← Акыда

Акыда · id 7732

شرح كشف الشبهات لخالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (82 стр.). Показаны 71–82 · переход к 76.

стр. 71

استشهاد المشركين بالاستغاثة بالأنبياء في المحشر على جواز الاستغاثة بغير الله وأنه ليس من الشرك بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ولهم شبهة أخرى: وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً. والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله. إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ ؟] . قال ﵀: (ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً) وهذا من جملة ما يتعلق به المبتدعون في تجويز صرف العبادة لغير الله ، وإلا فلو كان ما ذكروه دالاً على ما ذهبوا إليه من جواز استغاثة المخلوق بغير الله، وأن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً؛ لعددنا ذلك من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن الله قد قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، ونقول: أحوال يوم القيامة تختلف عن أحوال الدنيا، هذا إن سلّمنا بأن ما ذكروه يصح الاحتجاج به أو فيه شبهة لما قالوا؛ كيف وما ذكروه ليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ؟ وبيان ذلك من خلال ما ذكره الشيخ ﵀ في جوابه.

стр. 72

معنى الاستغاثة وأنواعها قبل أن نشرع في مطالعة كلام الشيخ ﵀ في الجواب نقول: الاستغاثة: هي طلب الغوث، وطلب الغوث لا يكون إلا عند الشدة والكرب، وفي الغالب يكون عند نزوله وحلوله، خلافاً للاستعاذة فإنها قد تكون قبل نزول البلاء، وأما الاستعانة فهي تكون في الشدة والرخاء، بينما الاستغاثة لا تكون إلا عند نزول البلاء والكرب وشدته وطلب الغوث على نوعين: النوع الأول: ما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا لا يجوز طلبه من غيره بل لابد أن يتوجه العبد بقلبه ولسانه إلى الله طالباً أن يُغيثه، وأن يكشف عنه كربه. النوع الثاني: ما كان في مقدور المخلوق، والمخلوق حي حاضر، فهذا يجوز طلب الغوث منه، ومنه قوله تعالى في كتابه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] في قصة موسى، فهذه الاستغاثة جائزة؛ لأنها طلب لما هو في مقدور المخلوق الحاضر، فإن كان المخلوق غائباً فإن نداءه وطلب الغوث منه يكون من الشرك إلا إذا كان النداء يبلغه ويسمعه. وأيضاً من باب أولى لو كان المخلوق ميتاً فإنه لا يجوز سؤاله؛ لأنه ليس في مقدوره.

стр. 73

الرد على المشركين فيما أوردوه من استشهادهم باستغاثة أهل المحشر بالأنبياء أما ما ذكروه مما ورد في حديث الشفاعة العظمى التي تكون في الموقف من سؤال الناس للأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد ﷺ أن يسألوا الله أن يكشف ما بهم؛ فإن هذا ليس من الشرك، بل هو سؤال للمخلوق فيما يقدر عليه، وهو سؤال الله ودعاؤه، وهذا ليس من الشرك في شيء؛ ولذلك أجاب الشيخ ﵀ بهذا الجواب فقال ﵀: (والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها) إذاً: الذي ننكره هو الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فلو كان المخلوق يقدر عليه ولكنه ليس حاضراً كالذين يستغيثون مثلاً بالأولياء الأحياء البعيدين الذين لا يسمعون، فإذا نزل به كرب قال: يا فلان! أغثني، فهذا أيضاً من الشرك؛ لأنه ولو كان حيّاً قادراً على الفعل لو كان حاضراً إلا أنه بسبب غيبته لا يقدر أن يجيبك، فهذا دعاء لغير الله ، أما سؤال المخلوق فيما يقدر عليه فلا إنكار، سواء كان ذلك استعانة أو استغاثة أو استعاذة، أما دليل الاستغاثة فظاهر، وأما دليل الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه فإن النبي ﷺ قال في حديث الدجال: (من وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به) ، وأما الاستعانة فلا إشكال في جواز طلب العون من المسلم فيما يقدر عليه. ثم قال ﵀ في الاستدلال على جواز طلب الإعانة من المخلوق فيما يقدر عليه: (كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحروب أو غيرها في الأشياء التي يقدر عليها المخلوق) ، وهذا لا ينكره أحد.

стр. 74

الاستغاثة الشركية المحرمة هي استغاثة العبادة قال ﵀: (ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه) . إذاً: هذا الذي ننكره، وهذا الذي نقول: إنه من الشرك، وهو استغاثة العبادة، وهي التي تكون عند قبور الأولياء، وذلك أن هؤلاء لا يقدرون، فسؤالهم من التعلق بالأموات الذي نهى الله عنه، وبعث رسله لأجل نفيه والتحذير منه. وأيضاً (في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله) فإن سؤالهم في غيبتهم أيضاً من الشرك، وذلك أنه إذا غاب ليس في مقدوره كشف البلاء عنك، ولا رفع الكرب عنك؛ ولذلك سؤالك الغائب تفريج الكربات وكشف النكبات وما إلى ذلك من جنس سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله . يقول: (إذا ثبت ذلك -أي: إذا ثبتت هذه المقدمة- فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة) فلا إشكال في جواز سؤال المخلوق الآخر أن يدعو له في كشف أمر في الدنيا أو في الآخرة إذا كان ذلك في مقدوره، بشرط حضوره، وهذا هو الذي حدث، فإن الناس يوم القيامة يقولون لما يشتد عليهم كرب الموقف: (اذهبوا إلى آدم أبيكم، الذي خلقه الله بيده، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه فيطلبون منه أن يسأل الله أن يفرج عنهم، فيحولهم إلى نوح، فيذهبون إلى نوح فيحولهم إلى إبراهيم، ثم يحولهم إبراهيم إلى موسى، ثم يحولهم موسى إلى عيسى، ثم يحولهم عيسى إلى النبي ﷺ فيقول: أنا لها، أنا لها، ثم لا يشفع ﷺ مباشرة، بل يقوم ويسجد عند العرش، ولا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له فيقال له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع، وقل يسمع) فيطلب من الله الشفاعة في القضاء بين الناس. وهذا لتفريج الكرب عن أهل الإيمان، وإلا فإن أهل الكفر لا يستفيدون من هذا بشيء، إذ أن ما يقبلون عليه أعظم وأدهى وأمر؛ ولذلك قال الشيخ ﵀: (أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف) وإلا فالكفار في ظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 75

مسألة سؤال الحي الحاضر الدعاء يقول: (وهذا جائز في الدنيا والآخرة) أي: سؤال الدعاء من الحي الحاضر جائز في الدنيا والآخرة، ولا إشكال في ذلك. يقول: (وذلك أن تأتي عند رجل -توضيح لقوله: وهذا جائز في الدنيا والآخرة- صالح حيّ يجالسك، ويسمع كلامك، وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره) . فسؤال الحي الدعاء لا بأس به، هذا الذي يفهم من كلام الشيخ ﵀، والذين كرهوا سؤال الحي الدعاء إنما كرهوه لأجل ذم المسألة عموماً، وليس لأن ذلك من الشرك، فإن شيخ الإسلام ﵀ له قول بكراهة سؤال المخلوق الدعاء إلا إذا كان يقصد من سؤاله نفع المسئول، وله قول آخر قال فيه ﵀: وطلب الدعاء من المؤمن للمؤمن مشروع، فله في المسألة قولان، والقول الذي فيه كراهة سؤال الدعاء من المسلم أو من المؤمن هو بسبب أن المسألة مذمومة مطلقاً، وأن الواجب على العبد أن يعود نفسه السؤال والتضرع إلى الله ؛ وذلك أن الدعاء عبادة وقربة إلى الله ، فالأولى للعبد أن يباشر ذلك بنفسه، وألا يعتمد على غيره في ذلك، ثم أيضاً قد يُخشى أن يترتب على هذا السؤال مفسدة للمسئول، فيظن في نفسه خيراً فيغتر، وقد يُخشى أيضاً من هذا أن يتكل الإنسان على دعاء غيره، فيكون من عادته إذا أراد الدعاء أن يذهب إلى غيره ليدعو له، كل هذه المفاسد جعلت شيخ الإسلام ﵀ يقول في أحد قوليه: إن سؤال الغير الدعاء مكروه، وليس ذلك لكونه من الشرك أو ما إلى ذلك، بل لكونه تترتب عليه بعض المفاسد التي تقدم ذكر شيء منها.

стр. 76

الصحابة لم يكونوا يسألون النبي ﵊ بعد موته ثم قال ﵀: (كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوا ذلك عند قبره) فلم يُنقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يأتون إلى قبره ويسألونه الدعاء، ولو فُعل لنُقل، بل الذي نُقل عنهم ﵃ أنهم نهوا من أتى يسأل الله عند قبره كما روي ذلك عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، فإنه رأى رجلاً كان يأتي إلى فرجة عند بيت النبي ﷺ يدعو فنهاه، وقال له: إن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليّ أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) ، وهذا فيه النهي عن قصد القبر من أجل الدعاء، فمن قصد قبر النبي ﷺ أو غيره لأجل أن يدعو الله عنده فإن هذا بدعة، وأما لو قصده للطلب من الميت أن يدعو الله له فهذا بدعة منكرة، وهو من وسائل الشرك، فلو سأل الميت نفسه فإنه يكون قد وقع في الشرك الذي ينقل عن الملة كما قال : ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ، فمن دعا غير الله فقد أشرك في هذه العبادة، ومن صرف عبادة لغير الله فقد وقع في الشرك، وفُهم من هذا خطأ ما يفعله كثير من الناس الآن إذا ذهب للسلام على النبي ﷺ في قبره توجه إلى القبلة يدعو، فإن هذا الأمر محدث، بل نص شيخ الإسلام ﵀ في الجواب الباهر على أن هذا من البدع، فعلى العبد إذا سلم أن ينصرف ويدعو في أي مكان في المسجد، ولا يتقصد ولا يتحرى الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، فإن هذا من المحدثات، ولو قال قائل: إن هذا من المسجد، فإن المسجد قد أحاط ببيت النبي ﷺ من كل جانب، فالجواب: أن الممنوع هو أن تتقصد هذا المكان للدعاء؛ لأن الناس لا يفهمون أن هذا من المسجد، بل هم يظنون أنك وقفت تدعو هنا لأجل بركة المكان، وهو قربك من قبر النبي ﷺ ، فاذهب وانصرف وادع الله حيثما شئت. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الصحابة ﵃ لم يُنقل عنهم قصد الحجرة للسلام على النبي ﷺ إلا ما جاء عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر يأتي ويسلم على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر، وعلى عمر يقول: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبي! وينصرف، ونُقل مثل هذا عن أنس ﵁ أيضاً، وأما سائر الصحابة فلم يفعلوا ذلك، ولم يثبت عنهم حتى المجيء للسلام، بل كانوا يكتفون بالسلام عند دخول المسجد، ولا يقصدون الحجرة أو القبر للسلام على النبي ﷺ ، فهذا من الأمور التي انتشرت بعد عهد الصحابة ﵃. وقد ذكر شيخ الإسلام أن الوفود كانت تفد إلى المسجد النبوي وتدخل وتخرج ولا تقف عند القبر لا للسلام ولا لغيره. والذي يظهر لي أن هذا هو الأحسن والأكمل، فيكتفي بالسلام عند دخوله للمسجد، ولا يقصد الحجرة أو القبر للسلام، فإن هذا لم يفعله إلا ابن عمر ﵁، فمن فعله تأسياً بـ ابن عمر ﵁ فليقف عند ورد عن ابن عمر ﵁، فإن الذي ورد عنه أنه كان يقول: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا أبتي! وينصرف، ولا يفعله إلا عند المجيء من السفر، أما ما يفعله كثير من الناس من السلام عليه بعد كل صلاة، وبعضهم إذا لم يتمكن أو كان عنده شغل ولا يستطيع الذهاب إلى جوار الحجرة وقف في مكانه، وتوجه إلى القبر، وتمتم ببعض الكلمات، ثم انصرف؛ فهذا لا شك أنه من البدع والمحدثات، وكل بدعة ضلالة.

стр. 77

الرد على من استشهد بعرض جبريل على إبراهيم إعانته عندما أراد قومه إحراقه على جواز الاستغاثة العبادية بغير الله ثم قال ﵀: [ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار، اعترض عليه جبريل في الهواء فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم. فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم ﵇ في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئاً يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟] . هذه شبهة أخرى، ولعلها آخر الشبه التي يوردها الشيخ ﵀ في هذا الكتاب المبارك، قال ﵀: (ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما لك فلا. قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم) . قال الشيخ ﵀: (فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى) فإن الشبهة الأولى فيها سؤال المخلوق ما يقدر عليه، وهذا أيضاً فيه عرض المخلوق ما يقدر عليه، فإن جبريل ﵇ عرض على إبراهيم لما ألقي في النار أو قبل أن يلقى في النار لما تآمر قومه على إلقائه فيها فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، فقالوا: فلو كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم، فنقول: هذه ليست من الاستغاثة الممنوعة، بل هي من الاستغاثة التي نتفق معكم على جوازها، لكننا نختلف معكم في كونها دالة على جواز الاستغاثة العبادية التي لا يجوز صرفها إلا لله ، أما الاستغاثة التي من هذا الجنس وهي سؤال المخلوق ما يقدر فليس ذلك من الشرك في شيء. قال ﵀ فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، وأنتم تلاحظون -أيها الإخوة- أن هذه الشبهات التي مرت معنا في غالب الأحيان تكون مكررة، والخلاف فيها خلاف لفظي، فهو من تنويع العبارة لعرض نفس الشبهة المتقدمة؛ ولذلك سلك الشيخ ﵀ مسلكاً جيداً في هذه الشبهات، فقد عرض أولاً كبريات شبهاتهم، ثم بعد أن فرغ من عرض هذه الكبريات ذكر ما هو فروع أو ما هو تنوع في اللفظ للشبه المتقدمة، وكذلك هنا فإنهم أعادوا ما أجبنا عليه قبل قليل في القصة المتقدمة. قال ﵀: (فالجواب على هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه) ، وتوضيح هذا قوله ﵀: (فإنه كما قال الله تعالى فيه -يعني: في جبريل-: (شَدِيدُ الْقُوَى) ، فلو أُذن له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، وهذا لا شك فيه، ولو أمره أن يضع إبراهيم ﵇ في مكان بعيد عنهم لفعل -وهذا لا شك أنه في قدرة جبريل- ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئاً يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد) وهذا تفسير من الشيخ ﵀ لما فعله إبراهيم، فإن إبراهيم ﵇ قال: (أما إليك فلا) ، أي: فلا حاجة لي بما عندك. ومعنى هذا الكلام: أما إلى الله فنعم فإنه صبر على ما لقي منتظراً فرج الله وما يختاره له، وهذا فيه غاية التسليم، وإبراهيم ﵇ إنما كان أُمة قانتاً لله حنيفاً بسبب تسليمه لله ، ومن أبرز ما يظهر فيه تسليم إبراهيم ﵇ قصة رؤياه التي رأى فيها ذبح ابنه الذي حرمه سنين طويلة، ثم لما جاءه وبلغ معه السعي رأى هذه الرؤيا، فما كان منه إلا أن سلم وآمن ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] فما كان إلا أن فرّج الله عنه، وفداه بذبح عظيم، وما ذلك إلا لتسليم إبراهيم وإسماعيل ﵉، فمن السمات البارزة في حياة إبراهيم ﵇ تسليمه لله ، وهذا من تسليمه، إذ أنه رضي بما يختاره الله له، وما يُقدّره له، ولم يركن إلى اختياره لنفسه، وهذه فائدة ينبغي لطلبة العلم والدعاة وأهل الخير أن يتنبهوا لها، وهي أنه قد نختار لأنفسنا أمراً من الأمور نحب وقوعه، ونجاهد في تحقيقه، ويكون الخير فيما اختاره الله لنا، إذ يقع شيء يخالف ما نحب، فتجد بعض الإخوة وبعض أهل الخير يضجر ويغضب لهذا الذي وقع، أو على أقل الأحوال يشعر في نفسه بمضاضة وغضاضة لما وقع، فنقول له: ينبغي لك أن تسلم، وأن تعلم أن ما قدره الله لك هو خير لك ولا شك (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير: إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن) فالواجب على العبد المؤمن أن يرضى بما اختاره الله من تأخر النصر أو من تأخر تحصيل العلم أو من فوات فرص أو ما إلى ذلك ولا يستعجل، وإنما يعلم أن ما اختاره الله له هو الخير ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ، والله يصنع لدينه ما لا نصنع، فينبغي لنا أن نسلّم، وهذا بارز من هذه القصة، فإنه ﷺ قال: (أما إليك فلا) فجاءه الفرج من الله بأن قال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] تفريج من رب العالمين ، فالواجب علينا -أيها الإخوة- أن ننتبه إلى هذه الفوائد، وهذه العبر من قصص الأنبياء في كتاب الله ، فإن الله إنما قص علينا قصصهم للعبرة، وليس للتسلي والنظر فيما جرى لهم بل للاعتبار، وأشار الله إلى ذلك مخاطباً نبيه: ﴿وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فلقصص الرسل فائدة، وهي التثبيت والاعتبار، فينبغي لنا أن نتنبه لهذا. ثم قال ﵀: (فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟!) .

стр. 78

شرح كشف الشبهات [١١] إن عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، لكن هناك كثير من الناس من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة لأحد، ومن الناس من يعمل بالحق ظاهراً لا باطناً، ولا نجاة للعبد إلا بالعلم بالتوحيد والعمل به ظاهراً وباطناً.

стр. 79

التوحيد يكون بالقلب واللسان والعمل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: إن هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه حق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [التوبة:٩] وغير ذلك من الآيات، كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] . فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] . وهذه المسألة مسألة طويلة تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٦-١٠٧] الآية، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا من جهتين: الأولى: قوله تعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ) ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها. والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٧] فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم] . ختم الشيخ ﵀ هذه الرسالة المباركة بهذا التنبيه المهم، فإنه بعد أن أبطل حجج المشبهين، وبين لنا ظاهراً صدق قول الشاعر فيها: حججٌ تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور فلما تبين هذا السراب، وانكشف الغطاء، واتضح أنه ليس معهم شيء بل هم كما قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] ، وليس عندهم من العلم إلا ظاهره، وإلا فحقيقته قد تجردوا عنها؛ ذكر ﵀ تنبيهات مهمة، فبعد أن أبطل الحجج التفت ﵀ إلى مهرب نفسي يلجأ إليه بعض الذين تنكشف لهم الحقائق، فيعلمون أن ما أوردوه من شبه وما ذكروه من أباطيل إنما هي ذرائع تتساقط واحدة تلو أخرى، فذكر أن من الناس من يفر إلى تحكيم عادته، وتحكيم ما عليه أهل بلده، وتحكيم ما يخشاه من مواجهة الناس، وما يخشاه من إنكارهم لما جاء به، وبين أن هذا لا يفيد أيضاً في ترك الحق، فلو أن إنساناً اعتمد في ترك الحق على هذه الأمور، وهي أن أهل البلد ينكرون هذا أو أنه يخشى أن يسلب الجاه أو يسلب المال أو يخشى أن يفقد مكانته أو ما إلى ذلك؛ لم ينفعه ذلك. فقال ﵀: ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جداً، تفهم مما تقدم، ولكن يُفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها. وهذه المسألة هي قوله ﵀: (لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل) ، وهذا لا شك فيه فإنه عقد أهل السنة والجماعة في الإيمان والتوحيد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، وعلى هذا تواطأت أقوال السلف ﵏، وقد قال الناظم في نظم عقيدة من سلف: إيماننا قول وصدق وعمل يزيد بالتقوى وينقص بالزلل فلابد من الإيمان بالقلب، ولابد من الإيمان باللسان، ولابد من الإيمان بالجوارح، ولا يكفي الإيمان بالقلب مع تخلف إيمان الجوارح واللسان، ولا اللسان مع تخلف الباطن، ولا الجوارح مع تخلف الباطن، بل لابد من تواطؤ هذه الأشياء حتى يتحقق التوحيد. قوله: (لا خلاف) أي: بين أهل السنة والجماعة (أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً) ، وتوضيح ذلك: (إن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر) ، لا شك أن من عرف التوحيد، وعرف أن الله هو المستحق للعبادة وحده دون غيره، ثم صرف العبادة لغيره، ولم يقم بمقتضى هذه المعرفة؛ فإن تلك المعرفة لا تفيده شيئاً، فهو كافر معاند. قال ﵀: وكفره ككفر فرعون، فإن فرعون يعرف ربوبيته ، ويعرف إلهيته، وإنما أنكرها علواً واستكباراً كما قال الله : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ومع ذلك لم يفده هذا الإقرار. وإبليس عليه من الله ما يستحق من اللعن والسخط أيضاً مقر بألوهية الله ، وإنما اعترض على أمر من أوامره، فأبى -استكباراً- السجود لآدم، فكان عاقبته أن عُوقب بما ذكره الله من اللعن والطرد، والعقوبة التي تنتظره في الآخرة أعظم وأكبر، وأمثالهما.

стр. 80

ضلال من خالف التوحيد عن علم مجاراة لأهل بلده يقول ﵀: (وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: إن هذا حق) يعني: ما ذكرنا من وجوب إفراد الله بالعبادة، وأن هذا الذي جاءت به الرسل، يقولون: إن هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، فيُسوغون وقوع الشرك منهم بهذا الذي ذكروه من أن هذا لا يجوز عند أهل بلدهم، وأنه لا يوافق أهل بلدهم إلا بموافقتهم على الشرك أو غير ذلك من الأعذار! قال ﵀: (ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق) ، فمعرفة الحق ليست هي المطلوبة فقط، بل المطلوب معرفة الحق والعمل بمقتضاه؛ ولذلك قال: غالب أئمة الكفر يعرفون الحق كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ، واليقين مُنتهى العلم لكن جحدوها فلم تنفعهم هذه المعرفة ولا هذا اليقين، يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، وتختلف أعذار الناس؛ فمن الناس من يعتذر بالقبيلة وبالعشيرة، ومن الناس من يعتذر بالأهل، ومن الناس من يعتذر بالبلد، ومن الناس من يعتذر بالمال والجاه والمنصب، ومن الناس من يعتذر بالضعف، وما إلى ذلك من الأعذار، فتعددت الأعذار والمآل أو المنتهى واحد، وهو عدم القيام بما فرض الله من وجوب إفراده بالعبادة كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [التوبة:٩] فهم يعرفون آيات الله إلا أنهم استبدلوا بهذه الآيات البينات ثمناً قليلاً بخساً، فأخذوا هذه الدنيا عوضاً عن جنة عرضها السماوات والأرض. يقول: وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: يعرفون الحق ويعرفون صدق ما جاء به النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. الآن انتهينا من القسم الأول، وهو أن التوحيد لابد فيه من المعرفة مع العمل، فلا يكفي في التوحيد المعرفة فقط، حتى لو كان معتذراً بالمعاذير التي ذكر. (فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه؛ فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ) ، فمن أظهر الإيمان، والتزم شعائر الإسلام إلا أنه لم يقرَّ بذلك قلبه، ولم يرسخ ذلك في قلبه، فإن ذلك لا ينفعه، إذ أنه ممن حسن ظاهره، وخبث باطنه، والله إنما يطلع ويحاسب العبد في الأصل على قلبه، وما يظهر من الجوارح هو فرع عما في القلب: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ، هذا في الأصل، وأعمالكم في الفرع، فلابد من إقامة الباطن وإقامة الظاهر على ما يحبه الله ويرضاه. قال ﵀: (فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص) ، لاشك أن دلالة القرآن على أن المنافقين شر من الكفار ظاهرة، فالله أخبر عن عذاب الكفار إلا أنه خص المنافقين بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .

стр. 81

عدم قبول الله لعذر من ناقض توحيده عن قصد وإرادة ثم قال ﵀: (وهذه المسألة مسألة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا أو جاه أو مُداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهراً -يعني: بالدين- لا باطناً، فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه، ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله) ، يعني: هاتين الآيتين من كتاب الله توضح لك صدق ما تقدم من وجوب الإقرار بالتوحيد ظاهراً وباطناً، وأنه لابد فيه من قول القلب وعمل القلب، وقول اللسان وعمل الجوارح. قال ﵀: (أولاهما قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] فإن الله لم يقبل منهم عذراً بعد أن وقع منهم ما يناقض التوحيد، فأبطل عذرهم ورده عليهم. قال الشيخ ﵀: (فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها) كان هذا أعظم لأنه تبين له الحق وعرفه وخالفه عن قصد وإرادة جازمة، وأما الذي يمزح فهو هازل فهو دون ذلك الذي قصد المخالفة وعلم بعاقبتها، وهو ما خالف هازلاً ولاعباً، وليس كالذي خالف قاصداً عازماً جازماً، فينبغي للعبد أن يحذر الكفر، وألا يعتذر لنفسه في مواقعة الكفر بأي عذر كان، بل يجب عليه أن يقلع عن الكفر، وقد قال الله في انتفاء العذر عمن تبين له الحق وعرفه: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤-١٥] ، فقد تغش الناس بأعذارك، وقد يعذرك الناس بظاهر حالك أو بحسن بيانك وقولك، ولكن الله الذي يطلع على السرائر، قد قالها في كتابه جل ذكره: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ، فالكفر لا تقبل فيه الأعذار؛ ولذلك ينبغي على العبد أن يتقي الله ، وأن يحذر الشرك صغيره وكبيره، فإن الشرك أعظم الظلم كما تقدم بيانه في غير هذا الموضع.

стр. 82

عدم قبول الله لعذر من ناقض توحيده بقلبه ولو كان مكرهاً قال ﵀: (والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٦-١٠٧] قال ﵀ في التعليق على الآية: (فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان -منشرحاً بالإسلام- وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً أو مداراة) فمن واطأ كفره الظاهر الذي أكره عليه انشراحاً في القلب وميلاً وسكوناً وطمأنينة بالكفر فإنه يكفر ولو كان مكرهاً، والذي استثناه الله من فعل الكفر أو قاله وهو مكره عليه مع انشراح قلبه بالإسلام، واطمئنانه إلى الإيمان، أما ما عدا ذلك فهو كافر. قال ﵀: (أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره) . قال ﵀: (فالآية تدل على هذا من وجهين أي: على أنه لا يعذر إلا من أكره مع اطمئنان قلبه وانشراحه بالإيمان، قوله: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ) فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل) ، وأما على الاعتقاد فلا يكرهك أحد على أن تعتقد ما حرم الله عليك اعتقاده، فالقلب لا سبيل إليه، أما الظاهر واللسان فإن السبل إليه كثيرة، فقد عذر الله ظهور الكفر بسبب الإكراه الملجئ على اللسان والجوارح، أما على القلب فإنه لم يعذر في ذلك أحداً؛ وذلك أنه لا سبيل إلى تحويل ما في القلب إلا إذا كان القلب فاسداً، أما إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، صحيحاً سليماً معافى فإنه لو وضع عليه ما وضع عليه من العذاب فإنه لا يمكن أن ينصرف عن الإيمان والإسلام إلى الكفر والإلحاد، بل سيكون مستقراً مطمئناً بالإيمان، وشواهد هذا في حياة الصحابة وحياة من بعدهم من التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين كثيرة جداً. ويفهم من كلامه (لا يكره على الكلام أو الفعل) أن الآية تشمل الإكراه في القول والإكراه على الفعل، فمن أكره على قول الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان إكراهاً ملجئاً لم يضره ذلك، ومن أكره على فعل الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك أيضاً، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن الإكراه الذي يعذر به العبد هو في القول فقط، وأما الإكراه في الفعل فإنه لا يجوز أن يفعل فعلاً شركياً ولو أكره على ذلك، ولو كان الإكراه مُلجئاً يئول به إلى فقد حياته، والصواب هو القول الأول، وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، أن الإكراه الذي يسوغ الوقوع في الكفر يستوي فيه الإكراه على قول الكفر أو الإكراه على فعل الكفر، ثم قال: (وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد) . ثم قال ﵀: (والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٧] فلما استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة كان ذلك سبب كفرهم، فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله أعلم وأعز وأكرم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين) . تم بحمد الله وتوفيقه، وبهذا نكون قد انتهينا من كشف الشبهات، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم من المباركين.