Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
معالم الدعوة إلى الله
في هذه المحاضرة تحدث الشيخ عن معالم الدعوة إلى الله، فبدأ ببيان أن الدعوة هي وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذكر سبب ذكر هذه المعالم وأهميتها في حياة الداعية، فذكر ما يقارب الأحد عشر معلماً.
стр. 2
الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والرسل ﵈
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: هذا الدرس ضمن سلسلة دروس تأملات في السيرة النبوية، وعنوانه: (معالم الدعوة إلى الله).
والدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والرسل، ووظيفة من أكرمه الله بالسير على هديهم واتباع طريقهم من هذه الأمة إلى يوم القيامة، وليس أجل ولا أعلى ولا أرفع منزلة ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، وهذا بنص كلام الله ، يقول ربنا : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] أي: لا أحسن ولا أفضل؛ لأن عمل الداعية يقوم بدور الوساطة وتقريب العلاقات، وتصليح الصلات بين العباد وبين المعبود، فهو يحبب الناس إلى الله، ويحبب الله إلى الناس، وبالدعوة تصلح البشرية، ويظهر الخير، ويقمع الفساد، وتحصل البركة، ويرضى الرب عن الناس، فينجون من عذاب الله، ويكسبون الفلاح في الدنيا والآخرة، والرسل والأنبياء هم قادة الدعاة إلى الله، وخاتمهم أفضلهم بلا شك هو: محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، سماه الله داعية، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
هذه صفات الرسول ﷺ فهو شاهد على الأمم كلها، وعلى هذه الأمة، ومبشر بالرضوان والفلاح والسعادة لمن أطاعه، ونذير بالعذاب والدمار لمن عصاه، وبعد ذلك: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦] اللهم صل وسلم عليه.
سماه الله سراجاً أي: مضيئاً، والسراج فيه نور وفيه نار، الشمس سراج وهاج، عندما تجلس تحت الشمس يأتيك نور وتأتيك -أيضاً- حرارة، أما القمر إذا جلست تحت ضوئه فيأتيك نور من غير حرارة، لهذا قال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١] فالرسول ﷺ سماه الله "سراجاً" من الشمس وسماه "منيراً" من القمر، اللهم صل وسلم عليه، فجمع بين صفتي الشمس والقمر، أخذ من الشمس السراج، وأخذ من القمر الإنارة من غير الوهج والاحتراق، صلوات الله وسلامه عليه.
وأمره الله بأن يكون داعية قال الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] وأمره أن يخبر الناس فيقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: هذا ديني وهذا منهجي: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] وما هو سبيله ﷺ ؟ الله أكبر! -يا إخواني- كثير من الأمة لا تعلم عن هذا السبيل ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ [يوسف:١٠٨] لوحدي، فإذا مت انتهت الدعوة؟ لا.
مسئولية على أمتي: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] يلزمك إذا كنت من أتباع محمد أن تكون داعية شئت أم أبيت، وإلا فلا تبعية.
стр. 3
معالم الدعوة إلى الله
الدعوة -أيها الإخوة- ليست أمراً هيِّناً ولا سهلاً، حتى يمكن ممارستها من غير ضوابط ومن غير معالم، ومن غير علم ومن غير هدى، بل إنها تعامل مع القلوب، تقريب للعباد إلى الله، إصلاح للنفس البشرية، ولذا لما كانت هذه الدعوة هي وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعهم من العلماء والدعاة إلى الله كان لا بد أن يفهم الناس ما هي الدعوة؛ حتى لا تمارس من غير علم، أو من غير خبرة، نحن الآن نمنع شخصاً أن يقود سيارة في الشارع إلا ومعه رخصة، أليس كذلك؟ لو أن شخصاً أخذ سيارة وذهب يقودها بدون ترخيص وأحدث مشاكل، فإننا نمنعه ونجازيه، ونقول له: لماذا تقود بدون رخصة؟ وكذلك إذا كان التعامل مع الحديد فيه خطر على أرواح المسلمين، كذلك التعامل مع الدعوة بغير علم فيها خطر على عبادة الناس، وعلى عقائد الناس، وعلى دين الناس، فلا بد من معرفة المعالم الرئيسية التي ينبغي أن تعرف وتعلم عن هذه الدعوة.
وهذه المعالم نقتبسها ونأخذها من سيرة الرسول ﷺ ، فإنه النموذج الإنساني الكامل للتطبيق الإسلامي في الدعوة إلى الله، خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، الداعية العظيم، الذي اكتملت فيه جميع الكمالات البشرية والإنسانية الموزعة على عموم الأمم، والموزعة على جميع الأنبياء، كل نبي فيه كمالات، لكن الله خصها وجمعها كلها ووضعها في محمد ﷺ ، وشهد له بالشهادة الربانية بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 4
الإخلاص من أهم معالم الدعوة إلى الله
هذه المعالم أبرزها وأولها وأساسها وأعظم شيء فيها: الإخلاص، والتجرد من جميع الأغراض، ومن جميع الأهواء، ومن جميع الأجور المادية أو المعنوية، ومن ثناء الناس، أو محبة الناس، أو تبجيل الناس، وحصر الغرض الوحيد فقط في نيل رحمة الله ، والنجاة من عذاب الله، وإنقاذ عباد الله من النار، هذا هو الغرض الأول، وقد جاء هذا في كلمة واحدة في القرآن الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] فهنا الإخلاص، فلا أدعو إلى نفسي، ولا أدعو إلى جاه، ولا إلى حزب، ولا إلى جماعة، ولا إلى هيئة، بل أدعو إلى الله، فعملي خالص لله، هذا أول شيء، وهذا يشكل القاعدة الأساسية للداعية، بمعنى: أنه إذا لم تقم دعوته على هذا الأساس فهي دعوة مقتولة من بدايتها ولو ظهرت، ولو أعطت معالم بسيطة، ولكن نهايتها إلى الزوال؛ لأنها مبنية على غير الأساس الذي هو: الإخلاص والتجرد ومعرفة الغرض الرئيسي الذي من أجله تتكلم.
من أجل ماذا تتكلم؟ أمن أجل أن يقال: فلان يتكلم أو أن يقال: فلان داعية؟ أجل أنت داعية إلى نفسك، وقد قيل، ولهذا ورد في الحديث: (إن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، شهيد في نظر الناس ومنفق وعالم، فيؤتى بالشهيد، فيقول الله له: ماذا صنعت؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، ونصرت دينك حتى قتلت، فيقول الله : كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال: رجل جريء وقد قيل) أي: شجاع، قالوها في الدنيا، ووجدت الذي أردت (اذهبوا به إلى النار، فيسحب على وجهه إلى النار، ويؤتى بالآخر فيقال له: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب! ما تركت مجالاً من مجال الخير إلا أنفقت فيه، فيقول الله : كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال: رجل جواد -أي: كريم، يحب الخير وفعل الخير- وقد قيل، اذهبوا به إلى النار، فيسحب على وجهه إلى النار، ويؤتى بالعالم أو الداعية -وهذه خطيرة نسأل الله السلامة من فضله- فيقال له: ماذا صنعت؟ قال: يا رب! أمرت ونهيت، وقلت، فيقال: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال: رجل عالم، وقد قيل، اذهبوا به إلى النار، فيسحب على وجهه إلى النار).
ولذا لا بد -أيها الإخوة- من مراجعة القلب باستمرار لمعرفة درجة الإخلاص، فإذا نزلت فحاسب نفسك، لا تنزل بحيث لا تقصد بعملك ولا بجهدك ولا بدعوتك ولا بكل كلمة تقولها إلا وجه الله، إذا وجدت في نفسك شيء من الرياء فاسكت ولا تتكلم، لا تكن من الذين قال الله فيهم: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
стр. 5
عرض الدعوة على الناس
المعلم الثاني من معالم الدعوة إلى الله بعد الإخلاص: عرض الدعوة بالذهاب إلى الناس، وعدم الانتظار حتى يأتيك الناس، فإن الأنبياء والدعاة إلى الله، أرسلهم الله إلى الناس ولم يرسل الناس إليهم، وظيفة الأنبياء أنهم رسل، أي: مرسلون من عند الله يذهبون إلى الناس، لم يكلف الله الناس بالذهاب إلى الأنبياء، وإنما كلف الله الأنبياء بالرسالات وحملها إلى الناس، وورثة الأنبياء هم العلماء والدعاة، المطلوب منهم أن يحملوا الدعوة، وأن يعرضوها على الناس، ويذهبوا بها إلى الناس، وألا ينتظروا حتى يسألهم الناس، أو يأتي إليهم الناس في بيوتهم أو في أماكنهم، وخاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه يقول الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] أي: أرسلناك لتذهب أنت رحمة، فهل هو: لفئة معينة، لقبيلة معينة، لجنسية معينة؟ لا.
بل هو للعالمين، وكل ما سوى الله عالم، رحمة للأرض، رحمة للسماء، رحمة للحيتان في البحر، رحمة للدواب في البر، رحمة للطير في السماء، رحمة لكل شيء.
في يوم من الأيام جاءت إليه صلوات الله وسلامه عليه حمامة وجلست فوقه ﷺ تبكي تهطل عيونها بالدمع، فقال للصحابة وهم لا يدرون: (من فجع هذه بفرخيها؟ قال أحد الصحابة: أنا، قال: ردها، قال: ولمَ؟ قال: إنها جاءت تشكي تقول: إنه سرق عليها فرخها) انظروا رحمة النبي ﷺ بالطير.
ومر في يوم من الأيام في البادية على قوم قد نصبوا لهم خباءً، وقد اصطادوا لهم غزالاً -ظبياً- وجلسوا يوقدون النار، يريدون أن يذبحوا الظبي ويتعشوا به، فلما رآها هزت رأسها، وكأنها تشتكي إلى النبي ﷺ ، فقال لهم: (أتدرون ماذا تقول؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تقول: إنها خرجت من جحرها وتركت أولادها وهم جائعون -وإنها الآن لا يهمها أن تذبحوها هي ميتة ميتة لكن يهمها الذي وراءها من الصغار- قالوا: وما تريد يا رسول الله؟! قال: أطلقوها لتذهب ترضع أولادها وترجع إليكم، قالوا: من يضمن أنها ترجع؟ -الظبية إذا انفكت لا ترجع- قال: أنا أضمن، قالوا: قبلنا ضمانك يا رسول الله! فأطلقوها، وجلس معهم النبي ﷺ ، وذهبت إلى الجبل تعدو إلى أن دخلت الجحر وأرضعت أولادها وجاءت، فلما جاءت ووقفت قالوا: هي لله ورسوله) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
والله يقول للأمم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨ - ٩] (ألم يأتكم)؟ هذه فيها دليل على أن الدعاة هم الذين يذهبون إلى الناس، ويعرضون دعوتهم على الناس ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] أي: قد أتاكم، ويقول في آية أخرى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] كان ميتاً بالكفر والمعاصي، وأحياه الله بالإيمان والدين ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] جعل الله له نوراً -أي: ديناً يمشي به في الناس، يوزعه على الناس، يهدي به الناس إلى الله جل وعلا، هذا دليل على أن الداعية من مهمات دعوته: أن ينتقل بها، وأن يسلك بها من بيت إلى بيت، ومن قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة، ومن دكان إلى دكان، أينما حل فدعوته معه، يوزع النور، ولا يحتقر شيئاً: (لا تحقرن من المعروف شيئاً) يمكن أن تقول كلمة لا تحسب لها حساباً ولا تحتمل أنها تؤثر لكن يمكن أن يفتح الله بها قلب هذا الفاسق، كلمة بسيطة، تراه على منكر، أو تأتي وقت صلاة وهو ليس في المسجد فتقول له: كذا وكذا، يمكن أن تؤثر هذه الكلمة فيه؛ لأن الله يقول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] والداعية مثله كمثل السحابة، السحابة تحمل المطر، ويرسلها الله فيقع منها الغيث، وهذا الغيث يقع على كل مكان، لا يخص أناساً دون أناس، ولا يمنع منه شيء، تجد المطر أحياناً ينزل على البحر، رغم أن البحر لا يستفيد من المطر، ما رأيكم إذا نزل المطر على البحر هل يستفيد البحر من المطر؟ لا.
لكن ينزل بأمر ربه، فينزل في البحر، وأحياناً يقع على الجبال وقممها، رغم أنها لا تستفيد كثيراً ولا يثبت الماء في رءوس الجبال، ويقع في صحاري قاحلة، ورمال وكثبان وليس فيها مراعي ولا أناس ولا أي شيء، ومع هذا ينزل.
وكذلك -أيها الإخوة- الداعية إلى الله مثل السحاب يطوف الأرض كلها، لا يخص مكاناً دون مكان، فلا يقول: أنا لا أتكلم إلا في المسجد! لا.
تكلم في المسجد والمدرسة والشارع والسيارة، وتكلم في المجلس الذي تجلس فيه مع الناس، وتكلم مع أنسابك، وتكلم مع إخوانك، المهم أينما حل نفع، يوزع البضاعة المجانية، ويهدي عباد الله إلى الله، مثله كمثل السحاب، الذي يمشي وينزل الخير على من يريد وعلى من لا يريد، قد تقول: لا فائدة، ولكن ما يدريك يا أخي! ما يدريك، هل الفائدة بيدك؟ الفائدة عند الله، كلمة تقولها يجعل الله فيها فائدة، وأقل شيء أنك بلَّغت وبرَّأت ذمتك: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤].
стр. 6
موافقة عمل الداعية لقوله
المعلم الثالث من معالم الدعوة إلى الله: أن الداعية إلى الله لا يتكلم بلسانه فقط، وإنما يتكلم من لسانه ومن قلبه، فإن الدعوة إذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، أما إذا خرجت من القلب وصلت إلى القلب، هذه نظرية رياضية، كلام من اللسان يأتي إلى الأذن ويرجع؛ لأنه من اللسان إلى الأذن، لكن كلام القلوب، يخترق الآذان ويصل إلى القلوب، ولذا إذا أردت أن ينفع الله الناس بكلامك فلا بد أن تتكلم من قلبك، بمعنى: أن تكون معتقداً كلامك الذي تقوله، ومطبقاً للشيء الذي تدعو الناس إليه، فلا تدعو الناس إلى ذكر الله وأنت غافل، ولا تدعو الناس إلى الصلاة وأنت تارك للصلاة، لا تدعو الناس إلى ترك الزنا وأنت تزني، لا تدعو الناس إلى ترك الربا وأنت مرابٍ، لا تدعو الناس لغض البصر وأنت تفتح بصرك إلى الحرام، لأن معناه: أنك كذاب، ولهذا يقول الله : ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] ويقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] تدعو الناس وتنسى نفسك؟ ثم قال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أين عقولكم؟!! الذي يدعو الناس وينسى نفسه ليس لديه عقل، وليس معنى هذا: أنك تقعد لا تدعو الناس ولا تدعو نفسك، لا.
هذا فيه دعوة إلى دعوة نفسك أولاً، ودعوة غيرك في المرحلة الثانية.
ولذا فالداعية يدعو من قلبه، ومعنى هذا -أيها الإخوة- أن الكلام ليس بمجرد البلاغ، ولكن بحرقة وهمّ ورغبة، وحرص على هداية الناس؛ لأن بعض الدعاة وبعض المتكلمين يقول: إن عليك إلا البلاغ، أنا سوف أقول ولا يهمني، والمستمعون يقولون: ونحن ما علينا إلا السماع، فهذا عليه البلاغ وأولئك عليهم السماع، والعمل أين هو؟ هو لا يعمل، وهم لا يعملون، فالصحيح أن نقول: نحن علينا البلاغ بعد أن نتمسك بالعمل، والناس إذا رأوا الداعية متمسكاً بالكلام الذي يقوله فإنهم يعملون بكلامه، لماذا؟ لأن الأعمال أكثر تأثيراً في القلوب من الأقوال.
انظر أي داعية أو متكلم أو عالم، فإن الناس يراقبون سلوكه، فإن وجدوا تطابقاً بين السلوك وبين الكلام الذي يقوله أكد المعاني التي يقولها، وإذا وجدوا أي تنافر أو اختلاف ذهب كلامه من قلوبهم كما يزل الماء من الحجر أو الصفا، يقولون: هذا كذاب وليس صادقاً، ولذا تنظرون أنهم يراقبون الداعية -مثلاً- عند بذل المال، ويراقبونه إذا مر في السوق فإذا رأوه يغض بصره قالوا: والله هو صادق الآن ما شاء الله، لكن إذا رأوه وهو ينظر قالوا: هذا دجال، لماذا؟ لأنه يتكلم بلسانه ولا يتكلم بقلبه، فلا ينبغي أن يكون هم الداعية فقط هو تسطير الكلام، وشغل الوقت بدون حدث، وإنما يجب أن يكون همه أن يعمل الناس بهذه الدعوة، وأن يتمسك الناس بهذا الدين، حتى يفوزوا في الدنيا وفي الآخرة، وحتى ينجوا من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة، لعلم الداعية بمصيرهم وعاقبة أمرهم إن هم أطاعوا الله أو إن هم عصوه.
القضية ليست سهلة -يا إخوان- القضية قضية جنة ونار، قضية سعادة أبدية أو شقاء أبدي، الذي يطيع الله يسلك سبيل النجاة، والذي يعصي الله يسلك سبيل الهلاك، ولذا فالداعية يعرف هذا، عنده في قلبه حرقة من أجل أن يتمسك الناس بالطاعة حتى يفوزوا، ومن أجل أن يترك الناس المعصية، حتى لا يضلوا ولا يهلكوا، ومن هنا -أيها الإخوة- نعلم مدى تأثير الآيات التي توضح حال الرسول ﷺ عند دعوته لأمته، كان يتحسر صلوات الله وسلامه عليه، حتى قال الله له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨].
ويقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلكها ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦].
ويقول : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ويقول ﵊ في حديث صحيح: (مثلي ومثلكم كمثل الفراش التي تتساقط في النار فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون).
الشخص إذا أوقد ناراً فمن حين أن يوقد النار تأتي الفراش إلى النار من بعيد من أجل أن ترى؛ لأنها تعيش في الظلام، فإذا وجدت نوراً جاءت إليه ولكنها لا تعلم أن هذا النور ناراً، فتأتي الفراشة وتقع، وتلك تقع، فماذا يصنع الذي حول النار؟ يبعدها، وهي ترفض، هذا الرسول ﷺ مثله يبعد الناس عن النار والناس يرفضون، ولهذا يتقطع فؤاد النبي ﷺ حزناً ورحمة بهذه الأمة التي تقتحم النار وهي لا تدري بالمصير، وهذا شأن الداعية الذي يدعو الأمة، فيدعو بحرارة، ويدعو بحرقة، ولا يدعو بلسان فقط، وإنما يدعو بقلب مؤثر، وبمعاناة وهم، وبحرص شديد على أن يسلك الناس هذا السبيل، وليس له مصلحة أصلاً إلا هداية الناس، وما أعد الله له من أجر إن اهتدوا على يديه؛ لأن من اهتدى على يدي أي داعية يأتي هذا المدعو المهتدي يوم القيامة في صحائفه، لا يعمل عملاً إلا ولذلك الأساسي صورة طبق الأصل من عمله، دون أن ينقص من أجره شيء، كما جاء في الحديث: (من دل على هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دل على ضلالة -والعياذ بالله- كان عليه وزرها ووزر من عمل بها دون أن ينقص من أوزارهم شيء إلى يوم القيامة) هذا المعلم الثالث: أن يتكلم الداعية من قلبه ولسانه، لا من لسانه فقط.
стр. 7
الحرص على الرفق والابتعاد عن الغلظة
المعْلَم الرابع: أن تكون العبارة التي يتكلم بها شيقة، لينة، هينة، محببة إلى النفس، وأن يبتعد عن العبارة السيئة والقول الجاف، والكلمة الغليظة؛ لأن الداعية يتعامل مع قلوب الناس، والقلوب حساسة تأتي بها كلمة، وتطردها كلمة أخرى، ولهذا يقول الله وهو يأمر موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون لإبلاغ الدعوة، والله يعلم أن الكلمة اللينة أو القاسية لا تفيد فرعون، فهو كافر كافر، لكنه يبين منهج الدعوة فيقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
وهكذا كان منهج النبي ﷺ في دعوته، يقول الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذا واضح مكشوف في جميع مسائل الدعوة التي سلكها رسول الله ﷺ : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) ولما بعث رسوليه إلى اليمن قال لهما في الرسالة: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا) إذا أردت أن تتكلم فابحث عن أفضل عبارة وأفضل كلمة؛ لأنها مفتاح للقلب، فإذا جئت بمفتاح مناسب لين دخلت القلب، وإذا جئت تدق الإنسان في قلبه بكلمة قاسية أعرض عنك، فلا يسمع منك ولا يذكر كلامك لأنك أوجعت قلبه بكلمة قاسية، والله يقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] أنت لا تملك الهداية أصلاً، الهداية بيد الله، أنت تملك الوسيلة فقط والسبب الذي ينقل الناس إلى الدعوة وإلى الهداية، فيجب أن تكون الوسيلة طيبة من أجل أن تتيح الفرصة لهذا الإنسان فتنقله إلى الحياة الجادة، وتنقله من الضلال إلى الهدى، وتنقله من المعصية إلى الطاعة، وتنقله من الكفر إلى الإيمان، وتنقله من الشرك إلى التوحيد، لا بالضرب، ولا بالقوة، بل بالكلمة الطيبة، كالسلام.
يا أخي! ابحث عن أفضل عبارة، الرسول ﷺ وهو يكتب للكفار، يقول: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) ولما جاءه الرجل من صناديد قريش يريد أن يفاوضه قال له: يا محمد! إنك جئت قومك بما لم يأت به أحد قومه، سفهت الأحلام، وسببت الآباء والآلهة، إن كان الذي يأتيك من الجن عالجناك، وإن كنت تريد مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كنت تريد زوجة زوجناك، ماذا تريد؟ فماذا قال ﵊؟ قال له: (اسمع مني يا أبا الوليد) وكناه، والكنى محببة عند العرب، أنا عندما أناديك باسمك وأقول: يا فلان! تسمع، لكن إذا قلت: يا أبا فلان! تنبسط؛ لأنك تحب أن تدعى بولدك، الرسول ﷺ كنى هذا الكافر، من أجل أن يمرر الكلام إليه، دعاه بالكنية، قال: (اسمع مني يا أبا الوليد! ثم قرأ عليه فواتح سورة فصلت).
ولما وصل إلى قول الله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فقام الرجل ووضع يده على فم النبي ﷺ وقال: أسألك بالله والرحم ثم خرج، ولما رجع تغير وقال: "والله إني لأعلمكم بالشعر وأعلمكم بالنثر، والله ما هو بالشعر ولا بالنثر، والله إن أعلاه لمورق، وإن أسفله لمغدق، وإن عليه لحلاوة، وإن له لطلاوة، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه" أي: كلام الله.
فقالوا كلهم وهم الجالسون في السقيفة ينتظرون خبر المفاوضات، قالوا: صبأت مجرد مرة ذهبت إليه فغسل مخك ودين آبائك وأجدادك، والله لا تخرج حتى تقول فيه قولاً، ماذا يقول الناس عندما يسمعون كلامك هذا؟ معناه: لن يبقى أحد إلا وسيدخل في دين محمد، وبدءوا يضغطون عليه حتى قال: دعوني أفكر، ودخل بيته، وجلس يفكر ويقدر، ويقدم ويؤخر، ثم رجع إليهم وقال: نعم عرفت! قالوا: ما هو؟ قال: هذا سحر.
قال الله فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١١ - ٢٥].
قال الله له: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] وسقر هي النار، طبقة من طباق جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر:٢٧] للتهويل والتعظيم ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٨] ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٩ - ٣٠] تسعة عشر من الملائكة، ولما نزلت الآية وبلغها النبي ﷺ للصحابة، وبلغها الصحابة للناس، سمع بها أبو جهل وسمع بها الوليد بن المغيرة، وخاف فقال له أبو جهل: كم توعدك محمد؟ قال: تسعة عشر، قال: عليّ ثمانية عشر وأنت عليك واحد فقط، قال: ثمانية عشر أنا أضعهم فوق رأسي أنا أكفيكهم.
ولما أراد أن يسجد النبي ﷺ في الكعبة، منعه أبو جهل، قال: والله لئن سجدت مرة ثانية لأرضخن رأسك بهذا الحجر، ففرحت قريش، قالوا: دعوا أبا جهل يرضخ رأسه وتنتقم بني هاشم من بني مخزوم، وننتهي منه، وجاء الرسول ﷺ رغم التهديد؛ لأن الله قال: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ﴾ [العلق:١٩] وبعد ذلك جاء وما سجد مكانه، قرب قليلاً عند الكعبة ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] ولما جاء وسجد، قام كفار قريش وجاءوا إلى أبي جهل وقالوا: الرجل ليس عنده دين يتحداك، جاء يصلي، ويا ليت أنه صلى في مكانه الأول، بل يتحداك ويعاندك، ويصلي بجانب الكعبة، قال: وقد فعل؟ قالوا: نعم.
فأتى وهو يحمل الحجر التي ما تحملها الرجال، وجاء إلى الرسول ﷺ وهو ساجد، ولو رضخه بالحجر لقتله، وقبل أن يقرب منه وكان بينه وبينه مسافة، كع كما يكع الحمار، ووقعت الحجر على رجليه وكادت أن تكسر رجليه، ثم شرد، فضحك الناس، وجاءوا إليه فقالوا: مالك؟ قال: فحل اعترضني -الفحل هو: البعير- فاغراً فاه أنيابه السفلى تحت قدميه والأخرى فوق رأسه، يقول: والله لو تقدمت لابتلعني، يقول: فكعكعت ورجعت وراء، ولما أخبروا النبي قال: (ذاك جبريل، ولو أنه تقدم خطوة واحدة لابتلعه) قال الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧] يقول: فليدع جماعته الذين سوف يسدون على الثمانية عشر: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨] إذا دعا ناديه وجماعته دعونا الزبانية، ماذا يفعل أبو جهل مع هؤلاء؟ فأنت -يا أخي- عليك أن تكون كلمتك طيبة إلى أبعد درجات الطيب، لتكسب ذلك الرجل، هذا رسول الله ﷺ كلمته طيبة مع كافر، فكيف لا تكون كلمتنا طيبة مع المسلمين؟! بعض الشباب -هداهم الله- محبون للخير، وعندهم إيمان وغيرة، ولكن ينقصهم العلم والخبرة، فإذا رأى رجلاً صاحب معصية عبس في وجهه، وقال: أبغضه في الله! يا أخي! تبغضه في الله ابتداءً، البغض في الله ويكون آخر شيء، أول شيء أحبه في الله، ابتسم له في الله، قدره في الله، أكرمه في الله، من أجل أن يحبك ويحب الدين الذي تمثله، ويحب الدعوة التي تمثلها، وبعد ذلك تقول: جزاك الله خيراً.
فيقول: والله أخلاقك طيبة.
فتقول: وأنت أطيب.
فيقول: والله أنا أحببت الدين؛ لأني أحببتك أنت.
لكن عندما تبغضه من أول ما تراه ولا تسلم عليه، وبعد ذلك عندما تأتي تدعوه يقول: اذهب حسن أخلاقك أولاً؛ لأن أخلاقك سيئة، بعض الناس يجد اثنين معاً أحدهما حليق والآخر معه لحية، فيسلم على ذاك بوجه، ويسلم على ذلك بوجه آخر، وبطرف إصبعه، فيقول هذا الرجل: لماذا يعاملني هكذا؟ فهذا لا ينبغي يا أخي! لأنك حكمت على الظاهر، يمكن الذي تراه حليقاً باطنه أحسن من ألف رجل معه لحية، الله ينظر إلى الناس نظرة متكاملة، لا ينظر للشكل فقط، والشكل ليس كل شيء أيها الإخوة.
فالشكل شيء في الدين لا نغفله، شكل الإنسان في الدين شيء مطلوب أن يكون ذا لحية ويكون ثوبه قصيراً، ويكون عنده تمسك بالسنة، لكن هذا لا يكفي لوحده، لا بد أن يكون الشكل جيداً والمضمون -أيضاً- جيداً، وكذلك الذي يهمل شكله، نقول له: يا أخي! أصلح شكلك ما دمت طيباً، والدعاة إلى الله في تعاملهم مع الناس يجب أن يكونوا طيبين، وليس هذا من المداهنة كما يظن بعض الشباب أنها مداهنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يفرق بين المداهنة والمداراة، يقول: المداهنة هي: ترك شيء من الدين لشيء من الدنيا، تترك شيئاً من دينك من أجل أن تأخذ شيئاً من دنيا الناس، أما المداراة وهي في الشرع مطلوبة: هي ترك شيء من الدين لتحقيق شيء أعظم من الدين، فأنت عندما تترك شيئاً من الدين وهو البغض مع هذا الإنسان العاصي تركت البغض، لكن لتحقق شيئاً أعظم منه وهو أن تهديه إلى الله، وهذا مجرب وواقع، ينبغي أن نتمثله، وأن نسلك سبيل الدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، وبالعبارة الشيقة، يقول الله: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣].
ابحث في قواميسك عن أحسن عبارة، وابتسم لأي شخص تريد أن تدعوه
стр. 8
الدعوة إلى الله على بصيرة وعلم
الخامس من المعالم: أن يكون الداعية عالماً بما يدعو الناس به، وهذا معنى قول الله : ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] وبصيرة أي: على علم، لا أدعو على عمى، ولا على جهالة، ولا على ضلالة، بل لا بد أن أدعو على علم، وليس معنى هذا -أيها الإخوة- ألا يدعو الإنسان إلى الله حتى يصبح عالماً بكل شيء، وإنما المطلوب أن تدعو فيما علمت، أي: شيء علمته من الدين بلغه ولا تتجاوزه إلى غيره، لا تفهم من أنك تدعو بمجرد أنك عرفت شيئاً أن تدعو إلى كل شيء، ادع في الشيء الذي تعرفه، أما ما لا تعرفه فاسكت عنه إلى أن تتعلمه، أو ترجع فيه إلى العلماء والدعاة، أما أن تتخذ من نفسك داعية، عرفت هذه المسألة أو عرفت مائة مسألة، أو عرفت ألف مسألة، فتعطي لنفسك صفات الأهلية وأنك تجيب على كل مسألة، وأنك تتكلم في كل مسألة، وأنك تخوض في كل قضية؛ لأنك تكلمت أو أنك أصبحت بارزاً أو معروفاً، فهذا من الخطأ، وليس من العيب أن تقول لما لا تعرف: لا أدري.
من العيب كل العيب أن تقول على الله بلا علم، فقد قرنه الله بالمحرمات: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فلا بد -أيها الإخوة- من العلم، يقول أبو هريرة ﵁: [رأس العلم لا أدري] وأيضاً ينبغي لك أن تبلغ ولو آية: (بلغوا عني ولو آية) بلغوا عني ولو حديثاً.
стр. 9
الصبر على الدعوة وتبعاتها
السادس من معالم الدعوة: الصبر.
الصبر على الأذى في سبيل الدعوة وعدم استعجال النتائج، وهذا شيء صعب على النفس، فإن الصبر مأخوذ من الصِبْر وهو: نبات مر المذاق، يقطع اللسان من المراراة، يقول:
الصبر كالصِبر مر في مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
الصبر مر لكن نهايته عسل، انظروا الصبر عند الطالب على المذاكرة، لكن في نهاية السنة عندما ينجح كيف يكون الفرح؟ هو صبر على الدراسة لكنه نجح آخر السنة، وصبر على السنوات الدراسية وتخرج آخر الأمر من الكلية، والمزارع صبر على الثمرة حتى أكل الثمر، والموظف صبر على العمل حتى استلم الراتب آخر الشهر، كل شخص يصبر على شيء يأخذ في النهاية ثمرة حلوة.
الصبر كالصبر مر في مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
وهذا الصبر يأتي بالتصبر وبالمجاهدة والمعاناة، وأقسامه ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وهو عمل ميداني وليس عمل ذهني، بعض الناس يتصور أن الصبر شيء في الذهن.
الصبر عمل ميداني يبرز في الميدان، إذ بالإمكان أن يكون الإنسان من أعظم الناس صبراً لكن في الذهن، وإذا جاءه ميدان التطبيق فلا يصبر على أذى ذبابة وأذاها، فتراه يريد أن يضارب الذباب؛ لأنه ليس عنده صبر، فلابد من الصبر.
وأنت أيها الداعية! مطلوب أن يكون عندك من الصبر مثل الجبال؛ لأن الله يقول للنبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] إن الله لا يعجل لعجل أحد، قد تدعو شخصاً وتدعو أمك وزوجتك عشرات السنين ولا يستجيبون لك، اصبر ولا تستعجل، الهداية ليست بيدك، والله لا يعجل لعجلتك، والأمور بيده ليست بيدك، عليك أن تدعو والنتائج على الله.
فلا بد -أيها الإخوة- من الصبر في ممارسة العمل الدعوي، وعدم استعجال النتائج -وأيضاً- احتساب ما يلاقي الإنسان من الأذى في صحيفته؛ لأن الله ﵎ يقول في حكاية لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
стр. 10
الشعور بتوفيق الله من معالم الدعوة
سابعاً من معالم الدعوة المهمة: الشعور بتوفيق الله، وبنعمة الله التي اختارك -أيها الإنسان- إلى أن تمارس هذا العمل الشريف، الذي هو عمل الأنبياء، والذي هو بمنزلة الاصطفاء والاختيار، فتشكر الله أن جعلك داعية ولست مدعواً، وأيضاً يجعلك تزيد في العمل؛ لأنه كان بالإمكان أن تكون داعية للشر كغيرك من الناس، الآن هناك آلاف من البشر دعاة إلى النار، وأنت جعلك الله داعية إلى الجنة، وداعية إلى الخير، وهذا فضل واختيار، والله يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] ويقول: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] فهذا -أيضاً- اصطفاء رباني.
стр. 11
التجديد والفقه في الدعوة
ثامناً: التجديد والفقه في عمل الدعوة وزمنه ومكانه وأسلوبه، والتخطيط له، وكيف تمارسه، وعدم الجدال فيه، وأن يبدأ الإنسان دائماً بالترغيب -فمثلاً- شخص لا يصلي، تبدأ بترغيبه في فعل الصلاة، وأثر الصلاة في حياته: أن الصلاة نور، وأن الصلاة بركة، وأن الصلاة هداية، وأنها صلة يبن العبد وبين الله: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة) هذا اسمه ترغيب، فدائماً تبدأ به؛ لأن النفوس جبلت على حب المنافع، فعندما تقول لشخص: سوف أفعل لك وأعطيك، حتى ولدك في البيت، عندما تريده أن يفعل شيئاً تقول: افعل وأعطيك كذا، تراه يقوم بالعمل بنشاط، كذلك أنت عندما تدعو رغب الناس فيما عند الله، وأيضاً رهبه واقمعه من أجل ألا يرجع.
وهكذا -أيها الأحباب- بين الترغيب وبين الترهيب، ولهذا سمي القرآن مثاني، القرآن كله مثاني، لماذا مثاني؟ دائماً يذكر الله الجنة ويذكر النار؛ من أجل الذي لا ينفع فيه الترغيب ينفع فيه الترهيب وهكذا، فينبغي أن يكون هذا أسلوبك، بعد أن تعطي لكل مقام ما يناسبه من المقال، موضع اللين لا تضع فيه إلا اللين، موضع الشدة ضع فيه الشدة، موضع الكلام ضع فيه الكلام، موضع السكوت ضع فيه السكوت، هذا معنى الحكمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] والحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، الحكيم هو الطبيب، وسمي الطبيب حكيماً؛ لأنه يضع الدواء المناسب في المرض المناسب، ويضع دواء العين في العين، لكن الذي ليس بطبيب تجده يضع دواء الأذن في العين ويعميها، وهو دواء لكنه لم يضعه في المكان المناسب، كذلك الداعية قد يأتي بالعنف في مكان اللين، وقد يأتي باللين في مكان يحتاج إلى العنف، وقد يأتي إلى الدعوة الجهرية في المكان الذي تحتاج فيه إلى السرية، وقد يأتي بشيء في غير موضعه، ولذا لا بد من معرفة العمل الدعوي، ومعرفة أسلوبه وطريقته وزمانه ومكانه وما يناسبه، وما يضر فيه، حتى يحقق الله على يدك -أيها الداعية- كل خير ومصلحة.
стр. 12
المداومة على ذكر الله
تاسعاً من معالم الدعوة: أن تكون أيها الداعية! ذاكراً لله، فأصل المسلم مطلوب منه أن يكون ذاكراً لله، لكنه مطلوب أكثر في حق الداعية؛ لأنه وهو يتعامل مع الناس ومع القلوب يحتاج إلى تأييد من الله، ولهذا قال الله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] أي: لا تفترا من ذكر الله؛ لأنكما ذاهبان لمهمة صعبة، ومهمة خطيرة، فرعون مصر الذي يدعي أنه الرب الأعلى، والذي يقوم بالدعوة هو موسى من بني إسرائيل الذين يذبحون ويقتلون، وأيضاً موسى صاحب سابقة عندهم، عنده قضية القبطيين الذين قتل منهم شخصاً، ولهذا قال موسى لما بعثه الله: ﴿قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣] يقول: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء:١٣] ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص:٣٤] ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء:١٤] يقول له: لي سابقة لا أستطيع.
فتصور شخصاً في هذا الوضع يرسل إلى أعلى إنسان في الدنيا، يقول: ﴿َ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] يحتاج إلى تأييد، قال الله لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦] وبعد ذلك وصاهم الله فقال: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] وهذه الوصية تنطبق على كل داعية، أنت تدعو إلى الله فاذكر الله، استعن بالله؛ لأنك إذا ذكرت الله ذكرك الله: (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه) فإذا ذكرت الله وأنت ذاهب تدعو فقلت: سبحان الله، اللهم افتح صدره يا رب! اللهم اجعله يقبل كلامك، اللهم نور بصيرته، فيكون الله معك، وقلب المدعو ليس بيدك بل بيد الله، فإذا تكلمت دخل كلامك إلى قلبه؛ لأن الله معك.
والذكر هنا يشمل الذكر بأقسامه الخمسة: ذكر الله عند ورود أمره: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
وذكر الله عند ورود نهيه، فإذا نهاك الله عن شيء وأردت أن تقع فيه ذكرت الله.
وأيضاً ذكر الله في الأحوال والمناسبات.
وذكر الله الذكر العددي المطلوب بعدد معين.
وذكر الله المطلق: أن تكون دائماً ذاكراً لله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الصحيحين: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده).
وفي صحيح مسلم يقول ﵊: (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه الإمام مسلم.
стр. 13
الحذر من الشبهات في طريق الدعوة
عاشراً: الحذر، وهذا شيء مهم في الداعية، الحذر من أن يقول على الناس كلاماً ليس بصحيح، فلا بد من التأكد من الأحاديث وصحتها، ومن القصص وصدقها، حتى لا يعلم الناس ما ليس بدين، وحتى لا يتعبد الناس ربهم بما ليس بدين من الخرافات والأخبار الكاذبة ولو كانت مهيجة! بعض الناس يظن أنها تهيج الناس، ونحن لا نريد أن نحدث الناس إلا بما قال الله وقال رسوله صدقاً؛ لأن هذا يضمن للناس طريق السلامة، أما إذا أخبرناهم بشيء ليس بصحيح، وحملناهم على العمل بما ليس بصحيح، فإنما نضللهم ونخدعهم ونضرهم، ويأتون يوم القيامة يقولون: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٩] فسمى الله دعاة الضلال مجرمين -والعياذ بالله- فاحذر يا أخي من أن تدعو الناس إلا إلى الصدق.
стр. 14
تذكير المدعو بنعم الله عليه
الحادي عشر من معالم الدعوة التي تفتح بها قلب المدعو: أن تبدأ بتذكيره بنعم الله عليه، وتذكره أنه معافى في بدنه، آمن في سربه، معه قوت يومه، كان بالإمكان أن يكون مريضاً وفقيراً وخائفاً، وليس عنده شيء من النعم، فمن الذي رزقك؟ ومن الذي عافاك؟ ومن الذي خلقك؟ ومن الذي أوجدك؟ فتذكره بنعمه، فيستيقظ وينتبه ويقول: نعم.
الله، الله الذي أعطاني هذا كله، فتقول له: أيليق بك أن تعصيه؟ أيليق بك أن تكفر به؟ أيليق بك أن تحاربه؟ هذا بإذن الله يعينك على أن تفتح قلبه لسماع الحق الذي تحمله، ومع هذا التذكير كلمه بالبشاشة، وبالعبارة الطيبة -كما ذكرنا- وبإشعار المدعو أن الدافع إلى دعوته هو الرغبة في إنقاذه والحرص على مصلحته، وأن ليس لك مصلحة -أيها الداعية- مادية إلا بمقدار ما يحقق الله على يديك من صلاح هذا الإنسان بما ينفعه في دنياه وآخرته.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الدعاة إلى الله، المخلصين في دعوتهم، السالكين في دعوتهم مسلك الأنبياء، كما نسأله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.
كما نسأله أن يحفظ علينا ديننا وأمننا، ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرها من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد أو مكر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم وفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم وفق شبابنا وبناتنا ونساءنا ورجالنا وجميع المسلمين إلى البصيرة في هذا الدين، وإلى التمسك بطاعتك يا رب العالمين! وإلى البعد عن معصيتك وإلى التوبة من الذنوب والمعاصي، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 15
الأسئلة
стр. 16
كيفية نصح المرأة التي تحب سماع الغناء
السؤال
شاب تزوج بفتاة طيبة ولكنها تسمع الغناء، وحاول معها ولكنها لم تستجب؟
الجواب
حكمك عليها بأنها طيبة حكم فيه تحفظ، إذ لو كانت طيبة ما سمعت الغناء؛ لأن الغناء خبيث، ولا يحب الخبيث إلا خبيث، ولا يحب الغناء إلا رجل أو امرأة في قلبه مرض والعياذ بالله؛ لأن الغناء بريد الزنا، ابن القيم يقول:
حب القرآن وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان
وهذه الأخت في الله نطلب منها أن ترجع إلى رشدها، وأن تتوب إلى ربها، وأن تراجع نفسها، وعليك أن تقرأ عليها من الكتب التي تتحدث عن حرمة الأغاني، ومن أعظمها كتاب ابن القيم ﵀ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، حيث حرم الأغاني من أكثر من خمسة وعشرين وجهاً، وذكر الأدلة الشرعية على تحريم سماع الغناء من أكثر من خمسة وعشرين وجهاً، فعليك أن تشتري الكتاب هذا وتقرأه عليها، وتدعو الله أن يهديها، وتصبر عليها، وهكذا حتى يهديها الله .
стр. 17
الرد على من يقولون: إن الحجاب ليس فيه تغطية الوجه
السؤال
لما تزوجت فرضت على امرأتي الحجاب، ولكن هناك فتيات قلن لها: إن الحجاب ليس فيه تغطية الوجه؟
الجواب
إذا قلنا: إن الحجاب ليس تغطية الوجه، إذاً تغطية ماذا؟ تغطية المسامع، هل هذا يسمى حجاباً؟ الحجاب هو: حجب ما في المرأة من جمال، حتى لا يفتن الناس بهذا الجمال، وأجمل شيء في المرأة هو الوجه، فإذا سمحنا لها بأن تكشف وجهها فماذا تغطي؟ أصلاً هذا الذي تغطيه النساء الآن كانت المرأة تغطيه من قبل الإسلام، والمرأة تغطي رأسها ولا تمشي عارية، الحجاب حجاب الوجه؛ لأنه مجمع الزينة: فيه العينان والأنف، وفيه الشفتان، وفيه الخدان، وفيه الجبين، وهو مجمع الكمال، وعليه تُجرى مقاييس الجمال، إذا أردت أن تحكم بجمال امرأة أو قبحها أين تنظر، في أرجلها؟ لا.
ترى وجهها، فإذا كان الوجه جميلاً فكل شيء جميل، وإذا كان الوجه قبيحاً فكل شيء قبيح.
إذاً هذا الكلام غير مقبول، وما استدل به القائلون بأن الحجاب غير الوجه والكفين، أدلة مردودة، وعمدتهم حديث ضعيف، بل قال بعض أهل العلم: بوضعه، وهو حديث أسماء، فهو ضعيف في سنده وأيضاً مردود في متنه؛ لأن المتن يقول: (أن الرسول ﷺ الله دخلت عليه أسماء بنت أبي بكر وعليها ثياب رقاق) من هي أسماء حتى تدخل بالثياب الرقيقة الشفافة؟ ومن هو الذي يدخل عليه وهو خير البشر ﷺ ؟ هذه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وزوجها هو الزبير بن العوام أغير الناس، وأبناؤها عبد الله بن الزبير وعروة، وهي أخت عائشة ﵂، امرأة من أفضل النساء، تدخل في ثياب رقيقة على الرسول ﷺ ، هل هذا معقول؟! فالمتن مردود، والسند منقطع ومردود ولا يحتج به، هذا عمدتهم، أما الثابت من الكتاب والسنة: هو تغطية الوجه والكفين؛ لأنه مجمع الزينة.
стр. 18
حكم الإمام الذي يصلي بالناس وهو مدخن وحالق للحيته
السؤال
هناك إمام يصلي بالناس وهو يشرب الدخان ويحلق لحيته؟
الجواب
المفترض في أي إمام يتصدى للإمامة ويتقدم بالناس أن يكون عدلاً سليماً من المعاصي والذنوب الظاهرة والباطنة، وليس يعني هذا أن يكون معصوماً، فقد يقع منه الخطأ، لكن يسلم من المعاصي التي تظهر منها المداومة مثل: حلق اللحية، أو شرب الدخان، أو الدش، فهذه معاص ظاهرة، أما كون الإمام قد يخطئ فقد يخطئ؛ لأن المعاصي عارضة عند كل إنسان، ليست المعصية دائمة بحيث يمارس ويستمر عليها.
ولذا ننصح هذا الأخ الذي يؤم الناس وهو يشرب الدخان أن يتوب إلى الله، وأن يتمسك بالسنة في لحيته، حتى يمثل الإمامة أحسن تمثيل، فإذا عجز فعليه أن يتخلى، وأن يدع غيره يؤم الناس، أما الصلاة خلفه فالصلاة خلفه صحيحة وعليه إثمه، يقول ﵊: (صلوا خلف كل بر وفاجر، فإن أحسن فله ولكم، وإن أساء فعليه ولا عليكم) لكنه يقع تحت طائلة الإثم إذا صلى بالناس وهم له كارهون كراهة دينية، إذ لا يتقدم بالناس إلا من كان أهلاً، إذا رأيتم بأنه لم يستجب بالنصيحة بعد أن تنصحوه، فيمكن أن ترفعوا أمره إلى السلطة من أجل إبعاده والإتيان برجل صالح يؤم الناس حتى يقربهم إلى الله .
стр. 19
حكم الشرط المخالف لمقتضى عقد الزواج
السؤال
تزوجت امرأة وكان من ضمن الشروط عليّ: ألا أنام معها ولا آتيها، فلما تزوجتها نمت معها وأتيت زوجتي، فهل هذا الفعل عليّ حرام؟
الجواب
هذا الشرط باطل؛ لأنه مضاد لمقتضى العقد، الشروط التي تحل حراماً وتحرم حلالاً أو تضاد مقتضى العقد، باطلة مقتضى عقد الزواج أن تستمتع بزوجتك، وهذا الشرط يمنعك من الاستمتاع بها والنوم معها فهو شرط مرفوض، أجل تزوجتها من أجل ماذا؟ إذا كنت تزوجتها ولا تنام معها، فلماذا تزوجتها؟ لتنظر في وجهها؟ هذا لا يصلح، فهذا الشرط باطل، وفعلك إن شاء الله ليس فيه شيء، وليس من الخدعة إن شاء الله.
стр. 20
الأشياء التي يبدأ بها الداعية
السؤال
أنا شاب أريد أن أدعو إلى الله، من أين أبدأ وكيف؟
الجواب
ابدأ من نفسك، هذه أول خطوة، ادع نفسك إلى كل خير، ثم ابدأ بالدائرة المحيطة حولك: أمك وأبوك، وإخوانك وأخواتك، ثم انتقل قليلاً في دائرتك الدراسية إن كنت طالباً، ثم في الحي الذي أنت فيه وهكذا، لكن وفق المعالم التي ذكرناها: بالإخلاص، بالكلمة الطيبة، بالعلم، بالصبر، وهكذا إن شاء الله تنجح.
стр. 21
كيفية التمييز بين العمل الخالص والعمل الذي فيه رياء
السؤال
يقول: أنا أعمل الأعمال الطيبة إن شاء الله، ولكن أحس أنها رياء، فكيف أميز بين العمل إذا كان خالصاً أو كان عملاً رياء؟
الجواب
التمييز بالباعث، التمييز يكون بالدافع إلى العمل، اسأل نفسك: لماذا تصلي؟ فإن كنت جئت تصلي خوفاً من الله ورغبة فيما عند الله، فهذا الإخلاص، وإن جئت تصلي من أجل أنك متواعد مع شخص تستأجر الشقة منه، وهو لا يعطيها إلا لشخص يصلي، فجئت تسلم عليه، وتصلي بجانبه، وتقول: السلام عليكم، كيف الحال؟ من أجل أن يؤجر لك الشقة، هذا معناه رياء، صلاتك فيها رياء وليست لوجه الله، أما وأنت تصلي لله ما الذي أخرجك من بيتك؟ ما أخرجك إلا خوف الله ، هذا هو الإخلاص، ولا نريد أن يعيش الناس -أيها الإخوة- في متاهات، وفي تصورات بعيدة، أنا لست ملخصاً؟ لا.
إن شاء الله أنك مخلص، خصوصاً في هذا الزمن لا أحد يعمل عملاً صالحاً إلا وهو مخلص؛ لأنه لا يوجد أحد يدفعه من البيت إلا إخلاصه.
стр. 22
علاج الشدة وسوء الخلق
السؤال
أحس من نفسي غلظة وشدة في بعض الأمور وسوء في الخلق؛ فما هو العلاج؟
الجواب
العلاج أولاً: عليك بالاستغفار؛ لأن هذا السؤال قدمه أبو ذر إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! إني ذرب اللسان -أي: حاد على أهلي- قال: أين أنت من الاستغفار) فعليك أن تكثر من الاستغفار حتى يذهب الله هذا المرض منك.
ثانياً: تعود باستمرار أن تغير طبعك، ضع برنامجاً عملياً لتغيير طبعك، اجعله مشروع سنة أو سنتين، إلى درجة تصل في النهاية إلى أن تغير وضعك، فحاول باستمرار ألا تحتج، ولا تكن شديداً، وتذكر دائماً أن الشدة ما كانت في شيء إلا شانته، وأن اللين ما كان في شيء إلا زانه، وأن الغلظة لا تأتي بشيء، وأنها تتعارض مع منهج الدعوة إلى الله، وبالتالي إن شاء الله يذهب منك هذا الداء.
стр. 23
مراتب الدعوة
السؤال
أيهما أفضل الدعوة الجماعية أو الدعوة الفردية؟
الجواب
هذا الموضوع إن شاء الله سيكون في الدرس القادم، مراتب الدعوة التي مر بها النبي ﷺ في بدء دعوته، مر بمراتب دعوة كثيرة، كانت أولاً سرية، ثم صارت فردية، ثم صارت بعد ذلك جماعية، هذه كلها سوف نتكلم عنها بالتفصيل في المحاضرة القادمة إن شاء الله في الشهر القادم.
стр. 24
كيفية التحصن من الشهوات
السؤال
كيف يكبح المؤمن جماح الشهوة في هذا العصر الممتلئ بالشهوات؟
الجواب
بالاستعاذة واللجوء إلى الله؛ لأن الشهوات نزغ من الشيطان والله يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠].
نزغ شهواني جنسي، مثل امرأة تعرض نفسها عليك، فماذا تصنع؟ تقول: أعوذ بالله؛ لأن هذا يوسف ﵇ لما راودته امرأة العزيز ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] فماذا قال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] أي: أعوذ بالله.
وهذه مريم لما جاءها الروح القدس لينفخ في جيب درعها الروح، وليخلق الله عيسى ﵇ بطريقة تختلف عن خلق الناس ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] فعليك إذا جاءتك أي نزعة شيطانية، شهوة جنسية، شهوة عدوان، رغبة في مال حرام، شهوة تسلط، شهوة انتقام؛ أنك تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتذكر دائماً وقارن بين لذة المعصية وبين عقوبتها، لتجد أن عقوبتها مرة ولذتها ضئيلة قياساً على العقوبة المنتظرة.
стр. 25
حقيقة الدعوة
السؤال
هناك بعض الناس إذا دعوته إلى الدين يقول: نحن نعرف الدين، وعندنا أشرطة كافية، وعندما ندعوهم نجدهم غارقين في المعاصي؟
الجواب
قضية الدعوة -أيها الإخوة- ليست تعليماً وإنما هي تذكير، حتى الرسول ﷺ يقول الله له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١].
فأنت عندما تتحدث مع شخص يعرف الدين، ليس معنى هذا أنك أنت المعلم له، وإنما تذكره بشيء يعلمه، فتقول له: نعم صدقت، أنت تعرف الدين أكثر مني، لكني أذكرك بالله، والله أمرني أن أذكرك وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٠] وقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
стр. 26
حكم من يكون سبباً في غيبة الناس له
السؤال
هناك دعاة وعندهم قصور وأخطاء في العمل، فبسبب ذلك يتكلم الناس فيه، فهل يتحمل إثم الناس بسبب ذلك؟
الجواب
لا شك أن المسلم ينبغي أن يذب عن عرضه، وألا يجعل الناس يأثمون بسببه؛ لأنه إذا قال كلاماً وهو يخالفه ثم تعرض الناس له بالإثم، كان سبباً في تأثيم الناس، إلا أنهم يتحملون مسئولية إثمهم، فهم يأثمون؛ لأنهم اغتابوه وهو يتحمل؛ لأنه السبب في غيبتهم، والجميع آثمون.
والمطلوب من الداعية أن يكون صادقاً وجاداً، وعلى الناس إذا أرادوا ورأوا من الداعية أو العالم قصوراً أو نقصاً ألا يغتابوه، بل يواجهوه بالكلمة الطيبة ويقولوا: يا شيخ! أنت رجل فاضل، وأنت رجل صالح، وأنت داعية إلى الله، سمعناك ورأيناك، ولكن لاحظنا كذا وكذا، وذلك فيما بينهم وبينه، من أجل أن ينتبه ويصحح وضعه، أما أن يأكلوا لحمه في غيبته ويشوهوا سمعته، هذا ليس طيباً؛ لأنه يقع في التالي بالغيبة، وأكل لحمه بغير حق.
стр. 27
بيان مسألة عصمة الرسول ﷺ من الأخطاء
السؤال
كيف نرد على من قال: إن الرسول ﷺ أخطأ، ومثل ذلك قبوله الفداء من أسرى بدر، وصلاته على عبد الله بن أُبي بن سلول عندما مات؟
الجواب
الرسول ﷺ أولاً: بشر ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] ولكنه بشر معصوم من الخطأ فيما يبلغ عن دين الله، فإذا وقع في شيء صحح الله خطأه، هو معصوم لا يخطئ في شيء مما يبلغ الناس من الدين، فإذا أخطأ وهذا نادر مثل قضية أسرى بدر، استشار النبي ﷺ الصحابة فيهم، واختار رأي أبي بكر، فالله أنزل القرآن ليصوب رأي عمر، وكذلك في قضية الصلاة على عبد الله ابن أُبي، صلى عليه الرسول ﵊ حتى نزل أمر الله بعد الصلاة عليه، فالرسول ﷺ لا يخطئ، وإنما يبلغ عن الله، وإذا بلغ شيئاً لم يكن فيه عنده وحي من الله فهذا دليل على أنه اجتهاد منه، وحصل فيه شيء غير المراد الرباني صححه الله، هذا بالنسبة للتشريع وما يبلغ عن الله.
أما بالنسبة للأمور العادية، الأمور الحياتية، كونه يمارس أمراً من الأمور التي لا علاقة لها بالدين، هذه قد يقع منه ما يقع من البشر من الخطأ، مثل قدومه المدينة وهم يؤبرون النخل -يلقحون النخل- والرسول ﷺ خبرته في النخل محدودة، لأنه جاء من مكة، ومكة بلد صحراوي ليس فيها نخيل ولا شجر ولا شيء، جاء المدينة، والمدينة بلدة زراعية ومشهورة بالتمور، فرآهم يؤبرون، فقال ﷺ ليس تشريعاً وإنما كلام شخصي، قال لهم: لو تركتموه ربما حمل.
فتركوه، فلما جاء آخر السنة لم تحمل شيئاً؛ لأنه ما نقح، أخبروا النبي ﷺ فماذا قال؟ قال: (عودوا إليه ولقحوه، فأنتم أعلم بأمور دنياكم) فدل الحديث على أن هذا الأمر من أمور الدنيا لا من أمور الدين، أما ما كان من أمور التشريع والدين فإن الله قد عصمه أن يبلغ الناس إلا الحق، اللهم صلِّ وسلم عليه.
стр. 28
حكم الغش في الامتحانات
السؤال
تنتشر ظاهرة الغش في الامتحان، فهل يجوز هذا؟
الجواب
الغش محرم، والإسلام يربي أبناءه على الصدق، وعلى الجد، والغش مصادم للجد والصدق، فالغشاش كذاب، وأيضاً خائن، ويحمل شهادة زور، أخذها بالنقل والكذب، يأتي يقول: أنا جامعي.
وليس جامعاً، لو أنه جامعي كان قرأ الدروس كلها وحفظها، وإنما أخذها في ورق، ولما جاء الامتحان نقلها ونجح بالكذب، فهذا باطل: (ومن غشنا فليس منا) ولا يجوز للمسلم أن يمارس هذا، ومن وقع في شيء منه في الماضي فيتوب إلى الله، وعليه أن يندم ولا يعود إليه.
стр. 29
أهمية الرفق في الدعوة إلى الله
السؤال
كنت أدخن في يوم من الأيام وجاءني أحد الإخوة الملتزمين، وفجأة أخرج الدخان من فمي ووضع بدله السواك بالقوة، فغضبت وقلت له قولاً سيئاً، ولكن بعد ذلك ندمت على ذلك، فماذا أصنع الآن؟
الجواب
هذا من الأخطاء، شخص يشرب الدخان وتأتي تمسكه وتأخذ من فمه الدخان وتضع مكانه السواك، هذا عمل لا أحد يقبله، ولو كنت تعملها أنت، لو عمل شخص معك هذا الشيء فربما تضاربه، وليس هذا بالأسلوب، بالإمكان أن تعرض عليه السواك، وتقول له: يا أخي الكريم! تفضل هذا السواك هدية، ويمكن أن تضع هذا السواك بدل هذا الدخان، أي: من باب العرض، وأما أن تتدخل في شئونه وتفكه من يده وتدسه في فمه، إذاً ماذا بقي؟ ما تركت له الحرية، وبالتالي إذا تكلم عليك الأخ كلاماً سيئاً فجيد أنها كلام سيئ فقط، ولم تصل إلى حد الضرب، فعليك -يا أخي- أن تتوب إلى الله من الدخان، وأن تسمح لأخيك الذي تعامل معك بهذا الأسلوب؛ لأنك تعرف أن قصده طيب، ما قصده إلا الخير لك، وأن تعفو عنه إن شاء الله، وتستغفر الله من الإساءة التي وقعت منك عليه.
стр. 30
الجمع بين قول: العلم يؤتى ولا يأتي، وبين ذهاب العلماء والدعاة إلى الناس
السؤال
ما رأيكم في المقولة التي تقول: العلم يؤتى ولا يأتي.
هل تتعارض مع كلامك حول أن العلماء والدعاة يأتون إلى الناس؟
الجواب
لا.
ليس هناك تعارض، العلم شيء والدعوة شيء، فنحن نقول: إن الدعاة يذهبون إلى الناس، لكن طلبة العلم يذهبون إلى العلماء، هناك تبادل مصالح، طالب العلم يأتي إلى العالم، لكن الداعية ماذا يعمل؟ يذهب إلى المدعوين، أي: أن الداعية يذهب إلى القهوة، ويأتي بالناس من القهوة، ويذهب إلى السوق يأتي بهم من السوق، ويذهب إلى الدكاكين يأتي بهم من الدكاكين، يجمع الناس، يقول: هناك محاضرة، هناك ندوة، بكلام طيب، لكن طلبة العلم الذين يريدون العلم، ماذا يريدون؟ يريدون العالم، أم تريدون أن يذهب ويبحث عليهم، فأين يجمعهم هؤلاء كلهم؟ لا يستطيع أن يطوف على الناس كلهم، ففيه اختصاصات، إن طالب العلم يطلب العلم، وصاحب الدعوة يدعو الناس إلى العلم وهكذا.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 31
من أسباب الحياة السعيدة
يسعى لتحقيق السعادة كل إنسان، ولكن البعض يظن أن السعادة في المال، أو المنصب، أو الجاه والسلطان، أو الشهوات والملذات، وهؤلاء لم يعرفوا حقيقة السعادة، ولم يعرفوا الطريق المؤدي إليها، بينما الإنسان المتصل بربه عرف طريق السعادة، وسلك ذلك الطريق، فهو ينعم بسعادة عظيمة، ويعيش حياة آمنة مطمئنة، وكأن الدنيا ملك له.
стр. 32
السعادة والسعي لتحقيقها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد أيها الأحبة في الله! السعادة مطلب كل إنسان، وما نظن أو نعتقد أن أحداً يبحث عن الشقاء، بل كل ما نراه من التطاحن والتسابق، إنما هو لتحقيق ونيل أكبر قدر من السعادة، ولكن المصيبة أن الكثير ممن يطلبون السعادة أخطئوا الطريق المؤدي إليها، ظنها قوم في المال، فقطعوا مراحل أعمارهم باحثين لاهثين وراءه، فلما حصلوه وجمعوه، كان هذا المال سبباً لشقائهم لا لسعادتهم، يقول الله : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
وظن آخرون أن السعادة في تبوء المناصب، واحتلال الرتب، فحرصوا عليها وسعوا إلى تحقيقها، فلما نالوها لم يجدوا للسعادة طعماً، بل كانت ربما سبباً لشقائهم وعنائهم، وظنها آخرون في الأولاد وفي الزوجات، فلما جاء الأولاد كان الأولاد أيضاً سبباً لشقائهم وكانت الزوجات سبباً لشقائهم، إذاً أين السعادة -أيها الإخوة-؟ وقبل الإجابة لنسأل: ما هي السعادة؟ وبأبسط تعريف، يلم المجموع الشامل لمفهومها، وإلا فالسعادة معروفة عند كل شخص ولو لم يعبر عنها هي: راحة القلب، واطمئنان النفس، وسلامة الجسد من الآفات.
هذا الذي يكون جسده معافى، ونفسه مطمئنة، وقلبه هادئ فإن هذا يكون سعيداً، لكن لما اهتم الناس بالمال، فإنهم حققوا جزءاً من السعادة، وهي سلامة الجسد، ولكن لم يستطع المال أن يحقق سكينة النفس، ولم يستطع المال أن يحقق راحة القلب، بل كان المال عذاباً للقلب وللنفس.
وأذكر فيما أذكر، أنني زرت أنا وأحد المشايخ في الرياض ثرياً من الأثرياء، نطلب منه أن يتطوع بالتبرع في مشروع خيري، وكانت الزيارة في فصل الشتاء، في الليالي الباردة القارسة، فلما جلسنا معه وافق جزاه الله خيراً على أن يتبرع بالمشروع كاملاً، وودعناه، وقبل أن نخرج قال لنا: يا مشايخ! أنا عندي مشكلة حلوها لي.
قلنا: خيراً.
قال: والله لا أنام إلى أن يؤذن المؤذن لصلاة الفجر وأنا أتقلب على فراشي، لم أعرف طعم النوم.
قلنا: خيراً لماذا هل هناك مرض؟ قال: لا.
لكن أموالي في الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، والسماء، والأرض، والبر، والبحر، وكلما قمت بحل مشكلة جاءت مشكلة ثانية، وطوال الليل وأنا وراء المال.
قلنا: أنت الذي عذبت نفسك، ماذا نفعل لك؟ لكن تريد أن تسلم من هذا المرض؟ قال: نعم.
قلنا: علق مالك بربك، حتى يتعلق قلبك بالله، اكنز هذا المال عند الله.
قال: جزاكم الله خيراً، وخرجنا من عنده، وعند خروجنا مررنا برجل من العمال يعمل حمالاً يحمل الأثقال من السوق، وقد جمع الحبل الذي يربط به الأحمال تحت رأسه، وبسط تحته كرتوناً ونام، ومد أرجله وله شخير نسمعه على بعد أمتار، في غاية النوم، هذا صاحب الملايين لا يأتيه النوم، وهذا صاحب الكرتون نائم أربعة وعشرين قيراطاً.
إذاً المال سعادة أم عذاباً؟ بل هو عذاب، وتعال انظر هذا الفقير في الصباح، إذا قام بماذا يفطر؟ يأخذ له ثلاثة أقراص على صحن يأكلها مثل البعير، وذاك التاجر يفطر حبوباً ويتغدى حبوباً ويتعشى حبوباً.
إذاً ما قيمة المال؟ مجرد أرقام وأرصدة، لكن هل يحقق سعادة؟ لا.
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
فالسعادة هي راحة النفس، وهدوء القلب، وسلامة الجسد، أين توجد هذه كلها؟ هذه -أيها الإخوة- لا توجد في المال، ولا في المناصب، ولا في الرتب، ولا عند الزوجات ولا في الأولاد، وإنما توجد في شيء واحد ألا وهو في الإيمان بالله، والعمل الصالح لوجه الله، يقول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] هذا شرطه: من عمل صالحاً وهو مؤمن، ماذا يحصل له؟ قال : ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] ما هي الحياة الطيبة؟ إنها حياة القلب، ولو كان فقيراً والله إنه لفي حياة طيبة.
الصحابة ﵃ كان معظمهم فقراء، ولكنهم كانوا يحيون ويعيشون أعظم مستوى من السعادة، بل سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، وأفضل من سار على وجه الأرض سيد ولد آدم، كيف كان يعيش؟ سعادته كأكمل ما تكون على أعلى مستوى، أسعد البشر بربه وبدينه، رسول الله ﷺ ، رغم أن حياته المادية كانت بسيطة إلى أبعد درجات البساطة، كان ينام على الحصير، ويسكن في غرف صغيرة لا تكفي للصلاة، إذا صلى في الليل وعائشة نائمة تكف أرجلها إذا سجد، وإذا قام بسطت أرجلها، ويربط على بطنه الشريفة الحجر من الجوع، حتى تلتقي المعدة وجدران المعدة حتى أنه لم يعد يشعر بالألم من الجوع، ويمر الشهر والشهران ولا توقد في بيت آل محمد نار، كم توقد اليوم في بيوتنا من النيران -أيها الإخوة-؟!! ليست ناراً واحدة، بل نيران، المطبخ مثل المعمل، هذا يقلي، وهذا يخبز، وكل هذا من أجل أن نأكل، وبعد ذلك هل وجدنا السعادة؟ هل حققت هذه المآكل والمطاعم والمشارب لنا سعادة؟ بل زاد الشقاء، وأكثرنا تجده يتوجع، وأمراض الناس الآن كلها من بطونهم.
الفشل الكلوي ما سببه؟ من اللحم، والقرحة المعدية من الأكل، والسكر من الأكل، والسمنة من الأكل، والذبحة من الأكل، كل هذا من الأكل، إذاً الأكل هل هو سعادة أم عذاب؟ عذاب، إذاً ما هي السعادة؟ قال : ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] قال العلماء: كان حياً لكن حياة خبيثة، هنا حياة ماذا؟ حياة طيبة، ما هي الحياة الطيبة؟ إنها حياة القلب، وحياة الإيمان، والدين، والصلة بالله، والصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحب في الله، والاستعلاء على الشهوات، والنصر على النفس، ورفض الحرام.
لو مررت على امرأة متبرجة، وغضضت بصرك فهذه هي الحياة، لكن لو أنك نظرت إليها تريد أن تبتلعها، تتلصص على محارم الله، أنت مسكين إذاً فحياتك خبيثة، حياتك قذرة، فالحياة الطيبة أن ترتفع إلى فوق، يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠] دنسها بالقاذورات، فقط تجده يقمقم -والعياذ بالله- أغاني، مسلسلات، أفلاماً، كرة،، لعباً، سهراً، أرصفة، تفحيطاً، ما هذا؟! ارتفع إلى فوق، ابحث عن الدين القيم، عن المبادئ، عن العقيدة، عن الصلاة، عن القرآن، عن الجنة، هذه هي الحياة: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
وبعد ذلك إذا مات قال : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] ويقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] لا تطمئن القلوب إلا بدين الله، الأموال لا تطمئن القلوب بل تنفخ الجيوب، والأكلات لا تطمئن القلوب بل تطمئن البطون، والزوجات تطمئن الفروج، لكن قلبك هل تريده أن يطمئن؟ ألا بذكر الله، -أي: ألا بدين الله- تطمئن القلوب، قلوب أهل الإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩] قال العلماء: ما معنى طوبى هنا؟ قال بعضهم: طوبى هي الجنة، وقال آخرون: الحياة الطيبة، طوبى أي في الدنيا، وحسن مئاب أي: في الآخرة في الجنة -نسأل الله أن يطيب حياتنا وحياتكم في الدنيا والآخرة-.
стр. 33
طرق الحصول على السعادة
كيف نحصل على السعادة؟ لا توجد السعادة إلا إذا عرف الإنسان أمرين، وبهما وجد السعادة كاملة بحذافيرها، أما إذا جهل الأمرين أو أحدهما، عاش شقياً، ومات شقياً، وبعث شقياً، وحشر شقياً، ودخل دار الأشقياء دار العذاب والنار والنكال -والعياذ بالله- هل هناك أشقى ممن يدخل النار -يا إخوان-؟ لا إله إلا الله! الآن لو وجدت شخصاً ليس في بيته عنده مكيفاً، يقول: والله يا شيخ أنا عيشتي شقية، لماذا؟ قال: لا يوجد مكيف، ودرجة الحرارة أربعين لا يصبر عليها، شقي.
حسناً الذي ليس عنده برد ولا شيء وإنما في النار، يقول الله : ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٥] في النار، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠] ينادون يوم القيامة، وهم يقادون إلى النيران، يحصل منهم حسرة ومقتاً واحتقاراً وازدراءً لأنفسهم، فينادون فيقال لهم: إن الله يمقتكم ويبغضكم ويزدريكم ويحتقركم أكثر مما تمقتون أنفسكم، لماذا؟ قال: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] ترفضون الدين، ويوم القيامة يقولون: (ربنا) يعرفون الرب لكن بعد ماذا؟ ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] كنا أمواتاً فأحييتنا، ثم أمتنا ثم أحييتنا، واحدة يا رب، وهي الخروج من النار.
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] هل هناك فكاك من النار؟ لا إله إلا الله! قال الله : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].
ما هذان الأمران الضروريان؟ وأرجو التركيز معي -أيها الإخوة- لأن القضية ليست قضية سماع، إنما قضية مصير، هي قضية سعادة أو شقاء، قضية عذاب أو نعيم، قضية جنة أو نار، هذه من أبرز قضايا الوجود، هي ليست سهلة، ما هي بصفقة ولا أرضية ولا عمارة، ولا امرأة تموت أنت وتتركها، أو تموت هي وتتركك، لا.
هذه طريق شائكة، طريق صعبة، مسألة مهمة، ما هذان الأمران؟ الأمر الأول: أن تعرف من أنت.
الأمر الثاني: أن تعرف لماذا خلقت.
стр. 34
معرفة حقيقة الإنسان من أسباب السعادة
المصيبة كل المصيبة أن الناس لا يعرفون أنفسهم، كيف لا يعرف الواحد نفسه؟! يقول الناظم:
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
أنت لست بالرجل السهل، ويقول ابن القيم:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
هيأك الله لأمر عظيم، خلقك بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأرسل إليك رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأوعدك جنته إن أطعته، وتوعدك بناره إن عصيته، ثم تأتي فترعى مع الهمل، همك بطنك فقط، ماذا نأكل وماذا نتغدى وماذا نتعشى؟ وأين نذهب وعشاء وغداء، وأكياس تدخل وتخرج، وأكثر الناس اليوم ما شغلته إلا أكياس وزبالة، يدخل كيساً ويخرج الزبالة، لا يوجد بيت من بيوت المسلمين، إلا وحوله أكياس سوداء، وعاش المسلم وضاع بين الكيس والزبالة، شخص تقول له امرأته: هات معك، هات معك -تطلب حاجات- قال لها: أنت لا يوجد عندك إلا هات هات، لم تقولين يوماً من الأيام: خذ، قالت: خذ هذا إلى الزبالة.
إذاً من أنت أيها الإنسان؟ المصيبة كما قلت لكم: إن الناس لم يعرفوا ما حقيقة هذا الإنسان، إلا أبسط أجزائه، الإنسان مكون من خمسة أجزاء، عرف الناس واحداً وجهلوا الأربعة الباقية.
стр. 35
العناية بالجسد والسعادة
الجسد هو هذا الذي نعرفه كلنا، عظام مركبة عليها عضلات وأعصاب، وعليها لحم، وأجهزة: جهاز سمعي، وجهاز بصري، وجهاز تنفسي، وجهاز هضمي، وجهاز دموي، وجهاز تناسلي، الأجهزة هذه عرفها الناس، والجسد جزء واحد فقط من الأجزاء، وهو أبسط الأجزاء، ولم يأت في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ الثناء على الناس على قدر أجسامهم، بل جاء الذم، قال الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وجاء الذم في السنة يقول ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) أجل جسمك صغير أو كبير، أبيض أو أسود، طويل أو عريض، سمين أو ضعيف، هذا ليس له قيمة؛ لأنك لست الذي ركبت جسمك، ولا أنت الذي لونت جسمك، ولا أنت قمت بتطويله، الذي ركبك هو الله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦] لا كيفما تشاءون أنتم، هذا هو الجسد، هذا جزء واحد.
الناس الآن لا يعرفون من الإنسان سوى جسده، ولهذا فإن التركيز والأهمية في حياتنا على الجسد، إذا مرض الجسد ماذا نعمل؟ نأتي بالعلاج، وإذا انعدم العلاج في الرياض أين نجده؟ قالوا: علاجك في لندن، فإن كان معه أموال فإنه يحجز بسرعة، وإن لم يكن معه أموال فإنه يبيع بيته، وإن لم يكن عنده بيت فإنه يذهب يطرق أبواب المحسنين والدولة، فيقول: أنا مريض، لا بد أن أسافر، إذا مرض الجسد هذا دواؤه، بينما يمرض القلب والمسجد بجانبه فلا يذهب إليه، بل يأتي الطبيب، طبيب القلوب في المساجد، وتراه يتكلم عن أمراض القلوب، ولا يتطرق إلى كيفية معالجة القلوب من منظور شرعي، لأنه لا يعرف العلاج الشرعي؛ بل يعرف فقط الجسد، وإذا جاع الجسد أطعموه، وإذا عطش الجسد أسقوه، وإذا برد الجسد أدفئوه؛ ملابس شتوية، وإذا احتر الجسد بردوه: مكيفات، ومراوح، وملابس صيفية.
إذاً الحياة عند الناس الآن حياة الجسد، وهل أنت إنسان بجسدك فقط؟ لو أن القضية قضية جسد ففي الحيوانات من هو أكبر منك جسداً.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
стр. 36
قيمة الإنسان وسعادته بروحه
يقول العلماء: إن الروح هي الطاقة المحركة لهذا الجسد، الجسد مثل (الميكرفون)، ما الذي يشغل (الميكرفون)؟ الكهرباء، إذا نزعنا الكهرباء هل يبقى له قيمة، هل يكبر الصوت.
الثلاجة تقوم بتبريد الطعام، ما الذي يجعلها تبرد؟ الكهرباء، إذا نزعنا الكهرباء لم تعد تبرد الطعام، رغم أن الثلاجة موجودة.
الجسد يتحرك، والعين تبصر، من الذي يحركها؟ الروح، إذا صعدت الروح هل تبصر العين؟ العين موجودة لم يذهب شيء، لكن ذهبت الروح المحركة لها.
الأذن تسمع فإذا خرجت الروح لا تسمع، مع أن الأذن موجودة والجهاز السمعي موجود، تأتي فتصيح في سمعه فلا يسمعك، لماذا؟ الذي يحركها ليس موجوداً.
القلب يضخ الدماء، إذا خرجت الروح يقف القلب، لا يتحرك؛ لأنه لا يوجد محرك، وتسمعون الآن عن عمليات زرع الأعضاء، إذا مات الشخص أخذوا قلبه ووضعوه في شخص آخر، حسناً لماذا تحرك هناك ولم يتحرك هنا؟ لأن المحرك الذي هنا خرج وهي الروح، كليته فشلت هنا أخذوها وتحركت هناك، إذاً الحياة ليست في القلب ولا في الكلى، الحياة في الروح.
حسناً ما هي الروح؟ لا نعلمها، عندما سألوا النبي ﷺ عن الروح قال الله له: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وهذه الروح من الأشياء التي استأثر الله بعلمها، ولا نعلم عنها شيئاً إلا بعض صفاتها، بأنها تخرج، وأنها تصعد وأنها إذا مات الإنسان صعدت روحه، ولهذا تجدون الميت إذا مات، فإنه يشخص ببصره، ويسن تغميضه، لماذا؟ لأنه إذا خرجت الروح تبعها البصر، وأن الروح تتوفى عند النوم، وتتوفى عند الموت، قال الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر:٤٢] أي: يتوفاها ﴿فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] حسناً النوم هو وفاة، قد يقول شخص: كيف؟ نقول: الرسول ﷺ أمرنا إذا قمنا من النوم أن نقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) كنا قد متنا في النوم، والروح تخرج من الجسد، وتجلس قريبة منك، ولها صلة بالجسد تحركه لكن من بعيد، بالليزر -كما يقولون- أو (بالريموت كنترول) بعيدة عنك، ولكن تخرج منه حتى يستريح، إذا لم تخرج الروح لا يستريح الإنسان.
ولذلك عندما تأتي نائماً وتتكلم عند أذنه فلا يسمعك، تأتي عند عينه، وتضع أمامها شيئاً فإنه لا يراه، تضع عند أنفه شيئاً لا يشمه، تريده أن يشم ويرى ويسمع، قل له: يا فلان -أيقظه من النوم- فيقول: نعم، فتعطيه الطيب فيشمه، وتريه شيئاً فيراه، وتتكلم معه فيسمعك، لماذا؟ لأن الروح كانت بعيدة، وهي التي تشم، وهي التي تنظر وهي التي تسمع، فكيف تعلقها بالجسد؟ لا نعلم، هل هي موجودة أم غير موجودة؟ قال العلماء: لو تظل الروح في الجسد، لن يستريح الإنسان ولن ينام، ولن يستطيع أن يفعل شيئاً.
لو دخلت إلى بيتك وأنت متعب، ومثقل بهموم العمل، خصوصاً لو كان عملك مهنياً بدنياً، ودخلت إلى البيت وقلت: أبنائي! دعوني أنام، قالت لك امرأتك: هل تريد أن تستريح؟ قلت: نعم.
أريد أن أنام، قالت: خذ راحتك، هذا السرير والمكيف فوقك شغال، لكن لا تنم، وكلما أغمضت عينك فتحت عليك الباب وقالت: استرح استرح، ما رأيك هل تستريح؟ لو تجلس على السرير ستين ساعة فلن تستريح، لكن لو نمت ثلاث أو أربع أو خمس ساعات ثم تقوم بعدها، وإذ بك تقول: لا إله إلا الله! الحمد لله، الحمد لله، استرحت وأصبحت نشيطاً، وقد رجع لك كل نشاطك، وكل قوتك، لماذا؟ لأن الروح خرجت، لو لم تخرج وتدع الجسد يستريح لما استراح أبداً.
هذه الروح لا نعلم عنها شيئاً، ويكفينا من العلم ما علمنا الله، قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وهي كما قلت لكم: بمنزلة الطاقة المحركة للجسد.
стр. 37
حقيقة النفس ووقايتها من الأمراض
إن النفس بمنزلة المستشار فهي التي تقدم الاستشارات للقلب، ومقاييس هذه النفس الاستشارية هي الشهوات، والملذات، والمتع، والراحة، والسهرة، والرحلات، هذه الأشياء النفس تحبها، إذا شاورت نفسك: نسهر؟ قالت نعم لا يهم، إذا شاورتها نأكل؟ وقالت: كل يا رجل، ننام؟ نم.
كل شهوة محببة تحبها النفس، بل كل أمر سيئ تحبه النفس وتأمر به، يقول الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] بالسوء أي: بالشر، هذه طبيعة النفس، لكن يأتي دورك لهذه الطبيعة النفسية، أن تقوم بتغييرها وبمجاهدتها إذا كانت أمّارة بالسوء، تريد أن تنام تقول لها: لا.
انهضي وصلي، تريد أن تغني، تقول: لا والله لا تسمعين الأغاني، تريد أن تنظر إلى الحرام تقول: لا.
وتغض بصرك، تريد الربا من أجل أن تصبح غنياً، تقول: لا.
هذا حرام لا يمكن، وكلما أمرتك هذه النفس بلذة محرمة أو بشهوة ممنوعة قلت لها: لا.
تفطمها، فإذا رأت أنك سيطرت عليها ترقت، وانتقلت من مرتبة النفس الأمارة بالسوء إلى مرتبة النفس اللوامة: وهي التي تفعل الخير ولكنها تحن إلى الشر، ثم تلوم على فعله.
أنت تفعل الخير بنفسك الطيبة، لكن أحياناً توقعك نفسك هذه في شر، فإذا عملته قالت النفس: لماذا تعمله، ما بك أنت ملتزم، أنت متدين، أنت مؤمن، لماذا تنظر إلى الحرام؟ لماذا تستمع إلى الأغاني؟ هذه نفس لوامة، فإذا لامتك وهي التي ورطتك قلت أنت: أنتِ التي أوقعتيني، والله لا أفعلها، فإذا جاهدتها مرة، ومرتين، وثلاثاً، وأربعاً، وعشراً، ارتقت إلى مرتبة النفس المطمئنة، التي اطمأنت إلى دين الله وسكنت إلى أمره، واستراحت بتنفيذ شرعه، وهنا تعيش أكمل عيشة، ولا يجد لك رب العالمين حينها مجال إلا أن ينقلك إلى الجنة، ويناديك عند الموت ويقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] ولذا يقول العلماء: إن مجال الإصلاح في حياتك هو إصلاح نفسك، قال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٩] ويقول : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
ودائماً النفس -بحكم طبيعتها الشريرة- ورغبتها في الخمول، وكراهيتها للقيود، تحب الانفلات، وتحب الدعة، وتحب عدم الإلزام بشيء، ولذلك ترى أنك إذا كنت طالباً في ليالي الامتحان، تنظر إلى الكتاب المقرر الذي فيه الاختبار غداً، تراه أكره شيء، كأنه حيات وعقارب أمامك، ولكن أي صحيفة أو مجلة أو كتاب آخر تريد أن تقرأه كله، لماذا؟ لأن النفس مكرهة على ذاك، وغير مطلوب منها هذا، فتميل إلى هذا وتكره ذاك، لكن ماذا تفعل أنت؟ إذا كنت عاقلاً وحازماً ولبيباً وذكياً، تقول: لا يا نفس، ليس عندنا اختبار في الصحيفة ولا في هذا الكتاب هذا، والله لا بد أن تقرأي الكتاب المقرر عليك غصباً عنك، فتستسلم لك، ولهذا فالنفس هذه يقول العلماء عنها: إنها مثل الدابة، إن وجدت خيالاً ماهراً، ركب عليها، وشد زمامها، وتركها تمشي ولم يجعلها تبرك، وإن لقيت خيالاً ضعيفاً، رمته وركبت عليه، ورفسته ومشت عليه، وكذلك أنت إن كنت مسيطراً على نفسك، تقهرها وتزجرها عن المعصية، وتجبرها على الطاعة، استسلمت وأذعنت، وهذا شأن السلف ﵏، كانوا يجاهدون أنفسهم جهاداً عنيفاً، كان بعض السلف إذا فاته ورده من الليل، أخذ السوط وأخذ يضرب أرجله، وقال: والله إنك لأولى بالضرب من دابتي، ماذا يفعل هذا في الليلة الثانية هل ينام؟ يقوم، لماذا؟ لأن أرجله خائفة من العصا.
وآخر خرج يوماً من الأيام من بيته، فرأى بيتاً مرتفعاً فقال: لمن هذا البيت؟ قالوا: لفلان، ويوم أن رجع في الليل يريد أن ينام، قام يراجع ويحاسب نفسه على الأقوال التي قالها، فوجد هذه الكلمة فقال: أنت خرجت بعد الظهر اليوم، ورأيت عمارة وقلت: لمن هذه العمارة، قال: يا نفس ماذا تريدين بهذه الكلمة؟ تريدين عمارة مثلها، لا تريدين أن تشتغلي بطاعة الله، تريدين أن تشتغلي بما عند الناس، يقوم فيلومها، ثم قال: والله لأعاقبنك بصيام سنة، فصام سنة من أجل كلمة، هل ستعود نفسه توسوس له، حسناً هؤلاء عرفوا كيف يعالجون أنفسهم، جاهدوها مجاهدة صحيحة حتى أذعنت واستسلمت وسارت في ركاب الطاعة، واستسلمت لأمر الله ﵎.
إذاً دورنا -أيها الإخوة- جهاد هذه النفس وعلاجها، وقصرها على الطاعة، وزجرها عن المعصية.
هذه النفس لها أساليب ووسائل في عملية تحسين الشر والمعاصي، مثلاً: الزنا تأتي النفس فلا تبديه لك بالصورة الطبيعية، ما هو الزنا؟ الزنا عار الزنا شنار الزنا إسقاط للاعتبار الزنا فصل من الوظيفة الزنا جلد في السوق كما يجلد الحمار الزنا -إن كنت محصناً وسبق لك الزواج- رجمٌ بالحجارة حتى تموت الزنا إدخال لك في قائمة السوابق الزنا إفساد لعرض مسلم الزنا إيجاد لولد غير شرعي يعيش بدون أب، ويبقى عالة على المجتمع من أجل شهوة تقضى في دقيقة أو دقيقتين أو خمس دقائق، هذا هو الزنا.
إذا بدا لك الزنا بهذه الصورة هل تقبله؟ لا.
لكن النفس الأمارة بالسوء لا تظهر الزنا بهذه الصورة، كل هذا تخفيه، وتقول: الزنا لذة الزنا متعة الزنا فرصة أنت دائماً مع امرأتك، لا.
بدِّل غيرها كل طعام له لون وكل طعام له طعم، هذه حقيقة النفس، فإذا جاء العقل يقول لها: لا يا نفس! أنت مخطئة، الزنا كذا وكذا، تقول: صدقت، لكن هذا إذا اكتشفت، لكن يا رجل دبر نفسك، اعمله ولن يراك أحد، قال لها العقل: إذا لم يرني الناس الله يراني، قالت النفس: يا ابن الحلال! الله غفور رحيم، من أجل أن توقعك في هذه الجريمة، هذه أساليب النفس؛ لأنها أمارة بالسوء، لكن أنت خالفها وخالف النفس والشيطان واعصهما؛ لأن في معصية الشيطان والنفس، سعادتك في الدنيا والآخرة.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
هل رأيتم طفلاً صغيراً ينفطم على ثدي أمه هكذا من نفسه؟ لا.
لو تركته يرضع لظل يرضع حتى وهو كبير، لكن افطمه بالقوة، ضع في فمه قليل صبغ أو قطراناً وعندما يأتي ويذوقه فإذا به مر، فيبكي يوماً أو يومين أو ثلاثة وانتهى، هكذا النفس، نفسك تحب الأغاني افطمها تنفطم، نفسك تحب النظر إلى الحرام افطمها تنفطم، لكن تظل ترضعها كل يوم فكيف تنفطم، لا بد -أيها الإخوة- من أخذ المسألة بجدية وبحزم وبقوة حتى تنفطم هذه النفس، على ترك الذنوب والمعاصي والآثام.
стр. 38
العقل ميزان المصالح والمفاسد
إن العقل يسميه العلماء: المستشار الثاني للقلب، ومقاييس هذا المستشار غير مقاييس النفس، النفس مقاييسها الشهوات، والعقل مقاييسه المصالح والمفاسد والآثار والنتائج، والمقدمات والضروريات، لكن قد يقول العقل شيئاً للقلب ويرفضه القلب بناءً على سيطرة النفس.
الآن أعطيكم مثالاً: كثير من الأشياء ندرك بعقولنا ضررها، ومع هذا نقع فيها، أنا أسأل الذي يركِّب الصحن المستقبل فوق بيته، أسأله بالله، ألا يدرك أن فيه ضرراً على دينه، وعقيدته، وأخلاقه، وأخلاق زوجته، وأخلاق ولده وأسرته؟ يقول: نعم.
فيه ضرر.
حسناً لماذا تأتي بالضرر إلى بيتك؟ يقول: والله الأولاد أزعجوني، والمرأة رفضت، كل يوم وهي عند الناس، أنا آتي لها بهذا من أجل أن أتخلص منها ومن شرها.
إذاً فإن سيطرة النفس، وشهوة الزوجة، وشهوة الولد، أقوى من رأي العقل، رفض العقل وأتى بالصحن المستقبل وأمطر بيته وزوجته بكل ما يسخط الله ويغضبه، وخان الأمانة التي بينه وبين الله، أولادك أمانة وزوجتك أمانة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] إنها أمانة قال الله لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] وأنت لم تقهم النار، بل اشتريت لهم النار، وأمطرت عليهم النار من فوق، العقل يقول: فيه ضرر، لكن النفس تقول: لا يا شيخ! الناس كلهم وضعوه على بيوتهم، انظر إلى الأخبار، ماذا يهمك من الأخبار؟ وزير الخارجية أنت؟ تريد الأخبار تنتقل من إذاعة إلى إذاعة، إن هذا يجعلك تنظر إلى المسلسلات، ويجعل أولادك يتعلمون منه الأخلاق السيئة، ويصبح قدوة أولادك، من يصبح شيخاً لأولادك؟ الممثلون والممثلات، تصبح ثقافة ولدك أو ابنتك: هل تعرف الممثل الفلاني، والمطرب الفلاني، والمغني الفلاني، واللاعب الفلاني؟ ولا يعرفون من الصحابة أحداً، ولا من الصالحين أحداً، ولا يعرفون من العلماء أحداً، إنما همومهم وتعلقاتهم وآمالهم وثقافتهم هذه الأشياء الضحلة، ويترتب على هذا جيل ضائع ضال لا يعرف الله حق المعرفة، كما هو حال أجيال الكفار -والعياذ بالله-.
أيها الإخوة! هذه الشرور هي زبالة أفكار الكفار، والقنوات تجلب عليك كل ما عند الكفار، وتركبه وتضع أموالاً فيه، وعقلك يقول لك: إن هذا ليس طيباً، لكن شهوة النفس تطغى على رغبة العقل.
مثال ثانٍ: التدخين: المدخن الآن يعرف أن الدخان ضار، ويقرأ على العلبة: التدخين يضر بصحتك، فننصحك بالامتناع منه، ومع هذا تجده يدخن.
العقل يقول لك: إنه ضار، والنفس تقول: يا شيخ! دخن وسوف تنجلي همومك، يا رجل! أنت عندك هموم ومشاكل، وإذا دخنت فإنك ترى الدنيا كلها، فرفض أمر العقل، واستجاب لشهوة النفس؛ لضعف عقله ولقوة سيطرة نفسه.
التدخين يضر بإجماع الناس، حتى الشركة تكتب عليه أنه مضر، كل شركة تصنع أي صنعة فإنها ترسل دعاية للصنعة التي تقوم بصناعتها إلا الدخان فإنهم أرسلوا دعاية ضد الصنعة، وكل طعام عليه تاريخ صلاحية ابتداء وانتهاء، إلا الدخان تجده منتهياً من يوم أن قاموا بصنعه، ليس له تاريخ صلاحية، ومع هذا لا أحد يسأل عن هذا، لو اشتريت علبة لبن بأربعة ريالات، ولقيت عليها تاريخ الصلاحية منتهياً، تأخذها أم تذهب فتشتكي وتمسك صاحب اللبن وتصيح عليه: كيف تبيع هذا الشيء وهو منتهي الصلاحية؟ هذه انتهت صلاحيتها في ٣٠/ ١٢ واليوم نحن في شهر ٢ وأنت تبيعها، وتأخذ اسمه وتبلغ البلدية، لكن عندما تشتري الدخان وقد انتهت صلاحيته في بلده، من يوم أن صنعوه، قالوا: هذا يضرك، لكن لا.
سأدخن، لماذا؟ لأن العقل مرفوض الأمر، بينما النفس الأمارة بالسوء هي الآمرة، أمرت بشهوة الدخان، فنفذها الإنسان لضعف عقله، ولمرض قلبه.
ويقول العلماء: إن النفس إذا قويت مرض القلب، إذاً هي عملية موازنة، إذا سلم القلب وتقوى، ضعفت النفس، وإذا قويت النفس وسيطرت، ضعف القلب، ويبقى العقل يأتي بأفكار لكن لا أحد يطيعه، يأتي بآراء لكن لا أحد ينفذ آراءه.
إذاً العقل هذا كيف نجعل آراءه سليمة؟ قالوا: ينور بنور الدين، والقرآن، ويتعلم العقل الأنوار من كتاب الله، ومن سنة النبي ﷺ ، ويهتدي بالتفكير وبالتأمل وبالنظر في الآيات الكونية، وفي الآيات القرآنية، إلى أن يصدِّر آراء صالحة مع إصلاح النفس، فتجتمع آراء النفس مع آراء العقل إلى القلب فيصلح القلب، هذا هو الجزء الرابع.
стр. 39
صلاح القلب واستقامته صلاح للبدن
الجزء الخامس والأخير والمهم في الإنسان وهو القلب سماه العلماء بهذا الاسم؛ لأنه ملك الجوارح، وسيد الأعضاء، وسماه النبي ﷺ بالمضغة؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، والحديث في الصحيحين، قال النبي ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) وهذا هو ميدان العمل على الإصلاح، لم تهتم الشرائع إلا بإصلاح القلوب؛ لأن القلوب تمرض كما تمرض الأجساد، والقلوب تعمى كما تعمى الأبصار قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وأخبر الرسول ﷺ ، وأخبر الله في القرآن الكريم أن القلوب تمرض، قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] وقال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] هذه كلها بيان على أن القلب يمرض، لكن كيف يمرض القلب؟ قالوا: مرض القلب هو عجزه عن القيام بوظيفته الآن العين إذا عميت قالوا: مريضة لماذا؟ لأنها عجزت عن القيام بوظيفتها، وهي الرؤية.
الأذن، ما هي وظيفتها؟ السماع، إذا لم تسمع قالوا: صمّاء مريضة.
اليد ما هي وظيفتها؟ الحمل، إذا عجزت عن الحمل قالوا: يد شلَّاء.
الرِّجل ما هي وظيفتها؟ المشي، إذا انكسرت الرجل وعجزت عن المشي، قالوا: رجله مكسورة مريضة.
والقلب ما هو وظيفته؟ معرفة الله، معرفة دين الله، معرفة رسول الله، إذا لم يعرف الله ولم يعرف دين الله ولا عرف رسول الله ﷺ فقلبه مريض؛ لأنه لم يقم بوظيفته.
ما أنواع مرض القلب؟ ثلاثة أمراض: مرض شبهة، ومرض شهوة، ومرض غفلة، هذه هي الأمراض التي تصيب القلب.
١ - مرض شبهة: يورث شكاً في الدين.
٢ - ومرض شهوة: يورث تقديم الهوى على أمر رب العالمين.
٣ - ومرض غفلة: يورث نسيان الله والدار الآخرة، والجنة والنار، فيتقيد القلب، يصبح محاصراً من كل جهة، مريضاً بالشهوات ومريضاً بالشبهات ومريضاً بالغفلات، فيتعطل عن أداء وظائفه كاملة، ويبقى فاسداً: (وإذا فسدت فسد الجسد كله) إذا فسد القلب فسدت العين، وفسد اللسان، وفسدت الأذن، وفسدت اليد، وفسد الفرج، وفسدت الحياة، كلها، لماذا؟ لأن القلب فاسد.
إن شباب الصحوة الذين ترونهم الآن -أسأل الله أن يكثرهم ويبارك فيهم ويوفقهم- هذا شاب ملتزم ما الذي صلح فيه؟ لقد كان مغنياً أو لاعباً، أو لاهياً، أو عابثاً، أو قليل دين، أو قاطع صلاة، أو عاقاً لوالديه أو -والعياذ بالله- لا يعرف المسجد، ولا يعرف دين الله، لكن فجأة هداه الله، ما الذي صلح فيه أولاً؟ إنه قلبه، عندما صلح قلبه، قال لعينه التي تنظر إلى الحرام: والله لا تنظرين إلى الحرام، قالت: حسناً، وصار أكره شيء عنده الحرام.
إذا رأى امرأة كأنه رأى عفريتاً، لقد كان يتلذذ بسماع الأغاني أما الآن إذا سمع أغنية تراه يصيح: أغلق، كأنها رصاصة دخلت في أذنه كان يكره الأذان، أما الآن فإن أحب شيء عنده إذا سمع: الله أكبر! أحب شيء عنده أن يدخل المسجد ويصلي، أحب شيء عنده يرى العلماء والمشايخ والدعاة، أحب شيء عنده أن يقرأ القرآن، ما سبب صلاح هذه الجوارح؟ إنه صلاح القلب.
إذاً عليك أن تسعى لإصلاح قلبك؛ لأنك لا تنتفع إذا لقيت الله إلا بقلبك السليم، يقول الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سليم من ماذا؟ قالوا: سليم من الشك، والشبهة والشهوة والغفلة.
ما هي أمراض الشبهات؟ هي الشكوك التي يزرعها الشيطان في قلب الإنسان في قضايا العقيدة والإيمانيات: شك في الله، وفي رسول الله، وفي دين الله، وفي الجنة، وفي النار، وفي البعث، وفي عذاب القبر، وفي الملائكة، وفي الجن.
من الذي يزرع هذه الشكوك؟ إنه الشيطان ليزعزع عقيدتك، وأنت لم تؤمن بهذه القضايا جزافاً بل آمنت بها بناءً على وعد وخبر صادق من الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً)) [النساء:١٢٢] ً، من أحسن من الله قولاً، يقول الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، أنت لم تؤمن بهذه القضايا من فراغ، ولا ورثتها، بل آمنت بها من كتاب عظيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، جاءك به رسول هو أصدق البشر، والله ما على وجه الأرض من هو على الحق إلا المسلم، ولا يملك أحد وثيقة صحيحة من عند الله ليس فيها زيادة حرف أو نقص حرف إلا المسلم، كتاب الله المحفوظ، المتلو، المسطر في السطور، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فنحن نصدق بهذه الأخبار؛ لأن الله أخبرنا بها، يأتي الشيطان يزعزع، لكن إذا وجد منك اليقين انصرف، فمرض الشبهة أخطر مرض على القلب؛ لأنه يورث الشك، وإذا شككت في دين الله كفرت: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قالوا: الفتنة هي الشك في دين الله.
مرض الشهوة أن تتصارع في نفسك، وتتصادم شهوات النفس مع أوامر الرب، مثل شهوة النوم عند صلاة الفجر، الله أمر أن تقوم لصلاة الفجر في الساعة الرابعة، وأنت في الساعة الرابعة تقول لك النفس: هذه أحسن ساعة للنوم، فصار صراع داخلي بين شهوة محببة وهي النوم، وبين طاعة مفروضة وهي الصلاة، مع من أنت؟ إن كنت قمت فأنت مع الله، وقلبك سليم، وإن نمت عن صلاة الفجر فقلبك مريض؛ لأنك أطعت شهوتك، ورفضت أمر خالقك ومولاك.
شهوة النظر إلى النساء، تمر وترى منظراً، وأنت إنسان، وعندك ميول ورغبات، وزين لك هذا الشيء، يقول الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] أول شيء: النساء، لكن هذا المنظر يتعارض مع أمر من أوامر ربك، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] فأنت بين وازع ودافع، وازع ديني ودافع شهواني، الوازع الديني يقول: حرام، والدافع الشهواني يقول: انظر، لا يفوتك المنظر، إن غضيت بصرك إذاً قلبك سليم، وإن فتحت عينك إذاً قلبك مريض، وقس على هذا.
مرض الغفلة: وهو أن تنسى الله، ويشغلك الشيطان، بحيث لا يبقى عندك من الوقت شيء تذكر الله فيه، يقول لك: الآن عمل، وبعده غداء، وبعده نوم، وبعده شراء حاجات البيت، وبعد ذلك سهر، وأفلام، ولعب، وبلوت، وتستمر على هذا، هذا برنامج أكثر الناس من حين يصبح إلى أن يصبح اليوم الثاني لم يذكر الله، ولا يعرف مسجداً لله، ولا يعرف أنه مسئول عن دين الله، ولا يعرف أنه مطلوب منه أن يدعو إلى الله، ولا يعرف أن هناك جنة أعدها الله، ولا يعرف أن هناك ناراً توعده الله بها، إنه غافل، والغافل كما يقول العلماء: يجعل الله بينه وبين الهداية حجاباً، لا يمكن أن يهديه الله وهو غافل، يقول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق﴾ [الأعراف:١٤٦] يعني: سأصرف عن هدايتي ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] لماذا يا رب؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
هذا هو السبب، السبب أن الله أعمى بصائرهم، يرون طريق الحق ولا يسلكونه، ويرون طريق الباطل ويسلكونه، لماذا؟ لأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.
لكن كيف نعالج القلوب من هذه الأمراض الثلاثة؟ قال العلماء: علاج مرض الشبهة باليقين، اليقين الجازم على أخبار الله، والتصديق الكامل بها.
وعلاج مرض الشهوة بالصبر، بالصبر عن الشهوات، صحيح أن الزنا فيه لذة؛ لكن يوردك النار ويحرمك من الجنة، ذلك الرجل الذي قالت له المرأة: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
فماذا أعطاه الله؟ نجاه الله من النار في الدنيا، وسينجيه الله من النار في الآخرة.
شهوة النظر إلى الحرام فيها لذة، لكن يقول: لا.
أريد أن أنظر بهذه العين إلى وجه الله الكريم في الآخرة.
شهوة الأغاني فيها متعة، لكن أريد أن أسمع بهذه الأذن خطاب رب العالمين في الجنة والدار الآخرة.
شهوة المال الحرام فيها متعة، لكن لا.
أريد أن يعوضني الله خيراً منه في الدنيا والآخرة، وهكذا عليك أن تقاوم الشهوات بالصبر، فاصبر، ولهذا جاء الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، وهو بمنزلة الرأس من الجسد، والذي لا صبر له لا دين له، ولا ينال شخص مطلوبه في الدنيا والآخرة إلا بالصبر.
الآن الطالب الذي لا يصبر على الدراسة والامتحانات، هل ينجح؟ لا.
لكن لو صبر فإنه ينجح، حتى يحصل على وظيفة ويكون له راتب، لكن إذا لم يصبر على الدراسة، كان فاشلاً وضائعاً ومنحرفاً، كذلك الذي يريد أن ينال الجنة، لا بد أن يصبر عن الشهوات.
أما علاج الغفلة فيكون بذكر الله، وبقراءة القرآن، وبمجالسة العلماء، وبالإكثار من التفكير ومعرفة الهدف من خلقك -أيها الإنسان- هذا هو العلاج لهذه الأمراض الثلاثة، وقد جاءت في كتاب الله في قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] أي: عن الشهوات ﴿وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] أي: عن الشبهات، يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين، ثم قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [ا
стр. 40
الحكمة من خلق الإنسان
إن قضية أن تعرف: لماذا خلقت؛ ولماذا جئت؛ معضلة ضل فيها كثير من الناس، ولا تغتروا بهؤلاء الكفار الذين سَبَحُوا في الفضاء، واخترعوا الذرة، ولهم منجزات وطائرات وعلوم حاسوب، لكنهم مساكين لا يعرفون من الحياة الحقيقية شيئاً، يقول الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] يعني: شيئاً بسيطاً ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] هؤلاء مساكين حُرِمُوا نعمة العلم بحقيقة الأمور، تسأل المخترع الكبير منهم فتقول له: لماذا خلقت؟ يفكر، فيقول: خلقت لأجل أن أعيش مع الناس.
- حسناً! لماذا تعيش؟ فيفكر وإذا به يقول: أعيش لكي آكل وأنكح.
- حسناً لماذا تأكل وتشرب وتنكح؟ - قال: لأجل أن أعيش؛ لأنني لو لم آكل لمت.
- حسناً ومن أجل ماذا تعيش؟ - من أجل أن آكل.
- حسناً ولماذا تأكل؟ - قال: من أجل أن أعيش.
وبعد ذلك يعيش ليأكل ويأكل ليعيش، حلقة مفرغة، وبعد ذلك؟ قال: أموت.
- حسناً لو أن الله خلقك من أجل أن تموت، لتركك ميتاً، يجعلك الله تسعة أشهر في بطن أمك، وتعاني منك ثم يخرجك، وتعيش أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، ثم تعيش في معاناة وفي تعب من أجل أن تموت؟!! لا والله، ما خلقك الله من أجل هذا، هذا عبث، بل خلقك الله لسر، وهنا -أيها الإخوة- يقول العلماء: إنه لا احتمال لخلق الإنسان إلا لغرضين: إما أنه خلق عبثاً، وإما أنه خلق لحكمة، هل هناك احتمال ثالث؟ لا.
إما أن الإنسان خلق عبثاً، أي: ليس له حكمة، أو أنه خلق لحكمة.
أما الاحتمال الأول أنه خلق عبثاً فقد أبطله الله وتنزه عنه، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أظننتم أن الله خلقكم عبثاً، وأنكم لا ترجعون إلى الله، ثم قال : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] تعالى الله أن يخلقك عبثاً، كيف يخلقك عبثاً بهذا التنظيم، وبهذه الدقة، وبهذا الإحكام، وبهذا الإعجاز؟ تفكر في نفسك في كل خلية من خلاياك، في كل ذرة من ذرات جسمك، في كل جزئية من جزئياتك، تجد أن هناك حكمة، هذه اليد لم تخلق إلا لحكمة، هناك ستة مفاصل، لماذا كانت ستة مفاصل؟ لأجل أن تستعملها يدك، لو أن الله أعطاك يداً ولا يوجد فيها مفصل، بل كانت قائمة، ماذا تصنع بها، هل تستفيد منها، وهل تستطيع أن تحمل بها شيئاً؟ لا.
لا شيء يمسك، لو أن الله لم يجعل يديك في مكانها وجعلها في أرجلك، ماذا تفعل عندما تريد أن تحك رأسك؟! لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم، تحك بها رأسك ورجلك سوى، من الذي جعل اليد هنا؟ إنه الله الذي ركب عيونك في رأسك.
لو أن الله وضع عيونك في أرجلك، وتريد أن ترى الذي هناك، لا بد أن تنقعر وترفع أرجلك حتى تنظر إليه، من الذي أجرى في عينك الملح؟ الآن عندما تأخذ من عينك دمعاً وتذوقه، تجد طعمه مالحاً؛ لأن عينك هذه شحمة ولو لم يوجد ملح فيها فإنها تعفن.
من الذي جعل في أذنك صمغاً مراً؟ إنه الله، فأنت عندما تنظف أذنك بالعود، خذ منه وتذوقه تجد طعمه أمرَّ من الصبر، لأجل أن الحشرات لا تدخل في أذنيك؛ لأنه إذا لم توجد هذه المادة المرة امتلأ سمعك بالحشرات، وعندما يأتي القمل وأنت نائم فإنه يشم الرائحة ويرجع؛ لأنه توجد هنا مادة صمغية تطرد هذه الحشرات.
حسناً من الذي أجرى في فمك اللعاب، الذي هو أحلى من العسل؟ من الذي حلى هذا، وملح هذا، وأمرَّ هذا؟ يقولون: الطبيعة العمياء الصماء البكماء، هل تستطيع أن تخرج ملحاً وصمغاً ومراً وعذباً؟!! من الذي جعل هذه الورشة في الفم لتقطيع الطعام، وتجهيزه وخلطه، وتقليبه، حتى يجهز الطعام، فإذا تجهز نزل، واستقبله المري، ويستعين بالبلعوم؛ لأن البلعوم يوصل الهواء والمري يوصل الطعام، وبين هذين الاثنتين قطعة لحم اسمها اللهاة، واسمها في العلوم لسان المزمار، هذه اللهاة تصدر أمراً إذا نزل الطعام أن تقفل فتحة الهواء، وإذا نزل الهواء أقفلت فتحة الطعام، ولو نزلت في فتحة الهواء حبة أرز أو قطرة ماء ماذا يحدث لك؟ وتموت، لكن هل تموت من شرقة؟ لا.
الذي حفظك أرسل إشعارات للرئة: إن هناك شيئاً غريباً دخل عليكم فأخرجوه، فيبدأ يسعل حتى يخرجها، لا إله إلا الله! من خلق هذا الخلق ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] هل خلقك عبثاً من أجل أن تموت، وتأكلك الدود في التراب؟ لا والله، يقول الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] تعالى الله، ويقول في آية ثانية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص:٢٧] أي: لعباً وعبثاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] أي: عبثاً ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨].
إذاً الاحتمال الأول: أن الله خلق الإنسان، وخلق الكون عبثاً، هذا باطل؛ لأنك أيها الإنسان لا تفعل شيئاً عبثاً، فلو ذهبنا إلى شخص في مزرعته، وعنده جرافة، وصاحب الجرافة يحفر حفرة، وجاء أولاد فقالوا: يا أبي! ماذا تصنع بهذه الحفرة؟ قال الأب: أريد من صاحب الجرافة أن يحفر حفرة هكذا عبثاً، ماذا يقول له أولاده؟ يقولون: والله إن أبانا مجنون، ليس بعقله، يجعل الجرافة تحفر في المزرعة بدون غرض، هذا عبث، هل يعقل أن الله يخلق سماوات وأرضاً وجبالاً وأشجاراً وأنهاراً ومجرات وكواكباً ونجوماً وبحاراً عبثاً؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
أجل كونه خلقنا عبثاً وخلق السماوات باطلاً إذاً لماذا خلقنا الله؟ لحكمة، ما هي الحكمة؟ نعرفها نحن؟ لا.
إذاً من يعرفها؟ الخالق؛ لأننا لم نخلق أنفسنا حتى نعرف الحكمة من ذلك! لو أنك خلقت نفسك فإنك تعرف لماذا خلقت نفسك، لكنك لم تخلق نفسك، الله الذي خلقك، والله الذي أتى بك، وما أخذ رأيك، إذاً من خلقك؟ الله، يا ألله لماذا خلقتنا؟ قال في كتابه الكريم، فهو لم يدع الناس هكذا ضالين بدون هداية، وبدون عناية قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فقط، إذاً هذه وظيفتهم، ما هي المهمة وما هو دورك؟ العبادة، الله خلقك من أجل أن تعبده، إذا عبدته فأنت صالح، وإذا لم تعبده فأنت فاسد؛ لأنك لم تؤد دورك، هذا (الميكروفون) ما دوره؟ تكبير الصوت، إذا كبر الصوت صار صالحاً، وإذا لم يكبر الصوت صار فاسداً، فنذهب به إلى المهندس.
الثلاجة دورها تبريد الطعام، إذا وضعنا الطعام فيها ولم تبرده، قلنا: الثلاجة فاسدة، وإذا برَّدت قلنا: الثلاجة صالحة.
هذا المكيف مهمته تبريد الجو، إذا اشتغل وبرد الجو قلنا: ما شاء الله مكيف صالح، وإذا لم يتشغل لم يبرد الجو قلنا: المكيف فاسد.
السيارة مهمتها حمل الركاب، إذا لم تمش نقول: السيارة فاسدة.
فأنت مهمتك العبادة، وإذا لم تعبد الله تصبح فاسداً، ماذا نعمل بك؟ نصلحك، وأين نصلحك؟ عند الذي يصلح (الميكروفون)، من هي؟ شركة (الميكروفونات)، والذي يصلح المسجلات شركة المسجلات، والتي تصلح السيارة شركتها التي صنعتها، وأنت يصلحك الذي صنعك، ما رأيكم إذا خرب (الميكروفون) وذهبنا به إلى صاحب البنشر، وقلنا له: أصلحه، فأخذه وقام بتشحيمه، وتعبيته زيتاً، هل يصلح أم يتعطل؟ يتعطل؛ لأنه ليس الذي صنعه، أنت إذا فسدت ذهبنا بك إلى غير الله، هل يصلحك؟ لا.
لا يصلحك إلا الذي خلقك.
حسناً أين علاجك وصلاحك؟ علاجك في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ؛ لأن الله أنزل عليك كتاباً لتعمل به، أي شركة تصنع ثلاجة أو سيارة أو مسجلة، أو أي شيء يضعون معه كتاب تشغيل، كيف تشغل هذا الجهاز، فإذا قمت بتشغيل الجهاز وفق تعليمات الكتاب بقي الجهاز سليماً، أما إذا قمت بتشغيل الجهاز على غير وفق تعليمات الكتاب صار الجهاز فاسداً.
فصلاح الإنسان -أيها الإخوة- إنما يأتي إذا عمل في حياته بموجب تعليمات خالقه، عينك تستخدمها في النظر فيما أحل الله من مخلوقات الله، وتغض عن محارم الله، إذا استعملتها فيما حرم الله، وعطلتها عن النظر في كتاب الله وفيما أحل الله، فإنها تصبح عيناً فاسدة.
هذه الأذن تستخدمها في سماع القرآن والحق، فإذا أسمعتها الباطل استعملتها على غير تعليمات خالقها.
هذا اللسان وظيفته ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق، فإذا لم تستخدمه في هذا، واستخدمته في الأغاني واللعن والسب والشتم والنم والكذب -والعياذ بالله- استعملته على غير تعليمات الخالق، إذاً أنت أفسدت هذا الجهاز، وأفسدت نفسك، فأصلح نفسك والجأ إلى الله في إصلاح نفسك واقتد برسول الله ﷺ ، وقد أمرنا الله أن نطيعه، قال الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
أيها الإخوة: إن الهدف من وجودنا هو العبادة، أنت عبد، ولك شرف أن تكون عبداً؛ لأنك عبد لله، لست عبداً لدرهم أو لدينار أو لشهوة أو لنزوة أو لزوجة أو لأحد، بل أنت عبد لرب كل أحد، وهذه أعلى درجات العزة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤] كل شيء عبد لله، لكن هناك عبودية قهر وإذلال، وهناك عبودية تشريف وتكريم وهي عبودية المسلم.
فيا أيها الإخوة في الله! إذا أردنا السعادة بحذافيرها، فلنعرف من نح
следующие страницы →