Полный текст (230 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
القدر أصل من أصول الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: قال المؤلف ﵀: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره] .
عقد المؤلف ﵀ هذا الفصل؛ لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أصل من أصول الدين، ومن أصول الإيمان، وهو القدر، وقد دل على ذلك حديث جبريل في سؤال النبي ﷺ عن الإيمان فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فهو أصل من أصول الإيمان بدلالة السنة، وأما القرآن فالآيات التي قررت الإيمان بالقدر كثيرة جداً، ودلت هذه الآيات على أنه لا يستقيم الإيمان في قلب العبد إلا إذا آمن بالقدر، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وجعل بعض أهل العلم كل آية في تقرير التوحيد تدل على إثبات القدر، ولذلك قال ابن عباس ﵁: (القدر نظام التوحيد) .
فلا ينتظم الإيمان في قلب العبد، ولا يقر له توحيد إلا إذا آمن بالقدر.
стр. 177
تعريف القدر
واعلم أن القدر في اللغة: يراد به التقدير.
وأما في الاصطلاح: فقد عرفه شيخ الإسلام فقال: هو علم الله، وكتابته المطابقة لمشيئته وخلقه.
وهذا التعريف انتظم أركان الإيمان بالقدر، ومراتب الإيمان بالقدر، ودرجات الإيمان بالقدر، وعرفه في موضع آخر فقال: هو الحكم الكوني، وهذا تعريف واسع، فكل ما قضاه الله كوناً فإنه من قدره، فالقدر هو حكمه الكوني، وهذا تعريف جيد.
وعرفه الإمام أحمد ﵀ فقال: القدر قدرة الله.
وهذا تعريف بديع وجيد، ولذلك استحسنه ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد وقال: هذا يدل على عمق فقه الإمام أحمد حيث فسر القدر بقدرة الله ، وهو يفيد أن كل من أنكر القدر فإنه منكر لقدرة الله جل وعلا.
стр. 178
بدعة القدر من أوائل البدع
واعلم أن القدر قد ضلت فيه طوائف، وهو من أوائل ما حصل به الضلال في الأمة، فإن إنكار القدر ظهر في أواخر عهد الصحابة، في عهد عبد الله بن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة ﵃، وأنكره الصحابة إنكاراً شديداً كما في صحيح مسلم وغيره.
فقد جاء جماعة إلى ابن عمر ﵁ وذكروا له إنكار من أنكر القدر فقال لهم: اعلموهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء؛ وذلك لإنكارهم أصلاً من أصول الدين، وركناً من أركان الإيمان، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيان تفصيل إنكار المنكرين، ودرجات إنكارهم في كلامنا على الدرجات.
стр. 179
أفعال الله سبحانه ليس فيها شر
قول النبي ﷺ : (أن تؤمن بالقدر خيره وشره) فيه إثبات أن القدر فيه خير وشر، ولكن ما هو القدر الذي يضاف إليه الشر ويوصف بالشر؟ هل هو فعل الله جل وعلا وحكمه وقضاؤه؟ الجواب: لا، إنما الشر في المقضي المقدر، أما فعل الرب فإنه لا شر فيه بوجه من الوجوه، وهذا معنى قول النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك) فنفى النبي ﷺ إضافة الشر إلى الرب ، وبه نعلم أنه ليس في أفعال الله جل وعلا شر، ولا في ذاته شر، ولا في أسمائه شر، ولا في شيء من شئونه شر، بل لا يكون منه إلا الخير؛ ولذلك قال: (والخير في يديك) فأثبت الخيرية كلها في يد الله ، ونفى عنه الشر كله.
стр. 180
الشر المجرد لا يضاف إلى الله سبحانه
تجد في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ : أن الشر المجرد لا يضاف إلى الله ، وإنما يرد إما بإضافته إلى سببه ومن قام به وهو المخلوق، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٢-٣] فأضاف الشر إلى سببه ومحله ومن قام به وهو المخلوق، ومما يرد أيضاً في القرآن أن الشر لا يذكر فاعله إذا كان مضافاً إلى الله ، ومن ذلك قول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] فجاء بالفعل على صيغة الفعل الذي لم يسم فاعله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] ، أما الخير فقال: ﴿أم أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فلما كان الرشد خيراً ذكر الفاعل وهو الله جل وعلا.
ومن ذلك قول الله في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] فأضاف الإنعام إليه، وأما الغضب والضلال فإنه لم يضفه إليه فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ، وهذا ثاني ما يرد الشر مطلقاً في كتاب الله ، فإنه لا يضاف إليه ، فإما أن يضاف إلى فاعله، وإما أن يذكر مع حذف الفاعل.
الثالث: أن يدخل في خلق الله على وجه العموم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] ، وكل هنا من ألفاظ العموم التي تشمل كل مخلوق من خير أو شر، فأفعال الله لا شر فيها.
стр. 181
الشر في المقدرات شر نسبي إضافي
المفعولات المقدرات يكون فيها الشر، لكن اعلم أن هذا شر نسبي جزئي إضافي، أما الشر المطلق الكلي فإنه لا يكون في خلق الله، ولا في فعله ، ولا في أسمائه وصفاته، وهذا معنى قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك) ،ففهمنا من قوله: (أن تؤمن بالقدر خيره وشره) يعني: خير المقدور وشر المقدور، خير التقدير وشر التقدير، فقوله: (خيره) الضمير يعود إلى أي شيء؟ إلى القدر، والمراد بالقدر هنا المقدور، أو التقدير، وكذلك شره، أي: شر المقدور الذي هو مخلوق الله جل وعلا ومفعوله.
стр. 182
لا يجوز إطلاق إرادة الشر نفياً أو إثباتاً في حق الله
وهنا سؤال: هل يجوز إضافة إرادة الشر إلى الله نفياً أو إثباتاً على وجه الإطلاق؟ تفكر وتأمل في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧] هنا أضاف السوء والرحمة! لا يجوز إطلاق أن الله يريد الشر، ولا يجوز إطلاق أن الله لا يريد الشر، لا يجوز هذا الإطلاق ولا هذا الإطلاق، فيمتنع أن تطلق إرادة الشر على الله ، كما أنه يمتنع أن تطلق عدم إرادة الشر على الله ؛ وذلك أن الإطلاقين نفياً وإثباتاً يحصل بهما إيهام، ويحصل بهما نفي معنىً صحيح، يعني: فيهما إيهام معنى باطل، وفيهما نفي معنى صحيح، وبيان هذا: أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية أمرية وهي: ما تعلق بالمحبة والرضا، وإرادة كونية قدرية وهي: التي لا تعلق فيها بالمحبة والرضا، فمن قال: إن الله يريد الشر يوهم أنه يريده محبة ورضا؛ ولذلك نقول: لا تطلق، ومن قال: لا يريد الشر يوهم أنه لم يقضه كوناً وقدراً، ولذلك كلا الإطلاقين فيه محظور، فيمتنع إطلاق إرادة الشر عليه نفياً وإثباتاً؛ لما تضمنه من إيهام معنىً باطل ونفي معنى صحيح، والله يريد من عبده الطاعة محبة ورضا، ويريد ما يكون في الكون من شر لكنها إرادة قدرية كونية لا تتعلق بمحبته ، لكن لا ينبغي للإنسان أن يطلق ذلك نفياً أو إثباتاً.
стр. 183
درجات الإيمان بالقدر ومراتبه
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى عليم بالخلق وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق: (فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف) كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً] .
الإيمان بالقدر على درجتين أي: على مرتبتين، وكل درجة تتضمن شيئين، فتكون مراتب الإيمان بالقدر على هذا أربع مراتب، وأول هذه المراتب: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، والخلق يشمل الجن والإنس والملائكة وكل شيء مما فيه حياة، وما لا حياة فيه، فكل ذلك من خلق الله ، فهو يعلم ما هم عاملون بعلمه القديم، أي: بعلمه المتقدم الأزلي السابق لوجود الحوادث.
قال: (الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً) ؛ لأن العلم من الصفات الذاتية كما تقدم بيانه.
قال: (وعلم جميع أحوالهم) يعني: الله علم بهم على وجه الإجمال، وعلم بجميع أحوالهم، وهذا فيه أن علمه أحاط بدقائق العلوم، وليس فقط بالكليات، بل حتى بالجزئيات والفرعيات، علم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق.
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فهذا العلم الثابت له علم مكتوب في اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ حوى كل ما الخلق عاملون من الدقيق والجليل، وتسميته باللوح المحفوظ؛ لأنه محفوظ من التغيير والتبديل، ومحفوظ من الزيادة والنقصان.
وسمي في الكتاب بالحفيظ أيضاً، وهو حفيظ بمعنى: محفوظ، وحفيظ بمعنى: حافظ.
علم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي، وهذا يتعلق بفعل العبد، فالطاعات والمعاصي من فعل العبد، والأرزاق من فعله ، والآجال -أيضاً- من فعله .
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، وما فائدة هذه الكتابة؟ فائدة هذه الكتابة إثبات هذا العلم، وأنه علم لا يتغير ولا يتبدل كما قال موسى في جواب فرعون عندما قال له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١-٥٢] فأثبت علمها عنده ، وأثبت أن هذا العلم في كتاب ثم قال: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ فما كان مكتوباً فهو محفوظ مع أن الله جل وعلا غني عن هذه الكتابة، وليست خشية النسيان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ وإنما ذلك لأجل إثبات هذه المعلومات وحفظها؛ ولأجل ما قدره من استنساخ الملائكة منها وأخذهم عنها.
قال: (فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) أي أنه: أول ما خلق القلم أمره بالكتابة في أول خلقه، فالقلم أمر بالكتابة في أول خلقه، فقال القلم للرب : ما أكتب؟! قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ما هو كائن يعني: ما هو حاصل وما هو جار وما سيوجد إلى يوم القيامة، وهذا يشمل كل ما هو حادث في الكون، فإنه مكتوب في هذا اللوح العظيم، وفي هذا الكتاب المبين، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه.
وهذا القلم هو أحد الأقلام التي جرت في المقادير، فهي أقلام متعددة تكلم عليها ابن القيم ﵀، ولا نريد الإطالة بذكر ما ذكر ﵀، وهذا القلم الذي كتب الله سبحانه تعالى به مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة هو أعظمها.
قال: (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه) أي: لم يكن ليتجاوزه ويتعداه (وما أخطأه) يعني: ما تجاوزه وتعداه إلى غيره (لم يكن ليصيبه) يعني: لم يكن ليرجع عليه، ولا أن ينال منه شيئاً بل ذلك كله وفق تقدير عزيز حكيم.
قوله: (جفت الأقلام، وطويت الصحف) هذا فيه بيان أن ما كان من تقدير فإنه قد فرغ منه علماً وكتابة؛ ولذلك قال: جفت الأقلام، أي: انتهى الأمر، فليس هناك علم يحدث للرب جل وعلا لم يكن يعلمه قبل، بل علمه لا يسبق بجهل ، فقوله: جفت الأقلام، وطويت الصحف، بناءً على أن ما كتبه الله من مقادير الخلائق فإنه قد فرغ منه.
وقوله: (جفت الأقلام) يفهم من هذا أنه ليس الذي يكتب به قلم واحد، بل الذي يكتب به أكثر من قلم، لكن الذي كتب في اللوح المحفوظ هو القلم الذي أخبر عنه النبي ﷺ في قوله: (فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) وهذه الدرجة تضمنت مرتبتين: المرتبة الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.
قال ﵀: (كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ) هذه الآية فيها الإعلام بأن الله أحاط علمه بما في السماء والأرض، وأن هذا العلم في كتاب؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: علمه بما في السماء والأرض في كتاب، أي: مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: العلم والكتابة ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: عليه جل وعلا هين سهل.
والآن لو قيل لك: اكتب ما يجري منك في يوم واحد: كل ما يصدر منك من قول أو فعل، أو يدور في خلدك! أو يدور في قلبك! أو يطرأ على بالك! سجل كل ذلك! صعب هذا في يوم واحد، فكيف بالذي قدر مقادير الأشياء منذ تلك الساعة إلى قيام الساعة وكل ذلك مكتوب مسجل؟! سبحان الله! ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢] أي: إلا في مكتوب ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ وهذا فيه سبق الكتابة للخلق ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلقها ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: كتابة ذلك على الله يسيرة، وعلم ذلك على الله يسير، ومن لازم الكتابة ثبوت العلم؛ لأنه لا يكتب إلا المعلوم فهذه الآية دلت على هاتين المرتبتين في هذه الدرجة.
стр. 184
أنواع التقدير
ثم قال ﵀: [وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه: (بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد) ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكروه اليوم قليل] .
هذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، أي: أنه يحصل الإجمال بما في قدر الله ، ويحصل في مواضع التفصيل، فهناك إجمال وتفصيل في تقدير الله فما في اللوح المحفوظ هو: ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم إن ما في اللوح المحفوظ لا يعلمه إلا الله ، ويطلع الله جل وعلا من شاء من خلقه على بعض ما فيه، ولذلك فالملائكة لا تعلم ما في اللوح المحفوظ، ليس لها علم بما فيه إلا ما أطلعهم الله عليه، ودليل ذلك في القرآن، فإنهم لم يعلموا فضيلة آدم بل لم يعلموا خلقه، فلما أخبروا بخلقه تعاظموا ذلك: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] استغربوا أن يخلق خلق في الأرض، فبين الله لهم الحكمة من الخلق.
المهم أن الأدلة تدل على أن ما في اللوح المحفوظ ليس معلوماً للخلق، ولكن الله يطلع من شاء على ما شاء مما تضمنه هذا الكتاب الذي أحاط بما هو كائن إلى يوم القيامة.
ثم إن هذا التقدير السابق لخلق السماوات والأرض يعقبه تقدير بالنسبة لبني آدم عند نفخ الروح فيه، فإنه إذا خلق الجسد قبل نفخ الروح فيه بعث الله سبحان وتعالى إلى هذه المضغة المخلقة ملكاً، وهذا من عناية الله ببني آدم: (فيأمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) بأربع كلمات، وهذا يسمى: التقدير العمري.
ثم إن هناك تقديراً حولياً، وهو: ما يكون في ليلة القدر، فيكتب فيها ما هو كائن إلى ليلة القدر من العام القادم: تكتب فيها الآجال والأرزاق والأعمال.
ثم إن هناك تقديراً يومياً، وهو: ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] .
مراتب القدر هذه تجدها مفصلة ومجملة، فما يجمل في محل يفصل في محل، وهذا معنى قوله ﵀: [وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً] .
فحفظ رزقك مثلاً الذي يكون في التقدير العمري هل هو مفصل: إنه سيأكل كذا، ويشرب كذا أم أنه مجمل؟ الظاهر أنه مجمل، وقد يكون مفصلاً، لكن شقي أو سعيد: هذا فيه إجمال، يكتب أنه من أهل السعادة مثلاً، ويكتب تفاصيل العمل في التقدير الحولي، وفي التقدير اليومي.
قال: [ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية] .
هذا التقدير من مراتب الإيمان بالقدر، وكان ينكره غلاة القدرية قديماً أي: في أول ظهورهم.
стр. 185
انحسار مذهب غلاة القدرية
قوله: [ومنكروه اليوم قليل] أي: في زمنه ﵀، وهم قليل من قبل زمنه، وذلك أن القدرية أول ما خرجوا كانوا يقولون: إن الأمر أنف، يعني: مستأنف، وإن الله لم يقدر الأقدار قبل الخلق بل هو عالم بما الخلق، عاملون بعد وجود أعمالهم، أما قبل وجود العمل فلا علم له بما يكون، وبعضهم قال: إن العلم هو العلم الكلي، وهذا قول الفلاسفة، أما غلاة القدرية فإنهم نفوا أن يكون الله عالماً بأعمال العباد قبل خلقها، فنفوا العلم والكتابة عن الله .
ثم إن أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ : ابن عمر، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة ناظروا هؤلاء، وبينوا لهم خطأ قولهم، وضلال مذهبهم، وأن بل مذهبهم كفر وتكذيب بالقرآن الكريم؛ لأن من لم يؤمن بالقدر فقد أنكر التوحيد؛ ولذلك سمي هؤلاء مجوس الأمة؛ لأنهم لم يفردوا الله بتوحيد الربوبية، فوقع عندهم الشرك في توحيد الربوبية، فلما نوقشوا رجع منهم طائفة، وأصبح أكثر الناس يقرون بالعلم السابق والكتابة، ويناقشون ويجادلون في المرتبتين الأخريين، وهما مرتبتا المشيئة والخلق.
стр. 186
شرح العقيدة الواسطية [٢٢]
القدر سر الله في خلقه، فمن رام كشفه ضل وهلك، ومن نظر فيه بعيداً عن نصوص الوحي هلك، ومن نظر فيه ولم يجمع النصوص فيه ضل؛ ولذلك ضل من ضل في هذا الباب بسبب عدم جمعهم لنصوص هذا الباب والتوفيق بينها، فتراهم لا يفرقون بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، ولا بين إرادة الله وإرادة العبد، فعارضوا بين القدر والشرع، وسلبوا الله العدل والحكمة، فضلوا وأضلوا.
стр. 187
إثبات مشيئة الله وقدرته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: قال ﵀: [وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد] .
هاتان المرتبتان هما الدرجة الثانية.
قال الشيخ ﵀: (وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة) .
مشيئته النافذة التي لا يحول دونها شيء، فالله على كل شيء قدير، وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأجمعت الأمة على أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ودلائل هذه المرتبة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وما لا يحصى كثرة من الآثار عن السلف، ولا إشكال أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال: (فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة) وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السماوات وما في الأرض من حركة وسكون فبمشيئة الله سبحانه، والإنسان إذا تصور هذا علم قدر الرب جل وعلا، فهذه الأشجار التي في الشوارع تتحرك، وهذه البحار مليئة بغرائب الخلق؛ وما فيها من حركة وسكون فبمشيئة الله جل وعلا، والعبد إذا تصور هذا عظم في قلبه قدر ربه، وعلم أن جريان الدم في عروقه إنما هو بمشيئة الله الواحد القهار، فيحصل عنده من كمال التعظيم للرب والانقياد لشرعه والقبول لخبره ما لا يحصل لغيره، فما في السماوات وما في الأرض من حركة وسكون فبمشيئة الله سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.
وقد قال بعض المعتزلة زاعماً تنزيه الله وتعظيمه وتقديسه : سبحان الذي تنزه عن الفحشاء.
تنزه عن الفحشاء، كلمة جذابة لكنها تحمل نفياً واعتقاداً فاسداً، فقال له العالم السلفي: سبحان الذي لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.
стр. 188
سبب ضلال من ضل في باب القدر
أصل الإشكال عند من ضل في باب القدر: هو عدم تفريقهم بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، ولو أعطوا النصوص حقها من النظر والتأمل والاعتبار والتفكر؛ لوصلوا إلى ما توصل إليه أهل السنة والجماعة من الحق والهدى، وتجنبوا ما وقعوا فيه من الضلالة والردى، فالواجب على المؤمن أن يسلم للنصوص، وأن يعلم أنه لن يبلغ في تقديس الله وتنزيهه قدر ما في خبر الله وخبر رسوله ﷺ ؛ لأنه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه سبحانه على كل شيء قدير، سواء كان فيما يتعلق بالموجودات أو المعدومات، والموجودات هي المخلوقات، فكل ما قدره الله موجوداً فهو من الموجودات، والمعدومات هي التي لم توجد، فهو قادر على الإيجاد والإعدام، فقدرة الله تتعلق بالموجودات وبالمعدومات وبالواجبات، وأما الممتنعات المستحيلات فلا تدخل في القدرة أصلاً؛ لأنها ليست بشيء، فقوله: (الموجودات والمعدومات) هذا من قسم الممكنات.
وأقسام الوجود ثلاثة: واجب الوجود، وممكن الوجود، وممتنع الوجود، فالموجود والمعدوم من الممكن؛ لأن ما قبل الوجود والعدم فهو من الممكنات.
стр. 189
الله خالق كل شيء
ثم قال: [فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه] .
هذه هي المرتبة الأخيرة من مراتب القدر وهي: الإيمان بخلق الله جل وعلا، وأنه خالق كل شيء كما أخبر بذلك ، وكما دلت على ذلك النصوص المتواترة في الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ما دل عليه العقل، فإن العقل يوصل إلى أنه ما من شيء في الكون إلا بخلقه .
قال ﵀: (لا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله) ، قوله: (ومع ذلك) هذا فيه الرد على الذين غلوا في الإثبات، فهناك قوم أوغلوا في إثبات هذه المراتب، فانقسم الناس في مراتب القدر الأربعة -العلم والكتابة والمشيئة والخلق- إلى قسمين: قسم غلوا في النفي فنفوا هذه المراتب كلها فقالوا: لا علم ولا كتابة ولا مشيئة ولا خلق وهؤلاء هم غلاة القدرية.
ودونهم في النفي: الذين أثبتوا العلم والكتابة، ونفوا الخلق والمشيئة، وهم عامة القدرية المعتزلة، وقابل هؤلاء قوم غلوا في الإثبات فقالوا: نؤمن بأن الله عالم بكل شيء، وأنه قد كتبه، وأنه قد شاءه وأنه قد خلقه، فغلوا في الإثبات؛ فألغوا فعل العبد، وقالوا: ما أنت إلا كريشة في مهب الريح، ليس لك اختيار، ولا لك رأي، والفعل لا ينسب إليك! فجعلوا ثبوت هذه المراتب مضاداً ومعارضاً للأمر والنهي، فعارضوا الأمر والنهي بالقدر فقالوا: كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، فجعلوا كل فعل من العبد من الله، وإذا كان من الله فالعبد لا اختيار له، ولا يعاقب على هذا الفعل؛ ولذلك نفوا عدل الله وحكمته ورحمته وقالوا: لا نثبت لله الحكمة، ولا نثبت له العدل، ولا نقول: يمتنع عليه الظلم، بل لا يمتنع عليه إلا ما لا يمكن وجوده، هكذا قالوا! وسبحان الله! فإن المبتدع يبدأ بانحراف يسير، ثم ما يلبث إلا ويبعد عن الصراط، ويأخذ جادة مختلفة، حتى تستغرب أن هذه النهاية كانت تلك مقدمتها، وهذه النتيجة كان هذا القول أولها! وهنا أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن أهل السنة والجماعة -مع إثباتهم لهذه المراتب- لا يعارضون بذلك أمر الله ونهيه، فليس عندهم معارضة بين القدر والشرع، بل القدر والشرع متفقان، ويجب الإيمان بالجميع، والقبول لأمر الله ونهيه، والامتثال لشرعه، فنحن متعبدون بالشرع، ونؤمن بالقدر.
стр. 190
الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية
قال ﵀: [ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد] كل هذا تقرير للفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وأنه لا يستقيم لأحد قدم في باب الإيمان بالقدر إلا إذا تصور وأيقن بالفرق بين الإرادتين، حتى لا تضطرب عنده الأمور.
وفيه الإشارة -أيضاً- إلى أن منشأ الضلال عند هؤلاء هو أنهم جعلوا الإرادة إرادة واحدة، فإرادة الله لصلاة المصلي هي التي يريد بها فسوق الفاسق ومعصية العاصي، وشتان فإن تلك هي: الإرادة الشرعية التي أمر بها وأحبها، وأما فسوق الفاسق فإنه بإرادته الكونية الخلقية، فلا توافق بينهما كما دلت على ذلك النصوص وسبق تقريره.
стр. 191
الكلام على أفعال العباد وإرادتهم لها
قال ﵀: [والعباد فاعلون حقيقية، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ : (مجوس هذه الأمة) .
ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها] .
يقول ﵀ في نهاية هذا المبحث الجليل: (والعباد فاعلون حقيقة) أي: أن ما يصدر منهم من قول أو فعل أو اعتقاد، ظاهر أو باطن، صالح أو فاسد، بر أو شر، كل ذلك مضاف إليهم حقيقة، وهم الفاعلون له حقيقة، وفيه الرد على الذين يقولون: إن هذه الإضافات -أي: إضافة الفعل إلى العبد- إنما هي إضافة مجازية، وقد قال بذلك جماعة ممن قال بالجبر، فالجبرية يقولون: الإضافات التي في الكتاب إضافات مجازية، وإلا فالعبد لا اختيار له ولا فعل، ولا ينسب إليه شيء، فرد عليهم الشيخ ﵀ وقال: (والعباد فاعلون حقيقية، والله خالق أفعالهم) وفيه الجمع بين هذين الأمرين، فإضافة الفعل إلى العبد لا تنافي خلق الله لهذا الفعل، بل الله جل وعلا خلق الخلق وأفعالهم وجميع أحوالهم، وجميع ما يكون منهم ويصدر، ولا تعارض، وعلى هذا دل الكتاب، فكم من آية في كتاب الله يضاف الفعل فيها إلى العباد! ولا أظن أن أحداً يستطيع أن يحصي ذلك؛ لكثرته ووفرته، فالله يضيف إلى العبد: الكفر والتقوى والإيمان والإحسان والبر والصلاح والفساد والصلاة والزكاة والحج، كل هذه إضافات حقيقية، والأصل في الكلام الحقيقة، حتى على القول بأن الكلام فيه حقيقة ومجاز، فالأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا بقرينة، فالعباد فاعلون حقيقة لما يكون منهم، والله جل وعلا خالق أفعالهم.
على هذا مضى أهل السنة والجماعة واتفقوا، ودل على ذلك الكتاب والسنة والعقل والفطرة، وأجمعت عليه الأمم.
ثم قال ﵀ في تفصيل هذا: (والعبد هو المؤمن) يعني: هو الموصوف بهذا الوصف (والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم) ولذلك رتب الله على هذه الأوصاف وعلى هذه الأفعال الثواب والعقاب، ولو لم يكن ذلك من العبد؛ لما ترتب عليه الثواب والعقاب، ولما كان من العدل أن يرتب الثواب والعقاب على فعل لم يفعله.
ثم قال ﵀: (وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم) واستدل على ذلك بآية من كتاب الله ، والآيات في هذا كثيرة جداً، وإنما استدل بآية؛ لأن الأمر يثبت بدليل واحد، وتضافر الأدلة مما يقوي الأمر ويثبته، ويكفي في ثبوت الحكم ورود دليل واحد من الكتاب أو من السنة، فكيف بما تواردت عليه الأدلة السمعية بنوعيها: الكتاب والسنة، وكذلك الإجماع، وأيضاً دل عليه العقل والفطرة وأجمعت عليه الأمم؟ فيكون ثبوته من باب أولى.
واستدل لذلك: بأن الله خالق العباد، وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فأثبت مشيئة وفعلاً، المشيئة: شاء، والفعل: يستقيم، فأثبت المشيئة والقدرة على الفعل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فمشيئة الله محيطة بمشيئة العبد، فلا تخرج مشيئة العبد عن مشيئة الله ، ولكن هذه المشيئة العامة لا تلغي مشيئة العبد ولا تنفيها بل الكتاب أثبت هذه، وأثبت هذه.
стр. 192
الفرق الضالة في باب القدر
الفرق الضالة في هذا الباب على نوعين: القدرية نفوا مشيئة الرب فكفروا بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ، والجبرية ألغوا مشيئة العبد فكفروا بقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى الحق وإلى الطريق المستقيم بين هاتين الضلالتين: ضلالة الجبرية، وضلالة القدرية.
قال: (وهذه الدرجة من القدر) المتضمنة لمرتبتي المشيئة والخلق (يكذب بها عامة القدرية) أي: أكثرهم، وهم المعتزلة (الذين سماهم النبي ﷺ : (مجوس هذه الأمة) ، وأول من أظهر هذه المقالة الفاسدة بين المسلمين: معبد الجهني فإنه نفى القدر، ويقابله الجبرية وأول من قال بقولهم: الجهم بن صفوان: رأس البدعة، ومنبع الشر في كثير من العقائد، ووجه تسمية هؤلاء بالمجوس: أنهم جعلوا في الكون خالقاً غير الله، فقالوا: إن الله لا يخلق أفعال العباد، فأثبتوا خالقاً غير الله ، وهذه هي عقيدة المجوس، حيث جعلوا إلهاً للخير وإلهاً للشر، إلهاً للنور وإلهاً للظلمة، وقد ذمهم النبي ﷺ ، ونهى عن الصلاة على موتاهم، وعيادة مرضاهم، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وصححه جماعة من أهل العلم.
قال: (ويغلوا فيها) أي: في هاتين الدرجتين (قوم من أهل الإثبات) في الجملة هم من أهل الإثبات؛ لأنهم يثبتون هذه المراتب (حتى سلبوا العبد قدرته واختياره) فجعلوا الأخبار المثبتة لمشيئة الله وقدرته وخلقه قاضية على مشيئة العبد وما يصدر منه من فعل.
قال: (ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه) أفعال الله وأحكامه أي: شرائعه وأحكامه الكونية والقدرية (حكمها ومصالحها) لماذا يخرجون عن أفعاله وأحكامه حكمها ومصالحها؟ لأنهم لا يثبتون أنه الحكيم، فينفون عنه هذا الوصف ويقولون: إنه لا يفعل لحكمة، وإنما يفعل لمحض المشيئة، هكذا زعموا فألغوا حكمة الرب الذي وصف بها نفسه في آيات كثيرة، وفيها: أنه الحكيم ، وجعلوا معنى الحكيم أي: ذو الحكم الذي له الحكم، أما الحكمة فإنها منفية عنه.
هاتان البدعتان نزع إليهما فريقان من الفرق الإسلامية وهما: فرقة الكلابية، وفرقة الأشعرية، فالكلابية نزعوا إلى القدرية، والأشعرية مالوا إلى الجبرية، ولكن الأشعرية أتوا بقول ملطف فقالوا: إن العبد له قدرة على فعله، وفعله من كسبه، لكن لا أثر لقدرته على فعله، وهذه من المعضلات العقلية؛ ولذلك قالوا: إنها من المحالات العقلية، وعدوها من الأقوال التي لا حقيقة لها، الأقوال التي لا حقيقة لها متعددة، ومحصورة في كلام أهل العلم، منها: كسب الأشعري، حيث قال: إن العبد يقدر على فعله، لكن قدرته لا تأثير لها على فعله، قيل له: ما هذه القدرة التي تثبتها؟! قال: هي مقارنة القدرة للكسب، وإن كانت لا تؤثر! وعلى كل حال فهذا كلام يتعب الذهن ولا فائدة منه، وإنما هو خيال تصوره صاحبه، واتبعه عليه أقوام، لو فتشت وتأملت وبحثت معهم لم تجد عندهم معنى صحيحاً لهذا القول، ولذلك تجدهم يسعون إلى التلفيق، ولكنهم لم يوفقوا إلى الصواب.
стр. 193
القول الفصل في باب القدر
والقول الفصل في هذا: أننا نثبت لله ما أثبته لنفسه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والواجب على المؤمن في باب القدر إذا أغلق عليه أمر أن يسلم، وأن يعلم أنه لا سلامة له إلا بالتسليم، فالقدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً كما قال الطحاوي ﵀؛ ولذلك يجب على المؤمن أن يقتصر في فهم هذا الباب وفي دراسته على نصوص الوحيين الكتاب والسنة وما ورد عن سلف الأمة، وأن يؤمن بأن الله عدل، وأنه لا يظلم الناس شيئاً، وأنه لا معارضة بين القدر والشر، فالواجب الإيمان بالقدر والعمل بالشرع، ومن عارض القدر بالشرع فقد ضل وشابه المشركين، ومن ألغى القدر فإنه شابه المجوس الذين أثبتوا خالقين.
стр. 194
شرح العقيدة الواسطية [٢٣]
الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذه هي عقيدة السلف، وقد خالفها كثير من أهل البدع والأهواء.
فيجب على المسلم التمسك بما كان عليه السلف، وينبغي له أن يعلم بالأدلة قولهم، حتى يطمئن به، ويدعو إليه على بصيرة.
стр. 195
الإيمان قول وعمل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح] .
هذا الأصل من الأصول المهمة التي يجب على المؤمن أن يعلم الحق فيها لكثرة الاشتباه والاضطراب.
قال ﵀: ومن أصول أهل الفرقة الناجية -جعلنا الله وإياكم منهم- أن الدين والإيمان، الدين: عام، والإيمان: خاص، فهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الدين يشمل الإيمان، ويشمل الإسلام، ويشمل الإحسان كما تقدم في أول هذا الكتاب المبارك.
(أن الدين والإيمان قول وعمل) وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة متقدموهم ومتأخروهم، والعبرة بإجماع السلف، والسلف مجمعون على هذا، حتى إنه لكثرة كلامهم وظهوره في هذا الباب، مما يؤدي إلى هذا المعنى: أن الإيمان قول وعمل؛ أصبحت هذه الكلمة من علامات السنة، ومن شعائرهم، ومن شعاراتهم، فمن شعارات أهل السنة وأعلامهم: أن الإيمان اعتقاد، وأن الإيمان قول وعمل.
وقد تنوعت عبارات أهل السنة والجماعة في بيان الإيمان: فبعضهم قال: الإيمان قول وعمل كما هو كلام الشيخ ﵀، ومنهم من قال: الإيمان قول وعمل ونية، ومنهم من قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع سنة، ومنهم من قال: الإيمان قول اللسان، واعتقاد الجنان، وعمل الجوارح.
واعلم أن هذه المنقولات عن السلف لا اضطراب فيها ولا اختلاف، بل هي من تنوع العبارة، فالعبارة متنوعة لكن المضمون واحد، والعقد فيها متفق، فلا اختلاف، وكلها ترجع إلى أمر واحد، والخلاف هو باعتبار تقسيم المعرف للإيمان، أما من حيث المضمون وما تؤديه هذه العبارات المختلفة فهو واحد.
فمن قال: إن الإيمان قول وعمل فمراده: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية فمراده: أن عمل القلب لا يدخل في القول؛ لأن القول ظهور من اللفظ، والقلب لا يظهر منه شيء فاحتاج إلى زيادة نية.
ومنهم من زاد: (اتباع السنة) ؛ لأن العمل إذا لم يكن متبعاً فيه السنة فإنه مردود على صاحبه، فهذه العبارات المختلفة تؤدي إلى معنىً واحد كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀، وقال: إن هذا من اختلاف التنوع، والمضمون في كلامهم واحد لا خلاف فيه.
يقول ﵀: (قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح) .
فأضاف القول إلى القلب، لو قال قائل: كيف تضيفون القول إلى القلب والقول لا يكون في الأصل إلا في اللسان؟ نقول: إن القول يضاف إلى اللسان وإلى القلب، فهو عند الإطلاق قول اللسان، لكن إذا قيد بإضافة إلى القلب فإنه يصح إثباته للقلب، فما هو قول القلب في كلام المؤلف ﵀؟ هو إقراره واعتقاده ونيته، وقال بعضهم: قول القلب هو إخلاصه.
فقول المؤلف ﵀: (قول القلب) يعني: اعتقاده ونيته وإقراره، (وقول اللسان) هو ما ظهر من اللسان من الإقرار بالشهادتين، ولا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً إلا بهذين الأمرين، فإذا صدر منه قول اللسان دون إقرار القلب هل ينفعه هذا الشيء؟ لا، فمن تكلم بالشهادتين لكن قلبه خال منهما فهو منافق، هذه هي حال المنافقين: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] .
ولو قر في قلبه تعظيم هذا الدين ومحبته والتصديق به لكنه لم يتلفظ بلسانه، فلم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو قادر على التلفظ، هل يكون مسلماً؟ الجواب: لا، بإجماع أهل الإسلام؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) والشهادة إنما تكون بالإعلام والبيان، وفي رواية: (حتى يقولوا) والأكثر: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) ، فعلم بهذا أنه لا تستقر قدم أحد على دين الإسلام إلا بهذين الأمرين، قول القلب: وهو إقراره واعتقاده ونيته، وقول اللسان: وهو تلفظه بالشهادتين.
وقوله: (عمل القلب) هل القلب له عمل؟ نعم، القلب له عمل عظيم، وهو أصل عمل الجوارح، المحبة أين هي؟ هل تتحرك اليدان بالمحبة؟ المحبة أمر قلبي، الخوف أين يكون؟ في القلب، وهكذا الخشية الرجاء التوكل الإنابة الإخبات، فأعمال القلوب كثيرة، وهي حركاته في الطاعات وهي من الإيمان، ويدل لذلك قول النبي ﷺ : (والحياء شعبة من الإيمان) ، والحياء أمر قلبي، وأصله في القلب، وإن كانت تظهر علاماته على الجوارح، لكن أصل الحياء إنما يكون في قلب الإنسان.
قال: (وعمل اللسان) .
الشهادتان مضت في قول اللسان، فما هو عمل اللسان؟ اشتغاله بذكر الله : التسبيح التحميد التكبير قراءة القرآن تعليم العلم تعلم العلم إذا كان بقراءة، كل هذا من عمل اللسان فهو من الإيمان، دليل ذلك قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، الشاهد في قوله: (قول لا إله إلا الله) ، وكذلك الأحاديث الكثيرة التي لا حصر لها في فضائل الأقوال، وترتيب الأجور على ما يكون من الإنسان من الأقوال، وقول النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة) ، والجنة إنما تكون لأهل الإيمان، فجعل هذا القول سبباً لدخول الجنة، وهي لا تكون إلا لأهل الإيمان؛ فدل ذلك على أن القول من الإيمان.
قال: (والجوارح) أي: عمل البدن، فعمل البدن كله من الإيمان؛ ولذلك قال النبي ﷺ في بيان شعب الإيمان: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فبهذا نعلم أن الإيمان لا يكون مجرد اعتقاد في القلب، بل لا بد من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فالذي يقول: الإيمان في قلبي، ولا يصلي ولا يتلفظ بالشهادتين هل يكون مسلماً؟ الجواب: لا؛ لعدم تلفظه بالشهادتين، وكذلك الذي يترك جنس العمل فلا يعمل عملاً صالحاً بالكلية هذا أيضاً انتفى عنه ركن الإيمان وهو العمل؛ لأن الإيمان قول وعمل.
стр. 196
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية
قال ﵀: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] ، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]] .
مسألة الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية من المسائل الكبيرة التي اختلف فيها المختلفون، وهدى الله فيها أهل السنة والجماعة إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، الإيمان يزيد وينقص هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد تواطأت عليها عبارات السلف، ودل عليها الكتاب والسنة، وأجمع عليها الصحابة وسلف الأمة، وقد خالف في ذلك المعتزلة والخوارج والمرجئة، فالمعتزلة والخوارج قالوا: لا يزيد ولا ينقص، فنفوا الزيادة والنقصان وقالوا: الإيمان شيء واحد لا يتفاضل، فإذا وجد وجد جميعاً، وإذا سلب سلب جميعاً، هكذا زعموا! وأما المرجئة فالإيمان عندهم شيء واحد إلا أن منهم من يقول: الإيمان يزيد فقط، أما النقص فلا ينقص! والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات الزيادة والنقص للإيمان، أما الزيادة فقد ورد ذكرها وإقرارها والنص بها في كتاب الله في مواضع عديدة، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، ومنه أيضاً قوله فيما أخبر عن المنافقين: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] ، والأدلة على زيادة الإيمان كثيرة.
وأما السنة فمن الأدلة الواضحة على زيادة الإيمان قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل من الشعب ما هو عالي، ومن الشعب ما هو دون العالي، فجعل للإيمان أعلى وأدنى، فأدلة زيادة الإيمان في الكتاب والسنة وكلام السلف ثابتة بما لا مجال لإنكاره.
وأما النقصان فإنه لم يصرح به في كتاب الله ، ولم يرد هذا اللفظ في كتاب الله ، ولكن من لازم الزيادة أن يكون هناك تفاضل في الإيمان.
وأما السنة فقد ورد ذلك في أحاديث عديدة كثيرة، منها قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، فدل ذلك على أن الزنا وما ذكر من المعاصي في هذا الحديث سبب لنقصان الإيمان؛ لأن نفي الإيمان دليل على نقصه، ولو لم يكن هذا العمل مؤثراً نقصاً في الإيمان لما كان لنفيه وجه، ويدل عليه صريحاً أيضاً قول النبي ﷺ في النساء: (ناقصات عقل ودين) ، ونقصان الدين فسره النبي ﷺ بقوله: (تترك الصلاة والصيام أياماً) ، فدل ذلك على أن الإيمان ينقص؛ لأن الدين يشمل الإيمان والإسلام والإحسان.
стр. 197
عدم تكفير أهل القبلة بمطلق المعاصي
ثم قال: [وهم مع ذلك] أي: مع إقرارهم بما تقدم من أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر.
عندنا في كلام المؤلف ﵀ في هذا الفصل مطلق الشيء والشيء المطلق.
مطلق الشيء: هو أدنى وصف منه، فمطلق المعاصي المراد به أدنى معصية، يعني: كل ما يكون مندرجاً في المعاصي، وكذلك مطلق الكبائر يعني: أي كبيرة من الكبائر.
وأما الشيء المطلق: فهو منتهى الشيء وكماله، فالشيء المطلق عام، ومطلق الشيء أقل ما يصدق عليه هذا الاسم، فالمؤلف ﵀ يقول: لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، يعني: لا يكفرون بالكبيرة ولا بالمعصية، يعني: بمجرد الكبيرة وبمجرد المعصية، فإن الكبائر والمعاصي ليست سبباً لإثبات اسم الكفر ولا حكم الكفر.
قال: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر] .
والمراد بأهل القبلة هنا: من انتسب إلى الإسلام، ويشمل ذلك جميع فرق أهل الإسلام على اختلافها، من الثنتين وسبعين فرقة دون الفرقة الناجية، فهم كلهم من أهل القبلة، وهذا الاسم له شاهد من قول النبي ﷺ : (من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وصلى صلاتنا، فذاك المسلم؛ له ما لنا، وعليه ما علينا) ، والحديث في الصحيح، فكل من كان من أهل الإسلام فإنه من أهل القبلة، وإنما أضيف الأمر إلى القبلة؛ لأنها التي يجتمع عليها أهل الإسلام على اختلاف طوائفهم واختلاف عقائدهم، فهي محل اجتماع أهل الإسلام، فأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة المسلمين بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج ومن سار على طريقهم كالمعتزلة، وإنما ذكر الخوارج؛ لأنهم أبرز الفرق التي اشتهرت بهذا، وإلا فالمعتزلة يوافقونهم في إخراج المسلم من دائرة الإسلام بمطلق الكبيرة وبمطلق المعصية، ولكن الخوارج اشتهروا بهذا أكثر من غيرهم، وكفروا الصحابة ﵃.
стр. 198
الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي
قال: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي] .
الأخوة الإيمانية، أي: الأخوة التي سببها الإيمان والإسلام ثابتة مع المعاصي، يعني: مع وجود المعصية سواءً كانت المعصية كبيرة أو صغيرة، واستدل لذلك بقوله سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] فأثبت في هذه الآية الأخوة بين القاتل والمقتول مع أن القاتل أتى كبيرة أو لا؟ أتى كبيرة من كبائر الذنوب، فأثبت الأخوة بين القاتل والمقتول مما يدل على أن المعاصي لا ترفع الأخوة الإيمانية، بل الأخوة الإيمانية ثابتة وباقية وقائمة مع وجود المعاصي.
ومن الاستدلال على أن الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ، والاقتتال بين المؤمنين سماه النبي ﷺ كفراً فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) ، ومع ذلك لم يرتفع وصف الإيمان عن هؤلاء المقتتلين، ودليل ذلك قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] ، فالشاهد من هذه الآية قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ، وكذلك قوله بعد الأمر بالإصلاح ومقاتلة الباغية حتى تفيء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وإن كان منهم باغ ومبغى عليه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] أي: المتقاتلين، وبهذا يعلم أن المعاصي لا يرتفع بها وصف الإيمان، لكن ما الوصف الذي لا يرتفع؟ هل هو الإيمان المطلق الكامل؟ الجواب: لا، إنما الذي لا يرتفع هو مطلق هذا الاسم كما سيبينه المؤلف ﵀ في كلامه بعد قليل.
стр. 199
الفاسق لا يسلب اسم الإيمان بالكلية
قال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية] .
يقول: لا يسلبون، أي: لا يرفعون عن الفاسق الملي يعني: الفاسق من أهل الإسلام، وقوله: الملي، يعني: من كان من أهل الإسلام، فلا يقولون: هذا ليس مؤمناً بالكلية، بل يثبتون له مطلق الإيمان، والذي ينفونه عنه هو الإيمان المطلق، أما مطلق الإيمان فهو ثابت، وتنبه للفرق بين مطلق الإيمان وبين والإيمان المطلق، الإيمان المطلق: هو الإيمان الكامل التام، وأما مطلق الإيمان: فهو ما يثبت به وصف الإيمان ولو لم يكن كاملاً تاماً، فأهل السنة والجماعة لا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، بل يبقون معه مطلق الإيمان، هذا من حيث الاسم خلافاً للمعتزلة والخوارج والمرجئة، فالمعتزلة يسلبون عنه الاسم، فلا يسمونه مسلماً ولا مؤمناً، يعني: الزاني إذا زنى أو السارق إذا سرق فإنه لا يسمى عندهم لا مسلماً ولا مؤمناً، فهل هو كافر؟ يقولون: لا، ليس بكافر، هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين الإيمان والكفر، هذا من حيث الاسم، وأما من حيث الحكم، فالمعتزلة يقولون: إنه خالد في النار، والجنة محرمة عليه، أما بالنسبة للخوارج فإنهم من حيث الاسم يقولون: مرتكب الكبيرة كافر، وأما من حيث الحكم فهو خالد مخلد في النار.
إذاً: المعتزلة والخوارج يتفقان في النتيجة وإن اختلفا في الأسماء في الدنيا.
أما المرجئة فإنهم يقولون: العاصي الذي أسرف على نفسه بأنواع المعاصي على اختلاف أنواعها وكثرة تكرارها هو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه مثل إيمان جبريل ومحمد ﷺ ! فأثبتوا له الإيمان المطلق، فهم يقابلون الخوارج والمعتزلة.
وهذا الكلام ليس كلاماً نظرياً لا واقع له، هذه عقائد موجودة وقائمة، ويدافع عنها أصحابها، ويحاولون تقريرها بأنواع من الوسائل، فلا تظن أن هذه الفرق بادت وانتهت، هذه الفرق رائجة وقائمة ولها دعاتها، فلا بد للمؤمن أن يحيط بها علماً، وأن يعرف أصول أقوال البدع حتى يسلم منها أولاً، وثانياً: يتمكن من الرد عليها، وثالثاً: يكون ممن وفقهم الله إلى الذب عن السنة، وعن منهج أهل السنة والجماعة، وطريقة السلف الصالح.
قال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة] .
الخوارج مثل المعتزلة، لكن أتى هنا بما اختصت به المعتزلة، وهو أنهم يخلدونه في النار، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: هذا مؤمن ناقص الإيمان، ولا يرفعون عنه اسم الإسلام، وأما أولئك فإنهم يرفعون عنه اسم الإيمان والإسلام، ومن حيث الحكم في الآخرة فهو في النار خالداً مخلداً فيها.
ثم قال رحمه الله تعالى في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ووسطيتهم في هذا الأمر: [بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ [الأنفال:٢]] .
المؤلف رحمه الله تعالى يقول: بل الفاسق يعني: الملي من أهل الإسلام يدخل في اسم الإيمان المطلق، لماذا؟ لأن معه شيئاً من الإيمان، فلما كان معه شيء من الإيمان بقي في دائرة الإيمان المطلق، ولم يخرج عن مسمى الإيمان؛ لأن معه أصول هذا الإيمان الذي يثبت لكل من اتصف به؛ ولذلك يدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، وهل يلزم في الرقبة المحررة أن تكون كاملة الإيمان؟ لا، لا يلزم، بل كل مؤمن ولو كان مسرفاً على نفسه بالمعاصي فإنه يدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ، وهذا يثبت لأدنى المؤمنين إيماناً، وهو من أقر بالأصول التي في حديث جبريل، ولو خالف في العمل بالذنوب والمعاصي، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق الكامل التام؛ ولذلك لا يدخل المسرف على نفسه بالمعاصي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾ ، بل حتى الذي لم يسرف على نفسه بالمعاصي، وكان ممتنعاً عن المعاصي، لكنه لا يتصف بهذا الوصف (إذا ذكر الله وجل قلبه، وإذا تليت عليه آياته زادته إيماناً) ؛ فإنه لا يدخل في اسم الإيمان المطلق.
وهل يكون منافقاً؟ الجواب: لا؛ لأن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان التام الكامل الذي يستلزم القيام بجميع ما أمر به الإنسان، وترك جميع ما نهي عنه، وليس المراد أنه من لم يتصف بهذا فهو من المنافقين؛ ولذلك قال الله في الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، فنهاهم عن قول الإيمان وأمرهم بقول الإسلام، أن يقولوا: أسلمنا، فأثبت لهم حكم الإسلام، وهل هم منافقون؟ الجواب: لا، ليسوا منافقين، فالإسلام الذي معهم ليس هو إسلام المنافقين، بل هو نظير إسلام أهل الكبائر أي: إسلام وإيمان ناقص؛ ولذلك نفاه عنهم لما لم يكملوه.
فتنبه لهذا! فعندنا في الإيمان حد أعلى، وحد أدنى، الحد الأعلى في الإيمان هو: الإيمان المطلق الذي يستلزم القيام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، الأوامر القلبية والبدنية، والنواهي القلبية والبدنية، ومطلق الإيمان الذي هو أدناه يصدق على كل من أقر بأصول الإسلام، فإنه يكون مؤمناً إيماناً مطلقاً، يعني: معه أدنى ما يتصف به من الإيمان، وهو الإيمان بالأركان الستة.
стр. 200
شرح العقيدة الواسطية [٢٤]
من أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب النبي ﷺ ، فهم يترضون عليهم، ويكفون ألسنتهم عما حصل بينهم، والواجب على كل مسلم أن يعرف للصحابة فضلهم، وأن يقوم بحقوقهم، التي بينها أهل العلم ﵏.
стр. 201
معنى حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبعد: قال المصنف ﵀: [وقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم] .
هذا الحديث فيه: أن صاحب الكبيرة ينفى عنه الاسم المطلق، فإن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني: حال مواقعته لهذه المعصية لا يكون مؤمناً كامل الإيمان، لماذا لا يكون مؤمناً كامل الإيمان؟ لأنه لو كان مؤمناً كامل الإيمان لترك المعاصي؛ لأن الإيمان الكامل هو اسم للعمل بجميع ما أمر الله به ورسوله، وترك جميع ما نهى الله عنه ورسوله، فلما كان هذا مخالفاً لما أمر الله به ومنتهكاً لما نهى الله عنه فإنه لا يستحق هذا الاسم.
من السلف من مثل الإيمان والإسلام بدائرتين: الدائرة الواسعة الكبيرة هي دائرة الإسلام، وداخلها دائرة أضيق منها وهي دائرة الإيمان، فإذا خرج من دائرة الإيمان هل يكون قد خرج من الإسلام والإيمان؟ لا، إنما خرج من الإيمان وهو في دائرة الإسلام، وهو الذي أفاده قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، فأخرجهم من الدائرة الضيقة التي لا يصل إليها إلا من جاهد واجتهد في طاعة الله وترك ما نهى الله عنه؛ إلى الدائرة الواسعة التي هي دائرة الإسلام الثابتة لكل من أقر بمباني الإسلام وأركانه الخمسة.
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، يرتفع عنه هذا الاسم، والذي يرتفع عنه هو الاسم المطلق الكامل (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) .
وبعد أن ذكر المؤلف هذين الدليلين الدالين على أن انتفاء الاسم لا يرفع وصف الإيمان، كما أن ثبوت الاسم يفيد الثبوت الكلي والثبوت الجزئي، انتقل ﵀ إلى بيان القول الوسط في مرتكب الكبيرة، فقال: (ونقول هو) الضمير يعود إلى الفاسق الذي بدأ الكلام عنه في قوله: ولا يسلبون الفاسق الملي، قال: (ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان) ، لكن هل يسوغ ويصح أن يقال: هو مؤمن فقط دون تقييد؟ الجواب: لا، إنما هذا قول المرجئة الذين يثبتون الإيمان لكل من اتصف به، وأنه كامل الإيمان.
إذاً: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهذا أيضاً تقييد: (مؤمن بإيمانه) يعني: مؤمن بما معه من الإيمان الذي حمله على فعل الطاعات وترك المنهيات (لكنه فاسق) يعني: خارج عن الإيمان بكبيرته، يعني: بسبب كبيرته، فالباء هنا للسببية.
الفسوق هو الخروج، والخروج هنا عن أي شيء؟ عن دائرة الإيمان الكامل المطلق إلى دائرة الإيمان الناقص، وهي دائرة الإسلام، فلا يعطى الاسم المطلق، ما هو الاسم المطلق؟ الكامل، ولا يسلب مطلق الاسم بكبيرته، يعني: ولا يسلب الإيمان بالكلية بسبب كبيرته بل يثبت له أصل الإيمان، ويكون موصوفاً به على وجه العموم لكنه ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
وبهذا يكون قد انتهى البحث فيما يتعلق بفصل الإيمان.
واعلم أن هناك مسألة طال فيها الخلاف وهي هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أو لا؟ والصحيح الذي لا ريب فيه أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع السلف بلا ريب، ومن قال: إن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان فإنما توهم ذلك من أن الإيمان ورد مقيداً في مواضع عديدة من كتاب الله وذكر بعده العمل، والجواب: أن الإيمان إذا ورد مقيداً وذكر بعده العمل فإنه يكون -كما تقدم تقريره- المراد به: عمل القلب، ويكون العمل عمل الجوارح فمثلاً قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] الإيمان هنا المراد به: عمل القلب، وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المراد به: عمل الجوارح، وهذا لا ينفي أن يكون العمل من الإيمان، لكن إذا ورد الإيمان مطلقاً فإنه لا شك في دخول الأعمال في مسماه؛ ولذلك لما ورد وفد عبد قيس إلى النبي ﷺ قال لهم: (آمركم بالإيمان ثم قال: أتدرون ما الإيمان؟ -ثم بين لهم النبي ﷺ الإيمان- فقال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم) ، ففسره بتفسير يتضمن العمل بأنواع العمل القلبي وقول اللسان وعمل اللسان وعمل الجوارح، ومن أظهر الأدلة على أن الإيمان يندرج تحته العمل ويدخل في مسماه: قول النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .
стр. 202
من أصول أهل السنة سلامة قلوبهم وألسنتهم للصحابة
قال رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، وطاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ] .
هذا الأصل -وهو ما يتعلق بصحابة رسول ﷺ تقدم الإشارة إليه في قول المؤلف ﵀: [وفي صحابة رسول الله بين الرافضة الخوارج] لما ذكر وسطية أهل السنة والجماعة، فهم وسط فيما يتعلق بصحابة رسول الله ﷺ بين ضلالتين، بين فرقتين مبتدعتين قصرت في صحابة رسول الله أو غلت فيهم وهم الرافضة والخوارج.
قال ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم] .
السلامة: هي البراءة من النقص والعيب، هذا في الألسن؛ والغل، والحقد، والبغي، هذا في القلوب، فأهل السنة والجماعة قلوبهم سليمة على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهي سليمة لهم ليس فيها غل ولا حقد ولا حسد، ولا كراهية، ولا بغض، بل على عكس ذلك، فقلوبهم مليئة بمحبة صحابة رسول الله ﷺ وإجلالهم وتقديرهم ومعرفة سبقهم وفضلهم.
قال: [وألسنتهم] أي: وسلامة ألسنتهم، فأهل السنة والجماعة سلمت ألسنتهم من عيب صحابة رسول الله ﷺ ، ومن نسبتهم إلى فسق، أو كفر، أو خيانة، أو ردة، أو غير ذلك كما هي حال الفرق الضالة سواءً الرافضة أو الخوارج، وأصحاب رسول الله ﷺ هم خير القرون كما سيأتي في كلام المؤلف.
والصحابة ثبت لهم فضل الصحبة، والصحبة فضل يثبت لكل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، هذا هو ضابط الصحبة، وبه نعرف أن الصحبة اسم جنس يصدق على قليل الصحبة وكثيرها، فليس هناك حد زمني أو تقدير زمني حتى يقال: إن من حصله فقد حصلت له فضيلة الصحبة، بل فضيلة الصحبة ثابتة لكل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، قل زمن صحبته أو كثر، والفارق بين قليل الصحبة وكثير الصحبة أنه كلما طالت الصحبة تأكد الفضل وازداد الحق؛ لأن الصحبة وصف، فكل ما قوي هذا الوصف قويت الحقوق المرتبة على هذا الوصف، فمن صحب النبي ﷺ عمره في دعوته كـ أبي بكر ﵁ ليس حقه كحق ذاك الذي لم يشهده إلا مرة واحدة، مع أن الجميع يشتركان في الصحبة، ولكن يختلفان فيما يثبت لهما من الحقوق بسبب هذه الصحبة، فمن كان نصيبه من الصحبة أكبر كان نصيبه وحظه من حقوقها أوفر.
فسلامة القلب وسلامة اللسان لمن طالت صحبته لرسول الله ﷺ ليست كسلامة القلب واللسان لمن قلت صحبته، ولا يعني هذا أن من قلت صحبته يطوله ضرر قلبي أو لساني من أهل السنة والجماعة، فكف الشر عنهم واحد، ولكن إثبات الفضل والمحبة والثناء والفضيلة يختلف باختلاف صحبتهم وباختلاف منزلتهم من رسول الله ﷺ ، والجميع يشترك في حق الصحبة، وأقل حقوق الصحبة، وأول عتبة في حقوق أصحاب رسول الله ﷺ الذي يشترك فيه طويل الصحبة وقصيرها؛ هو سلامة القلوب والألسنة لهم، ثم بعد ذلك يتفاوتون.
إذاً: قوله ﵀: (سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله) هذا أدنى حقوقهم.
وأول حقوقهم -وهو من باب التخلية قبل التحلية- أن يخلي قلبه من كل غل، وحقد، وحسد، وبغض، وكره لصحابة رسول الله ﷺ ، وأما الألسنة فتكون خالية من كل نقص وعيب، وهمز، ولمز، ووقيعة فيهم ﵃، وهذا خلاف ما عليه غير أهل السنة والجماعة من الفرق الضالة في هذا الباب.
وبدأ بسلامة القلب قبل سلامة اللسان؛ لأن سلامة القلب هي الأصل، فمن سلم قلبه سلم لسانه، وبه تعلم أن كل من همز صحابة رسول الله، أو لمزمهم، أو عابهم، أو انتقصهم بلسانه؛ فهذا يدل على أن في قلبه فساداً، وأنه إما بلي بغل، أو حقد، أو حسد، أو كره لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والعجيب! أن أقواماً اتهموا هؤلاء الصفوة بأنواع من التهم، وألحقوا بهم أنواعاً من السباب، وألحقوا جمهورهم بالكفر كما سيأتي، ولم يبق إلا نفر قليل زعموا أنهم هم الذين تتنزل عليهم نصوص فضل الصحابة، ويستحقون ما للصحبة من حقوق، وأما جمهورهم فهم بين مرتد، أو كافر، أو خائن، نعوذ بالله! ولو قيل لعاقل: هل يسوغ هذا في حق النبي ﷺ ؟ الجواب: لا، كيف يصطفي الله لخير خلقه وصفوتهم وخاتم رسله هؤلاء الأصحاب الذين هم بين منافق وكافر وخائن؟! فالرد على هؤلاء بالعقل أبلغ من الرد بالنص؛ لأنهم لا يسلمون بالنصوص بل ما يسوقونه من النصوص في لمز الصحابة من الذي نقلها؟ ومن أين أتتنا هذه النصوص؟ من الصحابة، فهم يستدلون بالأحاديث التي رواها الصحابة على ذمهم، فمثلاً يقولون: إن النبي ﷺ قال في حديث الحوض: (يذاد عن حوضي فأقول: أصحابي أصحابي فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك) ، من الذي نقل لك هذا الحديث؟ الصحابة، فكيف تقبل نقلهم في ذم فئة منهم، وهم المرتدون، وتجعل هذا في حق جميعهم؟! سبحان الله العظيم! هذه البدعة التي هي بدعة الرفض وبدعة الخوارج أهلها من أفسد الناس عقلاً، ومن أفسدهم نقلاً، لا سيما بدعة الرافضة.
يقول ﵀: [كما وصفهم الله] .
هذا بيان لحال هؤلاء الذين استحقوا سلامة القلوب وسلامة الألسنة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] ، قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا عطف على ما تقدم، والذي تقدم هو ذكر المهاجرين والأنصار في سورة الحشر في الآيات التي قبل هذه الآية ذكر الله أولاً المهاجرين، ثم ثنى بذكر الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ فهم يسألون المغفرة لهم: ﴿وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ، وأول وأحق من يدخل في قوله: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ هم صحابة رسول الله ﷺ ، وإن كان يدخل في هذا كل مؤمن قد سبقك وتقدم عليك، فكل مؤمن سبقك وتقدم عليك ولو بزمن يسير فإنه يدخل في قوله: ﴿وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ، لكن أول من يدخل في هؤلاء وأحق من يدخل في هذه الآية هم صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار.
﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] سأل هؤلاء الله المغفرة لهم ولإخوانهم، ثم قالوا: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ عموماً من السابقين والاحقين، لكن أول من يجب تسليم القلب من الغل في حقهم: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ، وأحق أولئك صحابة رسول الله ﷺ : ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، وهذه الآية تشير إلى أن من طرق تسليم القلب من الغل والحقد على أحد من أهل الإيمان أن تدعو له بالمغفرة.
إذا كان على أحد في قلبك غل؛ بسبب معاملة أو سوء تصرف، فأكثر من الدعاء له بالمغفرة؛ حتى يسلم الله قلبك مما فيه من غل في حق أخيك المسلم.
ثم قال أيضاً في هذا الفصل، وفي هذا الأصل: [وطاعة النبي ﷺ في قوله] يعني: أهل السنة والجماعة سلمت قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ لأمرين: الأمر الأول: الدليل من القرآن وهو يفيد سلامة القلب: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ﴾ ، بل وسلامة اللسان وذلك في قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فالآية دالة على سلامة القلب وفضل اللسان، سلامة القلب في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ﴾ ، وفضل اللسان بالدعاء لهم، وهو أمر زائد عن السلامة؛ لأن السلامة هو الامتناع من النقص والذم والعيب، فكيف إذا كان حقهم ونصيبهم من اللسان هو الدعاء لهم وطلب المغفرة! قال: [وطاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ] ، لا تسبوا هذا نهي، والسب يصدق في أي قول مذموم في حقهم، في أي قول فيه ذم لهم، فعيبهم سب لهم، تنقصهم سب لهم، احتقارهم سب لهم، لعن الصحابة من سبهم بل هو من أعظم السب لهم ﵃، وسبب هذا الحديث خلاف وقع بين عبد الرحمن بن عوف ﵁ وبين خالد بن الوليد، فنال خالد ﵁ من عبد الرحمن بن عوف، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي) إلى آخر الحديث، فالحديث له سبب وهو نيل خالد بن الوليد -وهو ممن تأخر إسلامه- من عبد الرحمن بن عوف -وهو ممن تقدم إسلامه- فهل هذا يعني أن خالداً ليس صاحباً لرسول الله ﷺ ؟ هل يعني أنه ليس من الصحابة؟ لا يعني أنه ليس من الصحابة، لكن هذا يشير إلى ما ذكرناه قبل قليل في الصحبة، وأن حق الصحبة يتأكد بقدر ما مع الإنسان منها، فنصيب عبد الرحمن بن عوف من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 203
إثبات فضائل الصحابة ومراتبهم
قال ﵀: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر -وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر-: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ ، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة] .
قال المؤلف ﵀: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم] .
يعني: من فضائل الصحابة ومراتبهم، واعلم أن أحاديث فضائل الصحابة ﵃ كثيرة مستفيضة قد بلغت حد التواتر، والثناء على صحابة رسول الله ﷺ قد جاء في مواضع عديدة من كتاب الله ، وجاء في السنة من طرق متواترة مستفيضة، وجاء من طرق الإجماع، فإن الأمة أجمعت على أن الصحابة أفضل الأمة، وأنهم خير القرون ﵃، ففضائلهم منشورة، كما أنه يدل على فضلهم العقل، فإنهم صفوة الخلق بعد الأنبياء حيث اصطفاهم الله لصحبة خير الخلق وخاتم الرسل وسيد ولد آدم نبينا محمد ﷺ ، ففضائلهم ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع وبالعقل.
стр. 204
فضائل الصحابة العامة
الفضائل الواردة في صحابة رسول الله ﷺ منها ما هو عام -وهذا القسم الأول- كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] هذا فضل عام، وكقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، وهذا أيضاً من الفضل العام الذي يعم جميع الصحابة.
стр. 205
فضائل الصحابة الخاصة
ومن الفضائل التي وردت في صحابة رسول الله ﷺ فضائل خاصة، وهذه الفضائل الخاصة تنقسم إلى قسمين: فضائل عامة يعني: هي خاصة لكن ليست خاصة بمعين بل يشركه فيها غيره، مثل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] هذه الفضيلة هل هي عامة لجميع الصحابة؟ لا، لجماعة منهم، لكن هل هي في واحد منهم أو في المجموع؟ في المجموع، فهذه فضيلة خاصة لكنها ليست خاصة بمعين، بشخص معين، بشخص واحد لا يشركه فيها غيره، بل هي خاصة في جماعة، فهي من حيث عدم عمومها لجميعهم خاصة، ولكنها لا ينفرد بها واحد منهم، وغالب ما ورد في فضائل الصحابة من هذا النوع، فالفضائل الخاصة غالب ما ورد فيها من فضائل لا على وجه الانفراد.
القسم الثاني من الفضائل الخاصة هي التي اختص بها بعضهم، وانفرد بها عن غيره من الصحابة، وهذا أكثره في أبي بكر وعمر ﵄، فإن فضائلهما تميزت بأنهما قد انفردا فيها عن غيرهما من الصحابة، فقول النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) هذه خاصة بهما، لم يشركهما فيها غيرهما، وأكثر الفضائل الخاصة وردت في أبي بكر، فإن له من الفضائل الخاصة التي انفرد بها عن سائر الصحابة ما ليس لغيره حتى ولا عمر، لكن عمر شاركه في الاختصاص في فضائل، لكن نصيب أبي بكر ﵁ منها أوفر، فاضبط هذا التقسيم للفضائل.
ثم اعلم أن مراتبهم ﵃ تنقسم إلى قسمين: مراتب على وجه العموم، ومراتب على وجه الأفراد.
أما على وجه العموم فهو ما ذكره رحمه من تفضيل من أنفق من قبل الفتح وقاتل على غيره من الصحابة، وهذا تفضيل مرتبي على وجه العموم، فيفضل أهل السنة والجماعة من أنفق من قبل الفتح وقاتل -والفتح هو صلح الحديبية- على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، وهذا تفضيل جملة، وليس تفضيل أفراد.
قال ﵀: ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وهذه فضيلة خاصة حتى في المهاجرين، فهي للمهاجرين والأنصار الذين حضروا بدراً، فهذا تخصيص بعد تخصيص، فالتفضيل العام الأول: من أنفق من قبل الفتح وقاتل، والثاني: تفضيل المهاجرين والأنصار، والثالث: تفضيل أهل بدر على غيرهم؛ وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة كما أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وهذا عدد كبير أثبت الله لهم الفضل بالرضا.
وبهذا نعلم ضلال الرافضة والخوارج حيث كفروا غالب صحابة رسول الله ﷺ أو فسقوهم وضللوهم، وقالوا: إن هذه الفضائل هي لمن بقي على الإسلام بعد النبي ﷺ ، قلنا لهم: كم الذين بقوا على الإسلام بعد النبي ﷺ ؟ قالوا: خمسة عشر، وإن تجاوزا أبلغوهم إلى عشرين، فهم لا يتجاوزون بضعة عشر رجلاً عندهم، وهؤلاء هم الذين نزلت فيهم هذه الفضائل!! فالجواب عليهم أن يقال: كيف يمدح الله مدحاً عاماً ويثبت رضاً عاماً لقوم يعلم أن خاتمتهم الكفر؛ ولذلك مضمون قول هؤلاء القدح في الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ﵀: وباطن مذهب هؤلاء الطعن في الرسالة؛ ولذلك المسألة خطيرة فيما يتعلق بصحابة رسول الله، فهي تتعلق بإبطال نقلة الكتاب والسنة، فإذا كان القرآن لم يثبت إلا عن طريق كفرة، فكيف تعمل الأمة به وهو الكتاب المحفوظ؟ وأهل السنة والجماعة يقولون: إنه محفوظ منقولة حروفه بالتواتر، حتى حروفه يعني: ليس فقط جملة الكتاب، بل الحروف منقولة بالتواتر.
стр. 206
الشهادة بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ
قال ﵀: [ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة] .
وهذا فضل خاص بهؤلاء العشرة، وهو ثابت لهم ولمن وافقهم، لكن قيل العشرة؛ لأنهم نص عليهم النبي ﷺ في سياق واحد، ففي جامع الترمذي قال النبي ﷺ : (عشرة في الجنة -ثم سماهم-: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي) ، فهؤلاء نص النبي ﷺ على الشهادة لهم بالجنة في حديث واحد؛ ولذلك عرفوا بالعشرة المبشرين بالجنة، وليس المقصود حصر البشارة بهم، بل البشارة لهم ولغيرهم، فإن النبي صلى الله عليه سلم قد بشر غيرهم بالجنة، مثل ثابت بن قيس بن شماس، وكـ بلال وأزواج النبي ﷺ ، وعبد الله بن سلام وعكاشة، فهم كثير الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وقد جمعهم بعض أهل العلم استقصاء وتتبعاً.
المهم أن الشهادة بالجنة لا تكون إلا لمن شهد لهم النبي ﷺ من هؤلاء، على أننا نقر بفضلهم، لكن لا نشهد لمعين منهم بالجنة إلا لمن شهد له النبي ﷺ .
والعشرة هم أبو بكر، عمر، عثمان، علي، عبد الرحمن بن عوف، سعيد بن زيد، سعد بن أبي وقاص، الزبير، طلحة، أبو عبيدة بن الجراح، ﵃، هؤلاء هم العشرة.
стр. 207
شرح العقيدة الواسطية [٢٥]
الله يفضل من شاء على من يشاء، وهذا التفضيل يرجع لما في القلوب من التقوى (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ، ومن عقيدة أهل السنة تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي على غيرهم من الصحابة، وهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، ومن عقيدتهم محبة آل بيت النبوة، وإعطاؤهم حقوقهم.
стр. 208
تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في علي وعثمان ﵄ -بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بـ علي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة؛ وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله] .
قال ﵀: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره) يعني: ونقل عن غيره أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.
هذا هو القسم الثاني من المراتب وهو: بيان المراتب على وجه الانفراد، فأفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر ﵁، وهذا ثابت في كثير من النصوص التي مجموعها يفيد أن تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما لا ريب فيه، وهو الذي أجمع عليه سلف الأمة، واتفق عليه الصحابة ﵃، وإنما خص ﵀ النقل عن علي لكونه ممن وقع فيه الخلاف بين أهل القبلة، فممن ينتسب إلى الإسلام من يفضله على أبي بكر وعمر، فأتى بالنقل عنه لكونه محور الخلاف مع بعض الطوائف.
فقال: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) ، وهذا قد ثبت عن علي ﵁ من نحو ثمانين وجهاً، وهو أنه قال: خير الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، في خلافته وبين أنصاره، حتى لا يقول قائل: إنه إنما قال ذلك خشية السلطان أو تقية، إنما قال ذلك في أوج سلطانه وبين أنصاره، حتى إنه قال في منبر الكوفة: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد الفرية؛ وذلك لثبوت تقديم هذين على غيرهما.
وإنما حصل تقديم غيرهما عليهما من متأخري الشيعة الذين سموا رافضة، فإنهم سموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي حين سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، فرفضوه، فسموا بذلك رافضة، فتفضيل أبي بكر وعمر ﵄ أمر ثابت، عليه أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، بل حتى متقدمي الشيعة لا يناقشون في تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما، وإنما جرى ذلك عند متأخريهم.
قال: (ويثلثون) يعني: في الفضل والمرتبة (بـ عثمان ويربعون بـ علي ﵃ فهؤلاء هم صفوة الصحابة وخيرهم على هذا الترتيب.
يقول: (كما دلت عليه الآثار) فتفضيل أبي بكر وعمر استند إلى النقل المتواتر، وفي التثليث بـ عثمان وعلي بن أبي طالب ﵁ قال: (كما دلت عليه الآثار) ؛ لأن من نظر إلى الآثار علم أن عثمان ﵁ مقدم على علي رضي الله عن الجميع، كما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، فهذا دليل من الأدلة على تقديم عثمان على علي، فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما تولى طلب الرأي والمشورة من الصحابة فيمن يتولى الأمر بعد عمر: علي أو عثمان، بقي ثلاثة أيام يسأل كل أحد من أعيان الصحابة بل ومن غيرهم، حتى النساء يسألهن، قال عبد الرحمن ﵁: لم أرهم يعدلون بـ عثمان أحداً، فقدمه ﵁ على علي، وبويع بالخلافة بيعة رضا ورغبة لا خوف ورهبة، وهذا مما يستدل به أهل السنة والجماعة على فضيلة عثمان ﵁ على علي ﵁.
стр. 209
تفضيل عثمان على علي ﵄، والخلاف فيه
قال: [مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ أيهما أفضل بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، فقد قدم قوم عثمان وسكتوا] .
هذا رأي وهو قول عند بعض أهل السنة.
الثاني: [أو ربعوا بـ علي] .
يعني: لم يسكتوا بل قالوا: عثمان ثم علي.
الثالث: [وقدم قوم علي ـاً] .
هذا القول الثالث.
الرابع: [وقوم توقفوا] .
صار عندنا في المفاضلة بين علي وعثمان ﵄ أربعة أقوال، والذي استقر عليه أهل السنة ما أشار إليه الشيخ ﵀ حيث قال: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي] .
وقد اختلفوا هل يبدع المخالف في تفضيل عثمان؟ فمن فضل علي ـاً هل يقال: إنه مبتدع؟ أشار الشيخ ﵀ إلى جواب هذه المسألة فقال: [وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول] .
أي: أن التضليل والتبديع إنما يكون في مسائل الأصول لا في مسائل الاجتهاد، خلافاً لما عليه كثير من الناس من التضليل في مسائل الاجتهاد، ومسائل مطارح الآراء، واختلاف الأنظار؛ وهذا من الغلو في التبديع، فالتبديع يجب أن ينظر فيه إلى هدي السلف، والسلف قد اختلفوا في مسائل ولم يبدع بعضهم بعضاً، فهو ليس من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف.
قال: [عند جمهور أهل السنة] .
وهذا يشير إلى أن من أهل السنة من يبدع المخالف في هذه المسألة، فإنه نقل عن أيوب السختياني، وعن الإمام أحمد في رواية، والدارقطني أن من قدم علي ـاً على عثمان في الفضل فإنه مبتدع، والرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀: أنه لا يبدع، وهو قول جمهور أهل السنة، والمنقول عن أيوب أنه قال: من فضل علي ـاً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وذلك لظهور تفضيل عثمان على علي ﵄.
وفي حديث ابن عمر أنه لما سئل عن الفضل قال: كنا نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ويقفون عند هذا، وكان يبلغ النبي ﷺ ولا يقول شيئاً، وهذا مما استدل به من استدل على أن تفضيل عثمان على علي مستند إلى نص، وهو الذي أشار إليه ﵀ في قوله كما تدلت عليه الآثار.
المهم أن الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة تفضيل عثمان على علي رضي الله عن الجميع، وأنه لا يبدع المخالف.
стр. 210
إثبات الخلافة الراشدة للخلفاء الأربعة
قال: [لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة] .
يعني: الخلاف فيمن هو الأحق بالخلافة؟ قال: [وذلك أنهم يؤمنون] .
الضمير يعود إلى أهل السنة الجماعة.
[وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - كما هو الواقع - ومن طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله] .
وهذه عبارة الإمام أحمد ﵀: من طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله، وفيه بيان بعد ضلال من خالف في هذا، فإن الصحابة ﵃ اتفقوا على هذا الأمر: أبو بكر تولى ولم يخالف، وأجمعت على توليته وخلافته الأمة، ووافق على ذلك الصحابة ﵃، وما نقل من تأخر علي ﵁ عن البيعة لا يدل على عدم موافقته؛ ولذلك وافق وبايع، وإنما تأخر لشيء في نفسه ﵁، وليس أنه كان يطلب الأمر له، وأما عمر فولايته لعهد من أبي بكر ﵁، وقد وافق على هذا العهد وعلى هذه الخلافة الأمة، وأجمع عليه الصحابة، ولم يقع فيها خلاف.
ثم عمر ﵁ عهد بالأمر إلى ستة، وهم الذين مات النبي ﷺ وهو عنهم راض، وهؤلاء الستة هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عن الجميع، ثم انحسر الأمر في اثنين: في عثمان وعلي، وجرى البحث والمشاورة في أيهما أحق، وتولى ذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأخذ على كل واحد منهما العهد على أنه إذا ولي يعدل، وإذا لم يول يسمع ويطيع، فلما أخذ من عثمان العهد ومن علي العهد على هذا الأمر؛ بايع عثمان ﵁، وبايع الناس ومن جملتهم علي، فكانت بيعة رغبة ورضا، ولو كان علي يعتقد أنه حق بالخلافة من عثمان لما بايع؛ لأن المسألة ما هي بالإجبار، وكان قادراً من الأصل ألا يرضى بالعهد الذي أخذه عليه عبد الرحمن، ولقال: أنا أوصى لي رسول الله، كما تزعم بعض الطوائف.
المهم أن عثمان تولى ﵁، ثم قتل، ولما قتل تولى علي ﵁، ووقع الخلاف بين الصحابة الذي سنشير إليه في كلام المؤلف ﵀، فخلافة الثلاثة الذي هم أبو بكر وعمر وعثمان لم يقع فيها خلاف ولا قتال، ولم يقاتل أبو بكر ولا عمر ولا عثمان أحداً على الولاية، أما علي ﵁ فقد قاتل على الولاية؛ لأنه خولف وعورض، وكان أحق بها ﵁.
المهم -يا إخواني- أن خلافة هؤلاء واضحة وبينة ولا إشكال فيها، واتفق عليها أهل الإسلام، ولم يخالف فيها إلا الرافضة الذين أتوا بقول يخالفه علي ﵁، ويرده علي ﵁؛ ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: من طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله؛ لوضوح الأمر وضوحاً جلياً بيناً لا يقبل الخلاف ولا النقاش.
стр. 211
فضل آل بيت النبي ﵊ وبيان حقوقهم
قال ﵀: [ويحبون آل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) ، وقال أيضاً للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ] .
بعد أن فرغ المؤلف من بيان فضيلة الصحابة، وما لهم من فضل وحق، وعقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك؛ انتقل إلى بيان حق آل البيت، واعلم أن أهل السنة والجماعة أهل عدل وإنصاف وعلم، فهم لا يتكلمون إلا بالعلم والعدل، وبهذين الأمرين يحصل الخير لكل أحد، العلم يأمن به الإنسان من الجهل؛ والعدل يأمن به من الظلم، وهذان الأمران مصدر كل شر، مصدر كل شر في الأقوال والأعمال والعقائد الجهل أو الظلم؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الاتصاف بهذين الوصفين -العلم والعدل- في قوله وعمله وعقيدته وسائر شئنه، وليعلم أن الإنسان في أصله مجبول على ذينك الوصفين كما قال الله : ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] ، هذا وصف لجنس الإنسان، ولا خروج له من هذين إلا من طريق الكتاب والسنة، فبقدر استمساكه بهما وعمله بهما وأخذه بهما وإقباله عليهما؛ بقدر ما يسلم من هذين المحظورين.
فلما كان أهل السنة والجماعة أهل علم وعدل خلافاً لغيرهم من الطوائف فإنهم يعطون كل ذي حق حقه؛ ولذلك هم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يحبونهم محبة قلبية زائدة على محبة الصحابة، فأهل البيت لهم حق الإسلام، ولهم حق القرابة، ولهم حق زائد وهو حق الصحبة إن كانوا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ولذلك هم يحفظون حقوق أهل البيت كما قال المؤلف: [ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم] .
خلافاً لطريق النواصب الذين يعادون آل البيت ويذمونهم ويسبونهم.
قال: [ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) ] وذلك أن النبي ﷺ قال في غدير خم: (تركت فيكم ثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور - ورغب في كتاب الله - ثم قال: وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) كررها ثلاثاً ﷺ .
وتقدم لنا أن الثقلين جمع ثقل، والثقل هو كل ما له قيمة وشرف ومنزلة، فأهل البيت لهم قيمة وشرف ومنزلة؛ ولذلك أوصى بهم النبي ﷺ وقال: (أذكركم الله في أهل بيتي) ، أي: فيما يجب لهم من الحقوق، ومن حقوقهم الصلاة عليهم مع رسول الله ﷺ ؛ ولذلك نقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الصلاة الإبراهيمية، فهذا من حقوقهم.
ومن حقوقهم: أن يعطوا الخمس من المغنم.
ومن حقوقهم: الفيء.
ومن حقوقهم: الإكرام والتقدير والمحبة لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، فأهل السنة والجماعة يحفظون حقوق هؤلاء، لكن لا يغلون فيهم، ويلغون فضائل غيرهم بكونهم قرابة رسول الله، فـ علي ﵁ نحبه لقرابته من رسول الله ﷺ ولبلائه وصحبته، ولكن هذا الفضل لا يلغي فضل غيره من الصحابة الذين هم خير منه ك أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع.
فالمفاضلة بين الناس بحاجة إلى هذين الوصفين اللذين تقدم الإشارة إليهما، وهما: العدل والعلم، حتى في المفاضلة بين المعاصرين أو أي أمر يفاضل فيه الإنسان ويحتاج أن يقول: هذا أفضل من هذا، فعليه أن يتكلم بعلم وعدل، وكلما اتصف بهما كلما أصاب الحق، وكلما قل وصفه بهما كلما جانب الصواب.
قال النبي ﵊ للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، هذا الحديث بين أن آل البيت لهم حق خاص لله، والمحبة لله هي عامة لكل مسلم، فكل مسلم يحب لله، ولكن هؤلاء اختصوا بهذه الخاصية وهي قرابتهم من رسول الله ﷺ ، ومحبتهم من محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 212
بيان آل بيت النبي ﵊
قال ﵀: [وقال رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ] .
قال رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى بني إسماعيل) إسماعيل هو ابن إبراهيم ﵇، (واصطفى من بني إسماعيل كنانة) ، وهو من بني إسماعيل ﵇، (واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، فالنبي ﷺ خيار من خيار، وهذا ترقي في الاصطفاء، وآل بيت النبي ﷺ هم بنو هاشم.
وسبب سياق هذا الحديث بيان منزلة بني هاشم في العرب، وأيضاً: بيان من هم آل النبي ﷺ الذين قال فيهم المؤلف ﵀: ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله، فمن هم؟ هم بنو هاشم: ولد العباس، وولد علي، وولد جعفر، وولد عقيل، هؤلاء هم أهل البيت الذين لهم حق لقرابتهم من رسول الله ﷺ : آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، هؤلاء هم آله من نسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
واعلم أن آله الذين لهم هذه الحقوق هم الذين تحرم عليهم الصدقة.
ومن آله أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله الذين لهم الحقوق السابقة من المحبة والتولي وحفظ رسول الله ﷺ فيهم؛ ولذلك أشار المؤلف ﵀ إلى حقهم خصوصاً فقال: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين] .
وإفراد الحديث عنهن لا لأنهن لسن من آل البيت؛ بل لأنهن اختصصن بأمور زائدة على ما اختص به آل بيت النبي ﷺ من نسبه، فأولئك كلهم آله من النسب، وهؤلاء آله بالزوجية، وقد دل القرآن الكريم على أن أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله حيث قال جل وعلا في سياق الآيات التي فيها خطاب أزواج النبي ﷺ وأمرهن بما أمر جل وعلا: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذا لا إشكال أنه في أزواج النبي ﷺ ، فإن الأمر بالطاعة في قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ موجه إلى زوجات النبي ﷺ ؛ لأن الخطاب مفتتح: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] ، فأزواجه من آله بنص القرآن.
وأما ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة، وفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة؛ أن النبي ﷺ : (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله في الرداء وغطاه في الرداء، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) ، وفي رواية: (اللهم! هؤلاء أهل بيتي فطهرهم تطهيراً) ، فهذا لا ينفي ما أثبته القرآن من كون أزواجه ﵅ من آله، فإن التخصيص لا يلغي ما دل عليه النص السابق، فهؤلاء لا شك أنهم من آله، ولم يختلف أهل الإسلام أن الحسن والحسين وعلياً وفاطمة ﵃ من آل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا خلاف في ذلك، ولكن هل هذا النص يفيد إلغاء هذا الوصف عن غيرهم؟ الجواب: لا، كيف لا؟ إذا قلت: لا، لا بد أن تبين، فنقول: إن القرآن كالصريح في أن أزواجه من آله؛ لأنه لما وجه الخطاب بأمر ونهي إلى أزواجه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ، وهذا لا معنى له إذا لم يكن تعليلاً للأوامر السابقة، والأوامر السابقة موجهة إلى آل بيته من أزواجه، ثم إن القرآن دل على أن امرأة إبراهيم من آله، وأن امرأة لوط من آله، وهذا أمر معروف، فكيف يكون أزواج النبي ﷺ لسن من آله؟ هذا قصور في حقه ﷺ .
إذاً: ثبت عندنا بالقرآن أن أزواجه من آله، فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ نقول: هذا الحديث فيه إثبات أن أحق من وصف بهذا الوصف هم هؤلاء الذين أدخلهم النبي ﷺ في هذا الغطاء، فهم أحق من وصف بهذا الوصف؛ لأنهم آله من النسب، ولا يعني هذا نفي الحكم والوصف عن غيرهم، ونظير ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأن أول مسجد أسس على التقوى مسجده ﷺ ، فلما سئل عن قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] قال: (هو مسجدي هذا) ، مع أن أهل التفسير متفقون على أن الآية نزلت في مسجد قباء فهل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلغاء لما هو ثابت من أن الآية نزلت في مسجد قباء، لا، ليس إلغاءً لكنه يفيد أن أحق ما وصف بهذا الوصف هو مسجد رسول الله ﷺ ، وهل كونه أحق يلغي هذا الوصف عن غيره؟ الجواب: لا؛ ولذلك نقول: لهذا نظائر، والمقصود من هذا الأسلوب: هو بيان أحقية المخصوص بالوصف، ففي حديث عائشة وأم سلمة ﵄ تخصيص علي وفاطمة والحسن والحسين بقول النبي ﷺ : (هؤلاء أهل بيتي) ، وما فائدته؟ بيان أنهم أحق من وصف بهذا الوصف، لكن كونهم أحق لا يلغي هذا الوصف عن غيرهم؛ ولهذا نقول: لا خلاف بين الكتاب والسنة في أن أزواجه من آله ﷺ .
стр. 213
فضل أزواج النبي ﵊ أمهات المؤمنين
قال ﵀: [يتولون أزواج رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين] .
أزواج: جمع زوج، والنبي ﷺ له عدة زوجات، مات عن تسع، والذين تزوجهن إحدى عشرة امرأة، وهؤلاء كلهن من آله، ولهن خاصية أخرى وهي: أنهن أمهات المؤمنين، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] أزواجه، أي: أزواج النبي ﷺ أمهاتهم، لكن هذا لا يثبت إلا لمن بقي هذا الوصف لها وهو الزوجية، فمن طلقها رسول الله ﷺ هل يثبت لها هذا الحكم؟ الجواب: لا، إنما هذا الحكم ثابت لمن مات عنهن أو متن في حياته.
قال ﵀: [ويؤمنون بأنهن - أي: زوجاته - أزواجه في الآخرة] .
فهن أزواجه في الدنيا، وأزواجه في الآخرة، وهذا يتضمن الشهادة لهن بالجنة، وبه نعرف أن الشهادة ليست مقيدة بمن ذكرهن ﵀، فجميع زوجات النبي ﷺ في الجنة؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وثبوت وصف الزوجية لهن في الآخرة يدل على تحريمهن على غيره، فلا يجوز لأحد أن يتزوجهن، وقد انتهى الموضوع فقد متن ﵅؛ لكن هذا بيان لحكم سابق.
قال: [خصوصاً خديجة] .
بعد أن بين ﵀ ما اختص به أزواج النبي ﷺ ، بين من هو أحق بهذا الوصف منهن، واعلم أن كل من خص بخصيصة فإنه خص لمعنى، ولم يخص بمجرد التخصيص؛ لأننا نؤمن بأن الله حكيم كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، فالله أعلم حيث يجعل الفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] ، أزواجه اللواتي توفي عنهن ﷺ هن: عائشة، وحفصة، وسودة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، تسع زوجات، ومات عنه: خديجة، وزينب بنت خزيمة ﵅، فمات عنه زوجتان، ومات ﷺ عن تسع زوجات، والحق ثابت لجميعهن، فقوله: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة] هذا ثابت للجميع: من مات عنهن، ومن متن عنه.
قال: [خصوصاً خديجة] .
يعني: أحقهن بما ذكر من التولي والمكانة والاحترام، وكونها أيضاً زوجة له في الآخرة خديجة ﵂.
وجه التخصيص قال: [أم أكثر أولاده] هذا واحد.
[وأول من آمن به وعاضده على أمره] هذا اثنين.
[وكان لها منه المنزلة العالية] في حياتها وبعد موتها، فهذا وجه تخصيصها ﵂ بهذا الفضل دون غيرها من الزوجات.
قال: [والصديقة بنت الصديق] الصديقة بنت الصديق هذا معطوف على خديجة ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ، الثريد هو الخبز مع اللحم، وهو أفضل الطعام؛ لكون الخبز من البر وهو أفضل الطعام، ولكون اللحم من الأدم وهو أفضل الإدام؛ ولذلك كان أفضل الطعام، فـ عائشة ﵂ فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا تفضيل عائشة على أزواجه ﷺ ، وقد وقع الخلاف في أيهما أفضل عائشة أو خديجة؟ والقول الفصل في ذلك أن عائشة ﵂ باعتبار ما جرى منها من نشر العلم وحفظ الشريعة هي أفضل من هذا الجانب، وأما خديجة فباعتبار ما كان منها في أول الإسلام من نصرة رسول الله ﷺ وتأييده وتثبيته وإعانته وإمداده هي أفضل، فكل منهما لها فضل من وجه، وكلهن فاضل ﵅.
стр. 214
شرح العقيدة الواسطية [٢٦]
الصحابة ﵃ هم خير الناس بعد الأنبياء، لم يكن ولا يكون مثلهم، هذا هو معتقد أهل السنة، الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والآثار السلفية، وقد خالف هذا الأصل الروافض والنواصب، فضلوا عن سواء السبيل.
стр. 215
من أهل البدع: الروافض والنواصب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] .
(يتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم) الروافض: اسم لطائفة، وهم الذين رفضوا زيد بن علي لتوليه أبي بكر وعمر، سئل الإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: الذي يبغض أبا بكر وعمر.
وهذا حد ضابط؛ لأن من أبرز ما عرفوا به وأشهر ما اختصوا به بغضهم لـ أبي بكر وعمر ﵄، وهما الإمامان الجليلان وزيرا رسول الله ﷺ وصاحباه، فهؤلاء سبوا وأبغضوا، قال المؤلف: (الذين يبغضون الصحابة) وهذا أمر قلبي، (ويسبونهم) وهذا أمر قولي، فجمعوا في التقصير في حق أصحاب رسول الله ﷺ بين فساد القلب وسوء القول، وأهل السنة الجماعة هداهم الله إلى الطريق الوسط، والصراط المستقيم، فسلموا من هذه البدعة، فلم يقعوا في أحد من الصحابة، بل ألسنتهم بريئة من ذم أو همز أو سب أو نيل من صحابة رسول الله ﷺ ، كيف وهم خير القرون الذين أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع عديدة؟ واعلم أن سب صحابة رسول الله ﷺ لا يخلو من أحوال: القسم الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفرهم، أو يقتضي كفر أكثرهم، وهذا صاحبه كافر، يعني: سبهم بما هو كفر، وعابهم بما هو كفر كأن يقول: إن الصحابة ارتدوا، أو الصحابة خانوا وكذبوا، فهذا سب لهم بما هو كفر، وقائله كافر، لماذا؟ لأنه قادح في الكتاب والسنة، وطاعن في الرسالة.
القسم الثاني: سبهم باللعن والتقبيح دون الكفر، يعني: لا ينسبهم إلى ما هو كفر، إنما يلعن ويقبح ويذم، وهذا اختلف العلماء في كفره على قولين، لكن على القول بأنه لا يكفر فالواجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه.
القسم الثالث في السب: أن يسبهم بما ليس فيه نقص في دينهم، كأن يقول: هم جبناء، أو يقول: فلان منهم جبان، أو ما أشبه ذلك مما لا ينقص به دينهم، فهذا صاحبه يعزر ولا يكفر، هكذا قسم شيخنا ﵀ أحوال الساب.
واعلم أن شيخ الإسلام ﵀ أطلق الخلاف بين أهل العلم في سب أصحاب رسول الله ﷺ ، لكن هذا التقسيم يبين لنا مواضع الخلاف ومواضع الاتفاق، فسب المجموع أو الجمهور من صحابة رسول الله ﷺ كفر، إذا كان السب من لازمه نسبتهم إلى الكفر أو الردة، وأما ما دون ذلك فهو الذي جرى فيه الخلاف بين أهل العلم، فهؤلاء سبوا أصحاب النبي ﷺ واستثنوا منهم بضعة عشر فتولوهم، وعليهم حملوا النصوص الواردة في فضل الصحابة وما يجب لهم من التقدير والاحترام، بل غلوا في بعضهم حتى أبلغوه درجة الإلهية، كما غلوا في علي بن أبي طالب، وكما غلوا في الأئمة الذين قالوا: إنهم معصومون.
قابل هؤلاء النواصب وأشار إليهم المؤلف في قوله: (وطريقة النواصب) ، نواصب: جمع ناصب، وهو من ناصب العداوة أهل البيت، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب ﵁ بعد رسول الله، فأفضل أهل البيت بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، آذوهم بقول إما بسب، أو شتم، أو لعن، أو تكفير، أو تفسيق، أو بعمل، وذلك بأن يوصل إليهم الأذى الحسي، ومنه أذى قبورهم إن عرفت بأن يلقى عليها القاذورات أو تمتهن، فإن هذا من الإيذاء وإن كان لا يصل إليهم بذواتهم، لكن هو إيذاء معنوي نظير السب والشتم، بل هو أشد.
следующие страницы →