البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر
تأليف
الحافظ جلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
(٨٤٩ هـ - ٩١١ هـ)
تحقيق ودراسة
أبي أنس أنيس بن أحمد بن طاهر الأندونوسي
أستاذ مساعد بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
[الجزء الأول]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطة البحث
كلمة حمد، وشكر، وتقدير.
ثم قمت بتقسيم البحث إلى قسمين:
أ- قسم الدراسة.
ب- قسم التحقيق.
أ- قسم الدراسة: ويشتمل على ما يلي:
أولًا: مقدمة وتتضمن ما يلي:
- السنة. مكانتها. وحجيتها.
- بيان أهمية علم مصطلح الحديث.
- نشاة علم المصطلح.
- أسباب اختيار الموضوع.
ثانيًا: ترجمة للسيوطي وتشتمل على التالي:
- اسمه، ونسبه.
- مولده، ونشأته، ودراسته.
- رحلاته.
стр. 4
- شيوخه وتلاميذه.
- عقيدته.
- تصديه للفتيا.
- خصوم السيوطي.
- المناصب التي تولاها.
- موقفه من الحكام والسلاطين.
- دعواه الاجتهاد.
- اعتزاله، وهروبه من الحياة، ووفاته.
- المؤلفون في السيوطي من المتقدمين والمعاصرين.
ثالثًا:
- جهود السيوطي في علوم الحديث عمومًا.
- وجهوده في المصطلح خصوصًا.
- دراسة كتبه -الموجود منها- في المصطلح.
رابعًا:
- دراسة كتابه (البحر الذي زخر)، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: موضوع الكتاب، وأهميته.
المبحث الثاني: منهج السيوطي في الكتاب.
стр. 5
خامسًا:
شروح ألفية السيوطي.
سادسًا:
موازنة بين البحر والتدريب.
سابعًا:
ميزات ألفية السيوطي على ألفية العراقي.
ب- قسم التحقيق:
ويشتمل على التالي:
١ - اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى السيوطي.
٢ - وصف نسخ الكتاب.
٣ - وصف نسخ الألفية المخطوطة والمطبوعة.
٤ - منهجي في تحقيق الكتاب.
* * *
стр. 6
كلمة حمد وشكر وتقدير
أحمد اللَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يجب ربنا ويرضى، وأشكره أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا على أن هداني ووفقني، وحبب إليّ سنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وشرفني بالاشتغال بعلوم السنة الغراء. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (١)، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحشرني في زمرة الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل نيل هذه الدرجة نيل أعلى درجات الجنة برحمته التي وسعت كل شيء.
ثم أتقدم بالشكر الجزيل لشيخي الفاضل الدكتور/ سعدي مهدي الهاشمي المشرف على الرسالة على حسن إرشاده وتوجيهه وتعليمه لي في سنوات الإشراف على الرسالة، كما أتقدم بخالص الدعاء والتقدير لشيخيّ الكريمين الشيخ/ حماد بن محمد الأنصاري رحمه اللَّه تعالى على ما أولاني به من رعاية أبوية علمية، ولشيخي الدكتور/ محمود ميره على حسن تعليمه وإرشاده وتوجيهه لي من كلية الحديث إلى أن أشار علي بأخذ هذا الموضوع بالدراسات العليا.
وأشكر لجميع مشايخي حسن تعليمهم، وإرشادهم لي.
стр. 7
هذا وأبتهل إلى اللَّه جلّ في علاه، داعيًا من أعماق قلبي للمسئولين بالجامعة الإسلامية على اختلاف مرافقها، وبالدراسات العليا على وجه الخصوص أن يثيبهم ويجزيهم خيرًا، على ما يقدمونه من خدمة للعلم وطلابه، ورزقني اللَّه وإياهم الصلاح والسداد والإخلاص في جميع الأقوال والأعمال.
جزى اللَّه الجميع خير الجزاء، وأحسن لهم المئوبة والأجر، بفضله ومنّه، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين واللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
* * *
стр. 8
أولًا: السنة مكانتها وحجيتها
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﵌.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
стр. 10
أما بعد (١):
فإنّ اللَّه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وأمره بتبليغه للناس وبيانه فقال :
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
стр. 11
ثم أوجب اللَّه علينا طاعته، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢).
ومما لا شك فه أنّ الكتاب والسنة أصلان أصيلان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ومنبعان للتشريع متعاضدان.
قال ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. . " (٣).
وقال أيضًا: "تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب اللَّه، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض" (٤).
ولقد تكفل اللَّه بحفظ شريعة الإسلام كتابًا وسنة،
стр. 12
لأنها هي الشريعة التي ارتضاها، وكتب لها الخلود والبقاء إلى يوم القمامة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
والسنة لها مكانة عالية وكبيرة في الإسلام، فهي الأصل الثاني بعد كتاب اللَّه المعتمد في التشريع، وقد جاءت السنة مفسرة لمبهم القرآن، مفصلة لمجمله، مقيدة لمطلقه، مخصصة لعمومه، شارحة لأحكامه وأهدافه ومراميه، وجاءت بأحكام زائدة مستقلة لم ينص عليها القرآن، ولما كان للسنة هذا القدر العظيم في الإسلام فقد اتفق علماء السنة قاطبة على حجيتها.
قال الإمام الشافعي ﵀:
"قد وضع اللَّه رسوله ﷺ من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان -جل ثناؤه- أنه جعله علمًا لدينه بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن بين رسوله مع الإيمان به، فقال ﵎: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. . .﴾ (٣).
стр. 13
وقال :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . .﴾ (١).
فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان باللَّه ثم برسوله معه" (٢).
وقال الإمام الشوكاني:
"إنّ ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها تشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام" (٣).
ومن هذا المنطلق نجد الرسول الكريم ﷺ يحث أمته على التمسك بسنته، والعناية بها، ويبين لها أنّ التمسك بسنته نجاة من الضلال، وأنّ الوجه إليها بعد الفتور هداية ورشاد (٤)،
стр. 14
وأن المتمسك بها عند وقوع الفتن له أجر خمسين من الصحابة (١) وأنها من مرجحات الإمامة في الصلاة (٢)، وفي أمور أخرى، ويبرأ ﵌ ممن رغب عنها (٣)، ولقد حفظت السنة في أماكن أمينة ومكينة؛ حفظت في صدور رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه من صحابة فتابعين فأتباعهم، فمن بعدهم من علماء هذه الأمة الأفذاذ الذين تشبعت قلوبهم بحب رسولهم فحفظوا السنة ووعوها وعملوا بها، وتفيئوا ظلالها الوارفة، ثم أخرجوا لنا علمًا أصيلًا منها استخرجوه، وعليها بنوه، وحفاظًا لها أصّلوه وهو ما يسمى (بعلم مصطلح الحديث).
стр. 15
علم المصطلح
أهميته - نشأته - مصنفاته
стр. 16
علم مصطلح الحديث يعد مفخرة للأمة الإسلامية، وصفحة مشرفة من صفحاتها الخالدة، الوضاءة، المليئة بالمآثر والمكرمات، والفضائل، فما عرفت أمة من الأمم كيف تخلد أخبار علمائها وعظمائها، وقادتها وأبطالها كما عرفته الأمة الإسلامية، ولا عرفت كيف تصحح تاريخ رجالها كما عرفته الأمة المحمدية بواسطة علمائها وحفاظها ومحدثيها، وهذا الأمر من الخيرية التي خصها اللَّه به من بين بقية الأمم قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .﴾ الآية (١).
ويمكن تلخيص أهمية هذا العلم الشريف في الأمور الآتية:
١ - علم المصطلح به يعرف صحيح السنة من سقيمها ومعلولها من سليمها، وحسبك بها من فائدة وثمرة فالمصطلح هو العلم الوحيد الذي تقف به على حال النقلة للحديث، وصفاتهم، وجرحهم وتعديلهم، وما تنضبط به أقوال الحفاظ في الرواة، ومدى سلامة الشد والمتن من العلل، وبالتالي يتحقق بذلك الأخذ بقول اللَّه تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. . . الآية﴾ (٢).
стр. 17
وبقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) الآية إذ كيف يتم الاقتداء، والأخذ بشيء من السنة، والتعويل عليه في الاستدلال والاستنباط: ونحن نجهل صحته من ضعفه؟ ؟ .
٢ - علم المصطلح يعد مفتاحًا لتحقيق نصوص كثيرةٍ من العلوم، فهذا العلم يعتني (بأسانيد) الأحاديث، والأخبار، ولو تتبعنا كثيرًا من العلوم في المصادر القديمة لوجدناها نقلت إلينا بأسانيد، فالقرآن الكريم حمله رواةٌ في صدورهم، ونقلوه إلينا، وهم كثر، بلغ بهم العدد حد التواتر، ولا سبيل لمعرفة ما صح من الطرق إلا بأن ندرس سند ذلك الطريق، وتلك القراءة، كما قال الناظم في القراءة المقبولة المعتبرة عند العلماء:
فَكُلُّ ما وافقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وكَانَ لِلرَسْم احتمالًا يَحْوِي
وصَحَّ إسْنَادًا هُوَ القُرآنُ ... فهذه الثلاثةُ الأرْكَان (٢)
وفي العقيدة نجدها قد نقلت إلينا عن نبي هده الأمة وسلفها بالأسانيد، فمثلًا: في إثبات الوجه للَّه تقرأ في كتاب: "الأسماء والصفات" (٣) لأبي بكر البيهقي (ت ٤٥٩ هـ) في باب بيان الأسماء التي من أحصاها دخل الجنة، فتجد البيهقي يثبت لك العقيدة
стр. 18
بالسند فيقول:
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، وأبو عبد اللَّه إسحاق بن محمد بن يوسف بن يعقوب السوسي وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب نا محمد بن خالد بن حلي نا بش بن شعيب بن حمزة عن أبيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للَّه تسعةً وتسعينَ اسمًا، مِائةً إلا واحدًا، مَن أحصَاهَا دَخَل الجنَّة، إنَّه وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ".
فدراسة هذا السند ضرورية جدًا لدراسة مثل هذا الحديث الوارد في (العقيدة)، ودراسة السند تحتاج إلى علم المصطلح، وكذلك (التفسير) نقل إلينا بالأسانيد، كتفسير ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ)، وتفسير البغوي (ت ٥١٦ هـ) (١)، وكذا (الفقه) ككتاب الأم إملاء الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) و (التاريخ) أيضًا لمصطلح الحديث عليه منةٌ، وقد ألَّف الدكتور عثمان موافي كتاب "منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الأوروبي" وبيَّن فيه أثر قواعد علوم الحديث في الروايات التاريخية في نقدها وتمحيصها، وللدكتور أكرم ضياء العمري كتاب: "المجتمع المدني"، قصد به: محاولة تطبيق قواعد المحدثين في مصطلح الحديث لنقد الروايات التاريخية.
стр. 19
بل وكتب اللغة والآدب نقلت إلينا بأسانيد، مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، و"الأمالي" لأبي علي القالي، وقد ألّف الدكتور شرف الدين علي الراجحي كتابًا سماه: "مصطلح الحديث، وأثره على الدرس اللغوي عند العرب" (١) ذلك لأن علم المصطلح له منبعٌ دافقٌ ثَرٌ لا ينضب، وهو: السنة المطهرة.
يقول د/ محمد الصباغ: "تأثير الحديث النبوي على ثقافتنا العربية يفوق كل تصور، فلقد صبغت طريقته كل فنون ثقافتنا ومعارفنا، إنك تجد طريقة السند عمّت كل أنواع الكتب في مكتبتنا، من آدبية وتاريخية وغيرهما. . . " (٢).
٣ - إيجاد (الثقة) في نفوس المسلمين بتحقيق وعد اللَّه لهم بحفظ كتابه وسنة نبيه حيث قال سبحانه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).
فهذه القواعد تعد من أهم الأمور التي حفظ اللَّه بها السنة.
٤ - "إيجاد (ملكةٍ) عد الدارس لهذا الفن يتمكن بها من تمحيص الأخبار الواردة، من حديث وتاريخ وغيرهما. . . (٤) "،
стр. 20
ويصير الدارس لهذا العلم دقيقًا في تعلمه وتعليمه لهذا العلم الشرعي بحميع فروعه، ولقد كان أحد شيوخي من المحدثين الأفاضل دائمًا يحثنا على تعلم علم الحديث، ويقول: تصبحون في يوم من الأيام حكامًا على أقوال الناس وأفعالهم لا محكومين.
أضف إلى ذلك: أن كثيرًا من الخلافيات في الفروع التي يبقى الكثير حائرًا عندها، يستطيع العالم وطالب العلم أن يرجح بين الأقوال بهذا العلم، وكلما رسخت قدمه في علم المصطلح، كلما استطاع أن يسبر غور الخلاف بين الأقوال المختلفة، لأنه يراجع أصول المذاهب والأقوال؛ بالرجوع إلى أدلتها بثبوتها أو عدم ثبوتها.
٥ - بيان منهج (السلف) من المحدثين، ودقتهم في وضع قواعد معتمدة على الكتاب والسنة، ومنهجيتهم في ذلك، وتنظيمهم، وتنسيقهم، ودقتهم لحفظ سنة خير البشر ﵌، وزيادة الثقة بهم، بأمانتهم العلمية في نقل شريعة اللَّه، وسنة رسوله ﵌.
٦ - ثم إنَّ علم المصطلح (تمهيدٌ ومقدمةٌ) للعلماء والمتخصصين في جميع علوم الشريعة، ليقوموا ببناء علومهم على أصولٍ ثابتةٍ، وقواعدَ راسخةٍ، فلا أحكام، ولا أقيسة، ولا اجتهاداتٍ تكون مصيبةً إذا لم تؤسس على نصوص القرآن والسنة الثابتة، والثبات لا يكون إلا بقواعد ثابتةٍ للنقد، والتمحيص النزيه، كقواعد مصطلح الحديث.
стр. 21
٧ - قواعد علم المصطلح التي وضعها أجدادنا المسلمون تعلم المنهجية في الحكم على الأخبار دون أن يكون تأثرٌ بأي اعتبار آخر غير تطبيق تلك القواعد (١)، وفي هذا تربيةٌ للمسلم عالمًا أو متعلمًا على الإنصاف، والعدل، وأن الحق أكبر من كل كبير (٢).
٨ - وبهذا العلم يبرِّيء العالم ذمته، ويسلم حين نقل حديث رسول اللَّه من أن يشمله الوعيد الوارد في قول رسول اللَّه ﷺ :
"مَنْ حدَّث عنِّي بحديث يُرَى (٣) أنَّه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَين" (٤)، وقوله ﵌ في الحديث المتواتر:
"مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِن النَّار" (٥).
стр. 22
٩ - علم المصطلح "يعمل على تنقية الأذهان من الخرافات، وذلك أنَّ الإسرائيليين وغيرهم حاولوا نشر ما لديهم من الأقاصيص، والخرافات الكاذبة، والأباطيل، وهذه الأمور داء وبيل، يفت في عضد الشعوب، ويمزق الأمم. . . " (١).
هذا وقد مرَّ علم مصطلح الحديث بمراحل تاريخية مهمة جدًّا حتى كمل ونضج، وهذه المراحل تتلخص في التالي:
المرحلة الأولى:
وتمتد من أوائل القرن الأول الهجري إلى نهايته، وهو دور الصحابة ﵃ في وضع البنات الأولى لهذا العلم وذلك بحفظ السنة والتثبت حين أخذها وأدائها، ورحلاتهم في طلبها، ونقدهم لبعض حملتها.
المرحلة الثانية:
مرحلة تدوين السنة تدوينًا رسميًا، ومعها قواعد المصطلح منثورة مبثوثة فيها (٢).
стр. 23
المرحلة الثالثة:
تمتد هذه المرحلة تقريبًا من أواخر المائة الثانية إلى منتصف الرابعة، وقد أفردت في هذه المرحلة أنواع علوم الحديث بمصنفاتٍ مستقلةٍ كالعلل لعلي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) (١).
إذًا فعلم المصطلح في هذه المرحلة عبارة إمّا عن أنواع مستقلةٍ، في كتب متفرقةٍ، ومختلفةٍ، وأمَّا عن قواعد مبثوثة في كتب الحديث على اختلاف نوعية تصنيفها.
المرحلة الرابعة:
جمع قواعد المصطلح في كتاب واحد:
وتبتدأ هذه المرحلة من متصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع، عكف العلماء في هذه الفترة على كتب السابقين في قواعد الحديث والتي كانت التجربة الأولى في تدوين مصطلح الحديث، فجمعوا تلك القواعد المنثورة، والمتفرقة، والمستقلة بالتأليف في كتاب واحد، فأول من صنف تلك القواعد مجموعة هو:
١ - القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي (ت ٣٦٠ هـ)، في كتابه العظيم "المحدث الفاصل بن
стр. 24
الراوي والواعي"، قال عنه الحافظ الذهبي: ". . . ما أحسنه من كتاب، قيل: إنّ السِّلفي كان لا يكاد يفارق كمّه، يعني في بعض عمره" (١).
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة شيخه إبراهيم بن أحمد التنوخي: "وقرأت عليه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي لأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن. . . وهو أول كتاب صنّف في علوم الحديث في غالب الظن، وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه، لكن هذا جمع ما جمع في ذلك في زمانه ثم توسعوا في ذلك (٢).
وقال عنه في النزهة: "لكنه لم يستوعب" (٣).
قلت: وقول الحافظ هذا لا ينقص من قدر الكتاب شيئًا لأنَّ أي كتاب يبتدأ به علم من العلوم لابد وأن يعتريه النقص، ولكن من يجيء بعده يتمم ما فاته، وهكذا حتى يبلغ العلم إلى الكمال والنضج
وقال الدكتور نور الدين العتر: وهو أكبر كتابٍ وضع في علوم الحديث حتى ذلك العصر. . . (٤).
стр. 25
والكتاب جعله مصنفه في سبعة أجزاء متساوية الحجم تقريبًا، وقد حفظ لنا الرامهرمزي فيه نصوصًا تفرد بها، ولم ينقلها أحدٌ سواه (١).
يتكلم الرامهرمزي ﵀ في هذا الكتاب عن فضل الناقل لسنة رسول اللَّه ﷺ ، وفضل الطالب لها، والراغب فيها، والمستن بها، والنية في طلب الحديث، وأوصاف الطالب وآدابه والعالي والنازل، وصيغ التحمل، . . . وعن التبويب والتصنيف، وغير ذلك من أبواب المصطلح (٢).
وقد طبع الكتاب في مجلد ضخم بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، طبعته دار الفكر ببيروت سنة ١٣٩١ هـ.
٢ - ثم تلاه في التصيف الحاكم أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه ابن البيّع النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) في كتاب سماه: "معرفة علوم الحديث". ذكر ﵀ في مقدمة الكتاب سبب التأليف فقال: "إني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال، والإغفال، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث، مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، والمواظبون على كتابة الآثار، وأعتمد في ذلك سلوك الاختصار، دون الإطناب في الإكثار، واللَّه
стр. 26
الموفق لما قصدته، والمانّ في بيان ما أردته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم" (١).
وقد ذكر الحاكم اثنين وخمسين نوعًا من أنواع علوم الحديث، قال ابن حجر: لكنه لم يهذب، ولم يرتب (٢)، وقد ذكر العلماء أن الحاكم فاته أمران في الكتاب:
١ - استيعاب أنواع الحديث.
٢ - تهذيب العبارات، وضبطها حتى يتضح المراد من التعريف (٣).
وقال طاهر الجزائري: "فيه فوائد مهمة، رائعة، ينبغي لطالبي هذا الفن الوقوف عليها. . . "، ثم لخصه في كتابه: "توجيه النظر" (٤)،
стр. 27
وقد ذكره أيضًا ابن خلدون في مقدمته، وامتدحه وزكاه كثيرًا (١).
وقد طبع الكتاب في مجلد بتحقيق: معظم حسين، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن بالهند سنة (١٣٨٥ هـ).
٣ - ثم تلاه أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) فعمل على كتابه (مستخرجًا) (٢)، وأبقى أشياء للمتعقب (٣)، وقد سمّاه الذهبي باسم: "علوم الحديث" (٤).
وقال الشيخ علي بن سلطان القاري: "زاد أبو نعيم على الحاكم أشياء، واستدرك عليه ما فاته" (٥).
٤ - ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي (ت ٤٦٣) (٦)، فألف كتابًا في قوانين الرواية سماه: "الكفاية في قوانين الرواية"، استوفى فيه البحث في قوانين الرواية،
стр. 28
وأبان فيه عن أصولها، وقواعدها الكلية، ومذاهب العلماه فيما اختلفت آراؤهم (١).
وقال الكتاني في كتابه: هو غايةٌ في بابه (٢).
والكتاب يحتوي على مائةٍ وأربعين بابًا -مما صرَّح بتسميته بابًا- وأما ما لم يصرح بتسميته "بابًا" فهو تسعة وعشرون (٣).
ومما ذكره في مقدمة الكتاب من أسباب التأليف، ومقاصد الكتاب قوله: "وأنا أذكر بمشيئة اللَّه تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب سلف الرواة والنقلة في ذلك ما يكثر نفعه، وتعم فائدته، ويستدل به على فضل المحدثين، واجتهادهم في حفظ الدين، ونفيهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين. . . إلخ" (٤).
وقد طبع الكتاب طبعتين، الأولى بالهند تحت إدارة جمعية دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، سنة ١٣٥٧ هـ، وأشرف على تصحيحه مجموعة من العلماء، ثم طبع ثانية بمطبعة السعادة
стр. 29
بمصر بتحقيق وتعليق الأستاذين: عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن حسن محمود.
٥ - الإلماع إلى معرفة أصول الرواية، وتقييد السماع (١) للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ). وهو كتاب لطيف (٢)، مختصر مفيد جدًا (٣).
ذكر القاضي عياض الباعث له على تأليفه، ومادة كتابه باختصار، وأنَّ راغبًا رغب إليه في تلخيص فصول في معرفة الضبط، وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها، وما يصح وما يتزيف، وما يتفق من وجوهها، وما يختلف (٤)، والكتاب مهم جدًا في موضوعه، قد اعتنى المصنف ﵀ فيه بأنواع التحمل، وأطلق فيها قلمه، وأمعن فيها النظر، واستقصى الكلام عن الإجازة خاصة، وما يتعلق بها، حتى إنه قال عن هذا الضرب من ضروب الرواية:
(وقد تقصينا وجوه الإجازة بما لم نسبق إليه، وجمعنا فيه تفاريق -المجموعات، والمسموعات، والمشافهات، والمستنبطات) (٥)،
стр. 30
والكتاب يتألف من مقدمة، وتسعة عشر بابًا.
وقد طبع الكتاب سنة ١٣٨٩ هـ، بتحقيق السيد أحمد صقر ونشرته دار التراث بالقاهرة، والمكتبة العتيقة بتونس.
٦ - إيضاح ما لا يسع المحدث جهله أو ما لا يسع المحدث جهله (١)، لأبي حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي (ت ٥٨٠ هـ).
وهو جزء صغير (٢)، ورسالة مختصرة (٣).
ولم يسلك المصنف فيها طريقة التبويب، وإنما سردها سردًا بدون ذكرٍ لأبواب أو فصول، غير أنه ذكر في أثنائها اسم بابين فقط، وهما: (باب اللحن)، (وباب من يُروى عنه ومن لا يُروى عنه)، وموضوعات الكتاب مرتبةٌ كالتالي:
مقدمةٌ تشتمل على الحض على العلم، وبعض طرق التحمل، وصيغ الأداء، رواية الحديث بالمعنى، باب اللحن، باب من يروى عنه ومن لا يُروى عنه، مراتب الحديث الصحيح، صفته، شروطه، عدد أحاديث صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وموطأ مالك، المكثرون
стр. 31
في الرواية من الصحابة، تعريف كل من أنواع الحديث: الحسن، المشهور، الفرد، الغريب، الشاذ، المسند، المرسل، الموقوف، المنقطع، المقطوع، المعضل، ثم طفق يسرد الأحاديث بدون سند، وأكثرها ضعيف، وبعضها موضوع (١).
وقد طبعت هذه الرسالة لأول مرة يغداد سنة ١٣٨٧ هـ بشركة الطبع والنشر الأهلية، بتحقيق وتعليق: صبحي البدري السامرائي، وقدم لها بمقدمة تعادل حجم الرسالة أو تزيد.
بعد هذا العرض والرد لأوائل الكتب المؤلفة في علم مصطلح الحديث، نلاحظ أنَّ من أبرز روّاد هذه الفترة الأولى للتأليف في هذا العلم جماعة هم: الرامهرمزي، والحاكم، والخطيب، قاضي عياض، وتعد كتبهم من أوائل المصادر التي اعتمدها المتأخرون واستفادوا منها، إلا أنّ طابع الجمع في هذه التأليف بارز ظاهر (٢)؛ الجمع للقواعد المتفرقة المنثورة، في مباحث مستقلةٍ، وكتب منفردةٍ لمن تقدم ذكرهم من المحدِّثين ولكنها خطوة مهدت السبيل لمن بعدهم، ويسرت سبل الجمع الرتيب، والتنسيق الدقيق، وذلك على يدي الحافظ أبي عمرو بن الصلاح.
стр. 32
٧ - علوم الحديث أو مقدمة ابن الصلاح (١).
للحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (ت ٦٤٣ هـ).
جاء الحافظ ابن الصلاح في أوائل القرن السابع فوجد تلك الكتب المؤلفة في المصطلح، والتي جمعت من القواعد الاصطلاحية الحديثية الشيء الكثير، فنظر إليها نظرة الناقد البصير، وأعمل فيها فكره المستنير، واستخرج من البحار اللآليء والدرر المنتثرة فيها، فعمل منها عقدًا منظومًا، متناسقًا، رتيبًا.
وقد ذكر ابن الصلاح في كتابه هذا خمسةً وستين نوعًا، ولمقدمة ابن الصلاح ميزات على كتب من سبق، من أهم هذه الميزات ما يلي:
стр. 33
١ - الاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء، وقواعدهم، من أقوالهم المأثورة عنهم.
٢ - أنه ضبط التعاريف التي سبق بها، وحررها، وأوضح تعاريف لم يصرح بها من قبله.
٣ - أنه عقّب على أقوال العلماء بتحقيقاته، واجتهاداته.
٤ - تهذيب عبارات السابقين، والتنبيه على مواضع الاعتراض فيها (١).
وصدق قول النووي فيه حيث قال: "هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر فيه: "جمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور، فهذّب فنونه، وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب؛ واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له، ومختصر، ومستدرك عليه، ومقتصر، ومعارض له، ومنتصر" (٣).
стр. 34
فممن نظم مقدمة ابن الصلاح: الحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في ألف بيت، وسمّاها التبصرة والتذكرة، كما قال هو عنها ﵀:
نَظَمْتُهَا تَبصِرَةً لِلْمُبتَدِي ... تَذكِرَة لِلْمُنْتَهِي وَالمُسْنِدِ
زاد فيها زيادات نافعة على مقدمة ابن الصلاح كما قال:
لخَّصْتُ فِيْهَا ابنَ الصّلاحِ أجْمَعَهْ ... وَزِدتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ (١)
وقد تولى ﵀ شرحها بنفسه في شرحين، مطول ومختصر، قال هو نفسه ﵀ عنهما: "وشرعت في شرح لها -أي للألفية- متوسط، بسطته، وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط غير مفرط، ولا مفرط، يوضح مشكلها ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعةً إلا فيه. . " (٢).
وقد سار في ترتيب الأنواع في النظم وفي الشرح على نهج وترتيب ابن الصلاح في أغلب الأنواع، وقدَّم وأخَّر في بعض الأنواع كالمرفوع والمرسل، وقد أكمل الشرح يوم السبت التاسع والعشرين في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وسبعمائة (٣).
стр. 35
هذا وقد طبع الشرح المختصر باسمين مختلفين، فقد طبع طبعتين: طبعةٌ بالقاهرة باسم "فتح المغيث" بعناية محمود ربيع، وطبعةٌ أخرى بالمغرب باسم: "التبصرة والتذكرة" بتحقيق وتعليق: محمد بن الحسين العراقي الحسيني، وليس اسم الشرح، وإنما هو اسم المنظومة نفسها، كما تقدم آنفًا عنه، وكما صرّح السخاوي بذلك أيضًا (١).
وكذلك شرح ألفية العراقي الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، بشرح جامع نافع، أبدع فيه إبداعًا كبيرًا، ويتميز هذا الشرح بالدقة، وقوة العبارة، وبتحرير مسائل الخلاف في المصطلح، وقد طبع طبعتين إحداهما بالمكتبة السلفية بالمدينة بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، وهي طبعة كاملة في ثلاثة مجلدات، والثانية بالهند بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، في مجلد واحد، وهي غير كاملة وصل فيها إلى أول مبحث المقابلة، وكلتا الطبعين مملوءتان بالتصحيفات والأخطاء.
وممن نظمها أيضًا الحافظ السيوطي في قطر الدرر، وهي التي أقوم -بعون اللَّه تعالى وتوفيقه- بتحقيق شرحها، وهي ألف بيت، نظمها السيوطي في خمسة أيام، كما صرّح بذلك ﵀ حيث قال:
стр. 36
نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأيّامِ ... بِقُدْرَةِ المُهَيمِنِ العَلَّامِ (١).
وقد فاقت هذه الألفيةُ ألفيةَ العراقي، في الجمع والترتيب والتنسيق، لأنَّ العراقي ساير الأصل -مقدمة ابن الصلاح- ومعلوم أنَّ مقدمةَ ابن الصلاح لم ترتب على الوجه المطلوب (٢)، قال السيوطي:
فَائِقَةً ألفْيَّةَ العِراقِي ... فِي الجَمْعِ والإيجازِ واتِّسَاقِ (٣)
ولألفية السيوطي شروح عديدة، سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى في المبحث الخامس، من هذا القسم.
وممن اختصر (المقدمة) أيضًا الإمام النووي ﵀ (ت ٦٧٦ هـ) في كتابه: "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق" (٤)
والكتاب اختصر فيه المؤلف مقدمة ابن الصلاح، والتزم عبارته، ولم يضف شيئًا كثيرًا، إلا إضافات يسيرة وجيزة، وعلى الرغم من قلتها إلا أنها "هامةٌ ومفيدةٌ، واستدرك استدراكات على قلتها غاية في الجودة والإتقان" (٥).
стр. 37
ثم اختصر كتابه الإرشاد في: "التقريب والتيسير في معرفة سنن البشير النذير"، وقد قام بشرحه السيوطي في "تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي" (١)، وقد طبع التقريب طبعات عديدة (٢).
وممن اختصر معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح:
بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في كتابه: المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي (٣).
وقد تميَّز الكتاب بوحود زياداتٍ على أصله، وبحسن ترتيبه، وتنسيقه، وقد طبع الكتاب ضمن مجلة معهد المخطوطات، الجزء الأول والثاني، من المجلد الحادي والعشرين، من عام (١٣٩٥ هـ) بتحقيق الدكتور محيي الدين عبد الرحمن رمضان.
واختصره أيضًا الحافظ إسماعيل بن عمر المشهور بابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في كتابه: "اختصار علوم الحديث" (٤)، وهو نافعٌ، استدرك فيه ابن كثير على ابن الصلاح أشياء كثيرة، وتعقبه عليها، وقد شرحه أحمد محمد شاكر في شرح جيد سماه: "الباعث الحثيث"، وقد طبع المختصر وشرحه.
стр. 38
وممن نكت على المقدمة لابن الصلاح الحافظان العراقي (ت ٨٠٦ هـ) وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، فالعراقي في كتاب (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح) (١)، وقد ذكر العراقي في مقدمة كتابه هذا الباعث له على تأليفه فقال: ". . . إلا أنّ فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييدٍ وتنبيهٍ، فأردت أن أجمع عليه نكتًا تقيِّد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عيه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ، وترجيحه. . " (٢)، وقد فرغ من تبييض كتابه هذا يوم الأحد، الحادي والعشرين من ذي القعدة الحرام، سنة اثنتين، وثمانين وسبعمائة (٣).
وقد طبع الكتاب بتحقيق الشيخ محمد راغب الطباخ، وهي طبعة جيدة وعليها تعليقات مفيدة له سماها: المصباح، وطبع ثانية بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، ونشرته المكتبة السلفية بالمدينة، ولكنها طبعةٌ مليئةٌ بالأخطاء.
ونكت (٤) عليها الحافظ ابن حجر بكتابين كبير وهو (الإفصاح) أو
стр. 39
(النكت الكبرى)، وصغير وهو (النكت على كتاب ابن الصلاح) (١) وفيه فوائد جمة، وعلم غزير، ولم يكمله، وتبلغ نكته التي نكت بها على مقدمة ابن الصلاح مائة وتسعًا وعشرين نكتة (٢)، ولو كمل لجاء كتابًا جامعًا حافلًا، وقد قام بتحقيقه شيخنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في رسالةٍ تقدم بها لنيل الدكتوراة، وقد طبعته الحامعة الإسلامة بالمدينة في مجلدين.
وغير ذلك عشرات الكتب التي تابع العلماء فيها ابن الصلاح واستدركوا عليه، ورتبوا كلامه، وساروا في فلكه، ولكن لم يقلد العلماء ابن الصلاح فيما ذهب إليه في مقدمته في كل شيء من القواعد العلمية، بل اجتهدوا، وناقشوه في المسائل، فوافقوه تارة، أو خالفوه تارة.
* * *