Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح الأصول الثلاثة - المقدمة
بدأ المصنف رحمه الله تعالى في كتابه الأصول الثلاثة بمقدمتين يمهد بهما الأصول الإسلامية التي سيذكرها، وهاتان المقدمتان اشتملتا على أهم المسائل الواجب على العبد تعلمها ومعرفتها، وهي: العلم والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، ثم بيان الغاية من خلق الإنسان، وهي العبادة، وأنه ما خلق الإنسان عبثاً.
стр. 2
تعريف بكتاب الأصول الثلاثة ومؤلفه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذا الدرس سنقرأ إن شاء الله رسالةً من مؤلفات الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذه الرسالة رسالة عظيمة كثيرة الفوائد ألفها ﵀ لبيان ما يحتاج إليه كل مؤمن ومؤمنة، وكل مسلمٍ ومسلمة، وسمى هذه الرسالة (ثلاثة الأصول) ، وهي معروفة بهذا الاسم، أو باسم (الأصول الثلاثة) ، بين فيها ما يجب معرفته مما يتعلق بالله ، ومما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومما يتعلق بدين الإسلام، وأكثر من ذكر الأدلة في ثنايا هذه الرسالة المباركة ليتبين بذلك أن ما يدعو إليه منبثق من الكتاب والسنة، وأنه معتمد عليهما، لاسيما أن الشيخ ﵀ واجه في دعوته خصوماً ألداء شنعوا عليه وعابوا ما جاء به من دعوة المرسلين، وألصقوا به تهماً عديدة، ولكن الحق أبلج، والباطل لجلج، فمهما كانت هذه الدعاوى فإنها تتساقط وتتلاشى أمام الحجج والبراهين، وليست المسألة إلا دعاوى فارغة عن مضمونها لا تستند إلا إلى هوى صاحبها أو انحرافه، فكل من ناوأ هذه الدعوة لم يأتِ بشيء يستند إليه ويعتمد عليه فيما ذهب إليه.
فالمهم أن هذه الرسالة رسالة لطيفة موجزة، يحتاج إلى العلم بها كل مسلم، وقد رأينا أن نقرأها عل الله أن ييسر ختمها؛ لينتفع بها الإخوة القارئون لهذه الدروس، ويرجعوا بمتنٍ من متون العلم، ورسالة من الرسائل المتعلقة بما هو أهم مطلوب من المؤمن، وهو إفراد الله بالعبادة.
стр. 3
الأربع المسائل التي يجب على الأمة تعلمها
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه الأصول الثلاثة: [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأُولَى: الْعِلْمُ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] .
قَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ.
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ والعمل) ] .
стр. 4
رفق المؤلف بالمستمع وحرصه على تعليمه
افتتح الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذه الرسالة المباركة بالبسملة كسائر رسائل أهل العلم ومؤلفاتهم، وذلك تأسياً بكتاب الله ، واتباعاً لسنة النبي ﷺ ، وجرياً على ما سلكه سلف هذه الأمة من التيمن بالبداءة بذكر الله جل وعلا واسمه .
والبسملة؛ الكلام عليها معروف ومتكرر، وجعل بين يدي رسالته ومقصوده من بيان الأصول التي يجب تعلمها مقدمتين: المقدمة الأولى: بين فيها ما يجب على كل أحد تعلّمه، وهذه مقدمةٌ تمهيدية يحثّ فيها مطالعَ هذه الرسالة على لزوم الصراط الذي يكفل له النجاة، فهي تمهيد وتوطئة لما يريد بيانه في هذه الرسالة، فقال ﵀: [اعلم رحمك الله] ، وهذا من لطفه وحسن تأليفه ورفقه بمن يتعلم، فدعا للمتعلّم سواءٌ أكان قارئًا أم مستمعاً بالرحمة، وهذا منهج مهم وطريق لابد من التنبه إليه، وهو أن يكون المعلِّم والداعية إلى دين الله شفيقاً رحيماً، وأن يشعر من يدعوه أنه يريد به الخير والهدى، ويريد أن يخرجه من الظلمات إلى النور؛ فإن هذا الأسلوب من أسباب قبول الدعوة، ومن أسباب قبول العلم، ولذلك قال الله جل وعلا في رسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ، وينبغي أن يكون الداعية إلى دين الله رءوفاً رحيماً، كما قال الله جل وعلا في حق نبيّه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، فهذا وصفه الذي وصفه الله به، ولذلك أسر القلوب ﷺ ، وانقادت له الأفئدة قبل الأبدان.
قال ﵀: [اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أربع مسائل] فهذه مسائل من العلم العيني الذي يجب على كل أحدٍ؛ لأن العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: علم عيني يجب على كل أحدٍ تعلمه.
والقسم الثاني: علم كفائي يجب على من تقوم بهم الكفاية تعلمه.
وضابط العلم العيني هو: ما لا يقوم دين المرء إلا به سواءٌ في العقائد، أو في الأعمال، أو في الأقوال.
فما لا يستقيم دينك إلا به يجب عليك أن تتعلمه مما يتعلق بعلوم الاعتقاد أو مما يتعلق بالعمل أو مما يتعلق بالقول.
стр. 5
المسألة الأولى: العلم
يقول ﵀ في بيان هذه المسائل الأربع: [الأولى: العلم] ثم بين ما هو العلم الذي يجب تعلمه على كل أحد فقال: [وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة] .
فمعرفة الله واجبة على كل أحد، وهي أمر جبلت عليه القلوب، وفطرت عليه الأفئدة، فالناس مفطورون مجبولون على التعبد لله ، ولا يمكن أن يعبدوه إلا إذا عرفوه، فبكمال المعرفة يحصل كمال العبودية، فكلما ازداد العبد علماً بالله ومعرفةً به ازداد عبوديةً له ، والعلم بالله والمعرفة به أصل العلوم والمعارف؛ لأن العلم به يتحقق مقصود الوجود، والمقصود من الخلق، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وسيأتي تفصيل ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.
الثاني: معرفة نبيه، والمقصود بالنبي هنا: هو نبينا محمد ﷺ ، وذلك أن معرفة النبي ﷺ بها يعرف الشرع؛ لأنه الرسول الذي أرسله الله إلى الناس بشيراً ونذيراً، فيجب معرفة النبي ﷺ ، ومعرفته تكون من خلال سنته، ومن خلال الدلائل الدالة على صدقه وعلى صحة ما جاء به.
الثالث من المعارف -كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى-: معرفة دين الإسلام بالأدلة.
والمقصود بدين الإسلام أي: العمل الذي جاء به الإسلام من أحكامه وشرائعه العينية، وذلك في الأصول التي يجب على كل أحدٍ أن يقرّ بها حتى يكون مؤمناً، وهي ما تضمنه حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمداً رسول الله -وهذان تقدما-، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) .
فهذه أصول الأعمال في دين الإسلام، فيجب معرفتها بالأدلة، ومعرفة هذه الأعمال تختلف درجتها باختلاف حال الناس، فالصلاة يجب معرفتها على كل واحدٍ من أهل الإسلام، وأما الحج فإنه لا يجب معرفته تفصيلاً إلا على من أراد أن يحج ممن استطاع؛ لأنه واجب على المستطيع فقط، فالمعرفة لدين الإسلام تتفاوت وتختلف باختلاف أحوال الناس.
стр. 6
المسألة الثانية: العمل بالعلم
المسألة الثانية: (العمل به) .
والضمير في قوله: [به] عائد إلى العلم، وذلك أن العلم إنما يراد للعمل، فمن كان علمه عوناً له على العمل فقد حقق المقصود من العلم وطلبه، ومن كان مقصوده من العلم جمع المعلومات وتكثيرها لا للعمل به فيخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] ؛ لأنه حجة على صاحبه كما قال النبي ﷺ : (القرآن حجة لك أو عليك) ، وإنما يكون حجة عليك إما بالإعراض عنه وعدم رفع الرأس به، وإما بالإقبال عليه دون العمل بما تضمنه من الأحكام والتوجيهات، فهو حجة على من قرأه وحفظه ثم هجره في عمله وقوله واعتقاده.
стр. 7
المسألة الثالثة: الدعوة إلى العلم والعمل
المسألة الثالثة: (الدعوة إليه) والضمير يعود إلى المتقدم من العلم والعمل، وذلك أن النبي ﷺ أرسله الله بالهدى ودين الحق، والهدى: هو العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح وإليهما دعا رسول الله ﷺ ، فدعا إلى العلوم النافعة، ودعا إلى الأعمال الصالحة التي هي ثمرة العلم، فالدعوة إليه تعود إلى الأمرين المتقدمين.
стр. 8
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى
المسألة الرابعة: (الصبر على الأذى فيه) يعني: في العلم والعمل والدعوة إليه، فالضمير يعود إلى جميع ما تقدم، فالإنسان بحاجةٍ إلى أن يصبر حتى يتعلم، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليعمل، وبحاجةٍ إلى أن يصبر ليدعو، والصبر في الأصل هو حبس النفس عن محبوباتها ومنعها من ذلك، والصبر -أيها الإخوة- شأنه عظيم، ولذلك أكثر الله جل وعلا من الأمر به، والثناء على أهله في كتابه، فما من خلةٍ حميدةٍ ولا خصلةٍ فاضلةٍ ولا خلقٍ كريم ٍولا سجايا صالحةٍ ولا أعمال برٍّ وحسناتٍ إلا ومنشؤها الصبر، ولذلك كان الصبر أفضل ما يوفق إليه العبد، قال النبي ﷺ : (وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) .
ومعلوم أن العلماء قسموا الصبر إلى ثلاثة أقسام: الأول: الصبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله.
وأفضلها وأشرفها وأكبرها منزلةً هو الصبر على طاعة الله، والفضل لها جميعاً ثابت، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥] ، فينبغي للمؤمن أن يحرص على تحقيق الصبر في جميع هذه الأمور.
стр. 9
الدليل على المسائل الأربع الواجب تعلمها
بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من ذكر هذه المسائل الأربع التي يجب تعلمها على كل أحدٍ قال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] .
وهذا هو الدليل على وجوب تعلّم هذه المسائل، وهذه السورة هي سورة العصر، افتتحها الله جل وعلا بالقسم بالزمان الذي هو محل الأعمال، فقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ الواو للقسم، والعصر هو المقسم به، والله جل وعلا يقسم بما شاء من مخلوقاته، فهو يقسم بنفسه وبصفاته وبأفعاله، ويقسم بما شاء من مخلوقاته، ومن ذلك القسم ما أقسم به هنا، حيث أقسم بالعصر وهو الزمان لبيان شرفه وعظم مكانته، ثم أتى بجواب القسم بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ، والإنسان هنا المراد به جنس الإنسان، فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف.
(لَفِي خُسْرٍ) الخسر: ضد الربح، أي: لفي خسارة كخسارة التجار في أرباحهم، وقال: (لَفِي خُسْرٍ) ولم يقل: (خاسر) ليبين إحاطة الخسر به من كل مكان، فإن (في) تفيد الظرفية، فالخسر محيط بالإنسان من كل جوانبه، وفي القسم على هذا الأمر، وفي تأكيده بـ (إنَّ) التي تفيد التوكيد في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ دلالة واضحة على عظم الأمر، وأن الله أراد من هذا القول: شحذ الهمم للانفكاك من أسباب الخسارة، والأخذ بأسباب النجاة؛ فإن الله بعد أن أقسم على هذا الأمر -وهو خسارة جنس الإنسان- بيَّن السبيل والطريق الذي يتخلص به الإنسان من هذه الخسارة.
والخسارة على درجات، فالخسارة المطلقة هي خسارة من خسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من ذلك، ودونها دركات كبيرة وكثيرة من الخسارة، لكن طريق النجاة موصوف وصفاً واضحاً بيناً في هذه السورة الكريمة في الاستثناء الذي ذكره الله في قوله: (إلَّاْ الَّذِينَ آمَنُوا) ، ولم يبين في الآية ما الذي يُؤمن به ليعم جميع ما يجب الإيمان به، فيكون المعنى: إلا الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمان به مما يتعلق بالله ، ومما يتعلق بملائكته، وما يتعلق بكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره وهل يمكن أن يتحقق الإيمان بلا علم؟ لا يمكن أن يكون إيمان بلا علم، فالإيمان فرع العلم وثمرته، ولذلك قال المؤلف ﵀ في المسائل التي تجب: الأولى: العلم ودليل العلم قوله تعالى: (إِلَّاْ الَّذِينَ آمَنُوا) ، والدلالة على هذا باللازم، فاستثناء الذين آمنوا يدل لزامًا على وجوب العلم، فهذه دلالة باللازم؛ لأنه لا يمكن أن يحصل إيمانٌ إلا بعلم، فمن لوازم الإيمان أن يكون صاحبه عالماً.
стр. 10
دليل وجوب العمل بالعلم
وقوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) هذا الوصف الثاني من الأوصاف التي علق عليها النجاة من الخسارة، والصَّالِحَاتِ تشمل كل عمل صالح ظاهرٍ أو باطن، واجبٍ أو مستحب، من حقوق الله أو من حقوق عباده، كل هذا يدخل في قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، وانظر كيف أخّر العمل عن العلم؛ لأنه لا يمكن العمل الصالح إلا بعد الإيمان الذي لا يحصل إلا بالعلم النافع.
стр. 11
دليل الدعوة إلى العلم والعمل
ثم بعد أن ذكر هذين الوصفين ذكر وصفاً ثالثاً -وهو دليل المسألة الثالثة التي يجب علينا تعلمها- وهو الدعوة إليه، قال: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي: أوصى بعضهم بعضاً بالحق، والتواصي بالحق من صور وأنواع العمل الصالح، وإنما نص عليه وذكره لأهميته وأثره في حصول النجاة، ولئلا يظن الظانُّ أنه باستكثاره من الأعمال الصالحة في نفسه يحصل له النجاة وإن أهمل من يجب عليه نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولذلك جاء النص على التواصي بالحق مع أنه من الأعمال الصالحة.
والتواصي بالحق يشمل أن يوصي الإنسان نفسه بالحق، ويأمرها بالمعروف، وينهاها عن المنكر، وكذلك يشمل أن يكون ذلك مع غيره ممن يعايشهم، سواءٌ أكانت له ولاية عليهم، أم لم تكن له ولاية عليهم، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق أهل الإيمان بعضهم على بعض.
стр. 12
دليل الصبر على الأذى
الوصف الرابع الذي تحصل به النجاة: قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، وأي أنواع الصبر؟ أنواع الصبر كلها، والتي هي الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله تعالى، وهذا الأمر في هذه الآية (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) داخل في الذي قبله، فإن التواصي بالصبر من التواصي بالحق، وخصه بالذكر لأهميته وعظم أثره في تحقيق النجاة والسلامة من الخسارة، وإن كان داخلاً مندرجاً فيما تقدم من العمل الصالح والتواصي بالحق، وبقدر ما يتصف الإنسان بما ذكر من الأوصاف في هذه السورة يحصل له بقدر ذلك من النجاة، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر، وإذا علم العبد المؤمن ذلك حرص أن يستكثر من هذه الصفات وأن يزداد منها؛ لأنه بها يحصل له الفوز والسلامة من الخسارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ، وهذه الآية واضحة الدلالة على ما تقدم من وجوب تعلم هذه المسائل، ووجه ذلك أن إنجاء النفس من الخسار واجب، وقد بين الله طريق ذلك، وهو ما تضمنه الاستثناء في قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ، فدل ذلك على وجوب تَعَلُّم هذه المسائل الأربع التي يتحقق بها للمرء السلامة في الدنيا والآخرة.
قال الشافعي ﵀: (لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم) ، وهذا لا يعني أن ما زاد على هذه السورة لا حاجة إليه، وإنما مراد الشافعي أن هذه السورة كافية شافية في بيان طريق النجاة، وإلا فأهل الإسلام بحاجةٍ إلى كل حرف نزل في كتاب الله ، ليس لهم عنه غنية ولا بهم عنه كفاية، بل هم محتاجون إلى كل حرفٍ في كتاب الله ، ولذلك كان من أعظم ما أصيبت به الأمة بوفاة النبي ﷺ هو انقطاع الوحي عن نبي الأمة، فمراد الشافعي ﵀ بقوله: (لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم) في بيان طريق النجاة والسلامة من الخسارة التي اتصف بها الإنسان.
стр. 13
تقديم الله للعلم قبل القول والعمل
ثم قال ﵀: [وقال البخاري ﵀: (بابٌ: العلم قبل القول والعمل] .
فلابد من العلم قبل العمل، وأيّ عملٍ لا يبنى على علم فهو لا يزيد صاحبه من الله إلا بعداً؛ لأنه إحداث وابتداع وضلال.
ثمّ قال: [ (والدليل - أي: على وجوب تقديم العلم على العمل - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ) ] .
سئل سفيان بن عيينة ﵀ عن فضل العلم فقال: ألم ترَ كيف بدأ الله بالعلم؟ يعني: في قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فيكفي في بيان فضل العلم أن الله بدأ به قبل العمل، فالواجب على المؤمن أن يحفل بالعلم، وأن يجتهد فيه، ويبذل فيه مهجته ووقته وعمره، وألا يبخل عليه بشيء؛ لأن العلم تزكو به الأخلاق، وتصلح به الأعمال، ويرفع الله به ذكر العبد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) .
والمراد أنه يرفع به من أقبل عليه وأخذ به حفظاً وعلماً وعملاً وتعلماً وتدبراً وغير ذلك مما يكون في كتاب الله .
قال: (فبدأ بالعلم قبل القول والعمل) ، وبهذا يكون الترتيب الذي ذكر المؤلف ﵀ ترتيباً دل عليه الكتاب وقول السلف؛ لأن قوله: [وقال البخاري] هذا في موضع الاستدلال على ترتيب هذه المسائل، أما أصل هذه المسائل فقد دل عليها الدليل من سورة العصر، وأما الترتيب فإنه جاء في قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ، وقول البخاري رحمه الله تعالى.
стр. 14
المقدمة الثانية في باب ما يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمه من المسائل
قال رحمه الله تعالى: [اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والْعَمَلُ بِهِنَّ: الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل:١٥-١٦] .
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] .
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]] .
هذه هي المقدمة الثانية التي قدم بها الشيخ ﵀ ذكر الأصول الثلاثة، وهو ذكْره ﵀ لمسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، وهو أيضاً بيان لأولى المراتب، في قوله: [الأولى: العلم] يعني: من أول ما يجب تعلمه على الإنسان هي هذه المراتب الثلاث التي ذكرها ﵀، حيث قال: [اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن] .
فليس العلم فحسب هو المطلوب، بل العلم والعمل معاً؛ لأن العمل هو المقصود.
стр. 15
الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَلَمْ يَتْرُكْنَا هملاً
قال ﵀: [الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار] .
ثم ذكر الدليل على ذلك.
أما: أن الله خلقنا فلا يرتاب في ذلك مؤمن، بل هذا مما فطر الله عليه الناس، وهو من مستلزمات وأفراد توحيد الربوبية، فالواجب الإقرار بأن الله هو الخالق، ولا يوجد أحد يعارض في هذا؛ فإن الجميع مقرون بأن الله خالق كل شيء، وكذلك الرزق، فهذا مما يجب الإقرار به في توحيد الربوبية؛ فإن توحيد الربوبية هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والرزق والملك والتدبير، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] ، فهذه الآية هي الدليل على أن توحيد الربوبية لا يثبت ولا يقر إلا بالإقرار بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، وهذا مما فطر الخلق عليه، وبدأ الشيخ ﵀ به تمهيداً لما بعده، وإلا فلا معارضة ولا خلاف بين الناس في الإقرار بأن الله هو خالقهم ورازقهم ومالكهم ومدبرهم.
ثم قال: [ولم يتركنا هملاً] ثم بين وجه ذلك فقال: [بل أرسل إلينا رسلاً] .
فإرسال الرسل دليل على عناية الله جل وعلا بخلقه، وأنه لم يتركهم هملاً لا يُقصَدُون بشيءٍ من العبادة، ولا يُطلب منهم شيء.
ثم بين ما الواجب تجاه من أرسلهم الله فقال: [فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النار] ، والطاعة هنا المراد بها: الطاعة في الجملة، أي: في أصل ما جاءوا به، وأما في أفراد ما جاءوا به فمن أطاعهم دخل الجنة واستحقها، ومن عصاهم استحق النار، لكن قد يدخلها وقد لا يدخلها، أما في أصل ما جاءوا به من التوحيد فإنه من أطاعهم فيه دخل الجنة، ومن عصاهم فيه دخل النار كما دلت على ذلك الأدلة.
قال: [والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ [المزمل:١٥] ، وهذا دليل على أن الله لم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ [المزمل: ١٥] ، والخطاب هنا لمشركي مكة الذين بعث فيهم النبي ﷺ وكذبوه وعاندوه، فخاطبهم الله بهذا الخطاب قائلاً: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ [المزمل:١٥] ، فهذا أمر ليس بجديد ولا محدث، ولستم ببدعٍ ممن سبق، بل جرت على هذا سنة الله أن يبعث إلى الناس من يدعوهم ويبصرهم بما يجب عليهم، وإنما نظَّر بفرعون لمشابهة مشركي مكة كفر فرعون؛ فإن فرعون كان كفره من جهتين: من جهة عبادة غير الله، ومن جهة الإباء والاستكبار، وكذلك الذين بُعث فيهم النبي ﷺ من مشركي مكة؛ فإنهم كانوا يعبدون غير الله، وكانوا يأنفون ويستكبرون عن اتباع النبي ﷺ ، حتى قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ، وذلك احتقاراً للنبي ﷺ ؛ إذ لم يكن من أعلى أشرافهم فيما زعموا، ثمّ قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل:١٦] أي: أخذاً شديداً ثقيلاً وهذا فيه التهديد لهم، وأنهم لن يتركوا هملاً، ولو كانوا متروكين هملاً لما أرسل إليهم رسولاً، ولما هددهم بهذا التهديد، وهو تهديد لكل من خالف الرسل فيما جاءوا به.
стр. 16
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ معه أحد في عبادته
قال رحمه الله تعالى: [الثانية -يعني: من المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها- أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨]] .
وجه الدلالة على أن الله لا يرضى بالشرك كائناً من كان المشرك به أن الله جل وعلا قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ هذا من جهة، ومن جهة أخرى تأكيداً لهذا التوحيد قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ فإثبات المساجد وهي محال العبادة لله وحده لا شريك له، وتعقيب ذلك بالنهي عن دعاء غيره دليل على أن الله لا يرضى أن يشرك معه غيره.
ويدل لذلك أيضاً قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] .
ودليل ذلك من السنة أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) .
وهذا دليل على أنه لا يرضى أن يشرك معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، فضلاً عن أن يشرك معه الأشجار والأحجار والأصنام، فإذا كان لا يرضى أن يشرك معه ملك وهو من أشرف الخلق ومن الخلق الغيبي الذي نعلمه، ولا نبيٌّ مرسل وهم أشرف جنساً من بني آدم فكيف بالإشراك معه غيره ممن هو دونهم؟! لا شك أن الله لا يرضاه بل يبغضه، وقد قال الله جل وعلا في بيان عقوبة من وقع منه الشرك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ، وهذا فيه التهديد البليغ البين على هذا العمل، وفيه بيان عظم الشرك، وأنه أمر خطير كبير لا يرضاه الله، وإلا فلما توعد عليه بهذا الوعيد الشديد العظيم من تحريم الجنة والإخبار بدخول النار.
стр. 17
الثالثة: حرمة موالاة من حاد الله ورسوله ﷺ
ثم قال ﵀ في بيان المسألة الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ فلا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، ولو كان أقرب قريب] .
هذا من أصول الإيمان، فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وذلك أنه إذا وقر الإيمان في قلب العبد أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله ؛ والله يحب التوحيد وأهله، ويبغض الشرك والكفر وأهله، فمن أحب أهل الشرك ووادّهم وتقرّب منهم فإنه قد حادّ الله ، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] ، والموالاة مأخوذة في الأصل من: (ولي الشيء) : إذا قرب منه والقرب يكون في الأصل بالقلب، ثم يتبعه قرب القول والعمل، والمنهي عنه هنا هو قرب القلب في المودة والمحبة، وقرب القول والعمل، ﴿إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨] ، وإلا من استثناهم الله في قوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] ؛ لأن هذا من جملة الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء.
فالبر والقسط مع الكفار ليس من الموادّة والموالاة التي حرمت، وهذه مسألة مهمة يجب التنبه لها؛ لأن المنهي عنه هو موالاة القلب لا البر والإحسان فيمن استثناهم الله في هذه الآية.
ثم قال المؤلف ﵀ في الاستدلال على هذه المسألة: [والدليل -أي: الدليل على أنه لا يجوز مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانَ أقرب قريبٍ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة:٢٢] ، وافتتاح الآية بهذا النفي فيه التشويق إلى معرفة ما تضمنه قوله: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ، والمحادّة هي الممانعة والمضادة لله جل وعلا ولرسوله، ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ أي: ولو كان أولئك المحادون آبَاءَهُمْ، أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ، أَوْ عَشِيرَتَهُمْ وهؤلاء متفاوتون في الصلة، إلا أنهم من أقرب من يتصل بهم الإنسان، وبدأ بمراتبهم الأقرب فالأقرب.
وقوله تعالى: (أولئك) المشار إليه هم الذين لا يوادّون هؤلاء، إذا كانوا محادّين لله ورسوله، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أي: ثبت ورسخ في قلوبهم الإيمان، ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾ أي: قواهم وأمدهم.
﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: بوحيه الذي به تثبت قلوبهم، وبعونه الذي يستطيعون به مواجهة هؤلاء.
فقوله تعالى: ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ يشمل المدد بالوحي من الكتاب والسنة، ويشمل أيضاً العون والتأييد والتقوية والنصر، وقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المجادلة:٢٢] ، هذا جزاؤهم؛ لأنهم قدموا محاب الله على ما تقتضيه طبائعهم، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة:٢٢] ، فأضافهم إليه تشريفاً وتكريماً وإجلالاً لفعلهم، وكل ما يضيفه الله لنفسه مما ليس من صفاته إنما المقصود به التشريف والتكريم، وقد يضاف الشيء إضافة خلقٍ، ولكن هذا قليل.
قال تعالى: ﴿ألا إن حزب الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، والفلاح أجمع كلمةٍ للخير في لسان العرب، وهي حصول المطلوب والأمن من المرهوب، فيحصل لهؤلاء مطلوبهم ويأمنون مما يرهبونه ويخافونه في الدنيا والآخرة.
стр. 18
بيان ملة إبراهيم الحنيفية
قال ﵀: [اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وَمَعْنَى (يعبدونِ) : يوحدونِ، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْه الشِّركُ، وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]] .
هذا التمهيد أيضاً للأصول الثلاثة، وهو بيان لدين الإسلام في الجملة؛ فإن دين الإسلام هو ملة إبراهيم، فقال ﵀: [اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إبراهيم أن تعبد الله وحده] والحنيفية التي كلٌ يتمنى أن ينتسب إليها، وكلٌ يسعى إلى الاتصاف بها هي ملة إبراهيم، وهي التي من رغب عنها فقد سفه نفسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] أي: خسرها وأهملها.
والدليل على أن ملة إبراهيم هي الحنيفية قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ، فملة إبراهيم هي الحنيفية التي جاء بها النبي ﷺ مجدداً لها، وداعياً إليها.
والحنيفية في الأصل؛ مأخوذة من: (حنف) ، وهو: الميل من الضلال إلى الاستقامة.
ويقابلها الجنف، وهو: الميل من الاستقامة إلى الضلال.
стр. 19
أمرا لله جميع الناس باتباع ملة إبراهيم
ثم قال في بيان مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: [أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا له الدين] ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] لا قولاً، ولا اعتقاداً، ولا عملاً، ولا حالاً، ولا مآلاً، فإنه ليس منهم في شيء، ولذلك قال في بيان ملة إبراهيم: [أن تعبد الله وحده] وأكد ذلك بقوله: [مخلصاً له الدين] أي: مُخَلِّصاً له العمل من كل شائبة شرك تجعل فيه لغير الله نصيباً، فقوله: [مخلصاً له الدين] أي: العمل والعمل عمل القلب والجوارح، وليس الجوارح فقط.
قال: [وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]] وهذا دليل على الغاية من الخلق، وبدأ في الاستدلال بالغاية لكون الله جل وعلا أخبر الخلق بأنه إنما خلقهم ليعبدوه، وليدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوه وحده لا شريك له، وإلا لما حققوا ما من أجله خلقوا، فهو دال على الأمرين: على أن هذا هو الغاية من الخلق، وعلى أن الله أمرهم به، بعبادته وحده .
وأما كون ذلك أمراً لجميع الناس فلأن هذا هو الغاية من خلق جميع الناس، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: إلا من أجل عبادته وحده، واللام هنا لام التعليل وليست لام العاقبة والصيرورة، لأنه من المعلوم أن أكثر الخلق ليسوا على هذا الأمر، ولم يحققوا هذه الغاية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] وقال تعالى -في سورة الشعراء في ذكر القصص-: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وكل هذه الأدلة تدل على أن اللاّم هنا لام التعليل الغائية، لا لام التعليل الفاعلة، أي: التي هي للعاقبة والصيرورة، وانظر كيف جاء الخبر عن هذه الغاية بأسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد الحصر، وأنه لم يخلقهم لشيء آخر، وإنما خلقهم لهذه الغاية.
стр. 20
معنى العبادة التي أمر الله بها
ثم قال ﵀: [ومعنى (يعبدون) : يوحدون] ، وذلك من تفسير ابن عباس ﵁، فإنه فسر قوله تعالى: (ليعبدون) بـ (يوحدون) ، ولاشك أن أول ما يدخل وأولى ما يدخل في قوله: (ليعبدون) هو التوحيد؛ لأنه هو غاية الوجود، وهو أصل العبادة الذي لا تصح إلا به، كما قال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ، فالشرك مفسد للعمل مذهب للغاية من الخلق، مبطل لما قصده الله جل وعلا من خلق الجن والإنس.
стр. 21
أعظم ما أمر الله به التوحيد
قال رحمه الله تعالى: [وأعظم ما أمر الله به التوحيد] ، ويدل على ذلك أن الله افتتح أول سورةٍ في كتابه بإثبات الإلهية في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] .
فذكر هذا الاسم في أول ذكرٍ له في كتابه جل وعلا -في أم الكتاب- دليل على أنه هو المقصود، وكذلك مما يدل على أن أعظم ما أمر الله به التوحيد: أنه أول أمر في كتاب الله ؛ فإن أول الأوامر في كتاب الله هو قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ، والعبادة لا يمكن أن تثبت، ولا يمكن أن يتصف بها الإنسان إلا إذا حقق التوحيد.
ودلائل كون أعظم ما جاءت به الرسل هو التوحيد كثيرة، وليس المقام مقام عدها وذكرها إنما يكفي ما ذُكر.
قال رحمه الله تعالى: [وهو إفراد الله بالعبادة] .
هذا بيان للتوحيد، وهو بيان لأشرف أنواعه وأعلاه، وهو توحيد الإلهية، وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، ولهذا فسر التوحيد بهذا ولم يفسره بتوحيد الربوبية، ولا بتوحيد الأسماء والصفات، إذاً: قوله ﵀: [وهو إفراد الله بالعبادة] تفسير وبيان لتوحيد الإلهية، ولم يفسر توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية؛ لأن هذا هو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل وأقوامهم، ولأنه أعظم أنواع التوحيد، ولأن من حققه فقد حقق توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات طريق وسبيل لتحقيق توحيد الإلهية، ولذلك استدل الله جل وعلا في كتابه على وجوب إفراده بالعبادة بأسمائه وصفاته، وبأنه الخالق المالك الرازق المدبر.
وقوله ﵀: [إفراد الله بالعبادة] العبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فكما أنه لا يجوز لك أن تصلي لغير الله فكذلك لا يجوز أن تذبح لغير الله؛ لأن الذبح عبادة، ولا يجوز أن تعتمد في جلب رزقك على غير الله ، ولا أن تتوكل على غيره، بل يجب إفراده بأعمال القلوب والجوارح.
стр. 22
أعظم ما نهى عنه الشرك
قال ﵀: [وأعظم ما نهى عنه الشرك] ، ثم بيَّن ما هو الشرك فقال: [وهو دعوة غيره معه] ، وعبر بالدعوة ليشمل نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فمن قال: يا رسول الله! أغثني، أو يا علي! أنقذني، أو يا فلان! ارزقني، فهذا يكون قد أشرك في دعاء المسألة، فسأل وطلب غير الله ، ومن ذبح لغير الله أشرك بدعائه غير الله، ولكن الدعاء هنا دعاء عبادة، وذلك أن كل من صلى وصام وحج وتصدق وذبح لله لا يريد بهذه الأفعال إلا الجنة، فهو في حقيقته داعٍ وسائل، يسأل الله أن يقبل منه العمل، وأن يجعله من الناجين بهذه الأعمال، فكل عمل هو من دعاء العبادة، فقول المؤلف ﵀: [وهو دعوة غيره] يشمل صرف كل نوع من أنواع العبادة لغير الله من الأعمال الظاهرة والباطنة.
ثم قال ﵀: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]] .
قوله تعالى: (اعْبُدُوا اللَّهَ) فيه أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تشمل كل ما أمر الله به ورسوله ﷺ من الأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، وقوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ يتضمن النهي عن كل صرفٍ عبادة لغير الله كائناً من كان، ويشمل النهي عن الشرك الأصغر والأكبر، فيشمل النهي عن الحلف بغير الله، كما يشمل النهي عن السجود لغير الله، وكذلك يشمل النهي عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله، وسؤال المقبورين ودعائهم، كل هذا داخل في قوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ، وهذا أمر واضح جلي، ولكن الإشكال كل الإشكال فيمن يقرأ هذه الآيات الواضحات في كتاب الله ثم يجيز سؤال المقبورين والتوجه إليهم بقضاء الحوائج والذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من العبادات التي تصرف لغير الله في كثير من البلاد، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشرك دقيقه وجليله.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 23
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الأول [١]
من الأصول التي يجب على العبد معرفتها، وأنه سيسأل عنها في قبره معرفة العبد ربه وعبادته له، ومعرفة الله تكون بآياته الشرعية ومخلوقاته الكونية كالشمس والقمر والنجوم والجبال وغيرها؛ فإن الخالق لهذه الأشياء هو الرب المستحق للعبادة والطاعة.
стр. 24
الأصل الأول: معرفة العبد ربه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه الأصول الثلاثة: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ، وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع وما فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف: ٥٤] .
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١-٢٢] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأشياء هو المستحق للعبادة.
بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من المقدمات التي في الدرس السابق أتى إلى مقصود هذه الرسالة وما أراده منها، وهو بيان الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان تعلمها، ولا نجاة له في الدنيا ولا في الآخرة إلا بمعرفتها وإتقانها، فبقدر أخذه لهذه الأصول علماً وعملاً يحصل له النجاة في الدنيا والآخرة.
قال ﵀: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ] ، فهذه ثلاث معارف هي الأصول التي سيدور عليها الكلام في بقية هذه الرسالة.
الأصل الأول: معرفة العبد ربه.
الأصل الثاني: معرفة العبد دينه.
الثالث: معرفة العبد نبيه محمداً ﷺ .
وإذا أردتَ أن تعرف الدليل على أهمية هذه الأصول، وأنها من الأصول التي تحصل بها النجاة للعبد إذا آمن بها وصدق، وعمل بمقتضاها، فاعلم أن فتنة القبر مدارها ومحورها على هذه الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فالفتنة التي هي في أول منازل الآخرة فتنة القبر، وسؤال القبر عن هذه الأصول الثلاثة؛ ولذلك اهتمّ الشيخ ﵀ بهذه الأصول، وأفردها بالتأليف، ليحصل للعبد النجاة في الدنيا والآخرة والأمن مما يخافه في مستقبل حياته الدنيوية.
стр. 25
معنى الرب
قال ﵀ بعد أن بين الأصول الثلاثة وبدأ بها واحداً واحداً: [فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ] ، ودليل هذا الآيات الكثيرة في كتاب الله التي تثبت ربوبية الله لجميع الخلق، فهو الرب .
ومعنى قوله: (رباني وربى جميع العالمين بنعمه) أي: أصلحني وأمدني وهيأ لي، فالرب يطلق في لسان العرب على المالك، وعلى السيد، وعلى من يقوم بالأمر، وعلى المصلح، كل هذه المعاني من معاني الرب، فربوبية الله لجميع الخلق هي قيامه بشئونهم، وتدبيره لأمر خلقه، فهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، لا غنى لأحد عن فضله، بل كل مخلوق تام الفقر إلى الله ، فقراً ذاتيًّا لازماً، لا يستطيع الانفكاك عنه، ولا الخلاص منه.
وقوله: (جميع العالمين) لبيان أن ربوبيته لا تختص بصنفٍ من الخلق، بل جميع الخلق مربوبٌ لله ، علويه وسفليه، كل ذلك مربوبٌ له ، لا يخرج عن رزقه ولا عن ملكه ولا عن تدبيره وتصريفه، ولا عن خلقه .
قال: (وهو معبودي) ، فبعد أن أثبت الربوبية العامة لكل مخلوق ولكل ما سوى الله ولجميع العالم، أثبت حق هذه الربوبية، وهو عبادته ، فقال: (وهو معبودي) يعني: وهو الذي أتقرّب إليه بالعبادة، وسيأتي بيان العبادة التي هي حقه .
قال: (ليس لي معبود سواه) ، وهذا تأكيد على ما دلت عليه الجملة السابقة من إفراده بالعبادة، فقوله: (وهو معبودي) ، يفيد الحصر لأن الجملة المعرّفَةَ الطرفين من أساليب الحصر في لغة العرب، فهو تعالى المعبود المستحق للعبادة، وأكد ذلك بقوله: (ليس لي معبود سواه) ، والدليل على ما تقدم من أنه هو الرب الذي ربى جميع العالمين وهو المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه؛ قول الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
فقوله: ((لِلَّهِ)) فيه الإثبات بأنه المعبود وحده لا شريك له، ففيه إثبات الإلهية له دون غيره، وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيه إثبات ربوبيته ، وإضافة الربوبية للعالمين هنا هي الربوبية العامة التي يندرج تحتها كل أحد.
стр. 26
معنى العالَم في قوله: (الحمد لله رب العالمين)
ثم قال ﵀: (وكل من سوى الله عَالَم) ، وهذا يفيد دخوله في قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فهو مربوب له ، فإذا قيل: ما المراد بالجمع هنا؟ فالجواب: المراد به الأفراد، والأجناس، والأنواع على اختلافها وتنوعها، فكل هذه الأصناف على اختلافها مما سوى الله فهي داخلة في العبودية له، وهي عبودية القهر التي لا يخرج عنها أحد، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السموات وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] ، فهذه العبودية هي عبودية القهر لا خروج لأحد عنها.
ثم قال: (وأنا واحد من ذلك العالم) ، واعلم أن العالم في قوله تعالى: (الْعَالَمِينَ) يشمل العوالم المكلفة، والعوالم غير المكلفة، والمكلفة هي التي وجه إليها الخطاب بالطلب، وغير المكلفة هي التي لم نعلم أنه وجه إليها طلب، وإنما عبادتها عبادة ذاتية، أي: تسبيح فطري لا تكليفي بأمر ونهي، والعوالم المكلفة فيما نعلم هم بنو آدم، والجن، والملائكة، فهؤلاء وجه إليهم الخطاب من رب العالمين، وطولبوا بأفعال ونهوا عن أشياء.
стр. 27
معرفة الله بآياته ومخلوقاته
ثم قال: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياته ومخلوقاته) .
هذا فيه الاستدلال على ربوبية الله ، واعلم أن الله قد أقام الأدلة الدالة على ربوبيته ، وأنه رب العالمين، أقامها بأنواعٍ مختلفة وصور متعددة في السموات والأرض والأنفس، فالآيات الدالة على ربوبية الله جل وعلا لا حصر لها.
وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه واحد فآيات الله الدالة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة دون غيره كثيرة لا حصر لها، وإنما ذكر المؤلف ﵀ بعض الآيات فقال: (بآياته ومخلوقاته) ، والآيات هنا الظاهر أن المراد بها الآيات الخلقية الكونية.
واعلم أن الآيات نوعان: آيات كونية خلقية، وآيات شرعية أمرية، فالآيات الشرعية هي ما تضمنته الشريعة من آيات الكتاب المبين، وما جاء في التوراة والإنجيل في الأمم السابقة، أما هذه الأمة فالآيات الشرعية لها هي ما في كتاب الله ، والآيات الكونية هي العلامات الدالة على الخالق ، وهي متنوعة كثيرة.
وقوله: (ومخلوقاته) هل هذا من عطف الشيء على نفسه أم من عطف المتغايرات؟ الظاهر أنه من عطف الشيء على نفسه لا من عطف المتغايرات؛ لأن المخلوقات آيات، فكل مخلوق من مخلوقات الله يدل على عظمة من خلقه ، فهذا عطف تنويع.
стр. 28
الآيات الدالة على وجود الله ومعرفته
قال: (ومن آياته) ، (من) هنا للتبعيض، وذكر المؤلف ﵀ الآيات الظاهرة البينة التي يدركها كل أحد، والتي تكرر لفت الأنظار إليها في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ .
فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ، وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا، كل هذه آيات دالةٌ على أن الرب هو الله جل وعلا، وأنه الرب لكل شيءٍ .
ثمّ ذكر الدليل على الآيات فقال: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧] ) فهذه الشمس الدوارة، وهذا القمر السيّار، والليل والنهار المتعاقبان، كلها دالة على ربوبية الله لخلقه.
قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت:٣٧] فنهى عن صرف العبادة لغيره؛ لأن السجود عبادة، والعبادة لا يجوز صرفها لغيره من المخلوقات، ولو كانت من المخلوقات العظيمة الباهرة، ولذلك قال: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت:٣٧] ، فأمر بالسجود لله الذي خلق هذه الآيات العظيمة وحده، فهو المستحق للسجود والعبادة، وذِكْرُ السجود هنا لا لحصره فيه، بل يشمل جميع ما يتقرب به إلى الله ، فليس المنهي عنه السجود فقط، ولا المأمور به في حق الله السجود فقط، بل المنهي عنه صرف كل نوع من أنواع العبادة من السجود وغيره، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧] ، أي: توحدون، فإن كنتم قد قمتم بحقه في توحيده وعبادته فإن من لازم ذلك أن تفردوه بالسجود له دون غيره، والمقصود من سياق هذه الآية بيان أن الشمس والقمر والليل والنهار من آيات الله الدالة على عِظَمِ الرب، وأنه رب كل شيء.
قال: [وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]] .
فذكر الله في هذه الآية خلقه للسماوات والأرض، وهما من المخلوقات العظيمة التي تردد ذكرهما في كتاب الله ، وذكر استواءه على العرش، والاستواء على العرش صفة من صفاته التي يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها المكذبون للرسل المخالفون لهم الممثلون المشبهون المقصرون في حق الله ؛ فإن تعطيلهم صفة الاستواء فرع عن تمثيلهم الاستواء الثابت لله بالاستواء المعلوم من المخلوق.
والعجيب أن الاستواء مع تكرر ذكره في كتاب الله إلا أن الفرق الضالة مطبقةٌ على إنكاره، إما إنكاراً كلياً كالجهمية، وإما إنكاراً بالتأويل الباطل، حتى إنه جاء عن جهم بن صفوان أنه قال: (وددت أن أحك من المصحف: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ) لضيق صدره بما تضمنته هذه الآيات من إثبات صفة الاستواء لله جل وعلا، وإنما ذكر الله استواءه لبيان عظيم فعله ، وعظيم ما يتصف به، قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: يزيل الليل بالنهار، والنهار بالليل.
وهذه الإزالة لا تحتاج إلى وقت، ولذلك قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف:٥٤] أي: هذا الغشيان -زوال الليل بالنهار، وزوال النهار بالليل- أمر يحصل بسرعة، ولذلك لا نجد توقفاً في الليل أو النهار، بل هما متعاقبان، يكور الله الليل على النهار والنهار على الليل، وهذا دال على عظيم صنع الله وقدرته , قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (مسخرات) أي: مذلّلاتٍ بأمره وتدبيره ، فسير القمر والنجوم والشمس دليل على عظمة المدبر لهذه الأجرام العظيمة؛ حيث إنه لا يختل سيرها ولا يتأخر: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] ، وهذا يدل دلالة واضحة على عظم إتقان الله لخلقه، ولذلك الآن -وقبل الآن- يستطيع أصحاب الحساب أن يخبروا بخسوف القمر وكسوف الشمس بالدقيقة والثانية، ومراحل الخسوف ودرجاته ومتى ينجلي، وتجد أن الأمر مطابق مطابقة تامة، وهذا يدلك على العظيم المدبر المسير المسخر لهذه الكواكب، حيث لا يتأخر سيرها ثانية واحدة، فهذه آيات عظيمة تدل على عظمة من خلقها ودبرها وملكها .
ثم بعد أن ذكر هذه الآيات العظيمة قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (ألا له) أي: لله جل وعلا، (الخلق) المراد به كل أمر قدري كوني، فجميع الحوادث الكونية القدرية ترجع إلى قوله: (له الْخَلْقُ) وجميع أوامره الشرعية ترجع إلى قوله: (وَالأَمْرُ) وبينهما فرق، فأوامره الخلقية غير أوامره الشرعية، فأمره لنا بالصلاة أمر شرعي، وأمره الشمس في سيرها بأن تغرب عن هذا البلد وتشرق على البلد الآخر أمر كوني.
والفرق بينهما: أن أمره الخلقي لا يمكن أن يتخلف، وأما أمره الشرعي الديني فقد لا يتحقق، ولذلك قال الله فيما يتعلق بأوامره الشرعية: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فهذا هو الفرق بين الأمر والخلق.
ثمّ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] و (تبارك) يفسرها كثير من أهل التفسير بقولهم: تعالى، وهو من معانيها، لكن تبارك أشمل من ذلك، فالمراد بـ (تبارك) أي: كثر خيره وبركته، ومن خيره وبركته اتصافه بصفات الكمال، وتنزهه جل وعلا عن صفات النقص.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: المسخر المدبر لهذه الآيات العظيمة الخالق لها.
стр. 29
الرب هو المعبود
ثم قال ﵀: [والرب: هو المعبود] .
بعد أن ذكر الآيات الدالة على ربوبية الله انتقل ليبين وجوب إفراده بالعبادة، وأن الرب هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فقال: [والدليل على ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٠-٢١] ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ للعبادة] .
وهذا وجه ذكر هذه الأشياء بعد الأمر بالعبادة، فكأنه يقول: إن المستحق للعبادة هو الموصوف بهذه الصفات، وهو المدبر الخالق المالك، وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على وجوب إفراد الله بالعبادة، وهو توحيد الإلهية.
واعلم: أن هذا أول أمر في كتاب الله ، فأول الأوامر في كتاب الله تعالى أمر الله تعالى عباده بإفراده بالعبادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] أي: لتحصل لكم التقوى، والتقوى هنا من عذاب الله وسخطه، ولأن العبادة هي سبب زيادة التقوى وقرارها في قلب العبد، ولذلك لم يذكر ما يتقى ليشمل الجميع، فقوله: (تَتَّقُونَ) لم يذكر فيه المعمول -معمول التقوى- هنا، وفائدة هذا هي التعميم.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 30
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الأول [٢]
أمرنا الله بصرف العبادة له وحده بجميع أنواعها، وكل مراتبها، سواء الإسلام أو الإيمان أو الإحسان، ومن أمثلة هذه العبادة على جهة الإفراد: الدُّعَاءُ وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالتَّوَكُّلُ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالْخُشُوعُ والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ سبحانه بها.
стр. 31
ذكر أنواع العبادة التي أمرنا الله بها
بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول رحمه الله تعالى: [وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالتَّوَكُّلُ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالْخُشُوعُ وَالْخَشْيَةُ وَالإِنَابَةُ وَالاسْتِعَانَةُ وَالاسْتِعَاذَةُ وَالاسْتِغَاثَةُ وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا؛ كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧] .
وَفِي الْحَدِيثِ: (الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ) ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ، وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ، وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ، َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ، وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] ، وَدَلِيلُ الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠] ، وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] ، وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، وفي الحديث: (إذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ) ، وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ، وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] ، ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] ، وَمِنَ السُنَّةِ: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ) ، وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧]] .
стр. 32
الأمر بمراتب الدين عموماً
قال ﵀: [وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان] .
هذا بداية تفصيل لما يجب إفراد الله به من العبادات.
وفهمنا من هذا أن المؤلف ﵀ لن يستوعب ذكر العبادات، إنما مقصوده التمثيل لأهمها، وبدأ ﵀ في ذكر العبادات بذكر أصولها، فأصول العبادات الإسلام والإيمان والإحسان، فكل العبادات ترجع إلى هذه الأنواع الثلاثة، فالإسلام ترجع إليه عبادات الجوارح والظاهر، والإيمان ترجع إليه عبادات القلب، والإحسان هو منتهى العبادة القلبية، فهذه الأمثلة الثلاثة هي مراتب الدين، ولذلك لما جاء جبريل وسأل عنها في حديث عمر ﵁ -في الحديث الطويل المشهور- قال رسول الله ﷺ في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) ، فوصف ما تضمنه الحديث بأنه أمر الدين، فالمهم أن هذه المراتب الثلاث هي مراتب الدين وأصوله.
ثم بعد ذلك فرّع المؤلف ﵀ أمثلةً فقال: (ومنه الدعاء) ، واعلم أن الدعاء في كتاب الله يطلق ويراد به دعاء العبادة، ويطلق ويراد به دعاء المسألة، فحيثما ذكر الله الدعاء فيصلح أن يكون دعاء العبادة، ويصلح أن يكون دعاء المسألة، إلا في مواضع فيراد به دعاء المسألة، كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] ، فهنا المراد بالدعاء دعاء المسألة فالدعاء والدعوة في كتاب الله يراد بها دعاء العبادة ودعاء المسألة، وأظن أن التفريق بينهما واضح، فدعاء العبادة هو كل عبادة يتقرب بها الإنسان لله ، ودعاء المسألة هو ما ينزله العبد بربه من الحوائج.
قال ﵀: [وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالتَّوَكُّلُ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالْخُشُوعُ وَالْخَشْيَةُ والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر] .
هذه الأمثلة منها ما هو عبادات قلبية وهو الأكثر والغالب، ومنها ما هو عبادات فعلية، ومنها ما هو عبادات قولية.
فمثل ﵀ لجميع العبادات: العبادات القلبية، والعبادات الفعلية، والعبادات القولية.
قال ﵀: [وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ الله بها، كلها لله تعالى] .
المؤلف ﵀ ذكر أمثلة للعبادة، والضابط الذي ينتظم جميع العبادات هو أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وهناك تعريف آخر وهو أسهل وأوضح، وهو أن يقال: العبادة كل ما أمر الله به ورسوله سواءٌ أكان أمرَ وجوبٍ، أم أمر استحباب، فإنه عبادة، ولذلك من الأحسن أن يضاف للتعريف الأول للعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (الواجبة والمستحبة) ؛ حتى يتضح أن العبادات لا تقتصر على الواجبات، بل حتى المستحبات داخلة في مسمى العبادة.
يقول ﵀ في الاستدلال لهذه الأمثلة التي ذكرها من العبادات -على وجه التفصيل-: [والدليل على ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨]] .
هذا دليل لجملة ما تقدم من العبادات، فكل عبادة يصح الاستدلال على عدم جواز صرفها لغير الله تعالى بقوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وقلنا: إن المساجد هنا جمع مسجد، وهو اسم مكان العبادة؛ فإن الله جعل أماكن العبادة مستحقةً له، وهذا يفهم منه أن ما يكون فيها يجب أن يكون له، ولذا أكد ذلك بقوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، وهذا يشمل النهي عن دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقوله: (أَحَداً) نكرة في سياق النهي فتفيد العموم كائناً من كان.
стр. 33
حكم من صرف شيئاً من العبادة لغير الله
قال ﵀: [فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر] .
لا إشكال في ذلك، فمن صرف أيَّ نوعٍ من أنواع العبادات لغير الله ولو أفرد بقية العبادات لله سبحانه وأخلصها له فإنه لا ينفعه، بل هو مشرك.
قال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]] هذا دليل على عدم جواز صرف العبادة لغير الله ، وأن من صرف شيئاً منها فقد كفر.
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ فالشرط في قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ جوابه في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ، وهذا فيه التهديد والوعيد لكل من دعا غير الله ، فمن يدعُ مع الله إلهاً آخر ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو حجراً، أو صنماً أو غير ذلك؛ فكل ذلك يدخل في هذه الآية، وفائدة قوله تعالى: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ﴾ : أنه وصف كاشف، وفائدة الوصف الكاشف زيادة البيان والتوضيح على هؤلاء الذين صرفوا العبادة لغير الله، بأنهم صرفوها بلا بينة ولا برهان، وفي هذه الآية قال: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ، ثم صرح بالحكم على هؤلاء فقال: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، فحكم عليهم بالكفر؛ لأن الخطاب فيمن دعا مع الله إلهاً آخر، فأخبر بأن حسابه عند ربه، وأنه لا يفلح الكافرون، فتبينت نتيجة الحساب، وهي عدم الفلاح، فنفى عنه تحصيل المطلوب والأمن من المرهوب.
وهذه الآية دالة، ووجه دلالتها على أن من صرف شيئاً فقد أشرك قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ ، فقوله: (إلهاً) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل مدعو، وتعم أيضاً كل دعاء، فالعموم في المدعو وفي الفعل أيضاً، وهو الدعاء، واعلم أنه يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ قاعدة مفيدة، فقال: (حيثما رأيت الله ذكر في كتابه دعاء الكفار والمشركين فاعلم أن المقصود به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة) ، فإذا ضبطت هذا الضابط واستحضرته أراحك فيما ذكره الله من الدعاء والدعوة عن المشركين في كتابه؛ فإن المقصود به دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة.
стр. 34
الاستدلال على أفراد العبادات
قال ﵀ في الاستدلال على أفراد العبادات التي مثل بها:
стр. 35
عبادة الدعاء ودليلها
[وفي الحديث: (الدعاء مخ العبادة) ] .
هذا الحديث رواه الترمذي من حديث أنس ﵁، وهو حديث متكلم فيه، وأصح منه -ويحصل به المقصود- في الاستدلال اللفظ الآخر، وهو قوله ﷺ : (الدعاء هو العبادة) ، وأدلة كون الدعاء عبادةً كثيرة واضحة.
قال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]] .
هذا فيه أيضاً الاستدلال على الدعاء في قوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) ، والدعاء المأمور به في الآية دعاء العبادة ودعاء المسألة.
فإذا كان دعاء عبادة فإن استجابته هي الإثابة من الله عليه.
وإذا كان دعاء مسألة فاستجابته حصول مقصود الداعي والإثابة عليه أيضاً؛ لأن كل من دعا ولو كان دعاؤه بأمر دنيوي فإنه يثاب على دعائه، فلو قال: اللهم ارزقني مركباً هنيئاً، وزوجةً صالحة، وبيتاً واسعاً، فهذه من أمور الدنيا مما يتمتع به في الدنيا، إذا سأل الله فإن استجابة الله له تكون بإثابته عليه، وهذا محقق لكل داعٍ.
الأمر الثاني: وهو حصول مطلوبه، فهذا قد يحصل وقد لا يحصل، بناءً على حكمة الله في تحقيق مطلوب العبد أو ادخار ذلك له في الآخرة أو دفع شرٍ عنه نظير ما دعا أو مثلما دعا.
وقوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] ، فقوله: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فيه دلالتان: الأولى: أن دعاء المسألة من العبادة، والثانية: أن المراد بالدعاء السابق في أول الآية ما هو أعمّ من دعاء المسألة، وهو دعاء العبادة.
стр. 36
عبادة الخوف ودليلها
قال: [ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]] .
واعلم أن الخوف الذي يجب إفراد الله به هو خوف السر، فهذا نهى الله عن صرفه لغيره، وخوف السر هو الخوف الذي يتقرب به الخائف للمخوف، ويتعبد به الخائف للمخوف، وذلك بأن يستحضره في الغيب والشهادة وفي السر والعلن، ولذلك سماه العلماء بخوف السر، أي: الخوف العبادي الذي يحمل الإنسان على فعل الطاعات وترك المنكرات، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر يحرِّم عليه الجنة، ويوجب له النار، فهذا النوع الأول من الخوف الذي نهي عن صرفه لغير الله .
النوع الثاني من أنواع الخوف التي نهى الله عنها عباده المؤمنين هو الخوف المقعد عن الطاعة أو الخوف الحامل على المعصية، فهذا الخوف ليس من الشرك، ولكنه معصية يعاقب عليها الإنسان، فإذا حمل الخوف الإنسان على ترك الجهاد مثلاً، أو حمله على ترك طلب العلم، أو حمله على عدم فعل ما يجب عليه فإنه معصية يأثم عليها، ولكن هل يكون قد قارف شركاً بهذا النوع من الخوف؟! لا ليس هذا من الشرك.
النوع الثالث من أنواع الخوف: الخوف الطبيعي، والخوف الطبيعي منه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمذموم، مثال الذي ليس بمذموم قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] في قصة موسى ﵇، فهذا الخوف ليس بمذموم؛ لأنه خوف مما يوجب الخوف، ويحصل منه الخوف عادة، أما الخوف الذي ينشأ عن الأوهام فإنه خوف مذموم، ومن الخوف ما يكون جبناً فإنه مذموم، لكنه ليس بشرك، ولكنه يكون من المعاصي.
стр. 37
عبادة الرجاء ودليلها
قال: [ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]] .
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الرجاء بعد الخوف؛ لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما: الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن، وسيأتي تفصيل ما يتعلق بالخوف والرجاء وأيهما يغلب في شرحٍ مفصل.
стр. 38
عبادة التوكل ودليلها
قال المؤلف ﵀: [َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]] .
والتوكل: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المحبوب ودفع المكروه.
وهذا يجب إفراد الله به لفظاً وعقداً.
أما لفظاً فلا يجوز أن تقول: توكلت على فلان.
إنما تقول: وكلت فلاناً.
وأما عقداً فلا يجوز أن تركن بقلبك، وأن تعتمد على غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا هو ، بل يجب تمحيض الاعتماد وتخليصه من كل نظرٍ إلى مخلوق أو سبب.
قال ﵀ في الاستدلال على التوكل: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]] أي: كافيه، وهذا فيه الأمر بالتوكل، وفيه أن المتوكل على الله يحصّل مطلوبه.
стр. 39
عبادة الرغبة والرهبة والخشوع ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]] فالرغبة: هي الصدق في الرجاء.
والرهبة: هي الصدق في الخوف.
فالرغبة إذاً نوع من الرجاء وهي أعلاه، والرهبة نوع من الخوف وهو منتهاه.
والخشوع: هو الذل لله .
واعلم أن الذل أمر لا تستقيم العبادة بغيره، وهو من أركان العبادة العظيمة التي ينشأ عنها الكثير من العبادات القلبية من الإخبات، والإنابة، والتواضع، وغير ذلك من عبادات القلب، ولذلك قال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] ، هذا في بيان مجمل حالهم أنهم خاشعون لله .
стр. 40
عبادة الخشية ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠]] .
والخشية نوع من الخوف، لكنها تفارق الخوف بأنها خوف مع علم، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ، فالخشية خوف مع علم، وذكرت فروق أخرى، ولكن هذا أبرزها.
следующие страницы →