Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
التحذير ممن يتبعون المتشابهات
ثم قال ﵀: [وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) ] وهذا الحديث في الصحيحين من حديث عائشة، وفيه التحذير من السماع لأهل الشبهات وأهل الأهواء.
والشبهات -أيها الإخوة- قد ترد على العبد، ويظن أنها نابعة عن سعة علم، وعن معرفة واطلاع، والغالب أن الشبهات لا ترد إلا على قلب ضعيف، فالشبهات لا تنشأ إلا عن قلة في العلم أو ضعف في البصيرة؛ ولذلك إذا تواردت على قلبك الشبهات فاعلم أن علمك ضعيف، وليس ذلك لكثرة علمك.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ كلاماً طيباً في الحذر من الشبهات وأهل الشبهات، وذكر وصية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذلك في مفتاح دار السعادة، قال ﵀: (فأيما قلب صغى إليها -أي: إلى شبهات الباطل- وركن إليها، تشربها وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام ﵁ يشير إلى ابن تيمية ﵀ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشرَبتَ قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقراً للشبهات أو كما قال) اهـ.
يقول ابن القيم ﵀: (فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك) ، وهذه وصية نافعة مباركة في دفع الشبهات ودحضها، وهي أن يحذر الإنسان منها، وألا يجعل قلبه مقراً لها، بل يدفعها عن قلبه ما استطاع، ومن سبل دفعها دفع أهلها والنأي عنهم.
стр. 37
كيفية رد المتشابه إلى المحكم
ثم قال ﵀: [مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره؛ فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يُقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم بالملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرت لي -أيها المشرك- من القرآن أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه] يعني: لا أعرف أن معناه هو الذي ذكرت وإلا فمعنى قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) بيّن يعرفه الموحد، ولكن لا يعرف الموحد من هذه الآية أنه يجوز الاستشفاع بهم، ويجوز سؤالهم من دون الله ، وصرف العبادات إليهم دون الله .
ثم قال ﵀: [ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله .
وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]] .
إذاً: أجاب الشيخ ﵀ على مجموع هذه الشبه التي أوردها المشرك بجواب مجمل، وهو التمسك بالمحكم من الآيات، ورد كل ما خالف ذلك المحكم.
وهذا هو سبيل العلماء الراسخين والمقتفين لآثار النبيين والصالحين من الصحابة ومن بعدهم؛ أنهم يتمسكون بالمحكم ويردون المتشابه إليه، فإذا قال القائل من هؤلاء المشركين: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا يدل على أنه يجوز الاستشفاع بهم، قلنا له: ما وجه دلالة هذه الآية على ما تذكر، مع أن الله قد أنكر على المشركين طلب الشفاعة ممن طلبوا منهم من الصالحين والمعبودين من الملائكة والأنبياء وغيرهم؟! فهذا جواب مجمل ترد به على هؤلاء.
ومن هذا نفهم أن الآيات المتشابهة ليست آيات محددة العدد، بل هي مختلفة، فقد يشتبه على شخص ما لا يشتبه على آخر فالتشابه في الآيات أمر نسبي وليس أمراً محدداً، فهذا المشرك اشتبه عليه الأمر، وظن أن قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يدل على ما ذهب إليه من الشرك.
وذكر الشيخ ﵀ أن هذا الجواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله.
ثم قال ﵀: [فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ] .
وبهذا تعلم أن جميع ما يورده المشركون من الشبه والحجج هي شبه وحجج داحضة يعني: باطلة؛ لأن الرسل دعت إلى التوحيد، ودعت إلى إفراد الله بالعبادة، فأي عبادة صرفها لغير الله شرك، فلو جاء بأدلة الدنيا كلها بجواز صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله رددنا هذه الأدلة، وأخذنا بالأدلة الظاهرة في أن الرسل جاءت بالدعوة إلى التوحيد، وعدم جواز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
стр. 38
شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين لأجل منزلتهم عند الله
ثم صدر الشيخ ﵀ الشبهات المفصلة بثلاث شبه فقال ﵀ في وصفها: [واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم] فبدأ ﵀ في الشبهات بثلاث شبه هي كبار الشبه التي يوردها المشبهون، ويتمسك بها المسوغون والواقعون في الشرك.
وأول هذه الشبه قال ﵀: [فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر أو غيره] كل هذا فهمنا منه أن المشرك يُقر بتوحيد الربوبية ويظن أن عدم إشراكه هو إقراره بتوحيد الربوبية؛ لأنه صدّر كلامه بقوله: (نحن لا نشرك بالله) ، وما الدليل على عدم شركه بالله؟ قال: (بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له) فهذا أخطأ في فهم توحيد الإلهية، فظن أن توحيد الإلهية هو أن يعتقد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله، وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن عبد القادر أو غيره.
ثم قال ﵀ حاكياً عنهم: [ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم] هذه هي الشبهة الكبرى التي وقع بها المشركون في الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] فما ذكره هذا المشرك هو عين ما احتج به أعداء الرسل على رسلهم، وأنهم لم يصرفوا العبادات لأجل هؤلاء، إنما صرفوها لأجل تحصيل الشفاعة منهم وأن لهم جاهاً عند الله؛ ولذلك قال الشيخ ﵀: [فجاوبه بما تقدم، وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئاً، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه] .
стр. 39
الجواب على شبه المشركين بأن دعاء الصالحين لأجل منزلتهم عند الله
فالجواب على الشبهة الأولى من وجهين: الوجه الأول: بيان معنى توحيد الإلهية؛ لأن هذا ظنّ أن توحيد الإلهية هو أن يعتقد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن الإقرار بهذا هو إقرار بتوحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون كما قال : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] فهم مقرون بهذا ولا نقاش.
الوجه الثاني: أن نقول: إن ما احتججت به هو الذي احتج به المشركون على رسلهم، فإنك تزعم أنك تطلب منهم الشفاعة وأنك ترغب في الجاه الذي عندهم، وأنت ليس عندك جاه، والله قد ذكر ذلك عن المشركين، وحكم عليهم بالشرك بهذا.
стр. 40
شرح كشف الشبهات [٦]
شبه المشركين المنتسبين إلى الإسلام كثيرة، منها أن كفار قريش كانوا يعبدون الأصنام، وأما هؤلاء فهم يتوسلون إلى أنبياء وأولياء لا إلى جمادات وأصنام، متجاهلين أن دعاءهم لهم هو من العبادة؛ لأن الدعاء إما أن يكون دعاء مسألة أو دعاء عبادة وهما متلازمان وحصول أحدهما يعني بالضرورة حصول الآخر.
стр. 41
شبهة المشركين بأن الكفار قديماً كانوا يدعون الأصنام لا الصالحين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: [فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة.
ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] ، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٥-٧٦] واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] ، الآية، فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ ؟] .
هذه هي الشبهة الثانية، وملخصها أن الذين بعث النبي ﷺ فيهم للإنكار عليهم ومحاربتهم وقتالهم قوم كانوا يعبدون الأصنام، والأصنام لا شبهة في عبادتها؛ ولذلك حاربتهم الرسل، أما هو -أي: المشرك- فيصرف العبادة إلى الملائكة والنبيين والصالحين الذين في عبادتهم نفع، وهو طلب جاههم وشفاعتهم، ففرّق بين الشرك بالأصنام والأحجار وبين الشرك بالملائكة والصالحين.
قال ﵀: (فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة) ومقصدهم من قولهم: هؤلاء الآيات أي: الآيات التي فيها النهي عن الشرك، والتحذير منه، وبيان عاقبة أهله.
وقول الشيخ ﵀: (فجاوبه بما تقدم) أي: في جوابك عليه في الشبهة الأولى، وملخصه أن المشركين إنما عبدوا من عبدوا لطلب الشفاعة والجاه، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، فبهذه الإجابة سقطت عنا الشبهة الأولى.
стр. 42
الجواب على شبهة المشركين بأن الكفار كانوا يدعون الأصنام لا الصالحين
ثم أجاب ﵀ عن الشبهة الثانية فقال: (ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو والأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] .
إذاً: القوم الذين بعث فيهم النبي ﷺ وقاتلهم بل وقاتلتهم الرسل جميعاً هم قومٌ وقعوا في الشرك في الصالحين والأصنام وغيرها من أنواع الشرك الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] ، هذه الآية فيها بيان أن الذين يدعوهم المشركون هم قوم يتعبدون لله ، ويطلبون القربة إليه، وهم الملائكة والأنبياء والصالحون، وقد فسر ابن مسعود ﵁ اسم الإشارة (أولئك) في الآية فقال: الجن، ورجح ذلك الطبري، وذهب شيخ الإسلام وغيره إلى أن الآية تشمل الجن وغيرهم ممن دعي من الصالحين كالملائكة والنبيين وصالحي الجن، فالآية دالة على أن الذين بُعث فيهم النبي ﷺ كانوا يعبدون الأصنام والصالحين والأولياء.
ثم قال ﵀: (ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٥-٧٦] ، واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] ) .
وفي هذا إثبات أن الذين بُعث فيهم النبي ﷺ كانوا يعبدون الجن والشياطين، ويعبدون أيضاً الملائكة وبعضهم يعبد عيسى ابن مريم.
ثم قال ﵀: (فقل له: أعرفت أن الله كَفَّر من قصد الأصنام، وكَفَّر أيضاً من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله ﷺ ؟) لكن المشبه الذي أشرب قلبه حب الشرك يُراوغ، [فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] .
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها] .
قال ﵀: (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم) ومعنى هذا ملخصاً هو تكرار الخطأ في الشبهة الأولى، وهو ظن أن التوحيد الذي يُنجيه هو إقراره بأنه لا نافع ولا ضار ولا مدبر إلا الله، والإقرار بهذا لا يزيد عن كونه إقراراً بتوحيد الربوبية، ثم إنه فرق بين ما وقع منه وما وقع من المشركين بقوله: (إن المشركين يريدون منهم) ولسان حاله يقول: وأنا أريد بهم؛ لأنه قال: (ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم) فهو يريد بهم، وأولئك يريدون منهم أي: أن الكفار يسألونهم ويطلبونهم جلب المنافع ودفع المضار، وأما هذا فهو يقول: أنا أريد بهم يعني: يتوسل بهم لتحقيق مطلوبه.
والفرق بين الشبهة الأولى وبين هذه الشبهة: أنهم في الشبهة الأولى اعتمدوا على الجاه، وفي هذه الشبهة اعتمدوا على الشفاعة، هناك قال: إن الصالحين لهم جاه، وأنا مذنب ليس لي جاه، فهناك نظروا إلى الجاه، وهنا نظروا إلى الشفاعة.
ثم قال ﵀: (فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] ) ، هذا عين ما وقع فيه المشركون، ومن المشركين من كان يطلب منهم ويقصدهم، ومنهم من كان يطلب بهم، ولا فرق في ميزان الشارع بين أن تطلب به أو تطلب منه، فإن الله نهى العباد عن جميع صور الشرك وأنواعه.
ثم قال ﵀: (واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم) فأنت إذا تأملت هذه الشبه الثلاث، وكان عندك معرفة بشيء من كتاب الله وشيء من هدي النبي ﷺ تبددت هذه الشبهات، وصدق عليها قول الشاعر: وكل كاسر مكسور فليس فيها متعلق، وإنما هؤلاء -كما قيل- يتعلقون بأشعة القمر، فإنهم يبحثون عن أدنى متعلق يبررون به شركهم وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، ويعتمدونه في مواقعة ما أشربت قلوبهم من الكفر بالله تعالى والإشراك به، وإلا فمن تدبر كلام الله يعلم أنه ليس فيها مستمسك، وليس عليها معول ثم قال ﵀: (فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها) .
стр. 43
شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين ليس عبادة
ثم بدأ الشيخ في ذكر أنواع من الشبهات هي دون الثلاث الأول، فأول هذه الشبه التي تعتبر فروعاً عما تقدم هي ما قاله ﵀: [فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك، فإذا قال: نعم، فقل له: بين لي هذا الذي فرض عليك، وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك، فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] .
فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله، ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدّاً] .
стр. 44
الجواب على شبهة المشركين بأن دعاء الصالحين ليس عبادة
قال ﵀: فإن قال: (أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة) الشبهة هي قوله: أنا ألتجئ إليهم، والالتجاء والدعاء ليس عبادة فمناقشتهم ستكون كما يلي: قال ﵀: (فقل له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك) أما دلالة هذا فلا أظن أحداً يؤمن بالله ورسوله ينكر أن الله افترض عليه إخلاص العبادة؛ لأن الله نص في كتابه فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ، وأما كون إخلاص العبادة لله حقه فكما تقدم معنا في حديث معاذ: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) فهي أمره وحقه .
ثم قال ﵀: (فإذا قال: نعم.
فقل له: بيِّن لي هذا الذي فُرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها) لا شك أن الذي يقول: إن دعاء غير الله ليس عبادة لا يعرف العبادة ولا أنواعها؛ ولذلك لم يترك له ﵀ مجالاً للجواب فقال: (فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها) .
стр. 45
بيان أن الدعاء هو العبادة
ثم قال ﵀: (فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ) بينها له بما أنكر أنه عبادة، فإنه أنكر أن الدعاء عبادة، ونحن قد تقدم لنا ضابط العبادة فقلنا: العبادة هي كل ما أمر الله به ورسوله.
انظر إلى هذه الآية، قال الله جل ذكره: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وهذا فيه الأمر بالدعاء، فثبت بهذا أن الدعاء عبادة.
واعلم -بارك الله فيك- أن الدعاء في القرآن يرد تارة ويراد به دعاء المسألة، ويرد تارة ويراد به دعاء العبادة، وهما متلازمان، فإذا ورد في موضع دعاء العبادة فإنه يتضمن دعاء المسألة، وإذا ورد في موضع دعاء المسألة فإنه يستلزم دعاء العبادة؛ ولذلك فسر كثير من أهل العلم الدعاء هنا بدعاء المسألة، وقال بعضهم: إن المراد هنا دعاء العبادة، ولا ضير إذ أن كلاً منهما يشمل أو يستلزم الآخر: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) فأمر الله بدعائه تضرعاً وانكساراً وخفيةً دون الجهر من القول.
ثم قال ﵀: (فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول: نعم) لماذا لابد أن يقول: نعم؟ لأن العبادة هي كل ما أمر الله به ورسوله، وهذا أمر ظاهر لا إشكال فيه، ونحن نقول: كل ما أمر الله به ورسوله يشمل أمر الإيجاب وأمر الاستحباب.
ثم قال ﵀: (والدعاء مخ العبادة) هذا أيضاً في الاستدلال على أن الدعاء عبادة، وهذا الحديث رواه الترمذي وفيه ضعف، وأصح منه ما رواه الترمذي أيضاً بسند جيد أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ، ففسر النبي ﷺ الدعاء بالعبادة، وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فأما دعاء المسألة فهو: طلب جلب النفع أو كشف الضر أو دفعه، وأما دعاء العبادة فهو يشمل كل قربة يتقرب بها العبد إلى الله من صلاة أو زكاة أو حج أو صدقة أو غير ذلك من أنواع العبادات، فدعاء العبادة شامل لكل ما أمر الله به، وأما دعاء المسألة فهو طلب فعل الخير من الله أو دفعه.
ثم قال ﵀: (فقل له: إذا أقررت أنه عبادة، ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟) فلا شك أنه سيقول: نعم، إذ أنه صرف العبادة لغير الله، فمن دعا نبياً أو ولياً أو ملكاً أو جنياً فإنه قد صرف نوعاً من العبادة لغير الله، وهذا هو الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه والدعوة إلى تركه والتخلي عنه.
ثم قال ﵀: (فلابد أن يقول: نعم.
فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم.
فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم) وهذا استدلال بما هو أظهر وأوضح؛ لأنه يناقش في مسألة الدعاء، فبعد أن قررنا أن الدعاء عبادة وأن صرفه لغير الله شرك قطعاً للمنازعة وقطعاً للإيراد، ضربنا في ذلك مثلاً واضحاً وهو الذبح، فإن الله قد أمر بالذبح له دون غيره فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] فإذا عملت هذا، وأطعت الله وذبحت له، أليس هذا عبادة؟ فسيقول: بلى هذه عبادة، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم، وإلا فإذا كابر وقال: لا، فلا معنى للشرك إذا لم يكن هذا هو الشرك؟ ولذلك فلابد أن يُقر ويقول: نعم.
ثم قال ﵀: (وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول: نعم) لأننا قد أجبنا على شبهته وبينا له من كتاب الله وسنة رسوله أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن كانوا يعبدون الملائكة، وكان منهم من يعبد الجن، وكان منهم من يعبد الصالحين وغير ذلك.
وهذا هو الجواب على الشبهة الثانية.
ثم قال ﵀: (فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟) لم تكن عبادتهم في غير ذلك، إنما كانت عبادتهم في هذه الأشياء، (وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره) ولذلك كان إذا وجه لهم السؤال: من يملك ويدبر ويخلق ويرزق؟ كانوا يقولون: الله.
ثم قال ﵀: (وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جداً) وليس بعد هذا الجواب جواب، فهو أظهر جواب في الرد على هذا المُلبِّس أو المُلبَّس عليه.
стр. 46
شرح كشف الشبهات [٧]
من أعظم شبه عباد القبور أنهم يتخذونهم شفعاء إلى الله، وهذه الشبهة هي عين شبهة المشركين الأوائل، وقد بين الله أن الشفاعة له جميعاً، وأنه لا أحد يشفع إلا من بعد إذنه لمن يشاء ويرضى، وأهل السنة والجماعة يثبتون الشفاعة للأنبياء والصالحين، ويعلمون يقيناً أن أعظم شافع ومشفع وأقربهم منزلة عند الله هو نبينا محمد ﷺ .
стр. 47
شبهة المشركين في التوسل بغير الله باعتمادهم على إثبات الشفاعة للنبي ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المؤلف ﵀: [فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع والمشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاًً﴾ [الزمر:٤٤] ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد؛ تبين لك أن الشفاعة كلها لله، فأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال ذلك] .
هذه هي الشبهة الخامسة، وهي رجوع إلى موضوع الشفاعة، وقد ذكرنا لكم أن الشفاعة هي أعظم ما يعتمد عليه المشركون في تسويغ الشرك والوقوع فيه.
стр. 48
معنى الشفاعة
الشفاعة في اللغة: من الشفع وهو الزوج.
وفي الاصطلاح: هي التوسط لجلب نفع أو دفع ضر عن الغير لأجله.
أي: لأجل ذلك الغير.
والشفاعة يثبتها أهل السُنّة والجماعة للنبي ﷺ وللملائكة وللأنبياء وللصالحين وأعلى الخلق نصيباً في الشفاعة هو نبينا محمد ﷺ ، فإن أهل السُنّة والجماعة يثبتون له ﷺ شفاعات لا يشرك فيها غيره، وشفاعات يشرك فيها غيره.
والشفاعات التي يشارك فيها النبي ﷺ له فيها النصيب الأعلى الأوفى، وهذا من أكبر الرد على هذا المبطل؛ إذ أنه شغّب على الموحدين بقوله: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فالجواب: أن الموحدين لا ينكرون شفاعة النبي ﷺ ، بل يثبتون له أكمل الشفاعات، ويثبتون له ﷺ شفاعات يشرك فيها غيره، وشفاعات لا يشرك فيها غيره.
والشفاعات التي يشارك فيها النبي ﷺ له فيها النصيب الأعلى الأوفى.
стр. 49
الشفاعة لله جميعاً وإثبات شفاعة النبي لا تسوغ التوسل به وصرف العبادة له
وأجاب الشيخ فقال ﵀: (فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته) هذا فيه إبطال لشبهته، والآن نأتي للرد على ما اعتمد عليه في وقوع الشرك، بعد أن قررنا أن الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ نرد عليه من جهة تعلقه بهذه الشفاعة، وأن إثبات الشفاعة للنبي ﷺ لا يسوغ التوسل به، ولا صرف أنواع العبادة له ﷺ .
قال ﵀: (لكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤] ) هذا فيه إثبات الشفاعة لله ، وأنها ملكه، وأنها له دون غيره، وهذا يُبيّن لك أن الشفاعة محض فضل من الله على الشافع والمشفع فيه، لا كما يفهمها المشركون من أنها حق للشافع؛ ولذلك قال تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) فإذا كانت الشفاعة له ، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه، فيأذن للشفيع ويأمره أن يشفع في المشفوع فيه؛ علمنا بذلك أنه لا وجه لسؤالها من الشفيع، بل الواجب أن تطلب وتسأل من الله ؛ ولذلك قال ﵀ في بيان معنى أنها له : (ولا تكون إلا من بعد إذن الله) فهي لا تكون إلا من بعد إذنه وأمره كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فنفى الله أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهذا أحد شرطي الشفاعة، وهو: إذن الله ، والثاني: لا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وهذا فيه الشرط الثاني من شروط الشفاعة، وهو: رضا الله عن الشافع والمشفع فيه.
ثم قال ﵀: (وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ) وأظهر من هذه الآية في الدليل على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد ما روي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﷺ : أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه) ، فيكون أسعد الناس وأحظهم بشفاعة النبي ﷺ هم أهل التوحيد.
ثم قال ﵀: (فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد تبين لك أن الشفاعة كلها لله) فبالتالي إذا كانت الشفاعة كلها لله تعالى فهل يسوغ طلبها من غيره؟ لا.
ثم قال ﵀: (فأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال هذا) وفي هذا غاية التوحيد والإقبال على الله تعالى والإخلاص، فإن بيده الخير ولا يُسأل إلا منه.
стр. 50
إثبات شفاعة النبي ﵊ من الله يصاحبها نهيه عن صرف الدعاء لغيره تعالى
قال ﵀: [فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ) فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: (فلا تدعو مع الله أحداً) وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراد يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله] .
قوله ﵀: (فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله) الشبهة هي أنه زعم أن إعطاء الله لنبيه ﷺ الشفاعة يُسوغ طلب الشفاعة منه ﷺ كطلب أي شيء، فالنبي ﷺ لما كان حياً كان يطلبه الصحابة المال، والمال قد أعطاه الله إياه، وكذلك الشفاعة أعطاه الله إياها وأنا أطلبها منه.
والجواب على هذه الشبهة ما قاله الشيخ ﵀: (فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا) أعطاه الشفاعة ولا شك كما ثبت ذلك في الأحاديث الكثيرة، ونهاك عن هذا أي: نهاك عن سؤال الشفاعة من غيره فقال تعالى: (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وهذا يشمل النبي ﷺ ويشمل غيره، فدعاء غير الله تعالى وطلب الشفاعة منه نهى الله عنه في هذه الآية (فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) و (أحداً) نكرة في سياق النهي، فتعم كل أحد، والدعاء الذي نهى عنه الله في هذه الآية هو دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة، قال ابن تيمية ﵀: (كل دعاء ذكره الله عن المشركين لأوثانهم فإن المراد به دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة) .
فقد نهى الله هنا عن الدعاء الذي كان يفعله الجاهليون وهو دعاء العبادة المتضمن لدعاء المسألة، فلا يجوز طلب الحوائج من غير الله ، ولا يجوز صرف العبادة لغيره ، وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ .
هذا الوجه الثاني في الجواب على هذه الشبهة.
ثم قال ﵀: (فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه) فسؤال الشفاعة من النبي ﷺ لأنه أعطيها سبيل لسؤال الملائكة وسبيل لسؤال الصالحين الذين أعطوا الشفاعة، وبالتالي يقع العبد فيما وقع فيه المشركون الأوائل الذين عبدوا الملائكة والجن والصالحين بدعوى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، وبدعوى قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] وقد تقدم بطلان هذا، فدل عدم جواز سؤال الشفاعة من الملائكة مع أنهم أعطوها ومن الصالحين مع أنهم أعطوها أنه لا يجوز سؤال الشفاعة من النبي ﷺ مع إثباتنا أنه ﷺ قد أعطيها.
ثم قال: (وإن قلت: لا.
بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله) .
فيقر لنا بأنه لا تطلب الشفاعة من النبي ﷺ مع إثباتها له وأنه قد أعطيها، وهناك وجه أشار إليه شيخ الإسلام ﵀ في الجواب على هذه الشبهة في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، فذكر ﵀ أن الله أخبر أن الملائكة يشفعون ويدعون للمؤمنين ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى الآيات التي تليها، ففي جميعها دعاء للذين تابوا، والدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، فإثبات دعاء الملائكة في هذه الآية لم يجعل سؤال الدعاء منهم مشروعاً، فلم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن القرون المفضلة أنهم سألوا الملائكة الدعاء، فدل ذلك على عدم جواز سؤال الدعاء أو الشفاعة ممن أعطيها، بل لا يُسأل إلا الله .
وبهذا تسقط هذه الشبهة.
وننتقل إلى الشبهة التي بعدها.
стр. 51
الرد على من يزعم أن الالتجاء إلى الصالحين ليس شركاً
قال ﵀: [فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإن كان لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟] .
الشبهة السابعة تبتدئ بقوله: (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك) فهو قبل قليل كان يقول: الالتجاء إلى الصالحين ليس عبادة، وأثبتنا له أنها عبادة، والقاعدة أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فهو شرك، ثم عاد الآن وقال: ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تُقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتُقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفر؟ فإنه لا يدري، وحقيقةً إذا كان يقول: إن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك فإنه لا يدري ما الشرك الذي حرمه الله ، وذكر أنه لا يغفره، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يُحرِّم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يُحرِّمه ولا يبينه لنا؟! لا والله! لا يُحرِّم الله شيئاً علينا إلا بعد أن يُبينه ويوضحه إما في كتابه أو في سُنّة نبيه ﷺ ، وأعظم ما حرمه الله على الناس هو الشرك به؛ ولذلك جاء الكتاب كله في تقرير التوحيد كما قال ابن القيم ﵀: فآيات الكتاب إما أن تكون بياناً للتوحيد أو نهياً عن ضده أو بياناً لحقوقه أو بياناً لجزاء من حققه أو لبيان عقوبة من خالفه، فالقرآن كله في بيان التوحيد الذي ضده الشرك، والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء.
فالله بين التوحيد والشرك في كتابه أعظم بيان، والشرك الذي حرمه الله هو تسوية غيره به في الربوبية أو في الألوهية أو في الأسماء والصفات، والشرك الذي نتكلم عليه هنا هو شرك الإلهية الذي هو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وقد تقدم معنا قبل قليل أن الدعاء عبادة، وحسب القاعدة التي أثبتت سابقاً فإن صرف العبادة إلى غير الله يؤدي إلى الشرك، وهذا صرف الدعاء لغير الله فهو واقع في الشرك؛ ولذلك لم يفصّل الشيخ ﵀ في الجواب على هذه الشبهة؛ لأنه قد تكلم عليها فيما مضى، أي: في الشبهة التي ذكر فيها المشبه أن الدعاء ليس عبادة.
ثم انتقل إلى شبهة أخرى.
стр. 52
الرد على شبهة من قال: إن الشرك منحصر في عبادة الأصنام
قال ﵀: [فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن] كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:٣١] .
[وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته، ويعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فإن أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، فهو المطلوب.
ويقال له أيضاً: قولك: (الشرك عبادة الأصنام) ، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب] .
هذه الشبهة هي قريبة من الشبهة التي تقدمت في الشبه الكبار، وهي التفريق بين عبادة الأصنام وعبادة غيرها، فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
إذاً: مفهوم العبادة -التي ذكرها الشيخ ﵀ هنا- أن تلك الأخشاب تخلق وترزق وتدبر؛ ليس سليماً وليس مستقيماً؛ إذ أنهم لا يعتقدون ذلك، فالله أخبر عنهم أنهم كانوا يقولون عندما يُسألون: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس:٣١] الآيات ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] ، فكانوا يقرون لله بتوحيد الربوبية.
(وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا ببركته، ويعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب، ويقال له أيضاً: قولك: (الشرك عبادة الأصنام) ، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين، فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.
стр. 53
معنى الشرك وعبادة الله
ثم قال ﵀: [وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي؟ فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.
فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] .
فهذه هي ثامن الشبة التي ذكرها الشيخ ﵀، وهي قول المشبه: الشرك عبادة الأصنام.
قال ﵀: (وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله.
فقل: وما الشرك بالله؟ فسره لي، فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وحده.
فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بيَّنه القرآن فهو المطلوب) والذي بيَّنه القرآن في تفسير العبادة هو أنها: كل ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، وألا تُصرف إلا لله وحده دون غيره.
فهذا الذي يدل عليه القرآن في معنى العبادة.
وإن لم يعرف فكيف يدّعي شيئاً وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه، بيّنت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان أن الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا، ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ:٥] ) والمشركون الأوائل وورثتهم من مشركي الأزمان المتأخرة يستهزئون بكل من دعا إلى التوحيد، ويسخرون منه، بل ويصيحون بأعلى أصواتهم قائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وما ذلك إلا أنه كبر عليهم أن يتوجهوا بالعبادة لله وحده ، وإلا فلازم إقرارهم بأن الله هو الرزاق وأنه لا يرزق غيره وأنه لا يملك غيره ولا يدبر غيره ألا تصرف العبادة إلا له دون غيره.
стр. 54
الرد على شبهة من قال: إن المشركين قديماً إنما أشركوا بنسبة الولد لله
قال ﵀: [فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله؛ فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره.
فالجواب: أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] ، والأحد الذي لا نظير له، والصمد المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا؛ فقد كفر، ولو لم يجحد السورة.
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، ففرق بين النوعين، وجعل كلا منهما كفراً مستقلاً.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٠] ، ففرق بين كفرين.
والدليل على هذا أيضاً أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلاً صالحاً؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضاً العلماء في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً؛ فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح) .
وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٤] .
فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله، وشركهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين] .
قال ﵀: (فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لمّا قالوا: الملائكة بنات الله، فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره) .
وهذه الشبهة هي التاسعة، وهي شبهة زائدة، وهي قولهم: إن المشركين إنما كفروا بنسبة الولد إلى الله ، ولم يكفروا بالتوجه إلى الصالحين وإلى الملائكة وإلى غيرهم ممن زعموهم يقربونهم عند الله.
فالجواب عن هذه الشبهة ما ذكره الشيخ ﵀: (أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] والأحد: الذي لا نظير له.
والصمد: المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر) .
ووجه الدلالة في نفي الولد عن الله في هذه السورة في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ، وكذلك في قوله: (أَحَدٌ) فهو لا يحتاج إلى ولد , وفي قوله: (الصَّمَدُ) الذي تصمد إليه الخلائق، والنص في نفي الولد عنه في قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ، ثم قال ر حمه الله: (فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة.
وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ففرّق بين النوعين وجعل كلاَّ منهما كفراً مستقلاً.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٠] ) جعل الكفر الذي وقع فيه المشركون أنهم جعلوا لله شركاء الجن، واخترعوا له واختلقوا له بنين وبنات بغير علم.
ثم قال ﵀: (ففرّق بين الكفرين) أي: بين الكفر بنسبة الولد إلى الله ، وبين الكفر بإشراك غيره معه في العبادة.
قال: (والدليل على هذا أيضاً: أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلاً صالحاً لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك) .
إذاً: استدل الشيخ ﵀ على إبطال هذه الشبهة بأن هذا القول كفر مستقل ولو لم يضف إليه الشرك بالله ، واستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فذكر نوعي الكفر في هذه الآية، واستدل بواقع المشركين، فإن من المشركين من كان يعبد غير الله ولا يدّعيه ولداً لله ، كما كانوا يعبدون اللات ولم يقولوا: إنه ابن الله، وكما كانوا يعبدون الجن ولم يقولوا: إنهم أبناء الله أو أولاد الله.
يقول: (وكذلك أيضاً -يعني: في الاستدلال على أن نسبة الولد لله تعالى كفر مستقل- العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً فهو مرتد) ولو لم يشرك معه ذلك الولد، ولو لم يشرك معه غيره في العبادة، قال: (ويفرِّقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح) .
قال ﵀: (وإن قال -أي: في الاستدلال على شبهته- ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ) فهو بهذه الآية يستدل به على جواز دعائهم وسؤالهم وطلب الشفاعة منهم، وهذه هي الشبهة العاشرة (فقل: هذا هو الحق ولكن لا يُعبدون) أي: ما ذكرته من أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون حق نثبته لوروده في كتاب الله ، ولكن هذا لا يسوغ عبادتهم، ولا صرف العبادة لهم من دون الله ، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله يعني: لما أنكرنا عبادة الأولياء لم ننكر فضلهم ولا منزلتهم ولا مكانتهم، ولا ما أعده الله لهم، إنما أنكرنا صرف العبادة لهم دون الله (ولكن لا يُعبدُون، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله، وشركهم معه، وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكراماتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين) .
стр. 55
شرح كشف الشبهات [٨]
كان المشركون الأولون إذا اشتد بهم الكرب وأحدقت بهم الأزمات توجهوا إلى الله تعالى وأخلصوا له الدعاء وتركوا ما كانوا يدعون من دونه، كما أنهم إذا دعوا مع الله غيره فإنما يدعون خلقاً صالحين أو مقربين أو جمادات ليست عاصية لله تعالى، وبهذا كله يتبين أن شرك الأولين كان أهون من شرك المتأخرين، حتى وإن كان المتأخرون يشهدون الشهادتين ويصلون ويصومون.
стр. 56
شرك الأولين أخف من شرك المتأخرين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وبعد: استطرد الشيخ ﵀ في ذكر شبه المتأخرين، وبيان سوء حالهم، وأنهم أسوأ ممن سبقهم فيما وقعوا فيه من الشرك، فقال ﵀: [فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا: الاعتقاد هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخفُّ من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء أوثاناً مع الله إلا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٦٧] ، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤٠-٤١] وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨] ، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢] .
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبيّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهماً جيداً راسخاً؟ والله المستعان] .
هذا أول ما فارق به المشركون المتأخرون سلفهم المتقدمين، وذلك أن المتقدمين كانوا إذا اشتد بهم الكرب، وادلهمت عليهم الخطوب، وأحدقت بهم الأزمات، وتوالت عليهم الكوارث والكروب؛ توجهوا إلى الله في الطلب، ونسوا ما كانوا يدعون من دونه كما هو ظاهر الآيات التي ساقها الشيخ ﵀ في الاستدلال على ذلك.
وأما حال المتأخرين فهم أسوأ منهم إذ أنهم يدعون الله وغيره في الرخاء، فإذا اشتد بهم الكرب ونزلت بهم المصائب وحلت بهم الكوارث سألوا غير الله ، وتضرعوا إليه، وفزعوا إلى الأولياء والصالحين المزعومين يسألونهم كشف الكربات، وإزالة الكوارث والنوازل؛ وما ذلك إلا لقلة علمهم بالله ، وشدة كفرهم به ، فأرباب الشرك وأهل الكفر من المتقدمين كانوا أحسن حالاً من هؤلاء الذين اشتد بهم الكرب فلجئوا إلى المخلوقين، وهذا أول ما فارق به المشركون المتأخرون سلفهم المتقدمين.
قال ﵀: [والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة؛ أو يدعون أشجاراً أو أحجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعون هم الذين يُحِلُّون لهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به] .
هذا هو الأمر الثاني الذي فارق به المشركون المتأخرون سلفهم المتقدمين، وهو أن المتأخرين يصرفون العبادة للأولياء والصالحين، ويصرفونها أيضاً للفسقة والفجرة والكافرين، فبالنظر إلى الذين أشرك بهم الأولون يُعلم أنهم كانوا يصرفون العبادة إما لملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون أو أنبياء أو صالحين، أو يصرفون العبادة إلى أحجار وأشجار مطيعة لله ليست عاصية، وهذه الأحجار والأشجار مطيعة طاعة قهرية فهي مربوبة لله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فهي تعبد الله عبادة قهرية وعبادة خاصة كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ في قنوت الأشياء وسجودها لله .
وأما هؤلاء فإنهم يصرفون العبادة إلى أمثال أحمد البدوي الذي لم يُعرف عنه صلاح ولا علم ولا تُقى ولا عبادة ولا ورع، بل المعروف عنه والمشهور عنه خلاف ذلك، ويصرفون العبادة إلى أشياء كثيرة لا يعرف لها في الأمة لسان صدق، ولا يعرف لها عند الله جاه أو منزلة، وما ذلك إلا بتلاعب الشيطان، فإن الشيطان تلاعب بهؤلاء، والغالب أن الذين يدعونهم المتأخرون هم الذين يُحلّون لهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، فكأنهم افتضحوا فاصطلحوا، فهؤلاء المعبودون رضوا من أولئك بالعبادة، وهؤلاء العابدون رضوا من معبوديهم إباحة الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة.
ثم قال ﵀: (والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده، ويشهد به) ولا شك، وإن كان الكفر ملة واحدة، وهم جميعاً مندرجون تحت قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] إلا أن الشرك والكفر درجات، فهذا أخف من ذاك، وإن كانوا يتفقون في العقوبة الأخروية.
стр. 57
الرد على شبهة متأخري المشركين بأنهم يشهدون الشهادتين ويصلون فلا يسوغ تشبيههم بالمشركين الأولين
ثم قال ﵀: [وإذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ بسمعك لجوابها، وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحراً؛ ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم؛ فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟] .
هنا عاد الشيخ ﵀ إلى ذكر شبهة عظيمة عند هؤلاء، وهي الشبهة الحادية عشرة، وهي أنهم قالوا: كيف تنزلون الآيات التي وردت في قوم يكذبون الرسول، ويحاربونه، وينكرون البعث، ولا يشهدون بألوهية الله على قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بالبعث، ويفعلون ما يفعلون من شرائع الإسلام؟ كيف تُسوون بين هؤلاء وأولئك؟ وهذه من الشبه الكبار التي أثارها مسوغو الشرك على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإنهم اتهموه بتكفير المسلمين، والمسلمون الذين يعنون في قولهم: (يكفر المسلمين) هم عبدة القبور، والذين يصرفون العبادة لغير الله بالذبح أو النذر أو غير ذلك من أنواع العبادة التي يصرفونها للأولياء المزعومين.
هذه الشبهة من الشبه الكبار؛ ولذلك قال الشيخ ﵀ في بداية جوابه: [فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه؛ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج، أنزل الله في حقهم ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] .
ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥٠-١٥١] ، فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ فهو الكافر حقاً، وأنه يستحق ما ذكر زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا] .
هذا جواب الشيخ على هذه الشبهة، وملخص الشبهة: كيف تنزلون الآيات التي أنزلها الله في المشركين الذين أنكروا البعث، وكذبوا الرسول، ولم يقروا لله بالألوهية؟ على قوم أقروا بذلك كله؟ يقول ﵀: (فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام) إذاً: الجواب على شبهتهم، أولاً: أن إجماع أهل العلم انعقد على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء مما أخبر به فإنه لا ينفعه تصديقه بل هو كافر.
إذاً: هذا أول ما أجاب به الشيخ، وهو نقل إجماع أهل العلم على أن من كذب بشيء جاء به النبي ﷺ فإنه كافر.
ثم قال: (وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج) أي: وكذلك أجمع أهل العلم أنه إذا آمن ببعض القرآن وجحد ببعضه فإنه كافر، فقوله: (كذلك) يعني: في الحكم، فإنه قد أجمع أهل العلم على أنه من آمن ببعض الكتاب وجحد بعضه فقد كفر ثم بدأ بذكر الأمثلة كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج.
стр. 58
من جحد شيئاً مما جاء به الرسول كفر
إذاً: هذا تكميل لدليل الإجماع ثم قال: (ولمّا لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ) هذا دليل من الكتاب على كفر من جحد وجوب الحج أو امتنع عن أدائه استكباراً وجحوداً، فهذا الدليل نص على كفر من جحد الحج ولو أقر بباقي شرائع الإسلام، وهذا دليل من القرآن بعد أن ذكر دليل الإجماع، وهذه طريقة سلكها كثير من أهل العلم، وهي أنه إذا كان في المسألة دليل من الإجماع قدم دليل الإجماع على غيره من الأدلة؛ والعلة في ذلك أن دليل الإجماع لا يدخله النسخ خلافاً لأدلة الكتاب والسنة، فأتى بعد الإجماع بدليل من كتاب الله وهو قوله جل وعلا: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] .
ثم قال ﵀: (ومن أقّر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحلّ دمه وماله كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥٠-١٥١] ) فهذا فيه الحكم بالكفر على من صدق ببعض الكتاب وجحد ببعضه فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً، وأنه يستحق ما ذكر زالت هذه الشبهة، وكيف زوالها؟ أن نقول لهم: إنكم وإن كنتم قد أقررتم بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقررتم بالبعث، وبغير ذلك من شرائع الإسلام، فإنكم قد جحدتم وجوب صرف العبادة لله وحده دون غيره، فلما جحدتم هذا فقد جحدتم ما دل عليه الكتاب وجاء به النبي ﷺ ، ومن جحد شيئاً مما جاء به النبي ﷺ فقد وقع في الكفر، وبهذا تندفع شبهتهم ويزول الإشكال.
ثم قال ﵀: (وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا) .
واستطراداً في الرد على هذه الشبهة قال ﵀: [ويقال أيضاً: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة، أنه كافر حلال الدم بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك إذا جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله، لا يجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ﷺ ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول؛ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل] .
بعد أن بين لهم الشيخ ﵀ أن من جحد أو أنكر شيئاً مما جاء به النبي ﷺ فإنه يكفر، نزّل هذا على ما وقعوا فيه من الشرك بالله فقال: (ويقال: إذا كنت تُقر أن من صدّق الرسول في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان، لا يجحد هذا ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدّمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول؛ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله!) تعجباً من هذا التناقض الذي أورده هؤلاء، وإنما أوردوه لأنهم تكالبت على قلوبهم الشبهات: ما زالت الشبهات تغزو قلبه حتى تشّحط بينهن قتيلاً فهؤلاء لما غطت الشبهات وطغت على قلوبهم غيبت عنهم هذه الحقائق الواضحة الجلية، وإلا فإن من له أدنى بصيرة ومن عنده معرفة بالقواعد العقلية لا يقول هذا الذي ذهبوا إليه.
ومعلوم أن أعظم ما أمر الله به التوحيد، ويدلك على هذا أن الله خلق الخلق لأجله فقال جل ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، ويدلك على هذا أيضاً أن الله بعث الرسل لتقريره فقال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، وقال جل ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، والآيات في أن الرسل إنما بُعثوا لتقرير التوحيد ودعوة الناس إليه كثيرة جداً، ويدلك أيضاً على أن أعظم ما أمر الله به التوحيد، أنه أول واجب على المكلف؛ فأول ما يُطلب من العبد هو أن يقول: لا إله إلا الله، كما في حديث بَعْث معاذ إلى اليمن حيث قال له النبي ﷺ : (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) ، ثم ذكر النبي ﷺ له بقية الشرائع التي يأمرهم بها , ويدلك على أن أعظم ما أمر الله به التوحيد أنه هو الذي إذا ختم الإنسان حياته به دخل الجنة، فإن آخر ما تندب إليه وآخر ما يُشرع لك فعله هو قول: لا إله إلا الله، فإن النبي ﷺ قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة) ، كل هذا وغيره مما دل عليه الكتاب والسنة بالنظر يدل على أن أعظم ما أمر الله به التوحيد، فمن الخطأ أن تقول: إن جحد بعض شرائع الدين يكفر به الإنسان، وجحد التوحيد الذي هو أعظم ما أمر الله به لا يكفر به الإنسان، ولا ينقص إيمانه، ولا تنزل عليه آيات الكافرين! وأول أَمْر أَمَر الله به عباده في كتابه هو توحيده، وذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] فإن أول أمرٍ أمرَ الله به في كتابه هو عبادته، وعبادته هي توحيده .
وهذا أيضاً مما ينضاف إلى ما سبق مما يدل على أن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد.
стр. 59
قتال الصحابة لبني حنيفة وهم يشهدون الشهادتين ويصلون دليل على كفرهم
قال ﵀: [ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ كفر، وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة؛ فكيف بمن رفع شمسان، أو يوسف، أو صحابياً، أو نبياً إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩]] .
هذا أول شاهد ذكره الشيخ ﵀ على ما تقدم ذكره من أنه لا ينفع الإقرار بشرائع الدين وما جاء به النبي ﷺ مع إنكار بعضها، بل لابد من الإقرار بالجميع وإلا فإنه يحكم عليهم بالكفر، والشاهد هو ما فعله الصحابة ﵃ من قتال بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويؤذنون، إلا أنهم قالوا: إن مسيلمة نبي، فكذبوا ما جاء به النبي ﷺ من قوله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فكذبوا ختم النبوة به ﷺ ، وهذا جحد لبعض ما جاء به النبي ﷺ ، فأباح ذلك دماءهم وأموالهم وأخرجهم من ملة الإسلام مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، بل ويصلون ويؤذنون.
ثم قال ﵀: (قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ فأثبت له النبوة كفر، وحلّ دمه وماله، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة؛ فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابياً أو نبياً إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟) أليس هذا أولى بالتكفير؟ بلى والله! إنه أولى بالتكفير؛ ولذلك استعظم الشيخ ﵀ التفريق بين هذين فقال: (سبحان الله ما أعظم شأنه!) من أن يُسوى به غيره ثم لا يكفر هذا المسوي: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] والله هو الذي أعمى بصائرهم عن رؤية هذه الآيات البينات الواضحات.
стр. 60
تحريق علي لمن اعتقدوا فيه الألوهية مع ادعائهم الإسلام دليل على كفرهم
قال ﵀: [ويقال أيضاً: الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب ﵁ كلهم يدّعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما؛ فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يُكفِّر؟] .
هذا هو الشاهد الثاني، وهو ما حدث من تحريق علي بن أبي طالب ﵁ بالنار للذين قالوا: إنه ربهم، وغلوا فيه حتى رفعوه إلى مرتبة الإلهية، وكلهم يدّعون الإسلام، بل هم من أصحاب علي وتعلموا العلم من الصحابة!! ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما من أنهما تُصرف لهما العبادة من دون الله ، يقول: (فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟) فإن علياً ﵁ لما قتلهم لم ينكر ذلك أحد من صحابة النبي ﷺ ، وإنما وقع الخلاف في إحراقهم، فقال ابن عباس ﵄ قولاً فُهم منه أنه لا يرى إحراقهم، وإنما يرى قتلهم بغير الإحراق؛ لقول النبي ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا رب النار) ، وإلا فالصحابة اتفقوا على جواز قتلهم، وأنهم إنما قتلوا كفاراً، (أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟!) لا والله! حاشاهم، فهم أورع الناس أن يكفروا مسلماً، (أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يُكفّر؟!) الظاهر أنهم يظنون، وإلا لما أجازوا صرف العبادة لهؤلاء.
стр. 61
تكفير العلماء للباطنية دليل على كفر من أنكر شيئاً من الشريعة
والشاهد الثالث الذي ذكره الشيخ ﵀: [ويقال أيضاً: بنو عبيد القدَّاح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة؛ فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين] .
بنو عبيد القدّاح انتسبوا إلى عبيد الله بن ميمون القدّاح، وهو يهودي في الأصل ادعى الإسلام، وادعى أنه من ولد علي بن أبي طالب ﵁ من فاطمة، فدعا إلى نفسه، وتشرذم حوله بعض ضعفاء الدين والإيمان والعقل، فكوّن دولة في بلاد المغرب، حكم فيها المسلمين، وتسلط عليهم، وأظهر الكفر والفساد والبدع، وامتدت دولته إلى مصر، وهم يعرفون بالدولة العبيدية أو الفاطمية، ومدة حكم هذه الدولة كانت قرابة مائتي سنة، وهم الروافض الغلاة الذين ساموا المسلمين سوء العذاب، إلا أن الله طهر البلاد منهم، وأدال أهل السنة عليهم، فأسقطت دولتهم، وتبددوا وتفرقوا، فهؤلاء الذين ملكوا المغرب ومصر في زمن بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، إلا أنهم أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه من صرف العبادة لغير الله أو من تجويز صرف العبادة لغير الله.
يقول ﵀: (أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم) ، فالعلماء في ذاك الزمان أباحوا قتالهم، بل أوجبوا قتالهم، وحكموا عليهم بالكفر والردة، وأن بلادهم بلاد حرب كما يقول الشيخ، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين، فلم ينفعهم الإقرار بالشهادتين، ولم ينفعهم إقامة الجمعة والجماعات , مع ما أنكروه من شريعة رب السماوات.
стр. 62
إثبات الفقهاء لباب حكم المرتد دليل على إمكان حدوث الكفر بعد الإسلام
قال ﵀ أيضاً في الجواب على هذه الشبهة: [ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب (باب حكم المرتد) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة، كل نوعٍ منها يكفِّر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب] .
هذا رابع الشواهد الدالة على أن من أنكر شيئاً مما جاء به النبي ﷺ فإنه يكفَّر ولو أتى ببقية شرائع الدين وأقر بها، وذلك أن العلماء على اختلاف مذاهبهم ذكروا في كتبهم باب حكم المرتد، وذكروا في هذا الباب أشياء يكفّر بها، وهي دون ما يزعمونه من جواز صرف العبادة لله .
قال الشيخ ﵀: (ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوع منها يُكفِّر ويُحلُّ دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه) كأن يسب الله أو يسب رسوله أو يسب الدين أو يستهزئ بآيات الله ورسوله دون قلبه (أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب) كأن يسب الله مازحاً أو يستهزئ بالنبي ﷺ أو يضحك مازحاً، وهذا له شواهد سيذكرها الشيخ ﵀، منها: ما ذكره الله وقصه علينا في نبأ أولئك الذين استهزئوا بالنبي ﷺ وأصحابه في غزوة تبوك.
قال ﵀: [ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤] أما سمعت أن الله كفرهم بكلمة؛ مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ يجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون؟! وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح] .
ومن هذا يتبين عظيم خطر اللسان، وأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، فالواجب امتثال قول النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالأصل الصمت كما قال النبي ﷺ : (من صمت نجا) فإن احتجت إلى الكلام فانظر هل في هذا الكلام خير؟ فإن كان فيه خير فبادر إليه وسابق فإنك مأمور بالمسابقة إلى الخيرات، وإن كان غير ذلك فتوقف حتى تنظر عاقبة كلامك.
فالشاهد من إيراد هذه القصة أن هؤلاء قوم آمنوا بالله، وآمنوا برسوله، وآمنوا بالبعث فيما يظهر، وجاهدوا مع النبي ﷺ ، ثم كفروا بسبب كلمة قالوها، وهذا يدل على أن من أقر ببعض الدين وأتى بمكفر من جهة أخرى فإنه يحكم بكفره، ولا يُنظر إلى إقراره بلا إله إلا الله، بل لابد أن يُقِر بلا إله إلا الله، وأن يأتي بجميع ما يقتضيه هذا الإقرار.
стр. 63
شرح كشف الشبهات [٩]
من شبه عباد القبور أنهم كيف يكفرون ويقاتلون وهم يشهدون الشهادتين، وزعمهم مشابهة حالهم لحال بني إسرائيل حين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً، وكحال الصحابة عندما طلبوا من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط، وقد بين أهل العلم عدم وجود الشبه بين حالهم وحال أولئك، حيث أن بني إسرائيل والصحابة لم يقعوا فيما طلبوه من الشرك، بينما وقع هؤلاء فيه.
стр. 64
الرد على متأخري المشركين في إيرادهم شبهة تكفير المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال ﵀: [فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تُكفِّرون المسلمين، أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق] .
أطال ﵀ الكلام على هذه الشبهة لأهميتها وكثرة إيرادهم لها، وأيضاً لانخداع كثير من الناس بها، يقول: [ومن الدليل على ذلك أيضاً -أي: أنه من أتى بالتوحيد ومن أقر بالرسالة ثم أتى بمكفر من جهة أخرى غير الإقرار بالتوحيد وغير الإقرار بالرسالة فإنه يحكم عليه بالكفر- ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]] وقد تقدم تعليقنا على قوله ﵀: (وعلمهم) وذكرنا أن ظاهر الآية يدل على جهلهم، كما قال الله حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] .
قال ﵀: [وقول ناس من الصحابة: (اجعل لنا ذات أنواط) فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل: (اجعل لنا إلهاً) ] .
سيأتي الكلام على هذا الحديث، وهو حديث رواه الترمذي بسند جيد عن أبي واقد الليثي، وفيه أن بعض الصحابة ﵃ طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وهي سدرة كانوا ينوطون بها أسلحتهم، ويعكفون عندها يطلبون منها البركة، فطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ شيئاً مماثلاً فاستعظم الأمر ﷺ وقال: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)) وسيأتي الكلام على هذا.
فالنبي ﷺ جعل طلبهم من جنس طلب بني إسرائيل لموسى ﵇، وطلب بني إسرائيل كفر ولا شك إذ أنهم طلبوا إلهاً يعبدونه، ويتوجهون إليه بالقصد مع الله ، وبعض الصحابة الذين كانوا حدثاء عهد بكفر طلبوا شجرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون بالسدرة التي كانوا ينوطون بها أسلحتهم، فأنكر النبي ﷺ عليهم هذا الإنكار العظيم، وجعل طلبهم من جنس طلب بني إسرائيل.
وفي هذا دليل على أنه من أقر بالألوهية وأقر برسالة النبي ﷺ ثم أتى ما يعكر هذا الإقرار أو ما يناقضه فإنه لا يشفع له ذلك الإقرار، بل لابد من الإيمان بالكتاب كله، والإيمان بكل ما جاء به النبي ﷺ .
ثم قال ﵀: [ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط) لم يكفروا.
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.
وتفيد أيضاً: أن المسلم إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ .
وتفيد أيضاً: أنه لو لم يكفَّر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ ] .
هذه الشبهة التي أوردوها هي شبهة فرعية أوردوها على قول الشيخ ﵀، والدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وهي قولهم: إن هؤلاء الذين استدللتم بإنكار موسى عليهم وإنكار النبي ﷺ عليهم لم يكفروا، فدل ذلك على أنه إذا أقر بالتوحيد وأقر بالرسالة وأقر بالبعث فإنه لا يضره أن يتوجه إلى غير الله بطلب الشفاعة أو ما إلى ذلك، فالجواب على هذه الشبهة -وهي استدلالهم بعدم التكفير- ما قاله الشيخ ﵀ في حكاية الشبهة: (ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا، وكذلك الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا) هذه الشبهة، والجواب عليها ما ذكره الشيخ: (إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك -أي: أن بني إسرائيل لم يتخذوا آلهة كما اتخذ الكفار آلهة، بل لما نهاهم موسى ﵇ امتنعوا عن هذا الطلب -وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا -أي: أنهم لم يتخذوا شجرة ينوطون بها أسلحتهم، ويطلبون منها البركة- ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب) .
إذاً: لا حجة فيما ذكرتم إذ أن الصحابة ﵃ لم يتخذوا هذه الشجرة ينوطون بها أسلحتهم، ويطلبون منها البركة، وكذلك بنو إسرائيل لم يتخذوا إلهاً كما للمشركين آلهة، بل انتهوا عندما نهاهم نبيهم ﵇.
أما بالنسبة لقصة بني إسرائيل فهي واضحة، وما ذكره الشيخ جواب سديد إذا حمل أن الصحابة طلبوا شجرة يتبركون بها استقلالاً، يعني: يتبركون بها كما يتبرك بها المشركون.
وقال بعض شُراح هذا الحديث: إن الصحابة ﵃ لم يطلبوا جنس ما كان يفعله المشركون، إنما طلبوا أن يسأل النبي ﷺ ربه أن يجعل لهم شجرة مباركة، فتكون مباركة شرعاً، وما كان مباركاً شرعاً جاز التبرك به، وهذا ذكره الشيخ ﵀ في بعض أجوبته في الدرر السنية، إلا أن ظاهر الحديث يدل على أنهم طلبوا شيئاً من جنس ما كان يفعله المشركون؛ ولذلك اعتذر أبو واقد ﵁ عن هذا الطلب في مقدمة هذا الخبر بقوله: (خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة حنين ونحن حدثاء عهد بكفر) ، فكأنه اعتذر لما صدر عنهم من سؤال مشابهة الكفار فيما وقعوا فيه، فالظاهر أن هذا المعنى هو المراد، وهو ظاهر فعل الشيخ هنا، وأما إذا كان على المعنى الذي ذكره الشيخ ﵀ في بعض أجوبته في الدرر السنية فإنه لا يكون في الحديث دليل للمشركين على فعلهم، إذ أنهم لم يطلبوا شركاً، إنما طلبوا من النبي ﷺ أن يسأل الله أن يجعل شجرة مباركة، وهذا لا إشكال فيه، فما كان مباركاً شرعاً جاز التبرك به مثل ماء زمزم وغيره مما جعله النبي ﷺ مباركاً بمباركة الله تعالى له، ومع هذا فنحن نعتقد أن ما جعله الشارع مباركاً في الشرع، فإن بركته إنما هي من الله تعالى، وليست بركة استقلالية منه كما تقدم هذا في كتاب التوحيد، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (إنما البركة من الله) فالبركة من الله تعالى وليست من أي شي آخر، وإنما جعل هذا سبب لتحصيل البركة، وليس هو المستقل في إيجادها وإعطائها.
стр. 65
جواز وقوع الشرك من المسلم دون أن يعلم مع مسارعته في الرجوع عند تنبيهه
ثم قال ﵀ في التعليق على هاتين القصتين: (ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه! أن هذا من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان) ولا شك -أيها الإخوة- أن هذا من أبرز ما يستفاد من الحديث، فإن الصحابة ﵃ سألوا هذا، وقد سأله أيضاً بنو إسرائيل؛ مع أنهم سألوه عندما خرجوا من ظلم فرعون؛ لأنهم سألوه وهم في الطريق بعد أن خرجوا من مصر وبعد أن دعاهم وبيّن لهم التوحيد، وأتى لهم بالدلائل، فبقوا معه سنوات، وسألوه هذا السؤال، فدل ذلك على خطورة هذا الأمر، ودل أيضاً على وجوب الحذر من قول من يقول: التوحيد فهمناه، بل يجب على الدعاة إلى الله وطلبة العلم أن يهتموا بهذا العلم، وأن يعتنوا به، وأن يرشدوا الناس إلى دراسته وفهمه والاعتناء به، ولا يلزم من عرض التوحيد أن يعرض عرضاً موحداً أو عرضاً ثابتاً، بل يمكن عرض التوحيد من خلال شرح بعض آيات الكتاب أو شرح بعض أحاديث النبي ﷺ ، المهم أنه لابد من تعليق قلوب الناس بالله ، ومن أعظم ما يُسلك في ربط قلوب الناس بالله ، وتعليق قلوبهم به جل وعلا؛ ذكر صفاته وذكر أسمائه وذكر أفعاله؛ فإن أسماء الله وصفاته وأفعاله من أعظم ما يدل على وجوب صرف العبادة له، كذلك فإن الاهتمام بذكر صفات الله ، وشرحها للناس، وإفهامهم لمعانيها ومقاصدها، وما تضمنته من أمور يحتاجها الناس؛ مما يعين على الدعوة إلى التوحيد وربط قلوب الناس بالتوحيد.
المهم أن الاشتغال بهذا الأمر هو من آكد ما ينبغي للعبد، ويدل على هذا أن أول دعوة الأنبياء هي الدعوة إلى التوحيد، بل جل دعوتهم إلى التوحيد، فالنبي ﷺ استهل دعوته الناس بوجوب إفراد الله بالعبادة، وختمها بالتحذير من الشرك، فينبغي لنا الاهتمام بهذا، والاعتناء به، فإن هذا مما درج عليه السلف الصالحون، وسار عليه الأئمة المهديون.
ثم قال ﵀: (وتفيد أيضاً أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ ، وهذا النص ممكن أن تضيفه إلى النصوص التي سبق وأن قرأناها عليكم في مسألة العذر بالجهل، وأن الشيخ ﵀ ليس من القائلين بعدم العذر مطلقاً، فأضف هذا النص إلى النصوص المتقدمة، وهذا النص يشرح الكلمة التي ذكرها الشيخ ﵀ في أول كتابه من أنه قد يقول كلمة يكفر بها وهو جاهل بمعناها.
стр. 66
زجر من وقع في الشرك الأصغر
ثم ذكر ﵀: ثالثة الفوائد التي تؤخذ من هذه القصة، وتفيد أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ غلظ الأمر فقال: (سبحان الله! قلتم كما قال قوم موسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من كان قبلكم) ، وهذا فيه أعظم تغليظ على هؤلاء السائلين، والتغليظ -أيها الإخوة- هو هدي المتقدمين في مسائل التوحيد، فإن حذيفة ﵁ عندما رأى على رجل خيطاً من الحمى نزعه ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] ، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ جاءه عشرة رجال يريدون أن يبايعوه ﷺ ، فبايع تسعة وترك واحداً كان على يده حلقة من صفر فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة، قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، وإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) ، وهذا فيه تعظيم الشرك، وذلك أن الشرك أعظم الظلم كما تقدم، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ، وقال النبي ﷺ لما سئل: (أي الظلم أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) .
فالواجب علينا -أيها الإخوة- التغليظ في هذا الأمر، ولكن لا يعني هذا أن يغلظ على من كان معتاداً على هذا الأمر، وليس في باله أن هذا الأمر محرم أو منكر، بل ينبغي سلوك الحكمة في ذلك، فمن الناس من يغلظ عليه خاصة في بلاد التوحيد، وفي البلاد التي يكون دعاة التوحيد فيها ظاهرين، فيتكلمون ويعلمون الناس التوحيد، فهؤلاء يُغلظ عليهم، كما غلظ الرسول على الصحابة، وكما غلظ موسى على قومه، أما في البلاد التي ليس فيها أهل توحيد، والشرك فيها هو المنتشر، وعلماء السوء هم الظاهرون في الدعوة إلى الشرك وتسويغ الشرك ودعوة الناس إليه، فيكون من المناسب في هذه الحال أن يسلك الإنسان سبيلاً قاصداً، ومن الحكمة أن يدعوهم بأسلوب هادئ، يشرح لهم ويبيّن لهم خطورة الأمر، ويسرد لهم الأدلة من الكتاب والسُنَّة الدالة على أن هذا من المحرمات وأن هذا من الشرك.
فالواجب علينا أن نفعل ما هو مناسب، فبالنسبة لمن كان بين ظهراني أهل التوحيد وأهل الدعوة السلفية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة؛ فهذا ينبغي أن يشدد عليه ويغلظ؛ لأن هذا من تقصيره وتفريطه، أما من كان بين ظهراني المبتدعة، وكان بين علماء السوء الذين يسوغون الشرك ويدعون إليه، فسلوك السبيل المناسب هو الأولى وهو الأحسن.
стр. 67
الرد على المشركين في استشهادهم بقصة قتل أسامة للرجل الذي نطق بالشهادة وبيان وجه إنكار الرسول عليه
ثم قال ﵀: [وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!) ، وكذلك قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله] ، وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة: أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل! فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار.
وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث] ولن يفهموا، وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل: ما زالت الشبهات تغزو قلبه حتى تشّحط بينهن قتيلاً فهؤلاء غزت الشبهات قلوبهم؛ ولذلك أصبحوا يتعلقون في تسويغ ما هم عليه من باطل وشرك بكل ما فيه أدنى شبهة، وإلا فالأحاديث يصدق بعضها بعضاً ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، فالكتاب والسُنّة من عند الله ، ولا يمكن أن يوجد فيها اختلاف كما أخبر جل وعلا في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، فهم هنا استندوا إلى هذه الشبهة في تسويغ الشرك، وأنه من قال: لا إله إلا الله فإنه لا يكفر، وهذا تفريع عن الشبهة السابقة، حيث استدلوا بحديث أسامة ﵁ حين قتل رجلاً قال: لا إله إلا الله، وذلك في إحدى الغزوات، فإن أسامة ﵁ تبع رجلاً، فلما تمكن منه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ﵁، فلما رجعوا إلى المدينة أُخبر النبي ﷺ بما فعل أسامة، فقال له: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، فقال النبي ﷺ : أشققت عن قلبه) ، وفي بعض الروايات أنه قال: (ما تصنع بلا إله إلا الله؟) أخذ يكررها ﷺ حتى قال أسامة ﵁: وددت أني لم أسلم إلا يومئذ؛ وذلك من شدة ما وجد من إنكار النبي ﷺ .
واستدلوا أيضاً بما رواه الشيخان من حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) ، فاستدلوا بهذا على تحريم دم من قال: لا إله إلا الله، وعصمة ماله وقالوا: إن من قال: لا إله إلا الله فلا يكفر.
ثم قال ﵀: (وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل!) ، وهذا تكذيب لباقي ما جاء في الكتاب والسُنّة من وجوب الإقرار ببقية الشرائع، وأنه قد يكفر الشخص ببعض الأفعال أو بعض الأقوال ولو كان مقراً بلا إله إلا الله.
فقال ﵀ في الجواب على هذه الشبهة: (فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون، ويدّعون الإسلام؛ وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار) هذا أول دليل ساقه الشيخ ﵀ على أنه قد يقول المرء: لا إله إلا الله، ويكفر، ويُقَاتل بسبب إنكاره شيئاً من الدين أو جحده شيئاً مما تقتضيه هذه الكلمة؛ من وجوب إفراد الله بالعبادة، ومن وجوب اتباع النبي ﷺ والانقياد لما جاء به، هذا أول ما ساقه في إبطال هذه الشبهة.
ثم قال ﵀: (وهؤلاء الجهلة مقرون -هذا ثاني ما ذكره في إبطال هذه الشبهة- أن من أنكر البعث كفر وقُتِل ولو قال: لا إله إلا الله) فهم متناقضون، وهذا هو وصف كل من خالف كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ فإنه في أمر مريج كما قال الله سبحانه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] أي: مضطرب غير ثابت؛ ولذلك اضطربوا في هذا، فكفروا من أنكر البعث مع قوله: لا إله إلا الله، وأحلوا دمه وماله، وهذا ثاني ما يجاب به على شبهتهم، وعلى ما استدلوا به من الأحاديث، قال: (وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقُتِل ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؟! ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث) ولن يفهموا لأنهم لم يتأملوا ولم يأخذوا بالنصوص ويُعملوها جميعاً، إنما أخذوا ببعضها، ولم يفسروا قول الله بعضه ببعض، وقول النبي ﷺ بعضه ببعض، وإنما ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وقول النبي ﷺ بعضه ببعض، فانتقوا ما يشاءون، قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] ، وقوله: (ولن يفهموا) لأن قلوبهم أُشربت هذه الشبه، وعشعشت في نفوسهم، فلا يتمكنون من التخلص منها إلا بتوفيق من الله ، وإلا فالدلائل على كذب ما يقولونه وبطلان ما يشبهون به واضحة بينة.
ثم قال ﵀ في الجواب على شبهتهم، وهو ثالث جواب: [فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً -ولذلك قال: (إنما قالها تعوذاً) - على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام -الآن يبين الشيخ وجه إنكار النبي ﷺ على أسامة -وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك] أي: ما يخالف ما أقر به من الإسلام والتوحيد.
ثم قال: [وأنزل الله تعالى في ذلك -يعني: في هذا الأمر، من وجوب الكف عمن ظهر منه ما يدل على إسلامه حتى يتبين أمره-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] أي: فتثبتوا] فالآية تدل على أنه يجب الكف عمن ظهر منه ما يدل على الإسلام من قول: لا إله إلا الله أو التحية بتحية أهل الإسلام.
قال ﵀: [فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: (فَتَبَيَّنُوا) ، ولو كان لا يقتل إذا أقرّ بلا إله إلا الله إذا قالها لم يكن للتثبت معنىً] هذا واضح، إذ لو كان لا يقتل لما أمرنا بالتبيّن، ولقال: كفوا عنه، وانتهينا، وما احتاج أن يقول: (فتبينوا) لكن أمر بالتبيّن حتى يروا هل ما قاله صدق من قلب مؤمن بما يقول أم أنه كذب ومين؟
стр. 68
مشروعية قتل الخوارج وهم يقولون: لا إله إلا الله دليل على قتل من أتى من يخالف معناها
قال ﵀: [وكذلك الحديث الآخر وأمثاله] يعني يحمل على هذا المعنى، أنه من قال: لا إله إلا الله لم يقاتل، بل يجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يناقض ما أقر به.
قال ﵀: [معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك.
والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!) ، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) ، هو الذي قال في الخوارج -وهم الذين خرجوا عن الجماعة وكفروا الصحابة وقاتلوهم-: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) ] إذاً: في هذا الحديث إخبار أن النبي ﷺ يقتل من قال: لا إله إلا الله، إذا زاغ عن مقتضاها، وإذا كفر بما يجب الإيمان به من شرائع الدين، فإذا أتى مكفراً فإنه لا ينفعه إقراره بلا إله إلا الله، فعلى سبيل المثال: من سب الله بينما هو يقول: لا إله إلا الله ليلاً ونهاراً، فهو كافر إذا لم يتب من ذلك، أو سب النبي ﷺ أو سب القرآن أو سب شيئاً من شرائع الدين فإنه يكفر بهذا الفعل، فالإقرار بلا إله إلا الله يفيد عصمة الدم والمال إلا إذا تبين ما يناقض هذه الكلمة، وما يبطل أثرها في حفظ المال والدم، فهذا النبي ﷺ يقول: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وما ذلك إلا أنهم أتوا أمراً كبيراً في الدين، وهو تكفير صحابة النبي ﷺ والخروج عن الجماعة.
قال ﵀: [مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم] كما قال النبي ﷺ : (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم) لكن خاتمتهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
стр. 69
أقوال العلماء في مسألة تكفير الخوارج
قال ﵀: [وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة] وهذا من أوضح الأدلة وأبينها على أن قول: لا إله إلا الله يعصم ابتداءً، فإذا تبين ما يناقض هذا القول ويبطل أثره فإنه يعمل بمقتضى هذه المناقضة من إباحة الدم والمال.
أما بالنسبة للخوارج -أيها الإخوة- فيظهر من كلام الشيخ هنا تكفيرهم، وإن كان ليس هذا تصريحاً، فإنه قال: (لم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة) ويمكن أن يقال: إنها لم تنفعهم في عصمة دمهم، ولا يلزم من هذا تكفيرهم، إذ أنه قد يباح الدم فيما دون الكفر.
ومسألة تكفير الخوارج للعلماء فيها قولان في مذهب أحمد ومالك والشافعي، ففي قول لهم: أنهم كفار؛ لتكفيرهم الصحابة، ولخروجهم على الجماعة، وللأقوال المبتدعة المنكرة التي قالوها.
والقول الآخر: أنهم لا يكفرون، بل هم ممن أباح النبي ﷺ دماءهم إذا اجتمعوا على بدعتهم، وخرجوا على المسلمين، وهم من المعتدين الظالمين الذين يقاتلون قتال أهل البغي والظلم والاعتداء.
قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا الذي كان عليه الصحابة، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه كفّرهم، لا علي ولا غيره، بل لما سُئل علي بن أبي طالب ﵁ عن الخوارج: هل هم كفار؟ قال: من الكفر فروا.
والظاهر أن ما ذهب إليه القائلون بعدم تكفيرهم أقرب للصواب؛ إذ هذا القول هو الذي مضى عليه الصحابة ﵃، وهم أعلم بكلام النبي ﷺ ومقاصده.
ثم قال ﵀: [وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود، وقتال الصحابة بني حنيفة.
وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، وكان الرجل كاذباً عليهم، فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه] .
وهذه أيضاً شواهد لما تقدم ذكره من أن قول: لا إله إلا الله يفيد عصمة الدم والمال ابتداءً ما لم يبدِ ما يناقض هذه الكلمة، فإن الصحابة ﵃ قتلوا بني حنيفة، وأراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وأيضاً قاتل ﷺ اليهود مع أنهم يقولون: لا إله إلا الله، إلا أنهم لم يقروا بالرسالة، فلا إله إلا الله لا تنفع صاحبها إلا إذا أقر بكل ما يقتضيه هذا الدين، وما جاء به النبي ﷺ ، فمن جحد شيئاً من ذلك فإنه لا ينتفع بها.
стр. 70
شرح كشف الشبهات [١٠]
من شبه عباد القبور التي يوردونها في معرض الاستشهاد على جواز الاستغاثة العبادية أن الناس يستغيثون يوم القيامة بالأنبياء، متجاهلين عند إيرادهم لهذه الشبهة أن تلك الاستغاثة إنما هي استغاثة حي بحي فيما يقدر عليه، بينما استغاثة هؤلاء عند القبور إنما هي استغاثة بميت أو غائب في شيء لا يقدر عليه إلا الله .
стр. 71
استشهاد المشركين بالاستغاثة بالأنبياء في المحشر على جواز الاستغاثة بغير الله وأنه ليس من الشرك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ولهم شبهة أخرى: وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً.
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ ؟] .
قال ﵀: (ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً) وهذا من جملة ما يتعلق به المبتدعون في تجويز صرف العبادة لغير الله ، وإلا فلو كان ما ذكروه دالاً على ما ذهبوا إليه من جواز استغاثة المخلوق بغير الله، وأن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً؛ لعددنا ذلك من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن الله قد قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، ونقول: أحوال يوم القيامة تختلف عن أحوال الدنيا، هذا إن سلّمنا بأن ما ذكروه يصح الاحتجاج به أو فيه شبهة لما قالوا؛ كيف وما ذكروه ليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ؟ وبيان ذلك من خلال ما ذكره الشيخ ﵀ في جوابه.
стр. 72
معنى الاستغاثة وأنواعها
قبل أن نشرع في مطالعة كلام الشيخ ﵀ في الجواب نقول: الاستغاثة: هي طلب الغوث، وطلب الغوث لا يكون إلا عند الشدة والكرب، وفي الغالب يكون عند نزوله وحلوله، خلافاً للاستعاذة فإنها قد تكون قبل نزول البلاء، وأما الاستعانة فهي تكون في الشدة والرخاء، بينما الاستغاثة لا تكون إلا عند نزول البلاء والكرب وشدته وطلب الغوث على نوعين: النوع الأول: ما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا لا يجوز طلبه من غيره بل لابد أن يتوجه العبد بقلبه ولسانه إلى الله طالباً أن يُغيثه، وأن يكشف عنه كربه.
النوع الثاني: ما كان في مقدور المخلوق، والمخلوق حي حاضر، فهذا يجوز طلب الغوث منه، ومنه قوله تعالى في كتابه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] في قصة موسى، فهذه الاستغاثة جائزة؛ لأنها طلب لما هو في مقدور المخلوق الحاضر، فإن كان المخلوق غائباً فإن نداءه وطلب الغوث منه يكون من الشرك إلا إذا كان النداء يبلغه ويسمعه.
وأيضاً من باب أولى لو كان المخلوق ميتاً فإنه لا يجوز سؤاله؛ لأنه ليس في مقدوره.
стр. 73
الرد على المشركين فيما أوردوه من استشهادهم باستغاثة أهل المحشر بالأنبياء
أما ما ذكروه مما ورد في حديث الشفاعة العظمى التي تكون في الموقف من سؤال الناس للأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد ﷺ أن يسألوا الله أن يكشف ما بهم؛ فإن هذا ليس من الشرك، بل هو سؤال للمخلوق فيما يقدر عليه، وهو سؤال الله ودعاؤه، وهذا ليس من الشرك في شيء؛ ولذلك أجاب الشيخ ﵀ بهذا الجواب فقال ﵀: (والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها) إذاً: الذي ننكره هو الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فلو كان المخلوق يقدر عليه ولكنه ليس حاضراً كالذين يستغيثون مثلاً بالأولياء الأحياء البعيدين الذين لا يسمعون، فإذا نزل به كرب قال: يا فلان! أغثني، فهذا أيضاً من الشرك؛ لأنه ولو كان حيّاً قادراً على الفعل لو كان حاضراً إلا أنه بسبب غيبته لا يقدر أن يجيبك، فهذا دعاء لغير الله ، أما سؤال المخلوق فيما يقدر عليه فلا إنكار، سواء كان ذلك استعانة أو استغاثة أو استعاذة، أما دليل الاستغاثة فظاهر، وأما دليل الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه فإن النبي ﷺ قال في حديث الدجال: (من وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به) ، وأما الاستعانة فلا إشكال في جواز طلب العون من المسلم فيما يقدر عليه.
ثم قال ﵀ في الاستدلال على جواز طلب الإعانة من المخلوق فيما يقدر عليه: (كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحروب أو غيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق) ، وهذا لا ينكره أحد.
стр. 74
الاستغاثة الشركية المحرمة هي استغاثة العبادة
قال ﵀: (ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه) .
إذاً: هذا الذي ننكره، وهذا الذي نقول: إنه من الشرك، وهو استغاثة العبادة، وهي التي تكون عند قبور الأولياء، وذلك أن هؤلاء لا يقدرون، فسؤالهم من التعلق بالأموات الذي نهى الله عنه، وبعث رسله لأجل نفيه والتحذير منه.
وأيضاً (في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) فإن سؤالهم في غيبتهم أيضاً من الشرك، وذلك أنه إذا غاب ليس في مقدوره كشف البلاء عنك، ولا رفع الكرب عنك؛ ولذلك سؤالك الغائب تفريج الكربات وكشف النكبات وما إلى ذلك من جنس سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله .
يقول: (إذا ثبت ذلك -أي: إذا ثبتت هذه المقدمة- فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة) فلا إشكال في جواز سؤال المخلوق الآخر أن يدعو له في كشف أمر في الدنيا أو في الآخرة إذا كان ذلك في مقدوره، بشرط حضوره، وهذا هو الذي حدث، فإن الناس يوم القيامة يقولون لما يشتد عليهم كرب الموقف: (اذهبوا إلى آدم أبيكم، الذي خلقه الله بيده، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه فيطلبون منه أن يسأل الله أن يفرج عنهم، فيحولهم إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيحولهم إلى إبراهيم، ثم يحولهم إبراهيم إلى موسى، ثم يحولهم موسى إلى عيسى، ثم يحولهم عيسى إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها، أنا لها، ثم لا يشفع ﷺ مباشرة، بل يقوم ويسجد عند العرش، ولا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع، وقل يسمع) فيطلب من الله الشفاعة في القضاء بين الناس.
وهذا لتفريج الكرب عن أهل الإيمان، وإلا فإن أهل الكفر لا يستفيدون من هذا بشيء، إذ أن ما يقبلون عليه أعظم وأدهى وأمر؛ ولذلك قال الشيخ ﵀: (أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف) وإلا فالكفار في ظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 75
مسألة سؤال الحي الحاضر الدعاء
يقول: (وهذا جائز في الدنيا والآخرة) أي: سؤال الدعاء من الحي الحاضر جائز في الدنيا والآخرة، ولا إشكال في ذلك.
يقول: (وذلك أن تأتي عند رجل -توضيح لقوله: وهذا جائز في الدنيا والآخرة- صالح حيّ يجالسك، ويسمع كلامك، وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره) .
فسؤال الحي الدعاء لا بأس به، هذا الذي يفهم من كلام الشيخ ﵀، والذين كرهوا سؤال الحي الدعاء إنما كرهوه لأجل ذم المسألة عموماً، وليس لأن ذلك من الشرك، فإن شيخ الإسلام ﵀ له قول بكراهة سؤال المخلوق الدعاء إلا إذا كان يقصد من سؤاله نفع المسئول، وله قول آخر قال فيه ﵀: وطلب الدعاء من المؤمن للمؤمن مشروع، فله في المسألة قولان، والقول الذي فيه كراهة سؤال الدعاء من المسلم أو من المؤمن هو بسبب أن المسألة مذمومة مطلقاً، وأن الواجب على العبد أن يعود نفسه السؤال والتضرع إلى الله ؛ وذلك أن الدعاء عبادة وقربة إلى الله ، فالأولى للعبد أن يباشر ذلك بنفسه، وألا يعتمد على غيره في ذلك، ثم أيضاً قد يُخشى أن يترتب على هذا السؤال مفسدة للمسئول، فيظن في نفسه خيراً فيغتر، وقد يُخشى أيضاً من هذا أن يتكل الإنسان على دعاء غيره، فيكون من عادته إذا أراد الدعاء أن يذهب إلى غيره ليدعو له، كل هذه المفاسد جعلت شيخ الإسلام ﵀ يقول في أحد قوليه: إن سؤال الغير الدعاء مكروه، وليس ذلك لكونه من الشرك أو ما إلى ذلك، بل لكونه تترتب عليه بعض المفاسد التي تقدم ذكر شيء منها.
следующие страницы →