Полный текст (347 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
صفة الميزان
مسألة: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في صفة الميزان أنه ميزان حقيقي ذو كفتين وله لسان، وذكر بعض أهل العلم صفات الميزان وسعته وشكله، وأمور نحن في حاجة إلى نص ثابت من كتاب وسنة ولم نجد، ولكن نثبت الميزان ونعرف مدلوله ومعناه، ونقول: إنه ميزان حقيقي، وأما التفاصيل فلا عبرة إلا بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 247
عدد الموازين
مسألة: اختلف العلماء في الموازين، هل هي ميزان واحد أم أنها موازين متعددة؟ فبعض أهل العلم يقول: إنها ميزان واحد، وهذا لجميع الأمم كلها، وتأتي مسألة: كيف توزن الأعمال كلها وهو ميزان واحد؟ نقول: هذه من الأمور الغيبية، وقاعدتنا في الأمور الغيبية أننا لا نحكم الذهن فيها أبداً، ونسلم أن هناك ميزاناً توزن به أعمال العباد.
والقول الثاني: أن لكل أمة ميزاناً.
والقول الثالث: أن لكل واحد من المكلفين ميزاناً خاصاً به، وهذا القول نقل عن الحسن البصري رحمه الله تعالى.
وذكر بعض أهل العلم لما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] قال: هناك موازين للأعمال، وموازين للأقوال، وموازين للاعتقادات، وهذه تفاصيل تحتاج إلى نصوص تفصل تلك وتبينها، والأصل أننا نثبت الموازين ونثبت الميزان، والتدقيق والتفصيل فيه يحتاج إلى بينة.
стр. 248
الحكمة من نصب الميزان يوم القيامة
عندنا من المسائل المتعلقة بالميزان: الحكمة من قضية الوزن، مع أن الله مطلع على أعمال العباد وعارف بها، فلماذا إذاً توزن هذه الأعمال مع أن الله عالم بهذه، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى الحكمة فيها، منهم من قال: تعريف العباد بما لهم من الجزاء والأعمال، ولو سئل كل واحد منا الآن: اذكر السيئات التي عملت فقط؟ قد لا نذكر إلا الجرائم العظام فقط، وما عداها من السيئات ننساها، فجيء بالميزان لأجل أن يرى الإنسان ما عمله من بداية تكليفه إلى أن توفي، يراه أمام عينيه، ولهذا جاء في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ، فيُعرِّف الله تعالى عباده بما عملوه من خير أو شر.
ومنهم من قال: لإظهار عدل الله , وأنه الحكم العدل، وأن الناس لن يظلموا عنده أبداً: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: أن الله لن يضيع الإنسان.
ومن العلماء من قال: إن الناس لو دخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، لقال صاحب الجنة: إني دخلت هذه بما قدمت من الأعمال والدرجات وغيرها، وأنا أستحق بعملي، ولقال العاصي عند ذلك: إني دخلت هذه النار بسبب أني قد أكون ظلمت، وقد أدخلت هذه النار بسبب أعمال لا تستحق، لكن إذا جعلت الموازين، والناس يشاهدون هذا الوزن، ويرون الصغير والكبير يعرض، يطمئن الإنسان بعدها، فمن دخل الجنة -ونسأل الله أن نكون من أهلها- فرح وسعد، ومن دخل النار -نعوذ بالله منها- يكون قد علم أنه إنما دخل ذلك بسبب ما قدمت يداه في هذه الحياة الدنيا.
стр. 249
مسائل متعلقة بالحوض
ذكرنا أن الحوض هو مجمع الماء، وبالنسبة للحوض هنا فإن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يثبت حوض النبي ﷺ ، وحوضه ﷺ ثابت في الكتاب والسنة، وقد دلت عليه النصوص الكثيرة، وذكر العلماء أنه قد روي فيه عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، تصل إلى بضع وخمسين حديثاً عن الصحابة منهم الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم.
стр. 250
أدلة ثبوت الحوض
مسألة الحوض وإثباته قلنا: النصوص صريحة، فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين وغيرهما أنه قال: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -أي: كئوسه- كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً) وهذا الحديث ثبت عن النبي ﷺ ، مما يدل على أن هذا وارد وثابت، وذكر بعض أهل العلم أنه يشهد له قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أغفى إغفاءة، ثم أفاق ﷺ وقرأ على الصحابة هذه السورة وهو يتبسم، وذكر العلماء أن هذه تدل على الحوض، والمفسرون رحمهم الله تعالى في كتب التفسير يذكرون الحوض عند هذه السورة، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الكوثر هو الخير الكثير، ومن الخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ الحوض، بل هو من الأمر العظيم الذي يجب الإيمان به والتسليم له.
قضية الحوض وإثباته نقول: الناس يردون على حوض النبي ﷺ ، وورود الناس على حوض النبي ﷺ بسبب الظمأ الذي يصيبهم، ويقف النبي ﷺ ويقول: (أنا فرطكم على الحوض) أي: مقدمكم، وينادي النبي ﷺ أمته لأجل أن يأتوا إليه، ويصبح النبي ﷺ كأنه يناول هؤلاء القوم، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، والنبي ﷺ وهو عند الحوض يقف فيجد أناساً تفد إلى الحوض ومع ذلك الملائكة تجذبهم فلا يأتون إليه، فيقول: (أصحابي أصحابي) ينادي ربه: هؤلاء أصحابي، فيقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) بمعنى: أنهم غيروا ما كنت عليه من المنهج، فيقول النبي ﷺ : (سحقاً سحقاً) أي: بعداً بعداً لهؤلاء القوم الذين غيروا ما جئت به، ونعوذ بالله أن نكون ممن يذاد عن حوض النبي ﷺ .
стр. 251
تعدد الأحواض يوم القيامة
هل الحوض خاص بالنبي ﷺ أم أنه عام؟ الجواب: ورد أن لكل نبي حوضاً، ولذلك قال النبي ﷺ : (وإني لأرجو أن أكون أكثرهم وارداً) أي: أن محمداً ﷺ يكون أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وارداً للحوض، ولا شك أن أمة محمد ﷺ أكثر الأمم إسلاماً وصلاحاً واستقامة، وبهذا يكون نبينا ﷺ هو أكثر الأنبياء وروداً لحوضه ﷺ .
стр. 252
صفة الحوض
وورد في صفته أن طوله شهر، وعرضه شهر، وآنيته كعدد نجوم السماء، مما يدل على سعته، ودل على أنه يرده الناس وروداً، أي: يزدحم الناس حول هذا الحوض، وليس غريباً أن يزدحم الناس على هذا الأجر العظيم، والسبب أن ثمرته عظيمة، بل يعتبر هذا جزءاً من نعيم الله تعالى يوم القيامة، فإن من أعظم النعيم دخول الجنات, وأعظمه رؤية الرب ، ولكن من النعيم أن يشرب الإنسان من هذا الحوض العظيم.
ويعتبر الحوض من أحداث يوم القيامة، والمراحل التي يمر بها الإنسان أربع مراحل: المرحلة الأولى: الدنيا.
المرحلة الثانية: البرزخ.
المرحلة الثالثة: البعث.
المرحلة الرابعة: إما جنة أو نار.
وبذلك نعلم أن هذا من الأحداث المتعلقة بيوم القيامة، ويشرب الإنسان منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً.
стр. 253
موقع الحوض
مسألة: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل الحوض قبل الصراط أم الصراط قبل الحوض؟ فالذين قالوا: إن الحوض قبل الصراط، قالوا: إن الناس يخرجون من قبورهم، ويقفون في الموقف العظيم في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، والله ذكر عن حالهم من نزول العرق والشدة التي تصيبهم، فيظمئون، فيحتاجون بعد هذا التعب إلى أن يشربوا من الحوض.
والقول الثاني: أن الحوض بعد الصراط؛ وذلك لأنهم بمرورهم على النار فيظمئون، ولاشك أن الإنسان إذا مر على مناطق حارة احتاج إلى ماء.
وبعض العلماء قال: إنه لا مانع من أن للنبي ﷺ حوضين لا حوضاً واحداً، ويكون هذا الحوض قبل وبعد، وممن أومأ إليه الحافظ ابن حجر ﵀، ولكن قوله غير صحيح؛ لأنه يظهر أنه أجال عقله في أمرٍ غيبي، قال: ظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب من ماء الجنة، أي: لا شك أن الحوض من أين يوجد الماء فيه؟ قالوا: إنه يصب فيه ميزابان من الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ﷺ ، والكوثر في الجنة والنتيجة لو كان قبل الصراط لأصبح الميزابان يمران على الصراط وعلى النار ثم يصب من هناك، قال: لا، هو يكون بعد الصراط، ولكن هذا الأمر إجالة للعقل في أمر غيبي، والله قادر على كل شيء، ولا حاجة لأن يستبعد أن الميزابين يمران على النار أو لا يمران، فالله قادر على كل شيء ، وهذا يعتبر من إجالة العقل في أمرٍ لا يمكن إجالة العقل فيه.
نجد مكان الحوض يكون على وجه الأرض، ويكون في الأرض المبدلة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] أي: أنه يكون في الأرض التي قلنا: إنها كالفضة، وهذه نثبتها بناءً على أنها من أحداث يوم القيامة.
ذكر شيخ الإسلام وغيره أن الذين يذادون عن الحوض هم المبدلون لدينهم، وذكروا منهم: الجهمية والخوارج والرافضة، هؤلاء يذادون عن الحوض؛ لأنهم بدلوا دين محمد ﷺ وما كان عليه، وهؤلاء قد يقال لهم: إنهم ممن يذاد، وقد يدخل فيه الذين ارتدوا بعد النبي ﷺ ممن أسلم، ثم ترك هذا الدين نعوذ بالله تعالى من هذا.
стр. 254
مسافة الحوض
مسألة: وردت أحاديث أن النبي ﷺ قال في حوضه في الصحيحين: (ما بين صنعاء والمدينة) وفي بعضها: (ما بين عدن وعمان) وفي بعضها: (ما بين المدينة إلى بيت المقدس) إلى غيرها، فلماذا ورد الاختلاف فيه؟ الجواب: بعض العلماء: ورد باعتبار المسير، فبعضه على أجاود الخيل، وبعضه على أقل.
وبعضهم يقول: ليس المقصود من ذكر هذه المدن حصر المسافة، وإنما لبيان اتساع الحوض، واتساع عرضه، وأنه حوض عظيم، ومسافته كبيرة، وهذا يدل على فضل الله الواسع في هذا الحوض العظيم.
وذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أثرٍ رواه أبو داود يثبت الحوض في قصة لأحد الصحابة وهو أبو برزة ﵁ وأرضاه، ذكروا أنه بُعِثَ إليه عبيد الله بن زياد يسأله عن سؤال، ولعله كان ساخراً في سؤاله، وما كان يريد قبول الحق، وجاء يسأله عن قضية الحوض، قال: إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، هل سمعت الرسول ﷺ يذكر فيه شيئاً؟ فقال ﵁ وأرضاه: لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً، أي: في سماعه عن النبي ﷺ ، فمن كذب به فلا سقاه الله منه، ثم خرج ﵁ مغضباً؛ لأنه كان غير قابل للحق ولا مريداً له، ولا شك أن بعض المبتدعة ينكر قضية الحوض، وإنكار الحوض قول باطل لا نسلم به بوجه من الوجوه.
стр. 255
مسائل متعلقة بالصراط
ثم قال الناظم ﵀:
وكذا الصراط يمد فوق جهنم فموحد ناج وآخر مهمل
نعوذ بالله أن نكون من المهملين.
стр. 256
تعريف الصراط
قول المؤلف: (وكذا الصراط) الصراط هو الطريق، قالوا: يجوز أن يكون بالصاد وبالسين، سراط وصراط، وورد في قراءة: (اهدنا السراط) وورد بالزاي (اهدنا الزراط) وهي لغة، فيه، وهي قراءة متواترة، قرئ بها في السبع، والصراط هو طريق واضح، فإذا قيل: هذا صراط أي: طريق واضح لمن سار عليه أياً كان هذا الوضوح، واضح في الحق أو في الضلال، ولكنه حين يطلق الصراط المستقيم لا يطلق إلا على ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
مسألة: هل الصراط كلمة عربية أم أنها معربة؟ لسنا بصدد الكلام عليه، بعضهم يقول: الصراط هو باللغة الرومية، ويطلق على الطريق، ولكن الصحيح أنها كلمة عربية وليست كلمة معربة، وإن كنا قد نقول: قد تكون هذه كلمة تستعمل عند العرب وعند العجم.
(أل) التعريفية عندما قال المؤلف: (وكذا الصراط) للعهد الذهني، ويكون المقصود منها هو الطريق الذي يمشى عليه يوم القيامة، وذكر العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف الصراط شرعاً: بأنه جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة، على جهنم وهو بين الجنة والنار، وخلق من حين خلقت جهنم، نعوذ بالله من النار.
стр. 257
الصراط عدده ومن يمر عليه
مسألة: هل الصراط واحد أم أنه متعدد؟ الجواب: الصحيح أنه صراط واحد، وأن الناس يمرون عليه على قدر أعمالهم في هذه الحياة الدنيا، ويصبح الناس على قدر ما قدموا في هذه الحياة الدنيا يمرون عليه.
مسألة: هذا الصراط هل يمر فيه المؤمنون والكفار أم أنه خاص بالمؤمنين وحدهم؟ الصحيح أنه لا يمر عليه إلا أهل الإيمان.
لكن أين الكفار؟ الجواب: يردون إلى النار فيقحمون مباشرة، لا يحتاجون إلى شيء أصلاً يمرون عليه، ولا لأجل أن يتجاوزوا، أما أهل الإيمان فهم الذين يمرون، فمخدوش وناج، ومن يمشي مدة طويلة ومن يمشي سريعاً، ويصبح الناس يمرون على قدر أعمالهم في هذه الحياة الدنيا.
стр. 258
صفة الصراط
وصف العلماء رحمهم الله تعالى هذا الصراط بأنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحمى من الجمر، وأنه دحض مزلة، وأن الناس يمشون على اختلافهم، فمن الناس من يمشي واقفاً، ومن الناس من يمشي جاثياً، ومن الناس من يمشي على وجهه، فقال الصحابة: (يا رسول الله! كيف يمشي على وجهه؟ قال: إن الذي أمشاه على قدميه قادر على أن يمشيه على وجهه) ونعوذ بالله أن نكون من قوم يمشون على وجوههم يوم القيامة.
والأحاديث الواردة في هذا كثيرة، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: [بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف] وهذا هو أصح ما ورد في الصفة.
وقال العلماء: إن هذا لا يقال بمجرد الرأي، فإنه أمر غيبي، ولعله لم يقله أبو سعيد ﵁ إلا عن أثرٍ سمعه عن النبي ﷺ .
стр. 259
كيفية مرور الناس على الصراط
الناس الآن في مرورهم يمرون على اختلافهم، فمن الناس من يمر كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاود الخيل، ومنهم كأجاود البهائم، ومنهم من يمر كأسرع الناس مشياً، ومنهم من يحبو حبواً على اختلافهم، ويقولون: إن دعوى الملائكة عند مرور العباد: اللهم سلم سلم، قالوا: وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون: اللهم سلم سلم، يسألون أن يسلم هؤلاء الذين يمرون، لما يرون من تخطف الكلاليب للناس وهم في حال مرورهم، الإنسان يمشي والكلاليب تختطف الناس وترميهم في النار نعوذ بالله من النار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه ذكر آخر أهل النار مروراً، ويصبح الناس مرورهم معهم من النور بمقدار ما عملوا في هذه الحياة الدنيا، بقدر ما عملت يعطيك الله نوراً، فمن الناس من نوره كالشمس، وقد روي في بعض الآثار أن من الناس من تقول له النار: [يا مسلم جز فإن نورك قد أطفأ لهبي]] ومن الناس كالقمر، ومن الناس كأضوأ كوكب دري، ومن الناس من يحمل نوره معه، ومن الناس وهم آخر أهل الجنة دخولاً من يكون النور في إبهام قدمه فقط.
ونحن نعلم أن النار سوداء مظلمة، وإذا كانت سوداء وعندنا كذلك دحض ومزلة وأدق من الشعر تحتاج إلى إضاءة كبيرة جداً حتى تمر، فكيف إذا كان الإنسان يمر بنور في إبهام قدمه، ويمشي هذا الرجل الذي هو آخر الناس يمشي على هذا الصراط، وسبحان الله! لا يمشي قليلاً إلا ويسقط، ويتعلق بيده، ثم بعد ذلك يصعد، ومع مشيه المتأخر يمشي قليلاً قليلاً والنار تلفحه يمنة ويسرة، وكلما مشى قليلاً سقط وتعلق باليد الثانية ثم برجله ثم بيده وهكذا، وهو يسأل ربه أن ينجيه من النار، قالوا: حتى إذا انتهى وأنجاه الله التفت إلى النار وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، يحمد الله على هذه النعمة.
ونحن نعلم من وصلت إليه النار يحتاج إلى أمرين: ١- ظل وارف يبرد على جسده من الحرارة التي أثرت عليه.
٢- ماء يشرب ليبرد جوفه، قالوا: فيخلق الله له شجرة وتحتها ماء، وهو قد قال: اللهم نجني من النار، فينظر إلى الشجرة وإلى الماء، فيسأل ربه: اللهم أوصلني إلى هذه الشجرة ويدعوه، فيقول الله: ألم أنجك من النار، ألم يكن مطلوبك من قبل مجرد النجاة فنجوت؟ ويلح على ربه، فيوصله الله إلى هذه الشجرة، فيشرب من الماء ويستظل، قالوا: فيخلق الله شجرة أحسن منها، وماء أطيب، فينظر إليها فيقول: يا رب! أريد أن تنقلني، فيقول الله: ألم آخذ عليك المواثيق ألا تطلب غيرها، ما أغدرك يا ابن آدم، فينقله الله ويأخذ عليه المواثيق، ثم يخلق الله شجرة أحسن منها، ولعلها عند باب الجنة، ثم يسأل ربه ويلح ويعرف أنه عند باب الجنة، يسمع كلامهم وينظر إلى ما هم فيه من النعيم، ويسأل ربه ملحاً فينقله الله إلى تلك، ثم إذا وصل إليها وجلس قال: رب أدخلني الجنة.
الآن يطلب أن يدخل، وكان مطلوبه من قبل النجاة من النار، ولكنه يعلم أن له رباً يرحم عباده ولا يضيعهم ، فيقول الله له: أترضى أن أعطيك مثل الدنيا ومثل ملكها؟ فيقول هذا المسكين: يا رب! أتسخر مني وأنت رب العالمين! فيضحك الجبار ، فيقول: لك مثل الدنيا وعشر أمثالها.
إذا كان هذا آخر أهل الجنة دخولاً فكيف بمن كان مع النبيين والصديقين والشهداء؟!! مما يدل على فضل الله الواسع.
نحن في واقعنا الآن نقتتل من أجل قطعة صغيرة، من أجل جمع مال صغير وغيره، ويحصل من المشقات والتعب، وأقل أهل الجنة دخولاً وآخرهم هو من يعطى مثل الدنيا عشر مرات، وهذا من فضل الله الواسع الذي يعطيه الله من يشاء ، ولهذا وجب على المسلم أن يحرص أشد الحرص على الأعمال الصالحة؛ ليجوز هذا الصراط.
стр. 260
اختلاف الناس في إثبات الصراط
العجب من المعتزلة أنهم أنكروا، ولم يثبتوا الصراط، وهؤلاء المعتزلة ما جاءهم من أمر إلا ووقفوا في وجهه غير قابلين له، وبمجرد إمراره على العقل فلا يثبتونه، وهذا لا شك من جهلهم وخرافاتهم.
مسألة: اختلف الناس في المراد بالصراط؟ القول الأول: قول أهل السنة: وهو إثباته على ظاهره، وأنه جسر ممدود على جهنم يمر الناس منه.
القول الثاني وهو قول المعتزلة: وهو إنكار الصراط، وقالوا: لا يمكن عبوره أبداً، وجاءوا بعقولهم، قالوا: أدق من الشعر، وأحد من السيف، ودحض مزلة، كيف يعبر الناس هذا؟ ثم إن من يمر عليه، الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] يصبح المؤمنون كلهم يمرون عليه، قالوا: وإذا كان المؤمنون سيمرون فهذا تعذيب لهم، والمؤمنون حقهم الجنة، فلماذا يعذبون؟ بمجرد إجالة العقل فقط، وهذا كلام باطل.
ومن العلماء من قال: المراد بالصراط هي الأدلة الواضحة، ولا شك أن هذا الكلام باطل غير صحيح، وذكر بعض أئمة أهل السنة كـ القرافي ونقل عن العز بن عبد السلام كذلك: أنه لا يمكن أن يكون أحد من السيف وأدق من الشعر وغيره، وإنما الصراط عريض يمر الناس منه، ولكن نقول: ما ورد من حديث أبي سعيد ﵁ في صحيح مسلم يدلنا عليه، فوجب أن نثبته إثباتاً كاملاً.
стр. 261
نصب الصراط فوق جهنم
قول المؤلف: (يمد) المد: هو: الجذب والطول، ومنه مد الحبل، أي: جذبه وغيره، وكون الصراط يمد على جهنم أي: يجعل من جانبها هذا وجانبها هذا، ويصبح الناس يمرون عليه.
وقوله: (جهنم) مأخوذة من الجِهنام، وهو القعر البعيد، قالوا: وبئر جهنم، بعيدة القعر وبه سميت جهنم لبعد قعرها، أي: أنها عميقة جداً، وجهنم تعتبر من أسماء النار التي يعذب الله بها عباده المستحقين لها، وسيأتي في قضية النار أنها طبقات، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه سمع وجبة، فلما سئل عنها أجاب النبي ﷺ بأن هذه الوجبة -أي: هذا الصوت- حجر ألقي من أعلى جهنم منذ سبعين عاماً والآن وصل إلى قعرها، أي: وصل إلى قعر هذه النار، نعوذ بالله أن نكون من أهل النار.
стр. 262
حال الموحدين والمهملين أثناء المرور على الصراط
قوله: (فموحد) الموحد: هو من يعتقد أن الله تعالى واحد في ألوهيته، وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته، ومن أتى بهذا التوحيد وبأقسامه الثلاثة فهو الذي ينجو يوم القيامة، وأما من عداهم فإنهم يقحمون في النار على مقدار أعمالهم، فمن الناس من لهم الخلود، ومن الناس من يدخلون ثم يخرجون منها، وهذا في عصاة الموحدين وفي المشركين الشرك الأصغر والكفر الأصغر.
قوله: (ناج) قال في لسان العرب: ناج مأخوذ من النجاة وهي الخلوص من الشيء، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت:٣٣] أي: نخلصك من العذاب وأهلك، أي: لا تصاب بشيء.
(وآخر) قال في اللسان: الآخر بمعنى الغير، هذا رجل جاء رجل وآخر، أي: غير الأول، وقالوا: معنى غير كقولك: رجل آخر وثوب آخر، ويشهد له قول الله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة:١٠٧] والآخر: هو اسم من أسماء الله تعالى كما في قوله ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) الآخر أي: هو اسم من أسماء الله.
قوله: (مهمل) قال في اللسان: (المهمل) أي: أمر مهمل، متروك ولا ينظر إليه، والإهمال أي: تركه، بمعنى: أنه يترك في النار ويقحم فيها، ويقال: أهملت الشيء خليت بينه وبين نفسه، ولهذا يقال: هذا فلان مهمل، أي: لا يحرص على دروسه، ولا يقرأ، ولا يتابع، ولا يستفيد، ولا غير ذلك، ونسأل الله أن نكون ممن يرد حوض النبي ﷺ ، وممن يمر على الصراط فينجو منه.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 263
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس السادس عشر)
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وهو يستلزم الإيمان بوجود الجنة والنار، وإنهما لا تفنيان، وأن الكفار سيعذبون في النار لا يموتون فيها ولا يحيون، وأكثر أهلها النساء، أما عصاة الموحدين فسيعذبون فيها ثم يخرجون برحمة الله، وقد خلق الله للنار خلقاً وللجنة خلقاً، ولكل واحدة ملؤها، كل ذلك بحكمة أحكم الحاكمين.
стр. 264
مصير الأشقياء والأتقياء
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والنار يصلاها الشقي بحكمة وكذا التقي إلى الجنان سيدخل
стр. 265
معنى النار
(أل) في لفظة (النار) للعهد، ويقصد بها النار التي توعد الله بها من خالف شرعه ودينه من الكفار والمشركين، ومن عصاة المؤمنين، ولا يقصد بها نار الدنيا، فإنها ليست المرادة في قول الناظم رحمه الله تعالى، وإن كانت نار الدنيا جزءاً من نار الآخرة -نعوذ بالله- وقد أمر الله باتقاء النار في غير ما آية، وحذر منها، وحذرنا النبي ﷺ من النار، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن النار التي توعد الله بها إنما يصلاها الشقي.
قال في اللسان في كلمة (يصلاها) يقال: أصلاه النار أي: أدخله إياها، وكأن النار يدخلها الأشقياء، يقال: صلي فلان بالنار يصلى صلياً أي: احترق، والله يقول: ﴿هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾ [مريم:٧٠] أي: أن الكفار أولى من يدخل هذه النار.
стр. 266
من هو الشقي
(الشقي) في اللغة مأخوذ من الشقاء والشقاوة، وهو بالفتح ضد السعادة، والشقي هو المتلبس بالشقاء والشقاوة، ويقصد بها في سوء حاله وشره، وسميت الشقاوة بمعنى نكد العيش فإذا كان الإنسان متنكداً في عيشه، سمي هذا الشخص شقياً.
стр. 267
معنى الحكمة
وقوله: (بحكمة) الحكيم: هو فعيل من أحكم، يقال: أحكم الإنسان هذا الشيء إذا أتقنه أي: أحاطه من الخلل، بمعنى أنه لا يقع فيه زلل ولا نقص، وأصل مادة (حكم) في كلام العرب مأخوذة من المنع، من الفساد والخلل، وقال: ومنه حكمة الدابة، أي: أن الدابة يوضع في فمها لجام ويصبح الفارس يحكمها، فلا تميل يمنة ولا يسرة، بمعنى: أنه يضبطها في سيرها وفي مشيها، والحكيم بمعنى: المتقن للأمور كلها، ولذلك يقال: إن الله أحكم الحاكمين، ويعتبر من أسمائه الحكيم، ومن صفاته كذلك أنه الحكم والحاكم ، وهو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل: إن الحكيم بمعنى ذو الحكمة، و (الحكمة) هي: معرفة أفضل الأشياء، وقيل: إن الحكيم بمعنى الحاكم، وقالوا: الحاكم هو القاضي.
стр. 268
الحكمة في دخول الأشقياء النار
بين المؤلف رحمه الله تعالى أن النار يصلاها الشقي، وكون الشقي يصلى هذه النار لم يصلها عبثاً، ولم يصل هذه النار ظلماً له، وإنما بحكمة قد تبدو للناس وقد لا تبدو لهم، وإن كان الشقي يدخل النار فحكمته واضحة لإظهار عدل الله ، فالله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٦] أي: أنكم تأتون بشيء من عند أنفسكم، ولذلك ميز الله أهل الحق من أهل الكفر، وأن أهل الحق في الدنيا على إيمان وصلاح واستقامة وفي الآخرة مثلها، وإن كان بعض الناس قد لا ينظر إليه إلا نظرة ازدراء، والله قد قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] ولكن أهل الإيمان يوم القيامة هم الذين يضحكون من الكفار، والسبب: هو ما يحدث من بيان حكمة الله تعالى فيما يجريه الله على عباده في الدنيا، وما يثيبهم الله في الآخرة.
стр. 269
معنى التقي
قول الناظم: (وكذا التقي) قالوا: التقي مأخوذ من التقوى، ويقال لك: خذ هذا أي: اتق بهذا الشيء، إذا أردت أن تحمل شيئاً حاراً تجد الناس يفزعون، خذ هذا لتتقي به حرارة النار، وكأن التقي عمل أعمالاً في هذه الحياة الدنيا تقيه من عقوبة الله يوم القيامة، ولا تقوى للإنسان من نار الله يوم القيامة إلا بالعمل بطاعة الله تعالى، فمن لا يعمل بطاعة الله تعالى لن يجعل بينه وبين عقوبة الله تعالى وقاية.
نجد أن التقي إلى أين؟ إلى الجنة.
стр. 270
معنى الجنة
ذكر أن التقي سيدخل إلى الجنان، والجنان مفرد جنة، وقد تكلم العلماء في ألفاظ (الجنة والجِنة والمجن والجن) وكل هذه الألفاظ تأخذ معنى الاستتار، ولذلك يقال: المجن يستتر به المقاتل، والجن سموا جناً لأنهم يستترون عن الأعين، والجنة سميت جنة وهي البستان، وهي الحديقة ذات الأشجار الكثيرة الملتفة، وهذه تستر من دخل فيها، وتجد أن الإنسان إذا ذهب إلى حديقة ومعه أهله بحث عن شيء يستره من الأشجار الملتفة حتى لا يطلع عليه أحد، وهي دار النعيم التي أعدها الله لأوليائه، ونسأل الله أن نكون من أهلها، وهذه يوم القيامة، ولذلك قالوا: منه الاجتنان وهو الستر لتكاثف أشجارها والتفاف بعضها على بعض، وتظليلها لأهلها.
قال: سيدخل التقي إلى الجنان، ومعنى الدخول: هو نقيض الخروج.
стр. 271
قبول الحق والعمل بالعلم
أنبه للأحبة تنبيهاً لطيفاً في أدب الطلب، ولعل هذا يكون هو آخر أدب: أولاً: قضية إبداء الملحوظات: يجب أن تكون صدورنا قابلة للحق، ويصبح ديدن المسلم دائماً الرجوع إليه، ولا تأخذ المسلم العزة أنه قال قولاً لا يمكن الرجوع عنه، أبداً، بل يرجع الإنسان؛ لأن المقصود هو الوصول إلى الحق، وليس المقصود أن يكون ما قاله الإنسان لابد أن يكون حقاً، ليس شرطاً.
ولهذا قالوا: إن الرجال يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال، وإذا وطن الإنسان نفسه على هذا الأمر كان ذلك خيراً له في الدنيا والآخرة، وسبحان الله! من أعظم ما وجدت أي: على ضوء معيشتي مع مشايخنا سماحة شيخنا العلامة، أن شخصيته فريدة، ومتميز بصفات من أندر ما تجدونها في الدنيا، ولعل من الأمثلة عليها قضية الرجوع، وأذكر من اللطائف أنه منذ أكثر من عشر سنوات أفتى سماحة شيخنا بفتوى، وجاء أحد الطلاب يسأله وقال: يا شيخ! أنت ذكرت هذا، ويوجد حديث كذا، فنظرت إليه ولعله في المتوسط أو في الثانوي ولم يجاوزها، فقال الشيخ حفظه الله، بعد أن أورد الحديث: ائت بالحديث وإذا صح رجعنا عما قلناه.
أحدنا لو اعترض عليه صغير أو كلمه، قال: هذا طفل وهو لا يفقه شيئاً، أو أخذ الإنسان يلف يمنة ويسرة، وقال: المسألة خلافية، ولعلنا نرجح كذا، لا، بل المسلم ديدنه أن يبحث عما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، وعند ذلك يلتزم به.
الأدب الذي أحب أن أنبه عليه وقد نبه عليه العلماء رحمهم الله تعالى، وهي قضية العمل بالعلم، إن الأحبة عاشوا في هذه الأيام أجواء مليئة بالعلم، يقول السلف: [هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل] وجاءت الآيات تبين: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] ويقول نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] ذكر العلماء في تفسير (ربانيين) : بأنهم الذين يعلمون ويعملون.
ومن اللطائف في طلب العلم، وإن كنا نذكر أمثلة عليها: اتصلت على سماحة شيخي منذ أربعة أيام أستفتيه في مسألة، وهو في الطائف وأنا في الرياض، وعندما اتصلت سلم علي حفظه الله، ثم إذا بي أسمع المؤذن عندهم في الطائف، ثم قال لي: انتظر، إن المؤذن يؤذن؛ لأجل الإجابة، ثم بعد ذلك سل ما بدا لك، فقلت: سبحان الله! لو اتصل عليك أحد من هنا وهناك هذا وقت، وجلست أنتظر في المكالمة أردد مع مؤذن الطائف، والشيخ يردد كذلك، فقلت: سبحان الله! انظروا مثالاً عظيماً على قضية التطبيق والامتثال، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون من أحرص الناس على التأسي بالنبي ﷺ .
وزرت أحد مشايخي الكبار وكان عندي سؤال، وحدثته بالقصة، سبحان الله! ويؤذن المؤذن وكنت أتكلم، قال: طبق، سمعت.
وسكتنا، فقال: سبحان الله! كم من مرة نسمع ولا نجيب، ولكن ما تميز به هذا العالم العجيب بقضية التأسي وسرعة التطبيق، ولهذا نقول: سبحان الله! فيما أعرفه عن هذا العلامة أنه ما ثبتت عنده سنة عن النبي ﷺ إلا طبقها، لا في أذكار ولا في أوراد، ولا في دعاء استفتاح، ولا في غيره من العبادة، لا تصح عنده سنة إلا نفذ، ولهذا أقول: رفع الله شأنه، وأعلى منزلته، وأعظم أجره فيها، وجعله أنموذجاً للتأسي والقدوة، وحببه الله للناس، كله بسبب محبته لسنة النبي ﷺ وتطبيقه لها.
نجد في قول النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: عن علمه فيم عمل به) وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى حديثاً في صحيح مسلم، ويسمى من المسلسلات، ومنها: حديث مسلم نذكره بسنده، قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن عوف، قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة ﵂ وأرضاها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى الله له بهن بيتاً في الجنة) نجد الآن التطبيق العملي، قالت أم حبيبة: [فما تركتهن منذ أن سمعتهن من النبي ﷺ ] قال عنبسة الراوي عن أم حبيبة: [فما تركتهن منذ أن سمعتهن من أم حبيبة] قال: عمرو بن عوف الراوي عن عنبسة: [فما تركتهن منذ أن سمعتهن من عنبسة] قال النعمان بن سالم: "فما تركتهن منذ أن سمعتهن من عمرو بن عوف " مسلسل في التطبيق، ويدل هذا على أنه ينبغي للمسلم أن يكون حريصاً على تطبيق سنة النبي ﷺ .
وقيل لـ علي بن أبي طالب ﵁، وكان النبي ﷺ علمه ورداً: (إذا أويتما إلى فراشكما فسبحاً) قيل لـ علي: ما تركت وردك؟ قال: [ما تركته منذ أن سمعته من النبي ﷺ ، قالوا له: ولا ليلة صفين -وقت المعركة- قال: ثكلتك أمك ولا ليلة صفين] مع وجود القتال ما نسيه.
وأقول للأحبة: وكان في الذهن إعداد محاضرة كنت سميتها: (التأصيل والترقيع في واقعنا المعاصر) وكان هذا من الأدلة على إثبات التأصيل عند الصحابة ﵃.
أقول للأحبة: نحن ننطلق إلى سفر، ونصبح كلما صعدنا السيارة نقول للشباب: جزاكم الله خيراً لا تنسوا دعاء السفر، ونسافر معهم عشر سنوات ودائماً: لا تنسوا دعاء السفر، لا تنسوا أوراد الصباح والمساء، علي بن أبي طالب ما تركه بعدما سمعه من النبي ﷺ أبداً قال: [ولا ليلة صفين] وهكذا نجد أم حبيبة وغيرها سمع ولزم، وعرفت فالزم، أي: تمسك بهذا، وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به -أي: إذا ثبت عنده عمل به- حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا قينة ديناراً، قال: فأعطيت الحجام ديناراً حين احتجمت ﵁ وأرضاه.
ولذلك قال سفيان ﵀: من عمل بما يعلم كفي ما لم يعلم أي: يعلمه الله ويفتح الله عليه خيراً، إذا عرفت حفظ الحديث فاعمل به، قال الإمام ابن الجوزي ونختم به: لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، يقول: الذي استفدت منه العامل بعلمه، وإن كان غيره أكثر علماً منه.
هذا أدب وأمررناه على عجل، وننطلق إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من قضية النار -نعوذ بالله من النار- والجنة.
стр. 272
مسائل متعلقة بالنار وأهلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
والنار يصلاها الشقي بحكمة
بالنسبة للنار فإن الله جعل هذه النار داراً لأعدائه، وأعدها الله للكافرين والمنحرفين عن شرعه والمبتعدين، وتوعد الله بها العصاة، فالأصل أنها مقر للكفار، ولكن العصاة متوعدون بها، وتوعد العصاة بها ليس للخلود فيها، وإنما للدخول والتطهير، والله قد بين في غير ما آية ذكر النار وكذلك في سنة النبي ﷺ ، وقد ورد عن أولياء الله أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣] ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] وبين الله أنها: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآباً﴾ [النبأ:٢٢] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص:٥٦] .
стр. 273
أدلة وجود الجنة والنار الآن
الجنة يجب أن نثبت أنها موجودة الآن، ووجودها الآن قد دل عليه الكتاب والسنة، واتفق أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة منذ القدم إلى قيام الساعة يثبتون وجودهما، ولا يقولون كما تقول المعتزلة، فإن المعتزلة تنفي وجود الجنة والنار الآن، ويقولون: إن الله ينشئها يوم القيامة، ولهم شبه باطلة في عدم إثباتهم للنار، ومن شبههم يقولون: إنها لو كانت مخلوقة الآن ولا ساكن لها، يكون وجودها عبثاً، والله منزه عن العبث، وهؤلاء مساكين قاسوا الله بخلقه فشبهوا أولاً، ثم عطلوا الرب عن هذه.
ومن شبهتهم كذلك قالوا: إنها لو كانت موجودة ومخلوقة الآن لوجب أن تفنى يوم القيامة، والله يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ويقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] دل على أنها تهلك يوم القيامة، فما الفائدة من وجودها؟! وهؤلاء من أجهل الناس، ما عرفوا المقصود في هذه الآية، والله يبين أن كل شيء هالك، أي: يبين أنه مما أراد الله هلاكه، وإلا فإن العرش لا يهلك، ومنها الجنة، وبين لنا النبي ﷺ في غير ما حديث أن الجنة موجودة، والدليل على وجود الجنة أحاديث كثيرة: (مر النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج وإذا بإبراهيم ﵊، يقول: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، ثم أخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) بل إن من أعظمها أن النبي ﷺ قال: (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) ونجد من الأدلة على ذلك أن النبي ﷺ دخل الجنة ورأى بها سدرة المنتهى، ووصف لنا السدرة: (يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها) .
وأعظمه حديث ورد في قصة الكسوف، فإن النبي ﷺ لما كان في صلاة الكسوف تقدم صلوات الله وسلامه عليه، وهو يمد يده الشريفة كأنه يتناول شيئاً وهو يتقدم، وتقدم الصحابة معه، ثم رجع النبي ﷺ وهو يشيح بوجهه خائفاً، فرجع الصحابة، وسأل الصحابة ﵃ وأرضاهم النبي ﷺ عن مد يده وتقدمه وعن تأخره؟ فقال لهم النبي ﷺ : (فتحت لي الجنة ورأيتها، وأردت أن آخذ عنقوداً من عناقيدها، ولو أخذته لأكلتم منه إلى قيام الساعة) دل على أن الجنة موجودة، وإلا لما أخبر النبي ﷺ أنهم سيأكلون منه إلى قيام الساعة، وسبب رجوعه ﷺ أنه فتحت له النار، وخشي من وهجها ولهبها، ورأى بها النبي ﷺ أناساً يعذبون ومنهم المرأة وكانت من بني إسرائيل، كان عندها هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض فماتت، فوجدها النبي ﷺ تخمشها هذه الهرة عقوبة لها، فدل على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
وفي قول النبي ﷺ لما قال: (دخلت الجنة، ورأيت قصراً عظيماً، فقلت لمن هذا؟ قالوا: لرجل من قريش، قال النبي ﷺ فظننت أنه لي، ثم أردت دخوله فقيل لي: إنه لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، قال النبي ﷺ : فاستحييت لما علمت من غيرة عمر) فبكى عمر عندما أخبره النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله، أعليك أغار! أعليك أغار! والنبي ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة) والحديث المسلسل الذي سمعناه: (من صلى لله اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة) هذه النار لا شك في وجودها، وكذلك الجنة لا شك في وجودها.
وبالنسبة للنار فإن النبي ﷺ رآها ورأى أحوال الناس فيها، ونعوذ بالله من أحوال الزناة، وشرَّاب الخمر، وآكلي الربا وغيرهم، وذكر النبي ﷺ من حالهم ووصفه لنا كأنه يراهم رأي العين، ولهذا قال النبي ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) والسبب: أن النبي ﷺ شاهد الجنة وشاهد النار رأي العين، ورآها النبي ﷺ يحطم بعضها بعضاً.
стр. 274
خزنة النار
هذه النار -نعوذ بالله منها- لها خزنة، وهؤلاء الخزنة خلقهم عظيم، وبعثهم شديد: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وذكروا بأنهم غلاظ شداد، ولذلك الغليظ الشديد ليس في قلبه شيء من الرحمة لأحد، وخلقهم الله بهذه الصفة حتى لا يسمع أو لا يتأثر ببكاء أهل النار، وبما يصيبهم من الشدائد، ولهذا سبحان الله! لو رأيت شخصاً يقام عليه القصاص، وسمعت بكاءه وصراخه وعويله، قد يرق قلبك لما تسمع، ولكن جعل الله هؤلاء الملائكة غلاظاً شداداً، حتى لا يوجد في قلوبهم رأفة لمثل هؤلاء، وبين الله لنا أن هؤلاء هم خزنة النار.
وسبحان الله! ذكر هؤلاء الخزان وإذا عددهم: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] ويصبح عددهم في نظر الناس قليلاً، ولما سمع كفار قريش بهذا العدد جاء جاهل من هؤلاء وقال: أنا علي خمسة عشر؛ لأنه كان قوياً وكان بأسه شديداً، وأنتم عليكم كلكم أربعة، ولهذا قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٣١] جعل الله تلك العدة فتنة، ويظن بعض الناس قلة العدد أنها دليل على أنه يمكن للإنسان الخلاص، وهؤلاء بمنظار عقولهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وإلا لو نظر الإنسان إلى قضية الملائكة وما عندهم، من أعظمهم ملك الجبال الذي جاء إلى النبي ﷺ ليطبق على أهل مكة الأخشبين، جبلين عظيمين يطبقهما، وبين النبي ﷺ كما في سنن أبي داود بسند صحيح، أنه قال: (أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنة إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) وكيف بالمخلوق الضعيف الصغير الحقير يعترض على هذا العدد، ويظن بأنه سيكون له شيء، ولهذا قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: والمشهور بين السلف والخلف أن الفتنة إنما جاءت في ذكر عدد من الملائكة الذين اغتر الكفار بقلتهم، وظنوا أنه يمكنهم مدافعتهم وممانعتهم، ولم يعلموا أن كل واحد من هؤلاء الملائكة لا يمكن للبشر كلهم لو اجتمعوا عليه أن يفعلوا شيئاً أو يقاوموه، ولا شك أن هذا أمر عظيم، وسبحان الذي يقدر ما يشاء ويفعل ما يريد.
стр. 275
مكان النار وسعتها
أين توجد النار؟ اختلف العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: من العلماء من قال: إن النار في الأرض السفلى، ويفسره بعض المعاصرين الآن، ولعلكم إذ تسمعون بعض من يتكلمون عن طبقات الأرض، يقولون: إن تحت هذه الكرة الأرضية ناراً، ويقصدون به تأجج البراكين الآن، البراكين تصهر الحجارة كلها، وتصبح مصهورة، وقالوا: إنها تحت الأرض وهي التي أعدت.
القول الثاني: من العلماء من قال: إنها في السماء، واستدلوا لذلك بأن الرسول ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج رأى النار، وقالوا: إنها في السماء.
القول الثالث: من العلماء من توقف في ذلك، وقال: لم يرد لنا شيء واضح في هذا الأمر، ولكن الواجب علينا أن نؤمن بوجود النار وأن لها مكاناً، لكن أهي في الأرض أم في السماء الله أعلم بهذا، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى التوقف فيها، وعدم الجزم بالمكان لعدم الوضوح فيها.
أما الجنة فالذي يظهر أنها في السماء، ويستدل لذلك وإن كان بعض أهل العلم توقف فيه، ولكن لا أدري ما السبب في التوقف؛ لأننا نجد النبي ﷺ يقول: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنها أوسط الجنة وأعلاها، وسقفها عرش الرحمن) وعرش الرحمن في العلو في السماء، مما يدل على أن الجنة في السماء، أما النار فبعض العلماء توقف فيها ولم يجزم، وإن كان بعض المحققين يجزم بأنها في الأرض وليست في السماء.
هذه النار سعتها عظيمة -ونعوذ بالله أن نكون من أهلها- ويظهر لنا سعة هذه النار في أمور متعددة: أولاً: لكثرة عدد الداخلين فيها، فقد ثبت أن الله يقول لآدم: (أخرج بعثاً من ذريتك إلى النار، فيسأل ربه كيف؟ فيقول الله له: أخرج من الألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة) فإذا كان من أبناء آدم تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، يدل على أن العدد كبير جداً، ومكانهم كبير.
ومنها كذلك: خلق أهل النار، فقد ثبت في صحيح مسلم أن (ضرس الكافر يوم القيامة في النار كمثل جبل أحد) كم له من الأسنان! وقالوا: وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، بل قالوا: إن غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام، حجمه كبير جداً، والله هو القادر على كل شيء، وذكر العلماء هنا تنبيهاً لطيفاً، قالوا: إن تضخيم جسم الكافر حتى يزداد في العقوبة ويزداد ألماً، وتشتد عليه عقوبة الله تعالى.
ومما يدل على ضخامتها وبعد قعرها: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (كنا مع النبي ﷺ وإذا بنا سمعنا وجبة -أي: صوتاً- فقال: أتدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار والآن وصل إلى قعرها) ونعوذ بالله من هذه.
ومما يدل على ضخامتها ما يثبته أهل السنة والجماعة وإن كان المبتدعة لا يثبتونه، ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال النبي ﷺ : (لا تزال النار يلقى فيها، ويقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ قال: فيضع فيها الجبار قدمه فينزوي بعضها على بعض -أي: تنطوي- فتقول: قط قط) أي: بعزتك وكرمك، أي: حسبي حسبي، الآن امتلأت مما يدل على سعتها، وهي تقول: هل من مزيد هل من مزيد؟ ومما يدل على ضخامتها كذلك: كثرة الملائكة الذين يسوقون هذه النار، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود: (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) أي: حتى يأتوا بها إلى الموقف، ونعوذ بالله أن نكون من أهل النار.
стр. 276
أبواب النار
هذه النار لها سبعة أبواب، قال في القرآن: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣-٤٤] ودل على أن هذه النار لها أبواب مستقلة، لكل باب جزء يدخلونه، ولعل ذلك على حسب ذنوبهم، وكل باب إذا دخله أهله فإنه يغلق عليهم، وقال العلماء: من الأبواب ما يغلق ولا يفتح، وهذا في حال الكفار وفي حال المشركين الملاحدة، ويدخل فيه المرتدون كذلك: الكفار، والمشركون، والمنافقون، كل هؤلاء يغلق عليهم الأبواب فلا تفتح أبداً، ويكون لهم الخلود في النار -نعوذ بالله منها- وهناك أبواب تفتح وتكون للعصاة من الموحدين، ولأصحاب النفاق العملي، وأصحاب الشرك الأصغر، وأصحاب الكفر الأصغر، فإن هؤلاء لا يخلدون في النار، وإنما يدخلون ثم يخرجون كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة بخلاف الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: من دخل النار فلا يخرج منها أبداً، وقولهم باطل.
стр. 277
شدة حر النار
هذه النار حرها شديد، وأي شخص يشعر بحرارة في الدنيا أو الآخرة فإنه يحتاج إلى ثلاثة أمور: يحتاج إلى ماء بارد، وظل، وهواء، ولهذا إذا جلس الإنسان في ظل، ثم جاءه هواء، قال: أسأل الله برد الجنة، وأهل النار لا يوجد لهم هذا أبداً، بل هم في جهنم وفي سموم، أي: هؤلاء في جهنم وفي السموم وهي: الريح الشديدة الحارة، وفي الماء الحميم الذي اشتد حرارته، وفي ظل من يحموم، أي: شديد الحرارة -نعوذ بالله من ذلك- فلا يستفيدون لا من الماء ولا من الظل، ولا يستفيدون كذلك من الريح التي تأتيهم، وقد أخبرنا النبي ﷺ بشدة حرارة هذه النار كما ثبت عنه ﷺ في البخاري ومسلم أنه قال: (نارنا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) وقال في حديث آخر: (فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً) دل على أنه ضوعفت عليها أشد، فقال بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم: والله يا رسول الله إنها لكافية، أي: أن هذه النار التي في الدنيا كافية، فأحدنا لو أُدخل إصبعه في النار ما استطاع، كيف لو أدخل كاملاً تأكله النار، ومع ذلك شددت عليهم هذه النار زيادة في العقوبة، وورد أنها خففت، ولو لم تكن هكذا ما استفاد الناس منها، لو كانت بنفس النار التي وجدت وخلقت ما استطاع الناس أن يأكلوا، أو يستفيدوا منها، نعوذ بالله من هذه النار.
стр. 278
رؤية نار الآخرة في الدنيا وتأثيرها
بالنسبة لنار الآخرة هل يمكن أن ترى في الدنيا؟ نقول: لا، وإنما رآها النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين وغيرهما في صلاة الكسوف، ولهذا قال النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عباس: (ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منها) ثم قال النبي ﷺ : (ورأيت أكثر أهلها النساء) دل على أن النساء هن أكثر من يدخل النار، ولعل هذا نساء الدنيا، وسيأتي لماذا كان النساء أكثر أهلها؟ تأثير النار على الدنيا وأهلها: لا شك أننا نجد أثر النار التي هي نار يوم القيامة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب! أكل بعضي بعضاً، قال النبي ﷺ : فأذن الله لها بنفسين، ثم قال: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر) نحن في هذه الأيام الحر شديد جداً، هذا هو أشد ما تجدون من زمهرير النار، وهو من زمهريرها، وما نجد من البرد كذلك هو من نفس النار، نعوذ بالله من النار، ولهذا قيل: من السنة الإبراد بصلاة الظهر بسبب شدة الحر، ولهذا قال النبي ﷺ : (فإن شدة الحر من فيح جهنم) .
стр. 279
خلود النار والرد على المخالفين
مسألة: النار خالدة ولا تفنى، ولقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال متعددة ولم نومئ إليها، وبعض العلماء ذكر أنها تصل إلى سبعة أقوال: القول الأول: قول الجهمية: وهم يقولون بفناء النار وفناء الجنة، نعوذ بالله من حالهم، وقد رد عليهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في آخر كتابه: الرد على الزنادقة، وبين أن الجنة والنار لا فناء لهما.
القول الثاني: قول الخوارج والمعتزلة: يقولون بخلود كل داخل في النار، ولو كان من عصاة الموحدين، وهذا الكلام باطل، ولهذا فإن الخوارج يكفرون صاحب الكبيرة، والمعتزلة يرون أنه خارج من الإيمان، ولكنهم في الآخرة يتفقون مع الخوارج فيقولون: بخلود صاحب الكبائر.
القول الثالث: وهو قول اليهود قبحهم الله، وذكره الله في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً﴾ [البقرة:٨٠] ذكر الإمام ابن جرير أن اليهود قالوا: لن يدخل الله اليهود النار إلا تحلة القسم (أَيَّاماً مَعْدُودَةً) ثم يقول: أنتم المسلمون تخلفونا في النار وتخلدون فيها، أما نحن فندخل أياماً معدودة ثم نخرج، وكذبهم الله في هذه الآية وفي آية أخرى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠] .
القول الرابع: قول الاتحادية كـ ابن عربي الطائي وغيره، قالوا: إن هؤلاء يدخلون النار، ولكن تصبح طبائعهم طبائع الجهنميين وبعدها يتلذذون بالنار، أي: يصبحون يتلذذون بهذه النار وتصبح نعيماً لهم، ولاشك أن هذا كلام باطل، وهو ينسب إلى أهل التصوف من الزنادقة.
القول الخامس: وهو أن الله يخرج من شاء منها، ثم يبقي من شاء، ثم يفنيها ، وهذا القول عزي لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونقل عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وبالنسبة لشيخ الإسلام ابن تيمية فليس كلامه صريحاً في ذلك، وبالنسبة لـ ابن القيم فإنه قد نقل عنه، ويؤمئ إليه كلامه رحمه الله تعالى، أومأ إليه في النونية إيماءً سريعاً، وقيل: إنه أومأ إليه في حادي الأرواح، ولكن هذا القول مرجوح، وشيخ الإسلام ابن تيمية وعلى فرض صحة النقل عنه، فإنه نقل عنه رحمه الله تعالى القول بعدم فناء النار، والذي يظهر أنه أرجح الروايات التي نقلت عنه رحمه الله تعالى، مما يدل على أن هذا القول مرجوح، والصحيح أن النار خالدة لا فناء لها، ومن نقل عنه من السلف بفناء النار، بعض العلماء يقول: لعل هذه هي نار العصاة، وكأنهم قسموا النار إلى قسمين: نار للمشركين ونار للعصاة، ونار العصاة يخرجون منها فلا يرجع إليها أحد، قالوا: فتلك تفنى، أما نار الكفار فإنه لا فناء لها، ولا شك أن هذا هو القول الصحيح، وهو قول جمهور سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
стр. 280
عصاة الموحدين وحالهم في النار
هناك أناس متوعدون بدخول النار وهم من المسلمين، وذكر بعض أهل العلم منها حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، قال النبي ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة) وقد قدح بعض العلماء في هذا الحديث، وممن ذكر عنه تضعيف هذه الرواية الإمام الشوكاني، ونقل كذلك عن ابن الوزير، وقبله ابن حزم، وذكر بعضهم أن هذه الزيادة دسيسة، وكيف يمكن أن يدخل هؤلاء النار، ولكن الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله ذكر أن هذه الزيادة ليست ضعيفة، وذكر أن هذه تحمل على نار ليست نار الخلود، وإنما هي نار العصاة، وأن هؤلاء يدخلون بسبب انحرافهم، ثم بعد ذلك يخلصون منها، أما بالنسبة للملاحدة، فإنه لا مجال لدخولهم الجنة؛ نظراً لأن هؤلاء أهل نار خلود بسبب ارتدادهم عن دين الإسلام.
ومن عصاة الموحدين المتوعدون بالنار: أصحاب الكبر، وقاتل النفس بغير حق؛ ومنهم الذي قتل نفسه، ومنهم أكلة الربا، ومنهم النساء الكاسيات العاريات، كما قال النبي ﷺ : (صنفان من أهل النار) ومنهم الذين يعذبون الحيوانات، وهي المرأة التي دخلت النار بسبب هرة، ومنهم كذلك وهو بيت القصيد عدم إخلاص النية في طلب العلم، ولذلك ثبت عن النبي ﷺ كما روى أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، قال النبي ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله والدار الآخرة، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) أي: ريحها، وذكر النبي ﷺ في الحديث الذي صححه الشيخ ناصر الدين الألباني، وقد رواه الإمام ابن ماجة وابن حبان والبيهقي: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، وتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، من فعل ذلك فالنار النار) يحذر النبي ﷺ ، وكذلك: (من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) نعوذ بالله من النار.
стр. 281
السر في كثرة أهل النار
ذكر العلماء لماذا أهل النار كثير؟ أومأ العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه: التخويف من النار، قال: الأول: أن أعظم أسباب دخول الناس النار هي الشهوات، ولا شك بأن الشهوات لها أثر عظيم جداً على القلب، وما أسرع ما تشتاق النفس، أضرب لكم مثالاً بسيطاً: نحن جلوس هنا، ولو زرت بيوت أهل الثراء والأموال وأصحاب القصور الفارهة وغيرها، تشعر قلبك وروحك تشتاق هنا وهناك، تتمنى لو أن كنت مثلهم، وتجد عندهم بعض تماثيل الذهب، وعليهم خواتيم الذهب، وعندهم آنية الذهب والفضة إلخ، يشعر قلبك لو أن لك مثل هذه الأمور، الشهوات تجذب، وربما تجالسهم وتأنس بهم، ثم تكون النتيجة: تألف ما هم عليه، وتسير مثلهم فيما هم فيه من المعاصي.
وكذلك إذا جالست أهل المعاصي، أصحاب الخمور، أصحاب السفر إلى بلاد الكفار للزنا وغيره، رافقهم تجد أنك تزل، وتجد أنهم يحببون إليك المعصية ويزينونها إلى قلبك نعوذ بالله، ولهذا كانت الشهوات خطراً، وأمرنا بالابتعاد عن هؤلاء.
ذكر بعض أهل العلم من الأمور، قالوا: التمسك بميراث الآباء، ولا شك بأن هذا خطر عظيم أن يتمسك الإنسان بميراث الآباء والأجداد، وخاصة في مسائل الاعتقاد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] ونعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، ولهذا بين النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: لما خلق الله الجنة والنار، قال الله لجبريل: انطلق إلى الجنة، فرآها، قال: والله لن يسمع بها أحد إلا دخلها يا رب! ورأى النار فقال: والله لا ينظر إليها أحد ويسمع بها إلا فر، فحف الله الجنة بالمكاره، وحف الله النار بالشهوات، قال الله لجبريل: انطلق إليها، ولما نظر إليها قال: والله لا أظن أحداً يدخل الجنة لما حفت بالمكاره إلا النادر، وما أظن أحداً يدخل النار إلا دخل النار بسبب ما وجد فيها من الشهوات التي حفت بها وتلك بالمكاره.
ولهذا بين النبي ﷺ أن الواجب علينا أن نبتعد عن الشهوات، وأن نصبر على المكاره التي تصيبنا، أكثر من يدخل النار ولاشك قد ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين: (إن أقل ساكني الجنة النساء) ويحمل على هذا، ولذلك ثبت في الصحيح من حديث أسامة: قال النبي ﷺ : (قمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء) وبين النبي ﷺ في خطبة الكسوف: (رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء) إلى غير ذلك من الأحاديث.
قال العلماء: لأن المرأة ناقصة عقل ودين، ونقصان عقلها أنها سرعان ما تزل في بهرج الحياة الدنيا، إذا دخلت المرأة السوق ضاع عقلها نهائياً، والسبب لما تريده من زهرة الحياة الدنيا وغيرها وغيرها، ولهذا سبحان الله! ما أسرع ما تتأثر، وما أسرع ما تتغير، فإذا جالست صالحة تمسكت، وإن جالست فاسدة انحرفت، ولو كانت من أصلح الناس؛ نظراً لسرعة تأثرها ولضعفها، فلا تفكر في العواقب، ولميلها إلى الدنيا وزينتها وبهرجها، والنظر إلى عدم التفكير في عواقبها.
стр. 282
صفة الكافر في الآخرة
نجد الكفار المنكب عظم خلقه مسيرة ثلاثة أيام، والضرس مثل جبل أحد، ويكون غلظ الجلد مسيرة ثلاثة أيام، وموضع جلوسه ذكر النبي ﷺ بأنه من موضع كذا إلى كذا، وبين النبي ﷺ ما هم فيه من العقوبة، والعذاب، ونعوذ بالله أن نكون من أهل النار، وقد بين النبي ﷺ أن عذاب أهل النار متفاوت وليس على مزية واحدة، وأهونهم عقوبة من يوضع تحت أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ونعوذ بالله أن نكون من أهل النار.
ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 283
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس السابع عشر)
الجنة مآل الأتقياء والنار مأوى الأشقياء، ودخول العبد الجنة هو برحمة الله والأعمال سبب في الدخول.
وأول من يدخل الجنة هو محمد ﷺ ، وصفات الداخلين إلى الجنة متعددة وهي لا تفنى ولا تبيد، وأهلها خالدون مخلدون فيها.
وإن الإيمان باليوم الآخر يوجب على العبد أن يؤمن بالقبر ونعيمه وعذابه، فإن أدلة إثباته في الكتاب والسنة كثيرة، والناس يسألون ويفتنون في قبورهم، والسؤال عام لكل الأمم ونمسك عن الاستفصال بأي لغة يسألون، ولعذاب القبر تأثير على البهائم كما ورد في الآثار، كل ذلك فصله الشيخ في هذا الدرس.
стр. 284
مصير الإنسان بين الشقاوة والسعادة
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: وبعد فقد تكلمنا عن النار نعوذ بالله من النار وأن نكون من أهلها، واليوم نختم بأن النار كما قال العلماء: سبع طبقات: جهنم، فلظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية، ثم سقر، قالوا: ولكل طبقة منها داخلون وسكان، ونعوذ بالله أن نكون من أهلها.
يقول شيخ الإسلام: (والنار يصلاها الشقي) ذكرنا تعريفاً للشقي، ولعل هذا الشقي هو الذي ورد في حديث النبي ﷺ : (فيرسل إليه ملك، فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد) وأود أن أنبه على مسألة، حتى لا يظن بأن ما دام أنه قد كتب على الإنسان أنه شقي أو كتب عليه أنه سعيد أنه لا خيار له في قضية العمل ولا غيره، وهذا مما سيجعلنا نتكلم عن مبحث القضاء والقدر تكلماً سريعاً، وإن كان المؤلف رحمه الله تعالى لم يذكره هنا.
قال ﵀:
والنار يصلاها الشقي بحكمة وكذا التقي إلى الجنان سيدخل
إن الله كتب على هذا العبد بأنه شقي، وهذا كتب عليه بأنه سعيد ليس هذا جبراً لهذا العبد على العمل، ولكن الله عالم بما سيعمله العبد، لأن من مراتب القضاء والقدر: العلم، وهو أن تثبت بأن الله عالم بكل شيء، عالم بما كان في الماضي، وعالم بما هو كائن الآن، وعالم بما سيكون في المستقبل، فهذا الجليل علم ما سيفعله هذا الإنسان، فكتب عليه أهو شقي أم سعيد.
ثم نقول للأحبة: إن الإنسان إذ يعمل العمل، ولنضرب بمثال يسير: حضور الإنسان حلقات العلم، هل يشعر الإنسان بقهر وإلزام بها؟ لا، بل ربما الأشياء التي تسعده لا يشعر الإنسان إلا بالاختيار التام الكامل، ولهذا قال بعض أهل العلم: القضاء والقدر ينقسم إلى قسمين: ١- قسم مجبور الإنسان فيه لا خيار له فيه أبداً.
٢- قسم للإنسان فيه خيار، ويضرب بمثال للقسم الذي مجبور فيه الإنسان: طول الإنسان وقصره، هل للإنسان خيار فيه؟ لا.
ومنه قالوا: كون الإنسان من عائلة فلان دون فلان، ليس للإنسان خيار فيه.
منه: موطن الإنسان فكون هذا -مثلاً- يميناً وهذا عمانياً وهذا من بلد كذا؛ ليس للإنسان فيه خيار، ولو طلب من الإنسان أن يختار لتمنى أن لو كان من أبناء الرسول ﷺ ، ومن أهل مكة والحرم، لكنه لا خيار له فيه، ولون الإنسان لا خيار له فيه، ولذلك قال العلماء: إن ما كان من القضاء والقدر المسير فيه العبد، ليس محلاً للتفاضل ولا للتفاخر قالوا: ولا للثواب والعقاب، هذا من رحمة الله تعالى، لا يعاقب الإنسان لأنه من بلد كذا فتزاد عليه العقوبة، والآخر من بلد كذا فيخفف عنه.
وتكلم العلماء إيماءة لطيفة، وممن أومأ إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم، وهي قضية: تفضيل جنس العرب على غيرهم بناءً على الاصطفاءات الربانية التي لهم، اصطفى إبراهيم، ومن إبراهيم إسماعيل، ومن إسماعيل حتى قال: واصطفاني الله من بني هاشم، قالوا: فتلك الاصطفاءات تدل على فضل العرب على سائر الناس.
وتأتي قضية: هل معناها أن العربي يزداد في الأجر أكثر من غيره؟ الجواب: اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إذا تساوى العربي وغيره في التقوى والإيمان والصلاح قد يعطى شيئاً من المزية، لكنه لا يظلم ذاك الرجل، أي: من ليس من العرب.
ومن العلماء من قال بالقاعدة العامة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فجعل الميزان هو تقوى الله تعالى.
قوله: (بحكمة) أي: أنه بحكمة أحكم الحاكمين، فإن الله إذ يدخل هذا الشقي النار بحكمة يعلمها، ليس ظلماً له ولا عبثاً، وإنما بحكمة يعلمها الله تعالى، ولإظهار عدله .
ذكرنا فيما سبق قضية التقوى والخلاف في التعريف، وجعلناها لبعض العلماء، وذكروا في تعاريفها الاصطلاحية: لما سأل عمر أُبياً عن التقوى؟ قال: [يا أمير المؤمنين! إذا مشيت في أرض ذات شوك ماذا تعمل؟ قال: أشمر -أي: أرفع ثوبي- وأنظر مواطئ قدمي حتى لا أصاب بشوك، قال: فكذلك التقوى] .
وعرفها الإمام ابن القيم في مدارج السالكين بأنها: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وعرفت بأنها: العمل بطاعة الله بنور من الله، والبعد عن معصية الله بنور من الله.
أي: أنه سائر في الطاعة وفي ترك المعصية بنور من الله وهو الكتاب والسنة، فهو يحمل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه.
стр. 285
الجنة دار الأتقياء الأبرار
قوله: (وكذا التقي إلى الجنان سيدخل) بين الآن أن التقي إلى الجنان سيدخل، وسبب دخول هذا التقي إلى الجنان: أنه دخل برحمة الله تعالى وليس بعمله، ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: يا رسول الله! ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فدل على أن دخول الإنسان إلى الجنة ليس بعمله، وإن كانت وردت: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧] قالوا: هذه الباء هي باء السببية، أي: أنهم بسبب أعمالهم يدخلون، ولو لم توجد تلك الأعمال لا يدخلونها، وهذه تدل على أن الإنسان ما عمله في هذه الحياة الدنيا سيجده أمام عينه يوم القيامة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ونعوذ بالله أن نكون من أهل الشر.
следующие страницы →