجنس الثاني، لكن بعض أهل العلم فصله في قسم مستقل، وهو راجع إلى قول المؤلف ﵀: [وأنواع القدرة والتأثيرات] .
ثم أراد الاستدلال على هذا الأصل، وهو إثبات الكرامات والإيمان بها.
فقال: [كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها] ، قصة أصحاب الكهف فيها من الآيات ما الله به عليم، ومن أبرز ما يكون: مكثهم هذه المدة الطويلة نياماً، ثم استيقاظهم، والآيات فيها كثيرة، وغالبها من نوع القدرة والتأثير.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: قصص سورة البقرة، وقصة مريم لما كان يدخل عليها زكريا ﵍: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] ، والآيات والكرامات كثيرة في كتاب الله .
قال: [وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة] .
[وسائر فرق الأمة] هكذا في النسخة التي بين أيدينا، وفي نسخة أخرى: (وسائر قرون الأمة) وهو أصح؛ لأن مراد المؤلف أن الكرامة لم تقتصر فقط على الصحابة والتابعين بل هي موجودة في سائر قرون الأمة؛ فليست خاصة بالصحابة ﵃.
قال: [وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة] .
الكرامات موجودة في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وإنما تكثر وتوجد عند الحاجة، لكن هل الكرامة تطلب أو يَمنُّ بها الله بدون طلب؟ الغالب أنه يَمنُّ بها بدون طلب، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يتعرض لطلبها وسؤالها بل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، والله أعلم بمواضع الفضل وبمستحقه.
стр. 223
اتباع أهل السنة لآثار السلف
قال ﵀: [فصل: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) .
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين.
والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين.
وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين.
والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة] .
هذا الفصل في ختام هذه الرسالة المباركة عقده المؤلف ﵀ لبيان السمات العامة في السلوك والعمل لأهل السنة والجماعة؛ فإنه ذكر الأصول التي طوى عليها أهل السنة والجماعة قلوبهم في الفصول السابقة، وبين ذلك بياناً شافياً واضحاً، ثم هذا الفصل والذي بعده فيه بيان لمجمل ما يتسم به منهج أهل السنة والجماعة.
قال ﵀: [ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً] .
الآثار المقصود بها سنته ﷺ ، فاتباع الآثار، أي: اتباع ما أثر عنه في القول والفعل.
وقوله ﵀: [باطناً وظاهراً] بيان لعناية أهل السنة والجماعة للمسلك القلبي والمسلك العملي؛ فهم لا يقتصرون في اتباع الآثار على ما تقع عليه الأبصار إنما يتبعون الآثار في باطن الأمر وظاهره، وقدم الباطن؛ لأنه الأصل في الثواب والجزاء؛ ولأنه الباعث للاتباع الظاهر، فتقديمه للباطن ليهتم الإنسان بذلك، ولبيان منزلة الاتباع الباطني.
قال: [واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار] .
وهم صحابة رسول الله ﷺ ؛ وذلك أن الصحابة تلقوا الوحي من رسول الله ﷺ ، وشهدوا التنزيل، ومَنَّ الله عليهم بفهم وعمق في النظر لم يحصل لغيرهم؛ فسبيلهم هو السبيل القويم، وفهمهم هو الفهم المستقيم الذي يجب على أهل السنة والجماعة ويجب على الأمة الاستمساك به والرجوع إليه.
قال: [واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي) ] والمقصود بالسنة هنا الطريقة لا السنة الاصطلاحية التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، إنما المقصود بالسنة هنا الطريقة والشريعة والسبيل والمنهج، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لقول النبي ﷺ : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً) فالخلافة المهدية الراشدة هي خلافة الأربعة، وهم المعنيون بقوله ﷺ : (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، وهذا تخصيص بعد تعميم؛ فالعموم الذي يستمسك به أهل السنة والجماعة هو منهج السلف الصالح من الصحابة المهاجرين والأنصار ﵃، وأخص أولئك بالاتباع والاستمساك من أمر النبي ﷺ بالاستمساك بسنتهم، وهم الخلفاء الأربعة الراشدون المهديون، وأخص هؤلاء أبو بكر وعمر؛ لقول النبي ﷺ : (اقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر) ، وقال في الغزوة التي تقدم فيها رسول الله ﷺ أصحابه: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا) ، فلهما من الخاصية والميزة في الاتباع والاقتداء بأفعالهم العامة والخاصة ما ليس لبقية الخلفاء الراشدين المهديين الأربعة؛ فهذا تخصيص بعد تخصيص: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، ثم بين ما الذي يجب في هذه السنة، فإن قوله: (عليكم) هذا حزم وفرض للسنة بطريقته وطريقة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
قال: (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) ، تمسكوا بها، أي: استمسكوا بها، واعملوا وخذوا بها، وأمر بشدة الاستمساك والاعتصام بالسنة فقال: (وعضوا عليها بالنواجذ) ، والنواجذ هي: أقصى الأسنان التي يستمسك بها على الشيء حتى لا يكاد يفلت.
قال: (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، في الرواية التي عندنا: (فإن كل بدعة ضلالة) ، وليس فيها: (فإن كل محدثة بدعة) وهي في رواية أخرى، فحذر النبي ﷺ من المحدثات، وقوله: (محدثات الأمور) المقصود: الأمور التي يتعبد بها، يعني: من أمر الشريعة والدين، وهذا معنى قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا - يعني: أمر الشريعة والدين - ما ليس منه فهو رد) ، (فإن كل بدعة ضلالة) وهذا عموم لا مخصص له، ومن رام تخصيص ذلك فعليه الدليل ولا دليل، وهذا من العمومات القوية المحفوظة من التخصيص.
قال ﵀: [ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله] ، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] .
[وخير الهدي هدي محمد ﷺ ] ، فهو أكمل الهدي وأتمه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، والخلق: هو الهدي والدين، وليس المقصود بالخلق فقط ما يستحسن في المعاملة، بل هو أعم من ذلك؛ فيشمل الهدي والدين.
[ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس] ؛ لأن كلام الله حجة قاطعة، وكلام الله برهان ساطع لا يقوم مقامه غيره، ولذلك يؤثرونه على غيره من الكلام.
[ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد] ، من رام نجاة نفسه فهذا هو سبيل النجاة، وقد نهى الله جل وعلا عن التقدم بين يدي الله ورسوله بشيء، وتقديم كلام غير كلام الله وغير كلام رسوله من التقدم بين يدي الله ورسول؛ فالواجب على المؤمن الاستمساك بهذا الغرز، وهذا المنهج والسبيل.
ثم قال: [ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة] ، أهل الكتاب؛ لاعتصامهم بالكتاب، وأهل السنة؛ لاعتصامهم بهدي النبي ﷺ .
[وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة] .
فأهل السنة والجماعة أهل اجتماع وائتلاف؛ عملاً بالنصوص المتواترة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله التي تدعوا إلى الاجتماع، وتنبذ الفرقة والاختلاف، فإن النصوص التي تأمر بالاجتماع وتنبذ الفرقة والاختلاف كثيرة جداً في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فأهل السنة الجماعة يؤثرون الاجتماع ويقدمونه على كل شيء وينهون عن التفرق والاختلاف، ويذمون ذلك.
قال: [وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين] .
وهذا فيه بيان الاستعمال العرفي للجماعة، وأنه ليس المراد بوصف أهل السنة والجماعة بهذا الوصف لكونهم مجتمعين، ولكن لأنهم يأمرون بالاجتماع وينبذون الافتراق، يعني: كل أهل بدعة جماعة، وكل أناس اجتمعوا على قول أو رأي فهم جماعة، لكن هل هذا هو الوصف الذي يراد بقولنا: أهل السنة والجماعة؟ لا؛ لأن هذا الوصف ليس مميزاً لهم عن غيرهم، إنما الذي يميزهم عن غيرهم هو اجتماعهم على الحق، وذمهم للفرقة والاختلاف، فتنبه لهذا الفرق؛ فقوله: [وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين] هذا بيان: أن المعنى العرفي للجماعة ليس هو الذي يوصف به أهل السنة والجماعة، إنما الذي يوصف به أهل السنة والجماعة هو الاجتماع، ونبذ الفرقة والاختلاف.
стр. 224
أصول منهج أهل السنة والجماعة
قال: [والإجماع هو الأصل الثالث] .
أيضاً هم سموا بهذا الاسم لاعتمادهم الإجماع.
فهذا ثاني ما سمي أهل السنة من أجله بالجماعة، سموا بأهل الجماعة أولاً: لكونهم مجتمعين يذمون الفرقة والاختلاف، ولكونهم يعدون الإجماع أصلاً من أصول الدين التي يستندون إليها في إثبات العقائد والأحكام، والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، والعلم المقصود به ما يعلم من أمور الغيب وما يعلم من أمور الاعتقاد، والدين المقصود به العمل، والمراد أنهم يثبتون به ما يتعلق بالعقائد والأعمال.
قال: [وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين بهذه الأصول الثلاثة، وهي: الكتاب والسنة والإجماع] .
يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من الأقوال والأعمال والعقائد؛ فما وافقها قبل، وما خالفها رد على من قاله كائناً من كان، وهذه الأصول هل هي أصول معصومة؟ نعم معصومة جميعها؛ لأن أول أصل الكتاب وهو معصوم لا إشكال في ذلك، والأصل الثاني السنة الثابتة الصحيحة وهي معصومة، والأصل الثالث الإجماع وهو معصوم؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
واعلم أن الإجماع لا يمكن أن يثبت إلا وله مستند من الكتاب أو السنة، فإذا علمت أن أهل العلم أجمعوا على مسألة فاعلم أن لهذه المسألة دليلاً من كتاب الله وسنة رسوله، وبه نعلم أن أهل السنة والجماعة لا يزنون الناس بآرائهم ولا بأذواقهم ولا بأهوائهم، إنما يزنون الناس أقوالاً وأعمالاً وعقائد بهذه الموازين الدقيقة، والمعايير الثابتة البينة، وهي: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة.
قال: [والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح] .
هذا فيه بيان الإجماع الذي يحتج به، وأنه ليس مجرد قول لبعض العلماء اتفقوا عليه أو أجمعوا عليه، الإجماع الذي يستند ويعتمد عليه ويصدر عنه هو ما كان عليه السلف الصالح.
وهذا أجود ضابط في الإجماع المعتبر الذي لا يعذر المرء في مخالفته، ما السبب في ذلك؟ قال: [وبعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة] .
أولاً: لكونهم خير القرون بشهادة النبي صلى الله عيه وسلم: (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم) هذا وجه ترجيح إجماعهم بالنظر إلى المجمعين.
أما قوله ﵀: [وبعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة] .
هذا ترجيح لإجماعهم على غيرهم بالنظر إلى إمكان الإجماع وحصول الاجتماع؛ فإن الصحابة عددهم محصور، وليس المراد كل صحابي ولو لم يكن من أهل العلم، إنما المراد به من يعتبر إجماعهم، من الصحابة العلماء الذين يرجع الناس إليهم، ويصدر عن أقوالهم؛ فإن حصر هؤلاء ومعرفة آرائهم وأقوالهم ممكن وسهل بخلاف العلماء بعد عصر الصحابة؛ فإن الأمة قد كثرت وانتشرت، والخلاف أيضاً كثر وانتشر؛ فيتعذر التحقق من الإجماع؛ ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: من ادعى الإجماع فهو كاذب، ما يدريه لعلهم اختلفوا؟! وهذا صحيح، أما في عهد الصحابة ﵃ فإن حصر ذلك والتحقق منه ممكن ميسور.
стр. 225
شرح العقيدة الواسطية [٢٨]
منهج أهل السنة هو الإسلام الخالص المتضمن ما في القرآن والسنة، فهو منهج متكامل في العبادات والمعاملات والأخلاق، وقد سار على هذا المنهج أئمة الدين، ولا يزال الله يبعث منهم من يجدد لهذه الأمة دينها.
стр. 226
المنهج السلوكي عند أهل السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المصنف ﵀: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة.
ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) ، وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) .
ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء.
ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) .
ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك.
وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.
ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها.
وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ .
لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ؛ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة.
وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى؛ أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة) .
نسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
والله أعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً] .
هذا الفصل الأخير من هذه الرسالة المباركة هو في بيان المنهج التفصيلي لمسلك أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأن في بيان المنهج التفصيلي تمييز أهل السنة والجماعة، وذلك أن الفصل الذي قبل هذا هو بيان للمنهج على وجه العموم، وهو اتباع الكتاب والسنة والإجماع، وبيان سبب وصفهم بهذين الوصفين، وتسميتهم بأهل السنة والجماعة.
стр. 227
منهج أهل السنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال ﵀: (ثم هم مع هذه الأصول) يعني: المتقدم ذكرها، (يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر) ، بدأ ﵀ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل غيره؛ لأنه السياج الذي تحفظ به الشريعة وتقام به الملة، وقد قدمه الله على غيره في عدة مواضع: ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] ، ثم ذكر من صفاتهم ما ذكر؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السياج الذي تحفظ به الأمة من الزيغ والضلال في العقائد والأعمال.
قال ﵀: [يأمرون بالمعروف] ، المعروف: هو كل ما أمر الله به ورسوله إما أمر إيجاب أو أمر استحباب، والمنكر: هو كل ما نهى عنه الله ورسوله.
قال: [على ما توجبه الشريعة] ، وهذا قيد مهم يميز أهل السنة والجماعة عن غيرهم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل تعتمده كثير من الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، لكن أهل السنة والجماعة اعتمدوا هذا الأصل وقيدوه بقيد مهم، وهو قوله ﵀: [على ما توجبه الشريعة] ، أي: على الطريقة الشرعية، لا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناشئ عن العواطف أو الأهواء أو الآراء المنحرفة عن الكتاب والسنة بل هم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما أمر الله بذلك على طريقة النبي ﷺ .
وأهم ما يجب ملاحظته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هو أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم، وأن يكون برفق، وأن يكون معه صبر، هذه الأوصاف الثلاثة أوصاف ضرورية لكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر: لابد من العلم حتى تميز بين المعروف والمنكر، ولابد من الرفق حتى يتحقق المقصود، ولابد من الصبر حتى تتحمل النتيجة؛ لأنه ما من إنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا ولابد أن يناله شيء من الأذى إما الأذى الحسي أو القولي والمعنوي.
стр. 228
منهج أهل السنة في التعامل مع الأمراء
قال: [ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً] .
أتى بهذه المسألة بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليعلم كل أحد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس سبيلاً ولا وسيلة للخروج على ولاة الأمر الذين ولاهم الله أمر المسلمين؛ فمن جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة يخرج بها على ولاة الأمر فقد خالف منهج أهل السنة والجماعة بل يجب أن يكون الأمر المعروف والنهي عن المنكر مع ملاحظة حقوق ولاة الأمر، وأنه لا يتخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة وسبباً لإسقاط الحقوق الواجبة لمن ولاه الله أمر المسلمين.
[يرون إقامة الحج] أي: يعتقدون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع أمراء المسلمين، [أبراراً كانوا أو فجاراً] يعني: على أي حال كانوا من الاستقامة وعدمها؛ لأن هذه الأمور لا تستقيم ولا تصلح إلا بالاجتماع على من ولاه الله أمر المسلمين.
فالحج لابد له من إمام يقود الناس ويرتب أمورهم، وكذلك الجهاد لابد له من إمام يتبع ويؤتمر بأمره حتى ينتظم الأمر، والجمع والأعياد كذلك، وهكذا كان الأمر في السابق، حيث كان الأمراء يتولون إمامة الجمع والأعياد، فكان السلف الصالح يصلون خلف الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً.
وقد جاء حديث في الأمر بإقامة الجهاد مع كل أمير براً كان أو فاجراً في مسند الإمام أحمد، والأحاديث التي فيها وجوب صيانة الأئمة وولاة الأمر وحفظ حقوقهم كثيرة جداً؛ حتى إن هذا الأمر أصبح من سمات أهل السنة والجماعة خلافاً لغيرهم كالرافضة الذين يرون الخروج على الأئمة بسبب الظلم، ويوافقهم على ذلك المعتزلة والخوارج، فهؤلاء طوائف يرون أن الإمام إذا ظلم أو جار كان ذلك سبباً للخروج عليه وتفسيقه والوقيعة فيه خلافاً لأهل السنة والجماعة؛ فإنهم يعملون بوصية النبي ﷺ لما أخبر عن تغير الأمور، وأخبر أصحابه في عهده ﵊ وقال: (إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها، قالوا: فبماذا تأمرنا يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ -الناصح الأمين-: أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم) .
فالواجب على المؤمن أن يؤدي الحق الذي عليه من السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وأما ما له من حقوق فلا يجوز له أن يتظلم بالوقيعة، أو أن يخرج بقول أو فعل بل الواجب عليه أن يصبر، وأن يسأل الله حقه.
стр. 229
منهج أهل السنة في النصيحة للأمة
ثم قال ﵀: [ويحافظون على الجماعات] .
الجماعات المقصود بها: الصلوات المفروضات، وهذا من أبرز ما اتسم به أهل السنة والجماعة خلافاً للرافضة الذين لا يرون إقامة الجمع والجماعات إلا وراء الإمام المعصوم.
قال: [ويدينون بالنصيحة للأمة] .
النصيحة: المراد بها هنا بذل كل خير يعلمونه للأمة، وكف كل شر يعلمونه للأمة، فالنصيحة هي أن يضمر المؤمن الخير وأن يعمل به، وأن يسعى إلى تحقيقه، وأن يسعى إلى إزالة كل ما يعيق الخير.
قال: [ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ] .
هذا في أمر الدنيا، وكذلك الأمر في أمر الدين، بل هو في أمر الدين أعظم وآكد وأحق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ، والبر: اسم جامع لكل خير.
قال: [وشبك بين أصابعه، وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ] .
وهذا أيضاً يدل على ائتلاف المؤمنين واجتماعهم، وتوادهم، وتناصحهم، وهذان الدليلان يدلان على جميع الأصول المتقدمة من الأمر بالمعروف، وحفظ حقوق ولاة الأمر، وإقامة الصلوات، والنصيحة للأمة.
قال: [ويأمرون بالصبر عند البلاء] .
سواء كان البلاء عاماً أو خاصاً.
[والشكر عند الرخاء] .
سواء كان الرخاء عاماً أو خاصاً.
[والرضا بمر القضاء] .
أي: بما يكرهونه من الأقدار والأقضية التي لا تلائم النفوس، يأمرونهم بالرضا بها، والرضا مرتبة عالية، والواجب هو الصبر لكن هم يأمرون بالرضا، فإن لم يحصل فلا أقل من الصبر.
стр. 230
جماع مكارم الأخلاق عند أهل السنة
قال: [ويدعون إلى مكارم الأخلاق] .
المكارم: جمع مكرمة، وهي: كل خصلة جميلة، يأمرون بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ؛ فهم يعاملون الخلق بالفضائل والمحاسن، فلا سب عندهم ولا شتم، ولا لعن، ولا همز، ولا لمز، خلافاً لجميع الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة؛ فإنهم يسبون ويشتمون ويلعنون ويكفرون ويفسقون ويهمزون ويلمزون، وهذا من منة الله على أهل السنة والجماعة: أنهم أكمل الفرق خلقاً كما أنهم أكمل الناس عقيدة وعملاً.
قال: [ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين] ، والبر يشمل كل إحسان توصله إلى والديك، (وصلة الأرحام) ، وهي دائرة على بذل الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، والصبر على ما يكون من أذاهم، هذه ثلاثة أمور تحصل بها صلة الرحم، ويحصل بها أيضاً حسن الجوار.
قال: [والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك] .
أي: الإحسان إلى كل من يحتاج ويستحق الإحسان: اليتامى ليتمهم، والمساكين لفقرهم، وابن السبيل لحاجته وانقطاعه، والمملوك لرقه وهوانه.
[وينهون عن الفخر والخيلاء] الفخر هو: العلو بسبب صحيح، والخيلاء كذلك، لكنه أعم من حيث أن السبب قد يكون صحيحاً وقد يكون غير صحيح، أما البغي فهو العلو بغير سبب صحيح، وأهل السنة الجماعة ينهون عن العلو بسبب صحيح وبغير سبب صحيح، ولذا قال المؤلف ﵀ في بيان معنى النهي عن الفخر والبغي.
قال: [والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق] ، الاستطالة على الخلق بحق: هذا الفخر، كأن يكون الإنسان نسيباً أو حسيباً، أو عنده مال، أو شيء يرتفع به على الناس، ويفخر به عليهم، فهل هذا يجوز؟ لا، هذه استطالة سواء كانت بحق أو بغير حق، وهذا السبب لا يجوز الاستطالة به على الناس مهما كان.
وقوله: (أو بغير حق) ، هذا البغي، فلا يجوز الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق.
قال: [ويأمرون بمعالي الأخلاق] .
أي: مكارم وأحاسن الأخلاق، (وينهون عن سفاسفها) ، أي: حقيرها ورديئها ورذيلها، وهذا فيه أنهم متصفون بكل خصلة جميلة، متخلون عن كل خصلة رذيلة.
وكثير من أهل السنة والجماعة يحرص على تصحيح عقده، وأن يكون موافقاً للسلف فيما يتعلق بالعقيدة من الأسماء والصفات وغير ذلك مما مر، لكن هذا الجانب نغفل عنه كثيراً، والسبب: أننا نظن أن الإنسان يكفيه أن يكون متصفاً بالحق أو حاملاً للحق عن أن يكون متخلقاً بخلق حسن، والحق في ذاته قوة لا إشكال فيها، لكن لابد من خصلة تقرب هذا الحق إلى الناس وترغبهم فيه؛ ولذلك كان أهل السنة والجماعة يعظمون الحق ويرحمون الخلق، فهم رحمة للخلق بما معهم من جميل الصفات وكريم الخصال.
قال ﵀: [وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة - أي ليسوا مبتدعين - وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ .
لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي الحديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة] .
هذا جواب لسؤال مقدر وهو: لماذا لم يكتف أهل السنة والجماعة بوصف الإسلام الذي اتصف به الصدر الأول من هذه الأمة؟ ولماذا خصوا أنفسهم بهذا الاسم وعرفوا به، وهو أهل السنة الجماعة؟ الجواب: أن الإسلام الخالص من الشوب هو ما كان مستق من الكتاب والسنة، وأصبح الانتساب للإسلام لا يميز الفرقة الناجية من غيرها، والنبي ﷺ قد أخبر بأن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وكل هذه الفرق تقول: إنها مسلمة، وتنتسب إلى الإسلام؛ فاحتاج أهل السنة والجماعة إلى أن يتميزوا بوصف دل عليه الكتاب والسنة، وهو وصفهم بهذا الوصف، وهو أهل السنة والجماعة؛ لقول النبي ﷺ : (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ؛ فكلام الشيخ ﵀ هنا جواب عن سؤال مقدر.
قال ﵀: [وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال وأئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم] .
هذه سمة لا توجد في غير أهل السنة والجماعة على اختلاف الطوائف؛ فإنك إذا سألت أي فرقة من الفرق: من سلفكم في هذا الأمر؟ أتوك بأقوام في القرون الخارجة عن القرون المفضلة، وإن بالغ في الانتساب إلى أحد من القرون المفضلة وجدته منقوصاً في دينه، كالذين ينتسبون إلى واصل بن عطاء وجهم بن صفوان وعمرو بن عبيد ومعبد الجهني وغيرهم ممن عرفوا بالبدعة في القرون المفضلة هذا أولاً، ثانياً: أن تكون النسبة لا حقيقة لها.
أما أهل السنة والجماعة فهم منتسبون إلى أئمة أجلة في القرون المفضلة، وفي القرون التي تلتهم وتبعتهم، وهذه السمة لا توجد في غير أهل السنة والجماعة.
قال: [ومنهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة) ] .
والطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية، فقوله: (ومنهم الطائفة المنصورة) لا يدل على أن الطائفة المنصورة أخص من الفرقة الناجية، بل الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة، كما ذكر ذلك المؤلف ﵀ في أول الرسالة عندما قال: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة) فهما وصفان لفرقة واحدة.
بعد ذلك ختم المؤلف ﵀ هذه الرسالة المباركة بسؤال الله الثبات على هذا الطريق فقال: [نسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً] .
وبهذا تكون قد انتهت هذه العقيدة الواسطية التي ألفها الإمام العالم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلها نافعة مباركة لنا ولكم.