← Акыда

Акыда · id 7728

شرح العقيدة الواسطية لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (230 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إثبات صفتي الإتيان والمجيء لله [وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ، وقوله: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥]] . هذه الآيات أيضاً مما يثبت به صفات الفعل لله جل وعلا، والأصل في إثبات صفات الفعل قوله : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ؛ فكل صفة فعل تندرج تحت هذه الآية، وهذه الآيات ذكرها ﵀ لأن فيها إثبات صفة الإتيان له ، وذلك في قوله: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) ، وكذلك إثبات صفة المجيء، وذلك في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ، فهذه الآيات أثبتت لله هذين الوصفين على الوجه اللائق به ، والإتيان والمجيء من صفات الفعل، وهو يأتي لفصل القضاء في يوم القيامة. قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ) هذا تهديد، والخطاب فيها لأهل الكفر والشرك المعاندين للرسل، (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ) يعني: بالموت (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني: لفصل القضاء (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يعني: أشراط الساعة، وهو خروج الشمس من مغربها، وعند ذلك تنقطع التوبة. قوله: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢١-٢٢] ، هذا أيضاً فيه إثبات مجيئه ، وذلك يوم القيامة لفصل القضاء، وهو المذكور في قوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ) ظلل: جمع ظلة وهي القطعة، (مِنْ الْغَمَامِ) أي: من السحاب الأبيض، وذلك حين مجيئه لفصل القضاء، وقوله: (فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ) (في) هنا بمعنى (على) ، أي: يأتي الله جل وعلا يوم القيامة على ظلل، أي: قد علا -كما يليق به- على ظلل من الغمام، (وَالْمَلائِكَةُ) أي: وتأتي الملائكة، وما عاقبة هذا المجيء منه ومجيء ملائكته؟ (وَقُضِيَ الأَمْرُ) أي: وقضي الأمر بين الناس بفصل القضاء بينهم. قوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) أي: بالسحاب الأبيض، (وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً) ، وهذا إنما يكون إذا جاء الرب لفصل القضاء كما في الآية الأولى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] فهذه الآيات أثبتت لله المجيء والإتيان. وقد أول أهل الكلام المجيء والإتيان هنا بأنه مجيء أمره وإتيان أمره، وهو تأويل باطل؛ لأن الأصل فيما أضافه الله جل وعلا لنفسه من الأفعال فإنه له حتى يدل الدليل على أنه لغيره -وهذه قاعدة- الأصل فيما ذكره الله في كتابه مما أضافه لنفسه بصيغة الإفراد فهو له ولا يضاف إلى غيره، وقالوا في تشبيههم: نحن نحمل المطلق في هذه الآيات على المقيد في قوله في سورة النحل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل:٣٣] . قلنا لهم: أخطأتم؛ لأن قوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) المراد بالإتيان هنا هو الساعة وهي القيامة، فذكر الله في موضع أن المشركين ماذا ينتظرون تهديداً لهم؟ هل ينتظرون إتيان الملائكة بالموت قبل الساعة أو بإتيان الساعة؟ وفي موضع آخر ذكر شيئاً مما يكون في الآخرة، وهو إتيانه لفصل القضاء. ثم إننا نقول: لا يعقل أن يكون الأكثر والأغلب في كلام الله إضافة الإتيان إليه، ثم نحمل الأقل على الأكثر، ونقول: إن الإتيان والمجيء إنما هو إتيان ومجيء أمر الله . ثم نقول: المرجع في بيان الإتيان إلى السنة، وقد بينت السنة الصحيحة أنه يأتي لفصل القضاء، فلا مناص ولا مخرج ولا محيص من إثبات ما أثبته الله لنفسه في هذه الآية، وهم عندما أنكروا ذلك قالوا: لأنه يتنزه عن الانتقال، ونحن نقول: أأنتم أعلم بالله من نفسه؟ الجواب: لا، والله قد أثبت لنفسه هذه الصفات، ومن أين لكم أن الانتقال نقص؟ ومن أين لكم أن إتيانه يلزم منه أن يخلو منه مكانه كما تزعمون؟ قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فهو كما أخبر به عن نفسه، ولا يمكن أن تدركه عقولنا، ولا أن تحيط به أفهامنا، ولا أن تبلغه فهومنا، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .

стр. 72

إثبات صفات الوجه واليد والعين لله تعالى [وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] ، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]] . هذه الآيات الكريمات فيها إثبات الصفات الخبرية السمعية لله ، وهذا قسم من الصفات لم نذكره قبل ذلك. الصفات السمعية الخبرية هي الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق الوحي، وهي: الوجه واليد والعين والأصابع وما أشبه ذلك، وهذه الصفات باعتبار التفصيل السابق الذي ذكرناه في الصفات الفعلية والذاتية تعتبر من الصفات الذاتية؛ لأنه لم يزل ولا يزال متصفاً بها ، وإنما خصت بهذا الاسم -وهو الصفات الخبرية- تمييزاً لها عن الصفات المعنوية التي يستدل في إثباتها بالدليل العقلي، أما هذه الصفات فمهما نظر الإنسان وتأمل وفكر فلن يتوصل إلى إثباتها من طريق العقل؛ لأنه لا يوصل إلى العلم بهذه الأمور. الآيات التي قرأناها فيها إثبات صفة الوجه واليد والعين لله تعالى، واعلم أن أهل السنة والجماعة جروا في هذا النوع من الصفات كما هي حالهم في بقية صفات الله : يثبتونها له من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 73

إثبات صفة الوجه والرد على المخالفين فيها إذا قال قائل: كيف وجه الله؟ نقول: الله أعلم، فهذا أمر لا تحيط عقولنا به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، لكن لما أخبر الله عن نفسه بأن له وجهاً، فليست لنا حجة، وليس معنا برهان إذا لم نثبت ذلك، كيف يلقى العبد ربه وهو لا يثبت له هذا الذي أثبته لنفسه؟ فنحن نسلم بالنصوص، ونؤمن بما جاء فيها، وقد جاء الخبر بأن ربنا ﵎ له وجه، واعلم أنه ليس كمثله شيء، فمهما تخيل الإنسان وبلغ في تصوره والتفكير فيما أخبر به عن نفسه فإنه لا يصل إلى شيء، وقد قال الله في إثبات هذه الصفة: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] . ومن حسن تصنيف المؤلف أن بدأ بهذه الآية في إثبات صفة الوجه؛ لأنها آية لا يتمكن أهل التأويل من إبطال مدلولها، فإنها أصرح آية في إثبات صفة الوجه لله ، هم تأولوا الآيات التي فيها صفة الخبر، كالوجه واليد والعين، لكن هذه الآية فيما يتعلق بصفة الوجه لا يستطيعون تأويلها؛ لأن الله أخبر عن بقاء الوجه، ثم إنه وصف وجهه فقال: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وهم في صفة الوجه يؤولونها بأنه ما يقصد به الله، فيقولون: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ، يعني: ما ابتغي به وجهه، أي: ما أخلص له هو الذي يبقى، وأما ما عداه فهو هالك، ويحملون عليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، قالوا: كل عمل يبطل ويضمحل ولا تحصل ثمرته إلا ما قصد به وجهه، كقول النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه) أي: قصد به . فالجواب على تأويلهم: أنه لا يستقيم لكم هذا التأويل -وبالأصح نقول: هذا التحريف- في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ؛ لأنه وصف الوجه بوصفين: فقال: (ذو الجلال) أي: صاحب الجلال، (والإكرام) أي: صاحب الإكرام، والجلال هو الكبرياء والعظمة، والإكرام تكلم في تفسيره أهل العلم، ويدور كلامهم فيه على معنيين من الإكرام، قالوا: ذو المحبة والحمد، يعني: صاحب المحبة فهو يحب ، والحمد فهو أحق من حمد جل وعلا، وله المحامد كلها، فهل يصح أن يوصف العمل بأنه ذو كبرياء؟ لا يصح، فلما كان لا ينطبق عليه هذا الوصف، ولا يوصف به عمل الإنسان، ولا يوصف به ثواب العمل؛ فقد تبين بطلان هذا التأويل، وأن الوجه هنا هو ما اتصف به ، فيكون المعنى: ويبقى وجهه الذي هو صفته، ووصف وجهه ، الذي تنزه عن كل نقص وعيب بهذين الوصفين: (ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) ذو العظمة والكبرياء، وذو المحبة والحمد. ثم قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، وهذا أيضاً فيه إثبات هذه الصفة من هذه الآية له . ولقائل أن يقول: لماذا لم يذكر الشيخ ﵀ في الاستدلال لهذه الصفة قول الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ؟ الجواب على هذا السؤال: أن الشيخ ﵀ يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: قبلته، فالوجه هنا بمعنى الاتجاه؛ ولذلك لم يذكر هذه الآية في الآيات التي ساقها لإثبات صفة الوجه لله .

стр. 74

إثبات صفة اليد لله ذكر ﵀ صفة اليد وصفة العين، وهما من الصفات الذاتية الخبرية السمعية، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، هذا فيه إثبات صفة اليدين له ، واليدان وصف له ذاتي ثبت بالنص في الكتاب والسنة، وجاء في هذا السياق بلفظ التثنية، وهذا أحد الصيغ أو الأوصاف التي ذكرت ووردت بها صفة اليد في كتاب الله. ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، هذه الآية تضمنت إثبات صفة اليد، ووردت بصيغتين: صيغة الإفراد في قوله: (يَدُ اللَّهِ) ، وصيغة التثنية في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، وهناك صيغة ثالثة لم يذكرها المؤلف ﵀ هنا، وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ؛ فجاءت بصيغة الجمع، وبهذا نعلم أن هذه الصفة وردت في كتاب الله بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع.

стр. 75

إثبات صفة العين لله الكلام في صفة اليد يشبه ما في صفة العين، ولذلك نقرأ ما يقول المؤلف من آيات في إثبات صفة العين: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، أثبت صفة العين بصيغة الجمع، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣-١٤] ، هذه صيغة الجمع أيضاً، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، هذه صيغة الإفراد. إذاً: فهمنا أن صفة العين وردت في كتاب الله بصيغتين: صيغة الجمع وصيغة الإفراد، فهل وردت في كتاب الله بصيغة التثنية؟ الجواب: لا، وإنما جاء ذلك في السنة في حديث أبي هريرة مفهوماً فهماً واضحاً في ذكر الدجال، وأنه أعور، فإن الأعور في لسان العرب الذي ليس له إلا عين واحدة، ففهم من نفي العور عن الله جل وعلا: (وإن ربكم ليس بأعور) ، أي: أن له عينين جل وعلا؛ ولذلك يثبت أهل السنة والجماعة لله يدين، ويثبتون له عينين. هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة في صفة اليد، وفي صفة العين.

стр. 76

نفي التعارض بين صيغ الجمع والإفراد في الصفات ما الجواب عن ورود الصفة مرة بصيغة الإفراد وأخرى بصيغة الجمع؟ الجواب: صيغة الإفراد وصيغة الجمع لا تتنافيان ولا تتعارضان مع صيغة التثنية، فالإفراد في صفة العين واليد لم يرد إلا مضافاً، وإضافة المفرد تقتضي العموم، فيصدق الواحد والاثنان والثلاثة والأكثر، فلا يفهم منها عدد محدد، فبهذا تكون صيغة الإفراد لا تعارض التثنية ولا الجمع، فقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، وقول الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ، هل هذا يعارض صيغة الجمع؟ لا يعارض صيغة الجمع، وكذلك: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] لا يعارض صيغة الجمع؛ لأنه ورد مضافاً، ومن قواعد الأصول: أن المفرد المضاف يفيد العموم. هذا من وجه، من وجه آخر يقال: إن المراد إثبات الجنس، فما ورد بصيغة الإفراد المراد به إثبات جنس الصفة، جنس اليد وجنس العين، لكن دون بيان وتحديد لعدد، فهل يكون في هذا معارضة للتثنية والجمع؟ لا معارضة لا للتثنية ولا للجمع، وبهذا نعلم أن صيغة الإفراد لا تعارض صيغة التثنية وكذلك الجمع. بقي الجواب على الجمع: ما أخبر به من هذين الصفتين بصيغة الجمع فأيضاً لا يعارض الإفراد ولا التثنية، والسبب: أن صيغة الجمع متكررة في كلام الله ، وهي تستعمل للتعظيم والإجلال؛ ولذلك يسمي أهل اللغة هذا الضمير ضمير العظمة، فالمقصود بالجمع هنا التعظيم لا التعدد، وبهذا نعلم أن ما ورد في وصف اليد والعين بصيغة الجمع لا يعارض التثنية والإفراد؛ لأن المقصود به التعظيم.

стр. 77

إثبات اليدين والعينين لله تعالى لماذا قلنا: إنهما يدان وعينان؟ نقول: لأن التثنية اسم عدد مخصوص لا يراد إلا هو، فهو من أسماء الأعداد التي تقصد؛ ولذلك قلنا: إن الله جل وعلا له يدان، وعينان، ولما جاءت صيغة التثنية علمنا أنه موصوف بهذه الصفة، وأن له منها اثنين، فله يدان وعينان جل وعلا، وأبعد عن ذهنك أو عقلك كل تشبيه أو تمثيل، واعلم أن ربك أعظم مما يدور في خيالك، واستحضر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، والمبتدعة يسمون أهل السنة والجماعة الذين يثبتون ما أثبتته النصوص: حشوية، مجسمة، نوابت، مشبهة، وهلم جراً من هذه الأسماء التي يريدون بها صرف الناس عن إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ . واعلم أن ألفاظ هذه الصفات لابد من إثباتها، كما دلت عليه الأدلة، لكن من الألفاظ ما قد يستفاد منه معنىً آخر وهو معنى ثابت، لكن هذا المعنى الثابت لا يعود على الصفة بالإفراد، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، هذا من حيث دلالة اللفظ يدل على ثبوت صفة العين لله ، ومن لازم هذه الصفة عنايته بموسى ﵇ ورحمته به، فهم أثبتوا اللازم وعطلوا ما دل عليه اللفظ بدلالة التضمن أو المطابقة، فينبغي أن يعلم أن ما دلت عليه الألفاظ لابد من إثبات مدلول هذا اللفظ، وإثبات لازمه. ومن المعلوم أن دلالات الألفاظ منها ما هو دلالة مطابقة، ومنها ما هو دلالة تضمن، ومنها ما هو دلالة التزام أو دلالة لازم، ودلالة اللازم تختلف باختلاف أفهام الناس وأذهانهم، فهم عمدوا إلى دلالة المطابقة ودلالة التضمن وألغوهما، فقالوا: لا نثبت لله صفة العين، والمراد بالعين العناية، فأثبتوا اللازم وعطلوا مقتضى اللفظ، وهذا من تحريفهم وعدم تسليمهم بالنصوص. وفي هذا كفاية فيما يتعلق بهذه الصفات الخبرية.

стр. 78

شرح العقيدة الواسطية [٨] معرفة أسماء الله وصفاته من أهم العلوم، فينبغي على المسلم الاعتناء بها، والعمل بمقتضاها؛ فإن ذلك من أسباب صلاح القلب والجوارح.

стр. 79

إثبات صفة السمع والرؤية لله سبحانه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال رحمه الله تعالى: [ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]] . هذه الآيات من قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] إلى آخر ما قرأ، فيها إثبات صفة السمع لله ، وفيها إثبات صفة الرؤية، وقد تقدم الكلام على الآيات التي ساقها المصنف ﵀ في إثبات صفة السمع والبصر لله جل وعلا، وعاد ذكر هاتين الصفتين، أما السمع فأعاده باسمه، يعني: بآيات تدل على ثبوت الصفة لله بهذا الاسم، وأما البصر فأعاده باسم آخر قد ثبت به النص وهو الرؤية، وكلا الوصفين ثابت لله ، وهو من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى على الوجه اللائق به. وأفادنا في هذه الآيات أن الله يخص بعض خلقه بالسمع، ويخص بعض خلقه بالرؤية، وهذا التخصيص يفيد معنىً زائداً على إثبات هذين الوصفين له ، فقوله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ فيه تخصيص المجادلة بسماع ما تكلمت به، وقوله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ فيه تخصيص السمع بقول هؤلاء، وكذلك قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ فيه أيضاً تخصيص السمع بهؤلاء الذين يسرون ويتناجون بالباطل، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ﴾ فيه تخصيص موسى وهارون بسماع دعوتهما لفرعون، فهذه الآيات كلها أفادت أن الله قد يخص بعض خلقه بسماع خاص، وهذا لا ينفي ثبوت السماع العام الذي ثبت له بالأدلة الكثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) . والرؤية جاء ما يدل على تخصيص بعض خلقه بالرؤية، كما في قوله تعالى: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) ، أما البصر فإنه لم يذكر في كتاب الله خاصاً، إنما جاء عاماً، ومن تخصيص الرؤية قوله تعالى: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] فهذا تخصيص عمل البعض بالرؤية، والخطاب في هذه الآية للمنافقين. المهم أن الأدلة دلت على أن الله يخص بعض خلقه بالسمع، ويخص بعض خلقه بالرؤية، واعلم أيضاً أن من فوائد هذه الآية التي ساقها المؤلف ﵀ أن الله يسمع الأشياء بعد وقوعها، يسمع الكلام بعد وقوعه، وكذلك يرى الأشياء بعد وجودها، وهذا فيه أن السمع والبصر يتعلقان بكل مبصر وكل مسموع بعد وجودهما، مع أنه سميع بصير أزلاً وأبداً، فكون السمع والبصر يتعلق بالمخلوقات هذا صفة فعل، وكونه متصفاً به أزلاً وأبداً هذا صفة ذات. ومما أفاده ذكر سماعه ورؤيته جل وعلا لبعض خلقه تهديده للقائلين قولاً باطلاً، ووعده بالأجر لمن قال قولاً حقاً أو فعل فعلاً حقاً، يعني: من فوائد التخصيص في السمع والبصر الوعد بالجزاء على العمل إن كان خيراً فهو وعد، وإن كان شراً فهو وعيد. ومن فوائده أيضاً النصر والتأييد، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، والمراد هنا: ليس مجرد إثبات مطلق السمع ومطلق البصر أو مطلق الرؤية له جل وعلا، إنما المراد: إنني أعلم بحالكما، وقادر على نصركما وإظهاركما على عدوكما أو على من تدعوان، وثبوت ما تقدم من المعاني أمر قطعي لا حيلة في إنكاره ودفعه.

стр. 80

إثبات صفات شدة المحال والمكر والكيد لله سبحانه على الوجه اللائق به قال ﵀: [وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] ، وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢٢٠] ، وقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣] ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥-١٦]] . هذه الآيات ساقها المصنف ﵀ لإثبات هذه المعاني لله ، ففيها إثبات شدة المحال لله ، وفيها إثبات المكر، وفيها إثبات الكيد له جل وعلا، لكن اعلم أن هذه المعاني وهذه الصفات لم يصف الله نفسه بها إلا على وصف الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، فهو يمكر بمن مكر مكراً باطلاً، ويكيد بمن كاد كيداً باطلاً، فهي من الأفعال والصفات التي لم يصف الله بها نفسه إلا في جزاء من استحق ذلك، وبه نعلم أن هذه الصفات منها ما هو محمود، ومنها ما هو مذموم؛ ولذلك لم ترد في كتاب الله في إضافاتها إلى الله -يعني: في وصف الله بها إلا مقيدة من حيث الفعل، ومن حيث الوصف، أما من حيث ثبوت المعنى فقد ورد بدون تقييد، وذلك في قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣] ، فالمحال فسره السلف بالكيد والمكر، أي: وهو شديد المكر والكيد، وهذا المعنى يثبت له على وجه الإطلاق لا في مقابلة كيد أو مكر، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، ففيه ثبوت المكر دون ذكر مقابل، وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] فيه ثبوت معنى الكيد له دون ذكر مقابل. لكن اعلم أن هذه المعاني من حيث إطلاق الفعل أو الوصف لله جل وعلا لم ترد إلا مقيدة، أما من حيث ثبوت أصل المعنى فإنها وردت مطلقة دون قيد لفظي، وإن كان هناك قيد معنوي، حيث إنها لم تذكر إلا في سياق كيد الكائدين أو مكر الماكرين أو غفلة الغافلين عن الله ، فهي من حيث المعنى لم ترد إلا مقيدة بمعنى، وإن كان ثبت أصل اللفظ دون ذكر مقابل، لكن من حيث المعنى لا تستعمل هذه الصفات إلا في مقابل فعل من يستحق أن يفعل به ذلك، وتنبه لهذا. واعلم أن سبب تعطيل من عطل هذه الصفات وقال: إنها لا تطلق على الله إلا من باب المشاكلة، وإلا فليس لها حقيقة، أو من باب المقابلة ولا حقيقة لها، كقول المحرفين للصفات؛ فإنهم توهموا أن هذه المعاني لا يثبت منها إلا المعاني المذمومة، فلما كان في أذهانهم أن الكيد لا يكون إلا مذموماً، والمكر لا يكون إلا مذموماً، والمحال لا يكون إلا مذموماً، قالوا: لا نثبت ذلك لله ، وكذلك الخداع قالوا: لا يكون إلا مذموماً، فلم يثبتوه له ، فلما لم يستقر في أذهانهم إلا المعنى المذموم لهذه الصفات عطلوا الله جل وعلا منها، وقالوا: إنها لم تذكر في الكتاب إلى على وجه المشاكلة والمقابلة دون إرادة المعنى، وهذا غلط وعدم فهم لما دلت عليه النصوص. ومن حيث الواقع المكر ليس مذموماً على كل حال، وكذلك الكيد ليس مذموماً على كل حال، وكذلك الخداع ليس مذموماً على كل حال، بل هو في مقابل كيد الكائدين، ومكر الماكرين، وخداع المخادعين المبطلين؛ صفة كمال؛ ولذلك يتصف الله بها في مثل هذه المواضع.

стр. 81

إثبات صفات العفو والمغفرة والصفح والعزة لله سبحانه قال ﵀: [وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ [النساء:١٤٩] ، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] ، وقوله عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]] . هذه الآيات فيها ثبوت صفة العفو والمغفرة والصفح والعزة لله جل وعلا، وهي صفات كمال له ، وهي من الصفات الفعلية، فالمغفرة والعفو والصفح والعزة من صفات ذاته . الآية الأولى قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ [النساء:١٤٩] فيها إثبات صفة العفو، والعفو إذا ورد مطلقاً فالمراد به التجاوز والستر، فقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) أي: يتجاوز عن المسيء ويستر عليه. وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] هذا فيه إثبات العفو، وفيه إثبات الصفح، وفيه إثبات المغفرة، ومعنى العفو: التجاوز، والصفح: الإعراض عن الخطأ والذنب، والمغفرة: الستر، وكلها صفات فعل ثابتة له تتعلق بمشيئته. وقوله : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] ، وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] كل هذا مما تثبت به صفة العزة له ، فهو العزيز الرحيم جل وعلا، والعزة التي اتصف الله بها تتضمن ثلاثة معاني: القوة والغلبة والامتناع، وكلها ثابتة لله ، وهي من صفات الكمال، قال الله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) فالعزة التي لله هي القوة والغلبة والامتناع، فله العزة جل وعلا وصفاً، وله العزة أيضاً خلقاً وملكاً، فالتي له خلقاً هي العزة التي يهبها لعباده المتقين، كالتي في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] ، فالعزة التي للرسول والتي للمؤمنين هل هي صفة لله ؟ لا، هي خلقه جل وعلا، والله يهب العزة لمن يشاء كما قال : ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] ، فالعزة التي له هي وصفه ، وهي فعله . وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] هذا فيه إثبات أنها من صفاته، حيث أضافها إليه ، وأخبر عن إقسام الشيطان بها في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] . ثم بعد ذلك ذكر المؤلف ﵀ قول الله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] تبارك أي: تعاظم وتقدس وتعالى وتنزه، كل هذا يفسر به هذا الفعل، وهو قوله: (تَبَارَكَ) . واعلم أن هذا الفعل وما تضمنه من وصف لا يطلق إلا على الله جل وعلا، ولذلك لم يذكره الله في كتابه إلا له ولأسمائه، مثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان:١] ، وأما إضافته إلى أسمائه ففي مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ، وذلك أنه معنى لا يناسب إلا الخالق جل وعلا، فلذلك لم يضف لغيره، ومعناه: الذي اجتمعت فيه صفات الكمال، فإن تبارك تدل على التعاظم، وعلى التعالي، وعلى المجد، وعلى كل صفة فضل وكمال، وعلى سعة تلك الصفات التي اتصف بها . ومن لوازم هذا الاسم أنه يبارك فيمن يشاء من عباده وخلقه، لكن من اقتصر في تفسير هذا الفعل بأنه الذي يهب البركة لمن يشاء فقد قصر في هذا المعنى، فإنه أوسع من ذلك وأجل وأعظم، فمعنى هذه الكلمة أجل من أن نحصره فقط في الذي يهب البركة لمن يشاء، لا شك أن من لوازم اتصافه بهذا الفعل أن يكون ذلك المعنى ثابتاً، وهو أنه يهب البركة لمن يشاء، لكن المعنى أوسع من ذلك. والتبارك أضافه إلى أسمائه فقال: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) ، واسم مفرد مضاف يعم جميع الأسماء، ولو لم يكن من بركة الأسماء إلى أنها تدل على الخالق، وأنها تعرف الخلق به؛ لكان ذلك كافياً، مع أن أسماءه بركتها أوسع من ذلك، وبهذا نعلم بطلان مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن الأسماء أعلام محضة لا تتضمن المعاني، فهو سميع بلا سمع، عليم بلا علم، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، وقد افتروا على الله كذباً؛ لأنها لو كانت أعلاماً مثل زيد وصالح وخالد وعمر وبكر، مجرد أعلام لا ينظر إلى معانيها؛ لما كانت مباركة، لكن لما أضاف البركة لهذه الأسماء، ووصفها بهذا الوصف، وأثبت لها هذا الفعل؛ دل ذلك على أنها تحتوي على معاني، ومن أجل ما يكون فيها من البركة أنها تدل على ما يتصف به وما يجب له. وقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] تقدم الكلام على قوله: (ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) ، وأن معنى: (ذي الجلال) أي: الكبرياء والعظمة، والإكرام هو المحبة والحمد. ومن بركة أسمائه أنه لا تستباح الذبائح ولا تحل إلا بذكر اسمه، ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] .

стр. 82

إثبات الكمال لله في أسمائه وصفاته وأفعاله قال ﵀: [وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، وقوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] ، وقوله: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١] ، وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] ، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:١-٢] ، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢] ، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]] . جميع هذه الآيات مقصودها وموضوعها واحد، وهو إثبات الكمال لله في صفاته وأفعاله وأسمائه وما يجب له، وتنزيهه عن النقائص والعيوب، وقد نزه الله نفسه في كتابه عن العيوب: تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها، فقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] هذا فيه نفي السمي، وهو النظير والمثيل، فقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) نفي أن يكون له سمي جل وعلا في صفاته أو في أفعاله أو في أسمائه أو فيما يجب له. وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] هذا نفي أن يكون له كفؤ في شيء مما يجب له أو مما يتصف به . وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] هذا فيه نفي الند، وهذا النفي المتقدم في الآيات كله نفي مجمل، والمقصود منه والمراد به: إثبات الكمال له . وقوله: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء:١١١] هذا فيه نفي الولد، وهو نفي مفصل المقصود منه نفي ما ادعاه الجاهلون من أن لله ولداً كما قال النصارى وكما قال اليهود وكما قال المشركون، وقال الله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] هذا فيه نفي الشريك لإثبات تفرده بالملك، وهو من مقتضيات ربوبيته ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:١١١] أي: لم يكن له نصير بسبب ذل، ولم يكن له محبوب بسبب الذل، فقوله: (مِنْ الذُّلِّ) أي: لأجل الذل، فمن هنا سببية، أي: لم يتخذ جل وعلا أولياء ليتقوى بهم أو لينتصر بهم على غيرهم، فهو الغني الحميد ، وإنما يتخذ الله أولياء رحمة وإحساناً وبراً وكرماً وجوداً، فالولاية الثابتة في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس:٦٢] هل هي ولاية نصر، أي: أنه تولاهم ليتقوى بهم ويعتز؟ لا، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، إنما هي ولاية رحمة وإحسان وبر وكرم منه جل وعلا. ثم قال: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١] بعد أن ذكر ما نفاه مما يقتضي كماله قال: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) ، فالتكبير هو التعظيم، وذلك أن الله جل وعلا أعظم مما تدركه العقول، بل ما جاء في النصوص إنما هو شيء من كماله، وما اخفي عنا شيء كثير، وشيء عظيم. ومن الحكمة أن الإنسان في دبر كل صلاة يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، فسبحان الله ماذا يحصل بها؟ تنزيه الله عن كل نقص، وقوله: الحمد لله إثبات كل كمال لله جل وعلا، وقوله: الله أكبر، أي: أنه مهما بالغت في التنزيه، ومهما بالغت في إثبات الكمال؛ فإنك لن تقدره جل وعلا حق قدره، كما قال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] . ولذلك -يا إخوان- من قال هذه الكلمات بعد دبر الصلوات مستحضراً هذه المعاني كفرت عنه الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر، ولكن الذي يقولها دون إدراك لما تضمنته من المعاني لا يحصل له هذا الفضل. وقال الله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] فيه تنزيه الله عن النقص، واعلم أنه حيث ما سبح الله نفسه في كتابه أو جاء ذلك في السنة فالمراد تنزيه الله عن النقص، هذا أولاً. ثانياً: المراد أيضاً إثبات الكمال له في الصفات. ثالثاً: نفي ما وصفه به الجاهلون، فهذه معان ثلاثة تثبت بالتسبيح، المعنى الأول: نفي النقص في صفاته، المعنى الثاني: إثبات الكمال له ، المعنى الثالث: نفي ما وصفه به الجاهلون. وقال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] تقدم الكلام على تبارك قبل قليل، وأن معناها: تبارك وتعاظم وتقدس وكثرت بركته وخيراته. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الفرقان:٢] هذا تقدم، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾ [الفرقان:٢] تقدم أيضاً ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] . وقال الله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢] يشركون أي: يسوون به غيره، فالشرك مداره على التسوية، والتسوية تكون في الأسماء والصفات، وتكون في الربوبية، وتكون في الإلهية فيما يجب له من العبادة، والله قد تنزه وتعالى عن كل شرك في أي نوع من أنواع التوحيد. وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] هذا فيه نفي المثيل عن الله . وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] هذا فيه أنه تنزه عن الشرك ، وأنه حذر عباده أن يقولوا عليه -في شيء مما اتصف به، أو مما شرعه أو أي شيء مما يتعلق به ما لا يعلمون، والواجب على المؤمن أن يقف في أخبار الله وفي أحكامه على ما جاءت به النصوص.

стр. 83

شرح العقيدة الواسطية [٩] يؤمن أهل السنة والجماعة بما أخبر الله به عن نفسه: من أنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه بالكيفية التي يعلمها وحده جل شأنه، وقد جحد هذا أهل البدع بخيالاتهم الفاسدة، وشبههم الباطلة.

стр. 84

إثبات صفة الاستواء لله سبحانه بسم الله الرحمن الرحم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] في سبعة مواضع في سورة الأعراف في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] ، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] ، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] ، وقال في سورة (آلم السجدة) : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤] ، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]] . هذه الآيات كلها لإثبات صفة عظيمة لله جل وعلا تواتر النقل بإثباتها، وهي صفة الاستواء لله ، وصفة الاستواء صفة ثابتة بالكتاب وبالسنة، وأجمع عليها سلف الأمة، وقال شيخ الإسلام ﵀: (أجمع عليها المؤمنون الأولون والآخرون بل هي ثابتة في كل كتاب أنزله الله على كل نبي مرسل) ، وعلى كل حال نحن يكفينا في إثباتها أنها صفة أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها رسوله ﷺ فيما ورد من سنته، وأجمع عليها سلف الأمة، فهذا يكفي في إثبات هذه الصفة ولو لم يتقدم لها ذكر في الكتب المتقدمة، وهذه الصفة صفة سمعية خبرية، أي: أن طريق إثباتها هو السمع (الكتاب والسنة) ، فليس لأحد أن يقول: استدل على إثبات صفة الاستواء بالعقل؛ لأنه لو لم يرد الخبر عن الله وعن رسوله ﷺ بأن الله جل وعلا مستو على عرشه لم يمكن لنا أن نهتدي إلى ذلك ولا أن نتوصل إليه. ومما يقال في هذه الصفة أيضاً: إنها صفة فعلية؛ لأنها صفة كانت بعد عدم، فإنه اتصف بها بعد خلق السماوات والأرض كما دلت على ذلك الأدلة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، فالاستواء على العرش إنما كان بعد خلق السماوات والأرض، فهو صفة فعلية خبرية سمعية.

стр. 85

الاستواء علو خاص بالعرش ومن المهم في بحث الاستواء: أن نعلم أنه علو خاص، فالله موصوف بالعلو العام، كما قال: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، فعلوه عام على كل الخلق، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف ﵀، ولكن علوه على العرش علو خاص بالعرش، ووجه الخصوصية: أن الاستواء المضاف إلى الله الموصوف به لم يضفه إلى غير العرش، فليس في الكتاب أنه استوى على السماء أو البحر أو الأرض، إنما الاستواء مضاف إلى العرش دون غيره من المخلوقات، ومن هذا نفهم: أن الاستواء علو خاص، وهو من الألفاظ المختصة بالعرش دون غيره، فلا يضاف إلى غيره لا على وجه الخصوص ولا على وجه العموم، فلا تقل: استوى الله على كل شيء، هذا لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولا تضيفه أيضاً إلى شيء مقيد كالاستواء على الأرض، أو السماء، أو غير ذلك من المخلوقات، وبه نعلم أن الاستواء أمر اختص به الله على عرشه دون غيره من مخلوقاته.

стр. 86

معاني الاستواء عند السلف هذه الصفة -أيها الإخوان- صفة عظيمة، تكرر ذكرها في كتاب الله في سبعة مواضع، وجاء ذكرها في السنة في أحاديث كثيرة، وهي من الصفات الفعلية التي يجري فيها أهل السنة والجماعة على الصراط المستقيم؛ كغيرها من الصفات، فيثبتونها من غير تحرف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فما معنى الاستواء الذي يثبته أهل السنة والجماعة، أهل الفرقة الناجية لله ؟ الاستواء الذي يثبتونه دار كلام السلف في معناه على أربعة معاني، وفسروه بأربع كلمات: فسر الاستواء بالعلو، وبالارتفاع، وبالصعود، وبالاستقرار. فهذه الكلمات الأربع عليها مدار ما نقل عن السلف في تفسير الاستواء، وقد جمعها ابن القيم ﵀ في نونيته فقال: فلهم عبارات عليها أربع عليها يعني: الاستواء. قد حُصِّلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني يعني: رابع المعاني التي ورد تفسير السلف فيها للاستواء. يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن إذاً: تحصل لنا أربعة معان من معاني الاستواء: العلو والارتفاع والصعود والاستقرار، واعلم أنه مهما قيل من تفسيرهم بأي نوع من التفاسير التي وردت عن السلف -وهي محصورة في هذه الأربع معاني- فإننا نثبت ذلك على القاعدة من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 87

شبه نفاة الاستواء والرد عليها ومنشأ ضلال من ضل ممن أنكر الاستواء من طوائف المبتدعة المخالفين لأهل السنة والجماعة: أنهم اعتقدوا في إثبات الاستواء النقص، ولهم في ذلك شبه عديدة متنوعة، فمنهم من قال: إن إثبات الاستواء يلزم منه الجسمية، أي: أن الله تعالى جسم، ومنهم من قال: إن إثبات الاستواء يلزم منه وقوع الحوادث بالرب جل وعلا، ومن قامت به الحوادث فهو حادث، ومنهم من قال: إن إثبات الاستواء لله يلزم منه أنه مفتقر إلى العرش. وكل هذه ظنون كاذبة في الله جل وعلا، وخيالات فاسدة، وإنما قذفها في قلوبهم فساد تصورهم وانحراف منهجهم، وإلا فإنه لا يلزم من إثبات هذه الصفة لله أي لازم باطل، فما قالوه من لزوم الجسمية لا نقرهم عليه، ونقول: لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، وما قالوه من قيام الحوادث نقول: ما الذي يمنع من قيام مثل هذه الحوادث؟ لا دليل، أما الذي قالوه من أنه مفتقر إلى العرش، نقول: كذبتم، فالعرش وحملته والسماوات والأرض كلها إنما تقوم بإقامة الله لها، فكل مخلوق مفتقر إليه جل وعلا، وهو الغني الحميد الذي لا يفتقر إلى شيء. ومنشأ هذه التأويلات والتحريفات والشبه: أنهم اعتقدوا التمثيل، ولو أنهم سلموا للنصوص ونزهوا قلوبهم عن الخيالات والتصورات وطلب الكيفيات لسلموا، ولكنهم ضعفوا وقدموا العقل الفاسد على النص الصريح الصحيح؛ فإن علو الله كما يقول عنه شيخ الإسلام ﵀: من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، فقد جاء إثباته في كتاب الله في سبعة مواضع، وفي السنة في مواضع كثيرة، فثبت بما لا يدع مجالاً للشك ولا مكاناً للريب أن النبي ﷺ قد أخبر أمته بأن الله جل وعلا قد استوى على العرش؛ ولذلك يندهش الإنسان من هؤلاء كيف يجرءون على تحريف وإبطال ما ثبت هذا الثبوت في الكتاب والسنة، مع أنهم في أمور دون ذلك يتورعون عن التأويل فيها، ويقولون: لا نستطيع أن نصرف اللفظ عن ظاهره، سواء كان ذلك في الأحكام أو فيما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ وابن القيم وغيرهما من أئمة السلف في الرد على المبطلين المحرفين لصفة الاستواء. واعلم أن أول من دعا إلى إنكار الاستواء: هو الجهم بن صفوان، وتلقى هذه المقالة عن الجعد بن درهم، وكلاهما منحرف ضال عن منهج أهل السنة والجماعة، وكلاهما لم يعرف بعلم ولا بدين، والعجيب أنه قد نقل بالسند من طريق ابن أبي حاتم والبخاري في كتاب خلق أفعال العباد، ومن طريق عبد الله بن أحمد عن الجهم بن صفوان أنه قال: (لو وجدت سبيلاً إلى أن أحك من المصحف ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لفعلت) ، وهذه ليست مقالة غير معروفة ولا ثابتة كما يزعمه البعض، ويقول: إن هذه من المقالات التي تنقل بدون أسانيد، بل ذكرها البخاري ﵀ وابن أبي حاتم وعبد الله بن أحمد، وهي مقالة مشهورة معروفة عن هذا الزنديق، فكيف يسوغ لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقبل مثل هذا القول، وإنما ضاق صدره بهذا لجهله وضعف علمه. وقد أنكر الاستواء الجهمية، ولما أنكروه من حيث المعنى اضطروا إلى أن يئولوا اللفظ؛ لأن اللفظ موجود، وهذا أمر يشترك فيه الاستواء مع بقية الصفات، فلما لم يتمكنوا من إنكار لفظه عمدوا إلى تحريف معناه، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، وهذا من أشهر ما أُول به الاستواء، واستشهدوا على ذلك بالبيت المشهور في كتبهم، وهو: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق قالوا: هذا دليل من اللغة على أن الاستواء معناه الاستيلاء، ولو أننا استدللنا عليه بنص من سنة النبي ﷺ لطالبونا بصحة الإسناد، وإن كان الحديث صحيحاً ثابتاً، قالوا: هذا من طريق الآحاد، ونحن نطالبهم بإثبات صحة هذا البيت في اللغة العربية، وقد أنكره أئمة اللغة كـ الخليل بن أحمد وابن الأعرابي وغيرهما، وقالوا: هذا البيت لا يصح، وليس في اللغة أن الاستواء بمعنى الاستيلاء. هذا من حيث ثبوت ما استندوا إليه. أما من حيث إبطال هذا التأويل من جهة المعنى فقد بين شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى من اثني عشر وجهاً بطلان تأويل الاستواء بالاستيلاء، وأما ابن القيم فأبلغها إلى اثنين وأربعين وجهاً -كما في مختصر الصواعق -لإبطال تأويل الاستواء بالاستيلاء، وهذا هو التأويل الشائع المنتشر عند جمهور المسلمين ممن لم يسلكوا السبيل المستقيم؛ طريق أهل السنة والجماعة. وأصل هذا التأويل من الجهمية، ثم انتقل إلى الأشعرية، وأول من نقله إليهم أبو بكر الرازي في تفسيره، وأما متقدمو الأشعرية فإنهم يثبتون الاستواء ويقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فهم يثبتون الاستواء الذي ذكره الله جل وعلا في كتابه، إلا أنهم ضلوا من جهة ثانية، وهي: أنهم جعلوا الاستواء فعلاً يقوم بالعرش لا بالرب ، وأهل السنة والجماعة يثبتون الاستواء وصفاً يقوم به ؛ لأنه أضافه إليه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فأضاف هذا المعنى إليه ، فلا وجه لصرفه عن غيره وإضافته إلى العرش. هم يقولون: إن الاستواء أمر يحدثه الله في العرش، يصير به الرب مستوياً على العرش، وسبب هذه المقالة الفاسدة وإن كانت أهون من مقالة أولئك؛ لأنهم يثبتون الاستواء من حيث هو، ولا يئولونه بالاستيلاء؛ سبب هذه المقالة الفاسدة: أنهم يمنعون قيام الحوادث بالرب ، ويقولون: إن الله لا يفعل ما يشاء؛ لأن قيام الفعل به دليل على الحدوث، ومن قامت به الحوادث فهو حادث. وهذه قواعد إذا طلبت دليلها من الكتاب والسنة لم تجد لها مستنداً، إنما هي شبه وخيالات تتهافت عند النظر السليم والعقل الصريح والنقل الصحيح؛ ولذلك يجب على المؤمن ألا ترعبه هذه الشبه، فهي كما قال القائل: شبه تهافت كالزجاج تخالها حججاً وكل كاسر مكسور ليس فيها شيء مستقيم، وليس لها شيء تستند إليه؛ ولذلك هم يتناقضون تناقضاً كبيراً، وتجد أن أحدهم يثبت ما ينفيه في آخر كلامه، وينفي ما يثبته في أول كلامه، وبعضهم يلعن بعضاً، ويكفر بعضهم بعضاً، مع اعتمادهم وانطلاقهم من أصول واحدة، لكن لما كانت هذه الأصول من عقول بني آدم دَبَّ إليها الضلال، وعرفت بالتناقض والاضطراب، أما من استمسك بالصراط المستقيم والحبل المتين بالكتاب المبين وبسنة النبي ﷺ خاتم النبيين؛ فإنه آمن من هذا الاضطراب؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يفرح أن الله دله على هذا الصراط، وأن يثني عليه خيراً بذلك، وأن يسأله الثبات والزيادة منه. إذاً: عرفنا أن الجهمية ومتأخري الأشعرية أولوا الاستواء بالاستيلاء. ومنهم من أوله بالقصد والإقبال، فقالوا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يعني: أقبل عليه. قيل لهم: لماذا أقبل عليه؟ قالوا: ليخلقه، قيل لهم: العرش مخلوق قبل خلق السماوات والأرض، كما دل على ذلك ما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء) ، أخبر النبي ﷺ بسبق خلق العرش على خلق السماوات والأرض، فلا وجه لما أولوه به. ومما أولت به هذه الصفة قولهم: إن معنى (استوى على العرش) أي: دبر الملك، ففسروا العرش بالملك، والاستواء عليه بالتمكن منه، وهذا من جملة ما أولوا به كلام الله وحرفوه، وإلا فالعرش معلوم أنه خلق من خلق الله عظيم، وليس هو الملك لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] ، وهل يكون ملك الله فقط على الماء؟ ملك الله للماء ولما في السماوات والأرض، وفي الحديث الصحيح: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) ، فهل يمكن أن يقال: معنى: (سقفه عرش الرحمن) ، أي: أن سقفه ملك الرحمن؟ هذا ليس صحيحاً؛ لأن الجنة وما فيها ملك للرحمن جل وعلا، فتبين بطلان هذا التأويل، وإنما ذكرنا تأويلات هؤلاء لكثرة تشبيههم، وكثرة تقريرهم خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة من اتصاف الله بهذه الصفة العظيمة.

стр. 88

معاني الاستواء الواردة في الكتاب والسنة اعلم أن الاستواء في اللغة ورد على نحوين، وهو كذلك في بعض المواضع في كتاب الله ، ورد مطلقاً وورد مقيداً، فالمطلق في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] ، ومعنى الاستواء هنا: الكمال والنضج، وهذا لم يعد بالحروف، وهو غير مقيد بحرف، وقد ورد في اللغة مقيداً على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مقيد بـ (إلى) ، ومعنى الاستواء هنا: الارتفاع والعلو بإجماع السلف، وذلك في مثل قوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] ، فهنا بإجماع السلف وإجماع أهل اللغة أنه بمعنى: علا وارتفع. الثاني: تعديته بـ (على) كالآيات التي معنا، وهذا بإجماع السلف أنه العلو والارتفاع، وذكرنا لكم ما ورد عن السلف من كلمات في بيان معنى الاستواء. الثالث: تقييده بالواو، كقول القائل: استوى الماء والخشبة، فهنا يفيد المعية أو التسوية والمعادلة، وهذا لم يرد له ذكر في كلام الله . نقرأ ما ذكر المؤلف ﵀ من الآيات التي أوردها في إثبات هذه الصفة. قال ﵀: وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، أي: ذكر الاستواء في سبعة مواضع، أولها في سورة الأعراف، في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، والعرش خلق من خلق الله عظيم؛ وصفه الله في كتابه بالمجيد، ووصف الشيء بهذا الوصف دليل على سعته وكمال صفاته، وهو من حيث اللغة سرير الملك، وهو خلق من خلق الله عظيم استوى عليه الله جل وعلا. وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] ، هذا أيضاً فيه ما تقدم. وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] . وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ومن تشبيه بعض المشبهين: أنه جعل الوقف لازماً على قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ) ، ثم جعل ابتداء الكلام من قوله: (استوى له ما في السموات) ، وهذا من التحريف البارز؛ لأنه إذا استقام له هنا فكيف يستقيم له في الآيات السابقة التي لا يمكن له فيها مثل هذا التحريف، فهناك: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) في سورة الأعراف والرعد. وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] ، وقال في سورة (آلم السجدة) : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤] ، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] ، كل هذه الآيات فيها إثبات هذه الصفة الخبرية السمعية الفعلية لله .

стр. 89

شرح العقيدة الواسطية [١٠] أخبر الله أنه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، وعلوه سبحانه على خلقه لا ينافي معيته العامة والخاصة، وقد بين أهل العلم ﵏ الفرق بين المعية العامة والخاصة، كما بينوا أقسام العلو الوارد في الشرع.

стр. 90

إثبات علو الله على مخلوقاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: قال ﵀: [وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧]] .

стр. 91

أقسام العلو الوارد في الشرع هذه الآيات كلها في إثبات صفة العلو لله ، وقد تقدم في المقطع السابق آيات تثبت صفة الاستواء لله ، وقلنا: إن الاستواء علو خاص، فبعد أن ذكر الأدلة الدالة على علو الله الخاص انتقل إلى ذكر الأدلة على ثبوت العلو العام لله ، وهو العلو الثابت له على كل شيء، فالله جل وعلا عالٍ على كل شيء كما دلت على ذلك الأدلة. واعلم أن العلو الذي يثبته أهل السنة والجماعة للرب ثلاثة أنواع: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. أما علو القدر فله المثل الأعلى جل وعلا كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] ، وكما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] ، وكما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: البالغة في الحسن منتهاه، فهذا علو القدر. وأما علو القهر فذلك في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] . وأما علو الذات فذلك الذي دل عليه الكتاب بالآيات التي سمعناها، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة سيأتي شيء منها، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه العقل، واقتضته الفطرة، واتفق عليه الناس أجمعون، مسلمهم وكافرهم، فإن علو الله مستقر في فطر بني آدم، فما قال قائل قط: يا الله! إلا ووجد من قلبه طلب العلو، وهذا من الأدلة الفطرية التي لا يملك أحد ردها، وهذا مما يتفق عليه أهل الإسلام وأهل الكفر، وذلك أن العلو صفة كمال لائقة بالرب جل وعلا، وقد تقدم لنا قول الشيخ ﵀: إن العلو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، وذلك لتنوع أدلته وكثرتها في الكتاب والسنة، حتى إن الإنسان ليقطع قطعاً لا ريب فيه ولا شك أن النبي ﷺ ألقى ذلك إلى أمته، وأن الله عالٍ على كل شيء، وهو فوق كل شيء ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ تقريره للعلو فيما ذكره من الصفات التي ركز عليها في بيانها كالعلو، والمعية، والكلام، والرؤية.

стр. 92

الطوائف التي ضلت في إثبات صفة العلو وقد ضل في هذه الصفة طوائف منها: الجهمية المعطلة الذين قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، وهذا منهم وصف لله بالعدم؛ ولذلك لما قيل لأحد الأمراء هذا الوصف قال: فرق لنا بين هذا الرب الذي تصفه وبين العدم؟ فلم يملك جواباً؛ وذلك لأن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا على العدم، فهي صفات سلبية محضة، لا تفيد ثبوتاً ولا كمالاً، وهذا هو مذهب الجهمية المعطلة، وهو قول كثير من المعتزلة. الطائفة الثانية التي ضلت في هذا: هم الذين قالوا: إن الله في كل مكان، وهو قول الجهمية الحلولية، وقول غالب المتصوفة، فيعتقدون أن الله في كل مكان، ولا شك أن هذا كفر، فهم يعتقدون وجوده في الحشوش والأماكن القذرة، وفي أمعاء الكلاب والخنازير، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وقد دلت الأدلة على بطلان قولهم، وأنهم قد افتروا على الله كذباً. القسم الثالث ممن ضلوا في هذه الصفة: هم الذين قالوا: إن الله فوق العرش بذاته، وهو مع الخلق بذاته، فهؤلاء أثبتوا العلو، وأثبتوا نقيضه، فجعلوه بذاته فوق العرش، وبذاته في كل مكان، والفرق بين هذا القول والذي قبله أن الذي قبله لم يصرحوا بأنه فوق كل شيء، وسيأتي مزيد بيان لهذه الصفة إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ. وهذه الصفة مرتبطة بصفة المعية؛ ولذلك إذا ذكر العلو ذكر معه معية الله في كلام أهل العلم، وذلك لأن من الناس من توهم أن علوه ينافي معيته، وأنه لا يمكن أن يكون عالياً على كل شيء وهو معهم، وظنوا أن المعية تنافي العلو، وما ذاك إلا لأنهم قاسوا الله على ما يعرفونه من أحوال الخلق، ولم يفهموا ما أخبر الله عن نفسه. وقد أجمع أهل العلم على أن من نفى علو الله على خلقه فهو كافر، وذلك لتوافر الأدلة في الكتاب والسنة مع الإجماع والعقل والفطرة على وصف الله بهذه الصفة، والعلو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل السنة وغيرهم هو علو الذات، أما علو القدر وعلو القهر فإنه ثابت له ، ولم يخالف فيه أهل الكلام المخالفون لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، فيثبتون علو القدر وعلو القهر، وهم يؤولون العلو الثابت له بهذين، فعلو القدر وعلو القهر يجعلونه المراد في كل موضع وصف الله فيه نفسه بالعلو.

стр. 93

الآيات الواردة في إثبات العلو قال في ذكر آيات العلو: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] والرفع: يقتضي العلو، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] والإصعاد والرفع دليل على علوه ، وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] في قول فرعون: ﴿أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٧] وهذا فيه دليل على ما ذكرنا أن الفطر مجبولة على طلب العلو فيما يتعلق بالله ، ولذلك فرعون موسى لم يطلبه لا يميناً ولا يساراً ولا نقب في الأرض، إنما قال لوزيره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، وهذا مما يدل على أن العلو هو الذي جاءت به كل الرسل، وأن صفة العلو جاءت في كلام كل من أرسلهم الله . وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] في الآيتين، فقوله: (من في السماء) أي: على السماء، هذا إذا كانت السماء المراد بها السبع الطباق، وأما إذا أريد بالسماء العلو فليست بمعنى (على) يعني: أنه في العلو، فهو عال على كل شيء ، عال على خلقه بائن منهم . وعلى هذا تكون السماء اسم جنس للعالي، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] إن كانت السماء هي السماء المبنية فقوله: (في) المراد به على، وإن كان المراد بالسماء جهة العلو أي: اسم جنس للعالي فالمراد أنه في العلو. وهذه الأدلة شيء يسير مما ذكره الله في كتابه مما يدل على علوه، وإلا فالآيات الدالة على العلو أكثر من أن تحصر، وقد أطال ابن القيم ﵀ في ذكر الأدلة على علوه في النونية إطالة بينة، يقف عليها من يطالع هذه المنظومة. المهم أن علو الله ثابت بأدلة كثيرة لا يمكن حصرها، ولا يمكن رد مدلولها، ولذلك هم يؤولون هذا كله بعلو القهر وعلو القدر.

стр. 94

إثبات معية الله لخلقه قال ﵀: [وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] ، ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] ، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]] هذه الآيات في إثبات صفة المعية لله ، والمعية كما ذكرنا لكم يأتي ذكرها مع العلو في كثير من المواضع، ويقررها أهل العلم من أهل السنة والجماعة بعد ذكر العلو لنفي توهم أن علوه ينافي معيته.

стр. 95

أنواع المعية الثابتة لله تعالى واعلم أن المعية الثابتة له نوعان: معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة مقتضاها وحكمها أنه بكل شيء عليم، وهو جل وعلا على كل شيء قدير، وهو على كل شيء شهيد، هذا مقتضى المعية العامة، أما المعية الخاصة فمقتضاها يعينه السياق، ويدل عليه الموضع الذي وردت فيه، فالمعية ترد في مواضع، ويدل على معناها السياق في الموضع الذي وردت فيه؛ ولذلك لا تستغرب أن تكون في موضع المراد بها التهديد، وفي موضع المراد بها النصر والتأييد، وفي موضع يراد بها المعنى العام وهو الاطلاع والعلم وعدم خفاء حال الإنسان، وذلك أن المعية من حيث اللغة تفيد المصاحبة، ولكن هل من لازم المصاحبة المخالطة؟ الجواب: لا، ليس من لازم المصاحبة المخالطة؛ ولذلك تقول للشخص: أنا معك، وبينك وبينه مفاوز وقفار، والمراد بذلك المصاحبة في شيء ما، فلا يلزم من ثبوت معية الله أي لازم باطل، كما سيأتي تفصيله وبيانه من كلام الشيخ وضرب الأمثلة في ذلك من كلام الشيخ ﵀ فيما يأتي من تفصيل في هذه الرسالة المباركة. قوله ﵀: (وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤] هذا فيه ثبوت علوه سبحانه على عرشه، وهو علو خاص، ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ، هذا فيه بيان سعة علمه جل وعلا، وأن علمه قد أحاط بكل شيء. قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، هذا فيه إثبات معيته، وحكم ومقتضى هذه المعية أنه لا تخفى عليه من أحوالنا خافية، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فبين حكم هذه المعية ومقتضاها، وهو علمه بحال الإنسان، فمن قال من السلف: إن المعية المراد بها العلم إنما فسر المعية بحكمها ومقتضاها، وليس ذلك من التأويل الذي هو تحريف اللفظ وصرفه عن ظاهره إلى معنى مرجوح بلا دليل، إنما هو ذكر لحكم ومقتضى هذه الصفة، وانظر كيف قدم على ذكر المعية إحاطة علمه بكل شيء، وختم ذلك أيضاً بإحاطة علمه بما يعمل الخلق، فكان قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] . ثم انظر أيضاً إلى إثبات علوه على عرشه، وأن علوه على عرشه لا ينافي المعية، ولذلك ذكر المعية بعد ذكر استوائه على العرش، وذلك أنه جل وعلا ليس كمثله شيء في أي شيء من أموره: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .

стр. 96

الأدلة الواردة في إثبات معية الله ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] هذه أيضاً فيها إثبات المعية العامة، والتي مقتضاها إحاطة علمه بما عليه الخلق، وبما عليه الناس، مهما كثروا أو قلوا. ثم قال في قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] هذه معية خاصة، وهي غير المعية السابقة، ووجه كونها غير المعية السابقة أن المعية السابقة ثابتة للنبي ﷺ وأبي بكر وخصومهما، والمعية هنا ليست تلك التي تكون لكل الخلق، إنما هي معية خاصة، ولذلك قال النبي ﵌ لـ أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، يعني: أنا وأنت لا خصومنا، فالله ليس مع خصومه -وهم كفار مكة الذين كانوا يطلبونه- فكانت معية خاصة، وما الذي أفادت هذه المعية هنا؟ أفادت تأييد الله لرسوله، ونصره له ، وحفظه للنبي ﷺ . ثم قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، هذه أيضاً معية خاصة، وهي لموسى وهارون دون فرعون ومن معه. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، هذه معية خاصة بوصف، ما هو الوصف؟ التقوى والإحسان، وهي غير المعية العامة الثابتة في الآيتين المتقدمتين. كذلك قوله: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] ، هذه معية بالوصف وهي صفة الصبر، وقوله: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] كذلك، هذه فيها المعية الخاصة.

стр. 97

الطوائف التي ضلت في إثبات صفة المعية والذين ضلوا في العلو هم الذين ضلوا في المعية: فالقسم الأول الجهمية الحلولية الذين قالوا: إنه في كل مكان. القسم الثاني: الجهمية المعطلة الذين قالوا بالنفي، فوصفوا الله بالسلوب، وقالوا: لا داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، وليس يميناً ولا يساراً، ولا خلف ولا أمام. القسم الثالث: الذين قالوا: إنه على عرشه بذاته ومعنا بذاته.

стр. 98

إثبات الكلام لله تعالى قال ﵀: [وقوله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ، ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠] ، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ، وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]] . هذه الآيات فيها إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وهي صفة يثبتها أهل السنة والجماعة كما يثبتها مثبتة الصفات من الأشاعرة وغيرهم، وينكرها الجهمية المعتزلة الذين لا يثبتون لله الصفات، بل ينكرون اتصافه بالصفات، وسيأتي بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الكلام مفصلاً. والذي نقوله هنا: إن الكلام صفة ذاتية لله ، هذا باعتبار أصل اتصافه بهذه الصفة، وأما باعتبار أفراد كلامه فهو صفة فعلية، فإنه يتكلم متى شاء، ويكلم من شاء. قال ﵀ في إثبات هذه الصفة: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] والحديث: كلام، فهذا فيه إثبات صفة الكلام له ، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] والقول: الأصل فيه أنه قول كلام وليس قول فؤاد. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠] هذا أيضاً فيه إثبات القول له ، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ، والكلمة: إنما تكون كلاماً، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، كل هذا فيه إثبات صفة الكلام له .

стр. 99

الطوائف التي ضلت في كلام الله وقد ضل في هذه الصفة الجهمية المعتزلة الذين سعوا في فتنة أهل الإسلام في عهد الإمام أحمد ﵀، ففتنوا الناس وقالوا: ليس لله كلام يتصف به، إنما كلامه شيء خلقه، فهو من باب إضافة الخلق، لا من باب إضافة الصفات، وقد رد الله بدعتهم، وثبت الله الأمة بثبات الإمام أحمد، وظهرت السنة، وانقمعت البدعة ولله الحمد. الفريق الثاني ممن ضل في هذه الصفة: الأشاعرة الذين يثبتون أن لله كلاماً، لكنهم يقولون: إن كلامه ليس بحرف وصوت، وإنما كلامه كلام نفساني، يعني: كلاماً معنوياً لا يتبين منه شيء، ولا يعرف منه شيء بلفظ أو بحرف، إنما هو أمر في نفس الله ، وتصور هذا القول يكفي في رده، كما أن معرفة كلام العرب يكفي في رده، فضلاً عن تواتر الأدلة في الكتاب والسنة، وإجماع السلف على أنه متصف بالكلام، وأنه يتكلم جل وعلا بحرف وصوت، فإن تكليمه لموسى إنما كان بكلام مفهوم، وهؤلاء لا يفهمون إلا الكلام الذي يكون بحرف وصوت، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام الذي يأتي في هذه الرسالة عن القرآن. فإن الذين ينكرون رسالة الرسل إما أن ينكروا أن يبعث الله إلى الناس رسولاً بشراً منه، وإما أن ينكروا أن يكون الذي أتى به هو كلام الله، ويقولون: إن هو إلا قول البشر، فينفون أن يكون كلاماً له . ومن هنا كان الإلحاد في هذه الصفة له خطورة متميزة عن غيرها من الصفات. ثم ذكر المؤلف ﵀ بعد ثبوت اتصاف الله بهذه الصفة في هذه الآيات ذكر الآيات الدالة على أن كلامه بصوت وحرف فقال: [وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم:٥٢] ، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠] ، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]] . هذه الآيات كلها فيها إثبات النداء لله ، وإنما أتى بها المصنف ﵀ لأن النداء في لغة العرب لا يكون إلا لما كان بحرف وصوت، فهو أراد بهذه الأدلة إبطال مذهب الأشاعرة الذين يقولون: إن كلامه كلام نفساني ليس بحرف وصوت، فالنداء لا تعرفه العرب إلا للنداء الذي يكون بصوت رفيع ويكون بصوت وحرف، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل، بل إثباته كسائر صفات الله هو من كماله ؛ لأنه إنما اتصف بالصفات العليا الكاملة المنتهية في الحسن والكمال، ونداؤه لموسى، ونداؤه لآدم وحواء ونداؤه يوم القيامة إنما هو بكلام له حرف وصوت، وليس نداءً نفسانياً كما يزعمه أهل الكلام، والنداء قد أثبته الله لنفسه في كتابه في أكثر من عشرين موضعاً، ويأتي إن شاء الله تعالى تقرير أن كلامه بحرف وصوت فيما نستقبل. والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.

стр. 100

شرح العقيدة الواسطية [١١] من عقائد أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بصوت وحرف متى شاء وكيفما شاء، وأن القرآن كلامه ، أنزله على نبيه محمد ﷺ ، وأنه يُرى يوم القيامة بالأبصار، وفي الجنة يراه المؤمنون ويزورونه، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة نزولاً يليق بجلاله فينادي: (من يدعوني فأستجيب له، إلخ) . وأن من صفاته الفرح والعجب والضحك، وهذه صفات لا نعلم كيفيتها ولا كنهها، وإنما علينا التسليم والقبول دون التعرض لشيء من الكيفيات.

стр. 101

عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥] ، وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢] ، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠١-١٠٣]] . هذه الآيات كلها في إثبات أن القرآن كلام الله ، وقد نوع الشيخ ﵀ الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله، وهذا الذي عليه سلف الأمة وجمهورهم، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله ، دل على ذلك فيما ذكره المؤلف إضافة الكلام إليه ، وما يضاف إليه إما أن يكون عيناً مستقلة، فهذه تكون إما إضافة خلق أو إضافة تشريف، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦] ، الأرض عين مستقلة قائمة بذاتها، فإضافتها إليه إضافة خلق أو إضافة تشريف؟! يعني: أرضي التي تقام فيها العبادة، فتكون الإضافة تشريفاً، ومنه أيضاً (ناقة الله) فإن إضافة الناقة إلى الله إضافة تشريف، وكذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، فالإضافة هنا إضافة تشريف، فهذه إضافة الأعيان القائمة بذاتها. أما إضافة الأوصاف، أي: المعاني التي لا تقوم بذاتها، بل لا تقوم إلا بغيرها، فإن أضيفت إلى الله فهي إضافة أوصاف، ومن ذلك الكلام، فإن الكلام لا يقوم بذاته، ولابد أن يقوم بشيء، فلما أضافه إليه دل على أنه صفته، وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ. والمهم في ذلك أن الشيخ ﵀ استدل على أن الكلام صفة من صفات الله بإضافة الله الكلام إليه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وكذلك: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥] ، وكذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، وكذلك: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ، كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله . وكذلك استدل على أنه كلامه بأنه قرآنه، والقرآن هو المقروء، والمقروء لا يكون إلا بلفظ، ولا يكون إلا كلاماً: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ، فالقراءة لا تكون إلا بكلام. وكذلك استدل على أن القرآن كلامه بإنزاله، فكل آية أخبر الله فيها أنه أنزل الكتاب أو أنزل القرآن فإنه يدل على أنه كلامه من عنده، كقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢] ، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر:٢١] ، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠١-١٠٢] ، كل هذا يدل على أنه كلام رب العالمين . وسيأتي تفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن وبيان بطلان عقائد المنحرفين في ذلك في كلام الشيخ ﵀ في الفصول القادمة.

стр. 102

رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال: [وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقوله: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] ، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]] . هذه الآيات فيها إثبات رؤية الله ، ورؤية الله يثبتها أهل السنة والجماعة بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع سلف الأمة، وسيأتي في كلام الشيخ ﵀ تفصيل الرؤية، ونرجئ الكلام على هذه الصفة عند مجيئها في كلامه ﵀. ثم قال في آخر ما ساقه من الآيات: [وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق] . المشار إليه في قوله: (وهذا الباب) ، هو باب أسماء الله وصفاته، وأنه جمع فيما سمى بما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات كثيراً، بل لا تكاد سورة أو آية من كلام الله إلا وتدل على شيء من صفاته؛ لأن القرآن إنما جاء لله معرفاً، وإليه داعياً، فلم تخل سورة من صفاته الدالة عليه ، وإنما ساق المؤلف ﵀ نماذج لما في كتاب الله من الصفات. قال: (من تدبر القرآن) التدبر هو النظر بتأمل وتفكر، من تدبر القرآن، أي: نظر فيه نظر تأمل وتفكر، لكن انظر إلى القيد الذي ذكره: (طالباً للهدى منه) يعني: تفكر وتأمل للاهتداء به لا للتشغيب، ولا لإبطال الحق، ولا للتشبيه والتشكيك، ولا لطلب الاستدلال للأقوال الضعيفة التي اعتقدها قبل أن يرد كتاب الله وينظر فيه. والهدى: هو العلم النافع والعمل الصالح. (تبين له طريق الحق) فجعل المؤلف ﵀ النتيجة هي تبين طريق الحق، وهي مرتبة على أمرين: الأول: النظر إلى كتاب الله بتدبر. الثاني: أن يكون نظره طلباً للحق لا انتصاراً للنفس، ولا غير ذلك من المقاصد التي قد يقصدها الناظرون في كتاب الله، لابد من هذين القصدين ليتحقق المطلوب، أن يكون مقصوده بالتدبر التوصل إلى الهدى والحق الذي جاء به النبي ﷺ ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التدبر لكتابه طلباً للهدى والحق، وأن يجعلنا من أهل الحق العاملين به الداعين إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وبهذا نكون قد انتهينا من القسم الذي ذكر فيه آيات الصفات.

стр. 103

أسماء الله وصفاته في سنة النبي ﷺ قال ﵀: [فصل ثم في سنة رسول الله ﷺ ، فالسنة تفسر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه، وما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك] . فهذا هو الفصل الذي اختصه المؤلف ﵀ بذكر الأحاديث التي فيها إثبات الصفات لله ، وقد تقدم في أول هذه الرسالة أن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله، وما أثبته لنفسه هو ما تضمنه كتابه المجيد، وما أثبته له رسوله هو ما تضمنته السنة من الأحاديث الكثيرة، التي بينت وفصلت ووضحت صفات الله جل وعلا، فالسنة تفسر القرآن، وتفسيرها للقرآن بتوضيح معانيه، وكشف المراد منه، فإن الله أنزل هذا الكتاب المبين على النبي محمد ﷺ ، وجعل بيان ما تضمنه الكتاب إليه ﵌، فبيان القرآن في الأحكام والأخبار راجع إلى رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، والذكر: هو الذكر الحكيم وكتاب الله المبين، فأنزله الله على رسوله ليبينه للناس. والذكر الحكيم والكتاب المبين اشتمل على الأحكام والأخبار، وبيان النبي ﷺ كان للأمرين الأحكام والأخبار. فالسنة تفسر القرآن، وتكشف معانيه وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فهذا ما أجمع عليه سلف الأمة، وهذا ما تميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق والطوائف، فإن الفرق افترقت في دلالة السنة على ما وصف الله به نفسه، فمنهم من لم يقبل من السنة شيئاً، واقتصر على إثبات ما دل عليه الكتاب. ومنهم من قبل شيئاً، ورد شيئاً كالصفات الواردة في أحاديث الآحاد. ومنهم من تسلط بالتحريف والتأويل الباطل المذموم على الكتاب والسنة. وأهل السنة والجماعة جروا في الكتاب وفي السنة على سنة واضحة، وطريقة ثابتة، وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال ﵀: (وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك) ولا إشكال في أنه يجب الإيمان بما صح مما أخبر به النبي ﷺ عن الله ؛ لأنه خبر صدق، وخبر من لا ينطق عن الهوى، فوجب الإيمان به والتسليم له، وقد قال النبي ﷺ : (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) فأوتي النبي ﷺ القرآن ومثله وهو السنة، وهي الحكمة التي أوتيها النبي ﷺ . لكن مما تفترق به السنة عن القرآن أنه لابد في السنة من النظر إلى طريق الثبوت؛ ولذلك قال ﵀: (وما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول) . فلابد فيما وصف به النبي ﷺ ربه أن ينظر في سند ذلك، فإن صح السند فإنها مقبولة، وإن كان السند مردوداً لضعف أو نحوه فإنه لا يثبت به حكم ولا خبر، والخبر حكم في الحقيقة؛ لأنك تحكم بأن الله متصف بكذا، أو لم يتصف بكذا، فالباب واحد. فلابد من النظر في سند ما ورد، فإن صح السند قبل، وإن لم يصح السند فهو مردود.

стр. 104

إثبات النزول الإلهي إلى سماء الدنيا قال ﵀: [فمن ذلك: قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) ، متفق عليه] . هذا الحديث فيه إثبات صفة نزول الرب إلى السماء الدنيا، والنزول صفة فعلية يثبتها أهل السنة والجماعة لله على الوجه اللائق به، ولا يلزم من إثبات ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله اللوازم الباطلة التي يذكرها المبطلون المحرفون للكلم عن مواضعه، فإنه يجب الإقرار بأن الله فعال لما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير من فعله أو فعل غيره، مما يتعلق به أو مما يتعلق بغيره كما تقدم ذلك في صفة القدرة، فمن أنكر الصفات الفعلية وقال: إن إثباتها يقتضي قيام الحوادث، فإنه رد ما أجمعت عليه الأمة، واتفق عليه سلفها الصالح من إثبات أن الله على كل شيء قدير، وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإثبات النزول لله لا يلزم عليه اللوازم الباطلة التي أوردها المتكلمون، فقالوا: إن أثبتنا النزول اقتضى التنقل والحركة، واقتضى أنه ينتقل من مكان إلى مكان، ويتحول من محل إلى محل، كل هذه لوازم باطلة يجب على المؤمن أن يعرض عنها، وأن يضرب عنها صفحاً، وألا يهتم بها، وألا ترد له على بال، بل يجب أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، ثم ليعلم أنه لا يلزم على خبر الله أو خبر رسوله نقص بوجه من الوجوه، فكل لوازم الحق حق يجب إثباته. فهذا الحديث أخبر فيه النبي ﷺ عن الرب جل وعلا أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، فهذا نزول ثابت كل ليلة. (حين يبقى ثلث الليل الآخر) وهذا بيان لوقت النزول الإلهي. فيقول: (من يدعوني؟) ومن القائل؟ الله الذي أضيف إليه النزول، فالقول مضاف إليه. (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) جوداً وكرماً، براً وإحساناً، ولطفاً منه جل وعلا بعباده، ينزل يعرض رحمته وبره وإحسانه على عباده، ولا تقل: كيف ينزل؟ فالجواب: الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وهذا جار في كل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله لا نحيط بالكيفيات علماً كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، وذلك المنفي عن غير الله من العلم هو علم الكيفيات. فلا تسأل عن (كيف) ، ولا تقل: إن الليل يتنقل، فيلزم منه أن يكون الله نازلاً إلى السماء الدنيا كل الوقت؛ لأن ثلث الليل يتنقل، هذا كلام فارغ، هذا كلام من لم يقدر الله حق قدره، نحن لم نعلم كيفية الصفات حتى نثبت هذه اللوازم. نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولا نتعرض بعقول كليلة لا تصل إلى منتهى ما وصف الله به من الكمال في الكيفيات والهيئات والصور، فإن ذلك محجوب عنا لا ندركه، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، كل هذا ينبغي أن تستحضره، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . فإذا كان المؤمن قد شحن قلبه وملأه بهذه النصوص التي تثمر تعظيم الله وقدره حق قدره انجلت عنه هذه الشبهات، وزالت عنه هذه الوساوس، ولم يبق إلا في دائرة إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله على وجه الكمال، وأنه لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وعلى هذا فالبحث الذي يذكره بعض أهل العلم، هل يخلو العرش من الرب إذا نزل أو لا؟ نقول: هل سأل عن هذا صحابة رسول الله ﷺ ؟ لم يسألوا؛ ولذلك نسكت عما سكتوا عنه، ولا نخوض في هذه المسائل؛ ولذلك لما قال السري السقطي لـ حماد بن زيد أحد أئمة السلف: لا أؤمن بإله يتحول من مكان إلى مكان، قال مجيباً عنه إجابة العالم الراسخ: أؤمن برب يفعل ما يشاء. وهذا من كمال تعظيم الله . فالإنسان يثبت ما أثبته الله لنفسه دون أن يلج في هذه المضايق التي إنما جاءت من المشبهين المبطلين الذين يريدون إبطال ما دلت عليه النصوص، وتصوير الرب بما يعرف للمخلوق، وأن كيفية فعله ككيفية فعل المخلوق، ثم يضطر الإنسان إذا كان كذلك أن يقول: أعطل النزول، والنزول هنا معناه نزول الملك، أو نزول الأمر، وما أشبه ذلك. فهم أولوا النزول هنا بأنه نزول ملك إلى السماء الدنيا أو نزول أمره أما هو فلا. ونحن نقول: ما أضافه الله لنفسه من الأفعال فإنه له ، لا نضيفه إلى غيره، ولا يمكن أن يقال: إن الملك أو الأمر ينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟ هذا لا يكون إلا من رب العالمين، ولا يجوز أن يسأل الملك حتى يقال: إن النازل هو ملك من الملائكة، كل هذه تحريفات وتأويلات باطلة، يكفي في ردها وإبطالها تصورها، فإن الإنسان إذا تصور القول على حقيقته تبين له بطلانه؛ لأن كل ما خالف الحق فإنه لا يقوى على الثبات، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] ، وقال: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] . هذه أوصاف ثابتة للباطل، وكلما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. إذاًَ: هذا الحديث فيه إثبات هذه الصفة الفعلية الاختيارية لرب العالمين وهي: النزول إلى السماء الدنيا، والنزول ليس لكل أحد، إنما هو نزول لمن يدعو ويستغفر ويسأل رب العالمين، وهذا مما استدل به أهل العلم على أن قرب الله ليس عاماً لكل أحد، إنما هو قرب من الداعي العابد المصلي، وليس قرباً لكل أحد. فنثبت هذا النزول لله صفة لائقة به جل وعلا، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.

стр. 105

إثبات أن الله يفرح ويضحك ويعجب [وقوله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته) متفق عليه. وقوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه. وقوله ﷺ : (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن] . هذه الأحاديث الثلاثة فيها إثبات صفة الفرح والضحك والعجب لله ، وكلها صفات فعلية اختيارية، أما الضحك فإنه قد جاء من طرق كثيرة بلغت حد التواتر، فثبوته مستفيض في سنة النبي ﷺ ، وهو صفة كمال؛ لأن الضحك في موضعه صفة كمال، وكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به، وهذا الدليل يسميه أهل العلم قياس الأولى. فإذا كنا نقر بأن الضحك كمال في موضعه، يعني: عند وجوب موجب الضحك فإننا نثبته لله عقلاً كما أنه ثابت بالنص، فالنص قد أثبته في أحاديث كثيرة متواترة كما تقدم، وهذا منها. ومنها قوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدها الآخر كلاهما يدخل الجنة) فهذا فيه إثبات هذه الصفة لله ، ولا يلزم عليها أي نقص في حقه . والمؤولون المعطلون المحرفون للكلم عن مواضعه قالوا: إن الضحك خفة في الروح ناتجة عن حصول ما ينفع أو اندفاع ما يضر، هذا معنى الضحك عندهم، وإذا كان كذلك فإنه منتفٍ عن الرب، فالرب لا يضحك، النبي ﷺ يقول: (يضحك الله إلى رجلين) وهؤلاء يقولون: الله جل وعلا لا يضحك؛ لأن الضحك خفة، والله منزه عنها! نقول: أنتم عرفتم الضحك بالنسبة للمخلوق، أما الخالق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، يجب إثبات ما أثبته النبي ﷺ لربه، وإلا فإننا لم نسلم له ﷺ القياس، ولم نؤمن به حق الإيمان؛ لأن مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله تصديقه فيما أخبر، وهو يخبرنا بأن الله يضحك، وهؤلاء المحرفون يقولون: لا يضحك، هل يستقيم هذا في العقل؟ وهل يكون هذا ممن عظم الله حق تعظيمه؟ وامتثل أمر النبي ﷺ ؟ المهم أن هؤلاء أنكروا الضحك، فلما ورد الضحك في السنة النبوية في مواضع كثيرة فإنه يحتاج عندهم إلى التحريف والتأويل، فقالوا: الضحك هو إبانة الفضل، والضحك: هو إرادة الثواب والإحسان، والضحك: الإخبار بالرضا عن الفعل، كل هذا فراراً من إثبات ما أثبته الله لنفسه، وكل هذه المعاني تفسير للضحك بلازمه، ونحن لا ننكر اللازم، فهو معنىً صحيح ثابت، لكن هل تثبتون لله هذا الوصف؟ يقولون: لا. نقول: إذاًَ: لم تؤمنوا بما أخبر به النبي ﷺ ، ونحن نثبت هذا الوصف لله، ونقول: إن الله يضحك وهو موصوف بالضحك جل وعلا، لكن لا يلزم من ذلك مماثلة المخلوقين. ثم إن من لازم ضحكه جل وعلا رضاه وإثابته، وما إلى ذلك من المعاني الأخرى التي تثبت بثبوت هذه الصفة. أول ما بدأ به المؤلف ﵀ من الصفات صفة الفرح، وذلك في قول النبي ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته) ، وهذا فيه إثبات صفة الفرح لله ، وفرحه بتوبة العبد من كمال جوده وإحسانه وبره ورحمته بعبده، حيث يفرح بالتوبة وهو الذي وفقه إليها. والمنتفع من التوبة من؟ العبد نفسه! فإنه قد قال : (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) كما في الحديث الإلهي حديث أبي ذر. فالمنتفع العبد لكن الله جل وعلا جوداً منه وكرماً وبراً وإحساناً ولطفاً يفرح بتوبة عبده، فالفرح صفة فعلية اختيارية للرب جل وعلا، ثبت وصف الله بها في أحاديث متعددة، وتلقاها أهل السنة بالقبول، وأثبتوها للرب . المحرفون المبطلون قالوا: الله لا يفرح ولا يوصف بالفرح؛ لأن الفرح لذة تقع في القلب بإرادة المحبوب ونيل المشتهى، هكذا زعموا. قيل لهم: إذا كان هذا في حق المخلوق فالخالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهم لهم عدة شبه، ونحن عندما نذكر بعض شبههم في إبطالهم ما أثبته الله لنفسه، ليس ما نذكره حصراً لشبههم في إبطال ما وردت به النصوص من إثبات الصفات الفعلية للرب . والجواب على هذه الشبهة الباطلة أن يقال: نثبت الفرح من غير أي لازم باطل، كما أثبته لنفسه، ونجري فيه كما جرينا في غيرها من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ثالث ما ذكره المؤلف ﵀: الحديث الذي فيه إثبات العجب لله : (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره -يعني: وقرب تغييره مثل تغييره القحط إلى الخصب، ومنع القطر إلى إدراره- ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) فأثبت هنا وصفين: وصف العجب، ووصف الضحك. أما الضحك فقد ذكرنا أنه ثابت بأحاديث متواترة. أما العجب فقد جاء في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] في قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، والباقون قرءوا (بل عجبتَ ويسخرون) ويكون الخطاب للنبي ﷺ ، أما بالضم فهو مضاف إلى الله ، فالتاء في (عجبت) ضمير الفاعل وهو الله . والعجب وصف كمال له ، نثبته كما أثبته الله لنفسه في كتابه على هذه القراءة، وكما أثبتته السنة في أحاديث متعددة.

стр. 106

الجواب على منكري صفة العجب عن الله تعالى والعجب من الصفات الفعلية الاختيارية التي تقتضي الرضا والإثابة وعظيم الأجر لمن تعجب منه ، واعلم أنهم نفوا العجب عنه ، وقالوا: لأن العجب جهل بالسبب، فالعجب يكون من الجهل بأسباب الشيء، والله ليس جاهلاً بشيء، بل هو العليم الخبير. فالجواب على هذه الشبهة أن يقال: العجب له أسباب، منه ما يكون ناشئاً عن جهل من المتعجب، وهذا ينزه عنه الرب ، ومنه ما يكون لا عن جهل بل عن تعظيم للمتعجب منه لخروجه عن نظائره وأمثاله، فالشيء إذا خرج عن نظائره وأمثاله يتعجب منه ولو علم السبب وعرف، وهذا هو المعنى الثابت في عجبه ، فالعجب المضاف إليه عجب يعظم فيه ما يشاء من عباده، ومن الأفعال والطاعات. فقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده) هنا تعظيم لحال هؤلاء، وليس المراد أنه جهل بالسبب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والمحرفون المؤولون المبطلون قالوا: إن العجب هنا بمعنى الرضا. ثم نقول لهم: أنتم قد أولتم صفة الرضا وقلتم: الرضا هو إرادة الثواب، وكل صفة يحرفونها إلى صفة أخرى، وإذا نظرنا في الصفة التي يثبتونها حرفوها إلى صفة أخرى، وكل ذلك فراراً مما أثبته الله لنفسه. وفي هذا أيضاً إثبات الضحك وهو صفة فعلية تقدم الكلام عليها، لكن انظر إلى الفارق بين هؤلاء وبين الصحابة الذين سلمت فطرهم، وزكت عقولهم، وسلمت قلوبهم من هذه التحريفات والتشبيهات، فإن النبي ﷺ لما قال هذا الحديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين؛ فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) قال أبو رزين العقيلي ﵁ وهو من الأعراب: (أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: لا عدمنا الخير من رب يضحك) فكيف استدل بهذه الصفة على كمال الرب وإحسانه وبره وجوده؟!! وهم يقولون: إن إثبات هذه الصفة يقتضي النقص. إنما النقص جاء من عقولهم الفاسدة، وقواعدهم المفترية، وظنونهم الكاذبة، وإلا لو أنهم سلموا للنصوص، وأخلصوا لله في طلب الحق؛ لوفقوا إلى خير كثير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 107

شرح العقيدة الواسطية [١٢] علو الله على خلقه من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فالله له العلو المطلق: علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القدر، وعلو القهر. فالواجب إثبات هذه الصفة لله والإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل.

стр. 108

إثبات صفة الرجل والقدم لله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط) متفق عليه] . هذا الحديث فيه إثبات صفة القدم والرجل لله ، وهذه الأحاديث صواعق على رءوس المبطلين؛ لأنهم إما أن يردوها، وإما أن يجتهدوا في إبطال معناها، إما أن يردوها لفظاً ومعنىً، وإما أن يجتهدوا في إبطال معانيها بالتحريف والتأويل المذموم. أما أهل السنة والجماعة فهذه نصوص تزداد قلوبهم إيماناً بسماعها، ويقيناً بعظمة الرب، وتسبيحاً وتحميداً له . (لا تزال جهنم) (جهنم) هي: الدار التي أعدها الله للكافرين، وهي النار، فجهنم اسم جنس للنار التي أعدها الله للكافرين والعصاة المخالفين لأمره. (لا تزال جهنم يلقى فيها) أي: يرمى، و (لا تزال) المراد بذلك: أنها موصوفة بهذا الوصف، وهي لا تنقطع ولا تفارق هذا الوصف. (يلقى فيها وهي تقول) ، يعني: وحالها؛ لأن الواو هنا حالية، (وهي تقول: هل من مزيد؟) أي: تطلب الزيادة، وهذا الاستفهام استفهام طلبي، يعني: زدني زدني، وقال بعض أهل العلم: إن قول النار: هل من مزيد؟ استفهام استنكاري، أي: لا مزيد فيّ، لا مزيد فيّ، ولكن هذا ليس بصحيح، ولا يدل عليه اللفظ، بل الذي دل عليه اللفظ أنه استفهام طلبي؛ لطلب الزيادة من رب العالمين، ويدل على ذلك ما بعده حيث قال: (حتى يضع رب العزة فيها رجله) يضع رب العزة، وفي رواية: (حتى يضع رب العالمين -الله جل وعلا- فيها رجله) والرجل في كلام العرب تنصرف إلى الجارحة المعروفة بالنسبة لنا، أما بالنسبة للخالق جل وعلا فنثبت هذا المعنى له، لكن لا نملك أن نعرف كيفية ذلك، ولم نكلف بمعرفة كيفية ذلك، بل نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات من دون تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وفي الرواية الثانية: (عليها قدمه) أي: يضع عليها قدمه ، ولا تقل: كيف؟ فإن الكيف أمره مؤصد مغلق، والكيف مجهول، وهذه القاعدة اجعلها معك في كل خبر عن الغيب، الكيف مجهول فيما يتعلق بالله أو فيما يتعلق بما أخبر به مما يكون يوم القيامة، وبذلك تريح نفسك، وتسلم من كل وساوس الشياطين، ومن كل ما يلقيه شياطين الإنس من زخرف القول الذي يريدون به إبطال ما دلت عليه النصوص. وقوله: وفي رواية: (عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض) يعني: ينظم ويجتمع بعضها إلى بعض، فتقول: (قط قط) أي: كفاني كفاني، أو حسبي حسبي، وعند ذلك تكتفي من طلب الزيادة. وفي لفظ: (قط قط) ، جاءت رواية بالتسكين (قطْ قطْ) ، ورواية: بالكسر (قطِ قطِ) ، ورواية بالكسر مع الياء (قطي قطي) ، ورواية بالتنوين (قطٍ قطٍ) ، ورواية خامسة: (قطني قطني) ، كل هذا مما جاء في هذا اللفظ، والمعنى في الجميع واحد، وهو حسبي حسبي أو كفاني كفاني.

стр. 109

موقف أهل التحريف والتعطيل من إثبات صفة الرجل والقدم، والرد عليهم أما أهل التحريف وأهل التعطيل فقالوا: إن معنى الرجل هنا هو الجماعة من الناس، ومن أين أتوا بهذا المعنى؟ قالوا: إن الرجل يطلق على الجماعة من الجراد، كما أنك تقول لجماعة الطير: سرب، فتقول لجماعة الجراد: رجل، فيكون معنى: (حتى يضع رب العزة فيها رجله) أي: جماعة من الناس يتهافتون في النار كتهافت الجراد على النار. فنقول: هذا المعنى -أيها المحرفون- من سبقكم إليه من سلف الأمة؟ أعطونا واحداً من الصحابة أو من التابعين أو من تابعيهم من أئمة السلف قال بهذا القول، قالوا: اللغة دلت على هذا، فنقول: لا بأس، هذا المعنى قد يكون موجوداً في اللغة، لكن نحن نتلقى السنة لفظاً ومعنىً عن الصحابة؛ لأن النبي ﷺ إنما أنزل عليه القرآن وأنزل عليه الذكر ليبينه للناس، فهو قد بلغ لفظه ومعناه، والله حفظ للأمة الألفاظ والمعاني فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، والحفظ ليس فقط حفظ اللفظ إنما حفظ اللفظ والمعنى؛ ولذلك ما تلقته الأمة بالقبول عن الرسول ﷺ من المعاني الظاهرة لا يجوز الانصراف عنه إلى مثل هذه الإرادات الواهية. فنقول: الرجل معلومة عند العرب، وما ذكرتموه استعارة وتشبيه، والأصل في الكلام هو الحقيقة لا المجاز. وقوله: (حتى يضع رب العزة عليها قدمه) ، قالوا: القدم هو: اسم لمن قدمهم الله في النار، فيكون واقعاً على الجماعة، وقالوا أيضاً: القدم: هم اسم لمن تقدم في علم الله أنهم من أهل النار. كل هذا -يا إخوة- تحريف وفرار مما دلت عليه النصوص وسلم له صحابة رسول الله ﷺ ، وتلقته الأمة بالقبول، ولو أنهم اكتفوا بالنصوص، وعدلوا عن هذا الانحراف وعن هذه الشبه لسلموا ولسلكوا طريق أهل السنة والجماعة.

стр. 110

إثبات صفة الكلام لله قال المؤلف ﵀: [وقوله ﷺ : (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) متفق عليه. وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان) ] . هذان الحديثان من جملة ما مثل به المؤلف ﵀ لأحاديث الصفات الواردة في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهما يفيدان إثبات صفة الكلام للرب جل وعلا، وصفة الكلام صفة ذاتية فعلية كما تقدم، وهي: صفة يثبتها أهل السنة والجماعة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهي: صفة ثابتة لله في جميع الشرائع؛ ولذلك التحريف فيها وإنكارها مما يقدح في الإيمان بالرسل؛ لأن جميع الأنبياء أخبروا بذلك، وهم مجمعون على أن الله يتكلم بحرف وصوت، كما سيأتي بيانه. والحديث الأول: فيه قول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى) والقول يدل على اتصافه بالكلام، وهذا النوع من الأحاديث يسمى بـ (الحديث القدسي) ، وهذا التعبير هو المشهور، وهو الاصطلاح المعروف عند كثير من أهل العلم، فالأحاديث المصدرة بقوله: قال الله تعالى، أو التي فيها: قال الله تعالى هي أحاديث قدسية، وشيخ الإسلام ﵀ يسميها (الأحاديث الإلهية) ، والفرق بين الحديث الإلهي والحديث النبوي أن الحديث الإلهي فيه خبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربه، فهو خبر عن الله. وقد قال جمهور المحدثين: إن الحديث الإلهي -الحديث القدسي- لفظه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعناه من الله، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحديث الإلهي لفظه ومعناه من الله، وهذا القول قوي، وهو الذي يستفاد من ظواهر الأحاديث، فإن نسبة القول إلى الله هي نسبة لفظ ومعنى، ولكن يفارق الحديث الإلهي -الحديث القدسي- القرآن أن لفظه ليس بمعجز، وأنه لا يتعبد بقراءته، فليس كل حرف فيه بعشر حسنات كما ورد ذلك في القرآن، وأنه لا يشترط في مسه الطهارة لا الصغرى ولا الكبرى، فلو أن كتاباً تضمن الأحاديث الإلهية -الأحاديث القدسية- فلا يشترط للمسه ومطالعته أن يكون الإنسان على طهارة، هذا هو الصحيح، وبهذا يتميز الحديث الإلهي -الحديث القدسي- عن القرآن فيقال: إن لفظه ومعناه من الله جل وعلا هذا الأصل، وأن ما يثبت للمصحف من أحكام فهو غير ثابت للحديث الإلهي. فقول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى) هذا فيه إثبات أن الله جل وعلا يتكلم؛ لأن القول الأصل فيه لا يكون إلا على ما ظهر وتبين من اللفظ، وأما ما يدور في الخاطر فإنه قد يصح أن يقال: إنه قول، لكن لابد من تقييده. فلا يرد القول مطلقاً ويراد به حديث النفس، وإنما إذا أريد بالقول ما يدور في الخاطر وما يجول في الضمير والقلب فلابد من تقييده، فيقال: قول القلب أو قول النفس أو قالت نفسي، أما إذا ورد القول مطلقاً فإنه لا ينصرف إلا على القول الذي يتبين ويظهر بحرف وصوت. قوله: (يقول الله تعالى: يا آدم!) هذا فيه خطاب لأبي البشر آدم ﵇، وآدم إنما يعقل كلاماً بحرف وصوت، وليس المراد كلاماً معنوياً كما تقول الأشاعرة ومثبتة الصفات. (فيقول -أي: آدم ﵇: لبيك وسعديك) . (لبيك وسعديك) هذان مصدران لا مفرد لهما من لفظيهما، ومعنى (لبيك) أي: أقمت على طاعتك وإجابتك، إقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة، والتثنية للتكثيف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] ، فإن التثنية في كلام العرب ترد ويراد بها مطلق التكثيف لا العدد نفسه. وكذلك (سعديك) معناها: إسعاد بعد إسعاد، يعني: إعانة بعد إعانة، فهو يطلب من الله العون والإسعاد على ما هو بصدده. (فينادي -والمنادي هو الله جل وعلا- بصوت) ، وهذا لفظ نبوي فيه إثبات النداء بصوت، وقوله: (بصوت) هذا تأكيد للنداء، وإلا فإن أهل اللغة مجمعون على أنه لا يكون نداء إلا بصوت رفيع؛ ولذلك لا حاجة إلى أن نقول: الذي يدل على إثبات الصوت هو قوله: (بصوت) ولا شك أنه إثبات ومستند، ولكن نقول: لو لم يرد إلا النداء مستقلاً لأفاد إثبات الصوت لكلامه ، وقد ورد النداء في القرآن في أكثر من عشرين موضعاً كما تقدم في الآيات. (فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) قد يقول قائل: إن المنادي هنا غير الله بقرينة قوله: (إن الله يأمرك) ولكن هذا مصروف ومردود بأن يقال: إن ذكر لفظ الجلالة وذكر اسم الله في الأمر يكون لتأكيد الأمر ولزومه وإثباته. (فينادي -الفعل مضاف إلى الله لأنه لم يذكر غيره في السياق- بصوت: إن الله يأمرك) تأكيداً للأمر، فذكر لفظ الجلالة -اسم الله في ثنايا الأمر تأكيداً له وإلزاماً به. (إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) -نعوذ بالله منها- وهذا يثبت هذه الصفة لله في موضعين: الأول: في قوله: (يقول الله تعالى) . والثاني: في قوله: (فينادي بصوت) . قال: (وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه)) . (ما) نافية تفيد العموم، والكاف في قوله: (منكم) كاف الخطاب، فمن المخاطب؟ قيل: المخاطب هم أهل الإسلام؛ لأن النبي ﷺ يخاطب الصحابة. وقيل: إن المخاطب هو جنس الإنسان، فكلٌ سيكلمه الله من كافر ومسلم: (ما منكم من أحد) وأكد العموم بـ (من) التي هي نص في العموم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) ، والكلام إنما يفهم ويعرف باللفظ، فليس الكلام هنا كلاماً معنوياً كما تقول الأشاعرة، إنما هو كلام بحرف وصوت، وهذا الكلام قد وقِّت بظرف وهو يوم البعث، فدل ذلك على أنه كلام متعلق بمشيئته وإرادته. وهذا يدل على أن صفة الكلام صفة ذاتية فعلية، فهي ذاتية باعتبار أصل اتصاف الله بهذه الصفة، فإنه لم يزل ولا يزال متصفاً بهذه الصفة، وفعلية باعتبار أفراد ما يتكلم به جل وعلا، فتكليمه للعباد يوم البعث متعلق بمشيئته، وهذا دليل على أن الكلام صفة فعلية، كما أنه صفة ذاتية له . قوله: (سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) الترجمان هو: المفسر، أي: ليس بينه وبين الله مفسر يبين الكلام ويوضحه، وهذا النفي فائدته تحقق التكليف، وأنه من الله مباشرة، ليس هناك بينه وبينه وسيط، هذا فائدة التأكيد في قوله: (ليس بينه وبينه ترجمان) ، وهذا فيه إثبات صفة الكلام لله ، وسيأتي مزيد بحث في هذه الصفة في كلام المصنف ﵀.
следующие страницы →