Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عبادة الخوف ودليلها
قال: [ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]] .
واعلم أن الخوف الذي يجب إفراد الله به هو خوف السر، فهذا نهى الله عن صرفه لغيره، وخوف السر هو الخوف الذي يتقرب به الخائف للمخوف، ويتعبد به الخائف للمخوف، وذلك بأن يستحضره في الغيب والشهادة وفي السر والعلن، ولذلك سماه العلماء بخوف السر، أي: الخوف العبادي الذي يحمل الإنسان على فعل الطاعات وترك المنكرات، فهذا لا يجوز صرفه لغير الله، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر يحرِّم عليه الجنة، ويوجب له النار، فهذا النوع الأول من الخوف الذي نهي عن صرفه لغير الله .
النوع الثاني من أنواع الخوف التي نهى الله عنها عباده المؤمنين هو الخوف المقعد عن الطاعة أو الخوف الحامل على المعصية، فهذا الخوف ليس من الشرك، ولكنه معصية يعاقب عليها الإنسان، فإذا حمل الخوف الإنسان على ترك الجهاد مثلاً، أو حمله على ترك طلب العلم، أو حمله على عدم فعل ما يجب عليه فإنه معصية يأثم عليها، ولكن هل يكون قد قارف شركاً بهذا النوع من الخوف؟! لا ليس هذا من الشرك.
النوع الثالث من أنواع الخوف: الخوف الطبيعي، والخوف الطبيعي منه ما هو مذموم، ومنه ما ليس بمذموم، مثال الذي ليس بمذموم قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] في قصة موسى ﵇، فهذا الخوف ليس بمذموم؛ لأنه خوف مما يوجب الخوف، ويحصل منه الخوف عادة، أما الخوف الذي ينشأ عن الأوهام فإنه خوف مذموم، ومن الخوف ما يكون جبناً فإنه مذموم، لكنه ليس بشرك، ولكنه يكون من المعاصي.
стр. 37
عبادة الرجاء ودليلها
قال: [ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]] .
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الرجاء بعد الخوف؛ لأنه قرينه، فالإنسان له جناحان يطير بهما: الخوف والرجاء، وبهما يبلغ المأمن، وسيأتي تفصيل ما يتعلق بالخوف والرجاء وأيهما يغلب في شرحٍ مفصل.
стр. 38
عبادة التوكل ودليلها
قال المؤلف ﵀: [َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]] .
والتوكل: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المحبوب ودفع المكروه.
وهذا يجب إفراد الله به لفظاً وعقداً.
أما لفظاً فلا يجوز أن تقول: توكلت على فلان.
إنما تقول: وكلت فلاناً.
وأما عقداً فلا يجوز أن تركن بقلبك، وأن تعتمد على غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا هو ، بل يجب تمحيض الاعتماد وتخليصه من كل نظرٍ إلى مخلوق أو سبب.
قال ﵀ في الاستدلال على التوكل: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]] أي: كافيه، وهذا فيه الأمر بالتوكل، وفيه أن المتوكل على الله يحصّل مطلوبه.
стр. 39
عبادة الرغبة والرهبة والخشوع ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]] فالرغبة: هي الصدق في الرجاء.
والرهبة: هي الصدق في الخوف.
فالرغبة إذاً نوع من الرجاء وهي أعلاه، والرهبة نوع من الخوف وهو منتهاه.
والخشوع: هو الذل لله .
واعلم أن الذل أمر لا تستقيم العبادة بغيره، وهو من أركان العبادة العظيمة التي ينشأ عنها الكثير من العبادات القلبية من الإخبات، والإنابة، والتواضع، وغير ذلك من عبادات القلب، ولذلك قال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] ، هذا في بيان مجمل حالهم أنهم خاشعون لله .
стр. 40
عبادة الخشية ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠]] .
والخشية نوع من الخوف، لكنها تفارق الخوف بأنها خوف مع علم، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ، فالخشية خوف مع علم، وذكرت فروق أخرى، ولكن هذا أبرزها.
стр. 41
عبادة الإنابة ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]] .
والإنابة: هي الرجوع.
وذكرنا أن الإنابة لا يتصف بها الإنسان ولا تتحقق له إلا بأربعة أمور سبق ذكرها.
стр. 42
عبادة الاستعانة ودليلها
قال ﵀: [وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]] .
الاستعانة: طلب العون، وطلب العون من الله جل وعلا يكون على الأمور الدينية وعلى الأمور الدنيوية، فإن لم يحصل من الله عون للفتى وللمرء في تحصيل مطلوباته فإنه لا يحصل شيئاً، ولا يصيب غرضاً، وقد ذكره الله في كتابه بعد العبادة؛ لأنها فرع الإقرار بألوهية الله ؛ فإن من أقرّ بأن الله هو المعبود طلب العون منه وحده؛ لأن المعبود هو الكامل في أوصافه جل وعلا.
فقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إثبات ألوهيته ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إثبات ربوبيته؛ لأنه إنما يستعان بالمالك الرازق المدبر الخالق الذي بيده الأمر وله الأمر كله جلّ وعلا.
قال: [وفي الحديث: (إذا استعنت فاستعن بالله) ] .
واعلم أن إفراد الله بالاستعانة وإخلاص الاستعانة به سبحانه دون غيره كل هذا في الاستعانة العبادية، وأما الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهو حاضر أو وهو غائب ويتصل به إما مباشرة أو بكتاب فإن هذا ليس محظوراً، ولا يخل بالتوحيد، ولكن تركه من كمال التوحيد، ولذلك كان الأصل في سؤال الناس وطلبهم النهي.
стр. 43
عبادة الاستعاذة والاستغاثة ودليلها
قال: [وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ِ﴾ [الناس:١]] .
الاستعاذة: هي طلب العوذ.
قال: [وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]] .
الاستغاثة: طلب الغوث.
والفرق بينهما أن الاستعاذة دفع، والاستغاثة رفع.
فالاستعاذة: طلب دفع الشر قبل وقوعه، وهذا في الغالب، والاستغاثة: طلب رفعه بعد نزوله.
واعلم أن الاستعاذة والاستغاثة تارةً تكون عبادةً فلا يجوز صرفها لغير الله ، وتارةً تكون عادةً فيجوز طلبها من المخلوق، ونظير الاستعاذة التي تجوز من المخلوق ما جاء في صحيح مسلم في خبر الدجال أن النبي ﷺ قال -وفيه ضعف-: (من سمع به فلينأ عنه، من وجد معاذاً أو ملاذاً فليعذ به) ، فدل ذلك على جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه إذا كان حاضراً، وكذلك تجوز الاستغاثة بالمخلوق في الأمر العادي الذي يقدر عليه وهو حاضر، ومثال هذا ما جرى من صاحب موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، فدل ذلك على جواز الاستغاثة بالمخلوق الحاضر فيما يقدر عليه.
إذاً فهمنا أن الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة تارةً تكون عبادة فلا يجوز صرفها لغير الله ، وتارةً تكون عادةً فهذا يجوز بالقيود التي تقدمت.
стр. 44
عبادة الذبح ودليلها
قال ﵀: [ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣]] .
الذبح لغةً: هو شق حلق الحيوان، والمراد به هنا: ذبح ما يتقرب به لله.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي﴾ الصلاة قيل: المراد بها الدعاء، وقيل: المراد بها الصلاة المعروفة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، فالصلاة لله جل وعلا.
وقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ النسك قيل في تفسيره هو: ما يتقرب به إلى الله من الذبائح والقرابين، وقيل: إن النسك هنا يشمل كل ما يتعبد به، والنسك لغةً يطلق على ما يتقرب به من العبادات غير الذبح، ومنه الحج والعمرة، وهي من المناسك، فالمناسك هنا لا تقتصر على الذبح والتقرّب به فقط، بل النسك يشمل الذبح ويشمل غيره.
قال تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: عمل حياتي وعمل موتي، كل هذا لله رب العالمين، وهذا فيه بيان وجوب إفراده بذلك؛ لأنه أخبر وأمر النبي ﷺ بالقول في هذه الآية لتبليغ هذا بخصوصه، وهذا دالّ على أنه هو المستحق لذلك دون غيره.
قوله: (لِلهِ) استحقاقاً، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه بيان وجه استحقاقه، وقوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ هذا فيه بيان انفراده بذلك وتأكيد ما تقدم في قوله: ﴿لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ يعني: أن هذا الإفراد وهذا الإخلاص ليس أمراً من قبل نفسي، بل هو أمر من الله ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أول المنقادين المبادرين لامتثال هذا الأمر، وهو في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، والإسلام هو الانقياد.
يقول: [وَمِنَ السُنَّةِ: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله) ] .
واللعن يقتضي تحريم الفعل الملعون صاحبه، والذبح على أنواعٍ نبينها على وجه الإيجاز: النوع الأول: الذبح لله مع ذكر اسمه، فهذا هو المأمور به فتذبح لله قصداً، وتفرده لفظاً، فتقول: (باسم الله) عند الذبح، هذا هو الذي أمر الله به وأحله لأهل الإسلام.
النوع الثاني: الذبح لغير الله قصداً ولفظاً، فيقصد بذبيحته -مثلاً- ولياً من الأولياء، أو ملكاً من الملائكة، أو أحداً من الجن، أو صنماً، ويسمي المقصود، فيذبح مثلاً ل علي بن أبي طالب، أو للحسين بن علي قصداً، يريد التقرب إليه بهذا الذبح باسم الحسين، أو باسم علي، أو باسم النبي، أو باسم جبريل، فهذا كله شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة، وهذا لا إشكال فيه، ولا خلاف بين أهل العلم في أن من فعل هذا فقد خرج من دائرة الإسلام، وخلع ربقة الإيمان، وليس من أهل القبلة؛ لوقوعه في الشرك الذي جاءت الرسل بالتحذير منه والنهي عنه.
النوع الثالث: أن يذبح لله قصداً، ويذكر اسم غيره لفظاً، ففي العقيقة مثلاً يتقرب إلى الله بالذبح، وفي الهدايا التي تهدى إلى البيت الحرام يقصد بها التقرب إلى الله ، لكن عند الذبح يذكر غير الله، فيذكر ملكاً، أو إنساً، أو جناً، أو ما إلى ذلك مما يُشرك به وتصرف العبادة إليه، فهذا شرك وكفر كالنوع الثاني، وإن كان أخف منه درجة، لكنه شرك وكفر؛ لأنه مما أهلّ به لغير الله.
النوع الرابع: أن يقصد بالذبيحة غير الله، ويذكر اسم الله عليها، فيقصد بالذبح ولياً أو نبياً أو ملكاً أو غير ذلك، وعند الذبح يقول: (باسم الله) ، وحكم هذه الذبيحة أنها محرّمةٌ لا يحلّ أكلها، وفعل الذابح شرك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات) ، ولأنه ذبح لغير الله، فلم يحقق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، فهذه الأقسام على وجه الإيجاز في الذبح.
стр. 45
عبادة النذر ودليلها
قال ﵀: [وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧]] .
النذر: هو أن يلزم المكلف المختار نفسه لله شيئاً ممكناً بأيِّة صيغة كانت أي: بأيِّ قولٍ كان، كأن يقول: لله عليّ أو لله نذر أو أنذر أو غير ذلك من الصيغ التي تفيد الالتزام، والأصل في النذر أنه منهي عنه، ولكن إذا نذر الإنسان وجب عليه الوفاء بنذره؛ لثناء الله على الموفين في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ، ولقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصِه) ، والنذر أيضاً لا يجوز صرفه لغير الله؛ لأنه عبادة من العبادات التي يجب أن يفرد بها الله ، فمن نذر لغير الله ولو بعود كبريتٍ تقرباً فإنه قد وقع في الكفر والشرك وخرج من الإسلام، واعلم أن الشرك قليله وكثيره سواء، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحذر منه غاية الحذر، ومقصودي بقليله وكثيره: أنه يستوي فيه الحكم بخروج الإنسان عن الإسلام إذا كان شركاً أكبر، وفي حصول التهديد والعقوبة له إن كان شركاً أصغر.
وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف ﵀ من أمثلة العبادة والأدلة عليها، وبهذا يكون قد انتهى الأصل الأول إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم.
стр. 46
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثاني [١]
من الأصول التي يجب على العبد معرفتها والعلم بها معرفة دين الإسلام بالأدلة، وأن له مراتب، وكل مرتبة لها أركان، ومن أركان الإسلام شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمداً رسول الله بالأدلة الواردة فيها وفي وجوب تعلمها.
стр. 47
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
وبعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه الأصول الثلاثة: [الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ، وَهُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان.
فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ.
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] ، وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بحق إلا الله وحده.
(لا اله) نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، (إِلا اللهُ) مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه لا شريك له فِي مُلْكِهِ.
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦-٢٨] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]] .
هذا هو الأصل الثاني من الأصول التي تضمنتها هذه الرسالة المباركة، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة، والأدلة الدالة على هذا الدين القويم أدلةٌ متنوعة، أدلة خلقية وأدلة سمعية، أي: أدلة مشاهدة وأدلة متلوّة، فأما الأدلة المشاهدة فهي ما لفت الله إليه الأنظار من الآيات السماوية والأرضية، العلوية والسفلية الدالة على صدق ما جاءت به الرسل، وصحة ما جاء به النبي ﷺ من دين الإسلام، وأما الأدلة المتلوّة السمعية فهو هذا الكتاب المبين القرآن الحكيم الذي أنزله الله على خاتم النبيين.
والإسلام يتوصل إلى صحته عن الطريقين جميعاً: عن طريق النظر في الأدلة الخلقية، ولذلك أمر الله بالنظر إليها، وعن طريق النظر بالأدلة السمعية -الأدلة المتلوة- الدالة على صحة هذا الدين القويم، وأنه من لدن حكيم خبير، فقوله: [بالأدلة] يشمل هذين النوعين.
ثم بين المؤلف ﵀ الدين بقوله: [وَهُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ والبراءة من الشرك] عندي: (والخلوص من الشرك) .
وهذه الأمور الثلاثة بها يستقيم إسلام المرء، والمراد به: الاستسلام لله بالتوحيد، وهذا هو الأصل الذي اتفقت عليه الرسل، ولتأكيد هذا قال: [والبراءة من الشرك] ؛ فإنه لا يحصل تمام الاستسلام لله بالتوحيد إلا بالبراءة من الشرك، قال الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتبًا على أمرين: على الكفر بالطاغوت، وعلى الإيمان بالله تعالى، فلا يحصل لأحد الاستمساك بالعروة الوثقى والقرار على الإسلام إلا بهذين الأمرين، وهما اللذان عرّف بهما الشيخ ﵀ الإسلام بقوله: [وهو الاستسلام لله بالتوحيد والبراءة من الشرك] .
أما الانقياد له بالطاعة فلا إشكال أنه من الإسلام، وأنه لا يكون المرء مسلماً إلا بانقياده لله جل وعلا بالطاعة فيما أمر، وبالطاعة في اجتناب ما نهى عنه وزجر، وهو من لوازم الاستسلام لله تعالى، وإنما أفرده بذكر مستقل لأنه أراد أن يحصل في هذا التعريف الإحاطة بالإسلام الظاهري والباطني، أي: بإسلام القلب والجوارح.
وإلا فلو قال: (الإسلام: هو الاستسلام لله وحده) لكفى في بيان ماهية الإسلام، ولذلك عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية الإسلام بقوله: (الإسلام: هو الاستسلام لله وحده) ، وأصله في القلب بالخضوع، والمحبة، والخوف، والرجاء، وإفراده بالعبادة، وبالجوارح، في باب العمل بالانقياد له ، فلا يقر الإسلام في قلب أحد إلا بهذين.
стр. 48
التفصيل في بيان مراتب الدين
ثم بعد أن ذكر البيان المجمل لهذا الدين أراد ذكره على وجه التفصيل، فقال ﵀: [وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان] ، وبه نعرف أن التعريف السابق يشمل جميع هذه المراتب، فالإسلام الذي تقدم تعريفه هو الدين الذي جاء به النبي ﷺ المتضمن لجميع ما أمر به ونهى عنه ودعا إليه، وهذا الذي أمر به أو نهى عنه أو دعا إليه يندرج تحت ثلاثة أمور، وهي المراتب التي أشار إليها بقوله: [وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان] ، فهذه هي مراتب الدين، والدليل على هذه المراتب الثلاث، وأنها تشمل الدين، ويندرج تحتها جميع ما جاء به الرسول ﷺ حديث جبريل؛ فإنه أتى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، فأجابه النبي ﷺ عن ذلك كله، ثم قال النبي ﷺ في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ، وفي رواية: (أمر دينكم) ، فجعل ما تقدم ذكره من بيان الإسلام والإيمان والإحسان تعليماً لأمر الدين، ولذلك كان هذا الحديث أصل الدين الذي يجب على كل أحد، فمن أنكر شيئاً مما تضمنه هذا الحديث في الإسلام والإيمان والإحسان فإنه لم يقر بالنبي ﷺ ، ولم تثبت قدمه في دين الإسلام، وهذه المراتب الثلاث يدخل بعضها في بعض، فالإسلام أوسعها دائرة، فهو ينتظم الإيمان والإحسان، وأخص منه الإيمان، وأخص منه الإحسان، وسيأتي تفصيلها في كلام المؤلف ﵀.
ودليل هذه المراتب من كتاب الله قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، فهذه المراتب الثلاث تقابل المراتب المذكورة في كلام الشيخ ﵀، وهي المضمنة في حديث جبريل.
واعلم أن هذه الأسماء الثلاثة إذا افترقت دل كل واحد منها على مضمون الآخر، وإذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل اختص كل اسمٍ بمعنى مستقل، والجامع لهذه المعاني أن الإسلام يتعلق بالعمل الظاهر, والإيمان يتعلق بعمل القلب، والإحسان هو الغاية في عمل القلب وعمل الظاهر، فالإحسان هو المنتهى في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فمن حقق الإحسان يكون قد حقق الإيمان والإسلام، ومن حقق الإيمان فإنه قد حقق الإسلام، ومن أتى بالإسلام لا يكون قد حصل على مرتبة الإيمان ولا الإحسان، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، فدل ذلك على أن المتصف بالإسلام قد لا يتحقق به وصف الإيمان.
فنبدأ في بيان ما ذكره المؤلف ﵀ في كل مرتبة.
стр. 49
أركان الإسلام
قال: [وكل مرتبةٍ لها أركان، فأركان الإسلام خمسة] .
دليل ذلك حديث جبريل الذي فيه أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام فأجاب بقوله: (الإسلام أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ، فذكر الأركان الخمسة، ويدل عليه أيضاً حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس) إلخ، فهذا هو الدليل لهذه الأركان، قال المؤلف ﵀: [فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ الله الحرام] .
стр. 50
الأدلة الواردة في شهادة أن لا إله إلا الله
ثم انتقل من الإجمال إلى التفصيل في دليل كل ركن من هذه الأركان، فقال ﵀: [فدليل الشهادة] ، ومراده الشهادة لله تعالى وحده بالألوهية، وهي قوله: (لا إله إلا الله) ، واستدل عليها بقوله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] ، ووجه الدلالة على هذه الشهادة لله تعالى أن الله شهد على انفراده بالإلهية، وشهادة الله تتضمن الحكم والقضاء والإلزام، ولذلك فسّر جماعة من السلف قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ) بـ (قضى الله) ، وهذا لا غرابة فيه، فإن شهادة الله قضاء وحكم وفصل وإلزام، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، فالشهادة قضاء، كما أن الشهادة إعلان وإخبار وإظهار وبيان، وهي لا تكون إلاّ عن علم، فكذلك هي في حق الله تعالى تكون حكماً وقضاءً: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذه شهادته لنفسه بالإلهية، وأنه لا إله غيره، واستشهد على هذا الأمر طائفتين من الخلق هما أشرف الخلق فيما نعلم: الملائكة وهم عالم غيبي خلقوا من نور، وهم من أشرف خلق الله ، وأولو العلم، والمقصود بأولي العلم النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، كل هؤلاء يدخلون في قوله تعالى: (وَأُولُو الْعِلْمِ) ، ووصفهم بالعلم لأن هذه الشهادة لا تكون إلاّ من عالم.
ثم قال : (قَائِماً بِالْقِسْطِ) هذه من حيث الإعراب حال من الضمير في قوله: (إِلَّا هُوَ) ، فيكون قد شهد الله لنفسه في هذه الآية بأمرين: شهد لنفسه بالإلهية، وشهد لنفسه بأنه قائمٌ بالقسط، وقيامه بالقسط أي: بالعدل.
فهو القائم على كل نفس بما كسبت، القائم بنفسه المقيم لغيره جل وعلا، وهذا الإعراب أحسن من قولنا في قوله: (قَائِماً بِالْقِسْطِ) : إنه حال من لفظ الجلالة (الله) ؛ لأن هذا الإعراب الذي قدمناه أشمل في المعنى، فيكون: شهد الله، وشهدت الملائكة، وشهد أولو العلم لله بأمرين: بالإلهية، وأنه قائمٌ بالقسط.
ثم كرر إفراده بالإلهية بقوله: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ، والتكرار لتأكيد الشهادة المتقدمة، وليتلفظ بها القارئ انفراداً، فيكون من الشاهدين؛ لأن مقدم الآية خبر عن شهادة غيره: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨] ، وهل قراءة هذه الشهادة تحصل بها الشهادة من القارئ؟ الجواب أنها لا تحصل ولذلك كررت كلمة التوحيد ليتلفظ بها القارئ حتى يدخل في زمرة أولي العلم، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، هو (عزيز) فيمتنع من أن يكون له شريك، و (حكيم) فلا يمكن أن يسوى غيره به في شيء مما يختص به.
ثم قال ﵀: [ومعناها -أي: ومعنى هذه الشهادة- لا معبود بحق إلاّ الله وحده] ، وأتى بـ (معبود) من الشهادة التي يفسرها (لا إله إلا الله) ، ففسّر كلمة (إله) بـ (معبود) ، وهذا تفسير مطابق، فالإله في كلام العرب هو المعبود، والإله: مأخوذ من (مألوه) ، وهو الذي تألهه القلوب محبةً وتعظيماً، وخضوعاً وذلاً، وخوفاً ورجاءً.
والأصل في تعريف الإله في كلام العرب أنه اسم لمن قُصِدَ بشيءٍ من العبادة وهذا أصح ما قيل في معنى كلمة (إله) ، أما في هذا السياق فالمراد به: لا معبود حقٌ إلاّ الله.
فمن أين أتى المؤلف ﵀ بكلمة (حق) ، هل هي موجودة في الشهادة؟ ليست موجودةً في لفظ الشهادة، ولا أحد يقول: (لا إله حق) لفظاً، ولكنّ هذه الجملة لابد فيها من خبر لـ (لا) ، فإعراب (لا إله إلا الله) هو أن (لا) نافية للجنس، و (إله) اسمها مبني على الفتح، و (إلا) أداة استثناء، و (الله) لفظ الجلالة ليس خبراً لـ (لا) ؛ لأنه لا يصلح أن يكون خبراً لها لفظاً ولا معنى، أما كونه لا يصلح لفظاً فلأن (لا) لا تعمل إلا في النكرات.
كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: عمل إن اجعل لـ (لا) في نكرة مفردة جاءتك أو مكررة فهي تعمل فقط في النكرات، ولفظ الجلالة (الله) معرفة، بل هو أعرف المعارف، فلا يمكن أن تعمل فيه (لا) من حيث اللفظ واللغة.
وأما من حيث المعنى فكذلك؛ لأنا إن جَعْلنَا لفظ الجلالة خبراً اقتضى إقراراً لمعبوداتٍ من دون الله، لأن المعنى يكون: لا معبود إلا الله وهذا ليس بصحيح، فهناك معبودات كثيرة غير الله ، ولهذا احتاج العلماء إلى تقدير خبر لهذه الجملة، واختلفوا في تقدير الخبر، فمنهم من قال: (لا إله) أي: لا معبود في الوجود ومنهم من قال: (لا إله حق) وهذا التقدير هو الأصوب؛ لأن تقدير (في الوجود) يلزم منه أن يكون كل من قصد بعبادة حقاً، وهذا ليس بصحيح، إنما الذي يراد من هذه العبارة ومن هذه الجملة هو إثبات أن الله هو الإله الحق، ولذلك قال : ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] ، وهذا التقدير أصوب ما قيل في التقديرات، وقد سبق ذكر الدليل على ذلك، فيكون المعنى: لا معبود بحق إلاّ الله تعالى.
يعني: لا إله يقصد بشيء من العبادة وهو مستحق لها وأهل لتلك العبادة إلا الله، فإنه هو المستحق للعبادة دون غيره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] .
قال المؤلف ﵀: [ (لا اله) نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (إِلا اللهُ) مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وحده] ، وهذا يفيدنا أن التوحيد لا يحصل ولا يتم إلا بركنين: إثبات ونفي.
فالنفي هو في (لا إله) ، نفي لجميع ما يعبد من دون الله تعالى، والإثبات في (إلا الله) ، إثبات لإلهيته وحده لا شريك له، وتأمل وانظر فيما ذكره الله في كتابه من آيات التوحيد، تجد أنها سائرة على هذا النسق، فلابد من ذكر نفي وإثبات؛ لأنه بذلك يحصل كمال التوحيد.
قال المؤلف ﵀: [لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لا شريك له في ملكه] .
وهذا كالدليل لما تقدم ذكره من تقدير في قوله: (لا معبود بحق إلا الله) ، فالشيخ ﵀ يقول: وجه هذا التقدير أنه لا يستحق العبادة إلاّ الله، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، وهذا استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.
قال المؤلف ﵀: [وتفسيرها]-الضمير يعود إلى شهادة ألا إله إلا الله- الذي يوضحها -أي: يبينها ويجليها- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦-٢٧] ، فـ (إِذْ) ظرف لما مضى من الزمان، ولابد له من متعلق، ومتعلقه في مثل هذا السياق (اذكر) ، يعني: اذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: (إِنَّنِي بَرَاءٌ) و (براء) : مصدر يستوي فيه المفرد والجمع، والمراد من ذلك: إنني بريء.
فهو تبرؤ إبراهيم من عبادة قومه للأصنام، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] ، فالبراءة اجتناب لما كان عليه قومه، ولذلك قال: (مِمَّا تَعْبُدُونَ) يعني: من الذي تعبدونه فـ (ما) موصولة بمعنى الذي، فتبرأ مما يعبدون، ثم قال: (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ، وهذا استثناء، إما أن يكون استثناء متصلاً، أو استثناء منقطعاً على قولين لأهل العلم، فالاستثناء المتصل يلزم منه أن يكون قومه يعبدون الله وغيره، يعبدون الأصنام ويعبدون الله معها، فهذا هو المعنى بناءً على جعل الاستثناء متصلاً، أما المعنى على كون الاستثناء منقطعاً فإن قوم إبراهيم ﵇ كانوا لا يعبدون إلاّ الأصنام فقط، ولا يعبدون الله مع الأصنام، ويكون تقدير الكلام: إنني براء مما تعبدون، لكن الذي فطرني فهو الذي أعبده وأفرده بالعبادة وحده.
ومعنى (الذي فطرني) أي: الذي خلقني (فإنه سيهدين) ، وهذا فيه التعليل لإفراده بالعبادة، وأنه هو الذي يملك الهداية، وأن هذه البراءة من هداية الله له، وأن كل من خالف هذه البراءة لفظاً أو معنىً فإنه بعيد عن هداية الله ، كما قال جل وعلا في نبأ إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] ، و (جَعَلَهَا) الضمير هنا يعود إلى الكلمة، وهي البراءة من الشرك المتمثل بعبادة قومه للأصنام، والكلمة الباقية في عقبه هي الشهادة، (فِي عَقِبِهِ) يعني: في ذريته وخلَفِهِ في أولاده وأولاد أولاده، وذلك بما تعاهد به إبراهيم أبناءه من الوصية كما ذكر الله في سورة البقرة من وصيته لأولاده بأن يلزموا هذا الدين، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: لعلهم يرجعون إلى هذه الكلمة ويلتزمونها.
ووجه الدلالة من الآية -وفق مراد المؤلف- أن شهادة أن لا إله إلا الله تستلزم البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأنه لا يستقيم التوحيد إلاّ بإفراد الله بالعبادة والخلوص من الشرك والبراءة من أهله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فجعل الاستمساك بالعروة الوثقى مرتباً على هذين الأمرين، وانظر إلى حسن تأليف المؤلف ﵀ وقوة تصنيفه؛ حيث لم يفسر هذه الكلمة أو لم يوضحها ويشرحها بكلام من عنده، وإنما وضحها بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبهذا يلقم خصومه حجراً؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يعارض كلام الله إلا من كان في قلبه زيغ.
ثم قال ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
стр. 51
الدليل على شهادة أن محمداً رسول الله
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى ذكر دليل الشهادة الثانية فقال: [وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، وَمَعْنَى شَهَادَة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) : طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجتناب ما عنه نهى وَزَجَرَ، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ] .
هذا هو الركن الثاني من أركان شهادة ألا إله إلاّ الله، أو هذه أركان الشهادة التي يدخل بها الإنسان إلى الإسلام، وهو الشهادة للنبي محمد ﷺ بالرسالة، وسيأتي تفصيل من هو النبي في الأصل الثالث من الأصول التي ذكرها المؤلف ﵀، وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيمٌ﴾ ، فقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم.
وقيل: إن الخطاب لقريش.
فيكون معناها: من العرب، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ، و (عزيز) إذا عدّيت بـ (على) كان معناها: الثقل والشدة.
أي: يثقل عليه ويشق عليه ويشتد عليه (مَا عَنِتُّمْ) يعني: الذي يتعبكم ويلحقكم فيه مشقة.
فهذا وصفه ﷺ بأنه عزيز عليه مشقة أمته وتعبهم.
(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) والحرص: هو شدة الرغبة في الشيء.
وذلك أن النبي ﷺ كان حريصاً غاية الحرص على هداية قومه ودلالتهم على الحق والهدى، حتى إنه أدمي وجهه، وكسرت رباعيته، وشجّ رأسه، وكان يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، وهذا من غاية حرصه وشفقته على الناس ﷺ ، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيمٌ) ، وهذا خاص بأهل الإيمان تميزوا به عن غيرهم، فهو ﷺ بالمؤمنين رؤوف رحيم، والرأفة: هي رقة تنشأ عن الخوف على المرؤوف به.
والرحمة تقتضي الإحسان بالمرحوم، فالرأفة تقتضي دفع المكروهات، والرحمة تقتضي جلب المحمودات والمحاسن والمحبوبات، والشاهد من هذه الآية قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، والذي جاءنا من أنفسنا هو محمد ﷺ الذي أخبرنا بهذه الآية، فهذا دليل من القرآن على رسالة النبي ﷺ ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] ، فأثبت علمه برسالة الرسول ﷺ ، بل لما طولب النبي ﷺ بدليل على رسالته قال له: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الإسراء:٩٦] ، فاكتفى بشهادة الله على إثبات رسالته، كما تقدم بيان ذلك فيما تقدم من دروس.
والله تعالى أعلم، وبالله التوفيق.
стр. 52
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثاني [٢]
الإيمان هو الأصل الثاني من أصول الدين، والإيمان قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب والجوارح، وعلى هذا تواطأت تعريفات السلف له بالرغم من اختلاف ألفاظهم وتعبيراتهم.
стр. 53
تابع أركان الإسلام والدليل عليها
بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [وَمَعْنَى شَهَادَة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) : طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ.
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]] .
стр. 54
معنى شهادة أن محمداً رسول الله وواجب العبد نحوها
قوله ﵀: [وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بما شرع] هذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله، فكل من لهج بهذه الشهادة فإنه يجب عليه أن يستحضر هذه المعاني؛ فإن ما جاء به النبي ﷺ لا يخلو من أمرين: إما خبر فالواجب فيه التصديق؛ فالأخبار تقابل بالتصديق.
وإما أمر فالواجب فيه الانقياد والتسليم.
واعلم أنه تجب طاعة النبي ﷺ فيما أمر به سواءٌ علمنا حكمة هذا الأمر أو جهلنا الحكمة، وسواء أدركته عقولنا أو لم تدركه، وهذا فيما يتعلق بالأوامر، فمن علّق العمل بالأوامر على معرفة الحكمة فإنه لم ينقد للنبي ﷺ ، ولم يحقق هذه الشهادة، وحقيقة من هذه حاله إنما هو عابد لهواه؛ لأنه لا يقبل من الأوامر ولا ينتهي عن شيءٍ إلاّ ما وافق عقله ورأيه، وهذا لا يكون قد حقق العبودية لله ؛ لأن العبودية التامة أن ينقاد لأمر الله ، ولأمر رسوله ﷺ ، أدرك عقله الحكمة أو لا، فهذا فيما يتعلق بالأحكام.
أما ما يتعلق بالأخبار فالواجب على المؤمن إذا بلغه خبر الله أو خبر رسوله ﷺ أن يؤمن بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله ﷺ ، علم معناه أو لم يعلم، فهذا هو الواجب؛ فإن الإنسان مهما بلغ علمه فإنه قد يخفى عليه بعض ما أمر الله به ورسوله، فلا يدرك معنى ما أمر الله به ورسوله على وجه الكمال، وعلى هذا فإن الواجب على مثل هذا أن يسلِّم بما جاء عن الله وبما جاء عن رسوله ﷺ ، ويقول: آمنتُ بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ على مراد الله ورسوله ﷺ ، وهذا الإيمان المجمل يكفيه، وتبرأ ذمته به، ولا يلزمه معرفة التفاصيل إذا كان لا يستطيع معرفة التفصيل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وهذا ما عمله سلف الأمة في معرفة كيفيات ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عما يكون في اليوم الآخر، فإنهم آمنوا بذلك على ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ دون الدخول في تعيين الكيفيات أو تصويرها.
فمعنى شَهَادَة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) طَاعَتُهُ فِيمَا أمر، وتصديقه فيما أخبر، فشمل الواجب في الأمر، والواجب في الخبر.
ثم قال: [واجتناب ما نهى عنه وزجر] ، هذا تابع للأمر، وهو التفصيل.
وقوله: [وألا يعبد الله إلاّ بما شرع] هذا فيه بيان وجوب لزوم طريقة النبي ﷺ على وجه الإجمال.
فالواجب أن يسلِّم العبد قياده للنبي ﷺ ، وليعلم أن من رغب في الفوز والنجاة يوم القيامة أنه لا يمكن أن يحصل له مقصوده، ولا أن يفلح بمطلوبه، ولا أن يأمن مما يرهب إلاّ بسلوك طريق النبي ﷺ ، فإن الله قد سد الطرق الموصلة إليه جميعها إلاّ طريقه ﷺ ، فمن رام الوصول إلى رضوان الله وجنته من غير طريق النبي ﷺ فإنما يطلب ضائعاً لا يمكن تحصيله، فهو لا يجني من سعيه خيراً، ولا يحصل مطلوباً، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر فيما أخبر مما يكون في يوم القيامة أن الذين يعبرون الصراط إذا منّ الله عليهم بمجاوزته وأردوا دخول الجنة فإنهم لا يتمكنون من الدخول حتى يستفتح لهم النبي ﷺ ، كما ورد في الحديث عَنْ أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ.
فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ) ، وهذا يدل على أنه لا سبيل لدخول الجنة بعد بعثة النبي ﷺ إلاّ من طريقه، فإذا كانت الجنة لا يفتح بابها إلاّ باسمه فإن دخولها لا يتحقق إلاّ لمن تبعه واقتفى منهجه وسار على هديه، وهذا دليل هذه القاعدة أننا لا نعبد الله إلاّ بما شرع، وليعلم أن كل من عبد الله بغير ما شرعه الله أو بغير ما جاء به النبي ﷺ فقد افترى على الله، وما افتراه واخترعه لا يزيده من الله جل وعلا إلاّ بعداً، فهذه قاعدة مطردة في كل بدعة وفي كل محدثة؛ فإن الله قد شرع من الدين أكمله، وأتم علينا النعمة، وأسبغ علينا الفضل بكمال هذه الشريعة، فلا مجال للزيادة، قال تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ، فأكمله جل وعلا في القول، وأكمله في عمل الجوارح، وأكمله في عمل القلوب، ثم إنه أكمله على وجه رضيه ، فمن زاد فقد سخط ما رضيه الله جل وعلا، ولم يكتفِ بما رضيه الله لهذه الأمة، ودلائل هذه القاعدة أكمل وأكثر من أن تحصر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] ، ومن السنة قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، فاستمسك بهذا الصراط المبين والطريق القويم، واعلم المآل إلى جنة عرضها السموات والأرض، نسأل الله أن يثبتنا عليه، وأن يزيدنا هدىً وتقىً فيه.
стр. 55
دليل الصلاة والزكاة
قال ﵀: [وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]] .
فهذه الآية تضمنت ثلاثة أمور: تضمنت بيان معنى التوحيد، وتفسيره، وتضمنت الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفيها أن هذا الدين عقيدةً وعملاً هو أقوم الأديان، وأن كل من رام استقامةً في غيره فإنه لا يحصل له ذلك؛ لقوله تعالى: (وَذَلِكَ) أي: المتقدم مما أمر به من التوحيد، ومن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، (دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: الدين القويم والصراط المستقيم.
стр. 56
دليل فرضية الصوم
قال ﵀: [َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]] .
وجه الدلالة قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
قال ﵀: [َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]] .
وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج.
وهذه هي أركان الإسلام وشرائعه التي لا يستقيم إسلام المرء إلاّ بها.
стр. 57
الإيمان وأركانه
قال رحمه الله تعالى: [الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ.
وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: (لا اله إِلا اللهُ) ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان.
وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] .
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .
стр. 58
العموم والخصوص بين الإسلام والإيمان
هذه المرتبة هي المرتبة الثانية، وقد فرغ الشيخ ﵀ من المرتبة الأولى وهي مرتبة الإسلام، وتلخص لنا أن الإسلام هو الطاعات الظاهرة، وهذا باعتبار ذكر الإسلام مع الإيمان والإحسان؛ لأن تعريف الإيمان والإسلام والإحسان يختلف فيما إذا اقترن شيء منها بالآخر، وفيما إذا جاء كلٌ منها على انفراد، ففي حال الانفراد يكون معنى الإسلام شاملاً كلاً من الإيمان والإحسان، وإذا جاء الإيمان منفرداً كان الإيمان شاملاً للإحسان والإسلام، وكذلك الإحسان إذا جاء منفرداً شمل الإسلام والإيمان، وانتبه لهذا التفريق.
أما إذا اجتمعت كما هو الحال في حديث جبريل فإن الإسلام يختص بالأعمال الظاهرة قوليةً أو فعليةً، والإيمان يختص بالأعمال الباطنة، والإحسان هو الكمال والغاية في هذين الأمرين أعمال الظاهر، وأعمال الباطن.
فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: [المرتبة الثانية الإيمان] ، ثم بين الإيمان وعرّفه بقوله: [وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْلُ (لا اله إِلا اللهُ) ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ] ، وهذا تعريف للإيمان بنص نبوي، وفي هذا فائدة ولفتة مهمة لطالب العلم، وهي أن الاصطلاحات الشرعية كالإسلام والإيمان والإحسان والبر والتقوى والصلاة والزكاة وغير ذلك من ألفاظ الشريعة إنما يستقى معناها ويستفاد مفهومها من الشريعة لا من لسان العرب، وهذه فائدة تهمك وتفيدك في تعريف الإيمان، فإن أقواماً عرّفوا الإيمان بأنه مجرد التصديق، وقيل لهم: من أين لكم هذا؟ قالوا: أفادتنا اللغة بهذا.
قلنا لهم: إن الإيمان أمره كبير، وشأنه خطير، به تحصل النجاة من النار والفوز بالجنة، وهل يعقل أن مثل هذا يتركه الله ، ويتركه رسوله ﷺ دون بيان أو توضيح؟ الجواب: لا يمكن تركه بدون بيان وإيضاح، ولذلك وجب الرجوع في تعريف الإيمان والإسلام والإحسان وفي غيرها من الاصطلاحات الشرعية إلى بيان الشارع، وإلى ألفاظه وبيانه وتوضيحه، فإنه الغاية والمنتهى في بيان حقائق هذه الأمور، فالشيخ ﵀ سلك هذا المنهج، فبين الإيمان بقول النبي ﷺ ، ولا أظن أحداً يقرأ هذا الحديث إلاّ ويتضح له الإيمان غاية الوضوح؛ فإن النبي ﷺ أخبر بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة، ثم ضرب مثلاً لكل شعبةٍ من شعبه، فهذه المذكورات في هذا الحديث وهي ثلاثة أمور ترجع إليها بقية الشعب، فأعلاها قول: (لا إله إلاّ الله) هذا أعلى شعب الإيمان، وهذا يفيد أن الأقوال تدخل في مسمى الإيمان، فالقول من الإيمان، ولذلك جعل أعلى مراتب الإيمان قولاً، وهو قول: (لا إله إلاّ الله) ، ثم قال: [والحياء شعبة من الإيمان] ، والحياء عمل قلبي أصله في القلب، وقد تظهر ثماره في الجوارح والسلوك، لكن أصله في قلب الإنسان، وبهذا نعرف أن جميع الأعمال القلبية تدخل في مسمى الإيمان.
وثالث ما ذكره النبي ﷺ من شعب الإيمان في هذا الحديث (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، وإماطته: إزالته عن الطريق المسلوك.
سواءٌ أكان طريق مشاةٍ، أم طريق سياراتٍ، أم طريق دواب، فكل ما استطرقه الناس ومشوا فيه بأرجلهم أو بدوابهم فإنه يدخل في قوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، وإماطة الأذى من عمل الجوارح، وبه نعرف أن من مسمى الإيمان عمل الجوارح، وأن من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان فقد خالف ما أجمع عليه السلف، وما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.
فهمنا من هذا الحديث أن الإيمان يكون في القلب، ويكون في اللّسان، ويكون في الجوارح، واعلم أن قول النبي ﷺ : (فأعلاها قول لا إله إلاّ الله) ليس المراد مجرد القول الخالي عن تدبر ما تضمنته هذه الكلمة من العمل، فالحقيقة أن قوله: (فأعلاها قول لا إله إلاّ الله) يشمل القول وعمل القلب؛ لأن القول هو قول القلب واللسان، وقول القلب يكون بتصديقه وإخلاصه، وقول اللسان يكون بنطقه وتلفّظه.
إذاً فهمنا الآن ما هو الإيمان، وأنه قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وعلى هذا تواطأت كلمات السلف، فمهما اختلف لفظها وتنوع تعبيرها فإنها ترجع إلى أن الإيمان قول وعمل.
قوله: [والإيمان بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والحياء شعبة من الإيمان] هل هذا تعريف الإيمان إذا قرن به الإسلام؟ الجواب: لا؛ لأننا ذكرنا أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة إذا اقترن بالإيمان، وأن الإيمان يكون عمل القلب، والحديث تضمن قول اللسان وعمل الجوارح والقلب.
ففهمنا من هذا أن المؤلف ﵀ بدأ بيان هذه المرتبة بالبيان العام الذي لا يكون مع الإسلام والإحسان.
أما الإيمان الذي يقصد ويراد عند ذكر الإسلام -أي: عند اقترانه بذكر الإسلام- فهو ما قاله ﵀ في قوله: [وأركانه ستة، وهي أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وبالقدر خيره وشره] ، فهذه كلها أعمال قلبية.
ولذلك سماها شيخ الإسلام ﵀: (عقود القلب) ، وسماها (حقائق الإيمان) ، فعقود القلب وحقائق الإيمان كلها من الأعمال القلبية، فإذا قيل لك: ما الإيمان؟ فإن أردتَ أن تعرِّفه تعريفاً عاماً دون اقترانٍ بذكر الإسلام فقل: ما ذكره المؤلف ﵀ أولاً: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قَوْلُ: (لا اله إِلا اللهُ) ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ.
وإذا جاء ذكر الإيمان والإسلام في سياقٍ واحدٍ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] حيث ذكر الأمرين: الإسلام والإيمان فالمسلمون في قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) هم الذين أتوا بالأعمال الظاهرة، والمؤمنون في قوله: (وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) هم الذين أتوا بالأعمال الباطنة، وتنبه إلى هذا الفرق.
فقول المؤلف ﵀: [وأركانه ستة] هذا باعتباره مع الإسلام، فلو أن شخصاً أتاك وقال لك: عرِّف الإيمان فقلت: الإيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخر، وبالقدر خيره وشره إذا لم يسبق سؤال عن الإسلام فإنك لا تكون قد أوفيت الإيمان ببيان كافٍ؛ لأنه بقيت الصلاة، والصيام، والحج لم يأتِ ذكر لواحدٍ منها، فتنبه لهذا، ولذلك لما قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟) ، فسره بقوله: (أن تشهدوا ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم) ، فعرَّف الإيمان بالإسلام؛ لأنه لم يأتِ سؤال عن الإسلام هنا، فكان الإسلام هو الإيمان، وهكذا حيث ذكر الإيمان أو الإسلام مستقلاً؛ فإنه لابد في البيان أن تبينه كما بينه النبي ﷺ بياناً عاماً يشمل القول والعمل والاعتقاد، أما إذا سئلت عن الإسلام كما هو الحال في حديث جبريل، ثم جاءك السؤال عن الإيمان ففي هذه الحال يكون الإسلام متعلقاً بالأعمال الظاهرة، ويكون الإيمان متعلقاً بالأعمال الباطنة.
стр. 59
شرح أركان الإيمان
стр. 60
الإيمان بالله
قال المؤلف ﵀: [وأركانه ستة] .
أركان: جمع ركن.
والركن: هو الذي لا يقوم الشيء إلاّ به.
ففهمنا من هذا أن اختلال وصفٍ من هذه الأوصاف المذكورة ثلمةٌ في الإيمان تؤدي وتفضي بصاحبها إلى ارتفاع وصف الإيمان عنه، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر فإنه لا يكون مؤمناً، ولا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه فقد ركناً من أركان الإيمان الذي لا يثبت ولا يقر إلاّ به.
يقول ﵀: [أن تؤمن بالله] الإيمان بالله يتضمن أموراً، هي الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وبإلهيته، وبأسمائه وصفاته، ولو أننا لم نذكر الوجود لما ضر؛ لأنك إذا أقررت بالثلاثة الأمور لزم منها أن يكون موجوداً من تثبت له الإلهية، والربوبية والأسماء والصفات؛ لأنها أوصاف، والأوصاف لا تثبت إلاّ لموجود، ولا تثبت لمعدوم، وإنما نص على الوجود لمقابلة شبهة الملحدين أهل التعطيل الذين يقولون: لا وجود للإله.
أو: لا إله والكون مادة.
فهؤلاء الجواب على شبهاتهم بأنه لا يحصل الإيمان إلاّ بهذه الأمور الأربعة.
стр. 61
الإيمان بالملائكة والكتب
ثم قال ﵀: [وملائكته] .
الإيمان بالملائكة بأنهم عالم غيبي نوراني أحياء ناطقون خلقهم الله من نور، ولهم شأن عظيم مفصل في الكتاب والسنة، فالإيمان بهم أن تؤمن بوجودهم على وجه الإجمال، وأن تؤمن بما ذكره الله عنهم في كتابه، وما ذكره رسول الله ﷺ فيما صح من سنته، وأن تؤمن بمن سمي منهم، وأن تؤمن بأنهم خلق عظيم لهم أحوال وقدرات مكنهم الله منها، وأنهم مذللون لرب العالمين لا يخرجون عن أمره، فهذا مما يتضمنه الإيمان بالملائكة.
ثم قال ﵀: [وكتبه] .
أما الإيمان بالكتب فإنه الإيمان بأن الله أنزل إلى رسله كتباً، والله أعلم بها، وتؤمن بما سماه الله منها كالزبور، والإنجيل، والتوراة، والقرآن، وهو أعظمها، ويزيد القرآن خاصيةً وميزةً في الإيمان أن تؤمن بأن أخباره يجب تصديقها، وأن أحكامه يجب الانقياد لها، فهذا ما اختص به القرآن دون غيره من الكتب، وأيضاً أن تؤمن بأن الجميع كلام الله، حتى التوراة هي من كلامه ، مع أنه كتبها لكنه كتبها وتكلم بها.
стр. 62
الإيمان بالرسل
ثم قال ﵀: [ورسله] .
الإيمان بالرسل يحصل بأن الله بعث رسلاً لا يحصيهم إلاّ هو، وأن تؤمن بمن سماه الله منهم، وأن تؤمن بأنهم بلّغوا البلاغ المبين، ونصحوا أممهم، وقاموا بما أمرهم الله به، ويختص محمد ﷺ بأن تؤمن أنه خاتم الرسل، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، وأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وأن من أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وأنه لا ينتظر نبي بعده، ولا يرتقب كتاب غير كتابه، فلا كتاب بعد كتابه، ولا نبي بعده ﷺ ، ويضاف إلى هذا وجوب الطاعة والانقياد، وذلك بتصديق أخباره، وقبول ما جاء به من الأحكام.
стр. 63
الإيمان باليوم الآخر
ثم قال ﵀: [واليوم الآخر] .
والإيمان باليوم الآخر ملخصه أن تؤمن بكل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت، فهذا ملخص الإيمان باليوم الآخر، فاليوم الآخر يبتدئ بالموت، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] (بالحق) أي: بما أخبرت به الرسل مما يكون بعد الموت من الثواب والعقاب، كما في التفسير.
стр. 64
الإيمان بالقدر خيره وشره
قوله: [وبالقدر خيره وشره] هذا فيه إثبات القدر، والقدر: هو حكم الله الكوني.
هذا تعريف القدر وأحسن ما قيل في تعريفه، فتؤمن بأن الله علم بالأشياء قبل وقوعها، وأنه كتبها في اللوح المحفوظ، وأن ما علمه وكتبه فقد طابق مشيئته وخلقه، وبهذا تعلم أن القدر أربع مراتب كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وقوله ﵀: [بالقدر خيره وشره] المقصود بالقدر هنا المقدور، أي: بما قدره الله من الخير والشر واعلم أن الله ليس في فعله شر، كما قال النبي ﷺ في ثنائه على ربه ( ﴿والشر ليس إليك) ، فالشر لا يضاف إلى الله ، ولا ينسب إليه، إنما الشر في المفعولات والمقدورات والمخلوقات، أما تقديره وفعله وخلقه فلا شر فيه ، بل الخير كله في يديه.
стр. 65
الدليل على أركان الإيمان
قال ﵀: [وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]] .
هذه خمسة أركان.
ثم قال ﵀: [ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]] .
وقد جمعت في حديث جبريل الذي سيأتي الحديث عنه قريباً، واعلم أن الأدلة على هذه الأصول كثيرة، وإنما يذكر أهل العلم هذين الدليلين؛ لأن الدليل الأول جمع خمسة أركان من أركان الإيمان، والثاني نص على الركن السادس، وإلاّ فإنه لا ينحصر الاستدلال على هذه الأركان بهذا الدليل، وإنما نبهنا على هذا حتى لا يتوهم متوهم أن العلماء إذا ذكروا هذا الدليل فلا دليل غيره، بل الأدلة كثيرة، وإنما هذا الدليل يذكر ويكرر لكونه جمع أكثر أركان الإيمان.
стр. 66
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثاني [٣]
من مراتب الدين مرتبة الإحسان الذي هو شامل لما قبله من الإسلام والإيمان، وله ركن واحد متمثل في مقامين: المقام الأول: أن تعبد الله كأنك تراه، والمقام الثاني: إن لم تكن تراه فإنه يراك.
стр. 67
مرتبة الإحسان والأدلة الواردة فيها
بسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧-٢٢٠] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١] .
وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد، حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
فقال: صدقت.
فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
قال: صدقت.
قال: فأخبرني عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ.
قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم) ] .
هذه المرتبة الثالثة من مراتب الدين، قال ﵀ في بيانها: [الإحسان ركن واحد] ، وكما بينّا في الإيمان نقول هنا: إن الإحسان الذي بينه حديث جبريل، والذي يتكلم عنه الشيخ ﵀ هنا هو المضمون المقترن بالإيمان والإسلام، فتنبه لهذا، فليس التعريف هنا للإحسان على وجه الإطلاق، بل الإحسان الذي يقترن بالإيمان والإسلام، ودليل هذا لو أن شخصاً أقر بالأركان الستة في أركان الإيمان لكنه لم يصلِ ولم يحج، ولم يقر بوجوب هذه الأشياء، فإنه لا يكون مؤمناً بإجماع أهل العلم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀، وكذلك من أتى بالشهادتين وأتى بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولكنه لم يؤمن بالأركان الستة للإيمان المذكورة في الآية والحديث.
ولا يكون من هذا حاله مسلماً بإجماع أهل العلم، فتنبه لهذا.
وإنما كررته لأهميته.
стр. 68
مقاما مرتبة الإحسان
قوله ﵀: [ركن واحد] أي: ليس فيه تعدد.
ولكن ركن الإحسان له مقامان: قال ﵀: [وهو أن تعبد الله كأنك تراه] هذا هو المقام الأول، وهكذا جاء بيانه عن النبي ﷺ في حديث جبريل، (فإن لم تكن تراه) هذا هو المقام الثاني، (فإنه يراك) ، وانظر كيف بدأ بأعلى ما يكون من الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، يعني: وحاله حال الذي يعبد الله وهو يشاهده وينظر إليه، وكيف تكون الحال إذا كان العبد في عباداته، وفي ذهابه وإيابه، وفي معاملاته وجميع شئونه يتصرف وهو كالناظر إلى رب السماوات والأرض فوق سماواته مستوٍ على عرشه، يراه ويراقبه ويطلع عليه؟ تكون حاله في أعلى درجات الإيمان، وأعلى درجات الدين وهي درجة الإحسان، بل أعلى المقامين في الإحسان، وهو أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، فهذا المقام كبير وشأنه عظيم، ويحتاج إلى استحضار تام وشهود متواصل، وأن يعلم العبد أنه لا تخفى على الله منه خافية، ويحتاج إلى زيادة العناية بمطالعة ما ذكره الله عن نفسه من الأسماء والصفات؛ فإن القلب إذا توالى عليه ما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به رسوله ﷺ عن ربه قوي قلبه، وأصبح العلم كالمشاهدة، أي: يكون كالذي يشاهد ربه بعينه في تصرفه، وفي عمله، وفي قيامه وقعوده وخروجه، وفي عبادته، وهذا المعنى أكثر الناس يغفلون عنه.
المقام الثاني -وهو منزلة دون المنزلة الأولى- (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وهو استحضار مراقبة الله واطلاعه عليك يا عبد الله، واعلم أن اطلاع الله ونظره ورؤيته وعلمه لا يقتصر على ظاهر حالك، بل الظاهر والباطن عند الله سواء، قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم) ، فنظر الله لا يقتصر على حال الإنسان الظاهرة، بل يشمل الظاهر والباطن.
ثم ذكر ﵀ الدليل على هذه المرتبة فقال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]] ، فأثبت الإحسان في قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) وهذا يشمل درجة الإحسان ومقامي الإحسان، المقام الأول: أن تعبد الله كأنك تراه.
والمقام الثاني: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧-٢٢٠] فيه دليل على المقام الثاني، وهو استحضار رؤية الله للعبد، فالله يأمر نبيه ﷺ أن يتوكل عليه فيقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم﴾ [الشعراء:٢١٧] ، وانظر كيف ذكر هذين الوصفين في باب التوكل، (العزيز) الذي يمنعك، و (الرحيم) الذي يوصل إليك البر والإحسان، وبهما يحصل للخائف والقَلِق مقصوده، وهو الأمن وسكون النفس من الخوف، ولا يكون فيها نظر إلى غير الموصوف بهذين الوصفين؛ لأن الذي يطلب أمراً ويسعى في تحقيقه دفعاً أو جلباً إذا علم أنه يستند ويعتمد على من يمنعه ومن يوصل إليه الخير فإنه لا يكون في قلبه نظر إلى غير من يتصف بهذين الوصفين، وهما العزّة والرحمة، وهذا هو السر في ذكر هذين الاسمين في مقام التوكل.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨] ، وهذا فيه إثبات رؤية الله لعباده، (حين تقوم) أي: في صلاتك وعبادتك، ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] أي: تغير أحوالك في العبادة من قيام وركوع وسجود، وهذا فيه حامل للعابد أن يحسن العبادة، فأنت إذا وقفت في صف الصلاة وأردت الدخول فيها فاستحضر هذا الأمر، أن الله جل وعلا يراك، وستجد في هذا الاستحضار أثراً في إحسان العبادة وتجويدها وإصلاحها والمبالغة في إحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٩-٢٢٠] ، هذا فيه إثبات سمعه ، وفيه إثبات علمه جل وعلا، وليس السمع كالعلم، فالعلم أشمل وأوسع، فالله يسمع مقالك ويعلم بجميع أحوالك، ما تتلفظ به وما لا تتلفظ به.
ثم قال: [وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١]] .
هذه الآية ذكر الله فيها أموراً خاطب فيها النبي ﷺ فقال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) الخطاب للنبي ﷺ ، ومعناه: ما تكون في حالٍ من الأحوال، (وَمَا تتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) الضمير في قوله: (مِنْهُ) إما أن يعود على (شأنٍ) ، يعني: وما تتلو من شأنٍ من القرآن، فيكون المعنى: وما تتلو من شأنٍ من شئونك.
فـ (من) هنا للسببية، يعني: لسبب من الأسباب وحالٍ من أحوالك ما تتلو منه من قرآنٍ إلاّ والله عالم به كما سيأتي.
وقيل: إن الضمير في قوله: (مِنْهُ) عائد إلى القرآن نفسه، فيكون المعنى: وما تتلو من قرآنٍ.
وهذا المعنى هو الذي حققه بعض المحققين من المفسرين.
قال: (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) ، وهذا يشمل عمل القلب والجوارح، وتدخل الأقوال في ذلك؛ لأنها نوع عمل، (إلاَّّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) ، وهذا هو الشاهد من الآية، وهو إثبات شهود الله على أحوال العبد، وأنه يراه ومطلع عليه لا تخفى عليه من شئون العبد خافية، قال: (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) يعني: إذ تدخلون وتشرعون وتقبلون فيه، يعني: في هذه الأعمال التي قال عنها: (وَما تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) ، وهذا فيه تمام شهود الله واطلاعه على حال العبد، وهو دليل على المقام الثاني من مقامات الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
стр. 69
الأدلة الواردة من السنة على مرتبة الإحسان
ثم بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من ذكر هذه المراتب وأدلتها من الكتاب انتقل إلى بيان الدليل من السنة على هذه المراتب جميعاً التي بينها حديث جبريل، وهو الحديث المشهور الطويل المعروف الذي اتفق أهل العلم على صحته، وتلقته الأمة بالقبول، وقد رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة ﵄ في الصحيحين، كما رواه غيرهما أيضاً في صحيح مسلم.
يقول ﵀: [والدليل من السنة حديث جبريل] .
واعلم أن هذا الحديث اشتمل وتضمن واحتوى على أصول الدين التي يجب اعتقادها، والتي يسميها العلماء الإيمان المجمل، قال ﵀: [قال عمر ﵁: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ] .
وفائدة هذه المقدمة بيان غرابة حال هذا السائل، رجل ليس من المدينة وحاله حال المقيم في ثوبه وبدنه، فشعره شديد السواد، وثوبه شديد البياض، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ أحد، قال: (فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فخذيه) ، وهذا فائدته العناية الفائقة بما سيطرحه، ولفت الانتباه إلى ذلك.
قال: [قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟] فدعاه باسمه لا بوصفه، والسبب في هذا أنه جاء ﵇ على صورة أعرابي يستبين أمر الدين، ولذلك لم يقل يا رسول الله.
إنما دعاه باسمه الذي عرف به.
فقال: (أن تشهد ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً، وهذه هي أركان الإسلام، وتقدم الكلام عليها.
(قال: صدقت) ، هذه الأركان الجامع فيها ما تقدم من أنها شرائع الإسلام التي هي من العمل الظاهر.
وذكر ﵁ في سياق الحديث أن جبريل قال: (صدقت) قال: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) ، فحال هذا غريب، حيث جاء في الظاهر ليسأل عما لا يعلمه من أمر دينه، ثم يصدق على الجواب.
(قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) .
وقد تقدم الكلام على هذه الأركان وقلنا: إن الجامع لها أعمال القلب، وهي أعمال الباطن.
قال بعد ذلك: (أخبرني عن الإحسان) ، وهذا سؤال عن أعلى مراتب الدين، فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وبهذا تكون قد تمت مراتب الدين.
وتقدم أن هذه المراتب قد دل عليها كتاب الله ، فجاءت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢] هذه مرتبة الإسلام، وهي الإتيان بالعمل الظاهر، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر:٣٢] وهي مرتبة الإيمان، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] وهي مرتبة الإحسان التي هي أعلى المراتب، وقد ذكر الله هذه المراتب في غير هذا الموضع، كما في سورة الواقعة، وبالتأمل يجدها الإنسان في كتاب الله .
وبعد أن فرغ من هذه الأسئلة قال: (أخبرني عن الساعة؟) قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) ، فهنا سأله عن الساعة، يعني: عن قيام يوم القيامة.
فأجاب النبي ﷺ بقوله: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) ومما يفهم من هذه العبارة أنه ﷺ لا يعلم الغيب، ولا يعلم متى الساعة، وعلى هذا فالذي يستدل بهذا الحديث على أنّ النبي ﷺ يعلم متى تقوم الساعة أي تحريفٍ جاء به، وأي تشبيهٍ وأي تضليلٍ؟!! فقد زعم بعض المعطلة من غلاة الصوفية أن النبي ﷺ يعلم الساعة؛ لأنه يعلم أن السائل الذي أتاه جبريل، وجبريل يعلم متى الساعة، فلما سأله عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) : يعني: كلانا مشتركان في علم الساعة.
هكذا زعموا، وهل هذا يفهمه صاحب لسان عربي؟! فالمقصود واضح أن النبي ﷺ أراد نفي علم الساعة عن نفسه، لكن الشيطان زين لهم سوء أعمالهم، ثم إن الجواب على هذه الشبهة أن النبي ﷺ لم يعلم من هو السائل، كما جاء في بعض الروايات، (لم يخفَ عليه أمره كما خفي عليه في هذه المرة) ؛ فإن النبي ﷺ أجاب وهو لا يعلم من السائل، ولذلك جاء في آخر الحديث لما طال مقام الصحابة عنده قال: (يَا عُمَرُ! أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أمر دينكم) ، ولو كان الأمر واضحاً له من أول الأمر لما انتظر ملياً، أي: طويلاً.
ولباشرهم بالإخبار عنه وبيان من هو من أول وهلة.
فالمهم أن هذه شبهة ساقطة لا نحتاج إلى الإطالة فيها.
قال: (أخبرني عن أماراتها) يعني: عن علاماتها.
قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البنيان) ، هذا بيان لبعض أماراتها الصغرى، وذكر في هذا الحديث علامتين: (أن تلد الأمة ربتها) أي: سيدتها، (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان) .
قال: (فمضى فلبثت ملياً) يعني: طويلاً.
ثم قال: (يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم) وفي رواية: (دينكم) ، ففهم من هذا أن المراتب الثلاث هي مراتب الدين.
стр. 70
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثالث [١]
النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء، أرسله الله تعالى إلى الثقلين بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فيجب وجوباً عينياً على كل أحد أن يعرف نبيه ﷺ .
стр. 71
معرفة النبي ﷺ فرض عين على كل أحد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولاً، نُبِّئَ بـ (اقْرَأ) ، وَأُرْسِلَ بـ (الْمُدَّثِّرْ) ، وَبَلَدُهُ مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧] .
وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تَرْكُهَا وأهلها وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا.
أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة] .
هذا هو الأصل الثالث من الأصول التي يحصل للعبد بها النجاة في الدنيا والآخرة، وهو معرفة النبي ﷺ ، ومعرفة النبي ﷺ واجبة لا يتم الإيمان إلا بها؛ لأن من أركان الإيمان الإيمان بالرسل، ولأنه لا تثبت القدم على الإسلام إلاّ بالشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، فمعرفة النبي ﷺ أصل من أصول الإيمان، وهي بوابة الدخول إلى الإسلام؛ فإن النبي ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّي رَسُولُ اللَّهِ) ، ولا تحصل الشهادة له بالرسالة إلاّ بعد العلم به والمعرفة له ﷺ ، فهذا أصل أصيل لحصول الإيمان والإسلام، ولا يحصل لعبدٍ النجاة في الدنيا والآخرة إلا به؛ فإن أول منازل الآخرة القبر، وأول ما يسأل عنه المقبوض عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن وفق للجواب وفق للخيرات، وإن حيل بينه وبين الجواب لكفره أو نفاقه فإنه قد أُغلق عليه باب الفلاح في الدار الآخرة.
стр. 72
نسب النبي ﷺ
يقول ﵀ في بيان هذا الأصل والتعريف به: [وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم] .
هذا فيه بيان نسب النبي ﷺ ، ونسبه ﷺ في الذروة من قومه، وقومه في الذروة من العرب، فهو ﷺ أشرف العرب نسباً، فيجب معرفة اسمه ﷺ ، فلو لم يعرف الإنسان أن أباه عبد الله، وأن جده عبد المطلب وصدق به وآمن بما جاء به لم يضره ذلك، لكن من تمام المعرفة به ﷺ المعرفة بنسبه.
قال المؤلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له: [وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نبينا أفضل الصلاة والسلام] ، وإبراهيم ﵇ هو إمام الحنفاء، والنبي ﷺ جاء مجدداً لدعوته ومبعوثاً برسالته، فهو موصول به نسباً ودعوةً، فنسبه ينتهي إلى إبراهيم الخليل، ودعوته موافقة لما جاء به إبراهيم ﵊.
стр. 73
عُمْر النبي ﷺ
قال: [وله من العمر ثلاث وستون سنة] أي: توفي عن هذا العمر، وهذا معروف ولا إشكال فيه عند أهل السير والتأريخ.
قال: [منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً] ، والسر في بعثته على رأس الأربعين أنه يحصل بهذا السن كمال النضج والرشد، ولذلك قيل: إن الأنبياء لا يبعثون في أقلّ من ذلك، وما ورد بأن عيسى بعث في أقلّ من ذلك فليس بذاك.
وقوله ﵀: [وثلاث وعشرون نبياً رسولاً] أي أنه ﷺ من بعد الأربعين إلى وفاته كان نبياً رسولاً، وأول الأمر كان نبياً فقط، ثم أرسل، كما سيبين ذلك المؤلف ﵀، فبدأ ﷺ الأمر بالنبوة ثم عقب ذلك بالرسالة، وأول ما بدئ به من النبوة الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى الرؤيا إلاّ وتأتي مثل فلق الصبح، واستمر على ذلك ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحي إليه.
стр. 74
بعثة النبي ﷺ
قال: [نُبئ بـ (اقرأ) ] أي: حصلت له النبوة بسورة (اقرأ) ، وذلك أنه ﷺ حببت إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء، فجاءه جبريل وهو في غار حراء، وقال له: (اقرأ قال: ما أنا بقارئ.
قال: اقرأ.
قال: ما أنا بقارئ.
قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] ) ، وقول النبي ﷺ : (ما أنا بقارئ) ليس رفضاً للقراءة أو رداً لها، إنما هو بيان لحاله، وأنه لا يحسن القراءة ﷺ ؛ وذلك لأنه أميٌ لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] ، فما كان النبي ﷺ يعرف الكتاب قراءةً ولا كتابةً، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ، ثم نبئ بـ (اقْرَأْ) ، وهذه السورة فيها أن مفتاح النبوة القراءة، ومفتاح العلم القراءة، ولذلك جاء الأمر بالقراءة لتحصل الخيرات، ولذلك حصل للنبي ﷺ من الخيرات أنه كان مبدؤه وافتتاحه بأمره بالقراءة، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .
ثم قال: [وأرسل بالمدثر] أي: السورة التي نزلت، وسميت بهذا الاسم لأن الله ناداه بهذا الوصف، وذلك أنه ﷺ لما رأى جبريل بين السماء والأرض على الهيئة التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح عظم الأمر عليه، وذهب ترجف بوادره ﷺ إلى أهله، فقال لهم: دثروني دثروني.
من شدة ما وجد من الفزع، فأتاه الخطاب في هذه السورة، وفيها قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر:١] ، وفيها بعثته وأمره ﷺ بالرسالة، أما (اقرأ) فلم يأمره الله فيها بالتبليغ ولا أرسله، إنما أمره بالقراءة لنفسه.
قال: (وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ) أي: بالإنذار عن الشرك الأكبر والأصغر، الدقيق والجليل، الظاهر والخفي؛ فإن النبي ﷺ حذر من الشرك كله، بل حذر منه ومن أسبابه المفضية والموصلة إليه، ولذلك تميزت هذه الشريعة بأنها سدت كل الطرق الموصلة إلى الشرك.
قال: (ويدعو إلى التوحيد) أي: يدعو الناس إلى عبادة الله وحده.
فهذه الشريعة وهذه الرسالة الخاتمة هي أكمل الرسالات وأتمها في تحقيق التوحيد لله ، حتى إنه ما كان من الأمور التي تجوز في الأمم السابقة كالسجود تحيةً وإكراماً مُنع في هذه الشريعة، فخلّصت كل ما يفضي إلى الشرك في الأقوال والأعمال والعقائد.
قال ﵀: (والدليل -أي: على إرساله ونذارته عن الشرك وأمره بالتوحيد- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧] ، ومن بديع هذه الآيات أن الله افتتح الأوامر فيها بالنذارة، فأول آية أمر النبي ﷺ فيها بالإنذار، وحصلت له بها الرسالة، واختتمت بالأمر بالصبر، وهذا فيه إشعار له ﷺ أنه لن يتحقق له القيام بالنذارة والرسالة إلاّ بتحقيق الصبر، ولذلك اختتم الأوامر بقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ، وهذا حال كل من دعا إلى الله ، وكل من علَّم الناس فإنه يحتاج إلى صبر، ولذلك تكرر أمر لله جل وعلا لرسوله بالصبر في آياتٍ كثيرة، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] ، وما إلى ذلك من الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالصبر.
بين الشيخ ﵀ هذه الآيات فقال: [وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد] .
واعلم أن كل ما نهى عنه النبي ﷺ فإنه إما أن يكون شركاً، وإما أن يكون سبباً موصلاً إلى الشرك، وإما أن يكون نقصاً في التوحيد، فالمعاصي التي نهى الله عنها مثل الغيبة ليست شركاً، لكن هل هي من أسباب الشرك؟ الجواب: ليست من أسباب الشرك، ولكنها من نواقص التوحيد، وكل ذنبٍ ومعصيةٍ فإنه من نواقص التوحيد، ولذلك لما ذكر الله جل وعلا صرف السوء والفحشاء عن يوسف ﵇ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] ، وفي قراءة: (الْمُخْلِصِينَ) ، فالإخلاص وكمال التوحيد من أعظم أسباب انصراف الإنسان عن المعاصي الدقيق منها والجليل.
وقوله: [يدعو إلى التوحيد] يعني: ببيانه وما يجب لله منه، وأسباب تحقيقه، ويدعو إليه أيضاً ببيان عاقبة الموحدين.
فدعوة النبي ﷺ دائرة على النهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، مع أن الشريعة جاءت بأوامر كثيرة، لكن كل هذه الأوامر تدور في فلك تحقيق التوحيد، ولذلك قال ابن القيم ﵀: القرآن كله أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك.
ويبين ذلك أن القرآن جاء بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، وبيان عاقبة المشركين، وبيان عاقبة الموحدين، وبيان ما يتم ويكمل به التوحيد، ولذلك كان التوحيد هو المحور الذي يدور عليه كتاب الله .
ثم قال ﵀: [ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه بالتوحيد] .
ولا شك أن أعظم ما يعظم به الرب هو التوحيد؛ لأن التوحيد فرع عن تعظيم الله، وغايته محبة الله ، فالتوحيد يقوم على هذين الأمرين: التعظيم، وهو الذل لله جل وعلا، والمحبة.
وبهما يحصل تمام التعظيم والتكبير لله جل وعلا، وبقدر ما يحصل من النقص في هذين الركنين العظيمين للتوحيد يحصل ما يقابله من نقص التوحيد والخلل فيه.
قال: ( ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك) فجعل الثياب بمعنى الأعمال، وأصل الأعمال أعمال القلوب، فيجب تطهير أعمال القلب من كل شرك وكفر، وكذلك أعمال الجوارح، ولذلك قال ابن القيم ﵀: جمهور المفسرين من السلف على أن معنى قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: وقلبك فطهر، ويكون ذلك بإصلاح العمل والخلق، وكلا المعنيين صحيح وظاهر.
قال: ( ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز: الأصنام) والأصل في الرجز أنه يطلق على النجاسات والمستقذرات، ولاشك أن الأصنام من النجاسات المعنوية، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] ، فهي من النجاسات المعنوية التي يجب على المؤمن أن يتخلى عنها، وأن ينأى بنفسه عنها.
قال: (وهجرها -أي: هجر الأصنام- تركها وأهلها، والبراءة منها وأهلها) .
وذلك لأن الهجر أصله الترك والمفارقة، فأمر الله بالترك والمفارقة للأصنام، وذلك بتركها وترك من يعظمها، وبالبراءة منها والبراءة من أهلها.
ثم توقف المؤلف ﵀ عن بيان بقية الآيات؛ لأن المقصود فيما يستدل له قد حصل بالآيات الأربع السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٢-٥] .
أما قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فمعناه: لا تعطِ عطاءً ترجو أن يُهدى إليك، أو تُعطى أكثر منه.
وقيل في معنى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تر ما تعمله أو ما تلقاه بسبب دعوتك الناس إلى التوحيد شيئاً كبيراً، فيحملك ذلك على الاستكثار من العمل يعني أنك تتعاظم هذا العمل فتقصر عن الزيادة وعن مزيد العمل، هكذا قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ، وكلاهما يصح تفسير الآية به.
وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] أمر الله نبيه بالصبر له، وذلك بأن يخلص صبره لله ؛ لأن من الناس من يصبر، لكن لا يستحضر أن صبره لله ، والمأمور به من الصبر هو الصبر لله احتساباً، فقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اصبر احتساباً له ورغبةً فيما عنده، ورجاءً لثوابه وإعانته .
ثم قال ﵀: (وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) أي: استمر على الدعوة إلى التوحيد عشر سنين يدعو إليه.
قال: (وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس) وهذا فيه أنه لم يسبق هذا أمر بالصلاة، وقد اختلف في وقت العروج هل كان قبل ثلاث سنوات أو قبل سنتين أو أكثر أو أقل، والمهم أنه كان في آخر مدة إقامته في مكة ﷺ ، ولا يفهم من قوله ﵀ أنه اقتصر في الدعوة إلى التوحيد على العشر السنوات الأولى ثم انقطعت الدعوة، هذا ليس مراداً ولم يقصده المؤلف ﵀، وإنما أراد بيان أن صلب ما كان يدعو إليه ويكرره على الناس طيلة العشر السنوات من الدعوة هو التوحيد فقط، ومع ذلك كان يدعو ﷺ إلى صلة الأرحام وغيرها من أنواع الخير التي هي من مكملات التوحيد ومن فضائل الأخلاق، لكن صلب الدعوة وأصلها وأساسها ومحور الخلاف مع المشركين هو دعوته ﷺ إلى عبادة الله وحده، ولذلك لم ينكر أهل مكة عليه غير هذه الدعوة، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، فإنما استغربوا وتعجبوا من هذه الدعوة لا من غ
стр. 75
شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثالث [٢]
الهجرة باقية حتى تطلع الشمس من مغربها، ولها أحكام تختلف باختلاف المكان والزمان من الإباحة إلى الوجوب إلى الاستحباب، وقد سنها النبي ﷺ بهجرته إلى المدينة، حيث أنزل الله سبحانه على رسوله بقية شرائع الإسلام، فأكمل الدين، وأتم النعمة.
следующие страницы →