← Акыда

Акыда · id 7734

شرح لامية ابن تيمية

عمر العيد

Полный текст (347 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

رؤية الرب في المنام مسألة: هل يمكن رؤية الله مناماً أم لا يمكن رؤيته مناماً؟ الجواب: اختلف العلماء فيها، فليست لآحاد الناس، أما بالنسبة لمحمد ﷺ فقد ثبت أنه رأى ربه ﷺ كما في الصحيح مناماً، قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) وهذا الحديث صحيح، هذا لمحمد ﷺ ، أما ما عداه فخلاف بين العلماء فيه. فمن العلماء من قال: إنه يمكن رؤية الله مناماً، وأومأ إليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن الناس يرونه على حسب إيمانهم وما في صلاحهم. ومن العلماء من يقول: لا، الأصل أنه يمسك عن هذه المسألة، ولا يتكلم فيها؛ نظراً لأنه لا يمكن التمييز بين من قال: رأى ربه أو لم يرَ ربه أو غيره، لأن الخوض والتوسع قد خاض فيه طوائف من المبتدعة مما أدى إلى الانحراف فيها. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أثراً أظنه في الفتاوى أن عبد القادر الجيلاني يقول: جاءه ربه قال: أنا ربك يا عبد القادر، وإني أسقطت عليك الصلوات فلا حاجة بأن تصلي، قال: اخسأ فأنت الشيطان، قال من حوله: عجباً! ترى الله وتخاطبه وتقول له هذا الكلام، قال: لأني أعلم أن شريعة الله ثابتة، وشريعة الله غير منسوخة وباقية، فما جاءني إلا الشيطان ليضلني، لكن الصوفية المبتدعة لو جاءهم الشيطان وقال: أنا ربك، وأسقطت عنك صلاة الفجر، أو جئت لك بهذا الذكر، أو جئت لك بكذا، طاروا وراء تلك، وجاءوا بشرع لم يأتِ عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ . نقل عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، أنه قال: [إن محمداً ﷺ قد رأى ربه] وهذه المسألة رويت عنه ونقل أنه رآه مرتين، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه بالنسبة للرؤية وما نقل عن ابن عباس قال: لم يصح ولم يثبت سند عن ابن عباس ﵁ أنه قال: [إن محمداً رأى ربه بعينه] وإنما قال: [رآه مرتين] فمن العلماء من قال: إن المرتين تلك إحداهما منامية والأخرى رآه بفؤاده ﷺ ، وبناءً عليه نقول: لم يثبت عن الصحابة ﵃ بسند صحيح أنهم قالوا: إن محمداً ﷺ رأى ربه ببصره صلوات الله وسلامه عليه، وإنما حمل على أنه رآه رؤية منامية فقط. وبهذا نقف على مسألة الرؤية، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.

стр. 212

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثالث عشر) رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة حق كما جاءت بذلك الآثار، وموقف السلف ممن أنكر الرؤية والحكم عليه متواتر في كتب الاعتقاد. وصفة النزول ثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله ولا نسأل عن الكيف، ولا نؤول أو نعطل كما ذهب إلى ذلك أهل البدع، وما ورد من شبه في إنكار النزول أو تأويله فهي شبه باطلة ومردودة لإجماع السلف على إثبات ذلك، ومناظرات علماء السلف لمن أنكر صفة النزول مبثوثة ومشهورة.

стр. 213

موقف السلف ممن أنكر رؤية الله في الآخرة الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نختم مبحث الرؤية ببعض الآثار التي نقلت عن بعض سلف الأمة رحمهم الله تعالى في حكم من أنكر رؤية الله تعالى، والناظم يقول: والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل أخرج اللالكائي ﵀ في أصول اعتقاد أهل السنة من طريق مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح" مما يدل على أن رؤية الرب مما تواترت النصوص في إثباتها والدلالة عليها. وقال علي بن المديني رحمه الله تعالى: سألت ابن المبارك عن رؤية الله تعالى؟ فقال: ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقلت له -أي: مفسراً الآية على أنها لإثبات الرؤية-: إن عندنا أقواماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، وذكروا منها: أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ومنها: أن أهل الجنة يرون ربهم، قال: فحدثني -أي: ابن المبارك - بنحو عشرة أحاديث في هذا، وبين منهج أهل السنة، قال: أما نحن فإننا نأخذ ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوا دينهم عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمن أخذوه؟ فما سندهم فيما أخذوه في نفي الرؤية وفي نفي النزول للرب ؟! وهذا ما يتميز به المنهج السلفي أنه يأخذ عقيدته من رسول الله ﷺ ، وأخذهم لها عن طريق السند، أي: لا يأتون بها من عند أنفسهم، بخلاف المبتدعة فما لهم سند يأخذون عنه إلا أئمة من أهل الضلال والانحراف عن صراط الله المستقيم. وقال عبد العزيز بن الماجشون: ولم يزل -أي: المبتدعة من الجهمية وغيرهم- يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فقالوا: لا يراه أحد من خلقه يوم القيامة، ولهذا جحدوا أفضل كرامة يكرم الله بها أولياءه . ومما نقل عن الإمام أحمد في الذين نفوا الرؤية، قال: من لم يقل بالرؤية فهو جهمي. وقال أيضاً وقد بلغه عن رجل قال: إن الله لا يرى يوم القيامة، فغضب لذلك غضباً شديداً رحمه الله تعالى وقال: إن من قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فقد كفر، وعليه لعنة الله وغضبه كائناً من كان من الناس، أليس الله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] . قال مالك: من كذب بالرؤية فهو زنديق. وقال أيضاً: إن الرؤية وأحاديثها نعلم أنها حق من عند الله جاءتنا، وكذلك في سنة النبي ﷺ ، فهذه نصوص تثبت قضية الرؤية للرب . ومن اللطائف: ما ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن النساء لا يرين الله يوم القيامة، واستدلالهم بهذا أن يوم الجمعة هو يوم المزيد، وقد ورد حديث: (أنهم يرون ربهم فيزدادون حسناً، قالوا: فيرجعون إلى أهليهم -أي: إلى أزواجهم- فيقولون: قد بلغ منكم الحسن) وما ذلك إلا لرؤيتهم للرب، ولكن الذي يظهر أن الرؤية عامة للرجال والنساء، وللصغير والكبير، وتكون لأهل الإيمان ولأهل التوحيد بالله . ثم قال الناظم: والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل قول المؤلف: (والمؤمنون) هذا وصف ينطبق على المتبعين لما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة. وقوله: (يرون ربهم) هذه نسميها الرؤية الحقيقية الحسية، وهي الرؤية بالأبصار، وليست رؤية القلب، فإن رؤية القلب كل يعرف ربه كما ذكر الله عن الكفار بأنهم يعرفون الله تعالى. وليست رؤية بصرية: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هذه نسميها رؤية قلبية، فهم يعرفون بها ربهم ، لكن الرؤية هنا للمؤمنين هي الرؤية البصرية الحسية، ولذلك نثبتها لله تعالى. قوله: (حقاً) أي: صدقاً وحساً لا خيالاً، فليست رؤية خيالية، وليست رؤية مجازية كما يؤولها المبتدعة، فالمبتدعة يؤولون رؤية الله تعالى، ولذلك قال: (يرون ربهم) أي: خالقهم ورازقهم وموجدهم من العدم. ومن اللطائف هنا: أن الأشاعرة ينفون علو الله ، ويقولون: إن الله ليس في العلو، وقولهم هذا ليس صحيحاً بل باطل، ولكنهم يثبتون الرؤية لله تعالى، ولهذا نجد الجهمية نفوا الرؤية ونفوا العلو جميعاً، ويقال: هناك ثمة صفات مرتبطة بعضها ببعض، الاستواء على العرش، والعلو، والنزول، والرؤية، فمن أثبت واحدة منها لزمه أن يثبت الجميع، لأنه يترتب بعضها على بعض، ولهذا قال أئمة أهل السنة: إن الأشاعرة مضطربون، فقد قالوا: الله ليس في العلو، ولكنهم يقولون: الله يمكن أن يرى، أو الله يرى، فلما جاءهم هذا الاضطراب قيل لهم: كيف يرونه؟ بالنسبة لأهل الإيمان فقد ثبت في صحيح مسلم كما في حديث صهيب في صحيح مسلم: (إذ سطع عليهم نور من وفقهم فإذا الجبار أما هؤلاء فماذا سيعملون؟ قالوا: إن الله يرى في غير جهة، لا ندري من أي جهة يرى! المهم أننا نثبت الرؤية لكن من غير جهة، وبهذا أصبحوا مضطربين في قولهم، ليسوا على منهج صحيح، أما أهل السنة فإنهم قالوا: إنه يُرى من جهة العلو، ولذلك رفعوا أبصارهم فإذا الجبار ، وأصبحوا يرونه رؤية حقيقية ليس كما يقوله المبتدعة.

стр. 214

مسائل متعلقة بصفة النزول وقوله: (وإلى السماء) السماء في اللغة: هي العلو والارتفاع، وإذا ارتفع الشيء وعلا سمي: سماء هذا الشيء، وقيل: إن سقف كل شيء يسمى سماء، ويقال لسقف البيت: سماء، ونجد السماوات السبع هي الأطباق المحيطة بالأرض، ولذلك السماء الدنيا الثانية الثالثة الرابعة إلى أن نقول: السماء السابعة، وهي نثبتها لله تعالى، ولها أجرام حقيقية، والدليل على ذلك: ثبت في حديث الإسراء والمعراج: (أن جبريل ﵊ يقرع باب السماء فيقال له: من؟ فيقول: جبريل، يقولون: ومن معك؟ يقول: معي محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه) ثم يفتحون له، فجبريل يقرع ويستأذن، مما يدل على أن لها أجراماً محسوسة، وقد وردت أحاديث أن كثف كل السماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، مما يدل على أن هذه المخلوقات عظيمة جداً، وقد نثبتها إثباتاً لا تدركه عقولنا نحن، لكننا نؤمن بها على ضوء النصوص الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . بالنسبة لصفة النزول، وقبل أن أنتقل إلى صفة النزول أومأ المؤلف رحمه الله تعالى الله في رسالته هذه إلى ثلاث صفات: الصفة الأولى: الكلام. الصفة الثانية: صفة الرؤية. الصفة الثالثة: صفة النزول. والمؤلف ﵀ لم يقصد الحصر هنا، ولهذا قال: وجميع آيات الصفات أمرها أي: أنه جاء بمنهج. ولماذا ركز المؤلف على هذه الصفات الثلاث؟ بالنسبة لصفة الكلام فهي من الصفات العظيمة التي اضطربت فيها عقول الناس، ووصلت أقوالهم إلى أكثر من تسعة أقوال في كلام الله تعالى، وأومأ إليها لوجود الخلاف القوي فيها. وصفة الرؤية لأنها من الصفات التي تواترت وثبتت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومع ذلك أنكرتها الخوارج والمعتزلة وبعض الرافضة، وبعض الزيدية، فـ الزيدية معتزلة، وكذلك الخوارج في الصفات هم معتزلة، والمعتزلة لهم أصل في هذا فأنكروها. وجاءت صفة النزول، وتعتبر صفة النزول من الصفات السمعية التي قد دل عليها الكتاب والسنة، ويقصد بالصفات السمعية أو الصفات الخبرية التي لو لم ترد في نص لم نستطع إثباتها، قالوا: ومثلها صفة الاستواء على العرش، فإنه قد ورد النص عن الرسول ﷺ في إثبات هذه الصفة وفي القرآن في سبعة مواضع، ولذلك نثبت لله تعالى صفة الاستواء على العرش. وقوله: (بغير كيف ينزل) بين لنا المؤلف ﵀ أن الله ينزل، وتعتبر صفة النزول من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية، والحكم بأنها صفة فعلية لأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، فإن الله ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فدل على أنه ينزل كل ليلة متى شاء ، ففي ثلث الليل الآخر ينزل ربنا .

стр. 215

اختلاف الناس في صفة نزول الرب نقول: إن الله ينزل نزولاً حقيقياً، وذهب بعض أهل العلم ونقل عن بعض السلف: إنه ينزل بذاته، وروي فيه حديث، لكن الحديث فيه ضعف، ولكن نقول: ينزل ربنا نزولاً حقيقياً كما يليق بجلاله وعظمته، وإذا قلنا: كما يليق بجلاله وعظمته، لم نجعل للعقل أن يشبه قضية النزول أو يكيفها، ونقطع أطماع العقل فيها، بل نقول: ينزل نزولاً حقيقياً كما يليق بجلاله وعظمته نثبته لله تعالى، ولا نتأول هذا النزول بشي أبداً. اختلف العلماء في مسألة النزول، فـ أهل السنة والجماعة يثبتون للرب نزولاً حقيقياً، وقالوا: ينزل بذاته، ومنهم من قال: ينزل نزولاً حقيقياً. من الطوائف من قالت: النزول هنا هو نزول المَلك، أي: أن النازل هو المَلك وليس الرب ، ومن الطوائف من قالت: النزول هنا أي: ينزل أمر ربنا، وليس نزول الرب ، وهذا يعتبر تأويل وتحريف للنص، ومن الطوائف من قالت: تنزل رحمة الله تعالى، فأصبحت طوائف المؤولة أثبتت ثلاثة تأويلات: التأويل الأول: هو نزول الملك. التأويل الثاني: نزول الأمر. الثالث: نزول الرحمة. ولكن هذه التأويلات باطلة لا شك في بطلانها. أما القول بأنه ينزل الملك فلا شك أنه ليس صحيحاً، والدليل عليه أن الملائكة تنزل في كل ساعة من ليل أو نهار، ثم لماذا التخصيص لها بأن تنزل في ثلث الليل الآخر دون غيره؟ ثم يبطل هذه المقالة أنه في نفس لفظ الحديث: (فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟) فهل الملك هو الذي يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ حاشا وكلا أن يكون هذا هو قول الملك، وإنما هو قول ملك الملوك وهو الرب . وأما الذين قالوا: إنه ينزل أمره، فنقول: هذا الكلام باطل لا شك في بطلانه، فنزول أمر الله تعالى ينزل في كل لحظة ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ولا يخصص أمر الله تعالى بهذا الجزء من الليل دون غيره، مما يدل على بطلان أصحاب هذا القول. ثم القول: بأنه نزول رحمته، هذا أيضاً باطل، والدليل على بطلانه: أن رحمة الله تعالى قريبة من المحسنين، ولذلك يقول تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠] وكيف تخصص بالثلث الأخير دون غيره، مما يدل على أن قول هؤلاء أن الرحمة لا تنزل على عباده إلا في ثلث الليل الآخر، وما عداه فلا رحمة للعباد، وهذا تأويل باطل لم يدل عليه كتاب ولا سنة. ثم نقول: إن النصوص التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والقاعدة عندنا: أن نحملها على ظاهرها، ولا نجري فيها المجاز أبداً، وقد وردت أحاديث وآثار تبين نزول الرب وكلها تدل على الحقيقة، ولا يمكن أبداً لنص واحد أن نقول: يمكن أن نحمل هذا النص على النص الآخر، مما يدل على غلط هؤلاء وانحرافهم عما دل عليه الكتاب وسنة النبي ﷺ . نحن نعلم أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟) والحديث متفق عليه. وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تلقتها الأمة بالقبول، وشأنه عظيم، وقد أفرد العلماء رحمهم الله تعالى كتباً مستقلة في النزول، وممن أفرد في ذلك الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب عظيم نفيس اسمه: شرح حديث النزول، بين فيه أدلة هؤلاء وأدلة أهل السنة، وشبه المبتدعة والرد عليهم، ثم أورد ما خطر في أذهانهم، ثم أبطل تلك الموارد التي وردت، وسيأتي إن شاء الله إيماء إليها، والإمام الذهبي رحمه الله تعالى أفرد كتاباً في النزول. يقول عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في رده على بشر العنيد: إن هذا الحديث أغيض حديث على الجهمية، أي: ما أضره على قلوبهم، والجهمي إذا سمع الحديث وجد الغيض في قلبه، وإذا أردت أن تغيض جهمياً فأورد له حديث: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر) فتضيق عليه الأرض بما رحبت، ولا شك أن هؤلاء الذين لا يقبلون ما دلت عليه النصوص ولا يرتضون بها من المبتدعة. بينا أن صفة النزول نثبتها كما يليق بجلال الله وعظمته، وأثبتنا أنها صفة فعل لله تعالى، وأنها متعلقة بالإرادة والمشيئة، وقلنا: أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة، وقد رواها عن النبي ﷺ ثمانية وعشرون صحابياً ﵃ وأرضاهم، ومن هؤلاء الصحابة: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وعبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده، وأبو الدرداء وغيرهم، وأورد أسماء هؤلاء الصحابة الإمام ابن القيم في صواعقه المرسلة، وأورد كل حديث ولفظه ومن خرجه من باب تبيين أن أحاديث النزول من الأحاديث المتواترة الثابتة في سنة النبي ﷺ . يقول أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى بعد أن أورد هذا الحديث: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو حديث منقول من طرق شتى، هذه من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهو يبطل مقالة الجهمية أن الله في كل مكان، ولا شك أن هذا القول باطل منحرف عما كان عليه سلف الأمة. ومن المسائل التي اختلف العلماء فيها أن أهل السنة قالوا: إنه ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهل نقول: ينزل بذاته، أم نقول: ينزل نزولاً حقيقياً؟ قولان لـ أهل السنة: القول الأول: ينزل بذاته، وذكروا أن فيه حديثاً لكنه لا يصح رفعه عن النبي ﷺ . القول الثاني: ينزل نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته. وبعضهم يقول: نمسك فلا نقول: ينزل بذاته، ولا لا ينزل بذاته، بل نقول: ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته.

стр. 216

مسألة خلو العرش أثناء نزول الرب مسألة: هل إذا نزل الرب يخلو منه العرش أم لا يخلو منه العرش؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: من العلماء من يقول: إنه إذا نزل يخلو منه العرش، وذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبين أن هذا قول بعض أئمة أهل الحديث، وقول لبعض أهل السنة، ولكنه قول ضعيف. القول الثاني: أنهم يتوقفون في هذه المسألة، ويقولون: لا نقول: يخلو منه العرش ولا نقول: لا يخلو منه العرش؛ نظراً لأنه لم يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ ، وقالوا: إن التوسع في هذا المجال هو خوض في أمرٍ لا نص فيه. القول الثالث: وهو قول أكثر أهل الحديث، وقال شيخ الإسلام: وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها، أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو منه العرش ، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة، إذ ينزل للفصل بين الخلائق لا يكون العرش فوقه، ولهذا ذكر أن هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وهو الراجح. وسنذكر شيئاً من المناظرات التي وقعت بين أهل السنة وغيرهم من الطوائف المنحرفة في مسألة نزول الرب .

стр. 217

شبه حول مسألة نزول الرب والرد عليها من الشبه التي وردت وهي شبه نفاة العلو، ما الذي جعل بعض الطوائف تنفي النزول وتقول: لا نقبل أن الرب ينزل، ورد عندهم بعض الشبه، قالوا: إذا أثبتنا نزوله أين يكون في صفة العلو إذاً؟ الشبهة الثانية: قالوا: إذا نزل أين الآيات التي وردت في الاستواء على العرش؟ كيف ينزل ثم بعد ذلك فأين الاستواء على العرش؟ الشبهة الثالثة: قالوا: إننا إذا أثبتنا نزول الرب يلزم منه الحركة والانتقال، قالوا: والحركة والانتقال هي من طبيعة الأجسام والله ليس بجسم، إذاً: الله لا يتحرك ولا ينتقل. والشبة الرابعة: قالوا: إننا إذا أثبتنا النزول يلزم منها حلول الحوادث بالله ، بمعنى: أنه يحدث له شيء لم يكن حادثاً له من قبل، وبناءً عليه قالوا: ننفي صفة النزول عن الله تعالى كما ينفون صفة الاستواء على العرش، بل إن هذا القول وهذه الشبه كلها تلزم على صفات الأفعال كلها، فإن نفاة صفات الأفعال المتعلقة بالإرادة والمشيئة شبهتهم أنه يلزم منها حلول الحوادث بالرب ، وقالوا: إن صفة الفعل تؤدي إلى أن يكون الله جسماً، والله ليس بجسم، إذاً: ننفي عنه صفات الأفعال كلها. ولكن هذه الشبة باطلة لا شك فيها. ولعل مما يتميز به أصحاب رسول الله ﷺ أنهم لا يجادلون في آيات الله تعالى، ولا يمرونها على العقل أبداً، ولهذا قال المؤلف في النزول: (بلا كيف) بمعنى: أنه لا يكيف الرب ، وقاعدة الصحابة ﵃ في أي صفة وردت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هي التسليم لله ولرسوله، ولا يجرون فيها الاحتمالات، والذين جاءوا بالاحتمالات الأربعة أمروها على العقل ثم أوردوا الاحتمالات، أما أصحاب رسول الله ﷺ فلا يأتون بمجرد احتمال عقلي، كيف ينزل وعنده صفة العلو؟ كيف ينزل وهو مستوٍ على عرشه؟ كيف كذا؟ لا يوردون هذه أبداً، بل عندهم يقولون: سمعنا وأطعنا وآمنا وصدقنا وقبلنا، وسلمنا لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، ولهذا وجب علينا أن نؤمن بصفة النزول؛ نظراً للنصوص الواردة الصحيحة الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . عندنا شبهة ترد في الذهن، وهي أننا نعلم أن الأرض كروية، وقد أثبت هذه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومسألة كروية الأرض إذا نظرنا الآن الشمس تشرق عندنا، ولو اتصلت على رجل مثلاً في أمريكا ستجد الوقت عنده الآن ليلاً، قالوا: فإذا أصبحت الآن الكرة الأرضية تمشي، فإذا قلنا: ينزل في ثلث الليل الآخر، ثلث الليل عندنا في المملكة معروف، إذا جاء ثلث الليل الآخر في أمريكا أو أوروبا تجد أن جل الوقت يصبح ثلث الليل الآخر، إذاً: يلزم منه مباشرة أن يصبح الرب دائماً نازلاً، هذه شبهة ترد في الذهن، ولكن هذه الشبهة في أصلها باطلة، ما هو سبب بطلانها؟ الجواب: إذا بطلت الشبهة لم نحتج إلى كثير من الرد، والسبب: ما وجد عند الإنسان إشكال في هذا الأمر إلا لأنه شبه الخالق بالمخلوق، ثم نقل هذا التشبيه إلى الخالق، أي: عرف ما للمخلوق ثم نقله إلى الخالق وعند ذلك استبعد هذا الأمر، وإذا قلنا: الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] والرسول ﷺ أخبرنا بأنه ينزل، ولهذا سيأتينا بعض القصص عن بعض السلف يقولون في مسألة النزول وغيره أول ما يقولون: أثبت أولاً أنه ينزل، مثلاً في المملكة ثلث الليل الآخر أثبت أنه ينزل، وإذا كان ثلث الليل الآخر في أمريكا أثبت أنه ينزل، فإذا أثبت ذلك قلنا: إذاً: ليس هناك إشكال، لا حاجة لأن تقول: كيف ينزل هنا وكيف ينزل هناك؟ أنت أثبت ما دل عليه النص، وإذا دل النص على شيء وجب علينا إثباته والتسليم له، وعدم طروق الذهن له بشيء من التأويل أو التحريف أو التغيير لما دل عليه إطلاقاً، ولذلك وجب علينا الإيمان بكل نص وارد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولذلك قال أهل السنة لمن أورد هذه الشبهة: أنت آمن أولاً بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين، وإذا آمنت ليس عليك شيء من وراء ذلك، أي: لست مطالباً كيف ينزل في كذا أو كيف ينزل في كذا؟ أنت مطالب أن تؤمن بأنه ينزل في ثلث الليل الآخر في أمريكا وينزل في ثلث الليل الآخر في المملكة وفي غيرها من البقاع التي يقول فيها: (هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟) ووجب علينا إثبات هذه لله كما يليق بجلاله وعظمته.

стр. 218

تعدد روايات صفة النزول ورد النزول بصفات متعددة: منها ما هو صريح: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر) ومنها: ورد في مسألة الدنو، وورد في مسالة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وكذلك جاء في صفة الإتيان: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] هذا يثبت لنا النزول، وقد ورد في بعض الآثار قضية الهبوط. ونحن نقول: إن النزول والمجيء والإتيان والصعود والاستواء إلى غيرها من الألفاظ الواردة كلها واجب علينا أن نقول: إنها أفعال للرب على ما يليق بجلاله وعظمته. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى تنبيهاً لطيفاً هنا: يجب علينا أن نؤمن أن الرب فعال لما يريد، فإذا كان فعالاً لما يريد فهو الذي إذا أراد أن ينزل نزل، وإذا أراد أن يأتي أتى، وإذا أراد أن يستوي استوى إلى غيره، كل هذه أفعاله، فهو الفعال لما يريد، وأفعاله قائمة به، ولولا ذلك -إثبات هذه الأفعال- لم يكن موصوفاً بصفات الكمال، وصفات الكمال عند الإنسان -ولله المثل الأعلى- إنما كانت بفعله الاختياري في الفعل والقيام والحركة وغيرها، والرب موصوف بالكمال، فله الفعل الاختياري، ولذلك قال العلماء: وإذا حملت أفعاله الاختيارية على المجاز ولم يكن فاعلاً حقيقة لم يكن إلا بمنزلة الجماد، والله منزه عن أن يكون كالجماد، بل هذا تعطيل للرب ووصف له بالنقائص، وإن من أنكر قيام الأفعال بالرب كـ الجهمية فإنهم معطلة، ولذلك قال الإمام ابن القيم وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم: إن المعطلة يعبدون عدماً لا يعبدون إلهاً، والمشبهة يعبدون وثناً، وكلا الطائفتين على ضلال. ولذلك عندما نفوا هذه الصفات عن الله -الأفعال الاختيارية- مخافة التشبيه، نقول لهم: إذا نفيتم الأفعال الاختيارية عن الله مخافة التشبيه فوجب عليكم كذلك أن تنفوا السمع والبصر والحياة والقدرة، فإنها للمخلوق كما أنها لغيره.

стр. 219

مواضع نزول الرب بالنسبة لنزول الرب ورد أنه ينزل بمواضع متعددة، منها: نزوله في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، وهذا قد ثبت في سنة النبي ﷺ . وكذلك ينزل ربنا في يوم القيامة ليقضي بين العباد، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى رجل جمع القرآن، وهذا الحديث أصله في صحيح مسلم، وكذلك في صحيح البخاري من حديث أنس، وفيه: (ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) . ومنها: نزوله إلى الجنة يوم المزيد. وكذلك ذكروا نزوله يوم عرفة أنه تعالى يدنو من العباد فيباهي بهم ملائكته . فأصبحت النصوص الدالة على النزول متعددة، وإن الواجب علينا تجاه هذه النصوص أن نثبتها لله ، وأن نحملها على الحقيقة، ولا نتطرق إلى قضية المجاز فيها، قال أبو العباس بن سريج: وقد صح عند أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع هذه الآثار والأخبار صادقة عن رسول الله ﷺ في الصفات يجب على المسلم أن يؤمن بها، وأن السؤال عن كيفيتها بدعة، والجواب كفر وزندقة، كما في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ونظائر هذه من النصوص الواردة في القرآن في الفوقية والنفس واليدين والسمع والبصر إلى غير ذلك.

стр. 220

مناظرات في مسألة النزول قال إسحاق بن منصور: قلت للإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ينزل ربنا كل ليلة) الحديث، فقال له الإمام أحمد وكان معه إسحاق بن راهوية: الحديث صحيح، وزاد إسحاق رحمه الله تعالى: لا يدع هذا الحديث إلا مبتدع، أي: لا ينكره ولا ينفيه إلا رجل مبتدع ليس منقاداً لكتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ . وقيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، قال: نعم، قلت: ينزل بعلمه، فسكت الإمام أحمد عن هذا الكلام وغضب غضباً شديداً وقال: ما لك ولهذا؟ ثم قال له: أمض الحديث، أي: أثبت الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به الآثار وبما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم قرأ عليه قول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وأنه ينزل كيف شاء نزولاً يليق بجلاله وعظمته. قال بشر بن السري لـ حماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، يتحول من مكان إلى مكان؟ أي: كأن هذه وردت شبهة في ذهنه، فقال: ينزل يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد منكراً عليه غاضباً، ثم قال حماد: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء. قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: أجمع الصحابة ﵃، وكذلك التابعون الذين حُمل عنهم التأويل أي: تفسير القرآن بالسنة في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله إطلاقاً وإنما خالفهم المبتدعة، ثم قال تقعيداً لمنهج أهل السنة والجماعة: وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك. وهنا من اللطائف التي وقعت لأحد التابعين ﵁، روى أبو عبد الله الحاكم مما قال: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق بن راهوية، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم صحيح، قال بعض القواد ولعله من الجهمية والمعتزلة للأمير كأنه يستعديه عليه ويريد أن يفتك بـ إسحاق بن راهوية: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول؛ لأن المعتزلة لا يثبتون فوقية الله تعالى، قال: أقول: إنه فوق، فقال: ما دمت أثبت فوق فإن الله يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] أورد عليه صفة المجيء، فقال الأمير عبد الله بن طاهر: إن هذا يوم القيامة -أي: مجيء الله يوم القيامة- قال: إن من يجيء يوم القيامة من يمنعه أن يجيء في الحياة الدنيا؟ فسكت عبد الله بن طاهر، وهذا المعتزلي لم يستطع أن يتكلم بكلمة، فبهت، وعند ذلك لم يستطع أن يرد بعد أن بين له أن الله ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، ولذلك وجب على أهل السنة أن يثبتوا لله تعالى صفة النزول. ومن المناظرات التي وردت، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الصواعق المرسلة: قيل لبعض أصحابنا، أي: ممن يثبتون صفة النزول لله: أتقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال هذا السلفي: ومن أنا حتى أقول ذلك، لست أنا الذي قلت ذلك، فقد قاله رسول الله ﷺ وبلغه أمته، ولست أنا الذي قلته، فقال له الجهمي: هذا القول يلزم منه الحركة والانتقال -شبهة المعتزلة التي ذكرناها سابقاً- فقال له السني: أنا لم أقل ذلك وإنما قاله رسول الله ﷺ ، والشبهة التي عندك قلها لرسول الله ﷺ لا تقلها لي أنا، فاعتراضك الذي قلته قله لرسول الله ﷺ ولا تقله لي، أما أنا فإني أصدق بما جاء به الرسول ﷺ ، فبهت الجهمي، وما استطاع أن يرد عليه إطلاقاً، ولهذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن الأفعال الاختيارية للرب هي من لوازم الحياة، فالإرادة والمشيئة من لوازم الفعل، وللفعل لوازم لا يجوز نفيها إطلاقاً بل الواجب إثباتها لله على ما يليق بجلال الله وعظمته. ولهذا إذا سألك رجل فقال لك: كيف ينزل ربنا؟ فتقول له: الله ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، لا نكيفه، ولا نشبهه بأحد كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وما نرى السائل إلا رجلاً مبتدعاً جاء بقول باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . نذكر هنا بعض القصص التي وقعت، ولعل أكثرها وقعت مع عبد الله بن طاهر ﵀، من هذه ما نقله ابن بطة، قال إسحاق بن راهوية: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ أي: أنتم تروون أحاديث المجيء والرؤية وأحاديث النزول، وأحاديث الاستواء على العرش وغيرها، فقلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟ قال: إنكم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال إسحاق بن راهوية: فقلت: نعم. رواها الثقات الذين يروون لنا الأحكام، فالأحاديث التي وردت في الأحكام أتعملون بها في الصلاة وفي الزكاة؟ قال: نعم، قال: فالذين رووا هذه الأحاديث هم الذين رووا لنا أحاديث النزول، فنحن نثبتها لله سبحانه تعالى، فنقول: الله ينزل ونثبته لله تعالى على ما يليق به، فقيل له: أينزل ويدع العرش؟ فقال: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش، فقال له: أتثبت ذلك؟ أي: أن الله يقدر أن ينزل دون أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قال: إذاً ولماذا تتكلم في هذا الأمر، إذاً: أثبته، أي: كأنه يقول: أثبت الاستواء على العرش، وأثبت النزول، فلا تضرب النصين بعضهما ببعض، فلا تقل: إذا أثبتنا النزول أدى إلى خلو العرش، بل كما ورد الاستواء على العرش وورد النزول فأثبت الاثنين جميعاً، وهذا هو الواجب علينا أن نثبتهما. روى الأثرم في السنة عن الفضيل بن عياض، أنه كان يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل عن مكانه، أو يتحول عن مكانه، أو يزول عن مكانه! فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ، وكأنهم يفاصلونا بقضية الرؤية، ونفهم من هذا أن هؤلاء الجهمية يكفرون من يثبتون النزول للرب، ويثبت الاستواء، بل يثبت الأفعال التي تتعلق بالإرادة والمشيئة، ولهذا قال: أنا أكفر برب -نعوذ بالله- إذا كان لا يقبل هذا الرب الذي ينزل ويستوي على عرشه وغيره! نعوذ بالله من حال هؤلاء الجهمية، وهذا يدل على تكبرهم وعدم قبولهم، هذا القول نقل عن الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، ونقل عن يحيى بن معين رحمه الله تعالى كما رواه اللالكائي، يقول يحيى بن معين ﵀ ورضي عنه: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء ، ولا ننفي هذه إطلاقاً أبداً. ومما ورد ما ذكره الإمام أحمد في كتاب السنة بسنده قال: قدم علينا شريك، فسألته عن الحديث: (إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان) فقلنا له: إن قوماً ينكرون هذه الأحاديث عن الرب، قال: فما يقولون؟ قال: يطعنون فيها، قال: إن الذين جاءونا بهذه الأحاديث هم الذين جاءونا بالقرآن وجاءونا بالسنة، وجاءونا بالصلاة، وجاءونا بالحج، وجاءونا بالصيام وغيره، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث. ومما ذكر كذلك قصة وهي بسند طويل، ولعلها كلها تدور على إسحاق بن راهوية ﵀، يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر في مجلس، فقالوا: أيها الأمير! إنك تقدم إسحاق بن راهوية وتكرمه وتعظمه وهو كافر، يزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ويخلو منه العرش، فغضب عبد الله بن طاهر على إسحاق بن راهوية أشد الغضب يقول: وبعث إليَّ، ثم دخلت عليه في مجلسه وسلمت قال: فلم يرد علي عبد الله بن طاهر متأثراً بقول الجهمية، وكان من عادته إذا دخلت عليه أن يرد علي السلام، وأن يجلسني. يقول: فما قال لي شيئاً أبداً، ثم رفع إلي رأسه مغضباً، وقال لي: ويلك يا إسحاق! ما يقول هؤلاء عنك؟ قلت: لا أدري ماذا قالوا عني، قال: تزعم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، وأنه يخلو من عرشه، قلت: أيها الأمير! لست أنا الذي قلته، قاله النبي ﷺ ، وروى بسنده إلى النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من داع؟) الحديث، ثم قال عنهم: مرهم أيها الأمير أن يناظروني، فأنا على استعداد لهم. فلما سمع الأمير الحديث وسمع بأني أريد أن أنازلهم هدأ ما في نفسه، ثم قال لي: اجلس، فجلست، ثم قلت له: أيها الأمير! مرهم أن يناظروني فأنا على استعداد لمناظرتهم، فإما أن يبدءوا وإما أن أبدأ، فقال لهم: ناظروه، فقال لهم إسحاق

стр. 221

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الرابع عشر) علو الله على خلقه حق دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة التي لم تختلط بلوثات أهل البدع والكلام؛ ممن جعلوا العقول حاكمة على الكتاب والسنة، ومن ثم حرفوا النصوص على ما تشتهيه أهواؤهم وعقولهم. وإن مما يصلح حياة الإنسان هو تذكر أهوال اليوم الآخر ابتداءً من الموت، ثم القبر، ثم النفخ والبعث وحشر العباد إلى ربهم، ووقوفهم للحساب، ثم إتيان الناس الحوض؛ فمنهم من يسقى ومنهم من يذاد، ثم يأتي وزن الأعمال، ثم المرور على الصراط، فناج مسلم ومخدوش مكردس.

стр. 222

أدلة إثبات صفة العلو والرد على المخالفين الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قبل أن نختم مبحث الصفات أرى من المناسب أن نتكلم عن صفة العلو للرب ، وقد ذكرنا في الدرس الماضي أن ثمة صفات يرتبط بعضها ببعض، كصفة الاستواء والنزول والعلو وصفة الرؤية، وأن من أثبت واحدة لزمه أن يثبت الجميع، ومن نفى واحدة لزمه أن ينفي الجميع لارتباطها.

стр. 223

الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال بعض السلف فاستواء الله على عرشه قد تكلم عليه العلماء، وبينوا أن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ولكن المبتدعة شرقت نفوسهم بأن يثبتوه للرب ، ولهذا فإنهم يقولون: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان عليه، أي: لا يثبتون عرشاً، ولا يثبتون استواءً، ولا يثبتون علواً للرب ، ومن باب أولى ألا يثبتوا صفة النزول. وصفة الاستواء على العرش قد دل عليها الكتاب والسنة، فقد وردت في القرآن في سبعة مواضع، وفي أحاديث النبي ﷺ وردت مستفيضة، بل هي متواترة في إثبات الاستواء على العرش. ومن اللطائف: أن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه أتى جارية له، فنظرت إليه زوجته فغضبت أشد الغضب، فقالت لـ عبد الله بن رواحة: أتأتيها وعلى فراشي، فقال تورية: لم آتها، قالت: إذاً اقرأ قرآناً، لأنها تعلم أن الجنب لا يقرأ قرآناً. فألقى عليها أربعة أبيات من الشعر، من ضمنها: وفوق العرش رب العالمينا فقالت: كذبت عيناي وصدق الله، وأخبر النبي ﷺ بالخبر فتبسم ﷺ . بل إن الاستواء على العرش كما يقول بعض العلماء: إنه قد ثبت في شعر جاهلي، وهو مرتبط بإثبات العلو للرب ، والأشاعرة قد استدلوا ببيت مصنوع وموضوع ولا حجة فيه، وهو قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق وهذا البيت احتجوا به على أن هذا وارد في اللغة، لكن هذا البيت من الشعر لا يحتج به؛ لأن الذين يستنبطون من اللغة العربية جعلوا زماناً يحتج به، وما بعده لا يحتج بالأشعار التي وردت فيه، ومن هنا أخذوا: قد استوى بشر، أي: استولى بشر، ويفسرون الاستواء بالاستيلاء، وهذا الكلام باطل، ويلزم عليه محاذير كثيرة: فمن علامة بطلانه: أننا نجد النصوص في سبعة مواضع في القرآن كلها تبين استوى الله على العرش: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ولم يرد نص واحد يدل على أنه بمعنى الاستيلاء، ثم أحاديث النبي ﷺ كلها ترد وتبين لنا أنه مستوٍ على عرشه. ثم يلزم على ذلك محذوراً باطلاً: فإن قضية الاستيلاء يلزم منها أن هناك مغالبة بين الرب وبين العرش، ثم إن الرب غلبه، وهل يوجد شيء من الكون بينه وبين الرب نزاع؟ لا، والله قد قال في كتابه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ولا نجد علواً للكون بعضه على بعض أبداً لا العرش ولا غيره، مما يدل على بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة ومن نحا منحاهم في نفي صفة الاستواء على العرش. أما قضية العلو فهي من الصفات العظيمة للرب ، بل هي من تمجيد الله وتعظيمه وإعطائه منزلته أن نثبت بأنه فوق سماواته مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه ، والأدلة على إثبات العلو في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ وفي أشعار الصحابة ﵃، وفي العقل، والفطرة أكثر من أن تحصى، ولقد أبدع الإمام ابن القيم ﵀ في الصواعق إذ أنه جمع ووجد أن الأدلة كما قال: تزيد في النصوص الشرعية على ألف دليل في إثبات العلو، ومن الصعب عرضها، وتحتاج إلى مؤلفات في عرضها وذِكْر وجه الدلالة، لكنه ﵀ جمعها بمجاميع قال: كل نص يرد فيه التصريح بالعلو فإنه يدل على علو الله تعالى، وكل نص يدل على التصريح كذلك بالعروج إليه فإنه يدل على علوه، وكذلك التصريح بأن الله رفع بعض خلقه إليه يدل على علوه، والتصريح كذلك بالنزول يدل على علوه ، والتصريح بالاستواء يدل على علوه، كذلك في قضية الإسراء والمعراج أخبر أنه أسرى بعبده، وعرج بمحمد ﷺ إلى العلو، وكلم ربه لما صعد، وكذلك أدلة الرؤية وغيرها، لسنا بصدد الحصر ولكن نمرها على عجل، هذه من أدلة الكتاب وسنة النبي ﷺ . وسأل النبي ﷺ جارية أراد أن تُعتق، فقال لها النبي ﷺ : (أين الله؟ فأشارت في السماء، قال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة) ولم يقل لها: قبحك الله كيف ترفعين بإصبعك إلى الرب، فأنتِ تجسمين وتشبهين، ولهذا إذا رفعت إصبعك فقلت: الله في العلو ضاقت على المبتدعة الأرض بما رحبت، ويقولون: إنكم تجعلون السماوات تحيط بالرب ، وهذا من ضيق أفقهم وجهلهم بسنة محمد ﷺ ، ونحن نقول: إن الله في العلو بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. ولقد كانت إحدى زوجات النبي ﷺ وهي زينب كما روى البخاري تفتخر على نساء الرسول ﷺ كلهن، وكانت تقول: (زوجكن أهليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات) وهنيئاً لها إذ تفتخر بهذا الفخر العظيم: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] فكانت كأنها تفتخر بأنها أنزلت في قضية زواجها نص من الله تعالى، ويبقى إلى قيام الساعة فخراً لها. ولقد أثنى النبي ﷺ على سعد بن معاذ ﵁ لما حكم في بني قريظة: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات) ثناءً عليه بأنه أثبت الحكم الذي حكم الله فيه، وأثبت الرسول ﷺ أن ربه فوق سبع سماوات. وروي أن عمر ﵁ وأرضاه كما في سنن الدارمي وغيره، والحديث يظهر أنه ليس بثابت، لأن في سنده انقطاعاً: وقف عمر مع امرأة عجوز في الطريق، ولما وقف معها قيل لـ عمر وكان قد سد الطريق: كيف أغلقت الطريق من أجل هذه العجوز؟! فقال: [ويحكم! أتدرون من هذه؟ إن هذه قد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات] وهي خولة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] فأثبت أن الله فوق سماواته عالٍ على خلقه، هذه أدلة الكتاب والسنة.

стр. 224

دليل الفطرة أما دليل الفطرة فقد دل على ذلك أنه ما من مؤمن أو عارف يعرف بأن له رباً، يقول: يا ألله! إلا وجد قلبه يتوجه إلى العلو. وأنت إذ تتساءل الآن في ذات نفسك وتقول: قد ربيت عليه وأنا صغير، لكن إخوانك الصغار تشاهدهم ما أحد يعلمهم فيقول لهم: إنك إذا دعوت الله تعالى فواجب عليك أن ترفع بقلبك إلى العلو، وهذا نسميه رصيد الفطرة. ونُقل أن البهائم إذا أصابتها الشدائد في حال تعسر ولادتها، فإنها وهي مضطجعة، تسلم أمرها لله، وترفع رأسها إلى السماء؛ لأنها تعلم أن ربها هناك، فترجو منه أن يكشف كربها وما أصابها. فسبحان الله! كان أبو المعالي الجويني على المنبر يحدث أتباعه، وكان من كبار الأشاعرة، وكان يقول لهم: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، أي: ليس هناك عرش وليس هناك استواء ولا غيره، فكان الهمداني في مجلسه، فقال له: يا شيخ! دعنا من قضية الاستواء على العرش ومن آية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: إننا لا نجد عارفاً يقول: يا ألله إلا وجد في قلبه اضطراراً إلى العلو فبماذا نفسر هذا؟ أنت تريد أن تنفي لنا النصوص الشرعية، لكن كيف ننفي الفطر التي توجد في قلوبنا، ماذا نعمل بها؟ قال: فنزل الجويني وهو يضرب على رأسه يقول: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، وقيل: إنه كان يبكي ولم يستطع أن يقول شيئاً؛ لأنه إذا جاءته النصوص يستطيع أن يأولها، لكن فطر الناس لا يمكن أبداً؛ لأنها تثبت بأن الله في العلو. ويأتي الدليل العقلي على إثبات علو الله تعالى، وهو مركب من مقدمات كثيرة، وقد بسط هذا الدليل العقلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بطوله في الفتاوى وفي غيره، وفي الرد كذلك على الرافضة القدرية، وكان يبنى على مقدمات أعرضها سريعاً، فيقولون: ليس في الكون إطلاقاً إلا خالق ومخلوق، فقالوا: إما أن يكون الله خلق الخلق داخل ذاته أو خارج ذاته، أو أنه لا داخل ذاته ولا خارج ذاته، أصبحت عن طريق السبر والتقسيم ثلاثة أقسام: ١- إما أن يكون خلق الله الخلق داخل ذاته. ٢- أو يكون الخلق خارج ذاته. ٣- أو يكون الخلق لا داخل الذات ولا خارج الذات. إذاً القول بأن الخلق في داخل ذات الرب باطل باتفاق العقلاء، والسبب هل نحن نشعر بأننا داخل ذات الرب؟ لا. ثم بطلانه بأنه يلزم أن يكون الله محلاً للقاذورات والخسائس، وهذا الخلق فيه ما هو طيب وفيه ما هو خبيث، فهل يمكن أن يكون الخبيث في داخل الرب؟ حاشا وكلا، إذاً تعين أنه بطل أن يكون الخلق داخل ذات الرب، ولا يقول بهذه المقالة إلا الصوفية الغلاة، أهل وحدة الوجود، وأهل الحلول والاتحاد، الذي يقول قائلهم قبحه الله: ليس في الجبة إلا الله وينفض جبته، ولا شك أن هذا هو الكفر بل هو الإلحاد. ننتقل إلى القسمة الثانية: أن يكون الكون لا داخل ذات الرب ولا خارجه، وهذا نفي لوجوده بالكلية، فالشيء الذي لا يكون موجوداً ولا داخلاً ولا خارجاً يؤدي إلى نفي وجود الله تعالى، وهذا أمر باطل بالاتفاق، ولهذا نجد العجيب أن بعض طوائف المبتدعة يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وهذا الكلام باطل، يؤدي إلى نفي وجود الله تعالى. بقي عندنا أن يكون الرب خارج هذا الكون، فتعينت المفاصلة والمباينة، وتعين المفاصلة والمباينة يقتضي أن ننتقل إلى مقدمات أخرى وهي أن نقول: إن السفول صفة نقص، والعلو صفة كمال، والله موصوف بالكمال، إذاً الله في العلو . ولهذا إذا وجد شيء عزيز عليك فإنك ترفعه فوق رأسك؛ نظراً لأن العلو باتفاق العقلاء كمال، ولا يمكن أبداً أن يكون نقصاً، بخلاف السفول فإنه نقص، ولهذا تجدون الأطفال الصغار يرفع فمه إلى السماء ويقبل، ويبصق على الأرض لاعتقاده أن الشيطان في السفول، ويعترف بأن الله في العلو، وهذا دليل على مسألة فطرية ومسألة دلالة العقل على إثبات علو الله تعالى.

стр. 225

أقسام العلو نعجب من هؤلاء المبتدعة إذ لم يقبلوا نصوص الكتاب والسنة بل أولوها، وقالوا: إن المقصود منها أن العلو للفوقية هنا فوقية المكانة والقدر، بمعنى أن الله في العلو له المكانة، وإلا فإنهم لا يقبلونه، وأهل السنة يقولون: إن العلو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- علو قدر وهي المكانة. ٢- علو قهر وهي الغلبة ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] . ٣- علو الذات. المبتدعة لا يجادلونا في علو القدر ولا في علو القهر، ولكن يجادلونا في علو الذات، ولا يثبتون الله في العلو، أما نحن فنثبت أنواع العلو كلها لله، ونقول: إن لربنا الكمال فيها كلها، ونقول: الله عالٍ على خلقه علواً يليق بجلاله وعظمته . والقول بعلو القدر وعلو المكانة لله تعالى أمر تأنف منه العقول، فإذا جئت إلى شخص مثلاً وقلت له: إنك والله لك منزلة في نفسي أفضل من الحمار والكلب، هل ينبسط أم يغضب؟ قال الشاعر: ألم ترَ أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا فلو جاء إنسان يوازن بين السيف وبين العصا فإنه قد نقص قيمة السيف، وإذا قيل: إن الله خير من خلقه وأفضل من خلقه فهذا تنقص للرب ؛ لأن هذا الأمر مغروس في الفطر (أن الله فوق خلقه منزلة وقدراً وقهراً) ومع وجود هذا الأمر وهو أمر فطري نثبته لله، لكن ليس هذا هو مدح للرب ، بل إن المدح أن نثبت له الكمال المطلق، ومنه إثبات علو الذات له ، وبهذا يبطل كلام هؤلاء في تأويلهم على أن العلو يقصد به علو المكانة أو أن المقصود أن الله خير من خلقه . انطلقوا إلى النصوص الدالة على الدليل الفطري، عندما قلنا لهم: إن الإنسان إذ يقول: يا الله، يجد قلبه يتعلق بالعلو، قالوا: تعلق القلب بالعلو لأن السماء هي قبلة الدعاء، وهذا الكلام باطل وليس بصحيح لا لغة ولا شرعاً ولا عقلاً، القبلة في اللغة هي ما تستقبل بوجهك، فهل نحن إذا دعونا نرفع أبصارنا إلى السماء؟ لا، بل نهينا عنه: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو ليخطفن الله أبصارهم) نهينا أن نرفع، ولهذا يسمى ما يقبل به الإنسان قُبل، وخلفه يسمى دُبر، ندعو الناس إذا أرادوا أن يدعوا أن يتوجهوا بوجوههم إلى السماء. ثم قال العلماء: لم يأتِ دليل على أن هناك قبلتين: قبلة للصلاة وهي إلى الكعبة، وقبلة للدعاء وهي السماء، فهذا لم يرد فيه دليل لا من كتاب ولا من سنة، ولم يقل به أحد من الصحابة ﵃ وأرضاهم، وقولنا بهذا يدل على ابتداع هؤلاء القوم، وأنهم جاءوا بأمر محدث. ثم قال العلماء: إن القبلة تقبل النسخ، فكان الصحابة يستقبلون بيت المقدس سابقاً، ثم صرفوا إلى الكعبة، لكن في توجه الإنسان بقلبه إلى العلو لا يمكن أن يطرأ عليه نسخ؛ لأن هذا شيء مركوز في الفطر، وما كان في فطر الناس مركز لا يحدث فيه النسخ أبداً، مما يدل على بطلان ما جاء به هؤلاء القوم، ويدل على انحرافهم. واعترضوا على قضية الدليل العقلي، بإنكار بداهته، فجاء المبتدعة يقولون: نحن عقلاء أم مجانين؟ قلنا: أنتم عقلاء، قالوا: نحن إذاً لا نقبل، الدليل العقلي يجب أن يتفق فيه العقلاء كلهم ونحن لا نقبل. فنحن نقول لهم: إن كان دليلنا العقلي باطلاً فما توردونه من الأدلة في نفي علو الله تعالى أشد بطلاناً، أي: أنتم أكثر عمقاً في الباطل، وإن كان قولنا حقاً وقولكم حقاً، فنحن أكثر تمكناً في الحق منكم، فتميز أهل السنة بقلة الباطل -على فرضه تنزلاً- وبكثرة الحق في هذا الأمر، وما دامت القضية الدليل العقلي أصبح أمراً مشتركاً بيننا وبينكم فإننا نسأل ونقول: فطر الناس معنا أم معكم؟ نقول: مع أهل السنة وليس مع المبتدعة، فزاد أهل السنة بفطر الناس، ثم نسأل فنقول: أدلة الكتاب والسنة معنا أم معكم أيها المبتدعة؟ فـ أهل السنة معهم أدلة مرجحة لدليلهم العقلي (الفطرة وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبهذا ترجح دليلهم العقلي في إثبات علو الله والإقرار به، وبهذا نعلم أن الله له العلو بجميع أنواعه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات ، ولا نتعرض لذلك ولا ننفيه.

стр. 226

أئمة المذاهب الأربعة سلفيون قاعدة: يجب أن نعلم أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى كلهم أثريون سلفيون، والمقصود بالأثري السلفي أنه متى ثبت له النص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ طرح مقالته كلها وتركها، سواء كان في مسائل الفروع -أي: مسائل الشريعة أو الأحكام- أو كانت في مسائل الاعتقاد، حتى لا يأتينا أحد فيقول: إن قول فلان وفلان وفلان كان مثل قول المبتدعة، ونذكر الأدلة على ذلك: أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان ممن يقول: إن الإيمان هو مجرد الاعتقاد فقط، ولا يرى الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روي له حديث: (أي الإسلام أفضل) الحديث، قيل له: ألا تراه يقول: بأي الإسلام أفضل، والأحناف عندهم خطأ في مسألة الإيمان، فهم لا يرون الإيمان يزيد وينقص، ولهذا يسميهم العلماء: مرجئة الفقهاء، فقيل له: إنه يقول: (أي الإسلام أفضل؟) ثم أجاب النبي ﷺ عن قضية الإيمان فقال: (الجهاد في سبيل الله والهجرة) والجهاد والهجرة أليست عملاً؟ وأبو حنيفة لا يرى الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فقال له بعض أصحابه: ألا تجيبه، ألا ترد على هذا القول؟ هو يروي حديث النبي ﷺ ، فقالوا: ألا تجيبه؟ فقال أبو حنيفة: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ ، أي: ما كان لي أن أرد عليه بعد أن جاءني بالنص عن رسول الله ﷺ ، وأن الواجب على كل مسلم أن يأخذ بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] . قال البخاري: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فأجابه الشافعي رحمه الله تعالى وقال فيها: روى عن النبي ﷺ حديث كذا وأورد له الحديث، فقال له هذا الرجل: ما تقول أنت يا إمام؟ أي: ما رأيك أنت؟ فغضب الشافعي أشد الغضب، وقال: سبحان الله! أتراني خرجت من كنيسة، أتراني في وسطي زناراً، حتى أقول قال رسول الله ولا أقول به؟! كأنه منكر عليه أن يسأله عن مقالته، وهذا يدلنا على أمرٍ يجب أن نعلمه، وهو أن الواجب علينا جميعاً ألا نتعلق بالأشخاص أبداً كائناً من كان، إلا بما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن القوم الذين يتعلقون بالأشخاص يصل بهم الأمر إلى أن يزلّوا إذا زل الأئمة، ويصبوا إذا أصابوا، لكن من تعلق بالمنهج وتعلق بالكتاب والسنة فلا يضل ولا يزل أبداً، وهذه من نعمة الله تعالى أننا لا نتعلق بالأشخاص. أقول للأحبة وهي ظاهرة على ضوء التتبع: تبين لنا في واقعنا الذي نعيشه أن الناس يتعلقون بالأشخاص في كثير من أمورهم، في مسائل دعوتهم، وفي مسائل إفتائهم، وفي مسائل عرضهم للحق وغيره، وهذا من الخطأ والانحراف، ولعل هذا قد حذرنا منه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] وكأن الله يبين لنا هنا أن الواجب علينا ألا ننظر إلى ذات محمد ﷺ ، وإنما نأخذ بمنهجه ((أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ)) وكم من الناس كأنهم يتعلقون بالأفراد، ويظنون أنهم إذا وجدوا وجد الحق، وإذا ذهبوا ذهب الحق، وإذا ماتوا مات الحق، وإذا حيوا حيا الحق، هذا من الخطأ والجهل، والله قد جعل لنا منهجاً ودستوراً وهو الكتاب والسنة، وهو المنهج الذي يجب أن نأخذ به، وهو المنهج الذي يجب أن يرضى الناس به دون أن يربطوا بأفراد وبأشخاص معينين.

стр. 227

علامات معرفة أهل البدع ننتقل إلى موقف المبتدعة من نصوص الكتاب والسنة: قلنا سابقاً: إن المؤلف رحمه الله تعالى لم يتعرض لكثير من أسماء الله وصفاته، وإنما أومأ لبعضها، والمبتدعة يشرقون دائماً بالنصوص التي تلقمهم الحجر، فمثلاً: الصفات الفعلية: المحبة، والغضب، والنزول، والاستواء، والرضا وغيرها صفات أفعال، والمبتدعة لا يثبتونها للرب ، ولهذا ما موقفهم منها؟ وهناك طوائف أشد ضلالاً، فلم يثبتوا شيئاً من الأسماء والصفات للرب أبداً، بل شبهوا الله إما بالجماد أو بالمعدوم، عجباً لهؤلاء القوم من الجهمية المعطلة! وسار على ذلك المعتزلة، وغلاة الرافضة. ١- من علاماتهم: قالوا: الأخبار تنقسم إلى قسمين: أخبار متواترة وأخبار آحاد، فقالوا: الأخبار المتواترة هي ما تواتر سندها، أما ما تدل عليه من المعاني والفوائد والأحكام فهي ظنية، فإذا كان المتواتر هو الكتاب وسنة النبي ﷺ المتواترة ظنية الدلالة، فما النتيجة؟ أننا لا نفهم منها شيئاً، ولا نحتج بها لا في الاعتقاد ولا في غيره، وهذا انحراف واضح بل هو الضلال بعينه. ثم أخبار الآحاد: وإن صح سندها، فهي ظنية الثبوت من جهة السند، وظنية الدلالة، فلا يقبلونها، ولذلك عندما ذكرت أنك إذا أردت أن تميز شخصاً مبتدعاً، فمن العلامات أن تنظر إلى كلامه في الأخبار، فإن قال: خبر الآحاد لا يحتج به في مسائل الاعتقاد فاعلم أنه ليس سلفياً في معتقده، وأن عليه ملحوظات في هذا المعتقد، هذا جزء من علامات المبتدعة. ٢- ومن علاماتهم: أنهم يؤصلون مقدمات عقلية، ثم يجعلونها هي الحاكمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولذلك قالت المعتزلة: أي نص في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يوافق العقل فإنه يقدم العقل ويطرح الكتاب والسنة، ولا شك أن هذا هو الضلال بعينه. فلا ندري أنأخذ بعقل المعتزلي أم بعقل الجهمي؛ أم الأشعري، أم عقل الماتريدي، أم الكلابي أم غيره، بمن من العقول نأخذ؟! ومن هي العقول التي تكون حاكمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ هذا هو الضلال بعينه، ولهذا جعلوا لهم مقدمات وليست إلا ضلالات، وقال فيها الإمام ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية مستشهداً بقوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩] ولذلك لم يهتدوا لكتاب ولا سنة. ٣- ومن علامات المبتدعة: أنهم يجعلون بدعهم هي التي تعرض عليها نصوص الكتاب والسنة، فهم منحرفون في الأصل، وعندهم الضلال، فيجعل البدعة التي عنده هي الحاكمة على الكتاب والسنة، وكم نجد من الغرائب، اقرأ في كتب التفاسير، فـ الأشاعرة إذ يفسرون القرآن يعرضون نصوص القرآن على بدعهم التي عندهم، والمعتزلة إذ يفسرون القرآن كذلك، والخوارج إذ يفسرون القرآن كذلك، والرافضة إذ يفسرون القرآن يعرضون النصوص على البدعة التي عندهم فما وافق البدعة سموه محكماً، وما خالف البدعة سموه متشابهاً، فجعلوا ما وافق بدعهم محكماً، وما خالفها متشابهاً. إذاً لهم من المتشابه موقفان: الموقف الأول: أنهم يفوضون المعنى فيقولون: هذه النصوص لا ندري ما هي ولا نعرفها. الموقف الثاني: أنهم يئولون النص عما دل عليه، وفي الحقيقة أن التأويل حق أن نسميه تحريفاً وليس تأويلاً، مثلما قالوا في الاستواء: الاستيلاء و ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] قالوا: اليد هي النعمة والقدرة، هذا تحريفٌ وليس تأويلاً، بل هذا هو الضلال، والله يثبت لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهم يقولون: نحن يا رب أعلم بأن نصفك منك إذ تصف نفسك، هذا هو لازم كلامهم وهو لازم مذهبهم، فمن يقول: أنا لا أثبت لله الأسماء الحسنى ولا الصفات العلى، كأنه يقول: يا رب! أنت جئت بهذه ولست الذي تصف نفسك نحن نعطيك ما هو أنزه لك ولا نريد أن نشبهك بالمخلوقين، وهذا هو الضلال بعينه. ولو سُئلنا يوم القيامة: لِمَ أثبتم اليد لله والإصبع والقدم؟ قلنا: قد وردت في كتابك وقد بينها لنا رسولك ﷺ ، فمن احتج بكتاب الله وسنة رسوله فلا عتبى عليه، لكن إذا قيل له: لماذا لا تثبت هذا الشيء وقد جاءك في الكتاب والسنة؟ يقول: يا رب! أنا خشيت أن أشبهك بالمخلوقين، أأنتم أعلم أم الله؟! أنحن أعلم أم رسول الله ﷺ ؟! لا شك أن رسول الله ﷺ أعلم بربه، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] . إذاً أصبح الواجب علينا ألا نسير على مناهج هؤلاء الذين انحرفوا عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 228

مسائل متعلقة باليوم الآخر ثم قال المؤلف ﵀: وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه رياً أنهل انتهينا من باب الأسماء والصفات، والمؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا مبحثاً مهماً عظيماً جداً، ولعلنا نستفيد منه فائدتين: الفائدة الأولى: الإيمان باليوم الآخر، وتمكينه في القلوب، وهو أحد أصول الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد كائناً من كان حتى يؤمن باليوم الآخر. الفائدة الثانية: نشم من قول المؤلف أن هذه هي ثمرة الإيمان بالمعتقد السابق، أننا: نقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه رياً أنهل أي: أنه ينهل منه بسبب معتقده السابق، فإن من حرف وغير منهج الله وصراطه؛ فإنه يذاد عن حوض النبي ﷺ يوم القيامة، ولهذا ورد أن أناساً يردون على حوض النبي ﷺ ويذادون، فيقول النبي ﷺ : (أمتي أمتي! فيقال له: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً) أي: بعداً لهؤلاء. قال العلماء: وينطبق على هؤلاء الذين يذادون طوائف الخوارج، والجهمية، ويدخل فيهم الرافضة، فهؤلاء غيروا وبدلوا ما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ ، وليس في باب الصفات وحدها، بل في أبواب متعددة، بل في غالب مباحث العقيدة غيروا ما جاء به النبي ﷺ .

стр. 229

أسماء اليوم الآخر اليوم الآخر وردت له أسماء كثيرة، منها: يوم القيامة، واليوم الآخر، والساعة، والبعث، ويوم الدين، والصاخة، والقارعة، والطامة الكبرى إلى غيره، ولقد شرح ذلك بشيء من التفصيل الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تذكرته، ويعتبر من المباحث والكتب المهمة المتعلقة باليوم الآخر كتاب التذكرة في أحوال الآخرة للإمام القرطبي، وكتاب العاقبة للإشبيلي ﵀ في قضية اليوم الآخر، ومن المعاصرين الدكتور عمر الأشقر كتب: اليوم الآخر جمع فيه ما ذكره المتقدمون رحمهم الله تعالى في مسألة اليوم الآخر.

стр. 230

بداية اليوم الآخر قضية اليوم الآخر نحن نعلم أنها تبدأ أول ما تبدأ بموت الإنسان، فمنذ أن تنطلق الروح يبدأ اليوم الآخر، وكأن الإنسان عنده الحياة الدنيا والحياة الآخرة، فالدنيا هي الأولى القريبة، ثم بعدها الحياة الآخرة، وتبدأ الآخرة بالموت ثم القبر، وسيأتي الكلام عليه وإن كان المؤلف رحمه الله تعالى أخر قضية القبر، لكن نأتي على ضوء ما شرحه المؤلف ولن نتكلم به على حسب الترتيب، وتبدأ قضية اليوم الآخر بعد قضية النفخ في الصور.

стр. 231

الصور وموعد النفخ الصور هو مثل القرن، والنافخ في الصور هو إسرافيل ﵊، وقد قال النبي ﷺ : (كيف ينعم وصاحب الصور قد التقم الصور ينتظر متى يأذن الله الرب . والنفخ في الصور يكون في يوم الجمعة، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) قالوا: إن يوم الجمعة تصبح كل الدواب خائفة من هذا اليوم تنتظر الساعة متى تقوم. وإن كان عجباً لأمة الإسلام أن جعلت يوم الجمعة يوم لهو ومعصية، وبعضهم يوم نوم وضياع وقت، مع أننا نجد أن يوم الجمعة ميز بعبادات كثيرة: سنة التبكير، وقراءة سورة الكهف، وكثرة الصلاة على النبي محمد ﷺ ، وكثرة الدعاء، ثم الإتيان إلى المسجد والتبكير إليه إلى غيره، عبادات كثيرة جداً في يوم الجمعة؛ نظراً لأنه يوم مبارك، ويوم عظيم، ولعله إذا قامت الساعة على الإنسان أو نفخ في الصور يكون عند الإنسان شيء من العبادة.

стр. 232

عدد النفخات في الصور النفخ في الصور اختلف العلماء: كم نفخة في الصور تحديداً؟ فمن العلماء من قال: نفختان، وهي أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة. ومنهم من قال: ثلاث نفخات، ونقلت هذه عن ابن كثير والسفاريني، وذُكِرَ أنها قول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونُقل عن ابن حزم ﵀ أنها أربع نفخات، ولكن الصحيح أنها نفختان فقط. ويصعق الناس كلهم إلا من شاء الله، وقيل لبعض العلماء: من الذين يستثنون؟ - من العلماء من قال: إن الذي يستثنى هم الملائكة. - ومنهم من قال: جبريل وميكائيل وإسرافيل. - ومنهم من قال: أهل الجنة وما فيها من الحور العين وغيرهم، لكن الذي يظهر أن الصعق يكون عامَّاً واستثني كبار الملائكة.

стр. 233

البعث والحشر يُصعق الناس ثم يموتون ثم تأتي قضية البعث، وينزل الله مطراً من السماء، ورد في بعض الآثار أنه كمني الرجال، ونحن نعلم أن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، وهو ما نسميه (العصعص) وهو آخر خرزة في مقعدة الإنسان وفي دبره، وهو شيء صغير، قال: فينبتون كما ينبت البقل، ويخرج الناس ويعرضون على الله تعالى، يبدءون بعثاً جديداً، وقد بين النبي ﷺ أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً بهماً، يصبح الإنسان عارياً وغرلاً وبهماً، وبينت عائشة فقالت: (يا رسول الله، الرجال والنساء سواء؟ فقال لها النبي ﷺ : إن الأمر أعظم من ذلك) يشغلهم أن تنظر المرأة إلى الرجل أو ينظر الرجل إلى المرأة؛ لأن الأمر مفزع، وأمر عظيم. وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد ﷺ ، فقد ثبت في صحيح مسلم أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) ﷺ ، ويحشر الخلائق يوم القيامة ليوم الجمع، ويصبحون جميعاً على أرضٍ غير هذه الأرض؛ لأنها تبدل، فيحشرون على أرض بيضاء كالفضة لم يعص الله عليها أبداً. اختلف العلماء هل تحشر البهائم مع الناس أم لا؟ وأصح الأقوال أنهم يحشرون جميعاً الرجال والنساء وكذلك المسلم والكافر، والبهائم وغيرها، ويكون أول من يكسى هو إبراهيم ﵊ كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم) وورد أنه يكسى بكسوة من الجنة، وذلك يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات. لقد كذَّب الكفار من الناس -والعياذ بالله- بقضية البعث، وكان هذا التكذيب من قديم وليس حديثاً، وقد بين الله في كتابه فقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨-٧٩] فلا شك أنه هو المحيي لها، فالذي أنشأها أول مرة وخلقها هو القادر على أن يحيها مرة أخرى ويعيدها فيما بعد. وهناك مباحث كثيرة في قضية الأدلة على البعث والأدلة على ذلك اليوم، والواجب على المسلم أن يستعد، قالوا: إن هذا الكون يتغير تغيراً كلياً، وقد ورد في الآثار: من أراد أن ينظر إلى القيامة رأي العين فلينظر في سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] تجد تغيراً للكون كاملاً، السماوات والأرضون وغيرها تبدل، والجبال والأنهار والبحار تسجر ولعلها تأتي من علامات الساعة الكبرى، وإن كانت العلامات الصغرى هي إيماء لها، ولسنا بصدد الكلام على علامات الساعة. والناس ينقسمون على حسب دياناتهم، وعلى حسب معتقدهم، ويحشر الناس على اختلافهم، فهؤلاء أهل التوحيد مع بعض، وكل يتبع إلهه الذي يعبده، فهؤلاء يعبدون المسيح، وهؤلاء يعبدون عزيراً، وهؤلاء يعبدون كذا، كل يتبع معبوده، ويبقى أهل الإيمان العابدون لله تعالى هم الذين لهم المنازل العليا يوم القيامة.

стр. 234

شرح قول الناظم: وأقر بالميزان والحوض قال الناظم ﵀: وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه رياً أنهل

стр. 235

معنى الإقرار قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وأقر) أصل الإقرار في اللغة هو الإثبات، من قر الشيء يقَر ويقِِر بفتح الكاف وكسره، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة:٣٦] أي: ثبات وقرار. وفي الشرع: الإقرار: هو الاعتراف بالمدعى به، ويعتبر الإقرار في كتب الفقه من أعظم الأدلة لإثبات دعوى المُدَّعى عليه، فإذا جئت وقلت لشخصٍ: أنا أقر بأن لفلان هذا عندي ألف ريال، فلا نحتاج إلى أدلة نقول: ما هو الدليل على أن عنده ألف دليل؟ أقوى الأدلة هو الإقرار، ولذا قال: (وأقر بالميزان) أي: أثبته ثبوتاً لا جدال فيه وأعترف به، ولهذا يقول العلماء: يعتبر الإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس، أي: أنك تشهد على نفسك بقضية الميزان والحوض، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] . ولذا كان الإقرار يقضي به النبي ﷺ في الحدود والدماء والأموال، ولهذا قال النبي ﷺ : (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) دل على أن الإقرار أخذ به النبي ﷺ ، فأخذها وأقام عليها الحد.

стр. 236

معنى الميزان قوله: (بالميزان) قال في لسان العرب: الوزن هو الثقل، قالوا: وإنه هو المفهوم منه، فإذا أردت أن تزن شيئاً تزنه بخفة أو بثقل، ولهذا قال بعضهم: الوزن ثقل شيء بشيء مثله، كأوزان الدراهم، وتجدون هذا في الأسواق وغيرها، وكان الناس في السابق يجعلون في الوزن كفتين، أما الآن فلا يحتاجون إلى كفتين، وُجدت الآن موازين إلكترونية، وموازين أخرى، لكن هنا يبين أنهم كانوا يزنون به، والعرب يسمون الأشياء التي يوزن بها التمر وغيره المسواة من الحجارة والحديد يسمونها الموازين، وهي المعايير التي توجد.

стр. 237

معنى الحوض قوله: (والحوض) الحوض هو الذي يجتمع فيه الماء، كما قاله ابن الأثير في النهاية، قال في اللسان: حاض الماء وغيره، أي: حوضاً ويقصد به حاطه، اجعل حوضاًَ أي: أحطه بشيء، ولهذا قالوا: ورد في بعض الآثار عن النبي ﷺ أنها لما نبعت ماء زمزم أخذت هاجر تجعل لها حوضاً، قال النبي ﷺ : (أما إنها لو لم تجعل ذلك لأصبحت عيناً معيناً) أي: تفور، لكن من حرصها ﵂ كانت تحوطه مخافة أن يذهب الماء سدىً ولا تستفيد منه، ولكن لعل لله حكمة في هذا الأمر، وقال بعضهم: استحوض الماء، أي: اجتمع.

стр. 238

معنى رياً وقوله: (رياً) قال في لسان العرب: روى من الماء من اللبن يروي رياً وروياً، قالوا: والريان ضد العطشان، أي: كأنه يريد أن يشرب منه ويتروي، أي: يزيل العطش الذي أصابه، والعطش الذي يحدث للإنسان لا شك أنهم وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وأخبر أنه يخرج منهم العرق ويحتاجون للماء، فلهذا هو يريد أن يشرب من هذا حتى يرتوي ويذهب العطش الذي أصابه.

стр. 239

معنى النهل وقوله: (أنهل) قال في اللسان: النهل هو أول الشرب، ويقال: أنهلت الإبل أي: هو أول سقياها، أي: شربت في أول ما شربت، ونهلت إذا شربت في أول الورود، أي: أول ما تصل تشرب، ثم تنطلق، ثم تشرب مرة أخرى، فأول ما تشرب هو النهل، فكأن المؤلف يدعو ربه أن يجعل أول ما يشربه هو من ماء هذا الحوض العظيم الذي نسأل الله جميعاً أن يجعلنا ممن يرد هذا الحوض ويشرب منه. ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 240

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الخامس عشر) يوم القيامة أحداث وأهوال فالكفار لهم حال والمؤمنون لهم حال فيحاسب الناس على ما قدموا، ثم تتطاير الصحف، فآخذ لصحيفته بيمينه يطير بها فرحاً، وآخذ بشماله يتكبد حسرة وندما ثم يؤتى بالميزان وأدلة إثباته كثيرة، وقد اختلف العلماء في ماهية الوزن وكيفيته. والحوض ثابت بالكتاب والسنة، وصفته وموقعه ومساحته معلومة في الآثار. والصراط جسر ممدود على متن جهنم ويمر الناس عليه على قدر أعمالهم. وقد خالف في كل ذلك بعض الطوائف ممن أعمى الله أبصارهم وطمس على بصائرهم، وفي هذا الدرس تجد إثبات ذلك والرد على المخالفين.

стр. 241

من أحداث وأهوال يوم القيامة الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلعلنا تكلمنا عن بعض ما يتعلق باليوم الآخر، وشرحنا قول المؤلف ﵀ حلاً لعبارته: وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه رياً أنهل وتكلمنا عن بعض أحداث يوم القيامة إمراراً سريعاً دون تفصيل؛ نظراً لأن هذه الأحداث قد تطول بنا. وبينا أن الله يبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وأن هذه الأرض التي نعيش فيها ليست هي أرض المحشر، وإنما تكون بيضاء كالفضة ولم يعص الله فيها أبداً. ويصبح الناس على أحوال، فالكفار لهم حال، والعصاة لهم حال، والمنافقون لهم حال، والمؤمنون لهم حال، فأما الكفار فالله قد بين حالهم يوم القيامة، وأن وجوههم مسودة، وما ذلك إلا لكفرهم وإشراكهم وإلحادهم بالله تعالى. وهؤلاء الكفار قد توعدهم الله تعالى بوعيد، وأصبحوا يشاهدون ذلك الوعيد وينتظرون متى يحل بهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] وهذا الكلام حين الحشر والعرض على الله . - وطائفة من الناس وهم عصاة المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فجمعوا بين أمرين: السيئات والحسنات، فهؤلاء تبقى مغبة الذنوب أمام أعينهم، وخاصة الذين لم يتوبوا من الذنوب والمعاصي، أما من تاب من الذنوب والمعاصي فنحن نعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أصلاً، وهذا من رحمة الله تعالى بالمؤمنين أنهم يذنبون فيتوبون فيتوب الله عليهم، وبين لنا أحوال هؤلاء الذين ماتوا، فممن بين الله لنا: أهل الزكاة، وما يكون من حالهم، وأن أموالهم التي كنزوها فإن كانت ذهباً وفضة فتكوى بها جنوبهم وجباههم وظهورهم، وكذلك بين لنا حال صاحب الربا الذي يتخبطه الشيطان من المس، وبين لنا كذلك حال المتكبرين، أولئك الذين تكبروا على الله وتكبروا على الخلق، وأنهم يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم وغيرها من الذنوب. وبين لنا كذلك حال المؤمنين الأتقياء، وأن منهم طائفة وهم أعلاهم سبعين ألفاً، هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لا يصابون بشيء، وهذا من فضل الله تعالى ومن رحمته، ولا شك أن هؤلاء الذين هم أعلاهم لا يحصل لهم شيء منهم من هم أقل منهم رتبة، وكما بين أن الشمس تدنو من الخلائق ويخرج منهم العرق، ويصبح العرق في الناس على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى أنصاف ساقيه، إلى ركبتيه، إلى حقويه، إلى ترقوته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، أي: كاللجام في فمه، وهؤلاء على حسب ذنوبهم وتقصيرهم يحدث لهم مثل هذا الأمر. ومن أحداث يوم القيامة: أن الناس يحاسبون على ما قدموا، وقد ورد عن النبي ﷺ أن أول ما يحاسب عليه العباد الصلاة، فإذا صلحت صلح سائر العمل، وإذا فسدت -نعوذ بالله- فسد سائر عمل الإنسان. ويصبح الناس في حال الحساب أقسام أربعة: القسم الأول: يحاسبون حساباً شديداً، يدقق عليهم في كل شيء -حساباً عسيراً- وهؤلاء هم الكفار، والملاحدة والمشركون. القسم الثاني: يحاسبون حساباً ولكنه ليس كحساب الكفار، ويدخل فيه عصاة المؤمنين، فإن هؤلاء يحاسبون على أعمالهم، من المعاصي والفجور الذي وقع منهم. القسم الثالث: لا يحاسبون أبداً وهم السبعون ألفاً، ومن رحمة الله تعالى أن أعطى نبيه مع كل ألف سبعون ألفاً، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته. القسم الرابع: وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وهو ما يسمى بقضية العرض، وهو العرض على الله تعالى، تعرض الذنوب ثم بعد ذلك يقرر بها الإنسان، ويعترف بها، ثم يقول الله: (إني سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم) وهذه من رحمة الله تعالى بالمسلم أن يكون من هؤلاء القوم إذ أنه تقرر ذنوبه، وفي بعض الروايات: أن هؤلاء يحصل لهم أنها تبدل سيئاتهم حسنات، فالسيئات التي عملوها في الدنيا تنقلب إلى حسنات، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته. ذكر بعض أهل العلم أن بعد الحساب تتطاير الصحف، فمن الناس من يأخذ كتابه بيمينه، ويطير به فرحاً ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] ومن الناس من يأخذ كتابه بشماله ووراء ظهره، وعند ذلك يحدث لهؤلاء القوم بسبب تطاير الصحف فليس للإنسان خيار، فالإنسان له حركة في الأخذ والعطاء، لكنه عند تطاير الصحف ليس له خيار، تتجه الكتب لأهل الإيمان والصلاح فيأخذونها بأيمانهم، وذاك لا يستطيع أن يمد يمينه، وإنما يأخذها بشماله، ولا شك أن هذه عقوبة لهم، بل هذا نوع وجزء من عقوبة الله تعالى لهؤلاء القوم.

стр. 242

مسائل متعلقة بالميزان ثم يحدث بعد إيتاء الكتب أن يؤتى بالميزان، وقضية الميزان هي من أحداث يوم القيامة، ولذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأقر بالميزان) ومقصوده في إقراره أنه يعترف ويعتقد بالميزان ولا ينكره، وقد ذكرنا أن الإقرار هو أعظم الأدلة في إثبات الحق، ولهذا يسمى سيد الأدلة، فالشيخ رحمه الله تعالى يذكر قضية الميزان، وإعطاؤنا الميزان، والصراط، والحوض، والنار وغيرها، هذه نعتبرها من الأحداث الغيبية، ويسميها بعض العلماء (السمعيات) أي: أنها لا تؤخذ إلا من النصوص، ولو لم يرد لنا نص في قضية الوزن ما أثبتناه، ولو لم يرد لنا نص في إثبات الصراط ما أثبتناه، وليس للعقل فيها مجال أبداً، وتصبح من الأمور التوقيفية، ويوزن الناس يوم القيامة.

стр. 243

اختلاف العلماء فيما يوزن اختلف العلماء في الذي يوزن على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الذي يوزن هو العمل ويستدلون لذلك بحديث ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله بحمده، سبحان الله العظيم) وهذا يدل على أن هذه الأعمال توزن. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق) وهذا يدل على أن حسن الخلق عمل، وهو الذي يوزن يوم القيامة وهذا عمل. القول الثاني: أن الذي يوزن هي الصحائف، ويستدلون على ذلك بحديث صاحب البطاقة، فإن صاحب البطاقة يؤتى به يوم القيامة وله تسع وتسعون سجلاً كلها مد البصر، ويقال له: أتنكر هذه؟ فلا ينكر شيئاً منها، ويقال له: هل لك حسنة؟ قال: لا، فيقول الرب: إنك لا تظلم اليوم، ثم بعد ذلك يؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع لا إله إلا الله في كفة، ثم توضع البطاقة في كفة، فتطيش بها بطاقة لا إله إلا الله، قالوا: فهذا وزن للصحف التي تكتب، ودل على أن الإنسان تكتب عليه الملائكة كل عمل يعمله في هذه الدنيا في صحف، ثم بعد ذلك توزن يوم القيامة. القول الثالث: أن الذي يوزن هو الشخص نفسه، العامل نفسه، ويستدلون لذلك بحديث ورد عن النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل السمين فيوضع في الميزان يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة) ويستدل له كذلك بما ثبت عن النبي ﷺ أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه كان يجني للنبي ﷺ الأراك، وقد كان ﵁ وأرضاه دقيق الساقين، وربما كشفت الريح عن ساقيه وفي بعضها أنها تكفأه الريح، فرأى الصحابة دقة ساقيه، فضحك أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم النبي ﷺ : (مم تعجبون؟ قال الصحابة: يا رسول الله! نضحك من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : إنهما لفي الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد) . وبعض الطوائف ذهبت إلى أن الأعمال لا توزن أصلاً، وقالوا: لأن الأعمال أعراض وليست أجساداً، ولكن هذا اعتراض عقلي، وقاعدتنا في الأمور الغيبية التسليم لما ورد في النصوص، فلا مجال للعقل فيها أصلاً، والله قادر على أن يجعل الشيء الذي يسمى عرضاً أن يجعله شيئاً محسوساً كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن ثم قال: فإنه تقدمه الزهراون البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كطير صواف تحاج عن صاحبها) فكيف يكون هذا. هو عرض -قراءة قرآن- ومع ذلك تحاج له، وبين النبي ﷺ أن القرآن حجة لك أو عليك، أي: تستفيد منه يوم القيامة، مما يدل على أن قول الذين قالوا: إن الأعمال لا توزن قول غير صحيح، بل هو مخالف لما دلت عليه النصوص. وجمع بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى جمعاً لطيفاً هنا، وقالوا: إنه لا مانع من أن توزن الثلاثة كلها، يوزن العمل، ويوزن العامل، وتوزن الصحف؛ لأن كل واحد منها قد دل عليه النص، ولا مانع من أن يحدث هذا الأمر كله، وهذا هو الذي يرجحه شيخنا العلامة، وقد أومأ إليه الإمام حافظ الحكمي، وجمع بعض العلماء رحمهم الله تعالى إيماءً إلى أن النصوص كلها ورادة، ولا تعارض بين هذه الأقوال.

стр. 244

ماهية الميزان مسألة: الميزان هل هو حسي أم معنوي؟ الصحيح أن الميزان حسي وليس ميزاناً معنوياً، وقد وردت أحاديث تبين أن هذا الميزان له لسان وكفتان، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، ثم يوزن الإنسان أو عمله أو الصحف التي وردت، فأصبح هذا الميزان حسياً وليس معنوياً، وبعض الذين لا يقبلون هذه النصوص ولا يؤمنون بها كما سيأتي أن المعتزلة أنكرت قضية الوزن أصلاً، وقالوا: الله عالم بهذا الأمر فلا يحتاج إلى قضية الميزان، ولكن هذا الكلام باطل؛ نظراً لمخالفته لما دلت عليه النصوص، والله يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦-٧] ويأتي في المقابل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨-٩] دل على أن الوزن للحسنات وللسيئات. الميزان للإنس والجن سواء، وليس خاصاً بالإنس وحدهم، والسبب في ذلك إذا ذكرنا الحكمة من الوزن يتبين أن من الحكمة إظهار عدل الله تعالى، وأنه لا يظلم عنده أحد أبداً، والله قد قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] مثاقيل الذر تعملها تجدها أمام عينيك، وعلى العكس أن مثاقيل الذر من الشر ستجدها أمام عينيك لن تظلم إطلاقاً، مما يدل على أن هذا الخطاب للإنس وللجن سواء، والله هو العدل الحكم سبحانه، وإن لم يحدث لكن بإقامة الحجة على الناس.

стр. 245

وزن أعمال الكفار مسألة: هل توزن أعمال الكفار أم لا توزن؟ الجواب: اختلف العلماء فيها، فمن العلماء من قال: إنها لا توزن أصلاً، ولا حاجة لوزنها، قالوا: لأن الكفار ليس لهم أعمال توزن، والله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان:٢٣] خاصة من الأعمال الصالحة ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] لا يستفيدون منها شيئاً، فما دامت هباء منثوراً، فلا يستفيد الكافر منها شيئاً، فما الذي يوزن، كله سيئات فهو يقحم في النار مباشرة. ومن العلماء من قال: إنها توزن وإن لم يكن له شيء من الحسنات إلا أن سيئات الكفار تختلف ويختلف الناس فيها، فمن الناس من سيئاته أعظم وأكبر من غيره، فهذا يجعل له عقوبة أشد، ومن الكفار من تكون عقوبته أقل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عم النبي ﷺ أبي طالب، حيث أنه عمل أعمالاً فخفف عنه العقوبة يوم القيامة، ولهذا ذكر الإمام ابن القيم تنبيهاً لطيفاً، وأظن أنه ذكره شيخ الإسلام ﵀، من التنبيه الذي ذكره قال: إن مشروعية جهاد الكفار حتى ولو أدى إلى قتلهم هذا من رحمة الله تعالى بهم، حيث أنهم لو عاشوا لازدادوا في السيئات والذنوب، فيقحمون في النار أكثر، وتزداد عقوبتهم حتى لو أدى إلى قتلهم، فدل على أن وجود الوزن أن هؤلاء وهؤلاء يوزنون ولكن شتان بين ميزان أهل الإيمان وميزان الكفار.

стр. 246

صفة الميزان مسألة: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في صفة الميزان أنه ميزان حقيقي ذو كفتين وله لسان، وذكر بعض أهل العلم صفات الميزان وسعته وشكله، وأمور نحن في حاجة إلى نص ثابت من كتاب وسنة ولم نجد، ولكن نثبت الميزان ونعرف مدلوله ومعناه، ونقول: إنه ميزان حقيقي، وأما التفاصيل فلا عبرة إلا بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 247

عدد الموازين مسألة: اختلف العلماء في الموازين، هل هي ميزان واحد أم أنها موازين متعددة؟ فبعض أهل العلم يقول: إنها ميزان واحد، وهذا لجميع الأمم كلها، وتأتي مسألة: كيف توزن الأعمال كلها وهو ميزان واحد؟ نقول: هذه من الأمور الغيبية، وقاعدتنا في الأمور الغيبية أننا لا نحكم الذهن فيها أبداً، ونسلم أن هناك ميزاناً توزن به أعمال العباد. والقول الثاني: أن لكل أمة ميزاناً. والقول الثالث: أن لكل واحد من المكلفين ميزاناً خاصاً به، وهذا القول نقل عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. وذكر بعض أهل العلم لما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] قال: هناك موازين للأعمال، وموازين للأقوال، وموازين للاعتقادات، وهذه تفاصيل تحتاج إلى نصوص تفصل تلك وتبينها، والأصل أننا نثبت الموازين ونثبت الميزان، والتدقيق والتفصيل فيه يحتاج إلى بينة.

стр. 248

الحكمة من نصب الميزان يوم القيامة عندنا من المسائل المتعلقة بالميزان: الحكمة من قضية الوزن، مع أن الله مطلع على أعمال العباد وعارف بها، فلماذا إذاً توزن هذه الأعمال مع أن الله عالم بهذه، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى الحكمة فيها، منهم من قال: تعريف العباد بما لهم من الجزاء والأعمال، ولو سئل كل واحد منا الآن: اذكر السيئات التي عملت فقط؟ قد لا نذكر إلا الجرائم العظام فقط، وما عداها من السيئات ننساها، فجيء بالميزان لأجل أن يرى الإنسان ما عمله من بداية تكليفه إلى أن توفي، يراه أمام عينيه، ولهذا جاء في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ، فيُعرِّف الله تعالى عباده بما عملوه من خير أو شر. ومنهم من قال: لإظهار عدل الله , وأنه الحكم العدل، وأن الناس لن يظلموا عنده أبداً: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: أن الله لن يضيع الإنسان. ومن العلماء من قال: إن الناس لو دخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، لقال صاحب الجنة: إني دخلت هذه بما قدمت من الأعمال والدرجات وغيرها، وأنا أستحق بعملي، ولقال العاصي عند ذلك: إني دخلت هذه النار بسبب أني قد أكون ظلمت، وقد أدخلت هذه النار بسبب أعمال لا تستحق، لكن إذا جعلت الموازين، والناس يشاهدون هذا الوزن، ويرون الصغير والكبير يعرض، يطمئن الإنسان بعدها، فمن دخل الجنة -ونسأل الله أن نكون من أهلها- فرح وسعد، ومن دخل النار -نعوذ بالله منها- يكون قد علم أنه إنما دخل ذلك بسبب ما قدمت يداه في هذه الحياة الدنيا.

стр. 249

مسائل متعلقة بالحوض ذكرنا أن الحوض هو مجمع الماء، وبالنسبة للحوض هنا فإن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يثبت حوض النبي ﷺ ، وحوضه ﷺ ثابت في الكتاب والسنة، وقد دلت عليه النصوص الكثيرة، وذكر العلماء أنه قد روي فيه عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، تصل إلى بضع وخمسين حديثاً عن الصحابة منهم الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم.

стр. 250

أدلة ثبوت الحوض مسألة الحوض وإثباته قلنا: النصوص صريحة، فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين وغيرهما أنه قال: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -أي: كئوسه- كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً) وهذا الحديث ثبت عن النبي ﷺ ، مما يدل على أن هذا وارد وثابت، وذكر بعض أهل العلم أنه يشهد له قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أغفى إغفاءة، ثم أفاق ﷺ وقرأ على الصحابة هذه السورة وهو يتبسم، وذكر العلماء أن هذه تدل على الحوض، والمفسرون رحمهم الله تعالى في كتب التفسير يذكرون الحوض عند هذه السورة، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الكوثر هو الخير الكثير، ومن الخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ الحوض، بل هو من الأمر العظيم الذي يجب الإيمان به والتسليم له. قضية الحوض وإثباته نقول: الناس يردون على حوض النبي ﷺ ، وورود الناس على حوض النبي ﷺ بسبب الظمأ الذي يصيبهم، ويقف النبي ﷺ ويقول: (أنا فرطكم على الحوض) أي: مقدمكم، وينادي النبي ﷺ أمته لأجل أن يأتوا إليه، ويصبح النبي ﷺ كأنه يناول هؤلاء القوم، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، والنبي ﷺ وهو عند الحوض يقف فيجد أناساً تفد إلى الحوض ومع ذلك الملائكة تجذبهم فلا يأتون إليه، فيقول: (أصحابي أصحابي) ينادي ربه: هؤلاء أصحابي، فيقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) بمعنى: أنهم غيروا ما كنت عليه من المنهج، فيقول النبي ﷺ : (سحقاً سحقاً) أي: بعداً بعداً لهؤلاء القوم الذين غيروا ما جئت به، ونعوذ بالله أن نكون ممن يذاد عن حوض النبي ﷺ .
следующие страницы →