← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7729

البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر - قسم 1 - ت الأندونوسي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأيّامِ ... بِقُدْرَةِ المُهَيمِنِ العَلَّامِ (١). وقد فاقت هذه الألفيةُ ألفيةَ العراقي، في الجمع والترتيب والتنسيق، لأنَّ العراقي ساير الأصل -مقدمة ابن الصلاح- ومعلوم أنَّ مقدمةَ ابن الصلاح لم ترتب على الوجه المطلوب (٢)، قال السيوطي: فَائِقَةً ألفْيَّةَ العِراقِي ... فِي الجَمْعِ والإيجازِ واتِّسَاقِ (٣) ولألفية السيوطي شروح عديدة، سيأتي ذكرها إن شاء اللَّه تعالى في المبحث الخامس، من هذا القسم. وممن اختصر (المقدمة) أيضًا الإمام النووي ﵀ (ت ٦٧٦ هـ) في كتابه: "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق" (٤) والكتاب اختصر فيه المؤلف مقدمة ابن الصلاح، والتزم عبارته، ولم يضف شيئًا كثيرًا، إلا إضافات يسيرة وجيزة، وعلى الرغم من قلتها إلا أنها "هامةٌ ومفيدةٌ، واستدرك استدراكات على قلتها غاية في الجودة والإتقان" (٥).

стр. 37

ثم اختصر كتابه الإرشاد في: "التقريب والتيسير في معرفة سنن البشير النذير"، وقد قام بشرحه السيوطي في "تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي" (١)، وقد طبع التقريب طبعات عديدة (٢). وممن اختصر معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في كتابه: المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي (٣). وقد تميَّز الكتاب بوحود زياداتٍ على أصله، وبحسن ترتيبه، وتنسيقه، وقد طبع الكتاب ضمن مجلة معهد المخطوطات، الجزء الأول والثاني، من المجلد الحادي والعشرين، من عام (١٣٩٥ هـ) بتحقيق الدكتور محيي الدين عبد الرحمن رمضان. واختصره أيضًا الحافظ إسماعيل بن عمر المشهور بابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في كتابه: "اختصار علوم الحديث" (٤)، وهو نافعٌ، استدرك فيه ابن كثير على ابن الصلاح أشياء كثيرة، وتعقبه عليها، وقد شرحه أحمد محمد شاكر في شرح جيد سماه: "الباعث الحثيث"، وقد طبع المختصر وشرحه.

стр. 38

وممن نكت على المقدمة لابن الصلاح الحافظان العراقي (ت ٨٠٦ هـ) وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، فالعراقي في كتاب (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح) (١)، وقد ذكر العراقي في مقدمة كتابه هذا الباعث له على تأليفه فقال: ". . . إلا أنّ فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييدٍ وتنبيهٍ، فأردت أن أجمع عليه نكتًا تقيِّد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عيه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ، وترجيحه. . " (٢)، وقد فرغ من تبييض كتابه هذا يوم الأحد، الحادي والعشرين من ذي القعدة الحرام، سنة اثنتين، وثمانين وسبعمائة (٣). وقد طبع الكتاب بتحقيق الشيخ محمد راغب الطباخ، وهي طبعة جيدة وعليها تعليقات مفيدة له سماها: المصباح، وطبع ثانية بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، ونشرته المكتبة السلفية بالمدينة، ولكنها طبعةٌ مليئةٌ بالأخطاء. ونكت (٤) عليها الحافظ ابن حجر بكتابين كبير وهو (الإفصاح) أو

стр. 39

(النكت الكبرى)، وصغير وهو (النكت على كتاب ابن الصلاح) (١) وفيه فوائد جمة، وعلم غزير، ولم يكمله، وتبلغ نكته التي نكت بها على مقدمة ابن الصلاح مائة وتسعًا وعشرين نكتة (٢)، ولو كمل لجاء كتابًا جامعًا حافلًا، وقد قام بتحقيقه شيخنا الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في رسالةٍ تقدم بها لنيل الدكتوراة، وقد طبعته الحامعة الإسلامة بالمدينة في مجلدين. وغير ذلك عشرات الكتب التي تابع العلماء فيها ابن الصلاح واستدركوا عليه، ورتبوا كلامه، وساروا في فلكه، ولكن لم يقلد العلماء ابن الصلاح فيما ذهب إليه في مقدمته في كل شيء من القواعد العلمية، بل اجتهدوا، وناقشوه في المسائل، فوافقوه تارة، أو خالفوه تارة. * * *

стр. 40

أسباب اختيار الموضوع

стр. 41

أسباب اختيار الموضوع ١ - في نهاية السنة المنهجية بالدراسات العليا، وعندما كنا نتلقى العلم مع إخوةٍ في اللَّه هم رفقة الدرب، وزملاء الطلب على شيخنا الفاضل الشيخ/ محمود ميرة الحلبي كان مما اقترحه عليا من مواضيع في المصطلح هو شرح ألفية السيوطي المسمى: بـ (البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر) فوافق هذا الاقتراح هوًى في النفس حيث كنت يومها متشوقًا لحفظ ألفية السيوطي، فوقع كلامه موقعه في قلبي فشرعت مستعينًا باللَّه لتحقيق البحر. ٢ - لأنَّ الكتاب يتعلق بعلم مصطلح الحديث الذي به يعرف الصحيح من السقيم، والمعلول من السليم، وعلم المصطلح من أهم الوسائل لحفظ حديث رسوله ﵌، وروايته كما حدث به الرسول الكريم ﷺ ، وقد دعا النبي ﷺ بالنضارة لمن سمع مقالته فأداها كما سمعها (١)،

стр. 42

فلعلني أحظى بدعوة نبينا ﵌ فأكون من الفائزين بتحقيق مثل هذا الكتاب. ٣ - القيمة العلمية للكتاب حيث إنه شرح لألفية السيوطي، الألفية التي ذاع صيتها، واشتهرت لدى العلماء والمتعلمين، وبهذا الشرح يقف القارئ على مراد السيوطي من النظم، لأنّ رب الدار أدرى بما فيها، تم إنّ البحر يمثل آراء السيوطي في علم المصطلح التي استقر عليها، ولا يحاججني قارئ عجل فيقول: ولكنَّ للسيوطي كتابًا في المصطلح وهو: التدريب؟ ؟ فأقول: مما لا شك فيه أن البحر ألَّفه السيوطي بعد التدريب، وقد ضمنه من الزيادات ما ليس في التدريب -كما بينت ذلك بالتفصيل في الموازنة بينهما- بل وضمنه من الزيادات، ما ليس في كتب المصطلح الأخرى، وهي على قلتها إلا أنها مفيدةٌ، ومهمةٌ في نفس الوقت، وهي لبنةٌ توضع في تشييد صرح علم المصطلح الشامخ. ٤ - أنّ هذا الشرح -الذي تكلم يه السيوطي على سبعة عشر نوعًا ولم يكمله في أربعمائة ورقة- يعد موسوعة حديثية في مصطلح الحديث، تحتوي على أقوال العلماء في المصطلح إلى عصر السيوطي، بل أقول: لو كمل هذا الكتاب لعدّ أضخم كتاب يؤلف في علم المصطلح، وفي تحقيقه ونشره بعث له من الرمم، وإحياء له من العدم.

стр. 43

٥ - الوقوف على مصادر بعضها مفقود اليوم، وقد وقف عليها السيوطي واستفاد منها في البحر، بل ولخص وساق منها نصوصًا كثيرة، وفي هذا حفظ لتلك النصوص، كما أنّ في ذكره لتلك النصوص توثيقًا لها، وتصحيحًا لما وقع فيها من تصحيف في المطبوعات التي بين أيدينا، فلربما يصل إلينا نص غير واضح وقع في تصحيف فيأتي السيوطي وينقل من نسخة ذلك النص على صوابه. وهناك أمثلة على ذلك (١)، وإثباتًا لكتب كنا لا نظنها موجودة، مثل: النكت الكبرى لابن حجر. ٦ - الرغبة الشخصية في دراسة المصطلح دارسةً مقارنةً متأنيةً، عن طريق دراسة البحر، لاستخراج ما في بحر المصطلح من كنوز، بها يعرف المقبول من المردود من السنة. كما أن علم المصطلح علم حبب اللَّه إليّ منذ نعومة أظفاري، فما أحببت أن أسير في طريق السنة إلى اللَّه بغير تلك القواعد التي تساعدني على فهمها، وتوضح لي معالمها، وفي هذا نفع لي ولغيري، حتى إنني كنت أحقق أوراق البحث تم ألقيها بعد أيام لطلبة العلم بكلية الشريعة شرحًا وتوضيحًا للمنهج المقرر عندما كلفت بتدريس مادة المصطلح بها، فللَّه الحمد على ما أنعم وتكرم.

стр. 44

٧ - مكانة السيوطي ﵀ لدى العلماء والمتعلمين في العلوم الشرعية كلها وخصوصًا علم مصطلح الحديث، ومنزلته المرموقة فيه، ومشاركاته الجديدة في هذا الفن، وهو ممن أثرى المكتبة الحديثية بالكتب المؤلفة في علم المصطلح وغيره، فتحقيق هذا الكتاب إحياءٌ لذكراه، ﵀، وإحياءٌ لجهوده الجبارة التي بذلها في خدمة السنة عمومًا، والمصطلح على وجه الخصوص. ٨ - الرغبة الشديدة واكيدة مني في هذه المرحلة (الماجستير) أن أكتسب الخبرة بتحقيق المخطوطات، ولعلها أن تكون فاتحة خير في مستقبل الأيام إن شاء اللَّه تعالى لخدمة: تراث الأمة الإسلامة، ونفض غبار الزمن المتراكم عليه عنه. * * *

стр. 45

ثانيًا: ترجمة السيوطي

стр. 46

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قيَّض اللَّه لحديث رسوله ﷺ حفاظًا ثقاتٍ وعلماء مخلصين، حفظوا سنة نبيه ووعته عقولهم، فقاموا جادِّين بخدمتها والعناية بها وجمعها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومعلولها من سليمها، وذبّ الكذب عنها، ونشرها بين الناس والدعوة إليها حتى قال قائلهم: مُنايَ منَ الدُنْيَا عُلُومٌ أَبُثُّهَا ... وَأَنْشُرُهَا فِي كلِّ بادٍ وحَاضِرِ دُعَاءٌ إلى القُرآنِ والسُنَنِ التي ... تَناسَى رجالٌ ذِكْرَها في المَحَاضرِ (١) ومن هؤلاء الحفاظ الأعلام لحديث رسول اللَّه ﵌ ومن المحدثين المبرزين المعنيين بهذا الشأن، الذين نفع اللَّه بعلومهم عامة، وبعلم الحديث خاصة، ومن الذين أثروا المكتبة الحديثية، وجددوا ما اندرس من علم الحديث ذلك العالم العلامة والبحر الفهم الحافظ المصري السيوطي، الذي كان من "أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبًا، ومتنًا، وسندًا، واستنباطًا للأحكام منه" (٢).

стр. 47

وشهرة السيوطي تغني عن أن يقوم طويلب علم مثلي فيترجم للسيوطي، إذ كيف يعرِّف بالبحر كالسيوطي -القائل عن نفسه: . . . . . . . . . ... علمي كبَحر منِ الأمْوَاجِ مُلتَطِمِ (١) والقائل: "لو شتت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللَّه، لا بحولي ولا بقوتي" (٢) -، مثلي ولكن أسوةً بالعلماء المعاصرين، وبطلبة العلم الباحثين في مثل هذه الرسائل فإنني أحببت أن أجلي بعض الجوانب من حياة السيوطي وأركز على الجانب الحديثي من حياته ومسيرته العلمية، وأنقل ومضات من حياة ذلكم العالم الفذ نستنير بها في مسيرتنا العلمية، وتكون مدخلًا لدراسةٍ حديثيةٍ. * * *

стр. 48

اسمه ونسبه جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر بن فخر الدين عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام بن الكمال بن ناصر الدين المصري الخضيري الأسيوطي (١) الطولوني الشافعي (٢)، وكان يلقب: بابن الكتب (٣) أيضًا. وينتهي نسبه إلى أسرة فارسية (٤)، وكانت هذه الأسرة تعيش قبل قدومها إلى مصر في حي "الخضيرية" في الجانب الشرقي من بغداد (٥) واستقر بها المقام في أسيوط قبل مولد السيوطي.

стр. 49

ولكن السيوطي يعود في مقامته التي تسمى "بطرز العمامة" فينفي عنه هذه السنة العجمية فيقول: "ووالدي من خيار العرب، لأنه من سلالة الصحابة. . . " (١). قال أحمد الشرقاوي: "عساه أن يكون بحث في نسبه فحقق ما خالف الرواية عن أبيه في كونه ينحدر من أصل عجمي" (٢). وأما أمه فهي عجمية بيقين كما ألمح هو في مقامته "طرز العمامة" إلى أنَّ أصلها من الجركس (٣)، بينما ذكر الذين ترجموا له أنها أم ولد تركية (٤). "والأسيوطي أو السيوطي" هي نسبته البلدية، نسبة إلى مدينة "أسيوط"، قال عنها السيوطي نفسه في كتاب "لب اللباب": "الأسيوطي بضم أوله والتحتية، وسكون السين، إلى أسيوط. ويقال: سيوط، بلد بصعيد مصر.

стр. 50

قلت: فيهما خمسة أوجه: ضم الهمزة، وكسرها، وإسقاطها، وتثليث السين المهملة (أي بضم السين، وفتحها، وكسرها) " (١)، وتقع غربي النيل في صعيد مصر، وهي أكبر مدن الصعيد، وأهمها من الناحية الإدارية والتجارية (٢). * * *

стр. 51

مولده، ونشأته، ودراسته ولد السيوطي ﵀ بعد المغرب ليلة الأحد، مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة (٨٤٩ هـ) (١). "هيأ اللَّه للسيوطي من أسباب النجاح في الحياة ما جعله آيةً في العلم، ونابغةً من نوابغه، أغرم به منذ صغره، فقد جاء اللَّه ﵎ بمزيد من النبوغ المبكر، وأنبته نباتًا حسنًا في وسطٍ علمي عريق" (٢). حُمل السيوطي في حياة أبيه إلى الشيخ "محمد المجذوب" فبَّرك عليه (٣). وأحضره والده قبل موته وهو صغير مجلس الحافظ ابن حجر (٤) فشملته إجازته (٥). ثم توفي والده بعد ذلك وقد بلغ من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وكان قد وصل إذ ذاك في القرآن إلى سورة التحريم (٦)،

стр. 52

فنشأ يتيمًا، وأسند والده وصايته إلى نفر من كبار علماء عصره منهم العلامة "كمال الدين بن الهمام"، فحفظ القرآن وكان دون الثامنة، ثم حفظ العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، وبدأ الاشتغالَ بالعلم على وجه التحديد ابتداءً من ربيع الأوّل سنة أربع وستين وثمانمائة -أي كان عمره آنذاك خمس عشرة سنة- ولازم الشيوخ من مبدأ طلبه للعلم فأخذ (الفقه) عن "سراج الدين البلقيني" وعن ولده "علم الدين"، و (الفرائض) عن "الشارمساحي" و (التفسير) عن "الشرف المناوي"، وفي (العربية) و (الحديث) عن "تقي الدين الشمني" و"محيي الدين الرومي" وعن غيرهم كثير (١)، يحدثنا عن طرف من هذه البداية العلمية الموفقة فيقول: "شرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي. . . قرأت عليه في شرحه على المجموع، وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته: شرح الاستعاذة والبسملة (٢). . . " (٣).

стр. 53

وبالنسبة لنشأته الحديثية، نجد السيوطي ﵀ تتلمذ في الحديث على كبار علماء عصره في الحديث وغيره، قرأ عليهم أمهات كتب الحديث وكتب المصطلح من هؤلاء تقي الدين الشبلي (١)، وتقي الدين بن فهد (٢)، وشمس الدين السيرافي قرأ عليه صحيح مسلم، وسعد الدين المرزباني مما قرأه عليه: ألفية العراقي، والتقي الشمني، قرأ عليه شرحه على نخبة الفكر، قال الغزى: قرأ عليه من الحديث وعلومه كثيرًا، وقاسم بن قطلوبغا (٣) وغيرهم، وسيأتي مزيد تفصيل في مبحث شيوخه وتلاميذه. * * *

стр. 54

شيوخه وتلاميذه كان من حسن حظ السيوطي أن عاش في عصر كثر فيه العلماء الأعلام الذين نبغوا في علوم الدين على تعدد ميادينها (١)، مما كان له كبير الأثر في ثقافة السيوطي، وسعة اطلاعه. ذكر السيوطي عدد شيوخه في كتابه حسن المحاضرة فقال: "وأما مشايخي في الرواية سماعًا وإجازةً فكثير أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه وعدتهم نحو مائة وخمسين" (٢). وذكر تلميذه الداودي في ترجمته أنهم واحد وخمسون شيخًا، وقد رتبهم على حروف المعجم. وقال ابن العماد الحنبلي (٣): إنهم بلغوا مائة وواحدًا وخمسين شيخًا. ونقل عنه تلميذه الشعراني في ذيل طبقاته الصغرى (٤) أنه قال: "أخذت العلم عن ستمائة نفس، وقد نظمتهم في أرجوزة".

стр. 55

وللسيوطي كتابٌ جمع فيه أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم مع ترجمةٍ موجزةٍ لكل منهم سمَّاه: المنجم في المعجم (١)، وقد بلغ عددهم فيه ثمانية وتسعين ومائة شيخ (٢). وذكر الخونساري (٣): أنّ السيوطي أخذ عن غالب علماء عصره، وبلغ مجموع شيوخه نحو ثلاثمائة شيخ. وهذا اختلاف كبير، ولعل ما ذكره الشعراني عنه من العدد هو مجموع شيوخه رجالًا ونساء، وما ذكره الداودي هم خاصة شيوخه، وأما من ذكرهم السيوطي في حسن المحاضرة فهم شيوخه في الحديث كما صرّح هو نفسه بذلك (٤). وجل شيوخه الذين ذكرهم في "المنجم" مصريون، وفيهم كثير من المكيين، والمدنيين، والشاميين، وشيخ حلبي واحد، هو العلامة "محمد بن مقبل" (ت ٨٧١ هـ) (٥). وقد انتهج السيوطي منهجًا سديدًا في التلقي من الشيوخ -عمومًا- ويمكن تقسيم منهجه إلى قسمين:

стр. 56

١ - أنه كان يختار شيخًا واحدًا يجلس إليه ويلزمه فترةً من الزمن وقد يلازمه إلى أن ينتقل الشيخ إلى رحمة ربه. ٢ - أنه لم يحصر نفسه في شيوخ معينين لا يأخذ العلم إلا عنهم على الرغم من أنه كان شافعي المذهب (١)، فنراه يأخذ عن (عز الدين الحنبلي) (ت ٨٧٦ هـ) (٢)، و (أمين الدين الأقصرائي الحنفي) (ت ٨٨٠ هـ) (٣). ولم يكتف بعلم من العلوم، بل ضرب في كلٍّ بحظٍّ وافر قال ﵀: "رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو والمعاني، والبيان، والبديع" (٤). هذا المنهج في التلقي عن المشايخ منهجٌ سليمٌ جدًّا، يدل على عدل وإنصاف، وسعة أفق، وبراءة من وصمة التعصب. ولم يكتف السيوطي ﵀ بالرجال من الشيوخ بل تتلمذ على أيدي كبريات النساء الفقيهات المحدثات المعاصرات له مثل: أم الهنا المصرية، وعائشة بنت عبد الهادي، وسارة بنت السراج ابن جماعة، وزينب بنت الحافظ العراقي، وأم الفضل بنت محمد

стр. 57

المقدسي، وأم هاني بنت الهوريني، وأم الفضل بنت محمد المصرية وغيرهن كثير (١) ممن كان لهن أبلغ الأثر في ثقافة السيوطي الحديثية. وقد حرص السيوطي على أن يسجل أسماء مشايخه الذين أخذ عنهم العلم، فصنف فيهم خمسة مصنفات وهي: ١ - حاطب ليل وجارف سيل. ٢ - زاد المسير في الفهرست الصغير. ٣ - أنشاب الكتب في أنساب الكتب. ٤ - المنتقى وهو المعجم الصغير. ٥ - المنجم في المعجم (٢). وبالنسبة لتلاميذه، فقد كان لتصدي السيوطي ﵀ للتدريس في وقت مبكر من حياته أثره في تخريج تلامذة كُثْرٍ على نمطه وَسَمتِه فقد ابتدأ التدريس سنة ست وستين وثمانمائة (٣)، واستمر في التدريس والتعليم إلى آخر عمره، حيث اعتزل الإفتاء والتدريس،

стр. 58

وألف كتابين في ذلك: ١ - المقامة اللؤلؤية في الاعتذار عن الإفتاء والتدريس (مطبوع) (١). ٢ - التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس (٢)، وكانت كثرة تلاميذ السيوطي من أهم العوامل التي ساعدت على حفظ تراثه ونقله إلينا (٣). ومن أبرز تلاميذ السيوطي وأشهرهم: ١ - شمس الدين أبو الحسن محمد بن علي الداودي، كتب لشيخه ترجمةً حافلةً في مجلد ضخم (مطبوع) (ت ٩٤٥ هـ) (٤). ٢ - شمس الدين محمد بن علي بن طولون (ت ٩٥٣ هـ) (٥) أطلق عليه أحمد تيمور: سيوطي الشام، لمشابهته شيخه السيوطي في كثرة التصانيف (٦). ٣ - الحافظ شمس الدين محمد بن يوسف الشامي الصالحين الدمشقي (ت ٩٤٢ هـ) (٧).

стр. 59

٤ - ومؤرخ مصر محمد بن أحمد بن إياس (ت ٩٣٠ هـ) (١) ٥ - والحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن العلقمي. (ت ٩٦١ هـ) (٢). ٦ - وعبد القاهر بن محمد الشاذلي المصري الشافعي. (ت ٩٣٥ هـ) (٣)، وغيرهم كثير. * * *

стр. 60

رحلاته الرحلة في طلب العلم، وفي كتابة حديث رسول اللَّه ﵌ منهج التزمه المسلمون، والتزمه المحدثون خاصة منذ عهد الرسول ﵌، فقد كانوا يقطعون الفيافي والقِفَار، وتمر عليهم الأيام الطويلة، وهم يرتحلون من بلدة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر في سبيل هذا العلم الشريف، ولهدف سماع حديث رسول اللَّه ﵌ وَكتبِهِ، وقد سار السيوطي (١) ﵀ على هذا السنن، فقد رحل إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور (٢)، وجاب مدن مصر، فتجده قد رحل إلى الفيوم، والإسكندرية، ودمياط، والمحلة، ونحوها، وكتب عن جماعة: كالمحيوي بن السفيه

стр. 61

والعلاء بن الجندي الحنفي، ثم سافر إلى مكة من البحر في ربيع الآخر سنة (٨٦٩ هـ) (١)، فحج وشرب من ماء زمزم لأمور منها: أن يصل في الفقه إلى مرتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى مرتبة الحافظ ابن حجر (٢)، فأخذ قليلًا عن المحيوي عبد القادر المالكي، وجاور سنة كاملة (٣). * * *

стр. 62

عقيدته أحب في هذا الفصل أن أستطرد شيئًا ما، لأهمية العقيدة أولا، ولأن أغلب المعاصرين المترجمين للسيوطي مروا على عقيدته مرور عجل، ولم يعيروها الاهتمام المطلوب، ولم يقفوا عندها وقفة أهل السنة تجاه كل دخيل ومستهجن على العقيدة، وبعضهم دافع عن عقيدة السيوطي، وبعضهم سكت ولم يتكلم (١). فمن المعاصرين الذين قاموا يدافعون عن عقيدة السيوطي: أ. د/ محمد جلال أبو الفتوح شرف قال: "هذه الأدلة النقلية العقلية -لأقوال ساقها عن السيوطي في الأسماء والصفات- تؤكد موقف السيوطي من التوحيد للَّه ذاتًا، وصفاتًا، وتنزيهًا له عن الشريك والضد والند، وتعبر عن انتماء السيوطي إلى مذهب أهل السنة، وخاصة الأشاعرة (٢) ". وهذا الكلام فيه أغاليط، فالأشاعرة مخالفون لعقيدة أهل السنة في مبحث الأسماء والصفات، والسيوطي واحد منهم.

стр. 63

فأقول: كان السيوطي -عفا اللَّه عنا وعنه- في العقيدة مفوضًا (١) أشعريًا، صوفيًا. فمما يدل على تفويضه في الأسماء والصفات، وأشعريته، أنّ له قصيدةً في التفويض قال فيها: فَوِّض أحَادِيْثَ الصِّفَاتِ ... ولا تُشَبه أو تُعطِّلْ إنْ رُمْتَ إلَّا الخَوْضَ في ... تَحْقِيق مُعْضِلَةٍ فأَوِّلْ إِنَّ المُفَوِّضَ سَالِمٌ ... مِمّا تَكَلَفَهُ المُؤَوِلْ والغريب في الأمر أنّ بعض من ترجم له كابن العماد في الشذرات (٢) والغزى في الكواكب السائرة (٣) عندما مروا على كلام السيوطي هذا استحسنوه، وجوّدوه! ! . والناظر في كتاب السيوطي:

стр. 64

"متشابه الحديث" يرى أشعرية السيوطي، وكيف أنه أعمل مذهب الأشاعرة بالتأويل الباطل في أسماء اللَّه وصفاته. وأما ما يدل على تصوفه فهو شيء كثير من ذلك، أنه قال في حسن المحاضرة: "أما جدي الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطريق، وسيأتي ذكره في قسم الصوفية" (١). وحينما توفي والد السيوطي، كان عمره خمس سنوات، قام على تربيته وكفالته صديق لأبيه من الصوفية، وشمله بعنايته ورعايته (٢). فلا يستغرب حينما يشب وينشأ السيوطي نشأةً صوفيةً. ومما يدل على بلوغه درجة رفيعة في التصوف عند الصوفية تدريسه، وإسماعه الحديث في "مشيخة التصوف" بتربة برقوق نائب الشام، التي بباب القرافة (٣).

стр. 65

ذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النبي ﷺ يقظة، فقال لي: يا شيخ الحديث، فقلت له: يا رسول اللَّه أمن أهل الجنة أنا؟ قال: نعم، فقلت: من غير عذاب يسبق؟ فقال ﷺ : لك ذلك، وقال له الشيخ عبد القادر: قلت له: يا سيدي كم رأيت النبي ﷺ يقظة؟ فقال: بضعًا وسبعين مرة! ! (١). قلت: وهذا -إن ثبت عن السيوطي- فهو من تلبيسات إبليس على أهل العلم، وإلا فما كان السيوطي ولا أمثاله أفضل من صحابة رسول اللَّه ﵌ وعلى الرغم من ذلك ما رآه أحد بعد موته يقظةً! ! . وقال أيضًا: "حُملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي" (٢).

стр. 66

وقال في حسن المحاضرة: "فن الأصول والبيان والتصوف -وذكر كتبًا عديدةً منها-". ١ - تأييد الحقيقة العليّة (١)، وتشييد الطريقة الشاذلية (٢). ٢ - الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدل (٣). ٣ - المعاني الدقيقة في إدراك (٤) الحقيقة (٥). وألف رسالتين أيضًا يبرّيء فيهما ابن عربي -مُنَكَّرًا- وابن الفارض مما نسب إليهما سمَّى الأولى: ٤ - تنبيه الغبي إلى تبرئة ابن عربي (٦).

стр. 67

والثانية سماها: ٥ - قمع المعارض (١) في نصرة ابن الفارض (٢). على الرغم من حكم كثير من علماء السلف عليهما بالكفر والزندقة (٣). وكذلك يزعم أنه كان يخطو خطوات وهو بمصر فإذا به ينتقل إلى مكة، فيطوف بالكعبة ويصلي بها (٤). إلى غير ذلك من الخرافات والأساطير التي لا تؤيدها ولا تشهد لها عقيدة الإسلام النقية الخالصة المبرأة من ترهات المتصوفين، ومن ادعاءات المبطلين، وهذه الخرافات والبدع مما شوّه وجه الإِسلام المشرق الوضّاء النقي، وجعل المسلمين في دبر أمم الأرض، وصيرهم

стр. 68

أذلةً بعد عزةٍ ومَنعَةٍ بالعقيدة الإلهية الربانية السليمة المنزلة على نبينا محمد ﵌، ونحن وإن كنا نستفيد من السيوطي ومن مؤلفاته، إلا أننا في هذه الأمور العقدية التي زلّ فيها السيوطي، وأخطأ فيها خطأ فادحًا تجاه العقيدة الإِسلامية لا نوافقه عليها، بل نَحْذَرُها، ونُحَذِّرُ منها. والذي يندي له الجبين، أنَّ من حول السيوطي من الناس كوالدته تأثروا به في عقيدة التصوف والخرافة وتابعوه عليها، ومما يدل على ذلك أمور عملت من قبلهم بعد وفاته هي من مظاهر الوثنية، ومن عادات الخرافية، التي هي من أسباب نقمة اللَّه على العباد، ومن أسباب رفع البركة من الأرض، ومن أسباب رفع النصر، وحلول العذاب بأهل الأرض، فماذا صنع الآخذون عن السيوطي بعد وفاته، والمتأثرون به، والمقلدون له في العقيدة؟ -والتقليد فيها من البلايا والطامات-: ١ - بنوا على قبره قبة (١). ٢ - عمل له بعض الأمراء صندوقًا من خشب، وسترًا أسود مطرزًا بالأبيض يآية الكرسي.

стр. 69

٣ - بنت والدته على قبره بناء. ٤ - وقصد ضريحه للزيارة من سائر الأقطار للتبرك به من العلماء والأمراء. ٥ - كان الناس يقيمون له حضرة (١) كل أسبوع. ثم اقتصروا على عمل مولد له كل عام في نصف شعبان في مدينة أسيوط (٢)، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. * * *

стр. 70

تصدية للفتيا تصدى السيوطي ﵀ للفتيا من مستهل سنة إحدى وسبعين وثمانمائة (١)، وذلك بعد أن استوى عوده وصلب في شتى أنواع العلوم، وكثر الطلاب من حوله، وانهالت عليه الأسئلة من كل مكان، فبدأ يفتي ويجيب، حتى إنَّ السخاوي قال عنه: "ولو جيء إليه بفتيا وهو مشرف على الغرق لأخذها ليكتب عليها" (٢). ومن ثَمَّ كثرت أجوبته وفتاواه، وكتابه "الحاوي" فيه "اثنتان وثمانون فتيا معنونة، وفيه عدا الفتاوى المعنونة زهاء أربعمائة فتيا مغفلة من العناوين، أجاب بها في شتى الموضوعات المختلفة (٣). وظل يفتي إلى آخر عمره إلى أن اعتزل الإفتاء والتدريس، وذلك حين انقطع عن الناس في مسكنه بالروضة، وكتب رسالة "التنفيس" (٤).

стр. 71

خصوم السيوطي وموقفه منهم قضى السيوطي فترةً من عمره في خصومةٍ حاميةٍ مع بعض أقرانه من أهل العلم، حيث تألبوا عليه، وطعنوا في طباعه، ومواهبه، وعلمه ومؤلفاته، وتحاملوا عليه، ورموه بما ليس فيه، فقام السيوطي يكيل لهم الصاع صاعين، وأطلق فيهم لسانه وقلمه، ولم يدع لهم مثلبةً إلا أظهرها، ولا نقيصةً إلا كشف عنها. "وأصبح في عصر السيوطي معسكران، معسكر يقوده السخاوي، ويضم شمس الدين محمد الجوجري (ت ٨٨٩ هـ)، وبرهان الدين إبراهيم بن الكركي (ت ٩٢٢ هـ)، وأحمد بن محمد القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) وأحمد بن الحسين بن العليف المكي تلميذ الجوجري (ت ٩٢٦ هـ)، وغيرهم، وأما المعسكر الآخر الذي يقوده السيوطي فيضم الشيخ زين الدين القاسم الحنفي (ت ٨٧٩ هـ)، والعلامة أمين الدين محيي الأقصرائي (ت ٨٨٠ هـ). والشيخ فخر الدين عثمان الديمي (ت ٩٠٨ هـ) (١). هذه الخصومات التي وقعت بين السيوطي وبين أقرانه جعلته يؤلف

стр. 72

كتبًا ورسائل ومقامات يؤيد بها مذهبه، وآراءه، من هذه الرسائل: ١ - الكاوي على تاريخ السخاوي. ٢ - الدوران الفلكي. ٣ - الجواب الزكي عن قمامة ابن الكركي. ٤ - القول المجمل في الرد على المهمل. ٥ - الاستنصار بالواحد القهار. ٦ - نزول الرحمة في التحدث بالنعمة (مطبوع). ٧ - طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة. ٨ - الرد على من أخلد إلى الأرض (مطبوع). ٩ - مسالك الحنفا (مطبوع). ١٠ - تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء (١) (مطبوع). وأشد ردود السيوطي على خصومه تمثلت في ردين: أحدهما: عام، ينطبق على جميع خصومه وحاسديه، وهو كتاب: نزول الرحمة.

стр. 73

والآخر الخاص الذي رد به على السخاوي هو: الكاوي، وأقزع فيه الهجاء والتنقص للسخاوي حتى قال عنه فيه: إن السخاوي جاهل متمخرق ... لا يرعوي عند الصواب إذا أثر فإذا أشرت إلى كذوب أحمق ... فإلى السخاوي فهو كذاب أشر وقد تراجع بعض خصوم السيوطي عن عدائه، واعتذروا إليه كما حدث للقسطلاني، وذلك حينما اعتزل السيوطي الناس، ولزم بيته، توجه إليه القسطلاني حافيًا إلى مسكنه في جزيرة الروضة (١)، قاطعًا المسافة الطويلة بين القاهرة وجزيرة المقياس (٢)، وهو على هذه الحال، ودق على السيوطي بابه، فقال للطارق: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني، جئت إليك حافيًا ليطيب خاطرك، ولكنّ السيوطي لم يفتح له الباب، واكتفى بالرد عليه قائلًا: قد طاب (٣). وقد نتج عن هذه الخصومات بين السيوطي وخصومه أن قام كل فريق بتأييد رأيه وقوله بالمؤلفات والرسائل. وعلى كل حال فما حدث بين الفريقين هو من باب كلام الأقران في بعضهم، وهو وإن كان غير معتبر، إلا أن كثيرًا من العلماء دافعوا

стр. 74

عن السيوطي فيما هوجم به (١)، وأنا أقول: كان الأولى لأولئك العلماء أن ينزِّهوا العلم عن مثل هذه الخصومات، وأن يوسعوا صدورهم لبعضهم، وأن يدفعوا بالتي هي أحسن، ولا مانع من أن تكون هناك مناقشات علمية هادئة ورسائل وردود ما دام الحق هو الغاية والهدف المنشود، على أن تكون الردود خالية من السباب والشتائم، وما يتنافى مع الأخلاق النبوية الكريمة، ورحم اللَّه الجميع. * * *

стр. 75

المناصب التي تولاها السيوطي السيوطي رحمه اللَّه تعالى فضّل منصبًا يكون فيه قريبًا من العلم والتعليم، فلم يجد إلا التدريس والإفتاء، ولذلك نجده تقلب في مناصب عديدة أغلبها كان "التدريس" ولكن حينما بلغ الأمر إلى المنافسة وإلى الحسد وإلى القيل والقال في شأن هذه المناصب، ترك السيوطي كل ذلك، وانصرف للتأليف والتصنيف. ١ - أول منصب تولاه السيوطي هو: أنه أجيز بتدريس العربية في مستهل عام (٨٦٦ هـ)، والذي أجازه هو شيخه تقي الدين الشمني (١). ٢ - ثم تولى وظيفة التدريس "بالجامع الشيخوني" وقد ورثها عن والده، وقرر له ذلك الشيخ علم الدين البلقيني، وحضر تصديره الذي ألقاه عند تعيينه وجلوسه، وذلك سنة (٨٦٧ هـ) (٢). ٣ - ورث عن والده وظيفة التدريس "بالجامع الطولوني" (٣)،
следующие страницы →