← Акыда

Акыда · id 7734

شرح لامية ابن تيمية

عمر العيد

Полный текст (347 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السمة السادسة: إطلاق الألفاظ القبيحة على أهل السنة إطلاق الألفاظ والألقاب الخبيثة على أهل السنة؛ للتنفير منهم، ولعلنا سمعنا ما كان يقوله الكوثري في شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعاً، فهم إذ يطلقون هذه الكلمات؛ لأجل أن ينفر الناس منهم، وكم نسمع في واقعنا المعاصر، تأتي إلى صاحب قبرٍ يدعوه من دون الله، وربما يذبح له ويطوف حوله، وتقول له: هذا الأمر لا يجوز، يقول لك تلقائياً: أنت وهابي، بمعنى أن هذا الوصف ذم عندهم، ونقول: رويدك! فليس وصف ذم، بل هو منهج ما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ . ولهذا قالوا عن أهل السنة: حشوية، ونواصب، ومجسمة، وبأنهم وبأنهم ألفاظ، حتى إذا سمعها إنسان نفر منهم وابتعد، وسبحان الله! كم نجد من الناس حين تناقشهم يقشعر جلودهم لأنه يقول: أنت على غير المنهج الذي أنا عليه، وأتذكر في حجنا في العام الماضي وجدنا شخصاً في يوم عرفة في يده تميمة وفي رقبته تميمة، وجئنا به وأخذناها وفتحناها وذكرنا له، فما استطاع أن يقول شيئاً غير أن قال: أنا أخدتها من المولوي، وأنا أتبعه ولا أتبعكم. وكأن معه أحداً أوحى إليه إيحاءات بأن هؤلاء وهابية لا يحبون هذه الأمور، وما علم أن الواجب علينا أن ندله على الخير وأن ننقله من هذا الشرك الذي تعلق قلبه به، وهذا من الخطأ ومن الجهل أن يوصف أهل السنة بهذا الأمر، وقد ذكر ذلك الإمام البربهاري ﵀ في شرح سنته، وإسماعيل الصابوني ﵀ في عقيدة السلف أصحاب الحديث، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم وغيرهم.

стр. 37

السمة السابعة: عدم اتباع مذهب السلف تجد بعض الناس يستحي أن ينتسب لـ سلف الأمة، ولا يرى أنه شرفاً له ومنقبة أن يسير على ما سار عليه الطراز الأول، وعلى ما سار عليه من كان على هدى وعلى صراط الله المستقيم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ . إن كثيراً من الناس ينتسبون إلى رجال، فـ المعتزلة تنتسب إلى واصل بن عطاء. والجهمية ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، وغيرهم من الطوائف الجعدية، والبيانية، وطوائف أخرى تنتسب إلى أشخاص ورجال، لكن أهل السنة والجماعة ينتسبون إلى المنهج، وإلى سلف الأمة رحمهم الله تعالى من الصحابة ومن سار على هديهم.

стр. 38

السمة الثامنة: تكفير وتبديع من خالفهم ولهذا ذكرنا أن الكوثري ومن سار على نهجه يكفرون من خالفهم على منهجهم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منهاج السنة النبوية في رده على الرافضة قال: والعجيب من أهل البدع أنهم يبتدعون البدعة، ويكفرون من خالفهم عليها، هم المبتدعون في الأصل، ويكفرون من لا يسير على بدعتهم، ولا شك بأن كلا المقدمتين قبيحة: المقدمة الأولى: أنهم جاءوا ببدعة لم تكن لها رصيداً من كتاب ولا سنة. المقدمة الثانية: التكفير من أجلها مع أنه لا رصيد لها من كتاب ولا من سنة، ولا رصيد لها من منهج أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 39

كيفية معرفة المبتدع أقول للأحبة تأصيلاً عاماً: ما ذكرته مقدمات للقراءة في كتب العقائد، ولعلي أذكر كيف تستطيع أن تميز هذا العالم وهذا الكاتب أنه من سلف الأمة أو ليس من سلف الأمة، ويكون ذلك عن طرق متعددة، وأولها: أن تبحث في كلامه أو في كتابه في باب الأسماء والصفات، فإذا وجدته يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] وجاء أمر ربك، أو: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] نعمته أو قدرته، فاعلم بأنه مبتدع، وليس على منهاج أهل السنة والجماعة. إذاً: الأمر الأول: أن أبحث عن آيات الصفات وأنظر كلامه أو كتابته فيها، فإن أوّل صفة واحدة أقف في حذر منه، وأعلم بأنه لم يسر على ما كان عليه سلف الأمة. الأمر الثاني: أن أبحث عن كلامه في خبر الآحاد، فالمبتدعة يرون أن خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، ويرون أنه ظني الدلالة، ولا يفيد العلم، ولا يؤخذ لله من النصوص الواردة في الأسماء والصفات، ولا شك أنه إذا قال: خبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد، أو أنه ظني الدلالة لا يعمل به وإنما يعمل به في باب الأحكام دون العقائد، علمت بأن هذا ليس على منهج سلف الأمة. الأمر الثالث: كلامه في مبحث القضاء والقدر، هل هو يقول بالكسب فيكون أشعرياً، أو يقول بالجبر فيكون من الجبرية، وأن كل هذا بقضاء الله وقدره، أو يقول: إن الإنسان خالق لفعله، فاعلم أنه معتزلي، ويصبح مبحث القضاء والقدر من المباحث المهمة التي يتميز بها، أو يمكن تميز صاحب الكتاب وغيره. الأمر الرابع: مسألة التحسين والتقبيح، وهي من المسائل التي تكلموا فيها في العقائد، وفي أصول الفقه، فإذا كان يقول: إن التحسين والتقبيح عقليان فقط، فاعلم بأنه معتزلي، أو يقول: إن التقبيح والتحسين شرعيان فقط فاعلم أنه أشعري وأنه ليس على منهاج أهل السنة والجماعة وإن قال بأنه يكون عقلياً ويكون شرعياً وفصل فيه، علمت بأنه سلفي في ذلك الأمر. الأمر الخامس: مبحث الإيمان: فإن قال: إن الإيمان قول فقط، أو قال: الإيمان قول واعتقاد، أو قال: الإيمان هو المعرفة، أو قال: الإيمان ليس إلا مجرد الذي يوجد في القلب وهو الاعتقاد كقول الماتريدية، علمت أنه مبتدع، لكن إذا قال: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، علمت أنه على منهاج سلف الأمة وهذا هو منهجه. وتوجد علامات غير هذه كثيرة يمكن التمييز لطالب العلم حين يقرأ في أي كتابٍ يبحث عن هذه بسهولة، ويستطيع أن يعرف الكاتب وما قرأه. ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 40

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الثالث) كان سلف الأمة الأخيار إذا أتاهم نص في مسائل الاعتقاد تلقوه بالتسليم والانقياد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع من عرض النصوص على عقولهم، فما قبلته أخذوه وما لم تقبله ردوه. والتوحيد تعريفه وأقسامه وأهميته في منهج أهل السنة واضح للعيان، وما ورد من شبه حول تقسيمه مردود ممن كان.

стр. 41

من آداب طلب العلم الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: لعلي أتكلم عن أدبين من آداب طلب العلم، وقد تكلمت فيما سبق عن أدب وهو إخلاص النية في الطلب، وأن طالب العلم يجب أن يعلم أنه في عبادة، والعبادة لا بد فيها من إخلاص النية حتى يستفيد الإنسان منها، وتكون في ميزان حسناته.

стр. 42

من آداب الطلب: طهارة الباطن والظاهر أن يشتغل طالب العلم بطهارة باطنه وظاهره من شوائب المعاصي والمخالفات لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وخاصة أن النفس قد جبلت على أخلاق رديئة، وفيها من الصفات ما تحتاج إلى نزعها منها حتى يكمل الإنسان ويشرف، ويعلو ويتطهر بما جاء من شرع الله ومن سنة رسوله ﷺ . وكم في النفس من الأخلاق الذميمة مثل الغضب، والشهوة المحرمة، والحقد، والحسد، والعجب، والكبر وغيرها من الأمراض التي تحتاج إلى علاج. وسبحان الله! تلك الأمراض هي ظلمة في القلب، والعلم الذي يأخذه الإنسان هو نور، ولا يمكن أن تجتمع الظلمة مع النور اجتماعاً كاملاً، ولذلك قيل: القلب المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبال النور، ولا تحدث بركة العلم فيه كاملة. وقد ذكروا أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حفظ الموطأ عند الإمام مالك في أيام، ولعله في أسبوع أو أكثر من ذلك، فقال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي ولذلك ربما يكون الإنسان حافظاً، وذا اطلاع وفهم وإدراك ومعه معصية لكن العلم الذي معه لا تحدث بركته فيه، فلا يستفيد الناس منه، ولا يستفيد منه بذاته شيئاً يثمر به، ولهذا وجب على الإنسان أن يطهر نفسه من أدران المعاصي صغيرها وكبيرها. ونبه العلماء رحمهم الله تعالى على أن من الواجب على المسلم أن يطهر نفسه من أدران البدع التي ربما توجد عند بعض الناس، سواء كانت تلك البدع صغيرة أو كبيرة، وهذا هو الواجب، وكما قال النبي ﷺ : (ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد) ثم قال النبي ﷺ : (ألا وهي القلب) والقلب هو موطن العلم، وبركته إنما تصدر من القلب إذا نفع الله به، وكان طلب العلم فيه إخلاص، وابتعاد عن المعاصي.

стр. 43

من آداب الطلب: تفريغ القلب للعلم يجب أن يبتعد الإنسان عن العلائق التي تكون سبباً لصرفه عن العلم، ولذلك كم من الناس من يبحثون عن أمور تملأ فراغهم، وربما يملئونها بأمور تشغلهم عن الأفضل، وعن الاستفادة والعلو والارتفاع إلى الأكمل، ولذلك تجد كثيراً من الناس ربما يشتغل بالمفضول عن الفاضل، وربما يشتغل بالمباح عن الواجب، وبالمستحب عن الأمور الواجبة، وكم من الناس من يضيعون أوقاتاً في أمورٍ لا يستفيدون منها، وإنما تحدث لهم ملء فراغٍ لا ينتقلون منها إلى الأكمل والأفضل. ولهذا لم يكن السلف رحمهم الله تعالى يؤثرون على العلم شيئاً أبداً؛ لأن ثمرة العلم لا يوازيها جلوس مع الناس، ولا حديث، ولا زيارة، ولا اتصال ولا غيره، والعلم علو كامل وثمرة واضحة على صاحبها يستفيد منها في الدنيا والآخرة، ولهذا قالوا: ينبغي للإنسان في قضية الطلب أن يذل نفسه، وقالوا: لن يصل الإنسان إلى العلم ويستفيد منه مع عزة النفس وارتفاعها، بل لا بد من الذل، وأن يصبح الإنسان يقضي وقته كله في العلم. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك، ولا عز النفس فيفلح، ولكن إذا طلبه بذل النفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء، فإنه يفلح في الدنيا والآخرة. لذلك كان أبو هريرة ﵁ وأرضاه يلازم النبي ﷺ على ملء بطنه، ما كان يشتغل بالضرب في الأسواق، ولا بجمع المال ولم يكن يشتغل فيه، ولا يتحدث بحديث الناس، ولا بحديث الركب، جل وقته للعلم، حتى كان ﵁ وأرضاه ربما أغمي عليه من قلة أكله وزاده ﵁، كله لزوماً للنبي ﷺ ، وحرصاً على ذلك، ولذلك روى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة ﵁: إن الناس يقولون: [أكثر أبو هريرة، ثم قال: إني كنت لا ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق ببطني الحصى من شدة الجوع] ﵁. وأعظم من ذلك أحد كبار الصحابة ابن عباس ﵁ وأرضاه، كان يأتي إلى الصحابي يريد أن يسأله عن مسألة فلا يقرع عليه الباب تأدباً معه، وربما كان في الظهيرة ويدركه النوم وينام على عتبة باب هذا الصحابي، ويخرج ويجد ابن عم رسول الله هنا، ويقول: لِمَ لم تقرع ولِمَ لم تستأذن؟ قال: هكذا أمرنا أن نتأدب مع علمائنا. صبراً وتحملاً في الطلب، وعدم إزعاجه لأصحاب رسول الله ﷺ . يقول ابن جماعة رحمه الله تعالى: على طالب العلم أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخداع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من حياة الإنسان ومن عمره لا يمكن أن يبدلها، ولا يمكن أن يعوض عنها، وعليه أن يقطع ما يقدر من العلائق الشاغلة. كثير من الناس قسموا أوقاتهم ليلة في الأسبوع هذه لجلسة كذا، وليلة أخرى لزيارة وغيرها، وثالثة لجلوس مجالس ربما يضيع وقتها ولا يستفيد منها. كان السلف يقطعون علائقهم كلياً، والسبب: لانشغالهم بذات العلم، وقالوا: إن ذلك من تمام الطلب أن يقطع الإنسان العلائق، وأن يبذل الجهد، وأن يقوي نفسه بالجد والتحصيل ليستفيد، ولذلك كان السلف رحمهم الله تعالى يغتربون في طلب العلم، ويبتعدون عن الأهل والأوطان؛ تفريغاً لأنفسهم في تحصيل العلم، ولذلك قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. وعجباً من كثير من الأحبة! يجعلون للعلم فضالات أوقاتهم، فإذا لم يجدوا شغلاً في أمورهم الذاتية وفي حاجاتهم النفسية وفي علائقهم، قالوا بعد ذلك: هذا الوقت سنجعله للعلم. وربما يجعل أحدهم درساً في الأسبوع، وينظر لنفسه أنه قد فاق تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء زمانه، ويقول: جعلنا للعلم وطلبناه وسرنا له واستفدنا منه، وما علم أنه ما حصّل إلا جزءاً يسيراً، ولا نقول: إنه لم يستفد علماً، لكن علمه الذي حصله لم يكن له ثمرة كما يحدث لمن سافر في طلب العلم واغترب. أذكر قصة لطيفة من اللطائف: كنت أقرأ في أحد الكتب، فذكر أن هذه هي عقيدة الإمام أحمد ﵀ وبقي بن مخلد وغيره، بقي بن مخلد رحمه الله تعالى هو ممن سافر إلى الإمام أحمد وهاجر إليه، وذكروا أنه جاء من الأندلس، ولد في رمضان سنة (٢٠١هـ) ورحل إلى الإمام أحمد من الأندلس إلى أن وصل، ولما قرب من ديار الإمام أحمد علم بأن الفتنة قد قامت بخلق القرآن، وأن الإمام أحمد لا يستطيع أن يحدث بحديث رسول الله في المسجد، ولا يستطيع أن يبين عقيدةً؛ نظراً لأن المعتزلة كان لهم الحكم والصولة والجولة، وكانت الخلافة قد أخذت برأي المعتزلة، فحوصر ﵀ عن التحديث. يقول: لما قربت من بغداد اغتممت غماً شديداً، والسبب: أني قدمت من الأندلس؛ لأطلب العلم على يد الإمام أحمد، ولما علمت بأني سأمنع حزنت لذلك أشد الحزن، قال: فلما دخلت بغداد استأجرت لي حانوتاً وأنزلت متاعي ثم ذهبت إلى المسجد، فأتيت الجامع الكبير، وأنا أريد أن أجلس إلى الخلق، وأتعلم من كبار أئمة السلف، وأتذاكر معهم، قال: فجئت إلى حلقة نبيلة، وإذا برجل جالس في الحلقة يكشف أحوال الرجال، ويضعف هذا ويقوي هذا، فسألت: من هذا الرجل؟ قالوا: إنه يحيى بن معين ﵀، فرأيت فرجة قريبة من عنده فاندسست حتى وصلت إليه، فقلت له: يا أبا زكريا! رحمك الله رجل غريب نائي الدار، أردت أن أسأل فلا تستخفني في شيء، ثم سأله عن بعض أهل الحديث، فبين له ضعفهم وغيره، قال: فسألته عن هشام بن عمار رحمه الله تعالى، وكنت قد أكثرت من الأخذ عنه؟ فقال يحيى بن معين: أبو الوليد هشام بن عمار صاحب صلاة، دمشقي ثقة وفوق الثقة، قال: ففرحت؛ لأنه قد حكم عليه بصلاحه وبتوثيقه، ثم سألته عدة أسئلة، قال: صاح من حوله يكفيك، كمن يسأل ويلح على الشيخ، يكفيك فغيرك كثير يريدون أن يسألوا. ثم سألته عن الإمام أحمد، وعجب يحيى بن معين رحمه الله تعالى ونظر إلي كالمتعجب وقال لي: ومثلنا نحن نكشف عن الإمام أحمد، أي: هل نحن نتكلم في الإمام أحمد أو نقول فيه شيئاً؟ إن ذاك إمام المسلمين، وخيرهم وفاضلهم ﵀. ثم قلت: دلوني على منزل الإمام أحمد، قال: فسرت إليه، وقرعت الباب، وكان بيته مراقب لا يستطيع أحد الدخول عليه، ثم أخبرته بخبري، وقلت له: يا أبا عبد الله، رجل غريب نائي الدار، جاء من بعيد، وإني أريد أن أدخل إليك، وإني طالب حديث ومفيد سنة، أي: أنني أرغب أن أستفيد، ولم تكن رحلتي إلا إليك، أي: ما قدمت من الأندلس إلا لأجلك، فأدخله الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ثم سألني: من أين أنت؟ قال: جئت من المغرب الأقصى. قال: من أفريقيا؟ قال: من أبعد من ذلك، بيني وبين أفريقيا بحر، جئتك من الأندلس. قال: إن موضعك لبعيد، أي: إن مكانك لبعيد، كيف بهذه الهمة العجيبة. ذكروا أنه مكث سنة كاملة حتى وصل إلى الإمام أحمد، ومع ذلك قدم ووجده لا يستطيع أن يستفيد علماً، ومع ذلك طلب منه أن يعمل حيلة، والقصة بطولها ذكرت في طبقات الحنابلة، وترجم لـ بقي بن مخلد ﵀ ترجمة في مقدمة مسنده، وهو يعتبر من كبار أئمة أهل السنة رحمه الله تعالى. ثم قال له ﵀ بحيلة: إني أريد أن أطلب الحديث عليك، قال: إنك كما ترى، ثم احتال حيلة صنع له ثوباً وكماً طويلاً، ثم كان يضع الدواة والقلم في كمه ويقرع على الإمام أحمد ويقول: الأجر رحمكم الله، وأحياناً يقول: سائل يسأل من فضل الله الذي عندكم، ويدخل إلى الإمام أحمد يروي له حديثين أو ثلاثة أو يزيد على ذلك ثم يخرج، قال: فالتزمته حتى ماتت الفتنة، ومات الخليفة الذي كان يمتحن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك طلبت العلم على يديه، وجلست عنده، وكان إذا رآني الإمام أحمد أجلسني عنده وقص لتلامذته خبري، وما قدمت من أجله، وكان يرى أنني على تميز على التلاميذ، ويذكر لهم ما كنت قدمت من أجله. أصبت بمرض، قال: فجلست في الحانوت أياماً، وفقدني الإمام أحمد، ثم سأل عني فإذا بي مريض، قال: فكنت من شدة المرض مغطى ومسجى بما عليه من اللباس وغيره ﵀، قال: فما شعرت إلا وبلغط في السوق، وبصوت عظيم، والناس يقولون: هذا إمام المسلمين، أي: قدم إليه لزيارته ﵀ ومعه التلاميذ، وكل تلميذ معه دواته وقلمه يكتب ما يقول الإمام أحمد، يستفيدون من علمه في أثناء الطريق بفتوىً أو سؤال أو غيره والناس يقيدون، قال: فدخل علي الإمام أحمد، وعجب أهل الحانوت كلهم لماذا جاء إمام المسلمين هنا؟ قال: وزارني ثم دعا لي بالشفاء وخرج، ثم قال ﵀: فما وجدت أعظم من أهل الفندق الذي كنت أسكنه براً بي وإحساناً، لدخول عالم الأمة لزيارة هذا الرجل الصالح. يقول: فكانوا يمرضونني، هذا يغطيني، وهذا يلبسني، وهذا كذا حتى شفيت، كله ببركة هذا الرجل الصالح، وذلك يدل على منازل علماء السلف رحمهم الله تعالى وكبارهم. وقد قلت عندما تكلمت عن أهمية الطلب والناس في حاجة إلى أمرين: دراسة آداب الطلب، ودراسة سير علماء الأمة وكبارها حتى يعلموا ثمرة العلم وفائدته، وأن هؤلاء العلماء ر

стр. 44

منهج التلقي والاستدلال عند أهل السنة وأهل البدع قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل سبق أن تكلمنا أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يحدث بينهم اختلاف في مسائل العقيدة، كباب الأسماء والصفات، أو مسائل الألوهية ﵏ ورضي عنهم، وأسسنا هذه القاعدة لنعلم أن كل اختلاف حدث بعدهم ليس إلا البدع والانحراف عن صراط الله المستقيم. لقد كان سلف الأمة رحمهم الله تعالى إذا أتاهم نص في مسائل الاعتقاد يتلقونه بالتسليم والقبول، ويقابلونه بالإيمان العظيم والتسليم لله ولرسوله. لم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع من عرض هذه النصوص على عقولهم فما قبلته أخذوه وما لم تقبله عقولهم ردوه، ولم يجعلوا القرآن عضين، بل أقروا بآيات الأسماء والصفات، وعملوا بآيات الأحكام، وساروا على صراط الله المستقيم، حالهم ومنهجهم ﵃ في حال التنازع والاختلاف الرد إلى الله ورسوله ﷺ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] . ولم يكن رده إلى العقول، ولا لأقوال أهل البدع، ولا لمناهج المبتدعة، وإنما كان لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فما حدث بينهم من نزاع أو اختلاف عندهم الكتاب والسنة، ثم ما أسرع ما يرجعون إليه، ويتمسكون به، ولم يكونوا يحكمون الرأي في مسائل الدين والاعتقاد؛ لأن الكتاب والسنة أصل عظيم في مسألة التنازع. لقد نهى السلف رحمهم الله تعالى عن قضية الرأي في الدين. يقول عمر بن الخطاب ﵁: [اتهموا الرأي في الدين] ثم ذكر قصته في صلح الحديبية ﵁: [لقد رأيتني وإني لأرد على رسول الله ﷺ برأيي، وأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل] ﵁ وأرضاه ثم يقول ﵁ محذراً: [إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها] . فكان بعد ذلك أن تفلتت عليهم السنة، فلم يحفظوا منها شيئاً، فعند ذلك أجالوا عقولهم في دين الله تعالى، وأفسدوا الرأي، وأخطره ما كان متعلقاً بباب الأسماء والصفات، وبمسائل القضاء والقدر، وهو الذي حدث فيه الانحراف من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية وغيرهم؛ لأنهم حكموا عقولهم في باب الأسماء والصفات، وفي مسائل القضاء والقدر.

стр. 45

طرق أهل البدع في رد نصوص الكتاب والسنة إن المبتدعة على وجه العموم لما لم يقبلوا الكتاب والسنة وقفوا منهما موقفاً عجيباً! الأول: رد تكذيب رواة الحديث والطعن فيهم، وعدم قبول ما رووه، ولا شك بأنه إذا قُدِحَ في الراوي قدح فيما رواه، وتلك طريقة الروافض، فإنهم قدحوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، وبعدها لم تقبل روايتهم ولن يقبل حديثهم. الثاني: تحريف ما دل عليه النص، يقبلون الحديث ولكنهم يقولون: إن هذا الحديث لا يدل على ما تذهبون إليه، وإنما يدل على معانٍ أخرى، مثلاً: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] يقولون: اليد هنا النعمة ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يقولون: إنها القدرة أو النعمة، وكذلك تجد الرضا والغضب والمحبة يؤولونها تأويلاً لا يدل النص عليه، ولا شك بأن هذا تغيير للنص ولما دل عليه الكتاب والسنة.

стр. 46

تقديم أهل البدع العقل على النقل سبب فساد العالم لا شك أنه تقديم الرأي على الوحي، وكذلك الهوى على النقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب أحد إلا لم يستفد من نور الكتاب والسنة أبداً، ولهذا روى لنا ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه ﵁، أنه كان يقول وهو الإمام أحمد: دين النبي محمد آثار نعم المطية للفتى الأخبار ولربما جهل الفتى طرق الهدى والشمس طالعة لها أنوار وكذلك ما أحسن ما قال بعضهم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه إن كثيراً ممن كان عندهم انحراف في مسائل العقيدة دائماً ينسبون معتقدهم إلى الإمام أحمد، وهنيئاً لهذا الرجل الصالح ورضي الله عنه لموقفه في سنة النبي ﷺ ، ولبيان معتقد أهل السنة، ولموقفه في مسألة القول بخلق القرآن وصموده، وما حصل له ﵁ من الجلد والسجن وغير ذلك، ولكن الله أبقى ذكره وجعله خالداً، وعند أهل السنة والجماعة لا ينسى الإمام أحمد، بل كل إنسان يتشرف بأن كان على عقيدة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه، ولعل السبب في ذلك: أن الإمام أحمد لم يكن رأيه من عند نفسه، وإنما سار على الآثار التي أتته عن رسول الله ﷺ ، وكذلك عن الصحابة الأخيار ﵃ وأرضاهم. ولهذا قال ﵀: هذا مذهب أئمة أهل العلم، وأصحاب الأثر المعروفين بالسنة المقتدى بهم، فيها أدركت من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائغ عما كان عليه سلف الأمة، وهذا هو مذهب الإمام أحمد ﵀، ومذهب بقي بن مخلد، والحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم من كبار سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. عندنا مسألة وهي: كيف يمكن أن نجمع بين العقل والنقل، وهل يمكن أن يتعارض النقل والعقل؟ نقول قاعدة: لا يمكن التعارض أبداً بين العقل والنقل، والسبب في ذلك: أن الذي جاء بالنقل والشرع هو الذي خلق العقل، فما جاء إلا بشيء يصدق ما كان عليه العقل، ولا يمكن أن يُوجد شيء لا تقبله العقول، ولهذا قلنا: إن الشريعة تأتي بما تحار به العقول، لا بما تستحيله العقول، ولئن وجد شيء من التعارض فإننا نقول: لا يخلو من أحد أمرين: الأمر الأول: أن يكون العقل غير صريح، بمعنى: أن العقل فيه شبه وشكوك، وفيه انحرافات وضلال، فعند ذلك لا مانع أن يعارض النقل، فالعقل هو الذي فيه الخلل، والشرع لم يكن فيه شيء. الأمر الثاني: أن يكون النقل غير صحيح، ولا شك أن الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة يمكن أن تعارض العقل، وأما إذا كان العقل صريحاً والنقل صحيحاً فلا تعارض بينهما ولله الحمد، ولئن ضلت المعتزلة في هذا الباب، وانحرفت عنه انحرافاً قوياً، حيث قالت: إن العقل هو الحاكم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا شك أن هذا القول باطل، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى برد مطول في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، وبين انحرافهم، وأنهم لم يصلوا إلى الحق، ولن يصلوا إليه بقولهم حيث حكموا العقل، فلا ندري أنأخذ بعقل المعتزلة، أم بعقل الجهمية، أم بعقل الأشاعرة، أم بعقل الماتريدية أو غيرهم؟ وإنما نقول: نأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهي الحاكمة على ذلك والموضحة له.

стр. 47

سند أهل البدع يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مفهوم كلامه: إن للمبتدعة سنداً، ويسلسله فيقول: عندهم الجهم بن صفوان، عن الجعد بن درهم، عن بيان بن سمعان، عن طالوت، عن لبيد بن الأعصم، وربما بعضهم يقول: واصل بن عطاء، عن جهم، ثم بعد ذلك واصل، عن جهم، عن الجعد، عن بيان بن سمعان، عن طالوت، عن لبيد بن الأعصم، كأنه سند سداسي للمبتدعة، وهؤلاء نعتبرهم أئمة ضلال وانحراف، لم يهتدوا إلى صراط، وإنما كان كل واحد منهم قائداً لفرقة ضالة عن صراط الله المستقيم. ولعلنا نذكر بعضاً من تراجمهم على عجل، فمثلاً: بيان بن سمعان: كان يرأس فرقة تسمى البيانية، وهي من غلاة الرافضة، يقال: بيان بن سمعان التميمي مولاهم، أصله من سواد الكوفة، قالوا: كان تباناً، ويبدو أن التبن خير من عقله وما عنده، قالوا: وهو يعتبر من الغلاة، وهو من الباطنية، قبض عليه خالد بن عبد الله القسري ﵀، وسبحان الله! خالد بن عبد الله القسري لما ترجم له الإمام الذهبي في سير أعلامه ذكر أنه عنده حدة وظلم، ولكن لعلنا نقول ظلمه كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾ [الأنعام:١٢٩] فسلط الله الرجل على قيادات وعلى أئمة من أئمة الضلال، قتل بيان بن سمعان، وقتل الجعد بن درهم، وقتل المغيرة بن سعيد العجلي وهو من الباطنية، فسلطه الله عليهم، قبض عليه خالد بن عبد الله القسري هو والمغيرة بن سعيد مع خمسة عشر من رجالهم، جيئ بهم إلى مسجد الكوفة، وعلقهم بأوتاد من قصب، ثم صب عليهم النفط وأحرقهم. ذكروا أن بيان بن سمعان لما وصلته النار فر، ثم لما نظر إلى أصحابه يحترقون وهو لم يحترق دخل معهم، فموته معهم يرى أنه خير، فجمع الله له هذه النار ونار جهنم نعوذ بالله منها. له آراء عجيبة غريبة، كان يفسر القرآن تفسيراً باطنياً، ويقول: أنا الوارد في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] ويقول: إنه هدى وموعظة للمتقين، من أراد الهداية والتقوى فليتبعنِ، ولا شك أن هذا كلام باطل لا شك فيه، كان يقول: إن علياً إله. ويفسر قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] قال: إن هذا هو علي بن أبي طالب، قبحه الله أنى يؤفك. ومنها كذلك: أنه كان يعتقد أن في السماء إله وفي الأرض إله غير إله السماء، وقيل: إنه أول من قال بخلق القرآن، وهو شيخ الجعد بن درهم. الجعد بن درهم هو مولى بني مروان، قال ابن كثير ﵀: أصله من خراسان، والإمام الذهبي يقول: من حران، وقيل: كانت حران موطن للصابئة، وذكر الموطن يدل على أن الإنسان يتأثر بالموطن الذي يعيش فيه، وبالفكر الذي يقول به. قالوا: إن الجعد بن درهم هو أول من نشر نفي الصفات، وتعلم على يديه الجهم بن صفوان، قتله كذلك خالد بن عبد الله القسري سنة (١٢٠هـ) ، وقيل: إن سبب قتله أنه كان يقول: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً. ولما قبض عليه جاء به خالد بن عبد الله القسري، ثم ربطه في أصل المنبر، وقام خطيباً -وكان الأمراء هم الذين يخطبون- فبدأ خالد بن عبد الله القسري خطبته بحمد الله، قال: الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وكان الجعد بن درهم في أصل المنبر قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، ولما انتهى من خطبته ووعظ الناس وذكرهم، قال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، فنزل فذبحه كما تذبح الشاه، وأثنى عليه الإمام ابن القيم، قال: شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان أثنى عليه، فدل على أن هذه من القرابين التي يتقرب إلى الله تعالى بها، له أراء عجيبة في مسائل القدر وغيرها. ومن الأعلام: الجهم بن صفوان، وهذا الرجل أسس مذهب الجهمية، وكان للجعد طائفة اسمها الجعدية، لكن من رحمة الله تعالى أن هذه الطائفة لم تستمر، بل انقرضت، ومن أفراخاها: الجهمية، ومن أصول رجالها: الجهم بن صفوان وهو أبو محرز أصله من بلخ، ذهب إلى الكوفة واتصل بـ الجعد، وأخذ عنه القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله تعالى، حصلت بينه وبين أبي حنيفة رحمه الله تعالى مناظرات في مسمى الإيمان، فهو يرى أن الإيمان ليس المعرفة، ولذلك قالوا: إن الجهم بن صفوان من أجهل الناس بالله تعالى، يرى أنه يكفي مجرد المعرفة بالله تعالى، قالوا: الجهم لا يعرف ربه، والسبب: لأنه يقول: إن الله ليس له أسماء ولا صفات، ويرى الجبر كذلك. قالوا: هو سمى الإيمان: المعرفة، وسمى الكفر: الجهل، قالوا: فهو أجهل الناس، فكفر نفسه بمعتقده وبمذهبه، قتله سلم بن أحوز حين خرج على الخلافة في عهد بني أمية، وكان خرج مع رجل اسمه: الحارث بن سريج وعلى خلافة بني أمية، وقبض عليه، وكان ذا منزلة عند الحارث، وكان يفاوض الخلافة في مسألة الرجوع، ولم يقبل منه، وغزته الخلافة الإسلامية وقبض عليه، وقيل: إنه قتل لمعتقده، وبعضهم يقول: إنه قتل لأجل خروجه على الخلافة، ولا شك أنه قتل للسببين جميعاً: لخروجه على الخلافة ولمعتقده الضال المنحرف. هؤلاء بعض رجالات أهل البدع، ولعلنا نكمل بعضاً من هؤلاء في تراجم بعض حياتهم، خاصة وأن بعضهم دائماً يمرون علينا، الجهم والجعد وبشر وواصل وغيرهم من أعلام المبتدعة، نجدهم دائماً أثناء قراءتنا لكتب سلف الأمة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.

стр. 48

مفهوم التوحيد قد يقول الأحبة: لِمَ تركزون على مسائل التوحيد والاعتقاد؟ نقول: لأهمية التوحيد ولمنزلته، وقبل أن أتكلم عن أهمية التوحيد ومنزلته سنعرِّف ذلك المصطلح وهو لفظة (توحيد) .

стр. 49

تعريف التوحيد في اللغة كلمة التوحيد: مصدر من كلمة (وحد) وأصلها (وحد يوحد توحيداً) فالتوحيد في اللغة: هو جعل الشيء واحداً كأنه شيء متفرق ثم بعد ذلك اجتمع، ولذلك قيل: هذه القبيلة كلمتها واحدة، وقولها واحد، كأن آراءهم متعددة ولكنها اجتمعت إلى رأي واحد، ويدل على أنه جعل الشيء واحداً يأخذ مفهوم القوة والتماسك، ويدلنا على ذلك أن هذا اللفظ من النسبة لا من الجمع، فإنه ليس مقصوداً بهذا الكلام، وليس الإنسان هو الذي يجعل الله واحداً، فالله واحد قبل أن يخلق السماوات والأرض بل إننا من قوم ينسبون الوحدانية لله تعالى. فأنا أقول: الله واحد، بخلاف النصراني فليس بموحد؛ لأنه يقول: ثلاثة آلهة، وبخلاف مشركي العرب فليسوا يقولون: الله واحد، بل يقولون بآلهة متعددة، ولما نادى النبي ﷺ بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧] متعجبون من هذا الأمر! حسناً بالنسبة لكلمة التوحيد قلنا: إن أصله جعل الشيء واحداً، والإنسان لا يجعل الله واحداً، فالله واحد قبل أن يخلق السماوات والأرض.

стр. 50

تعريف التوحيد في الاصطلاح - من العلماء من عرفه فقال: هو إفراد الله بالعبادة. - ومنهم من قال: هو إفراد الله بأفعال العباد. - ومنهم من عرفه فقال: هو إفراد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وفي أسمائه وصفاته. والتعريف الثالث هو الأولى؛ لأنه يجمع أقسام التوحيد الثلاثة، بخلاف التعريفين الأولين، فإنهما لا يتعلقان إلا بتعريف توحيد الألوهية، وبالنسبة للتعريف الأول فقد ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بأنه: إفراد الله بالعبادة، ولِمَ ذكر هذا القسم؟ الجواب: نظراً لأن توحيد الألوهية هو أهم أقسام التوحيد كلها، وهو الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار، وأمر الناس به، ولأن الشرك والانحراف يقع في ألوهية الله أكثر مما يقع في ربوبيته وأسمائه وصفاته.

стр. 51

شبهه حول تقسيم التوحيد والرد عليها هناك سؤال قد يثير بعض الناس، فيقول: إنكم تقولون: إن هناك توحيد ألوهية وربوبية وأسماء وصفات، ولعلنا في الدرس الماضي تكلمنا عن الكوثري وأنه نقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، بأنهم هم المبتدعة، وهم الذين جاءوا بتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وربما يتبادر إلى الذهن سؤالاً فيقول الإنسان: لم يكن النبي ﷺ يقول للصحابة: ينبغي لك أن توحد الله في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، فمن أين جئتم بهذه؟ نقول: إن تقسيمات التوحيد وتسمياته اجتهادية، ولكن أصلها توقيفي، والمسميات والتقسيمات اجتهادية، والعلماء رحمهم الله تعالى عندهم قاعدة يقولون: (لا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعنى) قسِّم التوحيد كيف شئت، ولكن لا تخرج على ما دل عليه الكتاب والسنة، ومن هنا أصبحنا نعلم أن تسمياته وتقسيماته اجتهادية وأصله توقيفي، ولذلك وجدنا من السلف كما ذكره الإمام ابن القيم وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أن التوحيد ينقسم إلى قسمين، وقد أومأ إليه الإمام الطحاوي ﵀: ١- توحيد الإثبات والمعرفة. ٢- توحيد القصد والطلب. ومن العلماء من قسمه القسمة الثلاثية: ١- توحيد ألوهية. ٢- توحيد ربوبية. ٣- توحيد أسماء وصفات. ومن العلماء من جعله قسماً واحداً. ومن العلماء من جعله ثلاثة أقسام بمسميات أخرى، ونقول: سمه ما شئت ولكن لا تخرج عما دل عليه الكتاب والسنة. ومنهم من يقول: توحيد الرسول وتوحيد المرسِل، دل على أن كل واحد متعلق بألوهية وربوبية وأسماء وصفات، ولا مشاحة في قضية التقسيم ما دام أنه لم يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . بعد أن عرفنا أقسام التوحيد: الإثبات والمعرفة يدخل فيه الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد القصد والطلب فإنما يقصدون به توحيد الألوهية.

стр. 52

منزلة علم التوحيد إن منزلة علم التوحيد عظيمة، ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن شرف العلم يدل على شرف المعلوم" ونحن بتوحيد الله تعالى ماذا نتعلم منه؟ نتعرف على الرب ، وعلى أسمائه، وعلى ما يجب علينا، وشرف العلم بشرف المعلوم مادام معلقاً بالرب، فالله له المنازل العليا في قلوب أهل الإيمان والصلاح والتقوى، وكان تعلم علم التوحيد أفضل العلوم على الإطلاق، كيف لا وقد دلت عليه النصوص الكثيرة. فنقول: مما يدل على شرف هذا العلم: أولاً: أنه أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما من نبي إلا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف:٨٥] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] . ثم إنه أول واجب على المكلف، فأول ما يجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، بل هو أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام، فلا يدخل الإنسان إلى الإسلام إلا بتوحيد الله تعالى، ولذلك نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ويقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) بدأ بقضية التوحيد، مما يدل على عظم منزلته، وأنه أول ما يدخل به الإنسان إلى الإسلام. قالوا: إنه أول منازل الطريق والسير إلى الله تعالى، ومن سار إلى الله بغير توحيد فلن يعرف الطريق ولم يسر إلى الله حق السير. ثانياً: ومن منزلة التوحيد كذلك: أنه الحياة لكل إنسان، ولا حياة للمسلم أبداً إلا بتوحيد الله تعالى، والله قد ذكره في كتابه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي حياة تلك إلا بوقور لا إله إلا الله في قلبه، والعمل بمقتضاه، مما يدل على أن للتوحيد منازل عليا. ثالثاً: ومن منزلة التوحيد: أنه جعل نوراً يضيء القلوب ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] وأعظم ما يُهدى إليه الإنسان وينور قلبه به هو توحيد الله تعالى، ولذلك تعتبر قلوب أهل الكفر والشرك مظلمة، أما قلوب أهل الإيمان والتوحيد مضاءة أشد من ضوء الشمس؛ لأنهم يبصرون بتوحيد الله تعالى، ويحصل لهم السعادة في الدنيا والآخرة. رابعاً: ومن منزلة التوحيد: أن الإنسان لا يستغني عنه طرفة عين، وسبحان ربي! إن الإنسان ليتأمل الصلوات، يصلي الفجر وليس علينا صلاة بعدها إلا وقت الظهر وهكذا، والصيام يمر في العام مرة، والحج وهكذا العبادات، لكن توحيد الله لا نستغني عنه طرفة عين، فما نقول: هذا الوقت ليس عندنا توحيد فيه ولا نحتاج إليه أبداً، بل يصبح التوحيد مع الإنسان منذ أن يدخل في دين الله تعالى إلى أن يودع هذه الدنيا وتوحيد الله معه كاملاً. خامساً: ومن منزلة التوحيد: أنه آخر ما يودع به الإنسان الدنيا، ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) دل على أن بدايتك توحيد ونهايتك توحيد، بل كل أجزاء حياتك هي توحيدٌ لله تعالى، وأعظم دليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] حياتك كلها لله، وهكذا وفاتك يجب أن تكون لله؛ ليصبح الإنسان جل وقته وحياته هو لله تعالى. سادساً: قيل: إن التوحيد من منزلته أنه شفاء، كم نجد ممن دخل في دين الله تعالى كان التوحيد شفاء لقلوبهم، نسمع من كثير ممن أسلم سبب توحيده أنه لم يجد في عقائده التي كان عليها شفاء لما في قلبه، ولا إجابة لأسئلة ملحة عليه إلا في توحيد الله تعالى، فالحمد لله على هذا التوحيد، ونسأل الله أن يتوفانا على هذا التوحيد الذي لا نتجاوزه طرفة عين، بل يختم لنا بكلمة لا إله إلا الله. يقول السلف، وذكرها ابن القيم، وتكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن القرآن كله توحيد، وما من جزئية منه تخرج عن توحيد الله تعالى. قالوا: فإن القرآن إما خبر عن الله تعالى وأسمائه، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله تعالى، وتعتبر تلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرام الله تعالى لأوليائه ولأهل توحيده، وما يفعل الله بهم في الدنيا والآخرة، وإما خبر عن أهل الشرك، وما يكون لهم في الدنيا وفي الآخرة من المعيشة الضنك، ومن العذاب في الدنيا والآخرة، وهذا يعتبر جزاءً لإعراضهم عن توحيد الله تعالى، ولذلك قال سلف الأمة رحمهم الله تعالى: ليس في القرآن شيء ليس مرتبطاً بتوحيد الله، مما يدل على أهمية التوحيد والتركيز عليه. ثم إني أقول: كم نجد من بعض الكتاب المعاصرين يقولون: أشغلتم الناس بهذه القضايا، وفرقتهم الأمة بسبب قضية التوحيد. نقول: لسنا نحن الذين جئنا بهذا المنهج، هو منهج الله ومنهج رسوله ﷺ ، ولقد فرق الأنبياء بين أبنائهم وبين أنفسهم، وبين أزواجهم وأنفسهم، وجُعل منهجاً التفريق على قضية التوحيد، والوزن بتوحيد الله تعالى، وكلما قرب الإنسان من توحيد الله كانت له المنازل العليا عند الله، وفي دين الإسلام وعند أوليائه، وكلما ابتعد عن توحيد الله؛ ابتعد عن المنهج، ولم يكن على ضوء ما كان عليه سلف الأمة. وإني أقول للأحبة: إننا لفي حاجة إلى نشر عقيدة السلف الصالح، وبيانها للناس، وتوضيحها وتبصير الناس بها، وغرسها في نفوسهم؛ لأنها أصبحت غريبة في المجتمعات الإسلامية. انطلق إلى كثير من المجتمعات تجد القبور قد ضربت أطنابها، عليها القبب، والناس يطوفون جولها، وتجعل لها مزارات، وتعتبر من المتاحف السياحية، يتوجه الناس إليها، ويرجون بركتها ويدعونها من دون الله، وأصبح كثير من المسلمين يحلفون بغير الله ويدعون غير الله، ويعلقون التمائم، ويحصل عندهم من المعالم التي ترى بعضها موصلة إلى الشرك بعينه، ومع ذلك يقول بعض الدعاة: لا تفرقوا الناس على توحيد الله، بل اجمعوهم وإن كانوا على ما كانوا عليه من المعتقد. نقول: لا، نحن ننصح ونوجه، وندل الناس على عقيدة سلف الأمة، وعلى عقيدة أهل السنة والجماعة، نشلاً لهم من هذه الأمراض، والانحرافات، التي نسأل الله أن يرد المسلمين إلى عقيدة أهل السنة رداً جميلاً، وأن يبصرهم بمعتقد سلف الأمة، وأن ينفع بهم. ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 53

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الرابع) نسبة اللامية إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أمر مشهور ومنقول عن جمع من أهل العلم، وقد نظم ابن تيمية هذه اللامية بناءً على سؤال ورد إليه، ومن هنا يتضح لنا مدى أهمية السؤال ومكانته، فمن خلاله تستخرج درر العلماء وفوائد الحكماء، وقد وقع للصحابة وقائع متعددة في سؤالهم أعلم الخلق محمد بن عبد الله.

стр. 54

صحة نسبة اللامية إلى شيخ الإسلام ابن تيمية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل الشرح: كنت أتمنى أن أتكلم عن كثيرٍ من المقدمات التي يحتاجها طالب العلم في مسائل الاعتقاد، ولكننا نخشى أن تأخذ وقتاً طويلاً، وربما نُغفل مما أراد شيخ الإسلام بيانه في هذه العقيدة التي ألفها، وتسمى عقيدة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. هذه القصيدة قد عزاها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية: الألوسي في جلاء العينين، وممن عزاها إليه الشيخ: محمد خليل هراس رحمه الله تعالى، وممن عزاها كذلك الشيخ: محمد الشيباني في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد شرحها أحمد بن علي المرداوي وأومأ إلى أنها تنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه.

стр. 55

تأليف الكتب بين المختصرات والمطولات إن العلماء رحمهم الله تعالى إذ يؤلفون كتبهم ومصنفاتهم في العقيدة تكون لأمورٍ عدة: أولها: لبيان حاجة الناس في مسألة العلم، وخاصة لنشر العلم الشرعي إذ ينتشر الجهل في مسائل الاعتقاد ويكثر، فعند ذلك يؤلف العلماء كتباً ورسائل يتلقاها الطلاب، ويقومون بنشرها، ويرتفع الجهل عن الناس بسبب ذلك. ثانيها: قد يكون في مسائل الاعتقاد لإبطال عقائد كانت سائدة، كما ألف عدد من سلف الأمة كتباً في الرد على المعتزلة، وكما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية منهاج السنة في الرد على الرافضة القدرية، وكما ألف جمع من العلماء في الرد على الأشاعرة، وفي الرد على الماتريدية، فإذا انتشرت طائفة ونحلة ليست على منهاج النبوة، وليست على الكتاب والسنة، شعر العلماء بأن مهمتهم الدفاع عن عقيدة السلف، وإبطال تلك العقائد. وقد يكون السبب في تأليفها إجابة لبعض السائلين، كما هي هذه العقيدة التي بين أيدينا: يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي لقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عدداً من الرسائل بسبب أنه يفد إليه بعض الطلاب والتلاميذ من مناطق متعددة، فيطلبون منه أن يكتب مختصراً لهم، أو كتاباً يرجعون به إلى بلدهم، وذكروا منها العقيدة الواسطية، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية كتبها بعد العصر رحمه الله تعالى، وأعطاها لأهل واسط؛ لأنهم سألوه أن يكتب لهم مختصراً في العقيدة يستفيدون منه. مؤلفات العلماء رحمهم الله تعالى تنقسم إلى أقسام: منها ما يكون مختصراً، ومنها ما يكون مطولاً، ومنها ما يكون بين ذلك.

стр. 56

أسباب استحباب تأليف الكتب المختصرة وتأليف العلماء رحمهم الله تعالى للمختصرات يكون لأمور عدة: أولاً: ليسهل على طالب العلم حفظها؛ وذلك نظراً لأن المختصرات تعتبر كالقاعدة لطالب العلم، ويجعلونها هي المنطلق لبداية الطلب. ولذلك قال العلماء رحمهم الله تعالى: من حفظ المتون حاز الفنون، دل على أن أول ما يُقعِّد به طالب العلم هو حفظ المتون، وإني أقترح على المسئولين في هذا المسجد أن يُجعل مسابقة في حفظ بعض المتون، كحفظ الحائية، وكحفظ النخبة، وكحفظ الثلاثة الأصول والأربعين النووية، ولامية شيخ الإسلام، ثم بعد ذلك يجعل هناك ثمة حوافز للتشجيع؛ نظراً لغربة قضية حفظ المتون في عصرنا، ونحن نعيش في عصر يُعلَّم الناس أن أهم شيء هو الفهم، دون أن يكون للطالب تقعيد وتأصيل في علمه، وإن كنا نقول: أصل العلوم كلها وقاعدتها هو حفظ كتاب الله تعالى، ثم بعد ذلك حفظ سنة محمد ﷺ ، وحفظ ما تيسر من المتون العلمية التي تعتبر تأصيلاً لطالب العلم. ثانياً: تأليف المختصرات لتصبح مرجعاً لطالب العلم على مر العصور كلها، فمهما بلغ العالم رتبة عالية فلا يستغني عن هذه المتون التي حفظها، وسبحان الله! كم نسمع من شيخنا العلامة أمد الله في عمره، يستشهد بـ النخبة، ويستشهد بـ البلوغ، ويستشهد بـ أليفة ابن مالك، ويستشهد بـ الواسطية، ويستشهد بـ كتاب التوحيد وغيره؛ لأنها قواعد، ويصبح الإنسان إذا حفظ هذه المتون كلما وجد علماً من العلوم أو قرأ في فن من الفنون، أصبح عنده قاعدة يمر ما جاءه من العلوم الجديدة على هذه المتون، فيزداد نوراً ومعرفة وإدراكاً وتصوراً، أما إذا كان طالب العلم كما هو حاصل يقرأ طالب العلم في الكتب المطولة، ثم يصبح جمَّاعة لأقوال لا يميز بين الراجح من المرجوح، ولا يميز بين الصواب من الخطأ، ولا يستطيع فرز شيء من هذه العلوم، لا يستطيع أن يجعله أصلاً، ولا يعتبر مكملاً للعلم، يصبح كشكولاً للعلم دون أن يكون علمه رصيناً قوياً، فرحم الله العلماء الذين ألفوا هذه المتون لتصبح تأسيساً لطالب العلم. ونجد الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ألف كتبه في الفقه: العمدة، ثم انطلق بعد ذلك إلى المقنع ثم إلى الكافي، ثم إلى المغني، بالتدريج، جعل العمدة قاعدة لطالب العلم لحفظه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الروايتين والثلاث، ثم ينتقل إلى الموسوعة الضخمة وهو كتاب المغني، الذي قال فيه العز بن عبد السلام: من لم يكن عنده أو لم يقرأ كتاب المغني والمحلى لـ ابن حزم فلا يحق له أن يفتي في مسائل العلم الشرعي، هذا فيما يتعلق بقضية المتون والمختصرات. نحن في عصر نؤسس بالمختصرات، لكن كان سلفنا رحمهم الله تعالى لا يحفظون المختصرات فقط، بل يحفظون المطولات، وأظن منذ أكثر من سبع عشرة سنة كنا في حلقة شيخنا عبد الله بن حميد ﵀ وغفر له وكان يقول: إن ابن مفلح ﵀، ألف كتابه الفروع، وكتاب الفروع خمسة مجلدات، ولو نشر بالطباعة المتوسعة يوصل إلى عشرة مجلدات -قالوا: إنه لما ألفه ذكر أنه جرده من كثير من الأدلة ومسائل الخلاف المطولة، قال: ليسهل على طالب العلم حفظه. ونجد الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى -ولعل الإمام ابن كثير استفاد من مدارس الحنابلة- حين تقرأ في البداية والنهاية وتقرأ في تفسيره رحمه الله تعالى، لا تجد حدثاً من الأحداث، بل لا تجد آية من الآيات فسرها إلا وروى لنا فيها أحاديث عن المسند، مما يدل على حفظه لكتاب المسند رحمه الله تعالى، مع أنه اشتمل على أربعين ألف حديث. وإنا لنتأمل ما كتبه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مقدمة أعلام الموقعين، أن الإمام أحمد سئل: أيفتي طالب العلم إذا حفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا، قال: أيفتي إذا حفظ مائتي ألف حديث؟ قال: لا، قال: أيفتي إذا حفظ ثلاثمائة ألف حديث؟ قال: إني لأرجو أن يفتي هنا. ولسنا بذلك بل تضعف الهمم في قضية الطلب، ولكن هذا من باب شحذ الهمم لحفظ ما استطاع الإنسان من المتون العلمية وإن كنا نقول: أولها: كتاب الله. وثانيها: سنة النبي ﷺ . وثالثها: المختصرات التي ألفها العلماء لطلاب العلم.

стр. 57

أسباب تأليف كتب المطولات الطريقة الثانية للعلماء: كتابة المطولات، والمطولات إذ يؤلفها العلماء رحمهم الله تعالى يقصدون من ذلك: نشر العلم والتوسع فيه، وبيان مسائل الخلاف، وعرض العلم بتأصيل وعمق، ونجد عجباً في كتب أهل العلم أن شخصاً واحداً يشرح حديثاً ويستخرج منه ألف مسألة علمية، ومن ذلك ما يوجد في كتابات العراقي كما في طرح التثريب، وكذلك تجد ابن حجر مثلاً في فتح الباري، ومثلها كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتابات الإمام ابن القيم رحمهم الله تعالى فقد تكون مسألة واحدة يسأل عنها العالم فيؤلف مجلدات بسبب هذه المسألة، ولو نظرنا إلى ابن القيم عندما شرح منازل السائرين، وهي مختصر صغير، ولكنه كتب ثلاثة مجلدات ضخمة في شرح هذا المتن الصغير، فرحمه الله تعالى. ومن الأمثلة على ذلك حديث الذي جامع أهله في نهار رمضان، ذكر شيخنا الشيخ: محمد بن صالح العثيمين أن بعض العلماء استنبط من هذا الحديث ألف مسألة علمية، ونقول: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] وهو مصداق لقول النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) أي: يعطيه ملكةً لاستنباط مسائل العلم والاستفادة منها. ونقول لطالب العلم: اقرأ في المطولات بعد أن تؤسس نفسك بمسائل المتون وقراءة المختصرات، ونجد عجباً في حال بعض الأحبة من طلاب العلم، فتجده في حال الطلب ربما لم يطلب العلم إلا بعد أن خرجت لحيته، وربما شعر بأنه قد وصل إلى رتبة لا حاجة إلى أن يقرأ في متنٍ صغير، ويبدأ بالكتب المطولة، ويقول: إني أفهم وأعرف ما يقوله هؤلاء العلماء، فلست بحاجة إلى أن أبدأ بالمختصرات التي لصغار طلاب العلم، ولكن نقول: أخطأت الطريق، ولو بلغت ما بلغت من السن فلا بد أن تبدأ بالمتون الصغيرة؛ لأنها قاعدة لطالب العلم ينطلق بعدها إلى ما بعده. وكان مشايخنا رحمهم الله تعالى وغفر لهم يجعلون لطلاب العلم دروساً وملتقيات، يبدءون المبتدئين فيها بالمختصرات، ويجعلون للكبار المطولات، وربما لا يسمحون للمبتدئ أن يحضر المطولات؛ مخافة أن يزهد في المختصرات وفي تأصيلها، ويجد الإنسان إذا رأى أنه جلس مع كبار طلاب العلم فرح وانشرح صدره، وربما بعد شهرين وثلاثة قد يجرؤ على الفتيا فيقول: أنا معهم، والعلم الذي يقوله الشيخ قد سمعته، فلا مجال لأن أحجم عن قضية المواصلة وعن الطلب، ولكن هؤلاء لم يعرفوا الطريق في طلب العلم.

стр. 58

السؤال وآدابه

стр. 59

سؤال الشخص غيره عن معتقده أولاً: نقول: أي شخص يسألك عن معتقدك فهو لا يخلو عن أحد هؤلاء الأشخاص: الشخص الأول: أن يكون معجباً بما أنت عليه من العقيدة والدين، ويريد أن يأخذ منك هذه العقيدة، ولعل مثالاً على ذلك: لو جلس إنسان مع عالم من العلماء الكبار، ثم بدأ يتكلم في مسائل الاعتقاد، تجد أنك تسأل: ما هي عقيدتك؟ وكأنه جاء بأمرٍ مستند إلى كتاب وسنة، ولعل الإمام ابن تيمية كان من أعجب الناس في عرضه لمسائل الاعتقاد. ومن الأمثلة على ذلك: ما ثبت في الصحيح أن عمرو بن عبسة ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ يسأله عما جاء، فسأله من أنت؟ (قال: أنا نبي، قال: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، قال: وبم أرسلك؟) معجباً، وكان يسمع بالنبي ﷺ قبل أن يصل إليه، ثم أسلم من لحظته ﵁ وأرضاه. الشخص الثاني: أن يكون حاقداً ولا يريد ذات العلم، وإنما يريد أن يفرز هذا المعتقد الذي جئت به لقصد أن يرد عليك أو يبطل معتقدك، أو يشي بك عند بعض العلماء ليقوموا برد معتقدك، وهذا قد حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكم حصل له من الحاسدين والحاقدين الذين لم يقبلوا منه، وكانوا يسألونه ويستفهمون منه لا للبحث عن الحق لذاته، وإنما كان قصدهم إبطال ما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكم عقدت له من المناظرات بين يدي الخليفة، وكانوا يشون به إلى السلطان، وكم حصل له بسبب ذلك من السجن عدة مرات بسبب عقيدته رحمه الله تعالى، وسبحان الله! كان لا يجلس معهم مجلساً يناظرهم فيه إلا وقف موقف المتحدي لهم أن يأتوا بدليل من كتابٍ أو سنة، أو بقول صحابي، أو بقول أحد من سلف الأمة يخالف ما عليه معتقده، ويلقمهم الحجر، ولكن في قلوبهم من الغيظ والحقد عليه مما كان سبباً لسجنه مراراً بل وموته في السجن رحمه الله تعالى. الشخص الثالث: أن يكون السائل جاهلاً يطلب منك علماً، كما حدث، ليس في قضية العقيدة فقط للنبي ﷺ مع المسيء في صلاته، قال: يا رسول الله! والله لا أحسن إلا هذه فعلمني، يا رسول الله! دلني، مثلما تأتي إلى بعض الأشخاص فتبين له أو يسألك فيقول: دلني على الخير، دلني على المعتقد الصحيح، دلني على المنهج الذي أسير على ضوئه، فيدل الإنسان. وربما نقول: قد يكون السائل يقصد منه دلالة المسئول إلى الحق، أنت تسأل ويكون مقصودك أن تدل المسئول إلى الحق، كما فعل النبي ﷺ مع حصين ﵁، سأله النبي ﷺ : (كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء) ثم دله النبي ﷺ إلى المعتقد الصحيح صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 60

فوائد السؤال قاعدة يجب أن نعلمها: السؤال يستخرج به العلم، ولا يستفاد العلم إلا بالسؤال، ولذلك قيل: لا يأخذ هذا العلم ولا يحوزه ولا يصل إليه مستحٍ ولا مستكبر. إن بعض الناس يحضرون إلى حلقات العلم، ولكن الواحد منهم يمكث سنوات عديدة في الحلقة ما سأل سؤالاً واحداً، لِمَ لم تسأل؟ قال: إني أستحي. ولذلك فإن الذي يستحي لا يحصِّل علماً أبداً. ومنهم المتكبر، ولعل قضية التكبر تحصل بين الأقران أو بين الطلاب ليس تكبراً عن العلم، وإنما يتكبر أن يسأل، فربما رد عليه الشيخ بردٍ قاسٍ، أو ربما ضحك الطلاب من سؤاله وعجبوا منه، فيتكبر يقول: سكوتي خير لي من كلامي، وبعد ذلك تمر عليه مسائل عديدة، وإشكالات متعددة، ومع ذلك يبقى على جهله فلا يستفيد شيئاً. لما سئل ابن عباس ﵁ ورحمه: كيف حصلت هذا العلم؟ قال: [بلسان سئول وبقلب عقول] لقد كان ينطلق هنا وهناك يسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن كل صغير وكبير أشكل عليه، وينبغي لطالب العلم أن يكون دائماً كثير السؤال، ولكن بضوابط، وليس السؤال على إطلاقه. وتذكر كتب الأدب لطيفة من اللطائف والله أعلم بصحتها، أن أبا حنيفة كان مرة بين يدي تلاميذه يشرح لهم ويعلمهم، قالوا: فجاء شخص على هيئة حسنة، وعليه آثار طلب العلم، وكان أبو حنيفة ماداً لرجله، فلما رآه أبو حنيفة كف رجله، فجلس هذا الرجل يسأل، ولعل أبا حنيفة يتكلم عن شهر رمضان وعن أحكامه، ثم سأل هذا السائل ذو الهيئة والسمت: يا أبا حنيفة! أرأيت إذا جاء رمضان في وقت الحج ماذا يعمل الناس، أو قريباً من هذه؟ قال أبو حنيفة: لقد آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجله الآن. ظن أنه طالب علم وإذا به جاهل، فما فهم الدرس ولا جاء بشيء يستفاد منه، مما يدل على أن مثل هذه الأسئلة لا يستفاد منها، وينبغي إذا سأل طالب العلم أن يكون السؤال حول العلم الذي يطرح حتى لا يكون كما قال الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب

стр. 61

تعريف السؤال في اللغة والاصطلاح السؤال في اللغة: مأخوذ من مادة سأل يسأل سؤالاً، يقال: سألته عن الشيء أي: استخبرته، قالوا: ومن معانيه في اللغة: الطلب، وكأن السائل يطلب من شيخ الإسلام أن يخبره عن معتقده ومذهبه. عُرِّف السؤال: أنه طلب أحد من آخر بذل شيء أو إخباره بخبر، قالوا: فإذا كان الطلب للبذل عدِّي الفعل بنفسه، مثل: أسألك أن تجلس، عدي بنفسه، وإن كان طلباً عن خبر معين من الأخبار عدي بعن مثل كلام شيخ الإسلام: (يا سائلي عن مذهبي) هذا خبر من الأخبار. يقول النبي ﷺ كما روي عنه -وإن كان الحديث يضعفه بعض العلماء- وهو حديث صاحب الشجة، قال النبي ﷺ : (إنما شفاء العي السؤال) والعي: هو الجهل. فإذا كان الإنسان جاهلاً فلا يشفيه إلا أن يسأل.

стр. 62

أنواع السؤال في نصوص الكتاب والسنة يقول الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: السؤال في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على نوعين: أحدهما: ما جاء على وجه التبيين والتعلُّم مما تمس الحاجة إليه، فهو إما مباح أو مندوب أو مأمور به، فإذا سأل الإنسان عن هذه الأمور لا مانع منه. ولعل من الأمثلة على هذه الأمور: كأن يسألك الإنسان سؤالاً مباحاً، يسألك عن السوق دلني على السوق، هذا سؤال مباح ليس واجباً ولا مستحباً، أو يسألك شخص أن تدله على منزل شخص. وأما بالنسبة للسؤال عن الأمر المندوب، فهو سؤال أن تعلِّمه من سنن النبي ﷺ ؛ من أجل أن يتفقه فيها. وبالنسبة للسؤال عن الأمور الواجبة كالسؤال عن القبلة في البلد، فمثلاً: إخوة قدموا من خارج المملكة، ثم أُسكنوا في مسكن ولا يدرون أين القبلة، هل يعذرون بقضية الاجتهاد؟ لا، بل هذا واجب عليهم أن يسألوا، ومثله لما سأل أصحاب رسول الله ﷺ النبي ﷺ عن ماء البحر، فقال النبي ﷺ : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) . ثانيهما: ما كان عن طريق التعنت والتكلف، وهذا مكروه، بل أمر منهي عنه، والله يقول: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] . وقالوا: من الأسئلة التي رد الله على سائليها برد فيه توجيه وتأنيب: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] كأنه ما كان ينبغي أن يسأل عن هذا السؤال ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات:٤٢-٤٤] قطع الطريق على العقول أن تصل إلى ما تريد من السؤال، ولهذا نصل إلى قاعدة مهمة وهي: ليس كل سؤال يجاب عليه. وأقول للأحبة: إن بعضاً من الناس يكون لديه غيرة ومحبة للدين، وحماساً لنصر دين الله تعالى، فربما يسأل عن أشياء فيتسارع إلى الإجابة عليها، ولذلك ليس كل سؤال يجاب عليه وليس كل سائل يجاب عن سؤاله، فقد يكون السائل متعنتاً لا يريد الحق لذاته، فهنا لا يجاب، وكم سأل الكفار نبينا محمد ﷺ ؛ فسألوه أن ينزل معه ملكاً، وسألوه أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، وسألوه أن يرقى في السماء ولن يؤمنوا لرقيه حتى ينزل عليهم كتاباً يقرءونه، وسألوه أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، فهل أجيبوا على ذلك؟ لا؛ لأنهم لم يقصدوا من هذه الأسئلة حقاً. وكذلك بعض الناس يجلس مجلساً ثم يقول: أتريدون أن أرفع ضغط هذا الشخص؟ فيثير عليه سؤالين أو ثلاثة، ثم تكون النتيجة بعدها أن هذا يتحمس وينفعل، وذاك جالس على أريكته يضحك لما يرى من حماسه وغيرته ومحبته لبيان الحق، وهو لم يرد الحق، ولذلك نقول: رويداً في كل سؤال يثار إليك! لا تتفاعل معه، لكن إذا كان الإنسان باحثاً عن الحق مريداً له فيجاب هذا الإنسان على سؤاله. ومن الأسئلة التي لا نجيب عليها، وهي التي نقول: لا يمكن للعقل أن يجيب عليها، ولا نجد في الكتاب والسنة إجابة عليها، ولا نتكلفها أبداً، مثلما حدث من السؤال للإمام مالك رحمه الله تعالى، لما جاءه رجل قال: يا مالك! الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال له الإمام مالك رحمه الله تعالى: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ثم قال: وما أراك إلا مبتدعاً"، فأمر به أن يخرج من الحلقة، ولعل السبب في ذلك أنه قد يوجد من الأشخاص من يثير أسئلة تكون سبباً لدخول الشبه في قلوب الحاضرين، ويصبح الشيخ إما أن يوجه التلميذ إلى الإعراض عن مثل هذه الأسئلة إعراضاً كلياً، أو يقول له: إن كان عندك ثمة سؤال فلا مانع أن تأتي إلي في البيت، أو بعد انتهاء الحلقة، وسل عما بدا لك، فإن علم أنه يريد حقاً أجابه، وإن كان لا يريد إلا باطلاً فليس له إلا أن يطرد من المسجد ومن حلقة العلم. ولذلك فإن الله يبغض الألد الخصم الذي دائماً يجادل ويخاصم، ولقد أثني على أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم ما سألوا إلا عن بضع عشرة مسألة يستفتون فيها، ونزل الرد والجواب لهم، ولقد كان من أدب أصحاب رسول الله ﷺ من أدبهم أنهم كانوا يفرحون بقدوم الأعرابي؛ لأنه يسأل عما بدا له، ولعل بعض الأعراب قد لا يكون عنده حسن تعامل في بعض الأشياء، ولعل من الأمثلة: قد يرفع صوته, وقد يقطع الحلقة ويتكلم، وما أراده يسأل عنه بفطرته، ويريد أن يرفع عن نفسه الجهل، ولعل من أمثلة ذلك في قضية زر بن حبيش حديث صفوان، أن زراً سأل صفوان: (هل سمعت رسول الله ﷺ قال في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، جاء أعربي ثم نادى بأعلى صوته: يا محمد! يا محمد! بصوت مرتفع، فقال له الصحابة: اغضض من صوتك فإنك بين يدي رسول الله، قال: والله لا أغض، فسمع النبي ﷺ كلامه فرفع النبي بمثل صوته: هاؤم -أي: هاأنا ما عندك؟ قال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال له الرسول: أنت مع من أحببت، قال: فأنا أحب الله ورسوله) يقول أنس ﵁: [ما فرحنا بمثل هذا الحديث] أي: لم نجد فرحاً بعد الإسلام أعظم من فرحنا بمثل ما قال النبي ﷺ : (أنت مع من أحببت) قال أنس: [فإني أحب رسول الله، وأحب أبا بكر وعمر، وإني لأرجو الله أن أحشر مع هؤلاء] كانوا ﵃ وأرضاهم يسألون ويستفتون. من الأمور التي ذكرها ابن الأثير ﵀ ما كان على طريق التكلف والتعنت فهو مكروه ومنهي عنه، قالوا: فكل ما كان من هذا الوجه، ووقع السكوت عن جوابه، فإنما هو ردع وزجر للسائل ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] هذا فيه ردع ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات:٤٢] أليس الرسول ﷺ لما سأله الصحابي قال: (يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ : ماذا أعددت لها) هل أجابه؟ لم يجبه عن وقتها، هذا يعتبر تأديباً للسائل أن يسأل، قالوا: فإذا وقع الجواب عن السؤال أُعتبر عقوبة وتغليظاً لهذا السائل. لقد ورد عن النبي ﷺ النهي عن كثرة السؤال: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ولعل السبب في ذلك: أن هذا يخالف الأدب في قضية طلب العلم، أن يصبح الإنسان جالساً في مجلس، فكلما ورد في ذهنه سؤال جاء به، ولهذا قال العلماء: إذا كانت الحلقة متعلقة مثلاً بالفقه فلا ينبغي أن يُسأل عن مسائل في النحو، أو يسأل في مسائل في أصول الفقه، وإنما تكون قريبة، وإذا انتهت الحلقة فلا مانع بعد ذلك أن يسأل الطالب عما بدا له وأشكل عليه، لكن إذا كان حول العلم فإنه ينبغي أن يكون حول المسألة التي طرقت. كان السلف لا يُسألون عن مسألة إلا سألوا السائل: هل وقعت أم لا؟ فإن كانت هذه المسألة وقعت أجابوه، وإن لم تكن وقعت خاصة إذا كانت من الفرضيات، أو كانت من الأمور التي هي معضلة، قالوا: دعوها، فإذا وقعت يقيض الله من يجيب عليها. أذكر لكم من اللطائف: أننا زرنا بعض بلاد الكفر، وكنا ذات مرة نلقي كلمة عن أهمية العلم وطلبه، فسأل أحد الحضور سؤالاً عجيباً غريباً، قال: -وهو في دولة قد غزت النجوم على ما يسمون وغزت الفضاء- كيف يمكن لنا أن نوصل دعوة الله تعالى إلى الذين يسكنون الكواكب هناك ونبلغهم دين الله تعالى؟ وكأن الأرض قد ملئت بالعلم فما نقص علينا إلا أصحاب الكواكب ليجاب عن مسائلهم وإشكالاتهم. هل هذه من أسئلة طلب العلم، نقول: هذا مسكين ينشد خيالاً، فهو لم يؤصل نفسه بالعلم ليستفيد، وما أشكلت عليه إلا قضية الساكنين في الكواكب كيف يمكن أن يوصل لهم العلم، والكفار هم الذين وصلوا إلى الكواكب، ونحن المسلمين لم نصل إليها، أي: يشكو حاله بأنه لم يصل إلى غزو النجوم وغيرها، ونقول: هذا ما عرف كيفية العلم والطلب، وما درى به.

стр. 63

ورع الصحابة في سؤال النبي ﷺ كان الصحابة ﵃ وأرضاهم يتورعون أن يسألوا الرسول ﷺ في المسائل الواقعة الحادثة خاصة التي يخشون أن ينزل عليهم فيها قرآن، ولعل من الأمثلة: قصة الذي جامع أهله، فذكرت كتب السير وشراح الحديث أنه لما جامع أهله في نهار رمضان جاء إلى قومه، فقال: انطلقوا فاسألوا رسول الله ﷺ فإني أستحي أن أسأله، فقال الصحابة: والله لا نسأل، نخاف أن نسأل فينزل فينا قرآن. فذهب ضيق الصدر خائفاً من رسول الله ﷺ ، ووقف بين يديه وهو يقول: يا رسول الله! هلكت. تعبير عظيم جداً، مما يدل على حرقته من الذنب الذي قد عمله، ومن أثر المخالفة التي وقعت في نفسه، وهذا يبين لنا ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ بمنهجهم الفريد عن منهجنا نحن، الصحابي إذا حدث عنده تقصير أو تفريط، يعبر عن هلاكه وحسرته لما فقد من الأجر والثواب، وعن خوفه من عقوبة الله تعالى، ثم سأله ﷺ : (ما أهلكك؟ قال: يا رسول الله! واقعت أهلي في نهار رمضان) يقول: فكنت أظن أن الرسول ﷺ سيغضب علي، وسوف يسبني وسيتكلم عليّ، فقال له الرسول ﷺ : (أعتق رقبة، قال: يا رسول الله! والله لا أجد، قال صم شهرين متتابعين، قال: يا رسول الله! وهل وقعت إلا بسبب الصيام، لم أصبر شهراً كيف أصبر شهرين، فقال له الرسول: أطعم ستين مسكيناً، قال: والله ليس عندي طعام، خرجت من بيتي وما فيه ما آكله، قال له: اجلس، فجلس، ثم جاء النبي ﷺ بمكتل فيه تمر، ثم قال النبي ﷺ : أطعمه ستين مسكيناً فقال: يا رسول الله! أعلى أفقر منا؟ فقال له الرسول: خذه وكله أنت وأهلك) . وماذا كانت النتيجة؟ رجع إلى قومه يسبهم؛ لأنه أراد منهم أن يشفعوا له عند رسول الله فما شفعوا له، قال: ذهبت إلى رسول الله فوالله ما كهرني ولا نهرني ولا سبني، ثم رجع بمكتل سيأكله بقية رمضان ﵁ وأرضاه، جامع أهله في نهار رمضان، وجاء بطعام يكفي ستين مسكيناً ﵁ وأرضاه، مما يدل على أن الصحابة ﵃ يتميزون بمزايا وخصائص على سائر الناس.

стр. 64

مفهوم (المذهب) (يا سائلي عن مذهبي) قالوا: المذهب مأخوذ من مادة ذهب، والذهاب هو السير، ذهب أي سار ومر، والمذهب هو المتوضأ كذلك، ولذلك روي في الحديث أن الرسول ﷺ كان إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد في المذهب، وذكروا من معاني المذهب: المعتقد الذي يذهب إليه والطريقة. ولذلك كان سلف الأمة يقولون: نحن على مذهب الإمام أحمد في مسائل العقيدة، وقد يطلق المذهب ليس على المعتقد فقط وإنما على مسائل الفروع مذهب الشافعي، مذهب أبي حنيفة، مذهب كذا، هذا يُتلقى بالأحكام الفروعية التي تتعلق بالشرع، أما مذهب هنا فلعله الذي يقصد منه أن يظهر؛ لأنه هو المعتقد، وإن كان الشارح ذكر بأنه مسائل الفروع؛ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يذكر في مسائل الفروع شيئاً، إلا إذا حُمل على أنه في بيت لعله سقط عندكم وهو قول المؤلف ﵀: وأقول قال الله ﷻ والمصطفى الهادي ولا أتأول لكنه يظهر أنه في العقيدة إذا قيل: أن مذهبه ﵀ في الفروع، ومذهبه في الأصول، أو في مسائل الاعتقاد وفي الشريعة هي: قال الله قال رسوله ﷺ فيكون المعنى صحيحاً.

стр. 65

تعريف العقيدة يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي

стр. 66

العقيدة في اللغة العقيدة: مأخوذة في اللغة من مادة عقد، ومعاني عقد في اللغة تأخذ معنى: الشد والحزم والربط، ولذلك قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وجاء عقد البيع وعقد الإجارة؛ لأنه قوي، فإذا عقدت مع شخصٍ عقداً لا يجوز لك أن تخلفه، مما يدل على أنه مشدود مقوى، ولذلك نفهم إذا ربط الإنسان حبله سميت عقدة مشدودة، ويقال عن الرجل المنطوي عن الناس: فلان هذا معقد، وإن كان هذا المصطلح أصبح الناس يطلقونه على أهل الصلاح والإيمان والاستقامة. فمن التزم بشرع الله قالوا: معقد، لكن من أطلق نفسه للمحرمات وللمعاصي قالوا: هذا شخصية مندمجة وليست منطوية، هذا الشخص منفتح، كما قال بعضهم: إن جلس مع المغنين غنى، وإن جلس مع المصلين صلى، قالوا: هذه شخصية اجتماعية متطورة تعيش مع جميع شرائح المجتمع، وهذا من الغلط، ويسمى الذي يربط نفسه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ شخصية معقدة، وهذا الكلام باطل وليس بصحيح.

стр. 67

العقيدة في الاصطلاح ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العقيدة ترتبط بمسألة القلب، وأي شيء يُعتبر معتقداً للإنسان لابد أن يكون منبعه القلب، سواء كانت العقيدة ضالة أو صحيحة، ولذلك فإن مسائل الاعتقاد منبعها القلب. ولذلك قيل: هي ما يدين الإنسان به ربه. وبعض أهل العلم قالوا: هي ما يدين الإنسان ربه على وجه العموم. وبعضهم قال: هي حكم الذهن الجازم، فإذا طابق الواقع كان صحيحاً، وإذا خالف الواقع كان فاسداً. فمسائل حكم الذهن الجازم في مسائل متعددة، بالنسبة للمؤمن ذهنه جازم بأن الله موجود، وبأن محمداً ﷺ رسول الله وهو الصادق، ويصبح هذا معتقداً جازماً لا تردد فيه، فإذا طابق الواقع كان صحيحاً وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد عقيدتنا ولله الحمد صحيحة، لكن إذا جاءنا الشيوعي فقال: لا يوجد إله أبداً، قلنا: الواقع كله يشهد لله، فعقيدتك باطلة لا محالة. ومن العلماء من قال في تعريف العقيدة: هي مثلٌ عليا يؤمن بها الإنسان ويعتقدها ويدين بها، فيضحي من أجلها بماله ونفسه وما يملك، ومن الأمثلة عليها: قضية عرض الإنسان الأخلاق إلى غيره، تجد الإنسان إذا تعرض له في عرضه لا يصبر أبداً إلا إذا كان ديوثاً، ولذلك أخبر النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة ديوث) إنسان لا يعرف هذه المثل ولا قيمتها، وجاءت عندنا مثل عليا، فلو دخل علينا شخص الآن، ثم جلس يسب الرسول ﷺ ؛ هل نسكت؟ تجد أحدنا لن يصبر، هذا سيرميه بمسجلة, وهذا بشيء، وهذا بعقاله، وهكذا فلن نسكت عليه أبداً. السبب: لأن شخصية محمد ﷺ واجب أن ندافع عنها بمالنا وأنفسنا وكل ما نملك، ولا يمكن أبداً أن نسكت على القائل في محمد شيئاً، وكذا إذا تعلق بسب الرب ، أو دخل شخص يسب ديننا، ويسب عقيدتنا، نحن لا نرتضي منه ذلك أبداً، ولو دخل شخص قال: إنكم على ضلال مبين، وإنكم على انحراف، وأن مصيركم إلى النار، كما تقوله بعض الطوائف المنحرفة روي عن الكوثري أنه كان يقول: جنة يدخلها شيخ الإسلام لا ندخلها نحن!! ومسكين هذا لا يمكن أن نسكت على مثل هذا الأمر، ندافع عنه، ولذا وقف أصحاب رسول الله ﷺ مدافعين عن مسائل الاعتقاد أشد الدفاع، بل نجد أنه لم يشرع الجهاد في الإسلام إلا للدفاع عن قضية العقيدة، وكان الصحابة يفدون رسول الله بأموالهم وأنفسهم وكل ما يملكون، ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة، فإن طلحة بن عبيد الله وقف أمام النبي ﷺ يدافع، حتى شلت يمينه، وجاء يفتخر بيده الشلاء، ويقول للتابعين: والذي نفسي بيده ما شلت هذه إلا دفاعاً عن نبيكم محمد ﷺ ، واعتبرت منقبة له لا تُنسى إلى يوم القيامة. والصحابي خبيب ﵁ عندما كان يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي والسبب: لأنه دافع عن دين الله تعالى، وعن العقيدة الصحيحة. من التعاريف قالوا: إنها أمور وقضايا لا تقبل الجدال ولا المناقشة، أي: أنها مؤصلة معمقة في القلب لا زعزعة فيها أبداً. ومن الأمثلة البسيطة في مسائل التي تجد أنك جازم بها: لو دخل علينا شخص، ثم أراد أن يشكك في أصلٍ من أصول الإيمان، هل يمكن أن نقول له: اجلس لعل عندك حقاً نسمعه منك، أو خيراً نستفيده منك؟ نقول: لا، مسائل العقيدة لا تقبل الجدال ولا المناقشة؛ لأنها أمور ومسلمات، وكل هذه التعاريف التي ذكرناها تشمل العقيدة الصحيحة الإسلامية والعقائد الأخرى، ولكن هناك ثمة تميز، ولذلك نقول: إن العقيدة هي الأمور التي يعتقدها الإنسان ويعقد عليها قلبه وضميره، وهي تتعلق بما جاء به الله وجاء به رسوله ﷺ من أمور الغيب، وتعتبر مسائل اعتقاد هنا فيما يتعلق بذات الله تعالى، أصول الإيمان كلها تعتبر من الأصول التي يعقد الإنسان عليها قلبه وضميره، ولهذا اعتبرت متعلقة بالأمور الباطنة بخلاف الإسلام فإنه يتعلق بالأمور الظاهرة. ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 68

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس الخامس) مصدر عقيدة أهل السنة والجماعة هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع السلف الصالح، وهذه العقيدة لها سمات وخصائص تميزها عن غيرها من العقائد الأخرى؛ من الوضوح والوسطية، والسلامة من التناقض والتعارض والتغيير، كما أنها شاملة لجميع جوانب الحياة.

стр. 69

مصادر العقيدة الإسلامية الحمد لله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لنا وقفات حول قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وعقيدتي) . أولاً: نحن نعلم أن عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هي عقيدة السلف الصالح، وأنه رحمه الله تعالى من أحرص الناس على اتباع سلف الأمة، وما من قول يقوله في مسائل الاعتقاد إلا حرص أن يأتي عليه بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أو كان فيه فهم لأحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وما دامت عقيدة شيخ الإسلام هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي عقيدة سلف الأمة؛ فإن السلف لهم مصادر في عقيدتهم يعتمدون عليها في أخذهم هذا المعتقد.

стр. 70

القرآن الكريم أول هذه المصادر هو كتاب الله تعالى، وكتاب الله هو العمدة لمن أراد النجاة والوضوح والاعتماد في كل جزئياته صغيرها وكبيرها، واعتبر سلف الأمة الكتاب هو المصدر العظيم الذي يعتمد عليه، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] واعتبر الكتاب هو الموصل لنا للأمور الغيبية التي لا تطلع عليها العقول، فمسائل الاعتقاد فيما يتعلق بذات الرب ، أو فيما يتعلق بالأصول الإيمانية الستة: كالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتب، والرسل، لا نستطيع الوصول إليها بعقولنا، وإنما بخبر صادق، ولا شك بأن أعظم تلك الأخبار هو كتاب الله تعالى.

стр. 71

السنة النبوية المصدر الثاني: هو سنة محمد ﷺ ، ورسولنا ﷺ لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] والله قد بين في كتابه أن محمداً: ﴿لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] دل على أنه لا يمكن أن يأتي بشيء من هواه، وإنما يأتي مبلغاً عن ربه ، ولذلك ما جاءنا عن الله أخذنا به، وما جاءنا عن رسول الله ﷺ أخذنا به؛ لأنه أعلم الخلق بربه ، ولذلك أصبح هو المصدر الثاني عندنا في الاعتماد عليه في مسائل الاعتقاد. ولم تُربط العقيدة بمسائل العقل ليعتبر مصدراً مستقلاً استقلالاً كلياً، ويُعتمد عليه اعتماداً كاملاً، وإنما جعل العقل دالاً لمعرفة الكتاب والسنة، والسبب: لأن العقل مخلوق لله ، فكيف يمكن أن يحكم على ما يتعلق بمسائل الاعتقاد وعلى أخبار الرب ، ثم إن العقول محدودة، وإطارها ضيق، ولا تستطيع التجاوز عن الحد الذي حدها الله لها، وأما من تجاوز بعقله عما خلقه الله عليه فإنه يتخبط في الظلمات ليس بخارج منها. ثانياً: أن العقل ضعيف التأثر، وسرعان ما يتغير الإنسان، يدخل عليك الإنسان بتصور جازم به، ثم تجده بعد ذلك ينطلق إلى آخر فيتغير بمتأثرات وغيرها، ثم يرجع لك بصورة غير الصورة التي دخل عليك بها من قبل، ولهذا عقول الناس تختلف باختلاف المؤثرات والأجواء التي يعيش فيها. سبحان الله! كم من الناس عاشوا في بلاد الإسلام، وكانوا على صفاء ونقاء! ولما انطلقوا إلى بلاد الكفر مسخت عقولهم، وبعضهم تأثروا بما تعلموا به، فجاءوا بأمور جديدة على الناس لم تكن معروفة، مما يدل على أن العقل يتأثر بالمؤثرات التي تحيط به سواء كانت النفس أو الهوى أو التعلم أو غيرها، فلا يمكن أن يكون معتمداً أبداً يعتمد عليه في مسائل الصفات، ولهذا ظل (الفلاسفة) ولئن كان الناس يسمونهم (فلاسفة) ينسبونهم إلى الإسلام، وفي الحقيقة بعضهم لا ينسب إلى الإسلام؛ نظراً لأقواله المنحرفة عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 72

فهم السلف الصالح وهنا يتميز أهل السنة والجماعة بخصيصة: أنهم يأخذون عقيدتهم على ضوء فهم أصحاب رسول الله ﷺ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا يأتون بفهومهم هم، وإنما يأخذون بفهم الصحابة، وفهم الصحابة هو العمدة؛ نظراً لأنهم عاصروا التنزيل، وأدرى بمقاصد الشرع، ولأن الرسول ﷺ قد بين لهم كل شيء، ولم يترك شيئاً من أمور الدين في مسائل الاعتقاد أو الفروع إلا وقد وضحها لهم، وقد قال فيهم النبي ﷺ : (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) وبذلك كان اعتمادنا على فهم أصحاب رسول الله ﷺ اعتماداً قوياً في مصادر التلقي. ذُكر في مسائل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإن كنا قلنا في الدرس الماضي: إن سلف الأمة دائماً ينتسبون إلى الإمام أحمد ﵀ ورضي الله عنه لما تميز به، فكتب في رسالته لـ عبيد الله بن يحيى كما روى الإمام ابن الجوزي بسنده عن عبد الله ابن الإمام أحمد، قال: كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان يبين له منهجه ﵁ وأرضاه: "لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتابٍ أو حديثٍ عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه ﵃، أما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود". ونجد أمراً عجيباً وتنبيهاً لطيفاً هنا: مسائل الاعتقاد نجد أنها جاءت تلقينية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام:١٤] ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر:٦٦] ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا﴾ [الأنعام:٧١] كلها مسائل عقيدة تلقن الأمة إلى قيام الساعة أن تتمسك بها، مما يدل على أنها توقيفية يُتبع فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وبهذا نعلم أن العقيدة هي ما يدين الإنسان به ربه، ويؤمن به في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. بعد أن أخذنا مصادر العقيدة، ننطلق فنتكلم عما تتميز به العقيدة الإسلامية، ونقول: إنها تتميز بمزايا:

стр. 73

مزايا العقيدة الإسلامية

стр. 74

أنها من الأمور الغيبية تعتبر العقيدة من الأمور الغيبية، إذ لا نعلم حقائقها وإن كنا نعلم مدلول اللفظ، وإنما ما يتعلق بكيفيتها لا يعلمها إلا الله، نحن نعلم أن لله ملائكة، لكن كيف هؤلاء الملائكة؟ ما طولهم؟ ما لونهم؟ ما مهمتهم (١٠٠%) دقيقة؟ ورد لنا أن بعض الملائكة لهم بعض المهمات، والصفات والوظائف، لكن الحقائق والكيفيات لا نعلمها. منها: فيما يتعلق بالرب ، نحن نعلم بأن الله موجود، ونعلم بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لكن كيفية تلك الصفات الله أعلم بها كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" وتصبح هذه الأصول من مسائل الاعتقاد غيبية لا يمكن إطلاقاً أن ندركها إلا على ضوء الكتاب والسنة. العقيدة الإسلامية توقيفية، ويقصد بالتوقيفية أنه يتبع فيها الكتاب والسنة، وهذه من أهم ما تتميز بها، فلم يجعل الله للعقول فيها مجالاً، ولذلك نقول: إنها ليست محطة لاجتهاد أحد من العلماء، وليس لأحد أن يغير مسائل الاعتقاد بوجهٍ من الوجوه.

стр. 75

أنها تنتهج الوسطية فلا إفراط ولا تفريط فهي عقيدة وسط، وتتميز وسطية هذه العقيدة بأمور كثيرة، والوسط هنا يقصد به أنها عقيدة بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتقصير، فليست كالعقائد الأخرى التي فيها نوع من الانحراف والتغيير والزيادة والنقص، ولذلك نجد أن عقيدة أهل السنة والجماعة وسطاً بين الأديان كلها، فاليهود هم الذين وصفوا الله بالنقائص وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقالوا قبحهم الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] . ونجد أنها في المقابل وسط بين طائفة النصارى الذي غلوا في عيسى ﵊، ووصفوه بأن أعطوه صفات الرب ، وجعلوا له حق التصرف في الإحياء والإماتة، وله حق التصرف في الكون كله، وأصبح أهل السنة وسطاً بين هؤلاء، فأثبتوا لله الأسماء الحسنى والصفات العلى. وهكذا في مسألة العبودية، فهم وسط بين الدهريين الذين ينكرون وجود الله تعالى بالكلية -وكذلك في عصرنا الشيوعين الذين يقولون: لا إله والحياة مادة- والدهريون الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] وبين طوائف المشركين الذين عبدوا آلهة متعددة، فقريش عبدت عند الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً من دون الله، وجاءت هذه العقيدة (عقيدة أهل السنة والجماعة) لتعلن للناس أن لا إله إلا هو ، وعجبت قريش!! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧] وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] مستنكرين لهذه الألوهية. وهم كذلك وسط في أمورٍ متعددة، ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على وسطية أهل السنة والجماعة بكلام نفيس، بيَّن فيه أنهم وسط بين الملل السابقة، كما أنهم وسط يبن الطوائف التي تعيش بين ظهراني المسلمين، فهم وسط في أسماء الله وصفاته بين المشبهة والمعطلة، فـ المعطلة نفت الصفات كلياً، وقالوا: إن الله ليس له الأسماء الحسنى ولا الصفات العلى. ووسط بين المشبهة الذين يقولون: إن يد الله مثل يدي، وسمع الله مثل سمعي، قاتلهم الله أنى يؤفكون، فإن هذا أمر لا يجوز لنا بأي وجه من الوجوه، بل لله الأسماء الحسنى والصفات العلى، ونقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . ووسط بن القدرية الذين ينفون القدر، وهذا ينطبق على المعتزلة، وكذلك الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله. ووسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الذين يكفرونهم ويجعلونهم خارجين من الإسلام، وبين طوائف تؤله بعض الصحابة وتعظمهم، وتجعل لهم تصريفاً في الكون وتدبيراً، ولذلك أصبح أهل السنة والجماعة وسطاً بين الطوائف المنحرفة، ولسنا بصدد الحصر لوسطية أهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد.
следующие страницы →