← Акыда

Акыда · id 7730

شرح ثلاثة الأصول لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (99 стр.). Показаны 71–99 · переход к 76.

стр. 71

معرفة النبي ﷺ فرض عين على كل أحد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وثلاث وعشرون نبيًّا رسولاً، نُبِّئَ بـ (اقْرَأ) ، وَأُرْسِلَ بـ (الْمُدَّثِّرْ) ، وَبَلَدُهُ مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧] . وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تَرْكُهَا وأهلها وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا. أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة] . هذا هو الأصل الثالث من الأصول التي يحصل للعبد بها النجاة في الدنيا والآخرة، وهو معرفة النبي ﷺ ، ومعرفة النبي ﷺ واجبة لا يتم الإيمان إلا بها؛ لأن من أركان الإيمان الإيمان بالرسل، ولأنه لا تثبت القدم على الإسلام إلاّ بالشهادة للنبي ﷺ بالرسالة، فمعرفة النبي ﷺ أصل من أصول الإيمان، وهي بوابة الدخول إلى الإسلام؛ فإن النبي ﷺ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّي رَسُولُ اللَّهِ) ، ولا تحصل الشهادة له بالرسالة إلاّ بعد العلم به والمعرفة له ﷺ ، فهذا أصل أصيل لحصول الإيمان والإسلام، ولا يحصل لعبدٍ النجاة في الدنيا والآخرة إلا به؛ فإن أول منازل الآخرة القبر، وأول ما يسأل عنه المقبوض عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فإن وفق للجواب وفق للخيرات، وإن حيل بينه وبين الجواب لكفره أو نفاقه فإنه قد أُغلق عليه باب الفلاح في الدار الآخرة.

стр. 72

نسب النبي ﷺ يقول ﵀ في بيان هذا الأصل والتعريف به: [وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم] . هذا فيه بيان نسب النبي ﷺ ، ونسبه ﷺ في الذروة من قومه، وقومه في الذروة من العرب، فهو ﷺ أشرف العرب نسباً، فيجب معرفة اسمه ﷺ ، فلو لم يعرف الإنسان أن أباه عبد الله، وأن جده عبد المطلب وصدق به وآمن بما جاء به لم يضره ذلك، لكن من تمام المعرفة به ﷺ المعرفة بنسبه. قال المؤلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له: [وهاشم مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نبينا أفضل الصلاة والسلام] ، وإبراهيم ﵇ هو إمام الحنفاء، والنبي ﷺ جاء مجدداً لدعوته ومبعوثاً برسالته، فهو موصول به نسباً ودعوةً، فنسبه ينتهي إلى إبراهيم الخليل، ودعوته موافقة لما جاء به إبراهيم ﵊.

стр. 73

عُمْر النبي ﷺ قال: [وله من العمر ثلاث وستون سنة] أي: توفي عن هذا العمر، وهذا معروف ولا إشكال فيه عند أهل السير والتأريخ. قال: [منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً] ، والسر في بعثته على رأس الأربعين أنه يحصل بهذا السن كمال النضج والرشد، ولذلك قيل: إن الأنبياء لا يبعثون في أقلّ من ذلك، وما ورد بأن عيسى بعث في أقلّ من ذلك فليس بذاك. وقوله ﵀: [وثلاث وعشرون نبياً رسولاً] أي أنه ﷺ من بعد الأربعين إلى وفاته كان نبياً رسولاً، وأول الأمر كان نبياً فقط، ثم أرسل، كما سيبين ذلك المؤلف ﵀، فبدأ ﷺ الأمر بالنبوة ثم عقب ذلك بالرسالة، وأول ما بدئ به من النبوة الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى الرؤيا إلاّ وتأتي مثل فلق الصبح، واستمر على ذلك ستة أشهر، ثم بعد ذلك أوحي إليه.

стр. 74

بعثة النبي ﷺ قال: [نُبئ بـ (اقرأ) ] أي: حصلت له النبوة بسورة (اقرأ) ، وذلك أنه ﷺ حببت إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء، فجاءه جبريل وهو في غار حراء، وقال له: (اقرأ قال: ما أنا بقارئ. قال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] ) ، وقول النبي ﷺ : (ما أنا بقارئ) ليس رفضاً للقراءة أو رداً لها، إنما هو بيان لحاله، وأنه لا يحسن القراءة ﷺ ؛ وذلك لأنه أميٌ لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] ، فما كان النبي ﷺ يعرف الكتاب قراءةً ولا كتابةً، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ، ثم نبئ بـ (اقْرَأْ) ، وهذه السورة فيها أن مفتاح النبوة القراءة، ومفتاح العلم القراءة، ولذلك جاء الأمر بالقراءة لتحصل الخيرات، ولذلك حصل للنبي ﷺ من الخيرات أنه كان مبدؤه وافتتاحه بأمره بالقراءة، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . ثم قال: [وأرسل بالمدثر] أي: السورة التي نزلت، وسميت بهذا الاسم لأن الله ناداه بهذا الوصف، وذلك أنه ﷺ لما رأى جبريل بين السماء والأرض على الهيئة التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح عظم الأمر عليه، وذهب ترجف بوادره ﷺ إلى أهله، فقال لهم: دثروني دثروني. من شدة ما وجد من الفزع، فأتاه الخطاب في هذه السورة، وفيها قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر:١] ، وفيها بعثته وأمره ﷺ بالرسالة، أما (اقرأ) فلم يأمره الله فيها بالتبليغ ولا أرسله، إنما أمره بالقراءة لنفسه. قال: (وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ) أي: بالإنذار عن الشرك الأكبر والأصغر، الدقيق والجليل، الظاهر والخفي؛ فإن النبي ﷺ حذر من الشرك كله، بل حذر منه ومن أسبابه المفضية والموصلة إليه، ولذلك تميزت هذه الشريعة بأنها سدت كل الطرق الموصلة إلى الشرك. قال: (ويدعو إلى التوحيد) أي: يدعو الناس إلى عبادة الله وحده. فهذه الشريعة وهذه الرسالة الخاتمة هي أكمل الرسالات وأتمها في تحقيق التوحيد لله ، حتى إنه ما كان من الأمور التي تجوز في الأمم السابقة كالسجود تحيةً وإكراماً مُنع في هذه الشريعة، فخلّصت كل ما يفضي إلى الشرك في الأقوال والأعمال والعقائد. قال ﵀: (والدليل -أي: على إرساله ونذارته عن الشرك وأمره بالتوحيد- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١-٧] ، ومن بديع هذه الآيات أن الله افتتح الأوامر فيها بالنذارة، فأول آية أمر النبي ﷺ فيها بالإنذار، وحصلت له بها الرسالة، واختتمت بالأمر بالصبر، وهذا فيه إشعار له ﷺ أنه لن يتحقق له القيام بالنذارة والرسالة إلاّ بتحقيق الصبر، ولذلك اختتم الأوامر بقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ، وهذا حال كل من دعا إلى الله ، وكل من علَّم الناس فإنه يحتاج إلى صبر، ولذلك تكرر أمر لله جل وعلا لرسوله بالصبر في آياتٍ كثيرة، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] ، وما إلى ذلك من الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالصبر. بين الشيخ ﵀ هذه الآيات فقال: [وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد] . واعلم أن كل ما نهى عنه النبي ﷺ فإنه إما أن يكون شركاً، وإما أن يكون سبباً موصلاً إلى الشرك، وإما أن يكون نقصاً في التوحيد، فالمعاصي التي نهى الله عنها مثل الغيبة ليست شركاً، لكن هل هي من أسباب الشرك؟ الجواب: ليست من أسباب الشرك، ولكنها من نواقص التوحيد، وكل ذنبٍ ومعصيةٍ فإنه من نواقص التوحيد، ولذلك لما ذكر الله جل وعلا صرف السوء والفحشاء عن يوسف ﵇ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] ، وفي قراءة: (الْمُخْلِصِينَ) ، فالإخلاص وكمال التوحيد من أعظم أسباب انصراف الإنسان عن المعاصي الدقيق منها والجليل. وقوله: [يدعو إلى التوحيد] يعني: ببيانه وما يجب لله منه، وأسباب تحقيقه، ويدعو إليه أيضاً ببيان عاقبة الموحدين. فدعوة النبي ﷺ دائرة على النهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، مع أن الشريعة جاءت بأوامر كثيرة، لكن كل هذه الأوامر تدور في فلك تحقيق التوحيد، ولذلك قال ابن القيم ﵀: القرآن كله أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك. ويبين ذلك أن القرآن جاء بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد، وبيان عاقبة المشركين، وبيان عاقبة الموحدين، وبيان ما يتم ويكمل به التوحيد، ولذلك كان التوحيد هو المحور الذي يدور عليه كتاب الله . ثم قال ﵀: [ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه بالتوحيد] . ولا شك أن أعظم ما يعظم به الرب هو التوحيد؛ لأن التوحيد فرع عن تعظيم الله، وغايته محبة الله ، فالتوحيد يقوم على هذين الأمرين: التعظيم، وهو الذل لله جل وعلا، والمحبة. وبهما يحصل تمام التعظيم والتكبير لله جل وعلا، وبقدر ما يحصل من النقص في هذين الركنين العظيمين للتوحيد يحصل ما يقابله من نقص التوحيد والخلل فيه. قال: ( ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك) فجعل الثياب بمعنى الأعمال، وأصل الأعمال أعمال القلوب، فيجب تطهير أعمال القلب من كل شرك وكفر، وكذلك أعمال الجوارح، ولذلك قال ابن القيم ﵀: جمهور المفسرين من السلف على أن معنى قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: وقلبك فطهر، ويكون ذلك بإصلاح العمل والخلق، وكلا المعنيين صحيح وظاهر. قال: ( ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز: الأصنام) والأصل في الرجز أنه يطلق على النجاسات والمستقذرات، ولاشك أن الأصنام من النجاسات المعنوية، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] ، فهي من النجاسات المعنوية التي يجب على المؤمن أن يتخلى عنها، وأن ينأى بنفسه عنها. قال: (وهجرها -أي: هجر الأصنام- تركها وأهلها، والبراءة منها وأهلها) . وذلك لأن الهجر أصله الترك والمفارقة، فأمر الله بالترك والمفارقة للأصنام، وذلك بتركها وترك من يعظمها، وبالبراءة منها والبراءة من أهلها. ثم توقف المؤلف ﵀ عن بيان بقية الآيات؛ لأن المقصود فيما يستدل له قد حصل بالآيات الأربع السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٢-٥] . أما قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ فمعناه: لا تعطِ عطاءً ترجو أن يُهدى إليك، أو تُعطى أكثر منه. وقيل في معنى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تر ما تعمله أو ما تلقاه بسبب دعوتك الناس إلى التوحيد شيئاً كبيراً، فيحملك ذلك على الاستكثار من العمل يعني أنك تتعاظم هذا العمل فتقصر عن الزيادة وعن مزيد العمل، هكذا قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ، وكلاهما يصح تفسير الآية به. وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] أمر الله نبيه بالصبر له، وذلك بأن يخلص صبره لله ؛ لأن من الناس من يصبر، لكن لا يستحضر أن صبره لله ، والمأمور به من الصبر هو الصبر لله احتساباً، فقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اصبر احتساباً له ورغبةً فيما عنده، ورجاءً لثوابه وإعانته . ثم قال ﵀: (وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) أي: استمر على الدعوة إلى التوحيد عشر سنين يدعو إليه. قال: (وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس) وهذا فيه أنه لم يسبق هذا أمر بالصلاة، وقد اختلف في وقت العروج هل كان قبل ثلاث سنوات أو قبل سنتين أو أكثر أو أقل، والمهم أنه كان في آخر مدة إقامته في مكة ﷺ ، ولا يفهم من قوله ﵀ أنه اقتصر في الدعوة إلى التوحيد على العشر السنوات الأولى ثم انقطعت الدعوة، هذا ليس مراداً ولم يقصده المؤلف ﵀، وإنما أراد بيان أن صلب ما كان يدعو إليه ويكرره على الناس طيلة العشر السنوات من الدعوة هو التوحيد فقط، ومع ذلك كان يدعو ﷺ إلى صلة الأرحام وغيرها من أنواع الخير التي هي من مكملات التوحيد ومن فضائل الأخلاق، لكن صلب الدعوة وأصلها وأساسها ومحور الخلاف مع المشركين هو دعوته ﷺ إلى عبادة الله وحده، ولذلك لم ينكر أهل مكة عليه غير هذه الدعوة، كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، فإنما استغربوا وتعجبوا من هذه الدعوة لا من غ

стр. 75

شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثالث [٢] الهجرة باقية حتى تطلع الشمس من مغربها، ولها أحكام تختلف باختلاف المكان والزمان من الإباحة إلى الوجوب إلى الاستحباب، وقد سنها النبي ﷺ بهجرته إلى المدينة، حيث أنزل الله سبحانه على رسوله بقية شرائع الإسلام، فأكمل الدين، وأتم النعمة.

стр. 76

أحكام الهجرة

стр. 77

تعريف الهجرة بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه الأصول الثلاثة: [وَالْهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ، وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٧-٩٩] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦] ، قَالَ البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهَاجِرُوا نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغربها) ] . قوله ﵀: [وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإسلام] هذا هو معنى الهجرة في الاصطلاح، فالهجرة في اصطلاح العلماء: هي الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ، وهي من حيث الأصل مشتقة من الهجر، والهجر تقدم أن معناه الترك والمفارقة. ثم من هذا التعريف يتبين لنا أن البلاد تنقسم إلى قسمين -من حيث الجملة-: بلاد شرك، وبلاد إسلام، وهي التي يتكلم عنها الفقهاء بقولهم: دار الكفر، ودار الإسلام، فما هي دار الكفر، وما هي دار الإسلام؟ دار الكفر: هي البلاد التي يغلب فيها أهل الكفر، ودار الإسلام هي البلاد التي يغلب فيها أهل الإسلام. فهذا هو أجود ما قيل في بيان دار الكفر ودار الإسلام، وهناك من الدور ما يتعذر وصفه بكفرٍ أو إسلام، وهي الدور التي يختلط فيها المسلمون بالكفار اختلاطاً بحيث لا يمكن أن يوصف المكان بدار كفر أو دار إسلام، وهذه الدار يعامل فيها الكافر بما يستحق والمؤمن بما يستحق.

стр. 78

فرضية الهجرة وشروطها قال ﵀: [وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشرك إلى بلد الإسلام] فأفادنا ﵀ أن الهجرة واجبة على أهل الإسلام من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، واعلم أن الهجرة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فالهجرة الواجبة هي في حق من لم يستطع أن يقوم بشعائر الدين، أعني: المسلم الذي في بلاد الكفر ولم يتمكن من إظهار دينه، فإنه يجب عليه أن يهاجر إن استطاع، ففهمنا أن الهجرة الواجبة لها شرطان: الشرط الأول: عدم التمكن من إظهار شعائر الدين التي لا يقوم الدين إلاّ بها. الشرط الثاني: أن يكون مستطيعاً وهذا سيتبين من الآية، وهو الدليل الذي ساقه المؤلف ﵀. أما الهجرة المستحبة فهي الهجرة من المكان الذي ينقص فيه دين الإنسان، مع أنه يتمكن من إظهار الدين وإقامة شعائره الأساسية، فالهجرة عن مثل هذا المكان حكمها الاستحباب، سواءٌ أكانت دار كفرٍ، أم كانت دار فسق، هذا من حيث الأصل في تقسيم الهجرة، أي: من حيث كونها واجبةً أو مستحبة. قال ﵀: [وهي باقية] الإشارة إلى الهجرة، يعني أنها باقية إلى أن تقوم الساعة، وذلك لما سيذكره من الدليل في قَوْلُهُ ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الهجرة حتى تنقطع التوبة) ، وهذا يفيد استمرار الهجرة. استدل ﵀ على وجوب الهجرة فقال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالبقاء بين ظهراني المشركين، مع إمكان الهجرة وتعذر إقامة الدين بين المشركين. ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، فإذا كانوا مستضعفين في الأرض فإن هذا يفيدنا أنهم لا يتمكنون من إظهار شعائر الدين ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هذا جواب الملائكة على اعتذارهم في أنهم مستضعفون، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ، هذا حكم الله فيهم، (مأواهم) أي: مصيرهم ومآلهم (جهنم وساءت مصيراً) ، نعوذ بالله منها. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ثم بين من هم، وهذا فيه الدليل على الشرط الثاني، وهو القدرة على الهجرة: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ فهم لا يستطيعون التخلص من هذا الاستضعاف الذي هم فيه، ولا سبيل لهم إلى الوصول إلى المسلمين، إما لضعفهم، أو إكراههم على الإقامة بين المشركين، أو غير ذلك مما يحقق الوصف فيهم أنهم لا يستطيعون حيلة يتخلصون بها من تسلط الكفار، ولا يهتدون سبيلاً يصلون به إلى المسلمين. ثم قال تعالى في الحكم على هؤلاء: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ، وهذا وعد من الله بالعفو عن هؤلاء لعذرهم بعدم الاستطاعة، ثم قال: [وقوله -يعني في الدليل على وجوب الهجرة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]] . أمر الله هنا بالهجرة إذا تعذرت إقامة العبادة في مكانٍ فيهاجر إلى أرض الله الواسعة ليحقق العبادة. قال البغوي ﵀: (سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان) ، وفهمنا من هذا أن ترك الهجرة مع القدرة عليها ليس بكفر، إنما هو من المعاصي، فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ هذه عقوبة، وليست جهنم التي يخلد فيها أهلها.

стр. 79

الجمع بين قَوْلُهُ ﷺ (لا تَنْقَطِعُ الهجرة حتى تنقطع التوبة) وحديث: (لا هجرة بعد الفتح، وإنما جهاد ونية) قال: [وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس من مغربها)) ] ، وعند ذلك: ﴿لَاْ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] ، وهذا دليل على استمرار الهجرة. وهذا الحديث كيف يتفق مع قول النبي ﷺ في الصحيحين: (لا هجرة بعد الفتح، وإنما جهاد ونيّة) ، أو: (ولكن جهاد ونيّة) ؟ والجواب: يتفق معه أن الهجرة المنفية في حديث الصحيحين هي الهجرة المعهودة في زمانه ﷺ ، وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، وذلك أنه بالفتح تحولت مكة من كونها دار كفرٍ إلى دار إسلام، ولما صارت دار إسلام انتهى وجوب الهجرة أو استحبابها منها، وكذلك بقية الجهات في الجزيرة سلّمت بعد الفتح للنبي ﷺ ، وأتت الوفود إليه ﷺ مقرين بدعوته مستسلمين له ﷺ ، فقال: (لا هجرة بعد الفتح) ، وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فهي مستمرة؛ لقوله ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تطلع الشمس من مغربها) ، وللعموم في قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦] ، وكذلك العموم في آيات سورة النساء.

стр. 80

هجرة النبي ﷺ إلى المدينة واستقراره بها قال ﵀: [فلما استقر بالمدينة أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، والحج، والجهاد، والأذان، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ. أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سنين، وبعدها توفي صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَدِينُهُ بَاقٍ، وَهَذَا دِينُهُ، لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي دل عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذر منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه] . قوله ﵀: [فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ من شرائع الإسلام] . هذا واضح لمن عرف سيرة النبي ﷺ ؛ فإن الأمر بهذه الأشياء كان بعد الهجرة إلى المدينة، ولكن ينبغي أن يفهم أن النبي ﷺ لم تنقطع دعوته إلى التوحيد إلى آخر حياته ﷺ ؛ فإنه كان يدعو إلى التوحيد وهو في الرمق الأخير ﷺ ، ومن ذلك أنه لعن اليهود والنصارى قبل وفاته بليالٍ، وقال (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وكثيرٌ مما كان يأمر به ﷺ من أمور التوحيد حصل في المدينة، لاسيما في مكملات التوحيد، مع استمرار دعوته إلى التوحيد فيها، أعني إلى أصل التوحيد وإلى إخلاص العبادة لله ، ولكن أتى الأمر بالشرائع في المدينة؛ لأن الذين سلموا له بالتوحيد احتاجوا إلى تكميله بالعمل الصالح، فدعاهم إلى ما أمره الله أن يدعوهم إليه من شرائع الإسلام. ثم قال: [وَتُوُفِّيَ صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ وَدِينُهُ باقٍ] ، وهذا فيه الإشارة إلى أن بقاء الدين ليس مرتبطاً بحياته ﷺ ، وفيه أنه ﷺ توفي، وهذا أمر مجمع عليه، ودل عليه الكتاب والسنة كما سيأتي بيانه بالأدلة التي ذكرها وبينها الشيخ ﵀، وهذا خلافاً لما يزعمه غلاة الصوفية الذين يقولون: إنه لم يمت ﷺ ، وهذا كذب وافتراء، وتكذيب لما ثبت ثبوتاً قطعياً في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ ، وأجمعت عليه الأمة، وبقاء الدين لا إشكال فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، وحفظه بحفظ أهله؛ فإن الله تعهد بحفظ هذا الدين، ولا يمكن حفظ الدين إلاّ بحفظ أهله، ولذلك قال النبي ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة) ، أو (حتى يأتي أمر الله) .

стр. 81

الخير الذي دل النبي ﷺ أمته عليه وقوله: [لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شر إلا حذرها منه] لا إشكال في هذا، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلّا كان حقًّا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه) ، وهذا في الأنبياء قبله، أما هو فله النصيب الأوفى والحظ الأوفر؛ لأنه أنصح الخلق لأمته ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رءوُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. ثم قال: [وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه] وابتدأ بالتوحيد لأنه أعظم ما أمر به من الخير، وابتدأ بالشرك لأنه أعظم ما يحذر ويخاف منه من الشر.

стр. 82

وجوب طاعة النبي ﷺ من الثقلين قال ﵀: [بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] ، وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠-٣١]] . في هذا المقطع بيان أن النبي ﷺ مبعوث إلى الناس كافة عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، وكل الناس يجب عليهم الإيمان بالنبي ﷺ ، سواءٌ أكانوا من أهل الكتاب، أم من غيرهم، فالواجب على كل من سمع بالنبي ﷺ أن يؤمن به، ولا يسعه إلا ذلك؛ فإن النبي ﷺ قال (ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) . وهذا فيه أنه يجب على كل من بلغه خبر النبي ﷺ أن يسلم له، وأن يؤمن ببعثته ورسالته. قال: [وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ] والثقلان: جمع ثقل، والثقل يطلق في لغة العرب على الشيء النفيس الذي له قيمة. فسمي هذان الجنسان بهذا الاسم لمكانتهما وشرفهما. قال: [والدليل على ما تقدم قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] . الدلالة على أن الرسول ﷺ مبعوث إلى الإنس قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) والخطاب موجه لجميعهم (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، وهذا العموم في قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أكده بقوله: (جَمِيعاً) ، وأما الجن فالدليل على أنه مبعوث إليهم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ، والشاهد قوله: (لِلْعَالَمِينَ) ، والجن من العالمَ، ولا يدخل في العالمين الملائكة، ولا يكون رسولاً للملائكة، بل يقال: هذا من العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنه معلوم قطعاً أنه لم يرسل إلى الملائكة، وهل يوجد دليل خاص يدل على أنه مبعوث إلى الجن؟ الجواب: نعم، وهي آية الأحقاف، وفيها أن الله صرف إليه نفراً من الجن، وكان مما قالوا لما رجعوا إلى قومهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١] ، فلم يكن هذا منهم إلا لما علموا أنهم مخاطبون بهذه الرسالة، ولا إشكال في هذا، فالأمة مجمعة على أن النبي ﷺ مبعوث إلى الجن، كما أنه مبعوث إلى عامة الإنس ﷺ .

стр. 83

إكمال الدين ببعثة نبينا ﷺ قال: [وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]] . هذا واضح في أن النبي ﷺ قد كمل به الدين، فكل من زاد في دين الله تعالى فقد افترى على الله كذباً، وقال عليه بغير علم؛ لأن الله قال: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، فمن استدرك بزيادة أو ببدعة فإنه كالقائل: إن الله لم يكمل لنا الدين. أي: لم يكمل لنا العمل الذي نتقرب ونتعبد به الله . ثم قال: [وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمرف:٣٠]] . وهذا أمر واضح -كما قلنا- في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليه.

стр. 84

مصير الناس بعد الموت قال ﵀: [وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُواْ يُبْعَثُونَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] ، وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] . وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]] . هذا المقطع فيه تقرير ما أجمعت عليه الرسل، وهو الإيمان باليوم الآخر. انتهى المؤلف من ذكر الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم تعلمها، وختم الرسالة ﵀ بذكر الأصول الثلاثة التي أجمعت الرسل على الدعوة إليها، وهي التوحيد، والإيمان بالله ، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل، ويضاف إلى هذه الثلاثة رابع، وهو العمل الصالح؛ فإن الرسل جاءت بالدعوة إلى الإيمان بالله وإلى الإيمان باليوم الآخر وإلى العمل الصالح، ومن لازم مجيئها الإيمان بالرسل أيضاً. يقول ﵀: [والناس إذا ماتوا يبعثون] والبعث: هو الخروج من القبور ليوم البعث والنشور. وذلك أن الناس إذا ماتوا بعثهم الله من قبورهم، ليوافوا بأعمالهم، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] ، وهذا أمر مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين أهل الإيمان قديمهم وحديثهم، فهذا أمر أجمعت عليه الرسل، فمن كذب به أو أنكره فإنه كافر، كما سيأتي في كلام المؤلف ﵀، والبعث الذي آمن به الرسل ودعوا أقوامهم إلى الإيمان به هو بعث الأرواح والأجساد، خلافاً لما قالته الفلاسفة بأن البعث إنما هو للأرواح فقط، فإن من قال: إن البعث للأرواح فقط فقد كفر بما أنزله الله على رسله؛ لأن الذي أنزله على رسله أن البعث للأرواح والأجساد معاً. قال: [وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم] البعث ليس لمجرد البعث، إنما ليوافوا بأعمالهم كما تقدم، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ، ومن كذب بالبعث كفر، ولا إشكال في هذا؛ لمخالفته ما هو قطعيّ في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، وأجمعت عليه الأمة، والدليل على كفر من كذب بالبعث قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] ، والشاهد من الآية قوله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حيث وصفهم بالكفر، ﴿أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ، والقائل هو الله ، أمر رسوله ﷺ بأن يقسم على البعث، وذلك لأهميته وجلالة قدره، وأنه من الأمور التي تحتاج إلى تأكيد بالقسم حتى تقرّ قلوب هؤلاء الكفار بالبعث: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ، وهو في أذهانهم وتصوراتهم عسير، ومن هذا نفهم أنه إنما أنكر من أنكر البعث بسبب طعنه في قدرة الله ، فلو أنه آمن بكمال قدرته جل وعلا لما أنكر البعث، ولذلك يذكر الله جلّ وعلا في الحجج التي يقيمها على من كذب بالبعث قدرته وكمالها، وهذا هو أحد البواعث على الإنكار بالبعث، فأحد أسباب الإنكار بالبعث هو ضعف الإيمان بقدرة الله ، والله يقرر البعث ببيان كمال قدرته، وكمال علمه، وكمال حكمته، فمن آمن بكمال قدرة الله وكمال علمه جل وعلا وكمال حكمته لا يمكن أن يقع في قلبه إنكار البعث، ولذلك قال هنا في تقرير البعث: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فهو جلّ وعلا على كل شي قدير.

стр. 85

شرح الأصول الثلاثة - الأصل الثالث [٣] جميع الرسل ﵈ دعوا إلى توحيد الله وإلى ترك الشرك، فالواجب على العباد توحيد الله والكفر بكل ما يعبد من دونه من الأحجار والأوثان والطواغيت وغيرها.

стр. 86

دعوة الرسل ﵈ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، أما بعد: فيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: [وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ على أن أولهم نوح ﵇ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] ، وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]] . هذا هو الأصل الثالث مما جاءت به الرسل، ألا وهو وجوب الإيمان بأن الله ، أرسل إلى خلقه رسلاً بعثهم يدعون الناس إلى التوحيد، ويحذرونهم من الشرك. قال المؤلف ﵀: [وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين] . أي: يبشرون أهل الإيمان والطاعة والمستجيبين لهم من الموحدين، وينذرون من أنكر من أهل الكفر والمعصية والشرك. قال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]] أي: الدليل على أن الله بعث رسلاً وأرسلهم. والغاية من بعثة الرسل هي قطع حجة المحتجين بأن الله لم يبلغهم ما يجب عليهم.

стр. 87

نوح ﵇ هو أول الرسل قال: [وأولهم -أي: أول الرسل- نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وهو خاتم النبيين] . أما كون آخر الرسل محمداً ﷺ فهذا أمر مجمع عليه، فقد أجمعت الأمة على أنه لا نبي بعد النبي ﷺ لينتظر، ولا كتاب ليرتقب، فآخر الرسل هو محمد ﷺ ، وكل دعوى النبوة بعده ضلال وكفر، وهذا أمر لا خلاف فيه بين أهل الإسلام. وأما كون أولهم نوحاً فهذا هو الذي دل عليه كتاب الله ، ودلت عليه السنة، وبه نعلم خطأ كثير من المؤرخين الذين يجعلون أول الرسل إدريس، ويقولون: إن إدريس كان قبل نوح، وهذا مخالف لظاهر كتاب الله ولصريح السنة. قال: [وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء:١٦٣]] ووجه الدلالة على أن أول الرسل نوح قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ، ففهم من ذلك أنه لم يكن هناك رسول قبل نوح، وأما آدم فالصحيح أنه نبي وليس برسول، ولم يرسل إلى أحدٍ، وإنما علّّم أبناءه التوحيد، والناس كانوا على الفطرة وليس هناك رسول، وإنما جاءت الرسل حين حصل الشرك، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه أخبر أن الناس بقوا على التوحيد عشرة قرون، ثم بعد ذلك حصل الشرك، فبعث الله نوحاً ﵇ يأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ومن السنة حديث الشفاعة، فإن الناس إذا حزبهم الكرب ذهبوا إلى الأنبياء، وممن يذهبون إليه بعد آدم: نوح ﵇، ويقولون له: (أنت أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض) ، فدل ذلك على أن نوحاً أول من أرسله الله إلى الناس.

стр. 88

دعوة الرسل كلهم كانت إلى التوحيد قال: [وكل أمة بعث الله إليهم رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يدعوهم إلى عبادة اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]] وهذا من الأدلة المتكررة في كلام العلماء الدالة على أن الله أمر الناس بعبادته وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك به، وذلك في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] ، كل هذه وغيرها من الأدلة تدل على أن الرسل اتفقوا في الدعوة إلى التوحيد، وأن دعوتهم واحدة، وهي الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك.

стр. 89

الطاغوت والواجب نحوه

стр. 90

الكفر بالطاغوت واجب على جميع العباد قال رحمه الله تعالى: [وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ) . وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، ورءوسهم خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِد وَهُوَ راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لا اله إِلا اللهُ) ، وَفِي الْحَدِيثِ: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) . وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى الله على محمد وآله وصحبه وسلم] . هذا هو المقطع الأخير من هذه الرسالة المباركة -ثلاثة الأصول- للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة. قال ﵀: [وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ والإيمان بالله] قولهم: [افترض] أي: أوجب ، [على جميع العباد] العباد هنا يندرج تحتها كل عباد الله ممن وجه إليه الخطاب وكلف من الجن والإنس، افترض الله على جميع عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وبدأ المؤلف ﵀ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الله بدأ بهما في قوله جل وعلا: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ، فابتدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت هو تخلية القلب وتصفيته وتخليصه من كل شر، ويعقب ذلك التحلية بالإيمان بالله ، فلا يستقيم الإيمان بالله إلا إذا صفا القلب وخلص من كل شائبة شرك وكفر، فإذا خُلّص ونُقّي فعند ذلك تفرغت طاقته وتوافرت همته على الإيمان بالله، وذلك أن القلب إذا شغل بغير الله انشغل عنه، وهذا معنى ينبغي التنبه له، فإن من ملأ قلبه بهمِّ الدنيا شغله ذلك عن هم الآخرة، ومن ملأ قلبه بهمِّ الآخرة اشتغل بها عن غيرها، وأصبحت هي التي بين عينيه، وهي التي تقيمه وتقعده، فيجب على المؤمن أن يحرص على هذين المعنيين: الكفر بالطاغوت، وهو تخلية القلب من كل شائبة شرك دقيق أو جليل، ثم الإيمان بالله، وهو أن يعمر قلبه بكل ما يزينه ويجمله ويحقق عبوديته لله ، ويحقق فيه وصفي السلامة والإنابة، فالسلامة والإنابة عليهما علق الله النجاة يوم القيامة، فمن جاء بقلب سليم ومن جاء بقلب منيب فقد حصل له فوز الدنيا والآخرة.

стр. 91

تعريف الطاغوت ثم بين المؤلف ﵀ معنى الطاغوت الذي افترض الله جل وعلا على العباد الكفر به، ولم يبين معنى الإيمان بالله؛ لأنه قد تقدم بيانه في هذه الرسالة التي بين أيدينا بياناً واضحاً شافياً بالأدلة، لكن لما كان الكفر بالطاغوت يحتاج إلى بيانٍ فإنه خصه ببيانٍ وافٍ واضح. قال ﵀: [قال ابن القيم ﵀: مَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ من معبود، أو متبوع، أو مطاع] . هذا تعريف الطاغوت اصطلاحاً، وهو أحد ما قيل في تعريف الطاغوت، والطاغوت في الأصل مشتق من الطغيان. والطغيان: هو مجاوزة الحد في كل شيء، وأصله (طغيوت) على وزن (فَعَلوت) ، فقدمت الياء فصار (طيغوت) ، وقلبت الياء ألفاً فصار طاغوت على وزن (فلعوت) ، وهذا من حيث الاشتقاق، أما من حيث المعنى الاصطلاحي فإن الطاغوت فسر في كلام السلف بمعانٍ عديدة، ولم يرد في كتاب الله إلا ذمّه والأمر بالكفر به، وقد جمعت هذه التفاسير بما قاله ابن القيم ﵀ في معنى الطاغوت، حيث قال: (الطاغوت هو كل مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ، أو متبوع، أو مطاع) . فقوله: (من) هذه بيانية لما يقع فيه التجاوز، سواءٌ أكان التجاوز في عبادةٍ بصرفها إلى غير الله، أم في غير ذلك. (أو متبوعٍ) باتباعه على ضلالة. (أو مطاعٍ) بطاعته فيما لا يجوز طاعته فيه. وقد عرّفه جماعة من العلماء بتعاريف أخر، فقال شيخ الإسلام ﵀ في تعريفه: (الطاغوت اسم جنس لما عبد من دون الله) ، وقال في موضع آخر: (الطاغوت اسم يطلق على كل ذي طغيان) ، وعرّفه أيضاً في موضع آخر فقال: (الطاغوت اسم جنس يدخل فيه الشيطان، والكاهن، والوثن، والدرهم والدينار) . وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت أنه اسم جنس لما يعبد من دون الله، ولمن دعا الناس إلى ضلالة، سواءٌ أكان هذا الداعي من الشياطين أم من الإنس. قال ﵀: [والطواغيت كثيرون] الطواغيت: جمع طاغوت، والطاغوت يطلق على الجمع والمفرد، لكن جمعه هنا باعتبار أجناسه، فأجناس ما يحصل به الطغيان كثيرة، وليست نوعاً واحداً كما سيبين المؤلف ﵀ أصول ما يحصل به الطغيان في قوله ﵀: [ورءوسهم خمسة] ، والأصل أن يطلق ذلك على كل مجاوزة للشرع ولو لم تكن كفراً، وبه نفهم أن ما يحصل به الطغيان والطاغوت ليس على درجةٍ واحدة، فمنه ما هو كفر، ومنه ما هو شرك، ومنه ما هو معصية، ومنه ما هو بدعة.

стр. 92

رءوس الطواغيت

стр. 93

أكبر الطواغيت وأولهم قال ﵀: [ورءوسهم خمسة] أي: رءوس الطواغيت. وقوله: [رءوسهم] الرءوس: جمع رأس، والرأس في كل شيء أعلاه. فقوله: [ورءوسهم خمسة] أي: أعلى ما يحصل به الطغيان ويصدق عليه وصف الطاغوت خمسة أمور، واعلم أن قوله ﵀: [خمسة] ليس تحكماً من قبل نفسه، إنما هو بالاستقراء، وإلاّ فلو طلبت دليل ذلك في الكتاب والسنة لم تقف على دليل معين، إنما جاء ذلك بالاستقراء، وبتتبع ما قاله أهل العلم في بيان معنى الطاغوت تبين أنه يرجع إلى خمسة أمور، وهذا كثير في كلام أهل العلم، يذكرون أعداداً في أمور شرعية، وهذه الأعداد لم يرد بها نص، إنما عُرف هذا العدد وتُوصل إليه بالتتبع والاستقراء والنظر في الأدلة، وهذا شيء يستعمله كثير من أهل العلم والمحققين، ولا إشكال فيه. قال ﵀ في بيان هذه الرءوس الخمسة: [إبليس لعنه الله] . هذا أول الطواغيت، واعلم أن إبليس هو أكبر الطواغيت وأعظمها شراً، وأخطرها أمراً، وأشدها طغياناً. أما من أين للمؤلف ﵀ أن إبليس من رءوس الطواغيت فنقول: إن جماعةً من السلف فسروا الطاغوت بالشيطان، ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ورد تفسير معنى الطاغوت عن جماعة من الصحابة بأن الطاغوت هو الشيطان، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] ، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] ، وورد تفسير الطاغوت في هذه الآيات بأنه الشيطان عن ابن عباس، وعن غيره من السلف، ولا شك أن إبليس هو أصل الطغيان، كما قال الله جل وعلا حاكياً عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ، فقد تكفل وتعهد وأقسم بعزة الله أن يضل بني آدم، وإضلالهم من الطغيان، ولا يكون إضلال إلاّ بطغيان، فهذا الرأس الأول، وهو أصل ما بعده من الطواغيت والشرور.

стр. 94

من رءوس الطواغيت الذي يعبد من دون الله وهو راض الثاني: قال ﵀: [ومن عُبد وهو راضٍ] ، فكل من صرفت له العبادة بطلب منه أو بغير طلب منه وهو راضٍ عن هذه العبادة فإنه طاغوت؛ لأنه مما يحصل به التجاوز، وذلك أن العبد لا يصلح أن يكون رباً، ولا يصلح أن تصرف إليه أنواع العبادة، فمن صرف إلى غير الله شيئاً من العبادة فقد تجاوز به الحد وطغى فيه، فلذلك كان طاغوتاً، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠] ، وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ معطوف على ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ، وليس معطوفاً على ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ فتنبه. فهؤلاء وصفهم الله بأنهم عبدوا الطاغوت، وكذلك في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] ، فهؤلاء زكوا عبادة المشركين، فكل من عُبد من دون الله وهو راضٍ بهذه العبادة فإنه طاغوت، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة في نبأ المحشر عن النبي ﷺ قال: (ينادي منادٍ يوم القيامة: ألا ليتبع كل أحد ما كان يعبد في الدنيا) ثم قال: (فيتبع من كان يعبد الطّواغيت الطّواغيت) ، وهذا يشمل كل معبود من دون الله، فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ فإنه طاغوت بنص الكتاب والسنة، ومن حيث المعنى موافق ومطابق؛ لأنه تجاوز بالعبد عن حده، وعن قدره الذي يناسبه.

стр. 95

من دعا الناس إلى عبادة نفسه فهو من رءوس الطواغيت الثالث: قال ﵀: [ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه] . هذا ثالث الطواغيت، سواءٌ أطاعوه أم لم يطيعوه، فإنه طاغوت؛ لأنه تجاوز بنفسه عن حده -وهو العبودية- إلى أن يكون معبوداً، ولا يلزم أن يُوافق وأن يُطاع، ولكن كل من ادعى الربوبية وكل من ادعى الألوهية فإنه طاغوت، ولذلك ورد تسمية فرعون بالطاغوت؛ لأنه قال كما حكي الله عنه-: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ، فجاء وصفه بهذا الاسم.

стр. 96

مدعي معرفة الغيب رأس في الطغيان الرابع من الطواغيت: قال ﵀: [من ادعى شيئاً من علم الغيب] . علم الغيب هو: ما استأثر الله به دون خلقه من العلم وهو نوعان: غيب مطلق، وغيب نسبي فالغيب المطلق لا يعلمه أحد إلا الله، ومفاتحه خمسة، وهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ٌ﴾ [لقمان:٣٤] ، فهذه هي مفاتح الغيب كما فسرها النبي ﷺ ، فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور فإنه كافر بالقرآن العظيم؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يعلمون متى يبعثون، وكذلك قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] ، فعلمه بالغيب المطلق مما اختص به هو جل وعلا دون غيره، أما الغيب النسبي فهذا كثير، وقد يعلمه بعض الناس؛ إذ كل ما غاب عنا مما علمه غيرنا فهو غيب بالنسبة لنا، وعلم بالنسبة لمن علمه، فالغيب النسبي هو بالنسبة إلى أشخاص دون أشخاص، وإلى أناسٍ دون أناس، فمن ادعى علم شيءٍ من ذلك فإن كان تحصيله بأسبابٍ معلومةٍ كأن يسأل ويتوصل فهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في ادعاء علم الغيب المطلق الذي فيه الإخبار عن المستقبل. يقول المؤلف ﵀: [ومن ادعى شيئاً من علم الغيب] . هذا هو رابع رءوس الطواغيت؛ لأن هذا طغى وتجاوز حده، والله قد أعلمنا وأخبرنا في كتابه أنه لا يعلم الغيب إلاّ هو جل وعلا، فكل من ادعى علم الغيب فقد تجاوز حده وطغى، فهو طاغوت، هذا من حيث المعنى، أما من حيث النقل فقد فسر جماعة من السلف -منهم سعيد بن جبير وأبو العالية - الطاغوت في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] بالكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيّبات في المستقبل، فعلى هذا يكون كل من أخبر عن المغيبات في المستقبل طاغوتاً بتفسير السلف.

стр. 97

الحاكم بغير ما أنزل الله من رءوس الطواغيت الخامس من رءوس الطواغيت: قال: [ومن حكم بغير ما أنزل الله] أي: من الشرع، فكل من حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، لكن هل هذا الطاغوت كفر أو ليس بكفر؟ هذه مسألة أخرى، فالإنسان الذي تعرض عليه قضية ويعلم أن حكم الله فيها كذا ويعرض عنه ويحكم بغيره لأجل هواه فهذا حَكَمَ بغير ما أنزل الله، ومثل هذا إذا كان حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافراً، وبهذا نعلم أنه ليس كل حكم بغير ما أنزل الله كفراً، بل يجب التفصيل كما فصل الله في الحكم بما أنزل الله، ففي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ، وفي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ، وفي موضع قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ، وهذه مراتب في أحوال من يحكم بغير ما أنزل الله، واعلم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إلاّ إذا استحله من حكم به، ولو في قضية واحدة، بل ولو لم يحكم في أي قضية من القضايا بغير ما أنزل الله، فإنه يكون كافراً إذا كان يعتقد أنه يحل له أن يحكم بغير الشريعة، فلا يلزم أن يباشر ذلك بالعمل، كما هي الحال فيمن أنكر وجوب الصلاة وهو في الصف الأول في الروضة وراء الإمام، فإنه يكون كافراً إذا أنكر الوجوب؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله فإنه كافر، وكذلك من اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله فهو كافر، أما من حكم لأجل الهوى فإنه لا يكون كافراً، ولذلك ينبغي التفصيل في هذه المسألة الكبيرة. بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من ذكر رءوس الطواغيت الخمسة -أعاذنا الله وإياكم منها ومن الطغيان دقيقه وجليله- ذكر الدليل على ذلك، واعلم أن كل هذه الأنواع الخمسة لها دليل، وقد أشرنا إلى أدلتها في أثناء الكلام إلا النوع الأخير في قوله: [من حكم بغير ما أنزل الله] ، فدليله قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] ، فجعل الله الإعراض عن حكمه إلى حكم غيره من التحاكم إلى الطاغوت، وهذه الآية قد ورد في سبب نزولها أثر صحيح هو أن منافقاً اختصم مع يهودي، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه علم أن النبي ﷺ لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لأنه كان يعلم أنهم يأخذون الرشوة، فأنزل الله هذه الآيات في فضح المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ، فجعل طلب الحكم من غير الشريعة من التحاكم إلى الطاغوت. ثم ذكر المؤلف الدليل على ما تقدم فقال: [وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]] . فهذه الآية دليل على أن الله افترض على عباده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وهل في الآية دليل على الرءوس الخمسة من الطواغيت؟ الجواب: نعم، يؤخذ منها الدلالة على الرءوس الخمسة من الطواغيت، ولذلك فسر جماعة من السلف الطاغوت بهذه المعاني السابقة، وقد جمع ابن الجوزي ﵀ في كتابه (زاد المسير) الأقوال في تفسير الطاغوت، وأكثرها مما تقدم ذكره في قول المؤلف ﵀: [ورءوسهم خمسة] .

стр. 98

الكفر بالطاغوت من معاني (لا إله إلا الله) ثم قال ﵀: [وهذا معنى (لا إله إلاّ الله) ] المشار إليه هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وقوله: [هذا معنى (لا إله إلاّ الله) ] كيف يكون هذا معنى (لا إله إلاّ الله) ؟ والجواب: قوله: (لا إله) هذا هو الكفر بالطاغوت؛ لأنه ينفي العبادة عن كل معبود، وقوله: (إلاّ الله) إثبات لجميع أنواع العبادة لله وحده، وهذا هو الإيمان بالله ، إذاً: قوله: [معنى: (لا إله إلاّ الله) ] أي: ما تضمنته هذه الآية من حصول الإيمان، وذلك من ترتيب الاستمساك بالعروة الوثقى على هذين الأمرين: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله. ثم قال ﵀ في ختام هذه الرسالة المباركة: [وَفِي الْحَدِيثِ: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله] . وهل هذا الحديث دليل للمسألة السابقة أم لا؟ الحقيقة أن بعض الشرّاح قال: إنه دليل على الإيمان بالله والكفر بالطاغوت وبعضهم قال: إنما أراد المؤلف ﵀ ختم الرسالة بهذا الحديث؛ لما تضمنه من المعاني العظيمة التي هي بيان رأس الأمر، وبيان ما يقوم به، وبيان ما يبلغ به الغاية. وعندي أن هذا دليل وبراعة اختتام. أما الدليل ففي قوله: (رأس الأمر الإسلام) ، والأمر هنا المراد به الدين يعني: رأس الدين الإسلام، والمراد بالإسلام هنا الشهادتان؛ ولذلك جاء في روايةٍ لهذا الحديث: (رأس الأمر شهادة ألا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) ، فالإسلام المراد به هنا الشهادتان، وهو الاستسلام لله بالعبودية، أي: إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده دون غيره، وعلى هذا يكون فيه دليل على ما تقدم؛ لأن شهادة ألا إله إلاّ الله هي الإيمان بالله تعالى والكفر بالطاغوت، فيكون فيها دليل لما ذكره ﵀ في قوله: [افترض اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بالله] . وأما قوله ﷺ في الحديث: (وعموده الصلاة) فهذا فيه بيان مرتبة الصلاة في هذا الدين، وأنها من هذا الدين كالعمود للخيمة، وليس للخيمة قيام بلا عمود، بل لا قيام للفسطاط إلاّ بعمود، فمن لا صلاة له لا إسلام له، هكذا قال عمر بن الخطاب ﵁، وورد مثل ذلك عن علي بن أبي طالب: (لا حظّ في الإسلام لمن لا صلاة له) ، وكل هذا مما ورد عن الصحابة. وقال عبد الله بن شقيق ﵀ -وهو من التابعين-: (لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلاّ الصلاة) ، فالصلاة شأنها كبير، وأمرها خطير، ويكفي في هذا الوصف قول النبي ﷺ : (وعموده الصلاة) . وقال الإمام أحمد ﵀: (من أراد أن يعرف قدر الإسلام في قلبه فلينظر إلى قدر الصلاة في قلبه) ، فبقدر ما يكون مع الإنسان من تعظيم الصلاة والاهتمام بها والعناية بها والإقبال عليها والتبكير إليها وتعلق القلب بها يكون معه بقدر ذلك من الإسلام، ولذلك كان أول ما يسأل عنه الناس من الأعمال بعد التوحيد مما يتعلق بحقوق الله الصلاة، فهي أول مسئول عنه، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعتني بهذه العبادة الجليلة، وأن يهتم بها، وأن تكون منه على البال دائماً، فهذا هو المعيار والميزان الدقيق، فإذا أردت أن تعرف قدر الإسلام في قلبك فانظر إلى قدر الصلاة في قلبك، وهذا القول عن الإمام أحمد ذُكر في كتاب (تعظيم قدر الصلاة) . وأما قوله: (وذروة سنامه الجهاد) فذروة الشيء أعلاه، والمراد أعلى شيءٍ في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله يعني: الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى واعلم أن الجهاد والصلاة هما العبادتان اللتان تكرر الأمر بهما والثناء على أهلهما في الكتاب والسنة، بل قال شيخ الإسلام ﵀: (لم يرد من الأحاديث قدر ما ورد في الصلاة والجهاد حثاً وأمراً وفضلاً) ، وهذا يجعل الإنسان يحرص على أن يكون نصيبه وافراً في الأمرين.

стр. 99

مراتب الجهاد في سبيل الله والجهاد في سبيل الله يكون على مراتب، فمنه ما يكون جهاداً للكفار، ومنه ما يكون جهاداً للمنافقين، ومنه ما يكون جهاداً للعصاة، وقد ذكر جميع هذه المراتب ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد) ، ومنه ما يكون جهاداً بالسيف والسنان، ومنه ما يكون بالعلم والبيان، فطلاّب العلم الذين يبذلون أوقاتهم في تحصيل العلم وتحرير المسائل ومعرفتها على أصولها هم من المجاهدين في سبيل الله تعالى إذا احتسبوا وأخلصوا النية؛ لأن هذا الجهاد تحفظ الشريعة، كما أن الشريعة تحفظ به بالسيف فهي تحفظ بالعلم، لكن ينبغي للإنسان أن يكون صاحب نيةٍ في هذا الأمر ليحصل له ما يريد من الخير، وقول النبي ﷺ : (وذروة سنامه الجهاد) أي: أفضل الأعمال بعد الواجبات فأعلى الأعمال بعد الواجبات المفروضة على العموم الجهاد في سبيل الله، ثم إنّ الجهاد منه ما هو فرض كفاية، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو فرض عين، لكنه في حالات محدودة قد ذكرها الفقهاء وأهل العلم في كتبهم، والأصل في حكمه أنه فرض كفاية. وأما براعة الختام فقد ذكر المؤلف ﵀ أنه لا يكفي في تحقيق التوحيد والفوز بهذه الأصول مجرد القول، بل لابد من العمل أولاً، ولابد من بلوغ العمل غايته، فالشهادتان اللتان هما الإقرار لله بالإلهية وللنبي ﷺ بالرسالة لابد أن ينضاف إليهما المحافظة على الأعمال الصالحة، وذكر أشرفها وأعلاها وهي الصلاة، ثم لا يقتصر على المفروضات، بل يسارع في النوافل التي تقربه إلى الله ، وأشار إلى ذلك بقوله ﷺ : (وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فختم هذه الرسالة ببيان ما يثبت به الدين، وعلى ماذا يقوم، وبماذا يحفظ؟ فيثبت الدين بالشهادتين، ويقوم بالصلاة، ويحفظ بالجهاد. نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وبهذا تكون قد تمت الأصول الثلاثة التي تضمّنتها هذه الرسالة المباركة للإمام العالم المجدد: محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله عنا خير الجزاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.