← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحج ركن التواصل بين المسلمين الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه حمداً لا يُحدَّ، وأشكره شكراً لا يُعدَّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى الأبيض والأحمر والأسود، صلى الله وسلم وبارك عليه، هدى بإذن ربه إلى السبيل الأقوم، والمنهج الأرشد، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم وجد واجتهد. أما بعد: أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، جدوا في طلب الخيرات، واغتنموا أوقاتكم في الأعمال الصالحات. أيها الحاج الكريم: ها أنت تخطو خطواتك إلى هذه الأرض الطيبة الطاهرة المقدسة، خطوات وئيدة مهيبة، تَقبَّلَ الله حجك، وغفرَ ذنبك، وشكر سعيَك، إنها أرض الإسلام الأولى، لقد كانت ميداناً لأروع حوادث التاريخ، وأخلد ملاحم الإنسانية، هذه الأرض المباركة بكعبتها ومسجدها، وشعائرها ومشاعرها، تروي تاريخاً طويلا، زاخراً بألوان الجهاد، وصور البطولات، ومصارع الشهداء، وجميل الانتصارات، يتردد في أجوائها وأصدائها نداء محمد ﷺ حين انبثق معه نور الإسلام، فتغيرت معالم التاريخ، وقفزت الإنسانية إلى أسمى آفاقها. هل تعيش -أيها الحاج! حفظك الله- هذه المشاعر والأحاسيس؟ وهل ملكت عليك روحك وقلبك ونفسك وجسدك؟ هل أدركت أن الحج ركن جديد من أركان التواصل، ورباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل؟ إنه شاهد التاريخ، ونور العقيدة، وبرهان الإيمان. إنه الركن والرباط الذي يجعلك تقف موقف الناظر المتأمل والمحاسب والمقارن. الحج مدرسة، والحج موقف، يا ترى! هل تحسن المقارنة؟ وهل تتقن الموازنة؟ ها هو عمر بن الخطاب ﵁ يكتب لأمرائه وولاته أن يوافوه بالموسم ليبحث شئون الأقاليم وأمور الرعية؛ ليتحقق من بسط العدل، ويطمئن على وصول الحق. هذا موقف. وفي مقابله يقف رجلٌ من ساسة الغرب صارخاً في قومه، بل في العلية من قومه ليقول: إن العقبة الكئود أمام الاستقرار والتمكن من الإسلام وأهل الإسلام وديار الإسلام، شيئان لا بد من القضاء عليهما مهما كلَّفنا الأمر، أولهما: هذا الكتاب، ويعني به القرآن العظيم، وسكت قليلاً ثم اتجه نحو المشرق قائلا: وهذه، وأشار بيده نحو الكعبة، ألا شُلَّت يمينه.

стр. 37

جراحات دامية في جسد الأمة الإسلامية أيها الحاج رعاك الله: وأنت تقف موقف المتأمل، كم حاول الأعداء تمزيق الأمة؟! كم اصطنعوا من فواصل؟! وكم افتعلوا من الحواجز جغرافياً، وقومياً، وحزبياً، وسياسياً، ومذهبياً، وطائفياً؟! لقد قطَّعوا الأسباب، وحرّموا التواصل، وفصلوا الحاضر عن الماضي المجيد، وأظلموا الطريق نحو المستقبل المأمول. نعم! لقد حاولوا إطفاء جذوة الدين الموحد، وقتل اللغة المشتركة، وطمس التاريخ المجيد، ولقد قطعوا -أخزاهم الله- في تحقيق مآربهم شوطاً بعيداً. وما دمت في موقف الاعتبار، ودروس الحج، فإن أمامك صورتين بائستين تجمع لك ذلك كله، إنها صورة من إخوانك في فلسطين، وصورة من إخوانك في البوسنة والهرسك.

стр. 38

فلسطين جرح ينزف أما الصورة من فلسطين فحال اليهودي الآثم مع عصبته حين قتل المصلين الصائمين، الركع السجود في جامع الخليل في فجر الجمعة من رمضان في فلسطين المحتلة، وقد قال حُكَّام صهيون: "إنه مجنون، ومن كان مجنوناً فليس بمجرم". نعم! إن الأعمال التي يُمارسها بنو صهيون وغلاتهم في الخليل والقدس وغزة وكل الأرض المحتلة أعمال مجانين، إذا ما قيست بمقياس العقل، وهي أعمال مجرمين إذا ما قورنت بميزان العدل، وهي همجية إذا عُرِضَت على معايير الإنسانية، وهي قبل ذلك وبعده عدوان صارخ وبغي وإثم إذا ما قيست بمقياس الدين والحق هذه صورة.

стр. 39

البوسنة والهرسك وآلام المسلمين فيها أما الصورة من البوسنة -والبوسنة كلها مآسٍ- الصورة التي تُجسِّد شريعة الغاب، وقانون الاستبداد، شريعة وقانون، يكون الغاصب فيها مالكاً، والمعتدي مدافعاً، والمجرم محقاً، إنها صورة قراجدة التي افترسها الصرب المجرمون على مسمع العالم وبصره في دوله الكبرى ومنظمته المتهالكة. سُئل أحد أصحاب القرار في دولة كبرى هل ستسمح دولتك بسقوط مدينة قراجدة في أيدي الصرب؟ فكان الجواب إننا لن نتدخل من أجل منع حدوث ذلك. ولفظاعة الجواب، وشناعة المنطق، سألوا زميلة وقد كان أكثر نفوذاً منه، سألوه عن رأيه في إجابة صاحبه، فقال: إنها إجابة مُرضية. أما متحدثهم الرسمي! فقد فتح الله عليه بهذا التصريح: إن نواصي الصرب غير واضحة عندي، ولكنهم يواصلون الهجوم والقصف، ولا أعرف ماذا سيفعلون، فلست خبيراً بنواياهم! ما هذه البراءة؟! بل ما هذه الوقاحة؟! أما المنظمة الدولية، وقد نصبت مظلة للحق والعدل والإنصاف كما يقولون! فيقول قائلها: من الواضح أن ما يحدث في البوسنة مهم، ويُثير القلق، لكنني لا أعتقد أنه يجب المبالغة في الآثار الاستراتيجية لما يحدث. ما أرخص دماء البشر أمام الغايات الاستراتيجية! بل ما أرخص دماء المسلمين أمام شعارهم الدولي المنافق: (حقوق الإنسان!).

стр. 40

المخرج من الضعف الذي أصاب المسلمين أيها الإخوة المسلمون: إنما يحدث اليوم في هذا الموقع سيمتد إلى غيره، وما حال كشمير عنكم ببعيد! إنها على ذات الطريق تسير، إن أطماع الأعداء لن تقف عند حد، ولن تعذر أمة الإسلام بضعفها؛ لأن ضعفها بسبب فرقتها.

стр. 41

التمسك بالدين نجاة من الضعف والهوان إذاً أين المخرج وكيف المخرج؟ المخرج جلي، والطريق أبلج، اسمعوا قول الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦]. إنه الدين ولا شيء غير الدين، إنه الدين الذي يُكسِب الأمة تميزاً يمنعها من الذوبان والتمييع والتطبيع، يحصنها مما يراد بها، ويحفظها مما يخطط أعداؤها، إنها العقيدة التي تجمع كلمتها، العقيدة التي تفرض عداوتها لأعدائها، لم يكن الغبش، ولن يكون اللبس في أمة تحسن قراءة سورة الفاتحة من كتاب ربها، ترددها وتستيقنها وتعمل بها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].

стр. 42

عقيدة الولاء والبراء وأهميتها الأمة في عقيدتها تمثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص، هل يجتمع الدين الصحيح والعقيدة الصافية مع الثقة بالعدو والتصديق لأخباره، والاعتماد على وعوده؟ تقرر العقيدة أن الركون إلى الذين ظلموا والرضا عن أحوالهم ليس له نتيجة إلا أن يُسام المسلمون سوء العذاب، تُمتهن الكرامة، وتُداس المهابة، وتُسترخص الدماء، ويُستباح الحمى، وتنتقص الديار، وتستنزف الأموال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]. تُقرر العقيدة أن العدو إذا علا أمره فلن يقبل من المسلم إلا الردة أو القتل: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٢٠]. تجلي العقيدة العلاقة مع العدو في أجلى صورة، إنهم إن أبدوا الود ظاهراً، وتظاهروا بالحرص على مصالحنا وحقوقنا فما هذا إلا بظاهرٍ من القول، أما قلوبهم وغاياتهم فمنعقدة على العداوة والبغضاء: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٨]. العقيدة تُؤكد أن الأعداء لا يألون جهداً في إلحاق الضرر بالمسلمين، وإذا حلَّت بالمسلمين الكوارث والمصائب، وخسروا الأهل والديار والأموال فذلك ما يشتهون: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠]. وفي النهاية: فإن عقيدتك -أيها المسلم- تؤكد لك أن أعداءك مُستمرون في القتال والإيذاء سراً وجهراً، قديماً وحديثاً، في صفاقة ظاهرة أو خطة ماكرة، في حروب باردة، أو معارك ملتهبة، ليس لهم غاية إلا أن يردوكم عن دينكم إن استطاعوا: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]. وبعد أيها الإخوة: فهذه مواقف ودروس، والطريق أبلج والمحجة بيضاء: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 43

فرج الله قادم للمؤمنين الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، أحمده سبحانه وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد البشر، والشافع المشَّفع في المحشر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله -أيها الناس- وأطيعوه، وعظِّموا أمره ولا تعصوه. أيها المسلمون: إن مع العسر يُسراً، وإن للكرب نهاية، وإنَّ الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر. إنَّ الدين الذي صلح به الأولون سيصلح به الآخرون لا محالة. إن الدين الذي ضمن العزة والمنعة والقوة لأسلافه لا يزال هو الدين الذي لا يُغيره الزمن، ولا تُجافيه الفطرة، ولا تنسخه المذاهب. يُجسد ذلك حقيقة التجسيد الحديث الصحيح عن نبينا محمد ﷺ حين قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ﴾. وإذا كان المسلمون اليوم في كثير من أحوالهم قيعان تحدَّرت في رواسب العقائد الخاطئة، فأصبحت غاية الدين عندهم مظاهر من العبادة، وظواهر من البدع، وأقاويل من الوعظ، فقد آن الأوان ليكشفوا عن العيون غشاوة الباطل، ويجلوا عن القلوب صدأ الغفلة، فيبصروا الطريق، ويستبينوا الغاية، فيتعاطفون على البعد، ويتناصفون على القرب، ويتحدون في مواقفهم من الأحداث، ويقيمون شرع الله، ويصدقون مع ربهم ومع أنفسهم، وحينئذٍ يشرق الصباح، وينجلي الظلام: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠]. هذا وصلوا وسلموا على محمد النبي الأمي فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أقر أعيننا بعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، ودمر الطغاة وأعداء الملة وسائر الظالمين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً سخاءً رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه بتوفيقك، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم انصر المجاهدين الذين يُجاهدون في سبيلك لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين والبوسنة والهرسك وكشمير، اللهم انصرهم في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وأيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك وسدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم وقلوبهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 44

الحسد الداء والدواء الحسد داء ينهك القلب والجسد، منه تتولد العداوة، ومنه يتولد الحقد، صاحبه يصيبه غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يحمد عليها، وسخط الرب، وغلق باب التوفيق. ومن أعظم الدواء لهذا الداء: الخوف من الله، والرجوع إليه، والتسليم بقضائه، وأن يقدم للمحسود ضد ما يأمر به الحسد، كالبهجة والسرور عند لقائه، وتهنئته بما نال من نعم الله.

стр. 45

الحسد تعريفه وأضراره الحمد لله على نعمه التي لا تعد، وإحسانه الذي لا يحد، سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو عليه المعتمد وإليه المستند ومن المستمد، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده الفضل، وقوله الفصل، ويأمر بالإحسان والعدل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله كامل الحسن والنسب، وله العالي من الرتب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المتقربين بأحسن القرب، والتابعين لهم بإحسان في طهارة القلوب وسلامة الصدور وكمال الأدب. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوه رحمكم الله، فمن اتقاه رزقه سعادة الأبد، وبارك له في المال والأهل والولد: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤]. أيها المسلمون: داء اجتماعي خطير يحتاج إلى حملة تطهير حملة تلين القلوب المتحجرة، وتحل الأنامل المعقودة، وتتنفس فيها الصدور المتغيظة إنه داء من أدواء القلوب، شر من البخل والحرص، وأشد من الطمع والشح، بل هو أشر أنواع البخل وأذل ضروب الحرص. إنه مرض عضال يصيب الغني والفقير، والواجد والمحروم، والعالم والجاهل، والوجيه والمطيع. إنه داء يبخل الإنسان فيه بما ليس عنده، ويشح بما ليس في ملكه سبحان الله يا عباد الله! هل يتصور أن أحداً يمنع ما ليس عنده أو يبخل بما ليس في ملكه؟! نعم -أيها الإخوة- إنه الحسد وما أدراك ما الحسد؟! لقد قالوا: البخيل يبخل بماله، والشحيح يبخل بمال غيره، أما الحسود فيبخل بنعم الله على عباده. أي وضاعة وأي صغار أن يترسب الغل في أعماق بعض النفوس حتى لا يكون لخروجه من سبيل؟! بل لا يزال يموج في جوانبها كما يموج البركان المكتوم، وكثير من أولئك لا يستريحون إلا إذا أرعدوا وأزبدوا وآذوا وأفسدوا. إن من قلة الديانة وظهور الدناءة أن تحل الأثرة في بعض الناس فتجعله يتمنى الخسارة لصاحبه، والفشل لرفيقه؛ لا لشيء إلا لأنه لم يربح بنفسه ولم يفز بجهده. جمهور الحاقدين الحاسدين تغلي مراجل الحقد في أنفسهم؛ لأنهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما يتمنونه لأنفسهم قد امتلأت به أكف غيرهم، إنه غليان إبليسي يضطرم في نفوس الحساد، وتفسد به قلوبهم، هذه النفوس الحاسدة الحاقدة لو وكلت على خزائن الله لأغلقت أبوابها: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ﴾ [الإسراء:١٠٠]. أيها الإخوة الأحبة: يقول أهل العلم: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء؛ إذ حسد إبليس آدم فامتنع عن السجود، وما منعه إلا الحسد: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وهو أول ذنب عصي الله به في الأرض حين قتل قابيل أخاه هابيل: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].

стр. 46

تعريف الحسد الحسد: تمني زوال نعمة أخيك أو السعي في إزالتها عياذاً بالله، فالحاسد يغتاظ على من لا ذنب له، يقول معاوية بن أبي سفيان ﵁: [[كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها]].

стр. 47

الحسد يفسد الدين ويبعث على الخطايا الحسد -وقاكم الله- داء ينهك القلب والجسد، صاحبه ضجر، وعلاجه عسر ما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء، إنه قرين الكفر وحليف الباطل وعدو الحق منه تتولد العداوة، وبه تحصل القطيعة، وتتفرق الجماعة، وتتقطع الأرحام، ويفرق الشمل، وتتشتت الألفة، وتوغر الصدور، وتفسد الضمائر. بالحسد يجرم الأبرياء، وتشوه الحقائق، ويجرح المستورون تلهٍ بسرد الفضائح، وتشهٍ بكشف الستور. الحسد متنفس حقد مكظوم، ومتقلب صدر فقير إلى الكنف الرحوم. الحسد يفسد الدين، ويضعف اليقين، ويكثر الهم، ويسهر العين، ويذهب بالمروءة، ويجلب الذل. الحسد يأكل الحسنات، ويفسد الطاعات، ويبعث على الخطايا، وفي الحديث عنه ﷺ : ﴿إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب -أو قال العشب-﴾ رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 48

الحسد يحمل على المضي في الباطل وإنكار الحق إن الحسد يمنع قبول الحق ويحمل على المضي في الباطل طبيعة الحسد طبيعة لئيمة تأبى إلا أن تجهر بالسوء وتأمر بالفحشاء، وتنكر المعروف، وتقبح الحسن، وتذم الممدوح، وتقطع ما أمر الله به أن يوصل يبيع على بيع أخيه، ويزيد بالسلعة وهو لا يريد شراءها، ويخطب على خطبته، ويضايقه في عمله، وينقصه في علمه، ويتهمه في كسبه، ويكذبه في مقالته. الحسد يحمل على كتمان الحق، وإنكار الفضل لأهل الفضل إذا علم خيراً أخفاه، وإن اطلع على عيب أفشاه، وإن لم يعلم حاول الكذب ولربما تعمد الكذب قاتله الله من داء فكم من صلة قطعها! وكم من رابطة مزقها! وكم من دم سفكه! فبالحسد قتل قابيل هابيل، وبالحسد عقَّ إخوة يوسف أباهم وأضاعوا أخاهم: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف:٨]. الحسد يهون على صاحبه الكذب والغيبة والغدر والنميمة والسعاية والاحتيال، والمكر وتلمس المعائب، وتعظيم الأخطاء واستجماع الزلات. الحسود امرؤ واهن العزم، كليل اليد، جاهل بربه، غافل عن سننه، لما فاته الخير تحول يكيد للموفقين، ليس بمدرك حظاً، ولا بغالب عدواً يعيش في طول أسف، وملازمة كآبة، وشدة تحرق، لا يجد لنعم الله عليه طعماً، ساخطاً على من لا يترضاه، منغص المعيشة، محروم الطلبة، لا هو بما قسم له يقنع، ولا هو على ما لم يقسم له يقدر إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت.

стр. 49

عقوبات للحسود في نفسه قال بعض السلف: يصل الحاسد خمس عقوبات: غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة لا يحمد عليها، وسخط الرب، ويغلق عليه باب التوفيق. وقال حكيم: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك. وقال أعرابي: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد يرى نعمة الله عليك نقمة الدهر عليه. ومن الحسد يتولد الحقد، والحقد أصل الشر، ومن أضمر الشر في قلبه أنبت له نباتاً مر المذاق، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم، وكلما أتحف الله عبداً بازدياد النعم ازداد هذا الحاسد غماً إلى غم وسعى في الأرض مكراً.

стр. 50

بعض صور الحسد وأشد ما تكون المنافسة، وأعظم ما يتولد الحسد بين أهل الصنعة الواحدة، والشرف المتماثل، والبيوت المتجاورة. ومن أسوأ أنواع الحسد ما يقع بين طلاب العلم تجاه أقرانهم، فإن كنت لا تستبعد أن يقع الحسد من جاهل أو من ضعيف نفس لقلة إيمان وقلة علم؛ لكنك تأسى وتتألم حينما يقع من أناس عرفوا الحسد وشره، وعرفوا ذمه وإثمه، حملوا من العلم وعرفوا من الإيمان ما كان حرياً أن يصدهم عن مثل هذا الخلق الذميم.

стр. 51

نصيحة لمن ابتلي بالحسد أيها الحسود: أيتها النفس الشرود! لفتة يسيرة، ووقفة متأنية لترى أنك اقتحمت المضيق وتنكرت الطريق لماذا تترك الآفاق الفساح والمطلب المباح؟ أحسبت أن رزق الله ضاقت حدوده؟! أو ظننت أن فضل الله انحصرت موارده؟! دع التشفي والتمني لما في أيدي الخلق! ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] ودونك ميادين العمل والكسب ففيها متسع لجميع السالكين، ومتنافس لكل الكادحين: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢]. ثم دونك قبل ذلك وبعده عظيم الرجاء وعريض الأمل ففيه متسع للسائلين: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [النساء:٣٢]. يا هذا: لو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق الله عليك نعمة ولا على أحد من الخلق، فنعم الله لا تحصى وكل ذي نعمة محسود. أيها المبتلى بالحسد: هل تأملت؟ لقد نزل بك ما كنت تتمناه لأعدائك، وحل بك ما يشتهيه لك أعداؤك، أردت المحنة لعدوك فاستعجلت محنتك، كيف لا وعساك تحسد رجلاً من أهل العلم والفضل أو من أهل البر والإحسان فتحب أن يخطئ أو يزال، وينكشف خطؤه ليفتضح، وتحب أن يخرس لسانه حتى يتلعثم ولا يتكلم، أو يمرض حتى لا يتعلم أو يعمل أي إثم تبتغيه؟ فليتك إذا فاتك اللحاق به تمنيت وسعيت لتكون مثله، ولكنك عجزت وقعدت ورضيت أن تبوء بإثمه فلا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!. هلا نظرت وتفكرت أي سرور تدخله على عدوك إبليس؟ إن إبليس لما رآك محروماً من نعمة الورع والعلم والجاه والمال -أو هكذا تبدَّى لك- خاف أن تحب لأخيك ذلك الخير فتشاركه في الأجر بسبب المحبة، فمن أحب الخير للمسلمين كان شريكاً في الأجر، ومن فاته اللحاق بركاب الأكابر فلا ينبغي أن يفوته ركب حبهم، فخاف إبليس اللعين أن تحب ما أنعم الله على عبده من صلاح دينه ودنياه؛ فبغّضه إليك وأوقد في قلبك نار الحسد؛ حتى لا تلحق بحبك ما لم تلحقه بعملك، فانظر كيف نفذ فيك حسد إبليس وما نفذ حسدك في صاحبك. الحسد -يا هذا- محاولة فاشلة، وحركة بائسة، تفضي إلى عكس مقصودها، وترجع سهامها إلى نحر راميها، الحسد لا يشفي غلة صاحبه بل يزيد غلته، ويضاعف كمده، ويعظم حسرته. إن الحاسدين أمام قافلة المقادير كمثل الكلاب تنبح والقافلة تسير، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط، وقدر الله ورزقه نافذان لا محالة، وهذا رسول الله ﷺ ينادي عباد الله: ﴿لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا (ويشير ﵊ إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه﴾.

стр. 52

دواء الحسد أيها المسلمون: الحسد داء ولكن لكل داء دواء بإذن الله، فاعلم -وفقك الله- أنه متى انكشف غشاء بصيرتك ورين قلبك، وتأملت في الحسد وآثاره، ولم تكن عدو نفسك، ولا صديق عدوك؛ أعرضت عن الحسد كله حتى لا تسخط على قضاء الله، ولا تكره قسمة الله، فمن رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد.

стр. 53

الخوف من الله والرضا بقضائه والدواء -حفظك الله ووقاك- بالخوف من الله، والرجوع إليه، والتسليم بقضائه، فتقهر النفس على مذموم خُلُقها، وتنقلها من لئيم طبعها، فتذللها أنفة، وتطهرها حمية، فتذعن لوعظها وتجيب لصلاحها، وتستبدل بالنقص كمالاً، وتعتاظ عن الذنب مدحاً. عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ﴿قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: كل مهموم القلب صدوق اللسان. قالوا: يا رسول الله! صدوق اللسان نعرفه فما مهموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد﴾ رواه ابن ماجة بسند صحيح.

стр. 54

التقديم للمحسود ضد ما يدعو إليه الحسد إن من الخير لك والعلاج لمرضك والمداواة لقلبك: أن تقدم للمحسود ضد ما يدعو إليه حسدك فتبدل الذم بالمدح، والكبر بالتواضع، وعليك بالموافقة لأخيك فيما حسدته من أجله، واعلم أن المدح وإظهار السرور في النعمة يستجلب قلب صاحب النعمة، ويسترقه ويستعطفه، ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان، ثم يصير بينكما تبادل الإحسان والمعروف وحسن المقابلة فيطيب القلب، ثم ما كان تكلفاً يصير طبعاً وسجية. والدواء في أوله مر المذاق ولكنه عظيم الأثر بإذن الله، ومن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء. وتأمل ما يقوله ابن سيرين ﵀: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة؟! وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو إلى النار يصير؟! أيها الإخوة: إن نور الإيمان كفيل بتبديد دياجير الحسد من القلب، فيصبح المؤمن ويمسي سليم الصدر، نقي السريرة، طاهر الفؤاد، يبتهل إلى الله بما يلهج به الصالحون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]

стр. 55

تذكر الموت يقول أبو الدرداء ﵁: [[ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده]]. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁، أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال إذا أمسى: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، أعوذ بالله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر الشيطان وشركه، من قالهن عصم من كل ساحر وكاهن، وشيطان وحاسد﴾ رواه الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وبعد: فهذا هو الحسد بدائه وآثاره ودوائه، فإن كنت ناصحاً لنفسك فلا تطلق بصرك لتتفرس في الناس هل هذا هو الحاسد أو ذاك، ولكن ارجع إلى نفسك وتبصر بعيبك فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ . وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 56

حسد الكفار لأهل الإيمان الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل، أحمده سبحانه وأشكره لا ند له ولا مثيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء وكيل، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث بالهدى والحكمة ومحكم التنزيل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه من كل أمة وجيل. أما بعد: أيها المسلمون: من أشد أنواع الحسد ما سجله القرآن الكريم على أهل الكتاب والمشركين والمنافقين من الحنق على أهل الإسلام، والغيظ الذي تمتلئ به صدورهم، قال الله: ﴿بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة:٩٠] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]. إنه بيان جلي لما تضمره نفوسهم وتكنه صدورهم من الحسد على النعمة في دين الله الحق لقد حصرت صدورهم أن يتبعوا الحق وتمنوا حرمان المسلمين من هذه النعمة ليرجعوا كفاراً، وشواهد عصرنا على هذا كثيرة، وكل ذلك حسداً من عند أنفسهم، ولم يكن ذلك لشبهة دينية قائمة عندهم، ولكنه خبث في نفوسهم وإصرار على الباطل، وآيات أخرى تزيد ذلك وضوحاً وجلاءً، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء:٥١ - ٥٤] إنهم لا يكفون عن تشويه الإسلام واتهام أهله وتحريض أعدائه في كل زمان ومكان، إن حقدهم لهذا الإسلام وحسدهم لأهله أضخم من أن يدارى، وأكبر من أن يخفى إنها جبلة واحدة وخطة واحدة وغاية واحدة على مر العصور وكر الدهور: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ [النساء:٥٣]. عجباً أيها الإخوة! إنهم لا يطيقون أن ينعم الله على عبد من عبيده بشيء من فضله، ولو كان لهم نصيب من الملك لشحوا بالنقير والقطمير، وإن مجريات الاقتصاد العالمي ماثل مشاهد، ولكن الملك والتدبير لله وحده، ولولا ذلك لهلك الناس جميعاً لأنهم لا يؤتون النقير ولا القطمير: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]. إنه الحسد على دين الله الذي أنشأ أتباعه إنشاءً، ووهبهم -بإذن الله- الحق والنور، والطمأنينة واليقين، والطهر والعز والتمكين، مما أثار حسد الحاسدين وحقد الحاقدين. أيها الإخوة: لقد شهد اليهود والنصارى والمشركون بدين الله وهيمنته على سائر الملل والمحن؛ فهو من الوضوح والقوة ما يبهر الأبصار بنوره، ولمثل هذا تكثر السهام وتتنوع المؤامرات بقصد اقتلاعه وتشكيك أبنائه وهدم قلاعه، ولكن الحق لا ينقلب باطلاً بتشكيك المتشككين وإرجاف المرجفين، والباطل لن يكون حقاً ولو تجمع الناس عليه وتهافتوا: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]. ألا فاتقوا الله يرحمكم الله، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الرحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وأيده بالحق وأيد الحق به وأعز به دينك وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم. اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي كل مكان، واجعل اللهم الدائرة على أعدائهم، واجعل كيدهم في نحورهم يا قوي يا عزيز. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن والفواحش ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 57

الرعاية الاجتماعية في الإسلام الإسلام هو منبع جميع الأسس والقواعد والأنظمة التي تحفظ الإنسان من جميع النواحي، تحفظ دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه. والإسلام قد جسد حقيقة الرعاية الاجتماعية، حيث وضع عدة أنظمة للتكافل الاجتماعي، فمن ذلك الزكاة ومصارفها، وكذلك النفقات كالنفقة على الأبناء والآباء، وعلى المطلقات إلخ. وهناك عصران وجدت فيهما أعلى وأسمى معاني الرعاية الاجتماعية للمسلمين، وهما في عهد العمرين: عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وقد تكلم الشيخ عن ميادين الرعاية الاجتماعية، وتحدث عن دور الدولة السعودية في مجال الرعاية الاجتماعية، كما تعرض للرعاية الاجتماعية في عصرنا الحاضر واتجاهاتها.

стр. 58

معنى الرعاية الاجتماعية أحمد الله ﵎ وأثني عليه بما هو أهله، أشكره ولا أكفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة الحق واليقين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فبتحية الإسلام -أيها الإخوة- أحييكم، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ثم أشكر لمركز الأمير سلمان الاجتماعي تكرمَه بدعوتي للحضور مع هذا الجمع الطيب المبارك، وإن كان مَن يُخَص بالشكر، فهو الأستاذ: عبد العزيز الغريب، وسعادة المدير العام المهندس: عبد العزيز اليوسفي، والشكر للمقدم الأخ الشيخ: حمود السالمي، وأشكر لكم جميعاً حضورَكم وحسنَ ظنكم بمحدثكم، والشكر كذلك جملةً لهذا المركز لكل توجهه وللقائمين عليه ومن يحمل اسمه لإتاحة هذه الفرصة، بل لإتاحة هذه الأنشطة لتُقام في هذه الرقعة العزيزة من بلادنا، بل من الرياض رياضنا النضرة، وسوف يكون لي في عناصر هذه الكلمة جزءٌ من حديث عن هذا المركز. أيها الإخوة: كما سمعتم، فإن عنوان الكلمة هو: الرعاية الاجتماعية في الإسلام، وقد رأيت أن تكون هذه الكلمة مشتملة على العناصر التالية: أولاً: معنى الرعاية الاجتماعية، أو ما أسميتُه: مدخلاً تعريفياً. ثانياً: الإسلام والرعاية الاجتماعية. ثالثاً: دور الخلفاء والملوك وأهل الثراء في مثل هذه الأنشطة أو المناشط. رابعاً: ميادين الرعاية الاجتماعية وبخاصة من جملة المناشط الإسلامية في السابق مما دلت عليه نصوص الشرع وقام ماثلاً في تاريخ أمتنا. خامساً: الرعاية الاجتماعية في المنظور المعاصر. سادساً: السعودية والرعاية الاجتماعية. سابعاً: مركز الأمير سلمان الاجتماعي. فمن حيث التعريف أو المدخل التعريفي فإن الرعاية الاجتماعية سوف ينتظم تعريفُها ببيان حقيقتها وأهدافها، وإشارة سريعة -مع أنها سوف تأتي مفصلة- إلى من ينتظمهم نشاط الرعاية الاجتماعية. فالرعاية الاجتماعية: كفالة اجتماعية تنظر إلى الاحتياجات الإنسانية نظرة متكاملة ولا تظنوا -حينما نقول: كفالة- أنها كفالة قاصرة على المسنين أو على أصحاب القدرات القاصرة، فسوف ترون أن الرعاية أوسع من ذلك وأشمل، فهي كفالة اجتماعية تنظر إلى الاحتياجات الإنسانية نظرة متكاملة لا تبتغي الربح من وراء عملها، شعارها: (الرفاهية للجميع) بطريقة علمية مفيدة، من غير إحساس بشفقة خاصة أو استضعاف أو ممنونية. وأعداء الإنسانية في منظور الرعاية الاجتماعية خمسة: الجوع، والمرض، والجهل، والبطالة، والتشرد. الهدف الأسمى للرعاية الاجتماعية: هو تأمين مستوىً كريم من المعيشة والخدمات الأساسية للجميع، بمعنى: أنه إذا كان هناك من يناله بجهده وبمِلكه الخاص وبقدراته الخاصة فإن الرعاية الاجتماعية توفر ذلك لمن ينتظم فيها وينتسب إليها، ولقد قال أهل الاختصاص: إن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى مراجعة منتظمة بين فَينة وأخرى حسب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية حيث تتغير الحاجات التي تحتاج إلى إشباع، وهذا سوف نأتي إليه مفصلاً -إن شاء الله- في ثنايا هذه الكلمة من حيث المتغيرات التي أدت إلى أن يلتفت الناس إليها، وبخاصة في عصرنا الحاضر إلى مثل هذا النوع من النشاط. وزيادة في التعريف والإيضاح: فإن الرعاية تعني -وهذا هو المهم- تحقيق تكافؤ الفرص، أي: أنها مبادئ وأسسٌ وتوجهاتٌ تحكم الأعمال الجماعية المتعلقة بكثيرٍ من الجوانب الإنسانية والعلاقات بين الناس، غير مرتبطة بالعلاقة الاقتصادية البحتة، أو الوظيفية ذات المردود المادي. وحيث إننا بصدد التعريف، فلا بد من الإيضاح أن الرعاية الاجتماعية غالباً ما تتوجه إلى العناية بالإنسان حين يكون عاجزاً عن رعاية نفسه، وهذا غالباً هو المفهوم السائد، ولكن الذي يبدو -وما سوف نرى- أن ذلك أوسع؛ لكن لا بد أن نشير إلى هذا؛ لأننا بصدد التعريف، فلا يمكن أن يُغفَل هذا الجانب، وهو من أهم مناشط ومفاهيم الرعاية الاجتماعية. إن الرعاية الاجتماعية غالباً ما تتوجه إلى العناية بالإنسان حين يكون عاجزاً عن رعاية نفسه. ومن هنا فإن وظيفة الرعاية تنصب على برامج التأمين ضد الشيخوخة، والعجز، وإصابات العمل، وموت العامل، ورعاية الأمومة، وفُشُو البطالة، ورعاية الأسرة، والعلاوات الأسرية، أي: أنها تلاحظ فئات من المجتمع تغيرت عليهم الأيام أو لحقت بهم كوارث أو حلت بهم نوازل، كما قد يُبتلى بعضهم بعاهاتٍ أو إعاقات، يستحقون معها رعاية خاصة تحافظ عليهم ليبقوا منتمين إلى الجماعة، مرتبطين بالمجتمع، قادرين على العطاء، وقادرين على التكيف في ذات الوقت. وإذا كان هذا الشمول كله يتناول معنى الرعاية الاجتماعية كمصدر مستقل من مصادرها ومراجعها، فإن المسئولية فيها لا تخص فرداً أو فئة، بل إنها مسئولية مشتركة، يسهم فيها المجتمع والأمة والدولة، غير أنها قد تبدأ متدرجة من الأسرة والوالدَين، ثم القرابة والخيرين الموسرين، ثم على الدولة أن تتحمل مسئوليتها وتقدم الرعاية لمن هم في أمس الحاجة إليها، وهذا التوزُّع في المسئوليات هو ما سوف يتجلى من خلال الكلمات القادمة إن شاء الله. إذاً: هذا هو تعريفها من حيث حقيقتها، ومن حيث أهدافها، ومن حيث المنتمين إليها، والقائمين عليها.

стр. 59

الإسلام والرعاية الاجتماعية الشريعة هي المحجة التي جاء بها نبينا محمد ﷺ من عند ربه، وأوجب اتباعها والتزامها وصونها، وهي إلى الله أقصد سبيل بأن مبناها على الوحي والتنزيل، والخير كله في اتباعها، والشر كله في إضاعتها وضياعها، ولقد جعل الله لها حُماة يقيمون منارها، وحَمَلةً يحفظون شعارها، فحماتُها الملوك والأمراء، وحُفَّاظُها الأئمة والعلماء، في عدالة لا يُعدَل عنها، وكفاية لا يجوز الخلو منها، والشريعة في نظرتها للمجتمع تؤكد أنه كيانٌ إنساني متواصل، فالأسرة فيه ترتبط بالمودة الواصلة، والمجتمع في القرية والبلدة يتعاون أعوانه على الخير والأخذ بيد الضعيف والعاجز وتنمية المستغلات والموارد المملوكة للآحاد أو الجماعة على أكمل وجهٍ مستطاع، والأمة يتضافر آحادها على الخير فيما بينها وعلى التعاون فيما ينفعها، والإنسانية كلها تتعاون على رفعتها؛ فالقوي ينصر الضعيف، والعالِم يعلم الجاهل.

стр. 60

الإسلام لا يدعو إلى التفريق العنصري والقرآن الكريم أعلن أن الناس أمة واحدة، واختلافهم في ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم لا يقتضي التفاوت في معنى الإنسانية وحقوقها، بل الجميع في هذا سواء، وما كان الاختلاف في الشعوب والقبائل إلا من أجل التعارف والبراءة من التناكر والتدابر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وذلك كله في قانون الإسلام يقتضي أن يمد الإنسانُ بالعون لكل من يحتاج العون. وعليه: فإن السعي في تهيئة الفرص لمريد العمل ومستطيعه ومطيقه أمرٌ تدل عليه تعاليم القرآن والسنة وتوجهاتهما، ويتاح لكل إنسانٍ من العمل قدر استطاعته الجسمية والعقلية، ومن قعدت به قوته عن العمل، فحقٌ أن تهيء له أسباب الحياة الكريمة.

стр. 61

الإسلام يدعو إلى التضامن والتعاون إن الإسلام يدعو أهله لينظموا جهودهم الواجبة والطوعية لسد حاجات الأفراد والأُسَر وكل من كان في حاجة إلى مساعدة مادية أو عينية أو معنوية أو صحية أو إعانة بدنية، ونصوص الشرع جلية متكاثرة في تخصيص أصحاب القدرات الناقصة والإمكانات القاصرة بنوع رعاية كالأطفال، وكبار السن، والعجزة، والأرامل، والمساكين، وهذه قدرات متناقصة من أنواعٍ متباينة كما تعلمون، فعجز الطفل غير عجز كبير السن، والعجز في الأرملة غير عجزه في الأنواع السابقة وهكذا. فنصوص الشرع جلية متكاثرة في تخصيص أصحاب القدرات الناقصة، والإمكانات القاصرة بنوع من الرعاية، سواءٌ أكان في سن الحضانة أم مَن كَبُر حتى صار زمناً أم كان من أصحاب الإعاقات أو ذوي العاهات والأرامل واليتامى والمساكين والمسافرين وأبناء السبيل. ومن المؤكد أنه يدخل فيهم ما يستجد من حوادث ونوازل حسب الحاجة والمتغيرات من نزلاء دور التوجيه الاجتماعي والملاحظة الاجتماعية، وسيزداد الأمر هذا جلاءً -إن شاء الله- حين الحديث عن صورٍ من الرعاية في الإسلام. ولم أورد نصوصاً كثيرة في هذا؛ لأني أعلم أنها -ولله الحمد- في مجتمعنا معروفة، فأكثر الناس يعرفون نصوص الكتاب والسنة الخاصة في المطلقات واليتامى والمساكين وكبار السن والأطفال، حتى المجانين، فكلٌ له نصيبه في هذه النصوص مما أعلم أنه جلي، ومن هنا لم أورد نصوصاً في هذا اللقاء، وإن كان بودي لو أستشهد بها باعتبار أنها توضح المقصود؛ لكن أعلم أنها جلية لديكم، ومقامي لن يسمح بأن أوردها على النحو الذي كنت أريده، مع أنه في ثنايا هذا الدرس سوف تأتي بعض النصوص؛ لكنها -في ظني- غير كافية لمن يريد أن يستشهد لذلك، ولا يحتاج إلى برهان، كما سوف نرى.

стр. 62

دور الخلفاء والملوك وأهل الثراء في الرعاية الاجتماعية إننا عندما نتحدث عن الرعاية كثيراً ما نعني نشاط الدولة، بمعنى: أنه النشاط الذي ينبع من جهودٍ، إما من خليفة بجهده الشخصي واهتمامه الشخصي، لا لأنها وظيفة دولة؛ لأن وظيفة الدولة معروفة، أو من والٍ من الولاة، أو من أميرٍ من الأمراء، أو ثري من الأثرياء، أو نحو ذلك مما يزخر به تاريخنا. إن تاريخ أمتنا الإسلامي عريقٌ وعميق، له قصب السبق في كل شأنٍ من شئون الحياة، وفي كل مرفقٍ من مرافقها، سواءٌ أكان في ميدان العلم والفكر، أم في ميدان العمل والبناء، أم في ميدان الرعاية والعناية، وهو عندنا أمرٌ لا يحتاج إلى برهان، فنصوص الكتاب والسنة واستنباطات أهل العلم جلية واضحة، والفقرة السابقة كان فيها إشارة إلى ذلك، والذي يعني في هذا المقام التنبيه والإشارة والإشادة بدور الخلفاء والحكام والأمراء وأهل الثراء في رعاية هذه الميادين والاحتفاء بها واحتضانها، وهذا نابعٌ من طبيعة احتفاء الإسلام بالعلم والعمل وعظم منزلتهما ومنزلة أهلهما لديه، فلا غرو أن يتبارى الحكام والولاة في التنافس الشريف.

стр. 63

شهادة أحد المستشرقين بفضل خلفاء المسلمين في الرعاية الاجتماعية قال بعض المستشرقين وهم ممن يُسْتَحْسَن الاستشهاد بمقولاتهم في هذا المقام؛ لأن بلادهم في الوقت الراهن هي مقصد كثيرٍ من المعجبين بالعلم وصناعته. يقول هذا المستشرق: كان الارتباط بين العلم والملوك وأثرياء التجار والنبلاء في العهود الإسلامية مصدراً لقوة العلم. قال: وفي خلال فترة قصيرة هي عهد الخلفاء العباسيين: المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، والمتوكل، لَقِيَت العلوم تشجيعاً لم تشهده منذ أيام متحف الإسكندرية، يعني: عهد الرومان. والعناية العملية التطبيقية ولدت مزدهرة مع بزوغ فجر الإسلام، أي: منذ أن قام نبينا محمدٌ ﷺ بمهمة الدعوة من أول أيامها، فهو الذي يقول: ﴿من كان له فضل زادٍ فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له﴾ وهو الذي نهى عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل دافة من البادية دفت على المدينة وسوف نبسط بعض البسط -إن شاء الله- في الفقرة التالية شيئاً عما أنجزه العُمَران: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز من النظم الاجتماعية في هذا الباب. أقول ونحن بصدد الحديث عن دور هذه القيادات في المجتمع الإسلامي في تاريخه الطويل: لقد أنشئت في تاريخ الإسلام الدواوين الخاصة للعطاء وتقديم مساعدات في ضوء الاحتياجات الشخصية للعاجزين من المرضى والعجزة وكبار السن والأرامل والمطلقات في سَوْقٍ سوف يأتي إيضاحه وبيانه. وعمر بن الخطاب ﵁ هو صاحب قصة الصبية الجياع مع أمهم حين حمل لهم كيس الدقيق على ظهره، وذهب به إلى هذه المرأة وصبيتها، والدموع تتناثر على لحيته، والدقيق يتناثر على وجهه، شعوراً بالمسئولية، وخشية من ضياع الرعية، وهو الذي رأى يهودياً قد طعن في السن يسأل الناس، فقال: ما ألجأك إلى ما أرى؟ فقال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده، وأعطاه ما يكفيه، وقال لخازن بيت المال: انظر هذا وضرباءه -أي أمثاله- فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نتركه عند هرمه.

стр. 64

دور بعض الخلفاء في نشر العلم وفي ميدان العلم والتعليم والنشر كم من كتب قيمة ألفت من أجل أن تُهدى لأميرٍ، يقدر العلم، ويحترم أهله، بل أنشئت دور العلم ومدارسه تحت نظر هؤلاء الأمراء النبلاء، فبيت الحكمة في بغداد أسسه هارون الرشيد، واعتنى به من بعده ابنه المأمون، والمدرسة النظامية التي بناها في بغداد الوزير المظفر نظام الملك وزير السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي سنة: تسع وخمسين وأربعمائة للهجرة، ثم بنى مدرسة أخرى في نيسابور سميت النظامية أيضاً، ثم تتابع الناس بعد ذلك في العراق وخراسان وبلاد الجزيرة، وصلاح الدين الأيوبي اشتهر ببناء المدارس ورعايتها، وأول مدرسة بناها هي المدرسة الناصرية بـ الفسطاط سنة ست وخمسين وخمسمائة للهجرة. والحديث عن المدارس ليس فقط لأنها دُوْرٌ للعلم؛ ولكننا لأن هذه المدارس غالباً ما تشمل مرافق من الإعاشة والأرزاق، ويضع الواقفون من الشروط ما يحفظها، ويحفظ المنتسبين إليها في معاشهم ومواصلة تعليمهم.

стр. 65

دور الملك عبد العزيز في مجال الرعاية الاجتماعية وما دمنا بصدد الحديث عن دور الملوك والأثرياء في ميادين العلم والعمل والرعاية، فلعلنا نطوي الزمن لأننا لسنا بصدد إثبات أمرٍ مجهول أو البرهنة على أمرٍ يداخله شك، نطوي الزمن لنصل ونتصل ونتواصل بعهدنا الزاهر وعصرنا الميمون -بإذن الله- في بلادنا المملكة العربية السعودية، بدءاً من عهد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، وجعل جنة الفردوس مأواه، ونحن في هذا الطي والتواصل لا نتكلم عن العلم ودُوره ومدارسه بمراحله الكافة، حتى الدراسات العليا والشهادات الكبرى، فهذا واقعٌ معاش والأجيال من أروقته تتدفق، ولكن نتحدث عن الرعاية الخاصة التي تمثل -إن صح التعبير- مزاحمة القطاع الخاص في خصوصيته مزاحمةً شريفةً، وتنافساً في المعالي، فكم من كتابٍ طُبِع على نفقة الملك عبد العزيز ﵀، بل من أمهات الكتب في نصرة عقيدة السلف ومطوَّلات الكتب في المذهب والتاريخ والسير، ومع حديثنا عن الهيئات والمؤسسات نذكر لها نماذج من غير حصر، منها: مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وجائزته العالمية. مكتبة الملك فهد الوطنية. مكتبة الملك عبد العزيز. مؤسسة الأمير سلطان الخيرية بموسوعتها العلمية التي شرَّق صيتُها وغرَّب. كرسي الملك فهد. كرسي الأمير نايف. جوائز تحفيظ القرآن والجوائز العلمية للمتفوقين التي يقوم عليها ويرعاها أمراء المناطق حفظهم الله. فهي أعمالٌ جليلة لها دلالتها الكبرى، ومن أهمها وأبرزها مكانة المعرفة في وعي القيادة واهتمامها. إن المعرفة والوعي قضية كبرى توازي قضايا السياسة، والاقتصاد، والدفاع، والأمن، والشئون الداخلية، والخارجية؛ حيث العلم والدين والمعرفة هي عنوان الريادة والسيادة واستحقاق الصدارة.

стр. 66

الرعاية والخدمات الاجتماعية في عهد عمر بن الخطاب وقبل مغادرة هذه الفقرة لا بد من إشارة إلى ما سجله التاريخ من منجزات العُمَرَين: عمر بن الخطاب ﵁، وعمر بن عبد العزيز ﵀، فهي نموذجٌ للفهم الجلي والتطبيق العملي من نصوص الشرع. ففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ ظهرت بعض النظم الاجتماعية: أولاً: ظهرت خدمات عمر بشكلٍ واضح عام الرمادة، إذ أعسر المسلمون في الحجاز وفي نجد، وجاعوا، فكان يأخذ الطعام من الأمصار ويوزعه، وكان يرسل الطعام والأموال إلى بيوت المعوزين والمرضى، ويعتني بمرضاهم، ويجهز موتاهم على حساب بيت المال، ولم يكن ليقدم هذه الخدمات اعتباطاً، بل كان يحصر أسماء الفقراء ومن يحتاجون إلى عناية ورعاية، ومن تصلهم الإعانة فعلاً، ويقدم للمحتاجين ما يطلبونه. ثانياً: وقد أحصى أسماء الفقراء والمساكين والعجزة، وفرض لهم مرتباتٍ خاصة، وكفل معيشتهم وكل ما يحتاجون إليه، فكان يقدم لهم مرتباتٍ منتظمة، كما يقدم لهم تمويناً من الأطعمة ثابتاً، وذلك بناءً على تجربة أجراها -وسوف نذكر التجربة بعد قليل إن شاء الله- تجربة أجراها، فعَرَف بها كم يحتاج هؤلاء من طعامٍ ومالٍ شهرياً. ثالثاً: أحصى العائلات التي لا عائل لها، سواء أمات هذا العائل أو قُتِل، ففرض لها أعطياتٍ ومرتباتٍ شهرية وكفل المعيشة لها من بيت المال. رابعاً: اللقطاء، والمرضى، والأطفال كان عمر يفرض معاشاً لكل فطيمٍ في الإسلام، ثم حدث أن شاهد امرأة يبكي طفلها -وسوف يأتي هذا الموضوع مفصلاً- فأصدر أمره أن يرتَّب لكل مولودٍ في الإسلام معاشٌ قدره مائة درهم يزداد كلما كبر سنه، ولم تقتصر عنايته على أولاد المسلمين الشرعيين، بل كان يجمع اللقطاء، ويفرض لهم مرتباتٍ شهرية، ويجعل معاشهم من بيت المال. خامساً: أمر بعزل المرضى، حتى لا تُنْقَل عدواهم وخاصة من كان مجذوماً، وجعل العناية بهم من بيت المال.

стр. 67

الرعاية والخدمات الاجتماعية في عهد عمر بن عبد العزيز أما الخدمات في عهد عمر بن عبد العزيز، فنورد منها ما يلي: أولاً: اعتنى بالفقراء، وسوَّى بين جميع المسلمين في العطاء، وكان كل والٍ من ولاته يحصي عدد فقراء ولايته، ويقدم لهم المرتبات الشهرية والإعانات حتى يعيش عيشة الكفاف. ثانياً: فرض لكل مولود يولد في الإسلام مرتباً يعيش منه، كما جعل الحد بين عطاء الرجل والطفل من الخامسة عشرة، فكان يعطي الذي يبلغ هذا السن غير ما يعطيه لمن جاوزه. ثالثا: كانت السُّخْرة منتشرة -أي: إجبار الناس- قبل عمر، فأمر بإبطالها، ومنعها منعاً باتاً، وعُنِي بالمساجين، ففصل بين المجرمين الأشرار، وبين من يُحبَس لأجل الدين، وأوقف للجميع مرتبات يتقاضونها، كما كان يقدم إعاناتٍ لعائلات الفقراء منهم. رابعاً: أقام عمر بن عبد العزيز مطاعم عامة، وكان الطعام يقدم فيها مجاناً للفقراء، وكذلك أمر بإحصاء أبناء السبيل والمرضى وذوي العاهات، وأمر بقائدٍ لكل أعمى، وبخادمٍ لمن لا يستطيع القيام، قالوا: إن المقصود بالقيام هنا: القيام للصلاة. خامساً: خصص للفلاحين عشرات الألوف من الدنانير تقدم لهم ليستعينوا بها على إصلاح أراضيهم واستغلالها، كما رفع عنهم كثيراً من الضرائب والمكوس. سادساً: كان يفرض لكبار السن مرتباً شهرياً، وكذلك اعتنى بالعاجز والمريض، وقد كتب إليه والي الكوفة ذات مرة يقول: إنه قد بقي لديه من المال الكثير، فكتب إليه عمر: انظر من كانت عليه جزية من أهل الذمة، فضعُف عن أرضه فأسْلِفْه حتى يقدر على عمله، وفي بعض النقول أن والي مصر كتب له: إنه قد فاض المال، فقال: تلمس المحتاجين، قال: قد فاض المال، قال: أعط أصحاب الجزية كما هنا، قال: قد فاض المال، قال: اشتر رقاباً، فأعتقها في سبيل الله. ولعلكم بهذه النماذج تدركون أن ما أثبتته البحوث المعاصرة حول مبادئ الرعاية الاجتماعية الحديثة، وأيضاً ما سموها بمبادئ الديمقراطية التي تعمل على نشرها بالوسائل المختلفة، وتساعد الناس على السير عليها، تلاحظون أن كل ذلك كان أصيلاً في الإسلام، بل وإن التعاليم والمبادئ الإسلامية أكثر تقدماً وأوسع أفقاً من هذه المبادئ المعاصرة، وإن الناظر في المدارس والأوقاف وطرق تنظيمها وشروط واقفيها لَيُدْرك بجلاء أننا لا نتكلم عن مثالياتٍ لا تطبيق لها، ولكن الأمة مع الأسف حين يصيبها الضعف، فإنها تضعف من داخلها، وتنهزم في روحها، وتتعلق بالقوي، وتسير في ركابه، وتعجز أن تثق بنفسها. ولمزيدٍ من تأكيد أصالة الأمة، ووضوح التصور عندها، فهذه وقفاتٌ عند بعض نماذج وصور من الرعاية وميادينها.

стр. 68

ميادين الرعاية الاجتماعية دين الإسلام هو الركيزة الأساسية في تنظيم المجتمع الإسلامي، لما اشتمل عليه من مبادئ توجه العلاقات بين الناس، ونظم تحمي هذه المبادئ وتجعلها واقعية؛ تعالج حاجة الفرد وحاجيات الجماعة، وتنظم علاقات المجتمعات لتسمو بها عن الشروع عن كل مصادر الإيذاء، وتدفعها إلى طريق السعادة الشاملة، وقد سلك الإسلام للوصول إلى هذه الغاية النبيلة مسلكاً دقيقاً وعملياً يتماشى مع طبيعة البشر، ويتوافق مع متغيراتهم، فهو لم ينظر إلى الرعاية الاجتماعية على أنها قضية قائمة بذاتها أو مستقلة، بل رأى أن المجتمع في قضاياه متشابك وأن قضية الرعاية تدخل فيها مكونات لا حصر لها، ومن ثَمَّ فإن توفيرها ووضع الأسس لقيامها إنما يكون بدراسة هذا الكل في مفرداته وإعطاء كل جزءٍ نصيبه من الدراسة، وبالتالي من التوجيه والتشريع، ولعل ما سبق -أيها الإخوة- من تعريفٍ يوضح ما نقصد إليه هنا ونرمي. فمثلاً: مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار منه صورة مِن صور التكافل بين المسلمين، حين ترك المهاجرون أهلهم وأموالهم هجرة في سبيل الله، فاستقبلهم إخوانهم الأنصار بالإيثار في أسمى المعاني، وليدعم الإسلام مبدأ التكافل، ووضع تنظيماتٍ يوفر بموجبها للأفراد غير القادرين على الكسب مورداً أو الذين لا يكفيهم كسبهم. فمن صور التكافل: نفقة الصغار، ونفقة الزوجة والمطلقة، ونفقة الوالدين والأقارب، ونفقة الحاضنة، والزكاة ومصارفها، وبخاصة مصرف ابن السبيل ومصرف الغارمين، وكذلك الأوقاف بكل نصاعة ونضارة. ونفقة الأقارب واجبة على تفصيلٍ مبسوط في كتب الفقه -وعندي بعض التفصيل لكن قد أتجاوزه وأخشى أن يطول الوقت. والكفارات في الإسلام نصرفها للمساكين وبتنويعٍ عجيب، سواء أكانت كفارة اليمين، أو كفارة الظهار، أو كفارة الجماع في نهار رمضان، أو كفارة محظورات الإحرام إلخ. كذلك دية القتيل لا يتحملها القاتل، في حالة القتل الخطأ، بل على العاقلة.

стр. 69

كبار السن وكبار السن موجودون في كل مجتمع، وقد تمر على بعضهم -أو على كثيرٍ منهم- في بعض المجتمعات أحوال تجعلهم يعيشون في نوعٍ من الاكتئاب والانعزالية نتيجة اختلاف الأجيال وغفلة الشباب، أو غفلة العاملين في أعمالهم عن هذه الفئة. ومن هنا ندرك عظمة ديننا حين خص عن الفئة برعاية خاصة اعترافاً بماضيهم، وتقديراً لخبرتهم، وحفظاً لحقهم. ويرتسم هذا المنهج حين نتأمل التوجيه القرآني في حق الوالدين في عبارة قرآنية رقيقة يحس بها أصحاب القلوب المؤمنة الرحيمة حينما يقول الله : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] وهذا انطلاق للإحساس بالمرحلة التي يبلغها كبير السن، حينما يؤدي ما عليه، ويبقى الذي له، وحينما يكون ضعيفاً لا يستطيع أن يقوم بالنشاط الذي كان يقوم به. كنتَ ضعيفاً أنت في حال الصغر والصبا: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى أن قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤] فجديرٌ حينما يمر أحدنا بكبيرٍ قد أقعده الزمن أن يتذكر حالة عجزه حينما كان يعطف عليه الكبار، فحقٌ عليه أن يعطف هو على هؤلاء الذين عطفوا عليه. ولقد وُجِدَت أربطة للمطلقات والأرامل يمكثن بها حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن، وكثرت المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ والأربطة ونُزُل المسافرين لإيواء أبناء السبيل والمرضى والفقراء وغيرهم من ذوي الحاجات على حسب تنوع حاجاتهم.

стр. 70

رعاية الأطفال والسفهاء والمجانين وغيرهم أُدْخِلت ولاية الأيتام والسفهاء والمجانين ومصالحهم وأموالهم وكفلاؤهم في ولاية القضاء، لماذا؟ لأن ذلك يحتاج إلى مزيد عناية بحسب ولاية القضاء، فأما إذا رأى الإمام أن يخص من هو كافٍ للقيام به، فله ذلك ولا فرق في ذلك بين من له وصيٌ خاص وبين من لا وصي له، فالأمر كله يعود في النهاية عند التقصير إلى الحاكم أو إلى القاضي كما هو معلوم. فإذا كان الوصي قائماً بما عليه من نظر في مصالح اليتيم والسفيه والمجنون، استمر الحاكم أو السلطان على إجازة قيامهم به، ولم يتعرض له، وإن كان مقصراً أو متهماً، أسند معه غيره، وإن كان مستحقاً للعزل عزل. واسمع إلى ما يقوله بدر الدين بن جماعة الشافعي في هذا الباب، وهو يتكلم عن حق الجنود، إذا تُوُفوا في المعركة أو استشهدوا يقول: إذا مات بعض المرتزقة من الأجناد -المرتزقة أي: الذين يأخذون رزقاً من بيت المال، وليس بالمصطلح المعاصر (مرتزقة) إنما هؤلاء هم الذين يأخذون جزءاً من بيت المال، والغزاة الذين يستحقون الزكاة قال العلماء: هم الذي لا ديوان لهم، أي: لا يأخذون شيئاً من بيت المال، لكن هناك نوعٌ من الجنود يأخذون من بيت المال نصيباً- فقال: وإذا مات بعض المرتزقة من الأجناد استمر عطاؤه على بناته وزوجاته إلى أن يتزوجن من يكفيهن، وعلى صغار أولاده الذكور إلى أن يبلغوا، ويستقلوا بالكسب، أو يرغبوا في أهلية الجهاد -أي: يسجلوا مع المجاهدين- وعلى الأعمى والزَّمِن منهم أبداً قدر الكفاية -أي: إلى أن يموت- كل ذلك لترغيب أهل الجهاد وتوفير خواطرهم عليه وتطييب قلوبهم على عيالهم بعدهم، فهذا كلام ابن جماعة. إذا رأيتم نظام التقاعد أو نحوه أو نظام إصابات العمل فستجدون أنها لم تبلغ حتى هذا التعبير الذي عبر به ابن جماعة من الشافعية ﵀، ورحم علماءنا جميعاً. كذلك -أيضاً- قد نقف عند رعاية الطفولة، فهي تشمل تلك الجهود الاجتماعية والاقتصادية ونواحي النشاط الأخرى التي تعمل على رفع مستوى الرخاء للطفل، كفردٍ له مكانته وكيانه، وكعضو في المجتمع الكبير. واهتم الإسلام بالطفل -كما هو معلوم- وحدد معاني العناية بالجنين قبل ولادته، كما عنى بحقوقه بعد ولادته، كما اهتم بحضانته وتربيته الخ. وقد كان عمر ﵁ لا يفرض لمولودٍ شيئاً حتى يُفْطَم، إلى أن سمع ذات ليلة امرأة تُكْرِه ولدها على الفطام وهو يبكي، فسألها عنه فقالت وهي لا تعرفه: إن عمر لا يفرض للمولود حتى يُفْطَم، وأنا أكرهه على الفطام حتى يفرض له، فقال: يا ويل عمر! كم احتمل من وزرٍ وهو لا يعلم! ثم أمر مناديه، فنادى: لا تعجلوا أولادكم بالفطام، فإنه يفرض لكل مولودٍ في الإسلام. ثم إنه كَتَب إلى أهل العوالي وكان يُجري عليهم القوت -لاحظوا التجربة التي أجراها حتى يعرف كم تستحق كل عائلة، وهي التجربة التي وعدنا ببيانها- فأمر بجريبٍ من الطعام فطُحِن -جريب أي: مقدار من الكيل- ثم خُبِزَ ثم فُرِدَ بزيتٍِ، ثم دعا بثلاثين رجلاً، فأكلوا منه غداءهم حتى أصدرهم، ثم فعل في العشاء مثل ذلك، فقال: إذاً يكفي الرجل جريبان من كل شهر، والتجارب قابلة للتجديد وقابلة للتطوير، لكن لاحظوا مدى حرصه على العدل، ثم انظروا أيضاً إلى واقعيته في طريقة تحقيق الحق للناس. وكان يرزق -أي: يصرف للرجل وللمرأة وللمملوك- جريبين جريبين في كل شهر، وكان إذا أراد الرجل أن يدعو على صاحبه قال له: رفع الله عنك جريبك، أي: قطع الله رزقك. وتقدير العطاء كذلك -وهذا قد يكون من اللطائف- فالكفاية قال العلماء معتبرة للإنسان بحسب ما يلي: أولاً: عدة من يعوله من الذراري والممالك، يُحصَى البيت، ليُعرَف كم فيه ممن يعولهم هذا الرجل، أو كم يسكن في هذا البيت. الثاني: عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر إنه يُعْطَى بدل بنزين، فمادامت أن الخيل والظهر محسوبة فإذا كان إنسان ليس عنده ظهر، وعنده سيارة، فقد يُعْطَى بدل وقود. الثالث: الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص، أي: اختلاف الأسعار، فلاحِظ أن التقادير جميلة، فالعلماء ما تركوا شيئاً. فباختصار هي: أولاًَ: عدة من يعوله من الذراري والمماليك. ثانياً: عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر. ثالثاً: الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص، أي: فارق الأسعار، فقد كان عندهم تضخم، وكان عندهم انخفاض، فيقدر كفايته في نفقته وكسوته في عامه كله، فيكون هذا المقدر في عطائه، ثم يُعرَض حالُه في كل عام، فإن زادت رواتبه الماسة زِيْدَ وإن نقصت نُقِصَ. وعلى قيم اليتيم أن يراعي حاله وصلاحه، ويكون تحت إشراف القاضي كما هو معلوم، ويعمل على تنمية مال اليتيم وزيادته، وكذلك -أيضاً- يوضع مال اليتيم في خزائن أمينة يؤمن عليها من الضياع.

стр. 71

الوقف الوقف كذلك هو أمرٌ جلي، وحقه أن يفرد -حقيقةً- بحديث؛ لأنه يمثل مرحلة من تطور الأمة؛ لكن مع الأسف الأمة أضاعت أوقافها، وأضاعت كثيراً من حالها، فلو أن الأوقاف عادت إليها وظيفتها، فإن الأمر سوف يختلف كثيراً، وسوف تجد كثيراً من الذين يحتاجون إلى رعاية يمكن أن يُرْعَوا من غير أن تتطلع أيديهم إلى ما في أيدي الناس، أو ما في أيدي الأثرياء، حتى إن بيت المال يخف كثيراً من أحماله لو أن نظام الوقف أقيم على وجهه، مع أني أعرف -كما تعرف الصحف وغيرها- أن الوزارة لها توجه محمودٌ في محاولة الاستفادة من الوقف. فيمثِّل الوقف في تاريخ الأمة ركنا قوياً في الرعاية الاجتماعية، لما يتضمنه من شروط الواقفين، لصرف غلة الوقف على العجزة والأرامل والمساكين وذوي الحاجات؛ بل حتى على طلبة العلم وإحياء العلم ورسالته ووظائفه، والأوقاف العامة والخاصة مفوضةٌ إلى القضاة، فإن خص الإمام بها من يصلح لها وفوضَّها إليه، صح ذلك، وليست دائماً مفوضة للأئمة؛ فإذا كان الواقف -كما تعلمون- وضع ناظراً، فإن كان عدلاً، فإنه يتعين عملاً بشرط الواقف كما هو معروف. والأوقاف واسعة في ميادينها، فنهاك أوقاف مساجد، وأوقاف أربطة، وأوقاف مدارس، ونزل مسافرين، وأشياء كثيرة.

стр. 72

المنظور المعاصر للرعاية الاجتماعية نأتي الآن إلى الرعاية الاجتماعية في المنظور المعاصر:- قبل الحديث عن العصر الحاضر يحسن أن ننبه إلى متغيرات لا بد من ملاحظتها مع العصر الحاضر. لقد حدث في الوقت الحاضر ونتيجة للانقلاب الصناعي الذي لم يعد مقتصراً على الدول الصناعية، بل تعداه للدول النامية، حدث تغير أدى إلى تخلخل التركيبة الاجتماعية، وطبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية. ومن مظاهر ذلك: أولاً: تحول السكان من الأرياف والقرى والبوادي إلى المدن مما أضعف دور الجماعات الأولية، كالأسرة والأقرباء والجيران وأهل الخير. ثانياً: حلت مؤسساتٌ مجتمعيةٌ في المناطق الحضرية محل الأسرة وأهل الخير في أداء كثيرٍ من وظائفها حتى التعليم والصحة، وقد كانت في السابق هي مسئوليات أسرية خالصة. ثالثاً: قلَّ إسهام الأطفال وكبار السن في الحياة الأسرية في المناطق الحضرية بعد أن كان إسهامهم رئيسياً في الزراعة والرعي، بل وفي كل مناشط الحياة. رابعاً: ضعف أثر الدين أن الذي كان يحكم العلاقات الاجتماعية من الحياة الزوجية والأقربين والأرحام مما أدى إلى تفككٍ ملحوظ، بل لقد كانت الأسرة في السابق تضم ثلاثة أجيالٍ تحت سقفٍ واحد مع الأقرباء والخدم وغيرهم، وهذا الضعف بالتالي أدى إلى التقليل من مقدرة الأسرة على رعاية المسنين والمعاقين وأصحاب القوى الضعيفة والناقصة. خامساً: التقلبات الاجتماعية والجغرافية والوظيفية -بل والحياة الشخصية- في المدن أضعفت من روابط الجيرة، وكذلك المهن الحرفية التي كانت قوية في العهود السابقة تلاشت؛ لأنه جاء عصر الآلة. سادساً: عصر الآلة الحاضر أدى إلى تعطل كثيرٍ من الحرف والمهن، مما يترتب عليه فائضٌ في العمالة يفوق باستمرار فرص العمل المتاحة مع تدني الأجور وشروط العمل الثقيلة وعدم مسايرة المهارات للتطور التقني المذهل. هذه المتغيرات جعلت من الملاحظ أن برامج الرعاية الاجتماعية تختلف في مداها وممارستها وتنظيمها من بلد إلى بلد، ومن فترة إلى فترة، بل إنها قد تختلف حسب الظروف وطبيعة الأخطار، والتقلبات في الأقاليم والمناطق مناخياً واقتصادياً ونوع الحرف والمهن، حتى قالوا: إن إصابات العمل في البلدان الصناعية أكثر منها في غيرها. بعد هذا التمهيد والمتغيرات نأتي إلى الاتجاهات في وظيفة الرعاية الاجتماعية في المنظور المعاصر:- أي: المنظور المعاصر ما هي نظرته إلى الرعاية الاجتماعية؟ هل هي وظيفة الدولة؟ أو وظيفة القطاع الخاص؟ أو وظيفة الأسرة؟ إلخ. هناك اتجاهان جليان وكبيران، ولكلٍّ وجهته، فالباحثون والكاتبون في الرعاية الاجتماعية لهم اتجاهان في النظر إلى الرعاية الاجتماعية ودورها الوظيفي في المجتمع.

стр. 73

الاتجاه الأول: الوظيفة الاستثنائية يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الرعاية الاجتماعية وظيفتها استثنائية، أي: مؤقتة، وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن الرعاية الاجتماعية هي وضعٌ استثنائي، ينبغي أن يقتصر دور الدولة فيه في النطاق الضيق، فدور الدولة في الرعاية -عند أصحاب هذا الاتجاه- يجب أن يبقى محدوداً، قالوا: إن الدولة أهدرت كثيراً من الموارد في برامج رعاية اجتماعية غير ضرورية، ولا تمثل أسبقية هامة، قالوا: وتدخل الدولة الواسع في هذا المجال يسهم في تطوير الاتجاهات الاستهلاكية التي تعتمد على موارد الدولة وإمكانياتها، وتنفق بصورة غير مُرَشَّدة، فالدولة يجب ألا تتوغل في وظائف ومسئوليات يمكن أداؤها بصورة أفضل بواسطة الأسرة والجمعيات التطوعية والمؤسسات الدينية والخاصة. قالوا: وإذا تدخلت الدولة فيجب أن يقتصر تدخلها على حالات الحرمان القصوى في الظروف الاستثنائية، عندما تعجز القناتان الطبيعيتان وهي الأسرة وسوق العمل، إذ هاتان المؤسستان هما الجهة المفضلة لإمداد الفرد باحتياجاته في الظروف العادية. وخلاصة هذا الاتجاه: أن أجهزة الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة يجب أن يكون دوراً مؤقتاً، ووفقاً لهذا المفهوم للرعاية الاستثنائية والمؤقتة، فإن الرعاية الاجتماعية يجب ألا تصبح جزءاً روتينياً من البرامج الحكومية، وإنما يجب أن يُنْظَر إليها على أساس أنها عملية برٍ وإحسان وصدقة، حتى لا يستمرئُها المحتاج ويتكئُ عليها.

стр. 74

الاتجاه الثاني: المؤسسية الدائمة يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الرعاية الاجتماعية مؤسسية دائمة، ومعنى ذلك أن الدولة هي خير مقدمٍ للرعاية الاجتماعية التي تشمل التعليم والعمل والصحة والإسكان وتأمين الدخل، بناءً على أن كل ذلك حقٌ للمواطن، ليس فيه منة ولا صدقة، كما أنها -على حسب رأيهم هذا- ليست خاصة بالحالات غير السوية أو الأشخاص غير الطبيعيين في قواهم، وعليه فإن الرعاية الاجتماعية وضعٌ مناسبٌ ووظيفةٌ مشروعة من وظائف المجتمع لمساعدة الأفراد لتحقيق ذاتيتهم، ولعل هذا ينسجم مع التعريف الذي أشرنا إليه في أول الحديث. فالرعاية الاجتماعية بمعناها الشامل تهدف إلى توفير الخدمات التي تشبع الاحتياجات الأساسية لكل المواطنين، ويُلْحظ أن هذين الاتجاهين برزا نتيجة المجتمع الصناعي وتعقيداته، والتي أصبحت حقائق معترفاً بها، لعدم قدرة الفرد على تلبية أو إشباع كل احتياجاته بالاعتماد على نفسه أو على أسرته أو على سوق العمل، فأصبحت حقيقة واقعية، ومن هنا برزت المؤسسات التي تساعد الفرد على تحقيق وضعيته الاجتماعية العادية بصورةٍ دائمة وكافية. إذاً هذان هما الاتجاهان، ولعلنا نشير -بعد الحديث عن هذا إلى السعودية والرعاية الاجتماعية- إلى رأيٍ وسطٍ في هذا إن شاء الله.

стр. 75

السعودية والرعاية الاجتماعية من غير المنكور توجه هذه البلاد وهي الحاكمة بشرع الله إلى السير على هدي رسوله محمدٍ ﷺ حين أنشأت دُور الرعاية الاجتماعية، ووضعت نظماً تحفظ لهؤلاء حقوقهم، وتعترف بجميلهم، وتقدر لهم خبرتهم كأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، وإن كنا نؤكد أنها أنظمة تحتاج إلى إعادة نظر وتطوير، كشأن أي نظام تمر عليه فترة من الزمن. وإذا رجعنا إلى هذه الأنظمة -التقاعد والتأمين، والضمان الاجتماعي- نلاحظ أنها تهتم بجانبٍ، وهو جانب الحاجة أو الإشباع المادي إن صح التعبير، ولكن النظرة التطورية التي أشرتُ إليها أيضاً تستدعي المتأمل والمهتم أن يعيد النظر في هؤلاء الكبار ليدرك أنهم -وبفضل الله أولاً، ثم بفضل التطور الصحي التي تشهده البلاد- أصبح أحدهم يعيش فترة طويلة من حياته، وهو يتمتع بصحة جيدة، وبقوى بدنية ممتازة. إذاً: هو يحتاج إلى رعاية من نوع آخر، فهو ليس بحاجة إلى نوع من الخدمات السابقة، وإنما هو محتاجٌ إلى رعاية تنتشله من عزلته، وتشعره بكيانه، وتعترف له بسابق فضله، وتؤمن ببقاء الحاجة إليه. وهذا نوع متطور من الرعاية، فهي رعاية تهتم به في نواحيه النفسية والشخصية، تمنعه من الوحدة والانعزال، وتملأ عليه وقته بطريقة علمية مفيدة من غير إحساسٍ بشفقة خاصة أو استضعافٍ أو مِنَّة. وإن العمل الخيري مما يتجسد شامخاً في هذه البلاد وأهلها وقيادتها بفضل الله ومَنِّه.
следующие страницы →