Полный текст (347 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السنة النبوية
المصدر الثاني: هو سنة محمد ﷺ ، ورسولنا ﷺ لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] والله قد بين في كتابه أن محمداً: ﴿لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٦] دل على أنه لا يمكن أن يأتي بشيء من هواه، وإنما يأتي مبلغاً عن ربه ، ولذلك ما جاءنا عن الله أخذنا به، وما جاءنا عن رسول الله ﷺ أخذنا به؛ لأنه أعلم الخلق بربه ، ولذلك أصبح هو المصدر الثاني عندنا في الاعتماد عليه في مسائل الاعتقاد.
ولم تُربط العقيدة بمسائل العقل ليعتبر مصدراً مستقلاً استقلالاً كلياً، ويُعتمد عليه اعتماداً كاملاً، وإنما جعل العقل دالاً لمعرفة الكتاب والسنة، والسبب: لأن العقل مخلوق لله ، فكيف يمكن أن يحكم على ما يتعلق بمسائل الاعتقاد وعلى أخبار الرب ، ثم إن العقول محدودة، وإطارها ضيق، ولا تستطيع التجاوز عن الحد الذي حدها الله لها، وأما من تجاوز بعقله عما خلقه الله عليه فإنه يتخبط في الظلمات ليس بخارج منها.
ثانياً: أن العقل ضعيف التأثر، وسرعان ما يتغير الإنسان، يدخل عليك الإنسان بتصور جازم به، ثم تجده بعد ذلك ينطلق إلى آخر فيتغير بمتأثرات وغيرها، ثم يرجع لك بصورة غير الصورة التي دخل عليك بها من قبل، ولهذا عقول الناس تختلف باختلاف المؤثرات والأجواء التي يعيش فيها.
سبحان الله! كم من الناس عاشوا في بلاد الإسلام، وكانوا على صفاء ونقاء! ولما انطلقوا إلى بلاد الكفر مسخت عقولهم، وبعضهم تأثروا بما تعلموا به، فجاءوا بأمور جديدة على الناس لم تكن معروفة، مما يدل على أن العقل يتأثر بالمؤثرات التي تحيط به سواء كانت النفس أو الهوى أو التعلم أو غيرها، فلا يمكن أن يكون معتمداً أبداً يعتمد عليه في مسائل الصفات، ولهذا ظل (الفلاسفة) ولئن كان الناس يسمونهم (فلاسفة) ينسبونهم إلى الإسلام، وفي الحقيقة بعضهم لا ينسب إلى الإسلام؛ نظراً لأقواله المنحرفة عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 72
فهم السلف الصالح
وهنا يتميز أهل السنة والجماعة بخصيصة: أنهم يأخذون عقيدتهم على ضوء فهم أصحاب رسول الله ﷺ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا يأتون بفهومهم هم، وإنما يأخذون بفهم الصحابة، وفهم الصحابة هو العمدة؛ نظراً لأنهم عاصروا التنزيل، وأدرى بمقاصد الشرع، ولأن الرسول ﷺ قد بين لهم كل شيء، ولم يترك شيئاً من أمور الدين في مسائل الاعتقاد أو الفروع إلا وقد وضحها لهم، وقد قال فيهم النبي ﷺ : (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) وبذلك كان اعتمادنا على فهم أصحاب رسول الله ﷺ اعتماداً قوياً في مصادر التلقي.
ذُكر في مسائل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإن كنا قلنا في الدرس الماضي: إن سلف الأمة دائماً ينتسبون إلى الإمام أحمد ﵀ ورضي الله عنه لما تميز به، فكتب في رسالته لـ عبيد الله بن يحيى كما روى الإمام ابن الجوزي بسنده عن عبد الله ابن الإمام أحمد، قال: كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان يبين له منهجه ﵁ وأرضاه: "لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتابٍ أو حديثٍ عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه ﵃، أما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود".
ونجد أمراً عجيباً وتنبيهاً لطيفاً هنا: مسائل الاعتقاد نجد أنها جاءت تلقينية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:١-٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٣٦] ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام:١٤] ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر:٦٦] ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا﴾ [الأنعام:٧١] كلها مسائل عقيدة تلقن الأمة إلى قيام الساعة أن تتمسك بها، مما يدل على أنها توقيفية يُتبع فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وبهذا نعلم أن العقيدة هي ما يدين الإنسان به ربه، ويؤمن به في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
بعد أن أخذنا مصادر العقيدة، ننطلق فنتكلم عما تتميز به العقيدة الإسلامية، ونقول: إنها تتميز بمزايا:
стр. 73
مزايا العقيدة الإسلامية
стр. 74
أنها من الأمور الغيبية
تعتبر العقيدة من الأمور الغيبية، إذ لا نعلم حقائقها وإن كنا نعلم مدلول اللفظ، وإنما ما يتعلق بكيفيتها لا يعلمها إلا الله، نحن نعلم أن لله ملائكة، لكن كيف هؤلاء الملائكة؟ ما طولهم؟ ما لونهم؟ ما مهمتهم (١٠٠%) دقيقة؟ ورد لنا أن بعض الملائكة لهم بعض المهمات، والصفات والوظائف، لكن الحقائق والكيفيات لا نعلمها.
منها: فيما يتعلق بالرب ، نحن نعلم بأن الله موجود، ونعلم بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لكن كيفية تلك الصفات الله أعلم بها كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" وتصبح هذه الأصول من مسائل الاعتقاد غيبية لا يمكن إطلاقاً أن ندركها إلا على ضوء الكتاب والسنة.
العقيدة الإسلامية توقيفية، ويقصد بالتوقيفية أنه يتبع فيها الكتاب والسنة، وهذه من أهم ما تتميز بها، فلم يجعل الله للعقول فيها مجالاً، ولذلك نقول: إنها ليست محطة لاجتهاد أحد من العلماء، وليس لأحد أن يغير مسائل الاعتقاد بوجهٍ من الوجوه.
стр. 75
أنها تنتهج الوسطية فلا إفراط ولا تفريط
فهي عقيدة وسط، وتتميز وسطية هذه العقيدة بأمور كثيرة، والوسط هنا يقصد به أنها عقيدة بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والتقصير، فليست كالعقائد الأخرى التي فيها نوع من الانحراف والتغيير والزيادة والنقص، ولذلك نجد أن عقيدة أهل السنة والجماعة وسطاً بين الأديان كلها، فاليهود هم الذين وصفوا الله بالنقائص وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وقالوا قبحهم الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] .
ونجد أنها في المقابل وسط بين طائفة النصارى الذي غلوا في عيسى ﵊، ووصفوه بأن أعطوه صفات الرب ، وجعلوا له حق التصرف في الإحياء والإماتة، وله حق التصرف في الكون كله، وأصبح أهل السنة وسطاً بين هؤلاء، فأثبتوا لله الأسماء الحسنى والصفات العلى.
وهكذا في مسألة العبودية، فهم وسط بين الدهريين الذين ينكرون وجود الله تعالى بالكلية -وكذلك في عصرنا الشيوعين الذين يقولون: لا إله والحياة مادة- والدهريون الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] وبين طوائف المشركين الذين عبدوا آلهة متعددة، فقريش عبدت عند الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً من دون الله، وجاءت هذه العقيدة (عقيدة أهل السنة والجماعة) لتعلن للناس أن لا إله إلا هو ، وعجبت قريش!! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧] وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] مستنكرين لهذه الألوهية.
وهم كذلك وسط في أمورٍ متعددة، ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على وسطية أهل السنة والجماعة بكلام نفيس، بيَّن فيه أنهم وسط بين الملل السابقة، كما أنهم وسط يبن الطوائف التي تعيش بين ظهراني المسلمين، فهم وسط في أسماء الله وصفاته بين المشبهة والمعطلة، فـ المعطلة نفت الصفات كلياً، وقالوا: إن الله ليس له الأسماء الحسنى ولا الصفات العلى.
ووسط بين المشبهة الذين يقولون: إن يد الله مثل يدي، وسمع الله مثل سمعي، قاتلهم الله أنى يؤفكون، فإن هذا أمر لا يجوز لنا بأي وجه من الوجوه، بل لله الأسماء الحسنى والصفات العلى، ونقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
ووسط بن القدرية الذين ينفون القدر، وهذا ينطبق على المعتزلة، وكذلك الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله.
ووسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الذين يكفرونهم ويجعلونهم خارجين من الإسلام، وبين طوائف تؤله بعض الصحابة وتعظمهم، وتجعل لهم تصريفاً في الكون وتدبيراً، ولذلك أصبح أهل السنة والجماعة وسطاً بين الطوائف المنحرفة، ولسنا بصدد الحصر لوسطية أهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد.
стр. 76
أنها ثابتة لا تتغير على مرِّ العصور والدهور
وعقيدة الإسلام لا تتغير على مر العصور والدهور أبداً، وسبحان الله! من عهد نبينا محمد ﷺ كان يأتيه الرجل يريد أن يسلم فيقول له: اشهد بأن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ونحن في عصرنا من أراد الإسلام نأمره بقضية الشهادتين، ونجد عقيدتنا التي كانت في حياة النبي ﷺ هي عقيدتنا الآن، بل إن من تمسك بها سيستمر إلى قيام الساعة لا زيادة هناك ولا نقص، ونجد في مقتضى الثبات هذا بمعنى: أنه لا يجوز تطويرها بما يناسب العصور أبداً.
وسبحان الله! إنك إن تنطلق إلى تاريخ الكنيسة تجد عجباً، فكلما مر عليهم قرن أو قرنان اجتمع مجلس الكنائس فطوروا العقيدة لتناسب العصر، وما من عصرٍ إلا وتجد فيه تجديداً وتغييراً، أما عقيدتنا فهي ما كانت على عهد النبي ﷺ ، وهي ما كان عليها الإمام أحمد ﵀، وهي ما كان عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي ما كان عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى قيام الساعة، ثابتة لا يجوز تغييرها، ولا يمكن أن يزاد فيها ولا ينقص منها.
ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة إلى قيام الساعة) وذكر شيئاً من خصائصها ومن صفاتها، ونسأل الله أن نكون من هؤلاء.
стр. 77
أنها لا تتعارض مع العقل السليم
العقيدة الإسلامية لا تتعارض مع العقل السليم أبداً، ولذلك نجد في القرآن آيات تأمر العقل بالتدبر: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] إلى غير ذلك لفتة للعقل بأن يتأمل في هذه الأمور، وأن يتمسك بها، وليس هناك نص يخالف العقل في مسائل الاعتقاد إطلاقاً، ولذلك قلنا: إن الشريعة تأتي بما تحار فيه العقول، لا بما تستحيله العقول.
стр. 78
أنها مبرهن على كل جزئية من جزئياتها
عقيدة الإسلام عقيدة مبرهنة، فما من جزئية من جزئياتها إلا ويوجد لها نص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وإذا قيل لك: اعتقد بهذا الشيء دون أن يوجد نص من كتابٍ وسنة فلا تقبله أبداً، ولذلك لما ذكر الله في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] جاءت: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] أعطونا دليلاً على هذا الشيء؟ ونحن نعلم أن دخول الجنة ودخول النار لا يكون إلا على مسائل الاعتقاد، ولهذا ذكر الله عن اليهود عندما قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠] أي: أنه لا دليل لكم ولا حجة، بل إنكم مفترون على الله، فلذلك تتميز العقيدة الإسلامية بأنها عقيدة مبرهنة، تتبع قضاياها وجزئياتها بالحجة الدامغة وبالدليل الناصع الصحيح الثابت الوارد في كتاب الله، أو في سنة النبي ﷺ .
стр. 79
أنها سالمة من التناقض والتعارض
والعقيدة الإسلامية ليس فيها شيء من التناقض والتعارض أبداً، ولذلك لا نجد تعارضاً بين آيات القرآن، ولا بين أحاديث النبي ﷺ ، ولا بين جزيئات العقيدة فلا ينقض بعضها بعضاً، بل بعضها يوافق ويؤيد بعضاً، وتسير في بيان معتقد صحيح ثابت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 80
أنها واضحة ومبينة لجميع الناس
العقيدة الإسلامية عقيدة واضحة، وتميز وضوح هذه العقيدة أن النبي ﷺ قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) ولذلك لا نجد في مسائل الاعتقاد شيئاً من الغموض، ولئن وجد عند بعض الناس شيئاً من الغموض، فلعل السبب في ذلك جهل هذا الإنسان بمعتقده وعدم معرفته له، وإلا فإن مسائل العقيدة لا غموض فيها أبداً، كيف يكون فيها نوع من الغموض وهي معتمدة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! ونحن في مسائل الاعتقاد لا نكتم على أحد، ولا يقال لأحد: إنك لم تبلغ الرتبة، فلا يمكن أن تصل إليك هذه المسائل الاعتقادية.
لقد كان النبي ﷺ يعرض هذه العقيدة على أبي بكر وعمر كما يعرضها على الأعرابي الذي يتبع الإبل يرعاها وغيره، وهو قد يكون من أقل الناس معرفة ودراية، لم يكتم النبي ﷺ عقيدته على أحد، بل لم يكن النبي ﷺ يقول لمن ليس له علم: إنك لم تبلغ الرتبة، انتظر فترة من الزمن حتى تترقى وتصل إلى مرتبة تعرف فيها مسائل الاعتقاد، يأتي النبي ﷺ الرجل الجاهل، ومع ذلك يأمره بأصول الاعتقاد والإيمان، ويأتيه سيد القوم وربما العالم، وربما أعلى الناس رتبة، ويعرض عليه أصول الاعتقاد كما يعرضها على هذا وهذا سواء، يأمرهم بتأصيل هذه المسائل الاعتقادية.
والعجب أننا نجد في الديانة النصرانية مسائل غامضة، وكم نجد من الناس الذين دخلوا في دين الله تعالى من النصارى وكان سبب إسلامهم: أنهم لا يجدون من الوضوح ولله الحمد كما في مسألة التوحيد والعقيدة عندنا، ويجدون إشكالات وغموضاً في مسائل الاعتقاد عندهم، ولو سألوا أساقفتهم عُتِّب عليهم، ولم يقبل منهم أن يسألوا نظراً لأنها مراتب عندهم.
ويشابه النصارى غلاة الصوفية الذين يقولون: إن من سأل منع أو سحبت منه بركة العلم، ولم يستفد من الشيخ، ويقال: إنك لم تصل إلى رتبة، فانتظر حتى يرقيك الشيخ إلى هذا المستوى، وهذا ليس في عقيدة أهل السنة والجماعة، وليس في عقيدة سلف الأمة، بل تعرض العقيدة ناصعة واضحة كالشمس في رابعة النهار لكل من أراد أن يستفيد منها، فهي ولله الحمد واضحة وبينة بياناً كاملاً، ولقد مكث النبي ﷺ يرسي معالم العقيدة، ويؤصلها في نفوس الصحابة ﵃، ولم يكن ولله الحمد فيها شيء من الغموض.
стр. 81
أنها تقبلها الفطر السليمة
العقيدة فطرية، ويقصد بفطرية هذه العقيدة: أنها لا تعرض على صاحب فطرة سليمة إلا قبل هذه العقيدة قبولاً تاماً ورضي بها، ولم يجد شيئاً من المعارضة في نفسه لهذه العقيدة، بخلاف العقائد الأخرى فكم تجد فيها من الغموض، وكم تجد أن النفوس تنفر منها ولا تقبلها، كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ لما حدثت المناقشة مع النجاشي ﵀ ورضي الله عنه، قال: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونئد البنات، ونأتي الفواحش، ونأكل الربا، ونسيء الجوار إلخ، ولكن أتانا الله بهذا الدين بما جاء به محمد ﷺ بأمر التوحيد، وبحسن الجوار، وبر الوالدين، وبصدق الحديث والأمانة، فقال النجاشي بعد ذلك قابلاً لهذا الدين لأنه على الفطرة، قال: إن هذا الذي أمر به محمد لهو الذي أمر به عيسى وأمر به موسى عليهم الصلاة والسلام.
стр. 82
أنها شاملة لجوانب الحياة
العقيدة شاملة، ويقصد بها: أنها عقيدة شاملة لجميع جوانب الحياة، وتغذي نفس الإنسان واحتياجه، وإن الإنسان يجد في نفسه فراغاً، ويحتاج إلى شيء من الإجابات على أمور كثيرة، يحتاج إلى الإجابة لماذا خلق في هذه الحياة الدنيا؟ وإلى أين ينتقل إذا مات؟ وما مصيره بعد الموت؟ أسئلة ملحة تحتاج إلى إجابات، ولله الحمد توجد في عقيدة الإسلام واضحة بينة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] إلى غير ذلك مما تتميز به العقيدة الإسلامية من النصوع والوضوح.
стр. 83
تميز منهج السلف عن غيره في تقرير العقيدة
يتميز سلف الأمة بمنهج فريد على سائر الطوائف كلها، ونجد أن هناك مناهج عديدة فللمعتزلة مناهج، وللخوارج مناهج، ولكل طائفة منحرفة منهج في تقرير مسائل اعتقادها.
أول ما يتميز به منهج سلف الأمة في تقرير العقيدة: تحكيم الكتاب والسنة في كل قضية من قضايا الاعتقاد، وعدم رد شيء من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وجعل الله الكتاب والسنة باقيين إلى قيام الساعة يستفيد الناس منهما في مسائل النزاع والاختلاف، وبينه الله : (ولو ردوه إلى الله والرسول) جاء الأمر بالرد إلى الله والرسول في مسائل الاختلاف.
ومنها: الأخذ بما ورد عن أصحاب رسول الله ﷺ في مسائل العقيدة، بل في المسائل كلها في الفروع وفي مسائل الأصول، أي: في أصول الإيمان، وفي مسائل التشريع التي وردت من صلاة وزكاة وغيرها.
منها كذلك: عدم الخوض في مسائل الاعتقاد مما ليس للعقل فيه مجال، وهي فيما يتعلق بالمسائل الغيبية، فإن العقل له حدود معينة، ومن منهجهم ﵏ ورضي عنهم أنهم لا يقحمون العقل فيما لا يقدر عليه أبداً، ولا يجعلون العقل يتجاوز الحدود التي جعلها الله له، فلا يجاوزون الحد الذي حده الله لهم، ولذلك انضبطت عقولهم، وانضبطت قلوبهم وجوارحهم، فلم يوجد عندهم شيء من الانحراف.
ومنها كذلك: عدم مجادلة أهل البدع، ويقصد بالمجادلة لأهل البدع في الحدود التي لا يستفاد منها، وليس المعنى: ألا يرد على المبتدعة، وألا يبين بطلانهم، فلقد وقف أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى في وجوه المبتدعة، وألقموهم الحجر، فشيخ الإسلام ابن تيمية كم له من الصولات والجولات، وقبله الإمام أحمد ﵀، وكثير من أئمة أهل السنة وقفوا في وجوه المبتدعة مبينين بطلان ما هم عليه، وانحرافهم عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ويقصد بالمجادلة: تلك المجادلات التي تعقد في المجالس العامة، والمناظرات التي يجلس فيها الصغير والكبير، ويسمع لها الذكر والأنثى والعالم وغير العالم، فتلك مجادلات ربما يكون فيها نوع من الخطر، ولقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقيل له: ألا تناظر المعتزلة؟ وكان المعتزلة لهم صولات وجولات في عهد الإمام أحمد ﵀، وكانت لهم الصدارة في تعليم الناس، وفي الإفتاء، وفي تدريس الناس وغير ذلك، وكانوا يعقدون المناظرات أمام الناس في المساجد وغيرها، ولما قيل للإمام أحمد: ألا تناظرهم؟ قال: "ليس من نقص في قضية المناظرة والمجادلة، وإنما أخشى أن أرد رداً فلا يفهمه بعض الحاضرين فيكون لبعضهم فتنة" أي: أنه يُوجِدُ في قلبه نوعاً من الشكوك، وإلا فإن أئمة أهل السنة قد ألفوا الكتب، وقد ناظروا هؤلاء المبتدعة، وبينوا عوارهم وفضحوهم.
ومنها كذلك: عدم مجالسة المبتدعة، ويقصد بالمجالسة: تلك المجالس التي يُطمئن إليها، بل الواجب أن يكون الإنسان بعيداً عن هؤلاء المبتدعة مخافة أن يتأثر بهم، وكم من الناس من تأثر بمجالستهم للمبتدعة، بل أعظم ما يكون من ذلك: ضعف قضية الولاء والبراء في النفوس، مما يؤدي إلى محبة المبتدعة والأنس بهم، والبشاشة في وجوههم، وعند ذلك يضعف في نفسه النصح لهم، ودلالتهم إلى الحق ومناظرتهم، وبيان الحق الذي قد تمسك به، ولقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينهى عن حضور مجالس الحارث المحاسبي وغيره؛ نظراً لأن لديه شيئاً من مذهب الكلابية، وكان السلف يمنعون من حضور مجالس المبتدعة، مخافة أن يتأثر الناس بفكرهم.
كذلك من منهج أهل السنة في تقرير العقيدة: الحرص على جماعة المسلمين ووحدتهم، ولعل ذلك يدل على أن الشيطان إلى الواحد أقرب، لكن من كان مع جماعة المسلمين من علماء الأمة وكبارهم وموجهيهم، ومن المنقادين للحق من العلماء والدعاة وغيرهم كان على الحق، خاصة إذا كان منهج هؤلاء هو الحرص على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
هذا فيما يتعلق بقول شيخ الإسلام:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي
стр. 84
منهج السلف الصالح في مسألة السؤال والإجابة عليه
أنبه تنبيهاً لطيفاً في قضية أدب الطلب، ونحن نحتاج إليه، وهو قضية السؤال: ينبغي أن نعلم أن من منهج سلف الأمة في مسألة السؤال والإجابة عليه، أن السلف ﵏ كانوا يتورعون في الإجابة على الأسئلة، ولا يستشرفون لها، ولقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره في آداب الطلب أن الصحابة ﵃ كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة أحالها على الآخر، كل يحيل على أخيه ليس استشرافاً للفتيا.
ونقول للأحبة: ينبغي لك إذا سئلت عن مسألة، إن كان معك أو تعرف الحق فيها كالشمس، فلا مانع من الإجابة، ولكن إذا وجد في المجلس من هو أعلم منك وأحسن منك في التأصيل والتقعيد، فينبغي أن تسكت ولا تستشرف لها، ولهذا روي: (أجرؤهم على الفتيا أجرؤهم على النار) ولأن قضية بيان الحكم كما قال الإمام ابن القيم ﵀ وغيره: بيان أن هذا هو قول الله، أو هذا الذي قال به الرسول ﷺ ، والإفتاء في هذه الأمور خطره عظيم؛ لأنه ينسب إما إلى الله في قضية الحكم، أو أن هذا هو قول رسوله ﷺ ، ووجب على الإنسان أن يربي نفسه على قضية التورع في الإفتاء، ولهذا ذكر بعض السلف مبيناً واقعاً كان يعيشه ومحذراً منه: [إنكم لتفتون في أمور لو كانت في عهد عمر لجمع أهل بدر يستفتيهم فيها] .
والعجب أن نجد بعضاً من المبتدئين في طلب العلم يفتي في قضية الطلاق بالثلاث، وفي مسائل الحيض، وفي مسائل عظيمة، يعجب الإنسان كيف يجرؤ سمع فتوى وانطلق بها، وليس الأمر بقضية الفتوى أنه عرضها ثم يلقيها، بل إنه يقيس عليها وينظر لها، ويعطي مسائل متعددة استنباطاً من هذه، وما علم أنه ربما يقع في أمرٍ ويخطئ فيه، ويصبح هذا الرجل يتدين لله بغير علم، فأصبح هذا الإنسان قد أضله بدلاً من أن يهديه إلى هذا الأمر.
أتذكر قصة من اللطائف وهي قصة مع شيخنا العلامة حفظه الله وأمد في عمره، وأقول للأحبة: كلما ازداد علمك كلما عرفت بأنك على جهل، وتحتاج إلى زيادة علم.
أتذكر أني زرت شيخي حفظه الله وأمد في عمره! مع أحد العلماء الكبار الذين يشار إليهم بالبنان، وكنت معه في استفتاء في بعض المسائل، جمعناها لعرضها على شيخنا العلامة، وكانت من المسائل المعضلة.
وجاء العالم الكبير الذي جئت معه يعرض على الشيخ بعضاً من هذه المسائل، ثم لما عرض عليه السؤال قال: إننا لم نجد كلاماً لأهل العلم كثيراً، وبضاعتنا في هذه المسألة قليلة، فقال عالم الأمة شيخنا العلامة أمد الله في عمره: كلنا قليل العلم، فوقفت مبهوراً، عالم كبير وفي مصاف كبار العلماء، ومع ذلك يقول: بضاعتنا في هذه المسألة قليلة، وعالم الأمة يقول: كلنا قليل العلم.
وأقول للأحبة: إذا كان هذا كلام العلماء الكبار، فمن نحن أمام هؤلاء؟ إن هذا مما يوجب علينا أن نحرص على الزيادة من العلم، وعلى الحرص على القراءة والتحصيل والاستفادة، شحذاً للهمم في المواصلة في الطلب، وهذا هو الواجب علينا أن نسير على ضوئه.
стр. 85
شرح قول شيخ الإسلام: (رزق الهدى)
ننطلق إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
رزق الهدى من للهداية يسأل
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هنا: (رزق الهدى) ولعلنا نشم من قوله: (رزق الهدى) حسن تلطف من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث لم يأنف من هذا السؤال: ما هي عقيدتك أنت؟ بل تلطف به، ويظهر من هذه العبارة أن شيخ الإسلام ابن تيمية يدعو له بالهداية إلى صراط الله المستقيم، وإلى المعتقد الصحيح، وأن الهداية هي بيد الله وحده لا شريك له.
стр. 86
سؤال الهداية من الله تعالى
إن السؤال عن الأمر الذي يشكل على المسلم من أعظم أسباب الهداية، ومن أعظم أسباب تحصيل العلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما شفاء العي السؤال) .
وينبغي أن نعلم من قول المؤلف:
رزق الهدى من للهداية يسأل
أنه ليس كل سؤال يكون سبباً للهداية، وإنما السؤال الذي يكون مقصد الإنسان به معرفة الحق والتمسك به، والحرص على سنة النبي ﷺ ، فإن هؤلاء هم الذين يهدون، ولكن الأسئلة التي كان يطلبها المشركون من محمد ﷺ : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء:٩٠] ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ [الإسراء:٩٣] تجدها أسئلة لا يريدون منها الحق، فهؤلاء لم يرزقوا الهداية، وينبغي أن نستفيد فائدة وهي: أنه ينبغي للمسلم أن يكون همه وقصده الوصول إلى الحق والبحث عنه، فإذا كانت هذه نيته فإن الله يوفقه ويهديه ويرشده لمعرفة الحق.
فائدة أخرى: نقول: إن الهداية لا بد فيها من عمل الأسباب، وليست الهداية تنزل على الناس من السماء، ولذلك نقول للأحبة: قد تأتي لأخٍ لك أو لقريب لك لا يصلي، ثم تقول له: يا أخي اتق الله! صلِّ أدِ الصلاة، فتجد إجابته عجيبة، فيقول لك: يا أخي! احمد الله أن الله هداك وأنا ما هداني، اسأل لي الهداية، يريد أن تنزل عليه الهداية من السماء! لا، ولهذا قال شيخ الإسلام:
رزق الهدى من للهداية يسأل
من بحث عن الهداية وفقه الله وسدده ودله على الخير.
ولهذا لما بحث أبو ذر وعمر بن عنبسة عن الهداية وعن الدين، هداهم الله، لكنهما لو جلسا ولم يسألا ولم يبحثا لم تنزل عليهما الهداية من السماء، بل لا بد ولهذا قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] إذاً لا بد من قضية العمل حتى ترزق الهداية، وييسر الله لك أمورها.
стр. 87
حقيقة الرزق وإيصاله للعباد
وفي قول المؤلف ﵀: (رزق الهدى) قالوا: الرزق (بالكسر) هو ما ينتفع به، و (بالفتح) هو الإعطاء، وقيل: أصل الرِزق الحظ، ويقال: رزقه الله، أي: أوصل إليه رزقه، ونحن نعلم أن من أسماء الله تعالى أنه الرازق، وهو يرزق الخلق أجمعين مؤمنهم وكافرهم، وهو الخالق للأرزاق ، وهو معطي الخلائق هذه الأرزاق، وهو الموصل لها سبحانه، مما يدل على أنها أولاً وأخيراً من الله .
стр. 88
أقسام الرزق والرد على المعتزلة
يقول العلماء: إن رزق الله ينقسم إلى قسمين: ١- رزق طيب.
٢- رزق خبيث.
ومنه الكسب الخبيث، هو الذي ذكره النبي ﷺ في حلوان الكاهن ومهر البغي، وكسب الحجام بصفة النقص، والعجب من المعتزلة فإنها تقول: إن الرزق الحرام ليس برزق أو إن المال الحرام ليس برزق، وأن الله لا يرزقه؛ بناءً على تأصيلهم في مسألة أصل من أصول المعتزلة الخمسة: وهو العدل، وقالوا: إن الله لا يرزق الحرام أبداً وإنما الله يرزق الحلال، فلو كان الله يرزق الحرام ثم يعذب عليه لكان عندهم ظالماً، وهذا الكلام باطل، والنتيجة قالوا: إن الله عادل، إذاً الله لا يرزق الحرام، وكذلك الله لم يكتب المعاصي على العبد وغيرها من الأصول التي تكلم عليها المعتزلة.
стр. 89
تعريف الهداية وحديث القرآن عنها
قول المؤلف: (رزق الهدى) قال العلماء رحمهم الله تعالى: الهدى بضم الهاء وفتح الدال: الرشاد والدلالة، وقيل: الدلالة بلطف، وقال ابن سيد الناس: الهدى ضد الضلال، وهو الرشاد والدلالة.
سبحان الله! نجد في اللغة العربية بعضاً من الأمور يريد العلماء أن يعرفوها فيأتون بضدها، الليل ضد النهار فقط، ولا يحتاج إلى تعريف، ومثله إذا قالوا في قضية الهدى يقولون: هو ضد الضلال، والضلال ضد الهدى، كأنه من الأمور التي يعرفها الناس ومن الأمور اليقينية.
لقد ورد في القرآن آيات كثيرة في مسألة الهدى، والله يقول: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] أي: إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، وقال : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا لهم طريق الحق وطريق الضلال، وبينا لهم طريق الإيمان وطريق التوحيد، ولكنهم استحبوا الضلالة على الهدى فلم يريدوه، ولهذا قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وقيل: إن الذين هداهم الله تعالى إلى الحق: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وأرضاهم.
وقال بعضهم: إن من أسماء الله الهادي، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة الفاتحة، عند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] قال: الهدى يطلق ويراد به: الإطلاق الأول: ما يقر في القلب من الإيمان، قال: وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ، ولعلها تسمى هداية التوفيق والإلهام، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ويقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
الإطلاق الثاني: يطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه، والدلالة عليه والإرشاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] وهذه تسمى هداية الدلالة والإرشاد، الأولى لا يقدر عليها إلا الله، أما الثانية فهي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وللدعاة إلى الله؛ لأنهم يدعون الناس ويدلونهم ويرشدونهم إلى الحق، وللعلماء وطلاب العلم وللآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فهم يصفون للناس دلالة الإرشاد، وتوضيح الحق وبيانه، وقد قال الله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] .
يجب أن نعلم أن الهدى لا ينزل على الإنسان من السماء، بل لابد من بذل الأسباب، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "سؤال الهداية متضمن لحصول كل خير والسلامة من كل شر.
وقال: (إن الهداية هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وكأن أول طريق لها البيان والدلالة، قبل أن يحدث للإنسان بيان ودلالة لا يحصل له التوفيق والإلهام، وأصبح لا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسول ﵊ ، وهذه قاعدة، فلن تستطيع دلالة الناس إلى الحق إلا عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا أمر معلوم، فمن أراد أن يدل الناس إلى الحق بدون أن يكون مستنده النبوة أو الرسالة فلن يستطيع إيصال الحق إلى الناس، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب على ذلك هداية التوفيق، وحصل له الفلاح والسعادة بالهدايتين جميعاً.
стр. 90
مراتب الهداية
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن الهداية لها مراتب: المرتبة الأولى: التكليم، وهو أن يكلم الله عبده يقظة بلا واسطة، وهي أعلى المراتب، كما حصل لموسى ﵊ لما واعده ربه، وكما حصل لمحمد ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
المرتبة الثانية: مرتبة الوحي، وهذه تختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] .
المرتبة الثالثة: مرتبة إرسال الملك إليه، وهو إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري، فيوحي الله إليه بما أمر الله أن يوصله إليه، كما كان جبريل يأتي إلى محمد ﷺ بل جبريل يأتي الأنبياء جميعاً، وهذه المراتب الثلاث يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إنها خاصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم أبداً، وكل هذه المراتب الثلاث قد حصلت لمحمدٍ ﷺ .
المرتبة الرابعة: مرتبة التحديث، كما حصلت لـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فقد قال النبي ﷺ : (إن كان في الأمم قبلكم محدثون، فإنه في أمتي عمر بن الخطاب) ﵁ وأرضاه، قالوا: والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه في شيء، فيكون كما يحدث به، أي: يقذف الله في قلبه شيئاً فيقول للناس: سيحصل كذا ويحدث كذا، وقد حدثت لـ عمر بن الخطاب ﵁ في مسائل عديدة.
لطيفة من اللطائف: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن هذه الأمة ليس فيها محدثون كثير" وذكر النبي ﷺ أنها كانت في الأمم السابقة، ويذكر العلة من ذلك والسبب، قال: استغناء بكمال شريعة محمد ﷺ ورسالته فلم تحتج إلى محدثين كثير في هذا الأمر؛ لأن الشريعة قد كملت ولله الحمد، فلم يحوج الله الأمة بعد محمد ﷺ إلى مُحَدَثٍ أو ملهمٍ، أو إلى صاحب كشف كما تقوله الصوفية.
المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام، ولهذا ذكر الله في قصة داود وسليمان: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء:٧٨] ثم قال الله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فالفهم نعمة من الله على عبده، وهو نور يقذفه الله في قلب من شاء فيعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره.
ومثله قصة ابن عباس ﵄ عندما كان يجلس في مجالس عمر ﵁ وأرضاه، وكان عمر يصدره في المجالس، فقال الصحابة الكبار: إن لدينا أبناءً مثله في سنه فلماذا لا يجلسون؟ فسأل عمر عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ما تفهمون منها؟ قال الصحابة: إنه إذا فتح على النبي ﷺ مكة فإنه أمر بالاستغفار، قال: ما تقول يا بن عباس؟ [قال: إن هذا دليل قرب أجل النبي ﷺ ] ففهم ابن عباس فهماً دقيقاً، بمعنى: أنها انتهت الرسالة، وقد كملت مهمة محمد ﷺ ، والآن أمر بقضية كثرة الاستغفار لله والإنابة إليه.
المرتبة السادسة: مرتبة البيان العام، وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه، ولذلك يقول الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥] فأصبح الإضلال الذي يحدث للناس عقوبة من الله تعالى بعد البيان، أما كون الناس يضلون وليس عندهم وضوح ولا أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهذا أمر معلوم، لكن بعد أن يبين لهم يحدث الضلال، ولا شك أن هذا عقوبة؛ لأنهم أعرضوا عما ذكروا به: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] لأنهم هم المنحرفون.
وذكروا أن البيان يحدث بأمرين: بالآيات المسموعة وهي القرآن وغيره، وبالآيات المشاهدة، ولعل كثيراً من الناس يصلون إلى الآيات المسموعة ويعرفونها، لكن الآيات المشاهدة لا تحدث لهم، والله يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ويعتبر من الآيات المشاهدة موت العلماء، ولاشك أنها آيات عظيمة، وثلمة تحدث في الأمة، ونقص لا يشعر به ولا يعرف خطره إلا من كان متميزاً وفاهماً.
منها: الآيات التي تحدث في الأمم من الزلازل والبراكين وغيرها آيات، من الناس من يتعظ ومن الناس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] فلا يستفيدون شيئاً.
المرتبة السابعة: البيان الخاص: وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة، وهي هداية التوفيق والإلهام.
المرتبة الثامنة: مرتبة الإسماع، وسنتكلم على مرتبة الإسماع في البيت الثاني والله قد قال في القرآن: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] .
ويقصد بالإسماع هنا ليس إسماع الآذان وإنما إسماع القلوب، ولهذا تجدهم يسمعون الآيات ويسمعون رسول الله ﷺ يتلو القرآن، لكنهم لا يستفيدون، ولهذا قال الله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] .
المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام، والله يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧-٨] والمقصود بالإلهام هنا: أن يُجْعَلَ في قلب الإنسان تمييزه بين الحق والباطل، ولعل من الإلهام أن الإنسان إذا أذنب ذنباً سرعان ما يتوب، ويعرف بجرمه وبمعصيته، وبأنه خالف الحق، أو أنه إذا مر في طريق ميز بين أهل الحق والباطل، وميز بين أهل المعصية والطاعة، وميز بين الطريق الذي يأخذه والطريق الذي لا يأخذه، وهذا لا شك أنه نعمة ينعم الله بها على من يشاء، وكان النبي ﷺ يدعو: (اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) ولهذا يقال: كل مؤمن فإنه قد ألهمه الله رشده، إذ أنه اتبع محمداً ﷺ وأعرض، وأهل العقيدة الصحيحة ألهموا رشدهم إذ لزموا ما كان عليه سلف الأمة، وأعرضوا عن أقوال أهل البدع وما كانوا عليه.
المرتبة العاشرة: الرؤيا الصادقة، ولا شك أن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، وهي أن يراها المسلم أو ترى له، وسبحان الله! تكثر الرؤى في آخر الزمان، وكان النبي ﷺ في أول بعثته أول ما بدأ به الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، مصداقاً لرؤيته ﷺ ، وهذا مما يتميز به النبي ﷺ ، ولعل هذه كانت من أوائل ما تأتي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتصبح الرؤى الصادقة للأنبياء إرهاصاً لهم ومقدمات لنبوتهم؛ حتى لا تفجؤهم قضية النبوة، فإنهم يبدءون يرون الرؤى ثم تقع، ثم تتكرر عليهم، ثم تأتي المرتبة التي بعدها حتى ينزل عليهم الوحي، ويؤمروا بقضية التبليغ.
أما بالنسبة للمسلمين أو لأفراد الناس فلا يمكن أن نقول: مقدمات للنبوة، بل هي جزء من أجزاء النبوة، وأخبر النبي ﷺ إما أن يراها الإنسان أو ترى له، وتصبح إذا كانت الرؤيا صادقة.
ولعلنا نذكر من اللطائف هنا ونختم بها: الرؤى إما أن تكون أضغاث أحلام، وإما أن تكون رؤى صادقة، فأضغاث الأحلام لا يلتفت إليها أصلاً، والرؤى التي قد تكون صادقة تنقسم إلى قسمين: رؤىً تسر الإنسان ويفرح بها، ورؤىً تسوءه، أما الرؤى التي تسر الإنسان فقد قال النبي ﷺ : (إذا رأى أحدكم ما يحب، فليحدث من يحب مخافة أن يحسده أحد) مثل الإنسان رأى أنه سلم على الرسول ﷺ ، أو رأى أنه دخل الجنة، أو رأى أنه تزوج، أو أنه كسب مالاً، هذه رؤى طيبة، فهذه نقول: يحدث من أحب بها.
أما إذا رأى الإنسان ما يكره، مثل أن يرى أنه مقتول، أو أن على رأسه طائر، أو رأى أنه سقط في بئر، من الرؤى المفزعة، أو شخصاً يلحقه بسلاح، فلا شك أن هذه الرؤى تحزن القلب، وقد تؤثر عليه تأثيراً مباشراً.
بعض الناس يقوم من النوم وهو يبكي من شدة ما رأى، أو يصيح بأعلى صوته مما رأى، فماذا يعمل المسلم هنا؟ بين لنا النبي ﷺ أدباً عظيماً، وكان عمر يقول: [إني لأرى الرؤيا فتهمني، أو فتمرضني شهراً من فزعها] ثم دله النبي ﷺ : أولاً: أن يتحول الإنسان عن موقعه الذي هو عليه، فإذا كان على جنب انتقل على الجنب الآخر، وإذا كان على ظهره انتقل على جهة أخرى.
ثانياً: أن يتعوذ بالله من شر ما رأى، وأن ينفث ثلاثاً، ثم أمره النبي ﷺ : (ألا يخبر بها أحداً) وقال النبي ﷺ : (إنها لا تضره بعد ذلك) وفي بعضها أنه يتوضأ ويصلي، ولكن إذا عمل بهذا لا يضره شيء أبداً، وهذا هو هدي نبينا محمد ﷺ ، وقد تكون الرؤى لا شك مفزعة.
وينبغي للإنسان ألا يفسرها، ولقد فسر يوسف ﵊ للذين رأيا رؤيا وهما في السجن، أحدهم رأى أنه يعصر خمراً ويسقي ربه، والآخر رأى أنه يحمل على رأسه خبزاً تأكل الطير منه، فأخبر يوسف ﵊ بعد أن دعاهم إلى العقيدة الصحيحة: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ [يوسف:٣٩] ثم بين لهم أن أحدهم يصلب فتأكل الطير من رأسه، لو أُخبر الإنسان بهذا الخبر بأن رأى رؤيا مفزعة وقيل له: إنك ستموت وتقطع إرباً
стр. 91
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس السادس)
تعددت العلوم وتنوعت، فمنها ما هو مذموم ومنها ما هو محمود، ومن العلوم المذمومة علم الكلام، فقد ورد ذمه عن كبار أئمة الإسلام وعلمائه العظام.
وإن من أصول عقيدة المسلمين حب الصحابة أجمعين؛ لأن محبتهم دين وإيمان وبغضهم كفر ونفاق، والشهادة لهم بالفضل والإيمان أصل قطعي معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وقد قدمهم شيخ الإسلام في لاميته على الكلام على التوحيد لأسباب مبثوثة في ثنايا هذا الدرس.
стр. 92
شرح قول الناظم: اسمع كلام محقق في قوله
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
اسمع كلام محققٍ في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل
стр. 93
معاني السمع في اللغة
السمع هنا يراد على ظاهره, ويقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا أنه ينبغي لك الإنصات والإصغاء لما سأقوله عن عقيدتي ومذهبي؛ ولأن فائدة السمع هو العمل بالمسموع, فمن سمع الحق ولم يعمل به فهو والذي لا يسمع سواء لا فرق بينهما، وكم من الناس يسمعون وكأنهم لا يسمعون كما سنبين ذلك.
رتب الله السماع الذي يؤدي إلى الامتثال والعمل على قضية سماع الحس وهو سماع الأذن وهذا الحكم في الجملة، ولهذا من لا يسمع سماعاً كلياً إطلاقاً يصعب عليه أن يفهم ويعمل، وكانت حاسة السمع من أعظم الوسائل في إيصال المعلومات للإنسان؛ ولأن يفقد الإنسان بصره خير له من أن يفقد سمعه، ولهذا كم نجد من علمائنا من فقدوا البصر، ولكنهم برزوا على الناس كلهم، ولكن لا نجد من العلماء من فقدوا السمع وتميزوا على سائر الناس.
وقد يطلق السمع ويراد به غير ظاهره، وإنما هو كناية عن الانتفاع بالمسموع، ولهذا ذكر الله في كتابه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] وهذا تشبيه للكفار، فإن الكفار صم بكم، أنهم يسمعون ويبصرون ويتكلمون، ولِمَ وصفوا بهذا الوصف؟ الجواب: هذا كناية عن عدم انتفاعهم بما جاءهم من الآيات والنذر، وأنهم كمن لم يسمع شيئاً.
ولذلك فإن هذه الآية ظاهرها أن الدابة الصماء البكماء تعتبر أخس الدواب كلها، ولهذا شبهوا بالصم في عدم الانتفاع بما سمعوا به؛ لأنه مما ينبغي على المسلم إذا سمع شيئاً وعرف مدلوله أن ينقاد إليه ويعمله، وشبهوا بالبكم بناءً على انقطاع الحجة في المناقشة وفي العجز عن رد الحق الذي وصل إليهم، وهو مما جاءهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولهذا قال رب العزة : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] مع أن عندهم آذاناً يسمعون ما يقوله الرسول ﷺ ، ولكن قصد هنا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] أي: أن قلوبهم لا تستفيد من الآيات ولا مما جاءهم عن الله ورسوله ﷺ ، ولهذا يقول الله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] .
جاء المؤلف ﵀ لما قال: (اسمع) بصيغة الأمر لأن ذلك من أساليب التشويق لما يراد أن يقال بعد هذه الكلمة، فقد سأله عن عقيدته ومذهبه ودعا له بأن يرزق الهداية.
قال له: (اسمع) من باب تنبيه الإنسان، مثلما أقول: أيها الإخوة! اسمعوا ما سأقول لكم، ومعلوم أنني ما جلست إلا لتسمعوا أصلاً، فلماذا جئت بـ (اسمع) ؟ من باب جذب قلب السامع، ومن باب تهيئته لما سيلقى إليه، وهذا أسلوب من الأساليب التي تستعمل في لغة العرب.
стр. 94
معنى الكلام والقول
قال شيخ الإسلام ﵀:
اسمع كلام محققٍ في قوله
قال أهل اللغة: الكلام هو ما تركب من كلمتين فأكثر، وله معنى مفيد مستقل.
قد يتركب الكلام من كلمتين لكن لا يفيد شيئاً ولا يسمى كلاماً، وإنما يسميه أهل اللغة: (القول) كما سيأتي الكلام على ذلك، والكلام يتركب من كلمتين، وأصل الكلام كلمة، والكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، ومنها يتركب الكلام ويتركب القول.
قوله: (في قوله) قال في لسان العرب: القول هو الكلام على الترتيب، وهو كل لفظ قال به اللسان تاماً كان أو ناقصاً، ويدلنا على هذا الكلام ما قاله صاحب اللسان: أن القول أعم من الكلام، الكلام المفيد: قام زيد، هذا كلام مفيد ركب من كلمتين، وله معنىً مفيد مستقل، أما القول فقد يكون من كلمتين بينهما تنافر، وهي في اللغة تعتبر تركبت من كلام اللغة، مثل: قام، صار، لو ركبنا هذا ما تم شيء عندنا، وتعتبر هذه الكلمة لا تفيد شيئاً، وإنما جاء في كتب النحو أن تعريف القول: كل لفظ نطق به الإنسان سواء كان لفظاً مركباً أو لفظاً مفرداً، وسواء كان مفيداً أو غير مفيد، ويُعني بالقول: الألفاظ المفردة التي ينبني منها الكلام.
القول له إطلاقات متعددة ومن إطلاقاته: المسائل الاعتقادية، ولهذا تجد العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: وهذا قول المعتزلة، وهذا قول الخوارج، دل على أن هذا هو معتقد المعتزلة أو معتقد الخوارج.
وقد يطلق ويراد به الرأي، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أي: هذا رأي لـ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
стр. 95
معنى قول الناظم: (محقق)
قول المؤلف في مسألة:
اسمع كلام محقق قي قوله
المحقق قال في اللسان: أحققت الشيء أي: أوجبته، وتحقق عنده الخبر أي: صح، وحقق قوله وظنه تحقيقاً أي: صدق، وكلام محقق أي: رصين.
وقالوا: يصل الإنسان إلى مرتبة التحقيق بحيث لا يعتريه شك ولا تردد ولا رجوع عما اعتقده، وهذا يؤخذ من معنى: محقق، أي أن هذا كلام موثق ويقين وجزم لا تردد فيه أبداً، وشيخ الإسلام إذ يعرض عقيدته ليس عنده تردد في مسألة الاعتقاد، بل هو جازم حق الجزم.
ولعلنا ننبه هنا تنبيهاً لطيفاً عند قوله:
اسمع كلام محقق في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن أهل البدع دائماً لا ينقلبون عن مذاهبهم، ولعل هذا ينطبق على أهل الكلام والنظر، ولقد اتفق سلف الأمة رحمهم الله تعالى على النهي عن الجدال والخصومات على منهاج أهل الكلام والبدع، خاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ونهوا عن ذلك أشد النهي، ولعل السبب في ذلك: أن أهل الكلام والنظر سرعان ما يتقلبون يمنة ويسرة فلا ينضبطون في معتقدهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهذا الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ قالوا: إنه كان ربيباً عند القاضي أبي علي الجبائي رباه على الاعتزال أربعين سنة، ثم قيض الله له أن أضاء الله قلبه، وكانت النتيجة أن رجع عن مذهب الاعتزال ورد عليهم رداً قوياً، وغير مذهبه إلى الكلابية، ثم بعد فترة انتقل وكتب كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) ، وأعلن فيه رجوعه عن معتقد أهل الكلام كله، وقال: إنه في باب الأسماء والصفات يسير على عقيدة الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه، واعتبر الإمام أحمد مرجعاً ورمزاً لـ أهل السنة والجماعة دائماً يعتمدون عليه، ويفخر الإنسان أنه على عقيدة الإمام أحمد.
стр. 96
أنواع العلوم
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ناقلاً عن يحي بن عمار: العلوم خمسة: العلم الأول: علم حياة الدنيا، أي: لا تتم حياة العبد إلا به، قال: وهو علم التوحيد، ولا شك أن علم التوحيد هو الحياة الحقيقية، ولا يمكن أن يوصف الإنسان بالحياة الحقيقية حتى يوحد الله تعالى، والله قد قاله في كتابه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] إن الحياة الحقيقية هي بعلم التوحيد.
العلم الثاني: علم الغذاء ويسمى غذاء الدين، قال: وهو علم التذكير، ويقصد به التذكير بمعاني القرآن والحديث وغيره، وهذا يرمز له بطلب العلم، إذا عرفت توحيد الله فانطلق لطلب العلم، وإذا طلبت العلم فإنك تتغذى وتنمي الدين الذي عندك.
العلم الثالث: علم دواء الدين، والدواء هنا يقصد به علم الفتوى، فإن الإنسان تنزل به نازلة، ويحتاج إلى أن تُكشف عنه بسؤال أو بإشكال يمر عليه أو غيره، ويكون هذا العلم دواء له، ومعالجاً لهذا الداء، كما قال النبي ﷺ : (إنما شفاء العي السؤال) .
العلم الرابع: علم داء، ولعل هذا كناية عن المرض الذي يصيب الإنسان بسبب طلبه لهذا العلم، قالوا: وهو علم الكلام المحدث الذي نحذر عنه وحذر عنه سلف الأمة، وعلم الكلام المحدث لا شك أن الإنسان إذا خاض فيه انحرف عن دين الله، ولم يهتد للصواب أبداً.
العلم الخامس: علم هلاك الدين، قالوا: وهو العلم المتعلق بالسحر ونحوه، كمن يتعلم علوم الباطنية وغيرها من طوائف البدع، ولا شك أن الإنسان إذا تعلم هذه العلوم هلك في دينه ولم يستفد شيئاً، وإن صلى وصام وعمل العبادات كلها.
стр. 97
موقف العلماء من علم الكلام
لقد ورد عن سلفنا ﵃ وأرضاهم ذم أهل الكلام، وممن ورد عنهم الذم: كبار أئمة السلف كالإمام مالك رحمه الله تعالى ورضي عنه، فقد قال: "إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! ما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان" ليس مقصوده ألا نتكلم ولا نوضح تلك العقيدة، وإنما المقصود هو السؤال عن الكيفيات، وهي التي قال فيها الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" دل على أن أهل الكلام والنظر يبحثون عن هذه الأمور ويتعمقون فيها، مما يكون سبباً لانحرافهم وزيغهم عما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ .
لقد روى عبد الرحمن بن مهدي ﵀ عن الإمام مالك: "لو كان الكلام علماً لتكلم فيه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم، كما تكلموا في الأحكام والشرائع" ولكنه باطل دل على باطله أنه تركه الصحابة والتابعون؛ لأنه باطل لا يستفاد منه.
ولقد سئل الإمام سفيان الثوري ﵀: عن علم الكلام؟ فقال: [دع الباطل، أين أنت من الحق؟ اتبع السنة ودع البدعة]] .
وقال: [وجدت الأمر في الاتباع]] .
وقال: [عليكم بما عليه الحمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاتيب، من الإقرار والعمل]] أي: خذ بعقيدة هؤلاء النساء والصبيان وغيرهم؛ لأنهم أخذوا من المنبع، ولهذا نقل عن الإمام أبي المعالي الجويني والفخر الرازي أنه كان يقول: ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، يتمنى أن يموت على عقيدة أمه، دل على أنها عقيدة فطرية، وسيأتي من الأمثلة على ذلك.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه -يعني: من السرقة والزنا وغيره- خلا الشرك، خير له من أن يبتلى بعلم الكلام.
ويقول الحسن بن محمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ الكلام.
ومن الذين ندموا: الإمام الفخر الرازي، ويعتبر الفخر الرازي من كبار أئمة أهل الكلام، فإذا ندم أصحاب أهل الكلام والفلاسفة وغيرهم ورجعوا عن المذاهب الباطلة ثم جاءوا يحذرونا أخذنا بأقوالهم وقلنا: إن أقوالهم حجة.
يقول الإمام الفخر الرازي وهو القائل: "ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور؛ قال في شعرٍ له:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
أي: ما جمعنا شيئاً نستفيد منه، وإنما إن قالوا كذا قلنا كذا، وإن قالوا كذا قلنا كذا، ثم قال كلاماً نفيساً: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر:١٠] وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
فدل ذلك على أنه تورط بهذه العلوم، وبعد ذلك رجع إلى ما كان عليه.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن قضية المنطق وغيره، وتكلم عليه وهو علم أهل الكلام وغيره، فقال: إن أكثر ما فيه مما ورد الفطر السليمة تستقل به ولا تحتاج إليه، وقال ﵀ كلاماً لطيفاً معناه: إن البليد لا ينتفع من علم الكلام، وإن الذكي لا يحتاج إليه أصلاً.
إذاً ما فائدة هذا العلم إذا كان البليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه؟ ثم قال: ومضرته على من لم يكن خبيراً بعلوم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر من منفعته بهذا العلم، فإن فيه قواعد باطلة لا تنبني لا على عقل صريح، ولا مأخوذة من نص صحيح، ولهذا وقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وقفات من تعلم علم الكلام وغيره.
تكلم الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ وعفا عنه في حكم تعلم علم الكلام في مقدمة كتابه: إحياء علوم الدين، وإن كان هذا الكتاب عليه ملحوظات عديدة، ففيه دعوة إلى التصوف، وفيه نشر أشعريته، وفيه أحاديث كثيرة ضعيفة بل موضوعة ومكذوبة.
ذكر حكم تعلم علم الكلام وذكر خلاف الناس فيه، فمنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه فرض كفاية، ومنهم من قال: إنه مستحب، ومنهم من قال: إنه محرم وهو قول جمهور السلف في تعلم علم الكلام، والعجب أن نجد كثيراً من الجامعات في بلدان العالم الإسلامي يسمون علم التوحيد: علم الكلام، وهذه التسمية غير صحيحة، بل هي باطلة؛ لأننا نجد سلفنا رحمهم الله تعالى تكلموا على علم الكلام ذامين له، ولم يذكروه من باب المدح.
وما يذكر للناس من العقائد ليس منه، وخاصة ما كان موافقاً للكتاب والسنة، وإلا فإن أكثر البلدان تدرس عقائد الأشاعرة، أو عقائد الماتريدية، وبعضها قد تعرض العقائد عرضاً مجملاً، أو تعرضها عرضاً تخير الطالب فيما يشاء مما يختار، سواء يأخذ عقيدة المعتزلة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية، أو يأخذ عقيدة سلفية، يجعلون له حرية الاختيار، وهذا ليس بصحيح.
стр. 98
أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم
اختلف العلماء لِمَ سمي علم الكلام بعلم الكلام وإن كانت تسميته هنا ربطاً له بقضية أن التوحيد هو علم الكلام؟ فمنهم من قال: إن كثيراً من الكتب التي كتبت في مسائل الاعتقاد تذكر في مقدمة كلامها على أي جزئية من جزئيات العقيدة: الكلام في رؤية الله، الكلام على نزول الله، الكلام على الجنة، الكلام على النار، قال: فكان يصدر بكلمة الكلام، ولهذا سمي هذا العلم بعلم الكلام.
- ومن العلماء من قال: إن السبب في تسميته لأن أكبر قضية وقع فيها النزاع والخلاف وتعتبر من أوائل ما حدث مسألة كلام الله تعالى، وحدث النزاع فيها كثيراً.
- ومن العلماء من قال: إن علم العقائد لا يمكن تبيينه للناس إلا بالكلام، وليس علماً سلوكياً عملياً مثل الصلاة، والحج، كما كان النبي ﷺ يقول: (خذوا عني مناسككم) إلى غيره، وإنما كان يعرضها على الناس بلسانه ﷺ ويوضحها لهم في مسائل الاعتقاد.
وعلى كل حال فأياً كانت تسميته فإننا نقول: إن علم التوحيد وعلم العقائد لا يسمى بعلم الكلام، وإنما سماه أهل البدع بهذه التسمية، ونحن نسير كما سار عليه سلف الأمة، ولا نأتِ بلفظٍ جديد من عندنا.
стр. 99
شرح قول الناظم: لا ينثني عنه ولا يتبدل
قول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا ينثني) الانثناء في اللغة: هو الانعطاف، ومعناه: أي لا ينصرف عنه ولا يرجع، ومنه ذكروا في كتب اللغة: اثن وجوه الإبل عن الماء، أي: اصرف وجوهها عنه.
ومعنى هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معتقده الذي سيعرضه، لا ينعطف ولا ينصرف عنه أبداً، بل هو متمسك به، مما يدل على توثقه من معتقده وعدم تردده فيه.
(لا ينثني) أي: عن العقيدة، (ولا يتبدل) .
قال في القاموس: بدله تبديلاً، أي: حرفه، ويقال: تبدل أي: تغير.
قال في اللسان: بدَّل الشيء: غيره، والأصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله، ولهذا يقال: بدل هذا الكتاب بهذا الكتاب، أي: غيره، بدل هذا الموضع، أي: غير هذا الموضع.
وقالوا: التبديل تغير الشيء عن حاله، والأصل في الإبدال جعل شيء مكان شيء آخر.
ومقصود شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه لا يبدل مذهب السلف بغيره من المذاهب الأخرى، بخلاف المبتدعة فهم كل يوم يتبدلون عما كانوا عليه ويتغيرون عن معتقدهم الذي هم فيه.
стр. 100
عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة
ثم قال المؤلف ﵀:
حب الصحابة كلهم لي مذهب
الحب في اللغة: نقيض البغض، والحب هو الوداد، أي: المودة التي تكون في القلب، كما قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] أي: محبة في قلوب أهل الخير تكون لهم، ولهذا تجدون أهل الصلاح والاستقامة يحبهم أهل الخير، هذا نعتبره من ثواب الله تعالى لأوليائه في الدنيا أن يحبهم الناس، وهو مقتضى الحديث: (إذا أحب الله العبد قال لجبريل: أحبه، ثم جعل له المحبة في السماء، ثم رزق القبول في الأرض) إلى آخره كما ورد عن النبي ﷺ .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: لا تحد المحبة بحدٍ أوضح منها أبداً، والمقصود بها: أنه يقول: المحبة هي المحبة، بمعنى: أن كل شخص منا يعرف ما هو المقصود من المحبة؛ لأنك تعيشها واقعاً يومياً في كل أجوائك، تشعر بمحبة واضحة لبعض الأشخاص إذ تراهم في بعض المواضع التي تجلس فيها، فالمسجد نحبه، وأهل الخير نحبهم، والقرآن نحبه، والله نحبه، ورسوله نحبه، فلا حاجة لأن تعرف، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالحدود -أي: التعريف لها- لا تزيد المحبة إلا خفاء وجفاء، قال: فحدها وجودها عند الإنسان، أنت إذا حملت طفلك الصغير عندك له محبة، لا تحتاج إلى أن تعرف المحبة، ولذلك يقول ابن القيم: ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، ومع ذلك ذكر ابن القيم ﵀ نحو ثلاثين تعريفاً للمحبة، وبين بعض الكلام عليها، وذكر تعاريف الصوفية لها، وتعاريف بعض السلف رحمهم الله تعالى للمحبة وغيرها، ولكن كما قال: لاتحد المحبة بوصف أظهر من المحبة.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن للمحبة عشر مراتب، -كما في المدارج - وذكر في روضة المحبين أنها قد تصل إلى ستين نوعاً، وغالب ما عرفه لا نعيشه نحن، وإنما يعيشه بعض الناس الذين يعيشون الغرام والحب والهيام وغيره، وذكر أن أعلى مراتب المحبة: العلاقة، وأعلاها وأرقاها وأكملها: الخلة، ولذلك لا تكون الخلة إلا لمحمد ﷺ ولإبراهيم ﵊، كما قال النبي ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ولسنا في صدد الكلام على الخلة وسوف نترك الكلام على ذلك إلى باب الصفات.
стр. 101
تعريف الصحابي
الصحابة لغة: من صحِب يصحب فهو صاحب، والجمع: أصحاب، وصحاب وصحبة، ولها في اللغة العربية معانٍ متعددة تدور كلها على الملازمة والانقياد، ولهذا تقول: هذا صاحب لي، أي: ملازم وينقاد لي، إذا كان صاحباً صادقاً، فإذا قلت له: سنذهب إلى مكان كذا لا يردك أبداً، أي: أن بينك وبينه علاقة ومحبة ومودة توجب لك معها الملازمة والانقياد.
يقول الراغب في مفرداته: الصاحب الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ [الكهف:٩] لأنهم لازموا المكان وصاروا أصحاباً له، ولذلك قال الله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة:٨٢] دل على أنهم في مكان وسموا أصحاباً لها، ونسأل الله أن نكون من أصحابها.
والصحابي: منسوب إلى الصحابة، قال الراغب في مفرداته: والصاحب في العرف -أي: في عرف الناس- هو من طالت صحبته وكثرت ملازمته.
أما تعريف الصحابي عند المحدثين، فيقول البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه كما في صحيحه: الصحابي هو من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
يقول الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه في الصحابي: إنه يطلق على من صحب النبي ﷺ سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه مجرد رؤية، ولعل من أمثلة الذين رأوه مجرد رؤية الذين حجوا معه في حجة الوداع، لما علم الصحابة أن الرسول ﷺ سيحج وأذن في الناس بأن محمداً ﷺ سيحج هذا العام قدمت الجزيرة كلها، ما من أحدٍ يستطيع أن يأتي إلى محمدٍ ﷺ راجلاً -أي: مشياً على قدميه- أو راكباً، إلا وفد، كلهم حرصاً منهم تأسياً بالنبي ﷺ ، فمن الصحابة من لم يكن رآه إلا مرة واحدة ﷺ ، ومع ذلك يسمى هذا صحابياً.
ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه الإصابة أصح التعاريف في هذا الأمر، قال: وأصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي أنه من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، ومعنى: مات على الإسلام لئلا يكون لقي النبي ﷺ ومات على الكفر، كمثل بعض الذين أسلموا ثم ادعوا النبوة وقتلوا مرتدين، أو الذين حجوا مع النبي ﷺ ثم ارتدوا بعده، فلا نقول: هذا صحابي، قال: فيدخل فيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ويدخل فيه كذلك من روى عن النبي ﷺ أو لم يرو عنه، ويدخل فيه من غزا مع النبي ﷺ أو لم يغزُ معه ﷺ ، ويدخل فيه من رآه رؤية بصرية أو لم يره ببصره، كـ عبد الله بن أم مكتوم ما رأى النبي ﷺ .
قال: رآه ببصره ولو لم يجالسه، أو لم يره لعارضٍ كالعمى، وهذا التعريف لا شك أنه أصح التعاريف، وهو الذي رجحه الإمام البخاري، وهو تعريف شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال أهل الأصول: إن تعريف الصحابي: كل من طالت صحبته، (قالوا: طالت) والأولون لم يقولوا: طالت أصلاً، إنما يكفي مجرد الرؤية.
قالوا: من طالت صحبته مع النبي ﷺ متبعاً إياه، والأصح عدم تحديد الطول.
وبعض العلماء قال: ستة أشهر، وقيل: سنة، وقيل: لا بد أن يغزو مع الرسول ﷺ .
وبعضهم قال: لا بد أن يروي عنه، وإذا لم يروِ عنه لا يُسمى صحابياً، ولكن لا عبرة بما قاله هؤلاء.
وقالوا أيضاً: ولا يوصف من جالس عالماً ساعة بأنه من أصحابه.
شخص جلس مع شخصٍ لمجرد درس أو كلمة أو إفتاء أو غيره لا يسمى من أصحابه، قال القاضي عياض ﵀ نقلاً عن الواقدي: إنه يشترط -أي: الواقدي - أن يكون بالغاً، ولكن هذا القول ضعيف وليس بصحيح، لخروج كثير من أصحاب رسول الله ﷺ الصغار الذين شاهدوه ورأوه وهذا القول كما قال الحافظ ابن حجر: قول شاذ.
وقال الإمام العراقي ﵀: إنه روي عن ابن المسيب: لا يعد صحابياً إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، ولا شك أن قول ابن المسيب هنا ضعيف ولا يصح سنده عنه؛ لأنه نقل عن الواقدي.
стр. 102
أسباب ابتداء شيخ الإسلام بقضية الصحابة قبل التوحيد
السؤال: عندما قال المؤلف ﵀: حب الصحابة كلهم لي مذهب لماذا بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية بقضية الصحابة ولم يبدأ بقضية التوحيد؟ الجواب: بدأ بذكر الصحابة لثلاثة أمور: الأمر الأول: أن قضية الصحابة ﵃ وأرضاهم هي من أول القضايا التي وقع الخلاف فيها، فقد حدثت في عهد عثمان والقدح فيه، فهي تعتبر من أول المسائل العقدية التي حدث الانحراف فيها، ولهذا ركز عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه.
الأمر الثاني: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم هم الذين نقلوا لنا مسائل العقيدة، وقاعدة: (إذا قدح في النقال قدح فيما نقلوه) إذا قلت لشخص: إنك لا تصدق في حديثك فمقتضاه تلقائياً لا أقبل منك شيئاً، فإذا قدحت في الناقل قدحت فيما نقله، ولهذا بين شيخ الإسلام ابن تيمية كتأسيس القاعدة، وأن المنهج أننا نحب الصحابة ونأخذ كل ما رووه عن النبي ﷺ .
الأمر الثالث: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم من أراد أن يأخذ المنهج بحق فليسر على نهج أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد ذكر الشارح المرداوي ﵀ أن سبب بداية شيخ الإسلام ﵀ بقضية الصحابة؛ لأن قضية الصحابة من مسائل الاعتقاد، وأنها إجماعية بين أهل السنة والجماعة، قال: والقرآن والسنة مملوءان بالثناء عليهم، ولذا بدأ بها مصرحة، ومسألة الصحابة ﵃ والقدح فيهم قدح في الدين.
والقدح في أصحاب رسول الله ﷺ من أوائل المسائل العقدية التي حدث فيها الانحراف، ثم بين الأمر الثالث أن شيخ الإسلام أراد أن يبين ﵀ أن الواجب علينا أن نحب الصحابة، وأن نأخذ بمعتقدهم وبمنهجهم ﵃ وأرضاهم، فهم الذين يؤخذ عنهم الاعتقاد، ويؤخذ عنهم فهم الكتاب والسنة دون غيرهم.
عندنا مسألة حب الصحابة، قال: (كلهم) جاء بلفظة الكل، وقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن يرد على بعض الطوائف المنحرفة التي تحب بعض الصحابة دون بعض، فطائفة كفرت الصحابة ﵃ وأرضاهم على وجه العموم كلهم، ولم يبق على الإسلام إلا ستة، وبعضهم قال: لم يبق على الإسلام إلا ثلاثة فقط.
وطائفة أخرى كفرت بعض أصحاب رسول الله ﷺ كـ الخوارج، فبعضهم كفر عمرو بن العاص، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية وعثمان وغيرهم.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: نحن من قوم لا نقدح في أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا ننتقصهم، ولا نسبهم، ولا نكفرهم، فلا نفرق بين علي ومعاوية، ولا بين عائشة وفاطمة، بل نحبهم كلهم جميعاً ﵃ وأرضاهم.
стр. 103
أسباب محبة الصحابة ﵃
نقول للأحبة: منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ هي المحبة، وأنه يجب علينا أن نحب أصحاب رسول الله ﷺ ، وسبب حبهم لأمور متعددة: أولاً: أن هؤلاء القوم اصطفاهم الله اصطفاءً ربانياً، ولذلك روى أبو داود الطيالسي ﵀، عن ابن مسعود قال: [إن الله نظر إلى قلوب العباد فلم يجد قلباً أطيب من قلب محمد ﷺ فاختاره الله للنبوة، ثم نظر إلى قلوب العباد فلم يجد قلوباً أطيب من قلوب الصحابة إلى قيام الساعة فاختارهم الله لصحبة محمد ﷺ ] فيعتبر ذلك اصطفاء ربانياً، فلم يختر أحداً من العصور القريبة، وإنما اصطفاهم لصحبة هذا النبي الكريم، فجمع الله الطيب مع الطيب، وبناءً عليه نقول: هذا اصطفاء رباني يوجب لهم الحب ﵃ وأرضاهم.
الأمر الثاني: أن الله شرفهم بصحبة محمد ﷺ ، وهنيئاً لقوم رأوا محمداً رؤية واحدة ولو لحظة، ولهذا فإن فضل الصحبة لا يوازيه شيء أبداً من الدنيا، ولذلك ثبت في الصحيح وتكملته في بعض كتب السير أن سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، قالوا: إنه دخل مجلساً وهو في الكوفة، فوجد رجلاً قائماً ويتكلم، ولعل سعيداً ﵁ وأرضاه كان ثقيل السمع، فسأل من حوله: ماذا يقول هذا الرجل؟ قالوا: إنه يسب علي بن أبي طالب، فعجب ﵁ وأرضاه ووقف غاضباً وقال: أشهد بالله أن رسول الله ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة) ثم عد العشرة، ولما وصل إلى العاشر تلكأ لسانه وسكت، قالوا له: يا سعيد! من العاشر؟ قال: قد عدني رسول الله منهم، لم يرد تزكية نفسه ﵁ وأرضاه، بل سكت ورعاً وزهداً ﵁ وأرضاه، ثم قال قولته المشهورة: [لمقام أحدهم مع رسول الله ﷺ تغبر فيها قدماه خير من عمر أحدكم يعمر عمر نوح يعبد الله فيه] .
إذاً شرف عظيم من يستطيع أن يقدح فيه.
يقول شيخ الإسلام ﵀ ورضي عنه في الفتاوى: إذا جهل الناس فضائل أصحاب رسول الله ﷺ كان تعليمهم تلك الفضائل من دين الإسلام.
عجباً لأمة تعرف عن أهل المعاصي والفسق ما لا تعرفه عن أصحاب رسول الله ﷺ !! كم من المسلمين لا يعرفون أسماء العشرة المبشرين بالجنة، مع أنهم يعرفون عشرات بل مئات من أهل المعاصي والفسق، دل على أنه يجب علينا نشر فضائلهم لأجل أن يحب هؤلاء القوم، وقاعدة: أنك لا تحب شيئاً أو شخصاً حتى تعرف ما فيه من المزايا والخصائص، وكلما عرفت عن الشخص شيئاً يرغبك فيه ازددت حباً فيه.
الأمر الثالث: نصرتهم لدين الله تعالى، فهؤلاء القوم كان لهم من السابقة العظيمة العجيبة في نصر دين الله تعالى، وقد أثنى الله عليهم: ﴿يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] وسبحان الله! كم حدث لهم من النصر لدين الإسلام، سواء في المعارك في قتال المرتدين، أو في قتال الكفار، أو من المواقف العجيبة العظيمة، ولهذا قدموا نفوسهم رخيصة في سيبل الله، ولهذا قال الصحابي ﵁ وأرضاه:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
إذا كان في ذات الله تهون النفس، وكم قدم الصحابة من نفوسهم، وذكروا أن في قضية نصرتهم لدين الله تعالى أن عبد الله بن حرام ﵁ وأرضاه في غزوة أحد لما أراد النبي ﷺ أن يخرج جاء بابنه جابر بن عبد الله، وقال له: يا بني! والله لولا أنني أحب أن أموت وأقتل في سبيل الله في هذه المعركة لتمنيت أنك تقتل أمام عيني وأنا أنظر في معارك رسول الله ﷺ ، هو يفدي الإسلام بنفسه ويريد أن يقدم ابنه كذلك، وكل ذلك محبة في نصر دين الله تعالى وإعلاء كلمته، وقصصهم في ذلك تطول بنا، وكم نحن في حاجة إلى أن يعرف الناس الصحابة والجهاد ومواقفهم في جهادهم لإعلاء كلمة الله.
الأمر الرابع: صبرهم على أذى المشركين، ولقد صبر أصحاب رسول الله ﷺ على أذى المشركين صبراً عجيباً غريباً، وكم حصل لهم من الأذى ﵃ وأرضاهم.
وقد ورد بسند حسن أن عمار بن ياسر وأمه وأباه كانوا يعذبون، فمر عليهم النبي ﷺ ، وفي بعض كتب السير أن عماراً ﵁ قال: يا رسول الله! أكل الدهر هكذا؟ أي: منذ أسلمنا إلى الآن ونحن نعذب، أما ينكشف ما نحن فيه، فقال لهم النبي ﷺ : (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) فما اشتكى عمار بعده ولا سمية؛ لأنهم صبروا لذات الله تعالى على أذى المشركين، وما كانوا يعاقبون به وكذلك بلال وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ مما حدث لهم.
الأمر الخامس: هجرهم لأوطانهم وتركها، وما أصعب على الإنسان أن ينطلق من وطنه ويتحول ولعلي أضرب لكم مثالاً بسيطاً: أنت مثلاً وظيفتك في الرياض، فلو حصل للإنسان ترقية في وظيفته، ونقل إلى خارج الرياض لضاقت عليه الأرض بما رحبت، وتكدرت عليه نفسه، وحاول بشتى الوسائل والوسائط؛ لأجل أن يرجع إلى ما ألفه وغيره، ونقول: أصحاب رسول ﷺ تركوا بيوتهم وأموالهم، وتركوا عشائرهم في هجرتهم ﵃ وأرضاهم، وبعد ذلك كتب الله لهم الأجر العظيم.
وميزهم الله بمزايا عجيبة عظيمة، ولعل من اللطائف مما يدل على هجرة الصحابة: أن أسماء بنت عميس ﵂ وأرضاها كانت ممن هاجرت إلى الحبشة، وما قدموا إلى النبي ﷺ إلا في السنة السابعة من الهجرة في يوم خيبر، ولما قدمت ﵂ سأل عمر بن الخطاب ولعلها كانت في بيته: [من هذه؟ قالوا: أسماء بنت عميس، قال: الحبشية -أي: التي هاجرت إلى الحبشة k:- قالوا: نعم، قال لها عمر مفتخراً: لقد هاجرنا مع رسول الله وقاتلنا فوقفت ﵂ وقالت: إنكم مع رسول الله ﷺ يواسيكم ويطعم جائعكم، ولكننا في أرض البغضاء البعداء]] أي: كأنها تعجب كيف توازن بين هذا وهذا، وغضبت ﵂، كيف لا يكون لهم من الفضل، وذهبت إلى رسول الله ﷺ تخبره بخبر عمر، فقال لها الرسول ﷺ مسلياً لها: (إن الله كتب لكم هجرتين ولهم هجرة) هاجروا وتركوا، وما أشق على النفس أن يترك الإنسان وطنه الذي ألفه، وهذا يوجب لهم الحب في قلوبنا والتعظيم والإجلال.
الأمر السادس: تقديم حب الله ورسوله على كل شيء، أليس قيل لـ خبيب ﵁ وأرضاه لما ربط للقتل: [أتحب أن محمداً مكانك وأنت عند أهلك طليق؟ قال: لا أحب أن محمداً يصاب بشوكة] ودل على أنهم يفدونه ﷺ من عظيم حبهم، ويعبرون عن الحب: إني أحب الله ورسوله، ويثني عليهم النبي ﷺ ، وعجب لما قال النبي ﷺ في شارب الخمر لما قدح الصحابة فيه قال: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم، إنه يحب الله ورسوله) مع أنه يشرب الخمر لكنه يحب الله ورسوله، مما يدل على ما يتميز به أصحاب رسول الله ﷺ بهذا الأمر.
الأمر السابع: سابقتهم للإسلام، والله قد أثنى عليهم في غير ما آية لسبقهم للإسلام، وكلما كان الإنسان أسبق كان أعلى رتبة.
الأمر الثامن: تبليغ دين الله على أيديهم، ولعل من أعظم ذلك: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجره وأجر من عمل به إلى قيام الساعة) وأصحاب رسول الله ﷺ دعوا إلى الهدى، وما من خير وصلنا إلا على أكتافهم ﵃ وأرضاهم، ومن علم منهم وروى عنهم واستفاد منهم يكون ذلك في ميزان حسناتهم إلى قيام الساعة، وهذا فضل من الله تعالى عظيم جداً، أن يجري الله على أيديهم هذا الأجر العظيم، وهذه المنازل العظيمة.
بين لنا النبي ﷺ تحذيراً لنا ألا نقع فيهم، حيث قال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) والحديث في سنن الترمذي، ورواه الإمام أحمد في مسنده، والبيهقي في الاعتقاد، وقال الإمام الترمذي: حديث حسن غريب.
وكذلك قول النبي ﷺ : (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) وهذا الحديث في صحيح البخاري.
دل على أن من يبغض الأنصار فهو منافق، وأن هذه آية من الآيات التي تدل على نفاق قلبه.
وقول النبي ﷺ للصحابة كما أخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود: خرج علينا رسول الله ﷺ قائلاً لهم: (لا يبغلني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاًَ، فإني أحب أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) أي: يخرج إليهم النبي ﷺ وهو يحبهم.
ويقول النبي ﷺ في الأنصار كما في صحيح مسلم من حديث البراء ﵁ وأرضاه: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) .
ويقول النبي ﷺ كما في
стр. 104
شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية (الدرس السابع)
ثناء الله على الصحابة الكرام متواتر مشهور؛ لما حازوا من قصب السبق وما نالوا من معالي الأمور والفضل والمعروف والصدق، وموقف أهل السنة فيما شجر بينهم هو الإمساك والكف وترك الخوض، ولقد طعنت طوائف في أصحاب رسول الله ﷺ كالخوارج والنواصب والروافض وغيرهم من التعساء ممن عدل عن طريقهم ولم يتحقق بتحقيقهم.
стр. 105
ثناء الله ورسوله على الصحابة والنهي عن سبهم
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا نزال في مبحث أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن المتتبع لنصوص الكتاب والسنة يجد أن الأدلة الواردة في فضائلهم منها ما ورد وروداً عاماً بالثناء عليهم جميعاً، كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] والذين كانوا مع النبي ﷺ هم جميع أصحابه ﵃ وأرضاهم، وفي سنة النبي ﷺ قوله: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة: "وإنا لنعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أنفقوا المد والمدين وأكثر، ولكننا لم نجد على مر التاريخ من أنفق مثل أحدٍ ذهباً في سبيل الله تعالى" وكأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يريد أن يقطع الآمال في أن يوجد أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما لهم المنازل العليا التي أدت للثناء عليهم على وجه العموم.
والناظر لسبب ورود هذا الحديث يعلم تلك المزية العظمى التي تميز بها هؤلاء الأخيار ﵃ وأرضاهم، إذ أن سبب ورود هذا الحديث: أنه اختصم عبد الرحمن بن عوف مع خالد بن الوليد في سلب قتيل، وكان خالد رفض أن يعطي عبد الرحمن بن عوف سلب القتيل، ولعل خالداً رد على عبد الرحمن بغلظة أو بنوع من الشدة، فذهب عبد الرحمن يشتكيه إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ هذا الحديث العظيم: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد) الحديث، وإذا كان هذا الكلام يقال لـ خالد بن الوليد مع أنه ممن أسلم متأخراً وعبد الرحمن بن عوف من السابقين للإسلام، فمن بباب أولى أن يقال لمن بعدهم ممن لم يحصل لهم شرف الصحبة، ولهذا يقول أهل السنة والجماعة: إن أصحاب رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل، بل هم أفضل أتباع الأنبياء على الإطلاق.
ولذلك تميزوا بخصائص، فكلهم عدول لئلا يقدح أحد في روايتهم ونقلهم، ولهذا لا يوجد في أمة محمدٍ ﷺ أفضل من الصحابة، ولا يوجد في الأمم السابقة من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هو أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا أمر مقرر متفق عليه بين أهل السنة والجماعة؛ وذلك لأنهم أنفقوا أموالهم لنصرة دين الله تعالى، وصحبوا رسول الله ﷺ ، وأثنى عليهم النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ثناءً عاماً مطلقاً على هؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم.
أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت لـ عروة بن الزبير: [يا ابن أختي! أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم] والأمر بالاستغفار لهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
فمن أول من سبقنا بالإيمان؟ إنهم أصحاب رسول الله ﷺ .
ولعل عائشة إنما قالت هذه المقالة: [أمروا بالاستغفار فسبوهم] لأنها سمعت أن أهل العراق أو النواصب يسبون عليّ بن أبي طالب، وكذلك الطائفة الأخرى تسب عثمان ﵁ وأرضاه، وهؤلاء كلهم من أجهل الناس، فأرادت أن تبين منهجهم ﵃ وأرضاهم، وأن الواجب علينا أن نثني عليهم ونستغفر لهم ونترحم عليهم.
وورد أيضاً حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) ولكن هذا الحديث ضعيف لا يعول عليه، ولا شك بأن أصحاب رسول الله يؤخذ منهم ويستفاد من علمهم، ويؤخذ من فقههم، وفقههم أرجح من فقه غيرهم كما سنبين ذلك.
يقول الإمام السفاريني رحمه الله تعالى في الثناء عليهم على وجه العموم: ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين حازوا قصب السبق، واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق، فالسعيد من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهجهم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم ولم يتحقق بتحقيقهم، فأي خطة رشد لم يستولِ عليها هؤلاء الصحابة؟! وأي خصلة خير لم يسبقوا إليها ﵃؟! تالله لقد وردوا ينبوع الحياة عذباً صافياً زلالاً، ووطدوا قواعد الدين والمعروف، ولم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً، فتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان ﵃ وأرضاهم، بذلوا النفوس النفيسة في مرضاة الرحيم الرحمن، فلا معروف إلا ما عرف عنهم، ولا برهان إلا ما بعلومهم انكشف، ولا سبيل ولا نجاة إلا لما سلكوه، ولهذا تميزوا بمزايا عجيبة لم تكن في غيرهم من الأمم التي جاءت من بعدهم.
ولهذا لما أثني عليهم، ذكروا من سعة علمهم ﵃ وأرضاهم أشياء، فهم من أفضل الناس على الإطلاق توقداً في الأذهان، وفصاحة في اللسان، وسعة في العلم، وسهولة في الأخذ والإدراك، وسرعة في الاستنباط والفهم، ولا شك أنه لم يوجد لهم في قضايا العرض والطرح معارض منهم، بل كلهم متفقون على الأخذ بالمنهج وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وكانت بذلك أقوالهم أرجح ممن بعدهم، وهذا أمر يتفقون عليه ﵃ وأرضاهم، إذ أن من بعدهم لن يكون أفقه ولا أعلم منهم، وإذا قلنا للناس جميعاً: من أعلم الناس على الإطلاق؟ قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ .
وإذا قلنا: من أكثر الناس عبادة؟ قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ .
وإذا قلنا: من أكثر الناس إنفاقاً في سبيل الله؟ من أكثر الناس جهاداً؟ من؟ من؟ إلى آخره، لن يشيروا بالبنان إلا لأصحاب رسول الله ﷺ لما تميزوا به، ولهذا أمرنا بالاستغفار والدعاء لهم، وما ذلك إلا لما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير لمن بعدهم، فما وصلنا الدين إلا على أكتافهم ﵃ وأرضاهم، ولذلك أمرنا الله بالاستغفار لهم في غير ما آية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﵏ أن عائشة ﵂ قالت: [أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم] .
ونقل الإمام النووي ﵁ ورحمه عن القاضي عياض أنه قال: الظاهر أنها إنما قالت ذلك حين سمعت أهل مصر يسبون عثمان، وسمعت أهل الشام يقدحون في علي بن أبي طالب.
يقول ابن عباس رحمه الله تعالى ورضي عنه كما في الشرح والإبانة على أصول الديانة لـ ابن بطة العكبري ﵀: [لا تسبوا أصحاب رسول الله، فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون] بمعنى أن ما حدث بينهم من الخلاف لا يجيز لنا أبداً أن نتعرض لهم بسب أو نقد أو غير ذلك.
وذكروا أن عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ قال: [يا مالك! فُضلت اليهود والنصارى على الطائفة التي تعتقد محبة علي بن أبي طالب وتعظمه وتجله بخصلة وهي: أنها عندما سئلت اليهود: من أفضلكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من أفضلكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الطائفة التي تدعي محبة علي بن أبي طالب: من شركم؟ قالوا: شرنا أصحاب محمد ﷺ ] .
روى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر قال: أقبلت أنا وأبي إلى دار عامر، فقال لأبي: يا أبا عمر! قال: لبيك، قلت: ما تقول في هذين الرجلين؟ فسأل من هذين الرجلين؟ قال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: والله إني لعلي أن أجيء يوم القيامة خصيماً لـ علي بن أبي طالب وعثمان وقد غفر الله لهما.
كيف غفر الله لهما؟ لأن الرسول ﷺ شهد لهما بجنات عدن في غير ما موقف وفي غير ما حدث، وليس في حدث واحد.
стр. 106
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة الكرام
ننتقل انتقالة سريعة إلى ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، ولعلي أنقل نصوصاً متعددة وأكثر منها، لأني أشعر أننا جميعاً بحاجة إلى غرس ذلك المنهج في نفوسنا؛ لما نجد من جرأة بعض الناس في التعرض لأصحاب رسول الله ﷺ إما بلمزهم، أو بالسخرية بهم، أو بسبهم، أو بتفسيقهم، وأخطرها تكفير أصحاب رسول الله ﷺ .
نقول: إن مما درج عليه أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، فلا يحملون في قلوبهم بغضاً ولا غلاً ولا عداوة لهؤلاء الأخيار، كما أن من منهجهم سلامة ألسنتهم من تعرضهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، ويرون أن الواجب الإمساك عما حصل بينهم من نزاع، وما ذلك إلا لأنهم كسائر الناس، ولا نشك بأنه حدث نزاع بين علي ومعاوية، وحدث نزاع كذلك بين علي وبين الزبير وطلحة وعائشة زوج النبي ﷺ ، ومع ذلك نقول: أمرنا بالاستغفار لهم مع ما حدث بينهم من النزاع، ومن منهجنا إحسان الظن بهم ﵃ وأرضاهم، وواجب علينا جميعاً أن نقف في وجوه هؤلاء الذين يتعرضون لأصحاب رسول الله ﷺ ويسبونهم ويعيبونهم.
ويرى أهل السنة والجماعة أن الإشادة بمناقب أصحاب رسول الله ﷺ والمدافعة عن أعراضهم والذب عنها من أعظم واجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، بل يرون أن هذا هو معتقدهم ودينهم، وسار أئمة أهل السنة على هذا المسلك وكذلك علماؤهم، متحلين بكتاب الله تعالى كما ورد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
стр. 107
كلام أئمة أهل العلم فيما شجر بين الصحابة
ننقل عن كبار أئمة السلف رحمهم الله تعالى ما قالوه حول ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ .
ننطلق إلى عظيم من عظمائهم وهو الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فإنه قال: (ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن مساويهم، والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحداً منهم، أو انتقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحداً منهم، فهو مبتدع خبيث مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة من الفضائل) هذا قول إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ثم أعطانا المنهج في قضية تفضيل أصحاب رسول الله، وخير الأمة بعد نبيها ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب، هؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد ذلك خير الناس، لا تجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيب أو نقص.
سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الفتن التي حدثت بين أصحاب رسول الله ﷺ ، فتلا قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] .
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب الفاروق، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله عليهم أجمعين، ثم قال: نتولاهم جميعاً، ولا نذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير.
وقال أبو زرعة رحمه الله تعالى وهو من كبار أئمة أهل السنة، وقد روى الخطيب رحمه الله تعالى في الكفاية في علم الرواية، بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ .
وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فمن قدح في الصحابة قدح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال: والجرح بالقادحين هو أولى، وهم زنادقة بما جرحوا به أصحاب رسول الله ﷺ .
وهنا كلام نفيس بديع للإمام ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى، ذكره بعد أن ذكر فضائل الصحابة ﵃ وأرضاهم قال بعدها: ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد شهدوا المشاهد معه ﷺ ، وسبقوا الناس بهذا الفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان رسوله ﷺ ، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق جميعاً؛ لأن الخطأ والعمد الذي حدث ووقع منهم كله مغفور لهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا يبين المنهج الفريد لهؤلاء، قال: ولا تنظر في كتاب صفين -وقد ألف في معركة صفين كتاباً، وكذلك الجمل، ووقعة الدار، وسائر المنازعات التي جرت بينهم- ولا تكتبه لنفسك أبداً، ولا لغيرك، ولا تروه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه.
ومن الخطأ أن تلقى دروس ومحاضرات في خلاف الصحابة ﵃، ويعرضون كأنهم كسائر الناس، يقال: إن هؤلاء كانوا على باطل وهؤلاء على حق، ثم يقدح فيهم؛ لأن الإنسان لن يخرج بعد عرض هذه المسائل إلا وفي نفسه شيء على بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم، والله قد غفر لهم ورضي عنهم.
ولذلك قال ابن بطة العكبري ﵀: وعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة على النهي عما وصفناه، ومنهم: حماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وابن أبي ذئب، وابن المنكدر، وابن المبارك، وشعيب بن حرب، وأبو إسحاق الفزاري، ويوسف بن أسباط، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وعبد الوهاب الوراق، يقول: كل هؤلاء قد رأوا النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها، وحذروا من طلبها، والاهتمام بجمعها، وقد روي عنهم فيمن فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك، والإنكار على من رواها واستمع إليها، وهذا يدلنا على ما يتميز به أهل السنة والجماعة في هذا الأمر.
وكذلك نقل عن أبي الحسن الأشعري، وأبي عثمان الصابوني، ونقل كذلك عن ابن دقيق العيد، ومما نقل عنه فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: ما نقل في هذا الأمر منه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً منه أولناه تأويلاً حسناً؛ لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق من الأخبار محتمل التأويل أو مشكوك، قال: والموهوم لا يبطل المحقق المعلوم وهو الثناء عليهم ﵃ وأرضاهم.
وهنا كلام نفيس للإمام الذهبي رحمه الله تعالى ورضي عنه.
فقد ذكر في سير أعلام النبلاء في المجلد العاشر قال: وقد تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة ﵃ وأرضاهم وعن قتالهم، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، قال: ولكن أكثر ذلك إما منقطع أو ضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين أيدي العلماء فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء, وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى.
لا يكون إلا للعالم والمنصف ويكون في خلوة بشرط أن يستغفر لهم بعد أن يقرأ كما علمنا الله حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] .
إلى أن قال: فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم من جهاد، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، ثم قال: أما ما نقله من يدعي محبة آل البيت وأهل البدع في كتبهم، فهذا لا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب هؤلاء الذين يعظمون آل البيت في رواية الأباطيل، أو رد ما في الصحاح والمسانيد، ثم قال واصفاً لهم: ومتى إفاقة من كان سكران؟! أي: من كان سكران لا يفيق وهو مستمر على قضية السكر.
ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً طويلاً نفيساً نثره في الفتاوى، وكذلك في منهاج السنة، وذكر ذلك في جل كتبه التي كتبها في العقيدة، سواء الواسطية، أو شرح الأصفهانية، أو غيرها من الكتب العظيمة التي ألفها، لا بد أن يتطرق لأصحاب رسول الله ﷺ ويبين فضائلهم ﵃ وأرضاهم.
ومما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ونعلم مع ذلك في أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين قال النبي ﷺ : تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حقاً، ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أقربُ إلى الحق من معاوية.
قال: وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كـ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اتبعوا النصوص التي سمعوها في مسألة القتال في الفتن، قال: وعلى هذا أكثر أهل الحديث.
стр. 108
توجيه الآثار التي وردت فيما شجر بين الصحابة
ذكر شيخ الإسلام ﵁ منهجاً فريداً فيما ينبغي لنا في أصحاب رسول الله ﷺ ، وموقفنا مما ورد من الآثار وما ينبغي لنا، أذكرها على هيئة عناصر استنباطاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: أولاً: إن أهل السنة يرون أن الآثار الواردة في مساوئهم وفيما شجر بينهم منها ما هو كذب، وما كان كذباً فإنه لا يعول عليه أصلاً، ولا يعتمد عليه في الحكم أبداً.
ثانياً: أن ما ورد من الآثار منه ما قد زيد فيه ومنه ما نقص منه، ولذلك لا يلتفت إليه، ثم قال رحمه الله تعالى: ومنه ما ورد وكان صحيحاً ثابتاً بسنده، فإنهم معذورون فيه ﵃ وأرضاهم، ووجه العذر أن نقول: إنهم مجتهدون ﵃، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، فلهم الأجر لا محالة ﵃ وأرضاهم، أما أنت في نقدك لهم فماذا سيكون لك من الأجر والثواب؟! ثالثاً: من منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ أننا لا نعتقد عصمة أحد من الصحابة عن الكبائر، عن كبائر الإثم ولا عن الصغائر، بل تجوز عليهم الذنوب بمقتضى بشريتهم، وكم سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ منهم من زنى، ومنهم من سرق، ومنهم من حدث له من المعاصي ﵃ وأرضاهم، لكن نقول: ما موقفنا مما حدث لهم؟ نقول: إن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة هذه الذنوب، وما يصدر عنهم من التي نسميها شيئاً من المعاصي، فإذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فنحن نعلم أن الصحابة ﵃ من أسرع الناس توبة وإنابة إلى الله تعالى، ومسارعة إلى الرجوع إلى ربهم، ومن تاب من الذنب فكمن لا ذنب له أصلاً، ونعلم كذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ لهم حسنات، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وحسنات الصحابة ليس كحسنات من جاء من بعدهم، ونعلم كذلك أن رسول الله ﷺ قد وعد أصحابه بالشفاعة العظمى، وهم أولى من يدخل في شفاعته ﷺ ، فإذا كنا نرجو شفاعة النبي ﷺ فأصحاب رسول الله ﷺ هم أولى من يدخل في هذه الشفاعة.
ثم قال شيخ الإسلام: وإننا نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ قد حصل لهم من الابتلاء في الدنيا ما يكون سبباً لتكفير سيئاتهم، لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] جاء أبو بكر وجثا بركبتيه بين يدي رسول الله ﷺ ، وقال: (يا رسول الله! كلفنا بأمور وأطقناها، وجاءنا شيء لا نطيقه، قال: ما ذاك؟ قال: إذا كنا كل سوء سنجزى به متى النجاة يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال له الرسول ﷺ : ألست تنصب؟ أليس يصيبك اللأواء؟ ألست تمرض؟ ألست كذا، قال: بلى، قال: فإن الله يكفر عنك بذلك) وأصحاب رسول الله ﷺ ابتلوا بلاءً شديداً في مكة والمدينة وغيرها، وكان لهم من السابقة ما يكون سبباً لتكفير سيئاتهم وما حدث منهم من القصور.
ونعلم أن ما وقع منهم أنه نزر يسير أمام الفضائل العظمى والمنازل العجيبة التي كانت لهم.
وهذا هو الواجب علينا أن نقف فيه، فمما كان من فضائلهم: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، والهجرة، ونصرة الرسول، والعلم النافع، والعمل الصالح إلى غير ذلك مما تميز به أصحاب رسول الله ﷺ .
ونقول بعد ذلك: أبعد هذه النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة أيجرؤ أحد أن يقدح في أصحاب رسول الله ﷺ ؟! لا وكلا! بل نقول: لا ينطلق لسان أحد إليهم إلا لخبثٍ في قلبه، وبدعةٍ في نفسه، وانحرافٍ في منهجه، فأصحاب رسول الله لهم المنازل العليا ﵃ وأرضاهم.
стр. 109
موقف الخوارج من صحابة رسول الله
ممن انطلق لأصحاب رسول الله ﷺ قادحاً ولامزاً طائفة الخوارج، وهي من الطوائف التي انحرفت، وكان بزوغ هذه الطائفة قديماً، ولعل هذه من أسرع الطوائف خروجاً في الأمة.
وأقول قبل أن أنطلق إلى هذه الفرقة أنبه على بعض الكتب التي يحتاجها طالب العلم في التعرف على الفرق التي ضلت عن صراط الله المستقيم، وينبغي لكل طالب علم أن تكون عنده كمصدر، ولكن الطالب المتخصص ينبغي له أن يقرأ فيها، أما غير المتخصص فينبغي ألا يكثر الاطلاع فيها إلا إذا مرت به فرقة أو طائفة وأحب التعرف عليها أن يجدها.
أولاها: كتاب مقالات الإسلاميين، وهو لـ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، وهو من أنفس ما كتب عن الفرق.
الثاني: كتاب الملل والنحل للإمام الشهرستاني.
الثالث: كتاب الفرق بين الفرق، للبغدادي.
الرابع: كتاب الفصل في الملل والنحل لـ ابن حزم.
هذه الكتب الأربعة تعتبر من أعظم المصادر، وهي من الكتب المتقدمة للتعرف على الطوائف سواء الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج، أو الرافضة أو غيرهم من الطوائف التي انحرفت، ولم تحصر جميع الطوائف، لكنها في الجملة أفادت في هذا المجال، وتعتبر من المصادر الأصلية التي يعتمد عليها طالب العلم في التعرف على هذه الطوائف.
стр. 110
حقيقة الخوارج وسبب تسميتهم بذلك
يقول: أبو الحسن الأشعري: إن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وبيَّن أن السبب الذي سموا من أجله خوارج قال: لخروجهم على علي بن أبي طالب لما حكَّم -أي: رضي بقضية التحكيم- وسيأتينا أن الخوارج منهم من كفر علي بن أبي طالب ومنهم من فسقه.
ويقول الشهرستاني في تعريف عام للخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه فإنه يسمى خارجياً، سواء خرج أيام أصحاب رسول الله ﷺ على الأئمة الراشدين، أو خرج على من بعده من الأئمة التابعين لهم بإحسان في كل زمان.
ونعلم بعد ذلك أن طائفة الخوارج من الطوائف المبتدعة التي انحرفت عن صراط الله المستقيم.
تسمى طائفة الخوارج وتلقب بألقاب متعددة، منها: الحرورية، لنزولهم إلى موقع اسمه حروراء.
ويسمون: بـ الشراة لأنهم يقولون: إنا شرينا أنفسنا بطاعة الله، ويقصدون بها أنهم شروا أنفسهم بالجنة يقتلون ويكون مصيرهم إلى الجنة.
ويسمون: بالطائفة المارقة، وإن كانت لا تقبل هذا الاسم، لقول النبي ﷺ : (تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .
ويسمون: الطائفة المحكمة؛ لأنهم أنكروا الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ﵄ وأرضاهم في ذلك.
следующие страницы →