Полный текст (918 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ابدءوا بالتوحيد
إن التوحيد هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، فما من نبي إلا وقد أمره الله أن يأمر قومه أن يوحدوا الله ويعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ لهذا وغيره ذكر الشيخ أنه لابد من البداية بالتوحيد، وتكلم عن تعريف التوحيد والحث على تعليمه، وتكلم عن تعريف الشرك والحذر والخوف منه، وبين أن التوحيد داخل ومرتبط بجميع أحكام الإسلام، وهذا يدل على أهميته ووجوب تعلمه وتعليمه.
стр. 2
لماذا الحديث عن التوحيد ؟
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه ربه بالهدى، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين من الأنصار والمهاجرين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فأحييكم بتحية الإسلام؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ثم أشكر للإخوة الذين رتبوا لهذه الدورة ترتيبهم، كما أشكر لهم دعوتهم وإتاحتهم الفرصة لِلَّقاء بهذه الوجوه الطيبة في هذه البقعة المباركة، في هذا البيت من بيوت الله، وأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع.
أيها الإخوة: الموضوع -كما سمعتم- ابدءوا بالتوحيد.
ومعلوم أن الموضوع ليس بجديد، والحديث فيه قد كثر، ولا أقول: إنه متكرر أو مردد كثيراً، ولكنه متتابع، وينبغي أن يتتابع الحديث فيه لأمور سوف تتبين -إن شاء الله- من خلال ما سألقي عليكم من أفكار وعناصر في الموضوع، وفيما بين يدي من عناصر سوف أتكلم عن التوحيد من حيث تعريفه وإثباته، ومن حيث احتفاء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ به، ومن حيث جلائه فيما يسمى بآيات الأحكام أو أحاديث الأحكام، أو حتى ما يسمى بالفروع، وهذا يستدعي الحديث عن الضد، وهو الشرك والخوف منه، وكذلك قد نتحدث -إذا كان في الوقت متسع- عن طريقة تعليم التوحيد.
وسوف أبدأ بموضوع ما يسمى بأصول الدين وفروعه، وإن كانت العادة والمتبع في الترتيب العلمي أن يُبدأ بالتعريف أولاً، ثم تتدرج المعلومات في ابتناء بعضها على بعض، ولكن يبدو أن الحديث عما يسمى بأصول الدين وفروعه هو الذي يتجلى فيه.
لماذا نتحدث عن التوحيد؟
ولماذا نبدأ بالتوحيد؟
المتبع في ترتيب علمائنا ﵏ المتقدمين منهم والمتأخرين، والناظر في مناهج التاريخ أنهم يقسمون العلوم إلى: أصول الدين وفروع الدين، ويعتبرون أصول الدين هو الحديث عن التوحيد، ويسمونه -أيضاً- في بعض المصطلحات علم الكلام والعقائد وفروع الدين تعني الحديث عن الأحكام وقضايا الفقه والتشريع.
وانبنى على هذا قولهم: إن القرآن حينما تنزل في مكة كانت عنايته بالعقيدة وما يثبت العقيدة من قصص وأحوال الأنبياء مع أقوامهم، وما حل بالأقوام من عقوبات لمخالفتهم لأنبياء الله .
ثم قالوا: إنه بعدما انتقل النبي ﷺ إلى المدينة أصبح الكلام عن التشريع والأحكام، وتنزلت الفرائض.
وهذا الكلام لا شك أن له ما يسنده وما يستدل له، من حيث أن الأحكام لم تتنزل إلا في المدينة، ما عدا الصلاة فإنها شرعت في مكة بعد عشر سنين، أما سائر الأحكام فإنها ما شرعت إلا في المدينة، وهذا كلام واضح وجلي ومعلوم من تتبع تاريخ التشريع.
ولكن -وهذا هو المهم- هل توقف الحديث عن التوحيد؟ وكيف تحدث القرآن عن التوحيد في كل مراحل تنزله خلال ثلاث وعشرين عاماً؟ وكذلك كيف كانت سيرة النبي ﷺ ومسيرته منذ بعث إلى أن توفي؟ أين محل التوحيد من سيرته ﵊؟
هذه القضية -يا إخواني- جديرة بالبحث وبالتأمل لماذا؟ لأن الحديث عن التوحيد هو لب الدين، في كل وقت، بل في كل ظرف، والمخاطبون بالتوحيد ليس الكفار فقط، بل إن المسلمين يخاطبون بالتوحيد، ويخاطبون بالحديث عن التوحيد، ويخاطبون بتقرير وتثبيت التوحيد.
وذلك لأننا سوف نرى -من خلال تتبع التشريع- أن القضية ليست مجال تردد لمن أنار الله بصيرته، ولو ذكرت لكم بعض قضايا سريعة تعرفونها: حينما يقول النبي ﷺ : ﴿لقنوا موتاكم لا إله إلا الله﴾ هذه آخر لحظة من حياة الإنسان، (لا إله إلا الله) و ﴿من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ الخطاب لمن؟ إنه للمسلمين وحينما كان النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، كان يقول: ﴿لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا﴾ في مرضه الذي مات فيه.
إذاً: حينما أتحدث عن التوحيد، فليس الأمر كما يقول بعض الناس -خاصة في خارج هذه البلاد، أو الذين لم يعرفوا طريقة القرآن- يقول: إنكم تتهمون الناس في عقائدهم أو نحو هذا الكلام.
стр. 3
الحديث عن التوحيد هو طريقة القرآن الكريم
إن الحديث عن التوحيد هو طريقة القرآن، وقد خوطب به المؤمنون، بل خوطب به الأنبياء ﵈ جميعاً، وحاشاهم أن يشركوا، وخوطب به حتى الملائكة، ولا شك أنه خوطب به الناس جميعاً بما فيهم الكفار.
حينما يقول الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الآية﴾ [محمد:١٩] فهذا خطاب للنبي ﷺ ، بدليل أنه قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] لأنه وإن كان الخطاب في البلاغة بضمير المخاطب، لكنه -كما يقولون- لمن يصلح له بمعنى أنه إذا لم يكن هناك مخاطب معين يقول البلاغيون: هذا خطاب لمن يصلح له، مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ [الإسراء:٢٢] يصلح أن يكون للنبي ﷺ ، ويصلح أن يكون لمن يصلح له، فهو خطاب لمن يصلح له.
لكن قوله سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩] معلوم أن الخطاب للنبي ﷺ بدليل قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] فدل على أن المخاطب هو النبي ﷺ وحينما خوطب النبي ﷺ هل كان محل شك في توحيده؟! لا.
بل هو الأسوة والقدوة، وهو حامي حمى التوحيد، وهو الذي سد كل طريق يوصل إلى الشرك ﵊، ومع هذا قال الله له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].
стр. 4
خطاب الله تعالى للملائكة بالتوحيد
ولهذا سنذكر -إن شاء الله- بعض الآيات التي تتعلق بكل هذه الفئات بالملائكة والأنبياء وبالمؤمنين والكفار، فيما يتعلق بالتوحيد وفيما يتعلق بالتحذير من الشرك يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وهي قضية في التوحيد ظاهرة، والسياق في سورة الأنبياء، وحديثه عن التوحيد غليظ جداً، وحتى ما قبل هذه الآيات كلها في التوحيد، لكن نقتصر على محل الشاهد، يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٥ - ٢٩].
وهذا خطاب وتهديد ووعيد للملائكة فمع أن الملائكة عباد مكرمون أثنى الله عليهم، وفي مقام آخر قال: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦] وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ومع هذا قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩] مما يدل على عظم قضية التوحيد، وعلى غيرة الله على التوحيد، وعلى حقه سبحانه؛ لأن التوحيد محض حقه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
стр. 5
خطاب الله تعالى للأنبياء بالتوحيد
أما الحديث عن الأنبياء فطويل جداً، سواء فيما يتعلق بالأنبياء على جهة الأفراد موسى وإبراهيم ونوح وعيسى ومحمد ﷺ وجميع الأنبياء، أو على جهة العموم كل الأنبياء فمن الآيات التي تتعلق بالأنبياء جميعاً قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر:٦٥].
الذين أوحي إليهم هم الأنبياء، والحديث مع الرسول ﷺ وأنبياء الله جميعاً، فإنهم هم المختصون بأنهم يوحى إليهم ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وحاشاه ﵊ وحاشا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الشرك.
لكن فيه ما يدل على أن هذه هي القضية الكبرى، وسنرى بعد قليل كيف أن الخلل تطرق إلى الناس في التوحيد، حتى ولو كانوا مسلمين، ولو كانوا في ديار مسلمين؛ وذلك أن التوحيد حقيقته إفراد الله بما يختص به، فإن كان توحيد الألوهية فهو إفراده بالعبادة، وإن كان توحيد الربوبية فهو إفراده بأفعاله في الخلق والرزق والملك والتدبير إلى آخره، وإن كان توحيد الأسماء والصفات فهو إفراده بما يختص به من أسماء وصفات .
إذاً: التوحيد هو إفراد الله بما يختص به، فأي خلل في توحيد الربوبية ومع الأسف أن الماديين الآن دخلوا حتى في شرك الربوبية، وهذا الذي لم تفعله الأمة السابقة أو في الألوهية، وسوف نتعرض لبعض الصور في ذلك أو في الأسماء والصفات، فإنها محل نزاع شديد بين المعطلة والمشبهة، وتنزيه الله وحدود التنزيه والوصف، وإن كان هذا غالباً أكثره بين الفرق المختصة، وإن كانت العامة قد لا تدخل فيه كثيراً، فما يتعلق بالأسماء والصفات، فهو غالباً بين المختصين أكثر، وإنما العامة تتلقى ما يقوله العلماء فيما يتعلق بوحدة الوجود، أو فيما يتعلق بالتنزيه، وفيما يتعلق بطريقة التنزيه وطريقة التكييف، فالتنزيه أحياناً يكون عدماً، والعامة تتلقى أن التنزيه يعني العدم والحديث في هذا يطول، والوقت لا يسمح أن نخوض فيه كثيراً لكن مقصودنا هو الحديث عن التوحيد، الذي هو حق الله ، وإفراده بما يختص به من أفعاله ، وأفعال العباد والأسماء والصفات؛ ولهذا كان حديث القرآن كله عن هذا الموضوع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
آية أخرى تتعلق بالأنبياء جميعاً في سورة الأنعام لما ذكر الله جملة من الأنبياء -وهي أحصى آية ذكرت الأنبياء- قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٨].
يقول ابن كثير ﵀ في كلام ما معناه: إذا كان هذا الحديث مع أنبياء الله -وحاشاهم أن يشركوا- فلماذا لا يكون الخوف من الشرك، فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] وهؤلاء هم الأنبياء، وفيهم أولو العزم؟!
هذا فيما يتعلق ببعض الآيات التي تدل على ما يتعلق بالتوحيد مع الأنبياء في الجملة، أما الخاصة ببعض الأنبياء، فمن أظهرها ما يتعلق بإبراهيم ﵇، فإبراهيم هو صاحب الملة الحنيفية، وقد أمر نبينا محمد ﷺ أن يتبع ملته: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] إبراهيم خاطبه الله بقوله: ﴿وإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ [الحج:٢٦] وهو الذي حكى الله عنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦].
والحديث في هذا لن نقف عنده طويلاً، وإنما نورد بعض الأمثلة، لنرى أن الحديث عن التوحيد لا يختص بالكفار، ولا يختص بمتهمين إن وجد متهمون، وإنما الحديث عن التوحيد غيرة على حق الله .
ويقول الله في حق عيسى ﵇ -وهذا من أكثر ما ذكر أيضاً-: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] وغيرها من الآيات التي ذكرت في قصة عيسى مع قومه بني إسرائيل فيما يتعلق بالشرك.
وفيما يتعلق بنبينا محمد ﷺ هناك آيات كثيرة، يقول الله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
إلى غيرها من الآيات التي تتحدث عن التحذير من الشرك في حقه ﵊، كما في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦] وليس الموضوع استعراض للآيات بقدر أن المقصود هو التمثيل.
ونشير إلى آيات أخرى أيضاً
стр. 6
خطاب الله تعالى للمؤمنين بالتوحيد
فيما يتعلق بالخطاب للمؤمنين، يقول الله في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] صفات هي منتهى الالتزام ومنتهى الأدب ومنتهى الدين ومنتهى القيام لله ، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] مع أنه قبلها قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧].
آية أخرى، وهي من أجمل الآيات فيما نحن بصدده، وهي آية التمكين، الذين يمكن الله لهم في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وسيكون لنا وقفة عند قوله: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وذلك بعد الانتهاء من الحديث عن خطابات الفئات كلها الملائكة والأنبياء والمؤمنين والكفار، نعود إلى قضية (شيئاً).
стр. 7
خطاب الله تعالى للكفار بالتوحيد
وفيما يتعلق بالكفار هناك آيات كثيرة، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:٣١] والأصل أن الخطاب فيها للمشركين، بالتوحيد والدعوة إلى التوحيد وإثباته، لكن نحن تكلمنا عما يتعلق بهؤلاء الذي هم ليسوا محل شك، بل خوطب المؤمنون منهم بوصف الإيمان، ومع هذا قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] وقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥].
стр. 8
الشرك والخوف منه
نأتي إلى قضية وهي قضية الخوف من الشرك، ولا نقف عندها طويلاً وإن كانت تستحق؛ لأننا سننتقل بعدها إلى قضية التوحيد وتعريفه الخ.
قضية الخوف من الشرك تتجلى في مثل قوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وتتجلى في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] ولابد أن نتأمل هذه الآية في سياقها ماذا نفت وماذا أثبتت.
والآية الأخرى في سورة النساء يقول تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] وهنا قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] فعندنا هنا نفي (لا يشركون) ونكرة (شيئاً) والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما يقول الأصوليون والبلاغيون.
وقوله تعالى: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] هناك تقديران، وكلاهما صحيح، بل قد نقول: كلاهما مقصود، وكلاهما مقدر، الأول: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] من الأشياء لا حجر، ولا ملك، ولا شمس، ولا أي شيء، مهما عظم ومهما صغر.
إذاً: هذا نفي لأي ذرة من الشرك، أو من الأشياء التي يمكن أو يتصور أن تصرف لغير الله وهي محض حق الله تعالى.
التقدير الثاني: لا يشركون بي أي نوع من أنواع الشرك، ولا أي شيء من الأشياء المعبودة، فقد نفى أي شيء من الشرك، ونفى أي شيء من الأشياء المعبودة فالقضية دقيقة يا إخوان، بدليل أن الله قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
ولو قارنت بين هاتين الآيتين لتبين لك عظم الأمر، فخصائص الطلب الإلهي: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] وخصائص المؤمنين: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] لا شيئاً من الأشياء المعبودة، ولا شيئاً من أنواع الشرك، فالمنفي هو الأمران لا شيئاً من المعبودات مهما صغرت، ولو كان ذباباً أو أقل من ذباب أو ذرة، ولهذا نفى الله في الآية التي تقطع نياط القلب عن سائر المعبودات من دونه امتلاك مثقال ذرة فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] نفى الله عن المعبودات من دونه أنها تملك أي شيء ولو كان مثقال ذرة.
فحق على المؤمن ألا يرد على خاطره وقلبه أي شيء من الأشياء، ولا أي شرك من التعلقات، فالقضية دقيقة جداً.
يقول ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] يقول: فيه تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته.
стр. 9
وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون
أما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] قال بعض العلماء: في هذه الآية دلالة على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً، فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله، لكنه لا يخلص له في عبوديته، فيتعلق بغير ربه، ويعمل لحظ نفسه أو طلب دنياه، أو ابتغاء رفعة أو منزلة، أو قصد إلى جاه عند الخلق، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.
وهذا كلام جميل ودقيق جداً، ومنه -فعلاً- يكون الخوف من الشرك، ومنه -أيضاً- نتبين معنى هذا النفي الدقيق: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾.
стр. 10
تعريف التوحيد وتعريف الشرك
نأتي الآن إلى التعريف الحقيقي ونتكلم عنه؛ لأنه يؤكد الأهمية الحقيقية، ويؤكد لماذا نبدأ دائماً بالتوحيد.
كما قلت قبل قليل: التوحيد: هو إفراد الله بما يختص به.
وهو يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة: إفراد الله بالعبادة وبأفعال العباد، وهذا توحيد الألوهية، وإفراد الله بأفعاله، وهذا توحيد الربوبية، وإفراد الله بالأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.
إذاً نقول: التوحيد هو إفراد الله بما يختص به.
وهذا التعريف يتبين من تعريف الشرك الذي يقابل التوحيد فإن التوحيد هو إفراد الله بما يختص به من أفعاله سبحانه وأفعال العباد وأسمائه وصفاته أما الشرك فهو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
وهذا تعريف دقيق جداً، وإذا عرفته عرفت التوحيد، ولهذا جاء في الحديث: ﴿أعظم الذنب أن تجعل الله نداً وهو خلقك﴾ نداً، أي: مساوياً لله تعالى فيما يختص به سبحانه.
стр. 11
صور من صرف العبادة لغير الله
لو أخذنا قضية الخوف، فإن الخوف نوع من أنواع العبادة، لكن الخوف نوعان: خوف جبلي، وهو ما وضعه الله في النفوس، من أنها تخاف من أشياء في الدنيا، وهو خوف وضعه الله في النفوس لنجاتها وسلامتها، ولتعيش في هذه الدنيا ما كتب الله لها من أجل، فأنت تخاف من الأسد فتهرب منه، وتخاف من الظالم فتتقيه؛ إما بإعطائه وإما بالهروب منه، وتخاف ممن هو أقوى منك إما بمداراته وإما بالهروب منه وهكذا.
إذاً: هذا خوف جبلي لا إشكال فيه ولا لوم، ولهذا قال الله : ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨] فموسى لم يكن ملوماً في هذا الخوف، وقال الله لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا﴾ [طه:٤٦] فهذا خوف جبلي، وكذلك إبراهيم أوجس من رسل الملائكة: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] فهذا خوف جبلي ليس له علاقة بتوحيد إبراهيم ﵇، وهو صاحب الملة الحنيفية.
إذاً: هذا خوف لا إشكال فيه، فأنت تخاف من الأسد؛ لأنه أقوى منك، وتخاف ممن هو أقوى منك من بني آدم؛ إما لأنه أقوى منك في بدنه، وإما لأن معه سلاحاً لا تستطيع مقاومته، كأن يكون معه سكين أو رشاش أو مسدس أو سيف وأنت أعزل، فلا شك أنك ستخاف وهذا خوف جبلي وفطري، بل قد يكون أحياناً سبيل النجاة.
ولهذا قلنا: الشرك هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، والخوف الطبيعي ليس فيما هو من خصائص الله، إنما الذي من خصائص الله أن تخاف من إنسان أو من مخلوق خوفاً مما لا يقدر عليه إلا الله هذا هو الشرك، وذلك كأن تخاف من الغائب، أو من المقبور في قبره، أو تخاف من أشياء لا حقيقة لها، وتخافها أكثر من خوف الله، إما لأنها أصلاً ليس لها قدرة فتخافها، أو لها قدرة ولكنك تخافها أكثر من خوف الله ، وهذا أيضاً لا يجوز.
أيضاً: الحب، هناك أشياء محبوبات في الدنيا وضعها الله لتقوم بها الحياة، فأنت تحب المال، وتحب أهلك وزوجك وأولادك، وتحب أشياء كثيرة، وهي محبوبات طبيعية جبلية، لكن إذا كانت أحب من الله دخلت في دائرة الشرك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤].
إذاً: التوحيد هو إفراد الله بما يختص به، فلا تشرك معه غيره، كما أن الشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما يختص به الله ، إذاً فتبين لك بهذا أن التوحيد والشرك هما وجها عملة التوحيد: إفراد الله، والشرك: مساواة غير الله بالله.
стр. 12
من أسماء التوحيد
التوحيد له عدة أسماء، وسوف نذكرها لبيان أهميتها فهو الفقه الحقيقي، أو الفقه الأكبر وهو علم التوحيد وعلم العقيدة، وأحياناً يسمونه: علم الكلام، وهذا هو الذي أدخل اللبس على هذا العلم وأدخل الخوف، وهو الذي قد نشير إليه -إن شاء الله- في طريقة تعليم التوحيد، فإن الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء السابقين ﵏ أنهم فعلاً ما أحسنوا طريقة تعليم التوحيد حينما جعلوه علم كلام وجعلوه جدلاً، ودخلوا في قضايا لا تنفع العامة، وإنما صار دائراً في حلقة بين علماء خاصة، أو -إن صح التعبير- بين خاصة الخاصة، ولم يغنهم شيئاً.
بينما لو أخذوا بطريقة القرآن في عرض التوحيد وإثباته وبيان مكملاته وبيان ضده الذي هو الشرك، وكذلك توابع الشرك؛ لكان هذا أوضح من حيث البرهان والحجة، ومن حيث البيان والوضوح، ومن حيث التأثير والقبول، ومن حيث مخاطبة جميع الناس، سواء البدوي في باديته، والفلاح في مزرعته، والصانع في مصنعه، والعالم في درسه، والصغير في محضنه كل هؤلاء يخاطبون والقرآن قد خاطب الجميع.
لكن -مع الأسف- صار هناك نوع من عدم وضوح الطريق في طريقة التعليم عند المتقدمين، فسلكوا مسالك أهل الكلام، فما وصلوا إلى شيء، وإنما حصروه في دوائر بين علماء، ومع هذا لم يغن عنهم فتيلاً، والعامة أصبحت لا تعرف شيئاً، إلا بعض طرق صوفية، ودخلوا في الخرافات، ودخلوا في الأشياء التي زادت الطين بلة، بل أوقعته في صور من الشرك الأكبر المخرج من الملة.
فالحقيقة أن التوحيد هو الفقه الأكبر، وهو علم العقيدة، ولهذا في قوله : ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] فأول الفقه في الدين هو الفقه في التوحيد وكذلك في قوله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ فأول مراحل التفقه وأعظمها هو التفقه في توحيد الله .
стр. 13
التوحيد في أركان الإسلام
حينما نأتي إلى التوحيد في الأحكام، أو في أركان الإسلام، نجد أن أكثر ما يتكلم الناس عن التوحيد أنه هو أصل الدين، ولا يخصونه بأشياء، ويظنون أننا حينما نتكلم عن الصلاة أو عن الزكاة أو عن الحج أننا نتكلم عن أحكام فقط، وهذا صحيح من حيث أنها حلال أو حرام، ومن حيث أنها تتعلق بالأفعال التكليفية المتعلقة بأداء الحج وأداء الصلاة بركوعها وسجودها، وكذلك الطهارة التي تسبقها، ولكن هذا فهم خاطئ من حيث أنهم لم يُعلَّموا التوحيد من خلالها؛ وذلك لأن طريقة تعليم التوحيد لم تكن سديدة جداً، فكان ينبغي أن يُعلم الناس التوحيد حتى من خلال الصلاة، ومن خلال الزكاة، ومن خلال الحج، من خلال الصيام؛ لأن حقيقة التوحيد هو الارتباط بالله والتعلق به وحده، هذا هو التوحيد، أما إذا لم تكن دائماً متعلقاً بالله وحده فإنك لم توحده.
стр. 14
التوحيد في الشهادتين وفي الصلاة
الشهادتان معروفة؛ لأنها لفظ التوحيد، لكن الذي ينبغي بيانه هنا أن النطق بالشهادة غير الاعتقاد، فإن الاعتقاد هو الأصل، وذلك أن تعتقد أن الله واحد لا شريك له، لكن أن تشهد، أي: أن تتلفظ، فإن أركان الإسلام أولهما الشهادتان، بمعنى أن تشهد وتنطق أن لا إله إلا الله ما معنى ذلك؟
المشهور عندنا أن الإنسان يشهد أن لا إله إلا الله أول ما يسلم، وهذا صحيح، لكن حينما تتأمل أحكام الإسلام، تجد أن الإسلام طلب منا الشهادتين في مواطن كثيرة جداً، وهذا هو الذي ينقصنا في تعليم التوحيد.
المتبادر إلى الذهن أن الكافر إذا أراد أن يسلم يشهد أن لا إله إلا الله أمام قاضٍ، ويعلن الشهادة، وينطق الشهادتين، فيدخل في الإسلام.
لكن حينما ننظر في أحكام الإسلام نجد أننا في اليوم أكثر من عشرين مرة نشهد أن لا إله إلا الله، بل أكثر من ذلك أول مرة عند الأذان، قد تقول: المؤذن هو الذي يشهد أقول: نعم.
لكن نبينا محمد ﷺ يقول: ﴿إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول﴾ والمؤذن يقول مرتين (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) والنطق بلفظ تجديد التوحيد ليس عبثاً، وكما خوطب به الأنبياء والمؤمنون، نخاطب نحن به أيضاً، وكأني أغسل قلبي وأغسل نفسي، وأتفقد هل أنا متعلق بالله أم لا؟ هل أنا أشهد أن لا إله إلا الله حقيقة أم لا؟ المؤذن خمس مرات في اليوم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، على رءوس الأشهاد، وأنت تقول مثله حتى في إقامة الصلاة أذان وفيها شهادتان، وكل صلاة تصليها تتشهد تشهداً أو تشهدين، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله هل تأملتم هذا الكلام؟ هل ديننا يشكك في عقائدنا؟ لا، إنما هذا تجديد، ولا بد من التجديد.
إذاً هذا لفظ الشهادة فقط غير لفظ (لا إله إلا الله) الذي يرد كثيراً، سواءٌ في الأذان أو في غيره، فإن الأذان فيه (أشهد أن لا إله إلا الله) وفيه (لا إله إلا الله) في آخره، فضلاً عن المعاني من غير النطق.
كذلك كلمة التوحيد (الله أكبر) لو تأملتها لعلمت أنها توحيد، المؤذن يقول: (الله أكبر) وأنت تقول مثله.
ماذا تعني (الله أكبر)؟
تعنى أنه ليس في ذهنك ولا في قلبك ولا في تفكيرك ولا في تصورك ولا في سلوكك أن شيئاً أكبر من الله ، لا في تدبيره ولا في ملكه ولا في مراقبته ولا في قدرته عليك هذا هو التوحيد.
التوحيد أن يكون قلبك خالص التعلق بالله .
حينما تقول: (الله أكبر) ويقول المؤذن: (الله أكبر).
هذا فضلاً عن تكبيرات الصلاة، فإن في كل حركة انتقال تكبيرة تكبيرة الإحرام، ثم تكبيرات الانتقال من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قعود إلى قيام، كله تكبير ماذا يعني هذا؟
إنه يعني معالجة النفس ومعالجة القلب، وإخلاص التعلق بالله والارتباط به سبحانه.
هذا فقط في هذه الألفاظ الظاهرة، ألفاظ الأذان، والألفاظ الظاهرة في الصلاة، فما بالك بالتوحيد في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤ - ٥] وفي قولك: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، سبحان ربي العظيم! هذا هو التوحيد، وإن كان بعض العلماء يقولون: هذه فروع.
لكن هذه كلمة على الهامش.
الفصل بين التوحيد والفقه جيء به للتعليم، ما جيء به للتقسيم؛ بمعنى أن التوحيد ليس له علاقة بالفقه، وأن الفقه ليس له علاقة بالتوحيد، فهذا ليس بصحيح إنما جيء به للتعليم، وهو يسمى (تقسيم علوم) للتعليم فقط، فحينما نقول: فقه، وأصول، ومصطلح، وتفسير، وعلوم قرآن، وتخريج، وعلوم فرائض، ومواريث، وعلوم أخرى، حتى النحو والصرف، هذه التقسيمات إنما هي للتعليم، وليس للفصل بينها، وأن نجعلها فرعيات بحيث يكون الاهتمام بها قليلاً، وهذه موصولة بهذه، وكلها تخدم الدين، وكلها يخدم بعضها بعضاً.
كذلك هيئات الصلاة؛ فيها تعظيم لله ، فالصلاة كلها تعظيم، وكلها خشوع، كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] كذلك تسبيحات الركوع، وتسبيحات السجود، وهيئة الركوع والسجود، كلها حركات لله .
стр. 15
الزكاة والصيام وارتباطهما بالتوحيد
وفيما يتعلق بالزكاة وارتباطها بالتوحيد، هناك شيءٌ عجيب من جانب ارتباط المال بالتوحيد وبالدين، ولو لاحظتم الآيات المكية التي قالوا: إنها في العقائد؛ كم ذكر فيها المال؟
يقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] من هو؟ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:٢ - ٣] أي: من مظاهر التكذيب بالدين والتكذيب والتكذيب باليوم الآخر البخل بالمال.
إذاً: القضية ارتباط عقدي قبل أن تكون ارتباط أحكام، وبعدها يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧].
فحتى منع الماعون الذي هو العارية داخل في الدين، وداخل في الوعيد بالويل والزكاة قد صار لها تعليم خاص، لكن هي كلها تخدم قضية الدين والتوحيد والارتباط بالله ، ويقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦] فهذه أربع قضايا: اثنتان منها يسمونها فرعية.
إذاً: قضية المال وقضية الزكاة لها ارتباط عقدي كبير، وأوضح من ذلك -إذا كنتم تريدون نفس المصطلح- قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] من هم؟ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٧] وهناك ارتباط بين الزكاة وبين التوحيد والإخلاص، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
وفيما يتعلق بالصيام، له ارتباط بالإخلاص وبالدين وبالتوحيد، قال ﵊: ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ والله تعالى قال عن الصائم في الحديث القدسي: ﴿يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي﴾ هذا هو التوحيد، وهذا هو الإخلاص، وهذا هو الارتباط بالله ، وإن كان الصيام من الفروع.
стр. 16
الحج وارتباطه بالتوحيد
أما الحج فناهيك به في الحديث عن التوحيد، يقول جابر ﵁ وهو يحكي صفة حج النبي ﷺ ، يقول: ﴿فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد﴾ فأول مداخل الحج: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ولو استعرضتم آيات الحج في سورة الحج، لوجدتم ارتباط الحج بالتوحيد والتحذير من الشرك الشيء العجيب يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٢٦ - ٣١].
ولا شك أن قضية ارتباط التوحيد بالحج، والتركيز على التوحيد في الحج مهم جداً؛ لأنه مشاعر وشعائر تُؤدى، ومع الأسف أن هذا هو الذي أوقع بعض المسلمين فيما وقعوا فيه من التعلق بالأحجار وغيرها ولهذا كان التأكيد على قضية التوحيد في الحج أظهر منها في غيرها.
ولهذا كان وقوع بعض المسلمين في التعلق بالقبور من هذا الباب، والتعلق بالأضرحة، والطواف حولها، بسبب أن النفوس لم تُتعاهد بالتوحيد، وبالتذكير به، ولهذا كان الحديث عن التوحيد في الحج أظهر منه في غيره من الفرائض، وإن كان الأمر كما أوضحنا.
стр. 17
التوحيد وسيرة النبي ﷺ
الحقيقة عندي أشياء لا يتسع الوقت لإتياني عليها كلها، ولكني سأوجز فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ ومسيرة التوحيد في سيرته ﵊
كما قلت في مطلع الحديث: أن بعض الناس يظن أن التوحيد كان خاصاً بالعهد المكي، وبعدها كأن القضية انتهت، وهذا غير صحيح، فإن الرسول ﷺ من أول ما ظهر إلى أن توفي ﵊ وهو يدعو إلى التوحيد، ولم يفتر لحظة واحدة.
منذ أن نزل عليه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] وهذه الآية من أوائل ما نزل -كما هو معروف- بل هي أصل دعوة التوحيد، وهذا أمر معروف، والأمر فيها أمر فردي.
ثم جاءت قضية دعوة الأقربين -لأن الدعوة كانت مرحلية- قال له: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣ - ٢١٤] وهذا كله مكي، لكن لاحظ كيف كان التدرج في الدعوة.
ولما أمر بالصدع: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] ففيه تنبيه لقضايا التوحيد وقضايا التحذير من الشرك، وهذا التدرج شيء عجيب، وعجيب أيضاً ملاحظة العلماء لهذا، فإنهم ما تركوا شيئاً ﵏، وهذا الكلام ليس من عندي، بل هو في كتب متخصصة تبحث في التوحيد، وخاصة أن بعض العلماء لاحظ أن القضية ليست خاصة بالعهد المكي.
ثم في الهجرة قال الله عن نبيه قوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وهذا توحيد.
وكذلك قُبيل الإذن بالقتال، قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] وهذا أيضاً تدرج، فإن المرحلة التي جاء الإذن فيها بالقتال يعتبرها الناظرون في تاريخ التشريع مرحلية، لأن الإذن بالقتال جاء متدرجاً، وحتى في هذا المرحلة كان فيها الحديث عن التوحيد، مع أن القضية المكية قد تكون انتهت بفتح مكة، قال الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١] ومعلوم أن هذه الكلمة قالها النبي ﷺ وهو يكسر الأصنام التي حول الكعبة.
وفي كل بعوثه التي بعثها، ومعلوم أن البعوث كانت في المدينة حينما بعث علياً، وحينما بعث معاذاً وأبا موسى، والرسل والكتابات كلها تدعو إلى التوحيد يقول ﵊ لـ معاذ: ﴿إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾ وكذلك علي ﵁ عندما بعثه إلى خيبر، وكما قلنا: أن النبي ﷺ وهو في مرضه الذي مات فيه كان يقول: ﴿لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وهذا هو لب التوحيد في آخر أيامه ﵊.
وهناك نصوص أخرى غير ما ذكرنا لأن الموضوع ينبغي ألا ينتهي عند هذا، وكما قلنا في قوله ﷺ : ﴿لقنوا موتاكم لا إله إلا الله﴾ وكذلك: ﴿من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ﴿من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه﴾.
وختاماً أقول: لم تخلُ فترة من فترات النبوة من إعلان التوحيد وشواهده ومحاربة الشرك وظواهره، بل يكاد ينحصر غرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك ﵊ تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة، والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال، حيث كانت البيعة: ألا يشرك بالله شيئاً، ولم يفتر عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله.
من أجل هذا كان التوحيد أولاً، وكان هو الأول، ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر أقول هذا القول والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 18
الأسئلة
стр. 19
سبل الوقاية من الشرك
السؤال
فضيلة الشيخ: إن أمر الشرك عظيم وخطير، لذا نريد أن تبين لنا سبل الوقاية من الوقوع فيه؟
الجواب
من أهم السبل: العلم؛ لأن أكثر الذين يقعون في الشرك هم الجهال، وقد سبقت الإشارة قبل قليل إلى أن طريق تعليم التوحيد فيها بعض الخلل خاصة عند المتقدمين ﵏، فما كان ينبغي لهم أن يدخلوا في دقائق الجدل، ودقائق الأشياء، وإثبات الله ، وإثبات وجود الله، وفيما يتعلق بطرق التنزيه والتعطيل، وكلام خاصة الخاصة، ولم يصلوا فيه إلى شيء، بل كان ينبغي علهيم أن يعلموا الناس بطريقة القرآن، ولهذا فإن شيخنا وإمامنا الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أتى بأحسن الطرق وأجملها فيما يتعلق بطريقة تعليم التوحيد في الحقيقة، فإن الأصول الثلاثة والقواعد الأربع، وكتاب التوحيد، من أجمل ومن أيسر السبل في أن يعلم الناس التوحيد بهذه الطريقة، ولا مانع من أنها تطور، لكن المسلك الذي سلكه فيه تبسيط وتسهيل، وخطاب للناس بما يعيشونه، وهذا هو المهم.
يقول ابن حجر الهيتمي، وهو شافعي معروف، وقد يكون له أشياء لا يوافق عليها، ولكنه قال كلاماً جميلاً، يقول: ينبغي منع من يشهر علم الكلام بين العامة؛ لقصور أفهامهم، ولأنه لا يؤمن أن يؤدي بهم إلى الزيغ والضلال، ولا بد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه؛ إذ هو بين واضح يدرك ببداهة العقل، مع أن ابن حجر الهيتمي من الذين خاضوا في هذا، وله أمور لا يوافق عليها.
فالحقيقة أن طريقة القرآن في خطاب الناس وفي إثبات التوحيد والتحذير من الشرك، وقطع شجرة الشرك من نياط القلب، هي بطريقة القرآن، لكن أكثر ما يجنب الناس من الشرك هو العلم والتعليم والمحاضرات والدروس ووضع الرسائل الصغيرة، وخاصة فيما يتعلق بالسحر والكهانة والشعوذة، فإن هذه كلها نتيجة الخلل في التوحيد، وما أوقع الناس فيها إلا لخلل في التوحيد.
стр. 20
الحب والخوف
السؤال
فضيلة الشيخ: هل من أحبَّ شيئاً حباً مفرطاً يقع في الشرك، أو من خاف من شيء خوفاً شديداً يكون قد وقع في الشرك؟
الجواب
لا، إنما يقع في الشرك إذا كان يحبه كحب الله أو أعظم من حب الله، هذا هو الشرك، أن تحب الشيء كحب الله، أو أعظم من حب الله، أو أن تخاف الشيء كخوفك من الله أو أعظم، أما الخوف الجبلي فلا شيء فيه، نعم قد تخاف خوفاً عظيماً، فإن بعض الناس إذا خاف تخرج منه أشياء، فالخوف هذا جبلي وفطري، وبعض الناس يخاف من ظلام الليل، وبعض الناس يخاف من السباع، وبعض الناس يخاف من أشخاص، فالخوف الفطري ولو ظهرت فيه مظاهر من الرعدة ومن القلق فهي أشياء طبيعية جبلية، إنما المقياس والميزان ألا يخافه كخوف الله، وألا يحبه كحب الله، ولهذا قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قول الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] قال: إن الناس ما سووهم في الخلق والرزق، وإنما سووهم في المحبة والتعظيم، وكذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يعدلون بربهم غيره في التعظيم، وفي الحب وفي الخوف وفي الرجاء، لا في الخلق والرزق، بل أحياناً قد لا يعتقدون فيهم النفع والضر، ولكن يجعلونهم زلفى.
стр. 21
الطاعة والمعصية وارتباطهما بالتوحيد
السؤال
فضيلة الشيخ: من حقق التوحيد فإنه يكون أبعد الناس عن جميع المعاصي، ويكون أسرع الناس إلى طاعة ربه، هل من تعليق على هذا؟
الجواب
هذا صحيح، وهذا جانب آخر ينبغي العناية به، لكن الوقت لم يكن يتسع للقضايا التي تحفظ كمال التوحيد، وهي الطاعات، كما أن المعاصي تنقص كمال التوحيد، وهذا جانب مهم، ولعل المدخل الذي دخلناه حينما تكلمنا عن الصلاة والزكاة وارتباطها بالتوحيد له تعلق بهذا، لكن لا شك أن ما أشار إليه السائل مهم جداً، ولعله إن شاء الله يُعتنى به فيما يستقبل من الأيام، من حيث الربط بين الطاعة والتوحيد، والربط بين المعصية والشرك؛ لأن المعاصي بريد الشرك، وإن كانت الشبهات أكثر قدحاً في التوحيد من الشهوات.
стр. 22
سبل تحقيق التوحيد
السؤال
ما هو السبيل الصحيح إلى تحقيق التوحيد حقاًً ليكون من المؤمنين؟
الجواب
كما قلنا في سبل الحذر من الشرك أنه العلم، كذلك التوحيد تحقيقه يكون بالعلم، حيث يجب على الإنسان أن يتعلم ويسأل، وكذلك يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل، فإن هذه تحمي التوحيد، وتجعل المسلم متعلقاً بربه على سبيل المثال: الأوراد، فلو أن الإنسان له عناية بالأوراد اليومية، وأذكار الصباح والمساء، فإن لها تأثيراً عجيباً في التعلق بالله ، وكذلك في الإيمان والطمأنينة والسكينة والربط بين الأسباب والتوكل، فإذا وفق العبد إلى أن يكون عنده أوراد، ويأتي بها وهو يعلم معناها لوجد خيراً كثيراً، وأذكار الصباح والمساء التي نبه عليها نبينا محمد ﷺ وأوصانا بها وإذا أوى الإنسان إلى فراشه، وإذا استيقظ من منامه، وإذا خرج من بيته، وإذا دخل المسجد، وإذا أصبح وإذا أمسى.
فمثلاً: سيد الاستغفار: ﴿اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي﴾ فلو تأملتم معناه وما فيه من توحيد وما فيه من خضوع لله ، وما فيه من إقرار بالذنب، وما فيه من رجاء المغفرة لوجدتم شيئاً عجيباً، لو أن الإنسان تمثل هذا وعرفه وأتى به واعتقده، لعاش محققاً للتوحيد، ولعاش قريباً من الله ، ولعاش في سكينة وطمأنينة ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ومن تلك الأوراد: ﴿أصبحنا وأصبح الملك لله الواحد القهار﴾ ﴿اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك، فلك الحمد ولك الشكر﴾.
﴿اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، ورزقه وبركته وفتحه ونصره، وأعوذ بك من شره وشر ما بعده﴾ ﴿أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين محمد ﷺ وملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ هذه كلها أذكار توحيد، بل غاية التوحيد.
وقد يكون هذا أيضاً فيه إجابة على السؤال الذي قبل هذا، فيما يتعلق بالنوافل، فالنوافل والأذكار حينما يأتي بها الإنسان على وجهها وعلى الطريقة المشروعة، ويتأمل معناها، ويتأمل ما يقول، فإنكم تحفظون شيئاً كثيراً من الأذكار، وقد تقرءونه وتجرونه على ألسنتكم، لكنكم لا تتأملون معناه.
ولا بأس أن نقف قليلاً عند هذا الذكر: ﴿اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر﴾ لو تأملت معناه، ورأيت ما يحتويه من معان، وما يحتويه من نقاء القلب، وما يحتويه من السلام ومن الارتباط بالله ، ومن توحيد الله وإجلاله؛ لوجدت أمراً عجيباً أولاً: الاعتراف بالنعم (ما أصبح بي من نعمة) فالنعمة التي فيك هي من الله ، ثم ما أصبح بخلق الله أنت تعتقد أنه من الله ، ووالله لو أننا صادقون في تأمل أن ما أصاب الناس من نعم فهو منه ، لذهب الحسد من قلوبنا؟
حينما تقول في الصباح: ﴿ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك﴾ فلو أن إنساناً رزق، أو ترقى، أو توظف، أو أي شيء حصل له، فأنت تقول: هذه من الله، ولا دخل لك في حصولها ولا في منعها.
إذاً: هذا هو التوحيد، وهو متعلق بالله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] فهذا هو التوحيد، وهذا هو تحقيق التوحيد، أن يكون في قلبك، وأن ما تعرفه من أذكار وما تقوم به من شعائر، سواء فرائض أو نوافل، تتأملها وتعرف معناها وتعيشها تعيشها في سلوكك تعيشها في حياتك تعيشها حباً لله، وحباً لخلقه، وتعلقاً بالله ، وعدم التعلق بخلقه، والرضى عن الناس، والرضى عن النفس، وهذا هو المقصود من التوحيد، وهذا هو غاية التوحيد في الدنيا والآخرة.
стр. 23
من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة
السؤال
ورد في الحديث الشريف أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، فهل يشمل الحديث أهل المعاصي والكبائر، أم أن الحديث يختص بالمؤمنين كاملي الإيمان فقط؟
الجواب
لا شك أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، فلا بد أن يكون خالصاً من قلبه، فإذا قالها خالصاً من قلبه أصبح موحداً ولا شك، لكن المعاصي التي ارتكبها إن لم يتب منها فهو عرضة للعقاب، إن لم يتداركه الله برحمته، لكن مآله إلى الجنة، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة أن من مات على التوحيد، فمآله إلى الجنة، أما المعاصي والكبائر فهذه إلى الله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
стр. 24
الخلل في العقيدة والخلل في المنهج
السؤال
ما هو الفرق بين الخلل في التوحيد والعقيدة، والخلل في المنهج؟
الجواب
لا يبدو لي أن هناك فرقاً بين القضيتين، فإنه إذا لم يكن المنهج على التوحيد فهذا هو الخلل في المنهج، وإذا كان المنهج على التوحيد فانتهت القضية، فليس هناك شيء اسمه منهج وشيء آخر اسمه توحيد، وإذا لم يكن المنهج على التوحيد فلا يسمى منهجاً، هذا هو الخلل، فلا يتصور أن يكون هناك منهج وهناك توحيد، أو خلل في التوحيد وخلل في المنهج، بل إذا كان الخلل في المنهج يتعلق بالتوحيد، فهذا خلل في التوحيد، وإذا كان الخلل في التوحيد فهذا خلل في المنهج، وإذا لم يكن المنهج على التوحيد، فهذا هو الخلل بعينه.
стр. 25
من أتى بمكفر فإنه يكفر وإن نطق بالشهادة
السؤال
فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول الرسول ﷺ عن الخوارج: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإن رأيتموهم فاقتلوهم﴾ وبين الحديث الذي عاتب فيه الرسول ﷺ أسامة بعد أن قتل أحد المشركين بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال أسامة: إنما قالها خوفاً من القتل، فقال ﵊: ﴿هلا شققت عن قلبه﴾؟
الجواب
لا يبدو أن هناك تعارضاً بين هذا وهذا، لأن نبينا محمداً ﷺ جعلنا على المحجة البيضاء، وقضية معالم الدين ظاهرة فيما يتعلق بالتوحيد، وفيما يتعلق بالمكفرات، ولهذا عقد العلماء ﵏ باب الردة، وأحكام الردة والمرتد، وعلي ﵁ قاتل الخوارج، والخوارج فئات منهم من عبّد علياً وجعله إلهاً مع أنهم أهل عبادة، بمعنى أنه ليس مجرد قراءة القرآن، ومظاهر الصلاح من حيث الصلاة والخشوع تنفع الإنسان إذا أتى بمكفر، فهم يخرجون من الدين، وليس حكمنا على خروجهم من الدين بأشياء غير ظاهرة، بل إن من يكفر يكفر بأمر ظاهر، نحن لا نكفر بالنوايا ولا نكفر بالقلوب، فإذا أتى بمكفر ولو كان ظاهره الصلاح فإنه كافر، كأن استهزأ بالله أو بالرسول، أو أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، أو أشرك بالله ، أو جعل لله نداً، أو دعا غير الله، أو أشرك بالله، وإن صلى وصام، وإن أتى بالشعائر الإسلامية الظاهرة من الصلاة والزكاة، وإن قرأ القرآن، وكم من قارئ يقرأ القرآن وهو يلعنه، فإذا قرأ القرآن وأتى بمكفر، فهو كافر وإن قرأ القرآن إلا إذا تاب.
أما قضية أسامة ﵁ فإن ذلك الرجل أتى بظاهر الإسلام، قال: لا إله إلا الله، فهو مسلم في الظاهر، أما قول أسامة ﵁: ما قالها إلا خوفاً من السيف، فقال له النبي ﷺ : ﴿أشققت عن قلبه؟﴾ فالذين يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية قد أتوا بمكفر ظاهر، وهذا هو مسلك أهل السنة والجماعة.
стр. 26
حكم الذهاب إلى السحرة والمشعوذين
السؤال
فضيلة الشيخ: ما زال كثير من الناس إذا أصابته مصيبة (كأن فقد سيارته مثلاً) يذهب إلى المشعوذين والسحرة، فهل من كلمة حول هذا الخلل في التوحيد؟
الجواب
هذا هو الذي جعلنا نقول: إنه ينبغي بل يجب أن يتعاهد الناس بالحديث عن التوحيد، وتعليم التوحيد، وتحقيق التوحيد، والارتباط بالله ؛ لأن الذهاب إلى المشعوذين والذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة، لا شك أنه خلل في المعتقد، والنبي ﷺ يقول: ﴿من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ وفي رواية: ﴿فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾.
فالقضية خطيرة وليست سهلة، ولهذا لا بد من تعليم الناس التوحيد تعليماً حقيقياً، والنظر في المناهج التي تعلم الناس، سوء ما يتعلق بالحلقات الخاصة، أو ما يتعلق بالمحاضرات العامة، أو ما يتعلق بكل المنتديات واللقاءات وغيرها.
جزى الله فضيلة الشيخ على ما قال، ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتكرر مثل هذا اللقاء وأنتم على خير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 27
أصلحوا ذات بينكم
لقد عم الاختلاف بين الناس؛ الأزواج مع زوجاتهم، والدولة مع جارتها، والقبيلة مع أختها، والوالد مع ولده وهكذا، والدين الإسلامي قد حث وأمر بالإصلاح بين الناس، وجعل لذلك أجراً عظيماً.
والواجب على كل المتخاصمين أن يسعوا للصلح ويقبلوا به، وأن يقدموا بعض التنازلات من أجل إتمام الصلح.
стр. 28
فضل الإصلاح وبعض فقهه ومسالكه
الحمد لله شرح بفضله صدور أهل الإيمان بالهدى، وأضل من شاء بحكمته وعدله، فلن تجد له ولياً مرشداً، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً فرداً صمداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، كرم أصلاً وطاب محتداً، خصه ربه بالمقام المحمود وسماه محمداً، ﷺ وبارك وعلى آله وأصحابه، هم النجوم بهم المهتدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتدى.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.
أيها المسلمون: أصلحوا ذات بينكم، فالإصلاح عنوان الإيمان في الإخوان: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] الإصلاح مصدر الطمأنينة والهدوء، ومبعث الاستقرار والأمن، وينبوع الألفة والمحبة.
أيها الإخوة: في كثير من الديار أقضَّت مضاجع القضاة القضايا، وامتلأت كثير من السجون بالبلايا، ناهيك بما في مراكز الشرطة وأسرة المشافي من المآسي، بل إن مشكلات الأمة الكبرى في الصومال وأفغانستان ومواقع من ديار المسلمين أخرى تحتاج كل الحاجة إلى الصالحين المصلحين.
ألا ينبري خيرون بمساعٍ حميدة هنا وهناك، ليطفئوا نار الفتن، وينزعوا فتيل اللهب؟!
إن التنازع مفسد للبيوت والأسر، مهلك للشعوب والأمم، سافك للدماء، مبدد للثروات: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
بالخصومات والمشاحنات تُنتهك حرمات الدين، ويعم الشر القريب والبعيد، ومن أجل ذلك سمى رسول الله ﷺ فساد ذات البين بالحالقة، وهي لا تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين.
إن الأمة في كثير من مواقعها تحتاج إلى إصلاح يدخل الرضا على المتخاصمين، ويُعيد الوئام إلى المتنازعين إصلاح تسكن به النفوس، وتتآلف به القلوب إصلاح يقوم به عصبة خيرون، شرفت أقدارهم، وكرمت أخلاقهم، وطابت منابتهم، وإنهم بمثل هذه المساعي الخيرة يبرهنون على نُبل الطباع وكرم السجايا.
فئات من ذوي الشهامة من الرجال، والمقامات العلية من القوم، رجال مصلحون ذوو خبرة وعقل، وإيمان وصبر، يحضرون الناس في أحوالهم ومعاملاتهم حذاق في معالجة أدوائهم، وأهل إحاطة بنفوس المتخاصمين، وخواطر المتباغضين، والسعي فيما يرضي الطرفين.
أيها الأحبة: إن سبيل الإصلاح عزيمة راشدة، ونية خيرة، وإرادة مصلحة، وإن بريد الإصلاح حكمة المنهج، وجميل الصبر، وطيب الثناء إنه سبيل وبريد يقوم به لبيب تقي، يسره أن يسود الوئام بين الناس: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١٢].
стр. 29
الإخلاص في الإصلاح بين الناس
أيها الإخوة: وللإصلاح فقه ومسالك، دلت عليها نصوص الشرع، وسار عليها المصلحون المخلصون الناجحون.
إن من فقه الإصلاح صلاح النية، وابتغاء مرضاة الله، وتجنب الأهواء الشخصية، والمنافع الذاتية، وإذا تحقق الإخلاص حل التوفيق بإذن الله، وجرى التوافق، وأنزل الله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.
أما من قصد بإصلاحه الترؤس والرياء، وارتفاع الذكر والاستعلاء، فبعيد أن ينال ثواب الآخرة، وحري ألاَّ يحالف التوفيق مسعاه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١].
стр. 30
النجوى في الإصلاح
ومن فقه الإصلاح: سلوك مسلك السر والنجوى وإن كان كثير من النجوى مذموماً، إلا ما كان من صدقة أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فهو محمود مستثنى، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١].
أيها الإخوة: هذا فقه في الإصلاح دقيق، ولعلَّ فشل كثير من مساعي الصلح ولجانه بسبب فشو الأحاديث، ونشر الأخبار، وتشويشات الفهوم، مما يفسد الأمور المضرمة، والاتفاقيات الخيرة.
إن من الخير في باب الإصلاح أن يُسلك به مسلك النجوى والمسارة، فمن عرف الناس وخَبَر أحوالهم -لا سيما فيما يجري بينهم من منازعات، ويدور بينهم من خصومات، وما يستتبعوا ذلك من حب للغلبة، وانتصار للنفس- من عرف ذلك وخبره، أدرك دقة هذا المسلك، وعمق هذا الفقه.
стр. 31
جواز الكذب في الإصلاح بين الناس
إن من الناس من يأبى أن يسعى في الصلح بين فلان وفلان، ومنهم من يأنف أن يعرف الناس أنه قد دخل في مصالحة مع فلان، وآخر يصر على أن تكون المبادرة من خصمه وتمشياً مع هذا المسلك، وتمشياً مع هذه المسالك السرية، والتحركات المحبوكة، أذن الشارع للمصلح بنوع من الكذب في العبارات والوعود، قال ﵊: ﴿فليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس، فيبني خيراً أو يقول خيراً﴾ وفي خبر آخر عنه ﵊ يقول: ﴿لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: رجل يصلح بين اثنين، والحرب خدعة، والرجل يستصلح امرأته﴾.
يقول نعيم بن حمّاد: قلت لـ سفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر من الشيء عسى أن يكون قد فعله، ويحرف فيه القول؛ ليرضي صاحبه، أعليه فيه حرج؟ قال: لا.
ألم تسمع قوله ﷺ : ﴿ليس بكاذب من قال خيراً أو أصلح بين الناس﴾ وقد قال الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله، وكراهة أذى المسلمين، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضه، فإن البغضة حالقة الدين.
قلت: أليس من قال ما لم يكن فقد كذب؟ قال: لا.
إن الكاذب الآثم، فأما المأجور فلا.
فالمصلح يخبر بما علمه من الخير، ويسكت عما علمه من الشر والنقص
стр. 32
الشر لا يُطفأ بالشر
وليعلم محبو الإصلاح والساعون فيه -أثابهم الله وأنجح مساعيهم- أن الشر لا يطفأ بالشر، كما أن النار لا تطفأ بالنار، ولكنه بالخير يطفأ، فلا تسكن الإساءة إلا بالإحسان، ولهذا فقد يحتاج المتنازعان إلى أن يتنازلا عن بعض الحق فيما بينهما، وإن من البصر بأحوال الناس، أن يعلم أصحاب المروءات من المصلحين أن النفوس مجبولة على الشح وصعوبة الشكائم، مما يستدعي بذلاً في طول صبر وعناء، فربكم يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٢].
إنها النفوس الشحيحة التي تحمل صاحبها وغيرها على ما تكره، ولكن في مقابل هذه النفوس الشحيحة يترقى أصحاب المروءات من المصلحين الأخيار، ليبذلوا ويغرموا، نعم يبذلون الوقت والجهد ويصرفون المال والجاه، ولقد قدر الإسلام مروءتهم، وحفظ لهم معروفهم، فجعل في حساب الزكاة ما يحمل عنهم غرامتهم، بارك الله فيهم، لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين.
стр. 33
منزلة الإصلاح
أيها الإخوة في الله: إن ميدان الصلح واسع عريض في الأفراد والجماعات، والأزواج والزوجات، والكفار والمسلمين، والفئات الباغية والعادلة في الأموال والدماء، والنزاع والخصومات، ومن أجل ذلك فقد عظم ثوابه وكبر أجره، فهو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، فلقد قال نبيكم محمد ﷺ لأصحابه يوماً: ﴿ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين﴾.
ولقد باشر ﵊ الصلح بنفسه حين تنازع أهل قبا، فندب أصحابه وقال: ﴿اذهبوا بنا نصلح بينهم﴾، وخرج ﵊ للإصلاح بين أناس من بني عوف حتى تأخر عن صلاة الجماعة.
والإمام الأوزاعي ﵀ يقول: ما خطوة أحب إلى الله من خطوة في إصلاح ذات البين.
إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة- فمن ذا الذي لا يقبل الصلح، ولا يسعى فيه، ليسوا إلا أناساً قد قست قلوبهم، وفسدت بواطنهم، وخبثت نياتهم، حتى كأنهم لا يحبون إلا الشر، ولا يسعون إلا في الفساد، ولا يجنحون إلا إلى الظلم، والأشد والأنكى أن ترى فئات من الناس ساءت أخلاقها، وغلت أكبادها، لا يكتفون بالسكوت والسكون، بل في أجوائهم يستفحل الخصام، ويكثر الكلام، وما أشبه هؤلاء بأعداء الإسلام وأهل النفاق! إنهم يُلهبون نار العداوة، ويوقدون سعير البغضاء، كلما خبت نار الفتن أوقدوها، ولا غرو بعد ذلك أن تضيع الحقوق، وتهدر الحرمات، ويرق الدين، وتنزع البركات.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، اتقوه وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ .
وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 34
ضرورة الحرص على الإصلاح
الحمد لله لا تُحصى نعمه ولا تعد، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا رسول الله محمد، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آل محمد، وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها الناس: فإن تقوى الله خير زاد.
أيها الإخوة: إن الكريم لا يحقد ولا يحسد، ولا يبغي ولا يفجر، إن بلغه عن أخيه ما يكره التمس له عذراً، فقد علم أن الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الأحقاد، ويزيل الصدود إن حقاً على إخوة الإيمان أن يسود بينهم أدب المحبة، أدب ينفي الغش والدغل مع استسلام لله بما يصنع، ورضاً بما يكتب، واسمعوا -رحمكم الله- إلى هذا الحديث: يروي أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر الله لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه ويبن أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا﴾.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: يدل هذا الحديث على أن الذنوب إذا كانت بين العباد، فسامح بعضهم بعضاً، سقطت المطالبة بها من قبل الله .
الله أكبر يا عباد الله! ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧] وسمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهما، وإذا أحدهم يستوضع الآخر ويسترققه، أي يطلب منه أن يخفف عنه من دينه، وصاحبه يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما ﷺ وهو يقول: ﴿أين المتألي على الله ألا يفعل المعروف؟! فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب﴾ فعدل الرجل عن يمينه، واستجاب لتذكير رسول الله ﷺ ، طاعة لله ولرسوله، واستجابة لداعي الحق.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، فمن أراد الثواب الجزيل والذكر الجميل وراحة القلب، فليحلم على الجاهل، وليعفُ عن المعتدي، وليقبل الصلح: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠].
هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، ﷺ ، وقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آل محمد، وعلى أزواج محمد، اللهم وارض عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر الكفرة والطغاة وسائر الملحدين اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحبه وترضاه، وأيده بالحق وأيد الحق به، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، واجعلهم شاكرين لنعمك قابلين لها وأتمها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 35
الحج مدرسة وموقف
الأمة الإسلامية اليوم تشكو الفرقة والشتات، والحج يجسد أعظم وأجل صورة للوحدة الإسلامية التي لا تفرق بين أسود ولا أبيض، ولا بين عربي وعجمي.
وقد تعرض الشيخ هنا لبعض الجراحات التي ما زال جسد الأمة الإسلامية ينزف منها: فسطين - البوسنة والهرسك - كشمير.
والحل الذي تتخلص به الأمة من ضعفها هو التمسك بدين الإسلام وتطبيقه على الواقع.
стр. 36
الحج ركن التواصل بين المسلمين
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه حمداً لا يُحدَّ، وأشكره شكراً لا يُعدَّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى الأبيض والأحمر والأسود، صلى الله وسلم وبارك عليه، هدى بإذن ربه إلى السبيل الأقوم، والمنهج الأرشد، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم وجد واجتهد.
أما بعد:
أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، جدوا في طلب الخيرات، واغتنموا أوقاتكم في الأعمال الصالحات.
أيها الحاج الكريم: ها أنت تخطو خطواتك إلى هذه الأرض الطيبة الطاهرة المقدسة، خطوات وئيدة مهيبة، تَقبَّلَ الله حجك، وغفرَ ذنبك، وشكر سعيَك، إنها أرض الإسلام الأولى، لقد كانت ميداناً لأروع حوادث التاريخ، وأخلد ملاحم الإنسانية، هذه الأرض المباركة بكعبتها ومسجدها، وشعائرها ومشاعرها، تروي تاريخاً طويلا، زاخراً بألوان الجهاد، وصور البطولات، ومصارع الشهداء، وجميل الانتصارات، يتردد في أجوائها وأصدائها نداء محمد ﷺ حين انبثق معه نور الإسلام، فتغيرت معالم التاريخ، وقفزت الإنسانية إلى أسمى آفاقها.
هل تعيش -أيها الحاج! حفظك الله- هذه المشاعر والأحاسيس؟
وهل ملكت عليك روحك وقلبك ونفسك وجسدك؟
هل أدركت أن الحج ركن جديد من أركان التواصل، ورباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل؟
إنه شاهد التاريخ، ونور العقيدة، وبرهان الإيمان.
إنه الركن والرباط الذي يجعلك تقف موقف الناظر المتأمل والمحاسب والمقارن.
الحج مدرسة، والحج موقف، يا ترى! هل تحسن المقارنة؟ وهل تتقن الموازنة؟
ها هو عمر بن الخطاب ﵁ يكتب لأمرائه وولاته أن يوافوه بالموسم ليبحث شئون الأقاليم وأمور الرعية؛ ليتحقق من بسط العدل، ويطمئن على وصول الحق.
هذا موقف.
وفي مقابله يقف رجلٌ من ساسة الغرب صارخاً في قومه، بل في العلية من قومه ليقول: إن العقبة الكئود أمام الاستقرار والتمكن من الإسلام وأهل الإسلام وديار الإسلام، شيئان لا بد من القضاء عليهما مهما كلَّفنا الأمر، أولهما: هذا الكتاب، ويعني به القرآن العظيم، وسكت قليلاً ثم اتجه نحو المشرق قائلا: وهذه، وأشار بيده نحو الكعبة، ألا شُلَّت يمينه.
стр. 37
جراحات دامية في جسد الأمة الإسلامية
أيها الحاج رعاك الله: وأنت تقف موقف المتأمل، كم حاول الأعداء تمزيق الأمة؟! كم اصطنعوا من فواصل؟! وكم افتعلوا من الحواجز جغرافياً، وقومياً، وحزبياً، وسياسياً، ومذهبياً، وطائفياً؟!
لقد قطَّعوا الأسباب، وحرّموا التواصل، وفصلوا الحاضر عن الماضي المجيد، وأظلموا الطريق نحو المستقبل المأمول.
نعم! لقد حاولوا إطفاء جذوة الدين الموحد، وقتل اللغة المشتركة، وطمس التاريخ المجيد، ولقد قطعوا -أخزاهم الله- في تحقيق مآربهم شوطاً بعيداً.
وما دمت في موقف الاعتبار، ودروس الحج، فإن أمامك صورتين بائستين تجمع لك ذلك كله، إنها صورة من إخوانك في فلسطين، وصورة من إخوانك في البوسنة والهرسك.
стр. 38
فلسطين جرح ينزف
أما الصورة من فلسطين فحال اليهودي الآثم مع عصبته حين قتل المصلين الصائمين، الركع السجود في جامع الخليل في فجر الجمعة من رمضان في فلسطين المحتلة، وقد قال حُكَّام صهيون: "إنه مجنون، ومن كان مجنوناً فليس بمجرم".
نعم! إن الأعمال التي يُمارسها بنو صهيون وغلاتهم في الخليل والقدس وغزة وكل الأرض المحتلة أعمال مجانين، إذا ما قيست بمقياس العقل، وهي أعمال مجرمين إذا ما قورنت بميزان العدل، وهي همجية إذا عُرِضَت على معايير الإنسانية، وهي قبل ذلك وبعده عدوان صارخ وبغي وإثم إذا ما قيست بمقياس الدين والحق هذه صورة.
стр. 39
البوسنة والهرسك وآلام المسلمين فيها
أما الصورة من البوسنة -والبوسنة كلها مآسٍ- الصورة التي تُجسِّد شريعة الغاب، وقانون الاستبداد، شريعة وقانون، يكون الغاصب فيها مالكاً، والمعتدي مدافعاً، والمجرم محقاً، إنها صورة قراجدة التي افترسها الصرب المجرمون على مسمع العالم وبصره في دوله الكبرى ومنظمته المتهالكة.
سُئل أحد أصحاب القرار في دولة كبرى هل ستسمح دولتك بسقوط مدينة قراجدة في أيدي الصرب؟
فكان
الجواب
إننا لن نتدخل من أجل منع حدوث ذلك.
ولفظاعة الجواب، وشناعة المنطق، سألوا زميلة وقد كان أكثر نفوذاً منه، سألوه عن رأيه في إجابة صاحبه، فقال: إنها إجابة مُرضية.
أما متحدثهم الرسمي! فقد فتح الله عليه بهذا التصريح: إن نواصي الصرب غير واضحة عندي، ولكنهم يواصلون الهجوم والقصف، ولا أعرف ماذا سيفعلون، فلست خبيراً بنواياهم!
ما هذه البراءة؟! بل ما هذه الوقاحة؟! أما المنظمة الدولية، وقد نصبت مظلة للحق والعدل والإنصاف كما يقولون! فيقول قائلها: من الواضح أن ما يحدث في البوسنة مهم، ويُثير القلق، لكنني لا أعتقد أنه يجب المبالغة في الآثار الاستراتيجية لما يحدث.
ما أرخص دماء البشر أمام الغايات الاستراتيجية! بل ما أرخص دماء المسلمين أمام شعارهم الدولي المنافق: (حقوق الإنسان!).
стр. 40
المخرج من الضعف الذي أصاب المسلمين
أيها الإخوة المسلمون: إنما يحدث اليوم في هذا الموقع سيمتد إلى غيره، وما حال كشمير عنكم ببعيد! إنها على ذات الطريق تسير، إن أطماع الأعداء لن تقف عند حد، ولن تعذر أمة الإسلام بضعفها؛ لأن ضعفها بسبب فرقتها.
следующие страницы →