Полный текст (2 982 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قيمة الإنسان وسعادته بروحه
يقول العلماء: إن الروح هي الطاقة المحركة لهذا الجسد، الجسد مثل (الميكرفون)، ما الذي يشغل (الميكرفون)؟ الكهرباء، إذا نزعنا الكهرباء هل يبقى له قيمة، هل يكبر الصوت.
الثلاجة تقوم بتبريد الطعام، ما الذي يجعلها تبرد؟ الكهرباء، إذا نزعنا الكهرباء لم تعد تبرد الطعام، رغم أن الثلاجة موجودة.
الجسد يتحرك، والعين تبصر، من الذي يحركها؟ الروح، إذا صعدت الروح هل تبصر العين؟ العين موجودة لم يذهب شيء، لكن ذهبت الروح المحركة لها.
الأذن تسمع فإذا خرجت الروح لا تسمع، مع أن الأذن موجودة والجهاز السمعي موجود، تأتي فتصيح في سمعه فلا يسمعك، لماذا؟ الذي يحركها ليس موجوداً.
القلب يضخ الدماء، إذا خرجت الروح يقف القلب، لا يتحرك؛ لأنه لا يوجد محرك، وتسمعون الآن عن عمليات زرع الأعضاء، إذا مات الشخص أخذوا قلبه ووضعوه في شخص آخر، حسناً لماذا تحرك هناك ولم يتحرك هنا؟ لأن المحرك الذي هنا خرج وهي الروح، كليته فشلت هنا أخذوها وتحركت هناك، إذاً الحياة ليست في القلب ولا في الكلى، الحياة في الروح.
حسناً ما هي الروح؟ لا نعلمها، عندما سألوا النبي ﷺ عن الروح قال الله له: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وهذه الروح من الأشياء التي استأثر الله بعلمها، ولا نعلم عنها شيئاً إلا بعض صفاتها، بأنها تخرج، وأنها تصعد وأنها إذا مات الإنسان صعدت روحه، ولهذا تجدون الميت إذا مات، فإنه يشخص ببصره، ويسن تغميضه، لماذا؟ لأنه إذا خرجت الروح تبعها البصر، وأن الروح تتوفى عند النوم، وتتوفى عند الموت، قال الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر:٤٢] أي: يتوفاها ﴿فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] حسناً النوم هو وفاة، قد يقول شخص: كيف؟ نقول: الرسول ﷺ أمرنا إذا قمنا من النوم أن نقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) كنا قد متنا في النوم، والروح تخرج من الجسد، وتجلس قريبة منك، ولها صلة بالجسد تحركه لكن من بعيد، بالليزر -كما يقولون- أو (بالريموت كنترول) بعيدة عنك، ولكن تخرج منه حتى يستريح، إذا لم تخرج الروح لا يستريح الإنسان.
ولذلك عندما تأتي نائماً وتتكلم عند أذنه فلا يسمعك، تأتي عند عينه، وتضع أمامها شيئاً فإنه لا يراه، تضع عند أنفه شيئاً لا يشمه، تريده أن يشم ويرى ويسمع، قل له: يا فلان -أيقظه من النوم- فيقول: نعم، فتعطيه الطيب فيشمه، وتريه شيئاً فيراه، وتتكلم معه فيسمعك، لماذا؟ لأن الروح كانت بعيدة، وهي التي تشم، وهي التي تنظر وهي التي تسمع، فكيف تعلقها بالجسد؟ لا نعلم، هل هي موجودة أم غير موجودة؟ قال العلماء: لو تظل الروح في الجسد، لن يستريح الإنسان ولن ينام، ولن يستطيع أن يفعل شيئاً.
لو دخلت إلى بيتك وأنت متعب، ومثقل بهموم العمل، خصوصاً لو كان عملك مهنياً بدنياً، ودخلت إلى البيت وقلت: أبنائي! دعوني أنام، قالت لك امرأتك: هل تريد أن تستريح؟ قلت: نعم.
أريد أن أنام، قالت: خذ راحتك، هذا السرير والمكيف فوقك شغال، لكن لا تنم، وكلما أغمضت عينك فتحت عليك الباب وقالت: استرح استرح، ما رأيك هل تستريح؟ لو تجلس على السرير ستين ساعة فلن تستريح، لكن لو نمت ثلاث أو أربع أو خمس ساعات ثم تقوم بعدها، وإذ بك تقول: لا إله إلا الله! الحمد لله، الحمد لله، استرحت وأصبحت نشيطاً، وقد رجع لك كل نشاطك، وكل قوتك، لماذا؟ لأن الروح خرجت، لو لم تخرج وتدع الجسد يستريح لما استراح أبداً.
هذه الروح لا نعلم عنها شيئاً، ويكفينا من العلم ما علمنا الله، قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وهي كما قلت لكم: بمنزلة الطاقة المحركة للجسد.
стр. 37
حقيقة النفس ووقايتها من الأمراض
إن النفس بمنزلة المستشار فهي التي تقدم الاستشارات للقلب، ومقاييس هذه النفس الاستشارية هي الشهوات، والملذات، والمتع، والراحة، والسهرة، والرحلات، هذه الأشياء النفس تحبها، إذا شاورت نفسك: نسهر؟ قالت نعم لا يهم، إذا شاورتها نأكل؟ وقالت: كل يا رجل، ننام؟ نم.
كل شهوة محببة تحبها النفس، بل كل أمر سيئ تحبه النفس وتأمر به، يقول الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] بالسوء أي: بالشر، هذه طبيعة النفس، لكن يأتي دورك لهذه الطبيعة النفسية، أن تقوم بتغييرها وبمجاهدتها إذا كانت أمّارة بالسوء، تريد أن تنام تقول لها: لا.
انهضي وصلي، تريد أن تغني، تقول: لا والله لا تسمعين الأغاني، تريد أن تنظر إلى الحرام تقول: لا.
وتغض بصرك، تريد الربا من أجل أن تصبح غنياً، تقول: لا.
هذا حرام لا يمكن، وكلما أمرتك هذه النفس بلذة محرمة أو بشهوة ممنوعة قلت لها: لا.
تفطمها، فإذا رأت أنك سيطرت عليها ترقت، وانتقلت من مرتبة النفس الأمارة بالسوء إلى مرتبة النفس اللوامة: وهي التي تفعل الخير ولكنها تحن إلى الشر، ثم تلوم على فعله.
أنت تفعل الخير بنفسك الطيبة، لكن أحياناً توقعك نفسك هذه في شر، فإذا عملته قالت النفس: لماذا تعمله، ما بك أنت ملتزم، أنت متدين، أنت مؤمن، لماذا تنظر إلى الحرام؟ لماذا تستمع إلى الأغاني؟ هذه نفس لوامة، فإذا لامتك وهي التي ورطتك قلت أنت: أنتِ التي أوقعتيني، والله لا أفعلها، فإذا جاهدتها مرة، ومرتين، وثلاثاً، وأربعاً، وعشراً، ارتقت إلى مرتبة النفس المطمئنة، التي اطمأنت إلى دين الله وسكنت إلى أمره، واستراحت بتنفيذ شرعه، وهنا تعيش أكمل عيشة، ولا يجد لك رب العالمين حينها مجال إلا أن ينقلك إلى الجنة، ويناديك عند الموت ويقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] ولذا يقول العلماء: إن مجال الإصلاح في حياتك هو إصلاح نفسك، قال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٩] ويقول : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
ودائماً النفس -بحكم طبيعتها الشريرة- ورغبتها في الخمول، وكراهيتها للقيود، تحب الانفلات، وتحب الدعة، وتحب عدم الإلزام بشيء، ولذلك ترى أنك إذا كنت طالباً في ليالي الامتحان، تنظر إلى الكتاب المقرر الذي فيه الاختبار غداً، تراه أكره شيء، كأنه حيات وعقارب أمامك، ولكن أي صحيفة أو مجلة أو كتاب آخر تريد أن تقرأه كله، لماذا؟ لأن النفس مكرهة على ذاك، وغير مطلوب منها هذا، فتميل إلى هذا وتكره ذاك، لكن ماذا تفعل أنت؟ إذا كنت عاقلاً وحازماً ولبيباً وذكياً، تقول: لا يا نفس، ليس عندنا اختبار في الصحيفة ولا في هذا الكتاب هذا، والله لا بد أن تقرأي الكتاب المقرر عليك غصباً عنك، فتستسلم لك، ولهذا فالنفس هذه يقول العلماء عنها: إنها مثل الدابة، إن وجدت خيالاً ماهراً، ركب عليها، وشد زمامها، وتركها تمشي ولم يجعلها تبرك، وإن لقيت خيالاً ضعيفاً، رمته وركبت عليه، ورفسته ومشت عليه، وكذلك أنت إن كنت مسيطراً على نفسك، تقهرها وتزجرها عن المعصية، وتجبرها على الطاعة، استسلمت وأذعنت، وهذا شأن السلف ﵏، كانوا يجاهدون أنفسهم جهاداً عنيفاً، كان بعض السلف إذا فاته ورده من الليل، أخذ السوط وأخذ يضرب أرجله، وقال: والله إنك لأولى بالضرب من دابتي، ماذا يفعل هذا في الليلة الثانية هل ينام؟ يقوم، لماذا؟ لأن أرجله خائفة من العصا.
وآخر خرج يوماً من الأيام من بيته، فرأى بيتاً مرتفعاً فقال: لمن هذا البيت؟ قالوا: لفلان، ويوم أن رجع في الليل يريد أن ينام، قام يراجع ويحاسب نفسه على الأقوال التي قالها، فوجد هذه الكلمة فقال: أنت خرجت بعد الظهر اليوم، ورأيت عمارة وقلت: لمن هذه العمارة، قال: يا نفس ماذا تريدين بهذه الكلمة؟ تريدين عمارة مثلها، لا تريدين أن تشتغلي بطاعة الله، تريدين أن تشتغلي بما عند الناس، يقوم فيلومها، ثم قال: والله لأعاقبنك بصيام سنة، فصام سنة من أجل كلمة، هل ستعود نفسه توسوس له، حسناً هؤلاء عرفوا كيف يعالجون أنفسهم، جاهدوها مجاهدة صحيحة حتى أذعنت واستسلمت وسارت في ركاب الطاعة، واستسلمت لأمر الله ﵎.
إذاً دورنا -أيها الإخوة- جهاد هذه النفس وعلاجها، وقصرها على الطاعة، وزجرها عن المعصية.
هذه النفس لها أساليب ووسائل في عملية تحسين الشر والمعاصي، مثلاً: الزنا تأتي النفس فلا تبديه لك بالصورة الطبيعية، ما هو الزنا؟ الزنا عار الزنا شنار الزنا إسقاط للاعتبار الزنا فصل من الوظيفة الزنا جلد في السوق كما يجلد الحمار الزنا -إن كنت محصناً وسبق لك الزواج- رجمٌ بالحجارة حتى تموت الزنا إدخال لك في قائمة السوابق الزنا إفساد لعرض مسلم الزنا إيجاد لولد غير شرعي يعيش بدون أب، ويبقى عالة على المجتمع من أجل شهوة تقضى في دقيقة أو دقيقتين أو خمس دقائق، هذا هو الزنا.
إذا بدا لك الزنا بهذه الصورة هل تقبله؟ لا.
لكن النفس الأمارة بالسوء لا تظهر الزنا بهذه الصورة، كل هذا تخفيه، وتقول: الزنا لذة الزنا متعة الزنا فرصة أنت دائماً مع امرأتك، لا.
بدِّل غيرها كل طعام له لون وكل طعام له طعم، هذه حقيقة النفس، فإذا جاء العقل يقول لها: لا يا نفس! أنت مخطئة، الزنا كذا وكذا، تقول: صدقت، لكن هذا إذا اكتشفت، لكن يا رجل دبر نفسك، اعمله ولن يراك أحد، قال لها العقل: إذا لم يرني الناس الله يراني، قالت النفس: يا ابن الحلال! الله غفور رحيم، من أجل أن توقعك في هذه الجريمة، هذه أساليب النفس؛ لأنها أمارة بالسوء، لكن أنت خالفها وخالف النفس والشيطان واعصهما؛ لأن في معصية الشيطان والنفس، سعادتك في الدنيا والآخرة.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
هل رأيتم طفلاً صغيراً ينفطم على ثدي أمه هكذا من نفسه؟ لا.
لو تركته يرضع لظل يرضع حتى وهو كبير، لكن افطمه بالقوة، ضع في فمه قليل صبغ أو قطراناً وعندما يأتي ويذوقه فإذا به مر، فيبكي يوماً أو يومين أو ثلاثة وانتهى، هكذا النفس، نفسك تحب الأغاني افطمها تنفطم، نفسك تحب النظر إلى الحرام افطمها تنفطم، لكن تظل ترضعها كل يوم فكيف تنفطم، لا بد -أيها الإخوة- من أخذ المسألة بجدية وبحزم وبقوة حتى تنفطم هذه النفس، على ترك الذنوب والمعاصي والآثام.
стр. 38
العقل ميزان المصالح والمفاسد
إن العقل يسميه العلماء: المستشار الثاني للقلب، ومقاييس هذا المستشار غير مقاييس النفس، النفس مقاييسها الشهوات، والعقل مقاييسه المصالح والمفاسد والآثار والنتائج، والمقدمات والضروريات، لكن قد يقول العقل شيئاً للقلب ويرفضه القلب بناءً على سيطرة النفس.
الآن أعطيكم مثالاً: كثير من الأشياء ندرك بعقولنا ضررها، ومع هذا نقع فيها، أنا أسأل الذي يركِّب الصحن المستقبل فوق بيته، أسأله بالله، ألا يدرك أن فيه ضرراً على دينه، وعقيدته، وأخلاقه، وأخلاق زوجته، وأخلاق ولده وأسرته؟ يقول: نعم.
فيه ضرر.
حسناً لماذا تأتي بالضرر إلى بيتك؟ يقول: والله الأولاد أزعجوني، والمرأة رفضت، كل يوم وهي عند الناس، أنا آتي لها بهذا من أجل أن أتخلص منها ومن شرها.
إذاً فإن سيطرة النفس، وشهوة الزوجة، وشهوة الولد، أقوى من رأي العقل، رفض العقل وأتى بالصحن المستقبل وأمطر بيته وزوجته بكل ما يسخط الله ويغضبه، وخان الأمانة التي بينه وبين الله، أولادك أمانة وزوجتك أمانة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] إنها أمانة قال الله لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] وأنت لم تقهم النار، بل اشتريت لهم النار، وأمطرت عليهم النار من فوق، العقل يقول: فيه ضرر، لكن النفس تقول: لا يا شيخ! الناس كلهم وضعوه على بيوتهم، انظر إلى الأخبار، ماذا يهمك من الأخبار؟ وزير الخارجية أنت؟ تريد الأخبار تنتقل من إذاعة إلى إذاعة، إن هذا يجعلك تنظر إلى المسلسلات، ويجعل أولادك يتعلمون منه الأخلاق السيئة، ويصبح قدوة أولادك، من يصبح شيخاً لأولادك؟ الممثلون والممثلات، تصبح ثقافة ولدك أو ابنتك: هل تعرف الممثل الفلاني، والمطرب الفلاني، والمغني الفلاني، واللاعب الفلاني؟ ولا يعرفون من الصحابة أحداً، ولا من الصالحين أحداً، ولا يعرفون من العلماء أحداً، إنما همومهم وتعلقاتهم وآمالهم وثقافتهم هذه الأشياء الضحلة، ويترتب على هذا جيل ضائع ضال لا يعرف الله حق المعرفة، كما هو حال أجيال الكفار -والعياذ بالله-.
أيها الإخوة! هذه الشرور هي زبالة أفكار الكفار، والقنوات تجلب عليك كل ما عند الكفار، وتركبه وتضع أموالاً فيه، وعقلك يقول لك: إن هذا ليس طيباً، لكن شهوة النفس تطغى على رغبة العقل.
مثال ثانٍ: التدخين: المدخن الآن يعرف أن الدخان ضار، ويقرأ على العلبة: التدخين يضر بصحتك، فننصحك بالامتناع منه، ومع هذا تجده يدخن.
العقل يقول لك: إنه ضار، والنفس تقول: يا شيخ! دخن وسوف تنجلي همومك، يا رجل! أنت عندك هموم ومشاكل، وإذا دخنت فإنك ترى الدنيا كلها، فرفض أمر العقل، واستجاب لشهوة النفس؛ لضعف عقله ولقوة سيطرة نفسه.
التدخين يضر بإجماع الناس، حتى الشركة تكتب عليه أنه مضر، كل شركة تصنع أي صنعة فإنها ترسل دعاية للصنعة التي تقوم بصناعتها إلا الدخان فإنهم أرسلوا دعاية ضد الصنعة، وكل طعام عليه تاريخ صلاحية ابتداء وانتهاء، إلا الدخان تجده منتهياً من يوم أن قاموا بصنعه، ليس له تاريخ صلاحية، ومع هذا لا أحد يسأل عن هذا، لو اشتريت علبة لبن بأربعة ريالات، ولقيت عليها تاريخ الصلاحية منتهياً، تأخذها أم تذهب فتشتكي وتمسك صاحب اللبن وتصيح عليه: كيف تبيع هذا الشيء وهو منتهي الصلاحية؟ هذه انتهت صلاحيتها في ٣٠/ ١٢ واليوم نحن في شهر ٢ وأنت تبيعها، وتأخذ اسمه وتبلغ البلدية، لكن عندما تشتري الدخان وقد انتهت صلاحيته في بلده، من يوم أن صنعوه، قالوا: هذا يضرك، لكن لا.
سأدخن، لماذا؟ لأن العقل مرفوض الأمر، بينما النفس الأمارة بالسوء هي الآمرة، أمرت بشهوة الدخان، فنفذها الإنسان لضعف عقله، ولمرض قلبه.
ويقول العلماء: إن النفس إذا قويت مرض القلب، إذاً هي عملية موازنة، إذا سلم القلب وتقوى، ضعفت النفس، وإذا قويت النفس وسيطرت، ضعف القلب، ويبقى العقل يأتي بأفكار لكن لا أحد يطيعه، يأتي بآراء لكن لا أحد ينفذ آراءه.
إذاً العقل هذا كيف نجعل آراءه سليمة؟ قالوا: ينور بنور الدين، والقرآن، ويتعلم العقل الأنوار من كتاب الله، ومن سنة النبي ﷺ ، ويهتدي بالتفكير وبالتأمل وبالنظر في الآيات الكونية، وفي الآيات القرآنية، إلى أن يصدِّر آراء صالحة مع إصلاح النفس، فتجتمع آراء النفس مع آراء العقل إلى القلب فيصلح القلب، هذا هو الجزء الرابع.
стр. 39
صلاح القلب واستقامته صلاح للبدن
الجزء الخامس والأخير والمهم في الإنسان وهو القلب سماه العلماء بهذا الاسم؛ لأنه ملك الجوارح، وسيد الأعضاء، وسماه النبي ﷺ بالمضغة؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، والحديث في الصحيحين، قال النبي ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) وهذا هو ميدان العمل على الإصلاح، لم تهتم الشرائع إلا بإصلاح القلوب؛ لأن القلوب تمرض كما تمرض الأجساد، والقلوب تعمى كما تعمى الأبصار قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وأخبر الرسول ﷺ ، وأخبر الله في القرآن الكريم أن القلوب تمرض، قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] وقال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] هذه كلها بيان على أن القلب يمرض، لكن كيف يمرض القلب؟ قالوا: مرض القلب هو عجزه عن القيام بوظيفته الآن العين إذا عميت قالوا: مريضة لماذا؟ لأنها عجزت عن القيام بوظيفتها، وهي الرؤية.
الأذن، ما هي وظيفتها؟ السماع، إذا لم تسمع قالوا: صمّاء مريضة.
اليد ما هي وظيفتها؟ الحمل، إذا عجزت عن الحمل قالوا: يد شلَّاء.
الرِّجل ما هي وظيفتها؟ المشي، إذا انكسرت الرجل وعجزت عن المشي، قالوا: رجله مكسورة مريضة.
والقلب ما هو وظيفته؟ معرفة الله، معرفة دين الله، معرفة رسول الله، إذا لم يعرف الله ولم يعرف دين الله ولا عرف رسول الله ﷺ فقلبه مريض؛ لأنه لم يقم بوظيفته.
ما أنواع مرض القلب؟ ثلاثة أمراض: مرض شبهة، ومرض شهوة، ومرض غفلة، هذه هي الأمراض التي تصيب القلب.
١ - مرض شبهة: يورث شكاً في الدين.
٢ - ومرض شهوة: يورث تقديم الهوى على أمر رب العالمين.
٣ - ومرض غفلة: يورث نسيان الله والدار الآخرة، والجنة والنار، فيتقيد القلب، يصبح محاصراً من كل جهة، مريضاً بالشهوات ومريضاً بالشبهات ومريضاً بالغفلات، فيتعطل عن أداء وظائفه كاملة، ويبقى فاسداً: (وإذا فسدت فسد الجسد كله) إذا فسد القلب فسدت العين، وفسد اللسان، وفسدت الأذن، وفسدت اليد، وفسد الفرج، وفسدت الحياة، كلها، لماذا؟ لأن القلب فاسد.
إن شباب الصحوة الذين ترونهم الآن -أسأل الله أن يكثرهم ويبارك فيهم ويوفقهم- هذا شاب ملتزم ما الذي صلح فيه؟ لقد كان مغنياً أو لاعباً، أو لاهياً، أو عابثاً، أو قليل دين، أو قاطع صلاة، أو عاقاً لوالديه أو -والعياذ بالله- لا يعرف المسجد، ولا يعرف دين الله، لكن فجأة هداه الله، ما الذي صلح فيه أولاً؟ إنه قلبه، عندما صلح قلبه، قال لعينه التي تنظر إلى الحرام: والله لا تنظرين إلى الحرام، قالت: حسناً، وصار أكره شيء عنده الحرام.
إذا رأى امرأة كأنه رأى عفريتاً، لقد كان يتلذذ بسماع الأغاني أما الآن إذا سمع أغنية تراه يصيح: أغلق، كأنها رصاصة دخلت في أذنه كان يكره الأذان، أما الآن فإن أحب شيء عنده إذا سمع: الله أكبر! أحب شيء عنده أن يدخل المسجد ويصلي، أحب شيء عنده يرى العلماء والمشايخ والدعاة، أحب شيء عنده أن يقرأ القرآن، ما سبب صلاح هذه الجوارح؟ إنه صلاح القلب.
إذاً عليك أن تسعى لإصلاح قلبك؛ لأنك لا تنتفع إذا لقيت الله إلا بقلبك السليم، يقول الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سليم من ماذا؟ قالوا: سليم من الشك، والشبهة والشهوة والغفلة.
ما هي أمراض الشبهات؟ هي الشكوك التي يزرعها الشيطان في قلب الإنسان في قضايا العقيدة والإيمانيات: شك في الله، وفي رسول الله، وفي دين الله، وفي الجنة، وفي النار، وفي البعث، وفي عذاب القبر، وفي الملائكة، وفي الجن.
من الذي يزرع هذه الشكوك؟ إنه الشيطان ليزعزع عقيدتك، وأنت لم تؤمن بهذه القضايا جزافاً بل آمنت بها بناءً على وعد وخبر صادق من الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً)) [النساء:١٢٢] ً، من أحسن من الله قولاً، يقول الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، أنت لم تؤمن بهذه القضايا من فراغ، ولا ورثتها، بل آمنت بها من كتاب عظيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، جاءك به رسول هو أصدق البشر، والله ما على وجه الأرض من هو على الحق إلا المسلم، ولا يملك أحد وثيقة صحيحة من عند الله ليس فيها زيادة حرف أو نقص حرف إلا المسلم، كتاب الله المحفوظ، المتلو، المسطر في السطور، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فنحن نصدق بهذه الأخبار؛ لأن الله أخبرنا بها، يأتي الشيطان يزعزع، لكن إذا وجد منك اليقين انصرف، فمرض الشبهة أخطر مرض على القلب؛ لأنه يورث الشك، وإذا شككت في دين الله كفرت: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قالوا: الفتنة هي الشك في دين الله.
مرض الشهوة أن تتصارع في نفسك، وتتصادم شهوات النفس مع أوامر الرب، مثل شهوة النوم عند صلاة الفجر، الله أمر أن تقوم لصلاة الفجر في الساعة الرابعة، وأنت في الساعة الرابعة تقول لك النفس: هذه أحسن ساعة للنوم، فصار صراع داخلي بين شهوة محببة وهي النوم، وبين طاعة مفروضة وهي الصلاة، مع من أنت؟ إن كنت قمت فأنت مع الله، وقلبك سليم، وإن نمت عن صلاة الفجر فقلبك مريض؛ لأنك أطعت شهوتك، ورفضت أمر خالقك ومولاك.
شهوة النظر إلى النساء، تمر وترى منظراً، وأنت إنسان، وعندك ميول ورغبات، وزين لك هذا الشيء، يقول الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] أول شيء: النساء، لكن هذا المنظر يتعارض مع أمر من أوامر ربك، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] فأنت بين وازع ودافع، وازع ديني ودافع شهواني، الوازع الديني يقول: حرام، والدافع الشهواني يقول: انظر، لا يفوتك المنظر، إن غضيت بصرك إذاً قلبك سليم، وإن فتحت عينك إذاً قلبك مريض، وقس على هذا.
مرض الغفلة: وهو أن تنسى الله، ويشغلك الشيطان، بحيث لا يبقى عندك من الوقت شيء تذكر الله فيه، يقول لك: الآن عمل، وبعده غداء، وبعده نوم، وبعده شراء حاجات البيت، وبعد ذلك سهر، وأفلام، ولعب، وبلوت، وتستمر على هذا، هذا برنامج أكثر الناس من حين يصبح إلى أن يصبح اليوم الثاني لم يذكر الله، ولا يعرف مسجداً لله، ولا يعرف أنه مسئول عن دين الله، ولا يعرف أنه مطلوب منه أن يدعو إلى الله، ولا يعرف أن هناك جنة أعدها الله، ولا يعرف أن هناك ناراً توعده الله بها، إنه غافل، والغافل كما يقول العلماء: يجعل الله بينه وبين الهداية حجاباً، لا يمكن أن يهديه الله وهو غافل، يقول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق﴾ [الأعراف:١٤٦] يعني: سأصرف عن هدايتي ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] لماذا يا رب؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
هذا هو السبب، السبب أن الله أعمى بصائرهم، يرون طريق الحق ولا يسلكونه، ويرون طريق الباطل ويسلكونه، لماذا؟ لأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين.
لكن كيف نعالج القلوب من هذه الأمراض الثلاثة؟ قال العلماء: علاج مرض الشبهة باليقين، اليقين الجازم على أخبار الله، والتصديق الكامل بها.
وعلاج مرض الشهوة بالصبر، بالصبر عن الشهوات، صحيح أن الزنا فيه لذة؛ لكن يوردك النار ويحرمك من الجنة، ذلك الرجل الذي قالت له المرأة: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
فماذا أعطاه الله؟ نجاه الله من النار في الدنيا، وسينجيه الله من النار في الآخرة.
شهوة النظر إلى الحرام فيها لذة، لكن يقول: لا.
أريد أن أنظر بهذه العين إلى وجه الله الكريم في الآخرة.
شهوة الأغاني فيها متعة، لكن أريد أن أسمع بهذه الأذن خطاب رب العالمين في الجنة والدار الآخرة.
شهوة المال الحرام فيها متعة، لكن لا.
أريد أن يعوضني الله خيراً منه في الدنيا والآخرة، وهكذا عليك أن تقاوم الشهوات بالصبر، فاصبر، ولهذا جاء الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، وهو بمنزلة الرأس من الجسد، والذي لا صبر له لا دين له، ولا ينال شخص مطلوبه في الدنيا والآخرة إلا بالصبر.
الآن الطالب الذي لا يصبر على الدراسة والامتحانات، هل ينجح؟ لا.
لكن لو صبر فإنه ينجح، حتى يحصل على وظيفة ويكون له راتب، لكن إذا لم يصبر على الدراسة، كان فاشلاً وضائعاً ومنحرفاً، كذلك الذي يريد أن ينال الجنة، لا بد أن يصبر عن الشهوات.
أما علاج الغفلة فيكون بذكر الله، وبقراءة القرآن، وبمجالسة العلماء، وبالإكثار من التفكير ومعرفة الهدف من خلقك -أيها الإنسان- هذا هو العلاج لهذه الأمراض الثلاثة، وقد جاءت في كتاب الله في قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] أي: عن الشهوات ﴿وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] أي: عن الشبهات، يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين، ثم قرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [ا
стр. 40
الحكمة من خلق الإنسان
إن قضية أن تعرف: لماذا خلقت؛ ولماذا جئت؛ معضلة ضل فيها كثير من الناس، ولا تغتروا بهؤلاء الكفار الذين سَبَحُوا في الفضاء، واخترعوا الذرة، ولهم منجزات وطائرات وعلوم حاسوب، لكنهم مساكين لا يعرفون من الحياة الحقيقية شيئاً، يقول الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] يعني: شيئاً بسيطاً ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] هؤلاء مساكين حُرِمُوا نعمة العلم بحقيقة الأمور، تسأل المخترع الكبير منهم فتقول له: لماذا خلقت؟ يفكر، فيقول: خلقت لأجل أن أعيش مع الناس.
- حسناً! لماذا تعيش؟ فيفكر وإذا به يقول: أعيش لكي آكل وأنكح.
- حسناً لماذا تأكل وتشرب وتنكح؟ - قال: لأجل أن أعيش؛ لأنني لو لم آكل لمت.
- حسناً ومن أجل ماذا تعيش؟ - من أجل أن آكل.
- حسناً ولماذا تأكل؟ - قال: من أجل أن أعيش.
وبعد ذلك يعيش ليأكل ويأكل ليعيش، حلقة مفرغة، وبعد ذلك؟ قال: أموت.
- حسناً لو أن الله خلقك من أجل أن تموت، لتركك ميتاً، يجعلك الله تسعة أشهر في بطن أمك، وتعاني منك ثم يخرجك، وتعيش أربع عشرة أو خمس عشرة سنة، ثم تعيش في معاناة وفي تعب من أجل أن تموت؟!! لا والله، ما خلقك الله من أجل هذا، هذا عبث، بل خلقك الله لسر، وهنا -أيها الإخوة- يقول العلماء: إنه لا احتمال لخلق الإنسان إلا لغرضين: إما أنه خلق عبثاً، وإما أنه خلق لحكمة، هل هناك احتمال ثالث؟ لا.
إما أن الإنسان خلق عبثاً، أي: ليس له حكمة، أو أنه خلق لحكمة.
أما الاحتمال الأول أنه خلق عبثاً فقد أبطله الله وتنزه عنه، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أظننتم أن الله خلقكم عبثاً، وأنكم لا ترجعون إلى الله، ثم قال : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] تعالى الله أن يخلقك عبثاً، كيف يخلقك عبثاً بهذا التنظيم، وبهذه الدقة، وبهذا الإحكام، وبهذا الإعجاز؟ تفكر في نفسك في كل خلية من خلاياك، في كل ذرة من ذرات جسمك، في كل جزئية من جزئياتك، تجد أن هناك حكمة، هذه اليد لم تخلق إلا لحكمة، هناك ستة مفاصل، لماذا كانت ستة مفاصل؟ لأجل أن تستعملها يدك، لو أن الله أعطاك يداً ولا يوجد فيها مفصل، بل كانت قائمة، ماذا تصنع بها، هل تستفيد منها، وهل تستطيع أن تحمل بها شيئاً؟ لا.
لا شيء يمسك، لو أن الله لم يجعل يديك في مكانها وجعلها في أرجلك، ماذا تفعل عندما تريد أن تحك رأسك؟! لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم، تحك بها رأسك ورجلك سوى، من الذي جعل اليد هنا؟ إنه الله الذي ركب عيونك في رأسك.
لو أن الله وضع عيونك في أرجلك، وتريد أن ترى الذي هناك، لا بد أن تنقعر وترفع أرجلك حتى تنظر إليه، من الذي أجرى في عينك الملح؟ الآن عندما تأخذ من عينك دمعاً وتذوقه، تجد طعمه مالحاً؛ لأن عينك هذه شحمة ولو لم يوجد ملح فيها فإنها تعفن.
من الذي جعل في أذنك صمغاً مراً؟ إنه الله، فأنت عندما تنظف أذنك بالعود، خذ منه وتذوقه تجد طعمه أمرَّ من الصبر، لأجل أن الحشرات لا تدخل في أذنيك؛ لأنه إذا لم توجد هذه المادة المرة امتلأ سمعك بالحشرات، وعندما يأتي القمل وأنت نائم فإنه يشم الرائحة ويرجع؛ لأنه توجد هنا مادة صمغية تطرد هذه الحشرات.
حسناً من الذي أجرى في فمك اللعاب، الذي هو أحلى من العسل؟ من الذي حلى هذا، وملح هذا، وأمرَّ هذا؟ يقولون: الطبيعة العمياء الصماء البكماء، هل تستطيع أن تخرج ملحاً وصمغاً ومراً وعذباً؟!! من الذي جعل هذه الورشة في الفم لتقطيع الطعام، وتجهيزه وخلطه، وتقليبه، حتى يجهز الطعام، فإذا تجهز نزل، واستقبله المري، ويستعين بالبلعوم؛ لأن البلعوم يوصل الهواء والمري يوصل الطعام، وبين هذين الاثنتين قطعة لحم اسمها اللهاة، واسمها في العلوم لسان المزمار، هذه اللهاة تصدر أمراً إذا نزل الطعام أن تقفل فتحة الهواء، وإذا نزل الهواء أقفلت فتحة الطعام، ولو نزلت في فتحة الهواء حبة أرز أو قطرة ماء ماذا يحدث لك؟ وتموت، لكن هل تموت من شرقة؟ لا.
الذي حفظك أرسل إشعارات للرئة: إن هناك شيئاً غريباً دخل عليكم فأخرجوه، فيبدأ يسعل حتى يخرجها، لا إله إلا الله! من خلق هذا الخلق ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] هل خلقك عبثاً من أجل أن تموت، وتأكلك الدود في التراب؟ لا والله، يقول الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] تعالى الله، ويقول في آية ثانية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص:٢٧] أي: لعباً وعبثاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] أي: عبثاً ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨].
إذاً الاحتمال الأول: أن الله خلق الإنسان، وخلق الكون عبثاً، هذا باطل؛ لأنك أيها الإنسان لا تفعل شيئاً عبثاً، فلو ذهبنا إلى شخص في مزرعته، وعنده جرافة، وصاحب الجرافة يحفر حفرة، وجاء أولاد فقالوا: يا أبي! ماذا تصنع بهذه الحفرة؟ قال الأب: أريد من صاحب الجرافة أن يحفر حفرة هكذا عبثاً، ماذا يقول له أولاده؟ يقولون: والله إن أبانا مجنون، ليس بعقله، يجعل الجرافة تحفر في المزرعة بدون غرض، هذا عبث، هل يعقل أن الله يخلق سماوات وأرضاً وجبالاً وأشجاراً وأنهاراً ومجرات وكواكباً ونجوماً وبحاراً عبثاً؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
أجل كونه خلقنا عبثاً وخلق السماوات باطلاً إذاً لماذا خلقنا الله؟ لحكمة، ما هي الحكمة؟ نعرفها نحن؟ لا.
إذاً من يعرفها؟ الخالق؛ لأننا لم نخلق أنفسنا حتى نعرف الحكمة من ذلك! لو أنك خلقت نفسك فإنك تعرف لماذا خلقت نفسك، لكنك لم تخلق نفسك، الله الذي خلقك، والله الذي أتى بك، وما أخذ رأيك، إذاً من خلقك؟ الله، يا ألله لماذا خلقتنا؟ قال في كتابه الكريم، فهو لم يدع الناس هكذا ضالين بدون هداية، وبدون عناية قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فقط، إذاً هذه وظيفتهم، ما هي المهمة وما هو دورك؟ العبادة، الله خلقك من أجل أن تعبده، إذا عبدته فأنت صالح، وإذا لم تعبده فأنت فاسد؛ لأنك لم تؤد دورك، هذا (الميكروفون) ما دوره؟ تكبير الصوت، إذا كبر الصوت صار صالحاً، وإذا لم يكبر الصوت صار فاسداً، فنذهب به إلى المهندس.
الثلاجة دورها تبريد الطعام، إذا وضعنا الطعام فيها ولم تبرده، قلنا: الثلاجة فاسدة، وإذا برَّدت قلنا: الثلاجة صالحة.
هذا المكيف مهمته تبريد الجو، إذا اشتغل وبرد الجو قلنا: ما شاء الله مكيف صالح، وإذا لم يتشغل لم يبرد الجو قلنا: المكيف فاسد.
السيارة مهمتها حمل الركاب، إذا لم تمش نقول: السيارة فاسدة.
فأنت مهمتك العبادة، وإذا لم تعبد الله تصبح فاسداً، ماذا نعمل بك؟ نصلحك، وأين نصلحك؟ عند الذي يصلح (الميكروفون)، من هي؟ شركة (الميكروفونات)، والذي يصلح المسجلات شركة المسجلات، والتي تصلح السيارة شركتها التي صنعتها، وأنت يصلحك الذي صنعك، ما رأيكم إذا خرب (الميكروفون) وذهبنا به إلى صاحب البنشر، وقلنا له: أصلحه، فأخذه وقام بتشحيمه، وتعبيته زيتاً، هل يصلح أم يتعطل؟ يتعطل؛ لأنه ليس الذي صنعه، أنت إذا فسدت ذهبنا بك إلى غير الله، هل يصلحك؟ لا.
لا يصلحك إلا الذي خلقك.
حسناً أين علاجك وصلاحك؟ علاجك في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ؛ لأن الله أنزل عليك كتاباً لتعمل به، أي شركة تصنع ثلاجة أو سيارة أو مسجلة، أو أي شيء يضعون معه كتاب تشغيل، كيف تشغل هذا الجهاز، فإذا قمت بتشغيل الجهاز وفق تعليمات الكتاب بقي الجهاز سليماً، أما إذا قمت بتشغيل الجهاز على غير وفق تعليمات الكتاب صار الجهاز فاسداً.
فصلاح الإنسان -أيها الإخوة- إنما يأتي إذا عمل في حياته بموجب تعليمات خالقه، عينك تستخدمها في النظر فيما أحل الله من مخلوقات الله، وتغض عن محارم الله، إذا استعملتها فيما حرم الله، وعطلتها عن النظر في كتاب الله وفيما أحل الله، فإنها تصبح عيناً فاسدة.
هذه الأذن تستخدمها في سماع القرآن والحق، فإذا أسمعتها الباطل استعملتها على غير تعليمات خالقها.
هذا اللسان وظيفته ذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق، فإذا لم تستخدمه في هذا، واستخدمته في الأغاني واللعن والسب والشتم والنم والكذب -والعياذ بالله- استعملته على غير تعليمات الخالق، إذاً أنت أفسدت هذا الجهاز، وأفسدت نفسك، فأصلح نفسك والجأ إلى الله في إصلاح نفسك واقتد برسول الله ﷺ ، وقد أمرنا الله أن نطيعه، قال الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
أيها الإخوة: إن الهدف من وجودنا هو العبادة، أنت عبد، ولك شرف أن تكون عبداً؛ لأنك عبد لله، لست عبداً لدرهم أو لدينار أو لشهوة أو لنزوة أو لزوجة أو لأحد، بل أنت عبد لرب كل أحد، وهذه أعلى درجات العزة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤] كل شيء عبد لله، لكن هناك عبودية قهر وإذلال، وهناك عبودية تشريف وتكريم وهي عبودية المسلم.
فيا أيها الإخوة في الله! إذا أردنا السعادة بحذافيرها، فلنعرف من نح
стр. 41
الأسئلة
стр. 42
السعادة وكيفية تصريف المال
السؤال
أشرتم إلى أن حياة الأغنياء ليست حياة سعيدة، مع أنه يمكن الجمع بين الحياة السعيدة والإيمان، والمال كما هو الحال مع بعض المعاصرين، وكذلك السلف الصالح، من أمثال عثمان بن عفان ﵁ وعبد الله بن المبارك ﵀، وغير ذلك، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
وجزاك الله خيراً على هذا الاستدراك، فقد يفهم من كلامي أنني أقول: إن المال لا يجر سعادة، لا.
أنا أقول: إن المال المجرد من الإيمان والعمل الصالح لا يجر إلا العذاب، أما إذا كان الإيمان والمال معاً إيمان وكذلك عمل صالح فـ (نعم المال الصالح في يد العبد الصالح) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند ورواه أهل السنن.
وقد جاء هذا الحديث في قصة، أن الرسول ﷺ استعمل عمرو بن العاص على غزوة اسمها أوطاس، فجاء إلى النبي ﷺ وسأله: من أحب الناس إليك؟ فقال: أبو بكر.
وسار يسأل الصحابة، كان يظن عمرو ﵁ أن الرسول إنما استعمله لأنه أحب الناس إليه، لكن لا شك أنه محبوب ومن الصحابة ورضي الله عنه، لكن ليس كمنزلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فقال له الرسول: (إنما استعملتك يا عمرو لعل الله أن يفتح عليك من هذا الخير-يعني الدنيا- قال: يا رسول الله! ما على هذا اتبعتك، فقال له النبي ﷺ : يا عمرو! نعم المال الصالح في يد العبد الصالح) فإذا رزقك الله الإيمان ورزقك العمل الصالح، ثم منَّ الله عليك بالرزق الحلال، واستعنت به في وجوه الخير، ولم تنس نصيبك من الدنيا، سكنت طيباً وركبت وثيراً، ولبست جديداً، وأكلت طيباً، وتزوجت زوجة جميلة، لكن هذه النعم لم تشغلك عن دين الله، ولم تعطلك عن الدعوة إلى الله، فأنت في سعادة الدنيا والآخرة، لكننا نعني بالدنيا المرفوضة والمال المرفوض، هو الذي جرد من الدين، فجمع من الحرام وصرف في الحرام، وشغل عن الدين وعن الطاعة، هذا مال -والعياذ بالله- زاد إلى النار، وصاحبه ممقوت في الدنيا والآخرة.
стр. 43
الشهوات والملذات المحرمة لا تحقق السعادة
السؤال
ما رأيكم فيمن يقولون: إن الغرب يعيشون حياة سعيدة، حيث يتقلبون في الشهوات كيفما أرادوا دون موانع؟
الجواب
هذا القول مردود بشهادة عقلاء الغرب، وبالواقع الملحوظ من حياة الغربيين، فإن عقلاءهم يصيحون ويقولون: نحن في عذاب وجحيم، وواقع الغربيين والشرقيين مريض، وهناك ظواهر تدل على هذا الشقاء، منها ظاهرة الانتحار، هل هناك شخص في الدنيا يقدم على الموت، وينتحر وهو مستريح ومبسوط؟ لا.
ما يقدم على الموت أحد إلا شخص بلغ به الشقاء والعذاب أبلغ شيء، حتى تفجرت نفسه من الداخل، فما وجد مخرجاً من الحياة إلا أن يموت بأي وسيلة.
ويوجد في الغرب الأمراض النفسية التي لا يخلو منها بيت، كذلك تناول المسكرات والمخدرات مثل تناول البيبسي والشاي عندنا، فهو يتناولها حتى يغيب ولو لحظة عن واقعه المرير، كذلك الجنون المسرحي الذي ترونه في ألعاب السرك والمسرحيات والألعاب والسهر الطويل، كذلك الجنون الكروي، والتحلل الاجتماعي، والتفكك الأسري، وعدم وجود النوم، إنهم لا ينامون إلا بالحبوب المخدرة، هذا كله دليل على أنهم في عذاب، إذ لم تحقق لهم الشهوات راحة، أكثروا من الشهوات ووقعوا في الملذات، حتى ملوها ولم يحقق لهم هذا سعادة، ليست السعادة إلا في دين الله وفي طاعة الله، وهذا الذي يقول: إن الغربيين في سعادة؛ لأنهم في توسعة، هذا مسكين لم يعرف ما هي السعادة.
стр. 44
الرضا بقضاء الله وقدره من أسباب السعادة
السؤال
شيخنا الفاضل هل توافقني الرأي على أن الرضا بقضاء الله وقدره وسلامة الصدر من الغل والحقد والتناصح فيما بيننا، كل هذه من أسباب الحياة السعيدة؟
الجواب
لا شك؛ وأنا أتيت بكلمة عامة، وقلت: إن السعادة بحذافيرها في الإيمان بالله وفي العمل الصالح، ومن ضمن الإيمان بالله ركن من أركان الإيمان هو القضاء والقدر، فأنا لم أدخل في التفصيلات ولهذا كان عنوان المحاضرة: من أسباب السعادة، وما قلت: كل أسباب السعادة، على أساس أن آتي بالكليات وتدخل أنت في التفاصيل، فلا شك أن الإيمان بالله وبالرسول ﷺ ، والإيمان بالقدر والبعث والموت، كل هذه تحقق السعادة، العمل الصالح بأنواعه: الصلاة، قراءة القرآن، ذكر الله من أعظم أنواع السعادة، الصدقة إذا أعطيت مسكيناً أو فقيراً مالاً ودعا لك فإنك تشعر بسعادة، إذا أعطيت له ريالاً وقال: الله يفرج همك، الله يبارك في أولادك، الله يختم لك بالجنة، تشعر أنه أعطاك أكثر مما أعطيته، أعطيته ريالاً لكنه أعطاك دعاء، والدعاء عند الله أبقى، فهذا تفصيل ولكني تحدثت إجمالاً.
стр. 45
حقيقة الحبوب التي يلجأ إليها الأغنياء
السؤال
ذكرتم أحسن الله إليكم قصة الرجل الفقير وهو يفطر، وكذلك قصة ذلك الرجل الغني وهو يتغدى ويتعشى على حبوب، فما هي هذه الحبوب؟
الجواب
الأدوية؛ حبتان قبل الأكل أو قبل الفطور، وحبتان سكر، أدوية؛ لأنه مسكين مريض لا يأكل إلا حبوباً، بينما ذاك لا يوجد فيه مرض، معافى ونشيط يأكل من النعم.
стр. 46
برنامج يومي للحياة السعيدة
السؤال
ما هو البرنامج الصحيح اليومي للحياة السعيدة؟
الجواب
أن تبدأ حياتك -أيها المسلم- بطاعة الله بصلاة الفجر، فإن اليوم إذا بدأ بالطاعة كان يوماً مباركاً، أن تفتتح حياتك بأن تستيقظ من نومك ثم تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم تذكر الله بالأذكار التي وردت، ثم تقوم وتتوضأ وتخرج من بيتك قاصداً بيت ربك، ثم تصلي صلاة الفجر؛ فإن أمكنك أن تجلس إلى الإشراق فهذا أفضل، وإن لم تستطع فلا حرج أن تعود إذا كنت بحاجة إلى الراحة، ثم تذهب بعد ذلك إلى طلب رزقك، إن كنت طالباً فإلى مدرستك، وإن كنت مدرساً فلعملك، وهكذا إلى أن ينتهي وقت الدوام.
ويجب -أيها الإخوة- أن ننبه على أن العمل أمانة وأن الوظيفة هذه أمانة وأنه يلزمك أن تقوم بهذه الأمانة وإلا فأنت خائن لها، وفي القيام بالأمانة -أيها الإخوة- مشقة، ولكن من استلم الأجر حاسبه الله على الأمانة، لا بد أن تحضر في الدوام الساعة السابعة والنصف، ولا تأتِ الساعة التاسعة فتكتب سبعة ونصف فتصبح كذاباً، احضر السابعة والنصف واكتب السابعة والنصف، وهكذا اكتب الساعة التي حضرت فيها؛ بحيث لو تأخرت يخصم من مرتبك مقابل ذلك، ولا تحمل على ظهرك عقاباً وعذاباً في النار، وتواجد في العمل مرة في الدوام، ولا تقم من مكتبك إلا في الساعة الثانية والنصف، وحاول أن تؤدي عملك الوظيفي على أحسن أداء، تخدم به المواطنين وتحقق فيه مصالح الأمة، ثم تعود إلى بيتك، وتتناول طعام الغداء، وتستعد لصلاة العصر، واحذر-أيها الأخ- من الاسترخاء والنوم حتى يؤذن العصر، ثم يستمر في استرخائه إلى المغرب، لا.
استمر قاعداً إلى أن يقول: الله أكبر ثم اذهب لصلاة العصر؛ لأن (من فاتته صلاة العصر حبط عمله) هذا حديث في صحيح مسلم وقال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ونفسه) (من صلى البردين دخل الجنة) وما هما البردان؟ الفجر والعصر ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] خصها الله لماذا؟ لأنها عظيمة، تستلم الناس الملائكة من المساجد (يتناوبون فيكم ملائكة بالليل والنهار) في الفجر والعصر، فتأخذك من المسجد في العصر وتسلمك للمسجد في الفجر، يسألها الله وهو أعلم: (كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: جئناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون) لكن أنت نائم في صلاة الفجر ونائم في صلاة العصر، ولهذا ترون أقل نسبة في حضور المصلين في العصر والفجر؛ لأنهما الصلاتان المحببتان إلى الله ، صلِّ العصر وبعد صلاة العصر أنت بالخيار بين أن تنام إن كنت بحاجة إلى نوم، أو أن تستريح، أو أن تذهب إلى السوق، أو أن تذهب إلى قضاء غرض، أو تذهب بأهلك إلى المستشفى، أو تزور صديقاً، المهم أنت حر في هذا الوقت إلى قبل المغرب، ثم تأتي بالأذكار أذكار المساء، هذه وقتها قبل غروب الشمس ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩] وهذه من أهم الأشياء بالنسبة للمسلم، فإن أذكار الصباح والمساء حفظ للمسلم، وتعلق بالله، لكن غفلتك عن الذكر دليل انقطاعك عن الله، خذ كتاباً لأذكار الصباح والمساء ثم احفظها، وخذ كتاب حصن المسلم للشيخ سعيد بن علي القحطاني، هذا الكتيب الصغير الذي بريال، اجعله في جيبك وإذا جاءت أذكار المساء اقرأها؛ لأنه جمعها جزاه الله خيراً من أصح المصادر، وبوبها تبويباً عظيماً جداً، واحفظ هذه الأذكار.
ثم اذهب إلى المسجد وصلِّ صلاة المغرب، وبعد صلاة المغرب يبقى معك وقت أيضاً لشراء أو لزيارة أو لغرض، ثم صلِّ العشاء، وبعد صلاة العشاء اتجه إلى بيتك، ولا تذهب إلى مكان غيره، المكان الطبيعي لك إن كنت مسلماً مؤمناً بعد العشاء بيتك، لا تخرج ولا تسهر ولا تسمر، فإن النبي ﷺ كان يكره الحديث بعد صلاة العشاء، وكان يكره النوم قبلها، ولو كان السهر في خير، إذا كان يصد عن صلاة الفجر؛ لأن بعد العشاء يكون لنفسك ولأهلك، تجمع أولادك وزوجتك وتتعشى معهم، ثم تأتي بكتاب رياض الصالحين وتقرأ حديثاً، أو آية من تفسير ابن كثير وتقرأ شرحها، تتحدث معهم ثم تنام مبكراً، وتنام طاهراً وتنام ذاكراً لله، وتنام ناوياً القيام لصلاة الفجر، وإذا أعانك الله وقمت قبل الفجر صليت ركعتين في آخر الليل، فإنها خير لك من الدنيا وما فيها، هذا البرنامج المثالي -نسأل الله أن يقيمنا وإياكم عليه-.
стр. 47
الزوجة الصالحة من أسباب السعادة
السؤال
هل طاعة المرأة لزوجها وتربيتها لأبنائها من أسباب السعادة؟
الجواب
لا شك أنه من السعادة أن يرزق الإنسان زوجة صالحة كما جاء في الحديث: (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة التي إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) فإذا وفقك الله بزوجة صالحة مؤمنة، قامت بتربية أولادك، وتعاونت أنت وإياها على تربية الأولاد، ورزقك الله منها ذرية صالحة، فهذا من سعادة الدنيا والآخرة ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] وقرة العين هو الولد الصالح.
يستدرك -أخي الكريم- عليَّ في برنامج المسلم الذي ذكرت أنه مثالي، أن يكون فيه جزء لهم الدعوة وهو طلب العلم وهم الدين، وهذا مهم جداً، ويأتي هذا الجزء بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء إن كان فيه خير ولا يصد عن صلاة الفجر، في قراءة كتاب، أو زيارة أخ، أو دعوة، أو حضور مجلس علم، أو جلوس عند شيخ، هذا مطلوب جداً؛ لأن هذا من واجباتك كمسلم.
стр. 48
العمل لإصلاح واقع الأمة من أسباب السعادة
السؤال
فضيلة الشيخ الشاب المؤمن في هذا الزمان عندما يرى حال المسلمين المتردي والمحزن في كل مكان، فإنه يتسلط الحزن والهم على نفسه، فكيف تكون السعادة لهذا الشاب المؤمن، الذي شغله هم أمته وواقعها المؤلم، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
أثابك الله خيراً -يا أخي- واقع الأمة كما قال الأخ: مريض، وإلى الله نشكو هذا الحال، والشاب المؤمن إذا أراد أن يشعر بالسعادة مع هذا الواقع المرير، فعليه أن يقوم بحمل نصيبه من إصلاح هذا الواقع عن طريق الدعوة إلى الله، وتعليم الناس الخير، والمحاولة بقدر ما يستطيع في عمل صالح، يرفع عن الأمة همها ومعاناتها، ولو أن كل مسلم قام بهذا الدور، لكان وضعنا أفضل مما نحن عليه، لكن المصيبة في السلبية وفي اليأس والقنوط، وفي احتقار الأعمال التي يظن أنها بسيطة، عندما يقول: والله الدنيا فاسدة، إذاً أنا سوف أقعد، لا.
انهض ولو أن يهدي الله بك في حياتك كلها رجلاً واحداً، ولو أنك إذا أصلحت من هذه الأمة واحداً فقد ساهمت في إنقاذ الأمة من هذا الواقع المرير، وبدلاً من أن يكون هذا الذي أصلحته في الخط المنحرف، أصبح في الخط الصحيح المستقيم ومع الفئة المؤمنة، ففي هذه الأعمال سعادة لك، ودور بارز لك، وكما جاء في الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وتبعث يوم القيامة مع الأنبياء، فإن النبي كما جاء في الحديث: (يأتي يوم القيامة وليس معه أحد) وأنت تأتي ومعك واحد أو اثنان أو عشرة أو مائة إن شاء الله.
стр. 49
حكم اقتناء الصحن المستقبل
السؤال
هذا سائل يسأل عن (الدش) ويقول: إني أريد أن أدخله في بيتي ولكن لمشاهدة الكرة والأخبار فقط، فما رأيكم؟
الجواب
هذا هدف سيئ أن تدخل الشر إلى بيتك لهذا الغرض، أولاً: اهتمامك في غير محله، أن تهتم فقط بالأخبار والكرة، وهذه لا تعنيك، ثانياً: لا يمكنك التحكم إذا أدخلته في أخذ هذه المواد فقط، بل ستأخذه وتأخذ كل ما فيه، وإذا أمكنك أنت أن تتحكم لم يمكنك أن تحكم غيرك، وأنت إذا وجدت قدراً مملوءاً بالعسل وعليه ملعقة من النجاسة، هل تأكل العسل هذا! فكيف إذا وجدته مملوءاً نجاسة وعليه ملعقة عسل، فهذا مثل، فنقول لك: يا أخي! لا تدخله، وإنما أدخل في بيتك النور والهداية والإيمان والدعوة، وأنقذ أهلك وأنقذ نفسك فإن الدنيا فانية، وسوف تجد نفسك يوماً من الأيام وأنت في حفرة مظلمة، ليس معك هناك إلا العمل، وتسأل هناك ولا تجاب، وتصيح فلا تغاث، وإنما ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].
стр. 50
العبادة الصحيحة سبب لتحصيل السعادة
السؤال
دعوت أحدهم للالتزام وداوم على الصلاة والأعمال الصالحة ولله الحمد، ولكنه بعد أيام يقول لي: لم أجد السعادة المذكورة في الطاعة، فما الرد على ذلك؟
الجواب
الرد عليه أنه لم يمارس السعادة الحقيقية، مارسها صورة، والصورة لا تغني عن الحقيقة شيئاً، مثال ذلك: إذا كان عندك صورة لسيارة -مجرد صورة فقط- فهل تستطيع أن تركب فيها؟ كذلك الصلاة إن كنت أديت الصلاة مجرد صورة: قيام وقعود وركوع وسجود، لم تنفع ولم تدخل السعادة عليك، وإن كنت أديت الصلاة بخشوع، وخضوع وحضور قلب، وبتلذذ وبمناجاة، حينها ستجد السعادة، فالعبادة لها صورة ولها حقيقة، حقيقتها الخشوع وحضور القلب، صورتها القيام والقعود، إذا كان معك خمسمائة ريال وذهبت وصورتها بآلة التصوير، فأخرجت لك خمسمائة مثلها، صورة طبق الأصل، الرقم والفئة والتوقيع، خذ هذه الصورة واذهب بها إلى عند بائع البصل واشتر بها حزمة بصل، تقول للبائع: تفضل هذه خمسمائة، ماذا يصنع عندما يراها؟ فإنه لا يقلبها منك وقد يرميها في وجهك، لكن أخرج خمسمائة حقيقية، واشتر بها بصلاً أو غيره، فإنه سيقوم بإرجاع الباقي منها، فأنت -يا أخي- يا من اهتديت والتزمت، أنت الآن تصلي مدة شهرين أو ثلاثة ولم تجد طعم العبادة ولا لذتها ولم تجد السعادة، نقول لك: إلى الآن لم تؤدِ العبادة على حقيقتها إذا أديتها على حقيقتها فإنك سوف تشعر بالسعادة.
стр. 51
إن من علامة سعادة المرء استغلال الوقت
السؤال
عام مضى وعام جديد فهل من كلمة حول هذه المناسبة؟
الجواب
نعم أيها الإخوة! وكنت أود أن يكون موضوع المحاضرة عن هذه المناسبة، لكن هذا الموضوع طرقته هنا في مدينة الرياض وأظن في هذا المسجد بعنوان: ميزانية نهاية العام، ولقد استمعت إلى هذا الشريط قبل فترة، ووجدت أنه لا يمكن أن آتي بمثله، ففيه من المعاني والعبارات ما لا يمكن أن آتي لأن الإنسان لا يمكن أن يبقى على حال واحد حتى في أدائه الدعوي، فإنه في نقص، وأقول: سبحان الله! كيف أتيت بهذا بالكلام ومن أين جئت به؟ لا أعلم، ولذا أقول للإخوة: اشتروا هذا الشريط، وليس دعاية لي؛ لأنه ليس لي من ورائه مال، والله لا آخذ على شريط شيئاً، لكن طمعاً إن شاء الله في الثواب، إذا أردت أن تشتري الشريط فاسمه (ميزانية نهاية العام) يعني: تقوم بمحاسبة وموازنة لنفسك، واعرف مكانك الإيماني، وأين أنت من الله؟ نحن قطعنا عاماً من أعمارنا، وودعناه بما استودعناه من عمل إما خيراً وإما شراً، وأعطانا الله فرصة جديدة ومد الله في أعمارنا، فهل نستغل هذه الفرصة ونصحح الوضع ونتوب إلى الله، ونمضي في الخط الصحيح، أم نستمر في الخطأ؟ لا.
إنّ تكرر الأعوام فيه إشارة وإنذار لنا من أننا في نقص، فأنت مجموعة أعوام، وأنت مجموعة أيام، كل عام يخرج جزء منك، إلى أن تنتهي أعوامك ثم تنتقل، مثل التقويم الذي ترونه معلقاً كم فيه من الورق؟ ثلاثمائة وخمس وستين ورقة، لكن كل يوم والمؤذن يقطع واحدة، إلى آخر يوم من أيام السنة، إذاً أنت مجموعة أيام كل يوم يمضي فهو منزع منك، يوماً يوماً، إلى أن تنتهي أيامك، وماذا يبقى؟ الجسد، فيذهبوا به إلى المقبرة، وبعد ذلك تجمع هذه الأيام التي قضيتها في الدنيا، فانظر ماذا عملت فيها فإن الملائكة تضعها في سجل، وإذا مت ودخلت القبر قالوا: خذ كتابك ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] قال الله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩] إن كنت صليت فستلقى صلاتك، وإن كنت قرأت القرآن فستجد قراءتك، وإن كنت دعوت إلى الله وجدت دعوتك إلى الله، وإن فعلت الخير تلقى الخير، تلقى أي شيء تعمله، وإن قلت شراً تلقى الشر: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] ماذا كنت تعمل؟ اعمل خيراً تلقى خيراً، اعمل شراً تلقى شراً ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤].
إذاً ما دمت تعرف أنه لا ينفعك في الآخرة إلا عملك الصالح فإذاً لماذا تفرط، وتضيع عمرك في عمل غير صالح؟ إنا -أيها الإخوة- هذا العام فرصتنا أن نتوب إلى الله، فنصلح الماضي كله بالاستغفار والتوبة والندم، ونصلح المستقبل بالنية الصالحة والعمل الصالح، ونصلح الحاضر بمحاولة الاجتهاد في الطاعة والعمل الصالح.
стр. 52
أحوال الناس في رمضان
تتفاوت أحوال الناس في رمضان كما تتفاوت في سائر مواسم الطاعات، فمن الناس من يستغل رمضان للإكثار من الخيرات، وكبح جماح النفس عن المعاصي والمنكرات، ومنهم من يدخل عليه رمضان ويخرج عنه وهو مازال في حيرته وتخبطه ومقارفته للمنكرات، وبذلك يتجلى في حقه معنى الحديث: (رغم أنفه من أدركه رمضان ولم يغفر له)
стр. 53
قصة تائب إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما أحسن الرجوع إلى الله! كلمة عظيمة رددها أخونا فهد بن سعيد ثلاث مرات، وهي كلمة ذات معنى؛ لأنها تخرج بعد معاناة؛ معاناة رجل عاش فترة من الزمن في ظل البعد عن الله، ثم رجع إلى الله فذاق لذة الرجوع إلى الله، وليس من ذاق كمن لم يذق، هذا الرجل يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني، هو يشعر الآن بنعمة الحياة في ظلال الإيمان، والله يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] هل يستوي هذا وهذا؟ لا يستوون أبداً، ويقول : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢١ - ٢٢].
فالذين قبروا في قبور الشهوات لا يسمعون أبداً، والذين يريد الله حياتهم يقول الله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣]، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢١]، ثم قال فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
стр. 54
الهداية بعد الضلال حياة
يقول هذا الرجل: الحمد لله الذي أحياه بعد ما أماته، أحياه الله بالهداية وبالتوبة والإيمان والالتزام بعد ما كان ميتاً، بماذا؟ ميتاً بالطرب وبالعود والغناء والبعد عن الله .
وهذه يعتبرها الناس هي الحياة، والله إنها ليست حياة إنها ذلة وخسارة وندامة في الدنيا والآخرة، إنما الحياة الحقيقية هي حياة القلب، ليست الحياة -أيها الإخوة- كما هي في مفهومنا تردد الأنفاس وجريان الدم، فهذه حتى الصراصير تعيش هذه الحياة، وحتى الذباب والحشرات تعيش هذه الحياة، إن الحياة حياة القلب وحياة الدين، فمن أحياه الله فقد حيا الحياة الحقيقية، ومن هو ميت فليطلب الحياة، يقول الشاعر:
الناس صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء
فالذين ماتوا وهم على قلوبٍ حية هم أحياء إلى يوم القيامة، وأما الذين ماتوا وقلوبهم ميتة فهم أموات، وأولئك لا يزالون أحياء
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسادهم قبل القبور قبور
ولازلت أذكر حين قرأت في جريدة الرياض في تحقيق صحفي أُجري مع الأخ: فهد بن سعيد قبل سنوات، قرأت في الجريدة التحقيق فقال بعد توبته: الحمد لله الذي أحياني حتى هداني، ولو أني مت في حياتي الأولى لكانت موتتي موتة حمار! نعم، لقد صدق، بل ألعن من الحمار، الحمار موتته لا يوجد بعدها شيء، إنما يسحبونه برجله وتأكله الأرض وانتهى، لكن الفاجر الذي يموت وهو على غير دين يتمنى يوم القيامة أنه كان حماراً، يقول الله : ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] فماذا يقدم الذي ليس عنده دين؟ هل يقدم سلسلة أغاني؟ أم يقدم كراتين دخان؟ أم يقدم مكتبة أشرطة غنائية، ومجلات، وجرائد نسائية؟ يقدم له زور وفجور وزنا وخمور وضلال؟! فليس لديه شيء يلقاه إلا ما قدم من العمل ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠].
الذي يموت على الضلال يتمنى أن يصير تراباً يوم أن تتحول الحمير والحيوانات إلى تراب، فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] أي: حماراً أو أي حيوان يحول إلى تراب، لكم الفاجر والكافر والضال عن الله يحول إلى النار وبئس القرار.
стр. 55
أهمية الثبات على دين الله
إن الثبات -يا إخوان- يحتاج إلى مبادرة من الإنسان نفسه، لا تطلب الثبات من الآخرين وأنت مقصر؛ لأن الثبات خاص بك، وهو داخل في دائرة اختصاصك، واثبت إلى آخر لحظة، حتى لا تموت موتة حمار، انتبه أيها الإنسان! اثبت ثباتاً؛ لأن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ -وهو صحابي جليل- بات ليلة عند باب رسول الله ﷺ وقدم له ماء في إناء صغير يقول: (ففتح النبي ﷺ الباب فوجدني أستمع إلى ذكره وهو يتقلب في فراشه وهو يقول: لا إله إلا الله، قال: يا ربيعة، ماذا جاء بك؟ قلت: أتسمع إلى الأذكار التي تقولها، قال: سلني يا ربيعة) يقول: اطلب مني شيئاً، وكانت همم الصحابة في السماء يعيشون بعد هذه الدنيا، ولو أن رجلاً منا كان مكان ربيعة لقال للنبي: أعطني أرضية، أو سيارة، أو وظيفة، أو شيئاً من الدنيا (قال: يا رسول الله! دعني أفكر في الطلب، ففكر، ثم جاء فقال له: سلني يا ربيعة قال: أسألك مرافقتك في الجنة) الله أكبر! هذه الرحلة البعيدة، نحن في هذه الدنيا لا نفكر في هذه الأمور، ولكن هذا الصحابي نظرته بعيدة، فقال ﷺ : (أو غير ذلك يا ربيعة؟ قال: ما هو إلا ذاك، قال: فما حملك على هذا؟ قال: نظرت إلى الدنيا وسرعة زوالها وانقضائها، ونظرت إلى الآخرة وعظمتها وبقائها، فآثرت ما يبقى على ما يفنى، قال: يا ربيعة، أعني على نفسك بكثرة السجود) دعوة النبي ﷺ لوحدها لا تكفي، لا بد من شيء من العبد نفسه، ولهذا قال ﷺ : (أعني على نفسك بكثرة السجود) قال العلماء: أي الصلاة.
فلماذا نص النبي ﷺ على الصلاة فقط ولم يقل: أعني على نفسك بكثرة العبادة؟ قال العلماء: لأنها غالب عمل المؤمن، وإلا فإن مع الصلاة زكاة، ومع الزكاة صيام، ومع الصيام حج، ومع الحج بر، وكل الإسلام، لكن عبر النبي ﷺ بالسجود وهو جزء من الصلاة؛ لأن غالب عمل المؤمن صلاة، فإنه يصلي في كل يوم خمس صلوات، ولا يصوم في السنة إلا مرة، ولا يزكي في العام إلا مرة، ولا يحج إلا في العمر مرة؛ لأن الصلاة هي لب أعمال الإسلام، وهي ركن الدين الأعظم، وهي عمود الإسلام، وهي قرة عين النبي ﷺ ، فنحن ندعو لأخينا ونقول: اللهم ثبتنا وإياه وجميع إخواننا المسلمين، وأيضاً ندعوه هو ونقول له: اثبت، ولكن كيف تثبت؟
стр. 56
وسائل الثبات على دين الله
أولاً: اتق قرناء السوء؛ الذين عندما تراهم كأنما ترى شيطاناً رجيماً، يريد أن يردك إلى ما كنت عليه سابقاً، فقل: أعوذ بالله منك، واتركه.
ثانياً: ابحث لك عن قرناء صالحين، وعن أناس طيبين من المؤمنين واجلس معهم.
ثالثاً: اجعل لك ورداً من كتاب الله تعالى، ولو تأخرت الشمس عن شروقها لا يمكن أن تتأخر عن هذا الورد، كل يوم اقرأ جزءاً من القرآن قراءة تفهم وتدبر.
رابعاً: اجعل لك ورداً يومياً من حديث النبي ﷺ ، فلا بد أن تقرأ ولو حديثاً واحداً يومياً.
خامساً: حافظ على الطاعات.
سادساً: ابتعد عن المعاصي والمنكرات.
فالله يثبتك، وهذه ستة مثبتات.
стр. 57
أدلة مشروعية الصيام
أما موضوع الدرس فهو (الخسران المبين)، ولكن لما كنا في شهر رمضان فإنني آثرت أن يكون الحديث عن أحوال الناس في شهر رمضان؛ لأنه مناسب أن أحدث الناس في شيءٍ هم فيه.
هذه عملية تشخيص وتصوير لأوضاع الناس، بحيث يعرف كل واحد منا أين موقعه ومركزه؟ فإن كان محسناً فليحمد الله ويثبت، وإن كان مسيئاً فليتدارك رمضان فإنه بقي علينا من رمضان الثلث، فقد ذهب رمضان وبعض الناس لا يزال يهنئ برمضان، فقد ذهبت الأيام الأولى بسرعة، وسينتهي بقية الشهر، فمن فاته شيء من عدم الاهتمام والتدارك، فعليه أن يتدارك نفسه في نهاية الشهر أو مع ما بقي من الشهر، ومن كان قد أحسن فليسأل الله القبول، ويسأل الله الاستمرار والثبات إلى نهاية الشهر.
شهر رمضان -أيها الإخوة- عبادة من أزكى العبادات، وقربة من أعظم القربات، وهو ركن من أركان الإسلام، ومبنىً من مبانيه العظام، دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤]، هذه آيات فرضية الصيام، ابتدأها الله بالنداء الحبيب الذي يحبه كل مؤمن وهو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٨٣]، وهذا النداء مشعر بعدة معانٍ، يقول ابن مسعود: [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه].
والنداءات في القرآن الكريم جاءت على أربعة أصناف: النداء الأول: نداء عام لجميع الناس، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣] فهذه آيات قوة ووعيد؛ لأن الناس فيهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فجاء خطاب عام.
النداء الثاني: جاء لفئة معينة من البشر وهم أهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- فأعظم نعمة أنك مؤمن، وإذا كُنت مؤمناً فالله وليك؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧]، وهل يضيرك شيء والله وليك؟ وهل تجوع والله وليك؟ وهل تعرى والله وليك؟ هل تترك أولادك جائعين وأنت وليهم؟ هل تدعهم عطاشاً وأنت وليهم؟ أبداً، فكيف إذا كان الله ولي الذين آمنوا؟! وبعد ذلك الله مع المؤمنين ويرعاهم وأعد الجنة لهم.
فإن رزقك الله الإيمان فهي أفضل نعمة يمنها الله عليك، ولهذا قال الله ﵎: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] فلتفرح بنعمة الإيمان، وبعد ذلك يقول: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧ - ٨] فنعمة الإيمان هي أعظم نعمة يمنها الله عليك أيها الإنسان، فلذا يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:٦] فهو خطاب خاص بأهل الإيمان.
النداء الثالث: نداء خاص بالكفار، وقد جاء مرة واحدة، وهو على سبيل الخبر عما سيكون يوم القيامة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم:٧] لأن المعاذير يوم القيامة تظهر بشيء عجيب! إذا وقف الناس في عرصات القيامة ورأوا النار تزفر وتمد أعناقها، لها عينان تنظران، ولها لسان تتكلم به وتأخذ شخصاً بعد شخص ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤] فهنالك تتفتق قرائحهم، وتظهر أشعارهم وبياناتهم في أعذار طويلة؛ لكن الله يقول: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم:٧].
يأتي المرابي فيقول: البيع مثل الربا، البيع والربا سواء بسواء، يقول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
يأتي الثاني ويقول: يا رب! الزنا مثل الزواج عملية جنسية، لكن ليس عندي حق الزواج، فيقول الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] فكل إنسان يبحث عن عذر، فقال الله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم:٧] وقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] فالأعذار تأتي كثيرة لكن ينساها الشخص، ومتى تأتي؟ عند الحاجة.
مثلاً: أنت تمشي بسرعة ولا تعلم أن هناك من يرصد سيرك وسرعتك، وإذا بشخص يوقفك ويقول: لماذا تسرع سرعة جنونية؟ ماذا تقول له؟ سوف تكذب سبعين كذبة، فتقول له: عندي رحلة في المطار، وأنت ليس عندك رحلة، وعندي مريض ينتظرني، لكنه سوف يكذبك ويقول: ليس عندك عذر لابد أن تخرج الجزاء هنا، وتكذب من أجل (ثلاثمائة ريال) لا تريد أن تدفعها، فأهل النار يعتذرون ليس من أجل المال، ولا من أجل السجن، لكن من أجل نار تأكل العظام وتفتتها، نار تشوي الوجوه، ليست نار يوم ولا نار سنة ولا نار مائة سنة ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ [النبأ:٢٣] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] عذاب مقيم؛ فراشك ودفاك وطعامك وشرابك وظلالك كله نار، وكل شيء نار -والعياذ بالله-، فتأتي أعذار ليس بعدها أعذار، ويكلم الله أهل النار وهم فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم:٧].
فالله لا يظلم، فعنده قواعد العدل كاملة، لا يأخذ أحداً بجريرة آخر، يقرر كل شخص على معصيته، هذا كتابك اقرأ كتابك أنت بنفسك، وبعد ذلك شهودك ليس من الجماعة ولا من الأقارب بل من نفسك، فعينك تشهد عليك، ولسانك يشهد عليك، وأذنك تشهد عليك، فإذا رأيت نفسك تشهد على نفسك فتقول لنفسك أيها الإنسان: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١].
النداء الرابع: نداء موجه لفئات خاصة، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قال الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة:٦٨]، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] إلى آخر ما فيه.
فنداء الإيمان الذي يأتيك من رب السماوات والأرض من عالم الخفيات ومن ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، شرف كبير أن الله يناديك وأنت لا تستجيب لربك! يناديك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:٦] يقول الصحابي: أرعها سمعك، انتبه كأنك تقول: لبيك يا رب وسعديك، ماذا تريد مني؟ أنا عبدك، أنا خاضع بين يديك، أنت مولاي وأنا عبدك، ماذا تريد يا رب؟ قال العلماء: (يا أيها الذين آمنوا) تشعر بثلاثة معان: الأول: عظمة المنادين ومحبة الله لهم أنه اختصهم بلفظ الإيمان.
الثاني: عظمة الأمر المأمور به بعد هذا اللفظ، فإنه لم يقل لهم: (يا أيها الذين آمنوا) إلا لشيء مهم يطبقونه؛ لأنهم مؤمنون.
الثالث: أن مقتضى إيمانهم يدفعهم، كأن هناك إلهاماً لمشاعرهم، وتحريكاً لأحاسيسهم؛ وأنا أقول لكم: (يا أيها الذين آمنوا) فمقتضى إيمان المؤمن أنه ينفذ أمر الله ﵎، يقول الله وهو يستثير فيهم كوامن الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ومعنى (كتب) أي: فرض وأوجب وألزمتم به، والكتابة في الشرع تعني أعلى درجات الإلزام، أي: فرض، وجب، ألزم، هذه أوامر، لكن (كتب) هذا شيء لا بد منه.
стр. 58
مشروعية الصوم على من قبلنا من الأمم
ثم جاء الأمر من الله بنوع من التدليل والتلطيف للمؤمنين أن هذه القضية ليست خاصة بكم؛ حتى لا تقولوا: لماذا يا رب كتبت علينا الصيام؟! فقال الله : ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣] فما كتبنا الصيام على أمة محمد فقط، وأنتم يا أمة محمد أحسن الأمم، وأنتم أفضل الأمم؛ لأن نبيكم أفضل الأنبياء، وكتابكم أعظم الكتب، وأنتم آخر الأمم، ودينكم آخر الأديان، يقول ﵊: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) أول نبي يدخل الجنة رسول الله ﷺ ، وأول أمة تدخل الجنة أمة محمد ﷺ ، وأول شافع ومشفع يوم القيامة هو رسول الله ﷺ ، وصاحب اللواء يوم العرض هو الرسول ﷺ ، وصاحب الحوض المورود هو الرسول ﷺ ، فكرامته عند الله وكرامة أمته عند الله جعل لها هذه المنزلة، فدين الله في حقكم ميسر فلا تتخيلوا أن الله كلفكم بشيء لم يكلف به الأولين؛ بل إن تكليف الله لكم بالصيام أخف من تكليف الله لغيركم من الأمم، فقد كانت الأمم السابقة يصومون ولكن بطريقة أشد من صيامنا، كان إمساكهم الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح والكلام، من أول ما يمسك حتى يفطر فلا يقل كلمة واحدة، وإذا قال كلمة انتقض صومه وعليه أن يقضي يوماً.
ورفع الله عنا هذا التكليف وأباح لنا الكلام؛ لكن أباح لنا الكلام بذكره وشكره، وتلاوة كتابه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلام الذي يحبه الله فيما يعود علينا بالنفع في الدين والدنيا، ولكن بقي الكلام المحرم محرماً؛ فالغيبة تبقى محرمة، والنميمة تبقى محرمة كما هي في شعبان وهي في رمضان أشد حرمة، ولهذا جاء في الحديث: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ولكنَّ كثيراً من الناس استخدموا هذه النعمة -وهي الكلام- في المعاصي، فتجد الرجل يجلس من بعد العصر حتى المغرب في متجره وهو يتكلم في الغيبة والنميمة، والمرأة تجلس طوال اليوم في الغيبة والنميمة، فأين استغلال هذه النعمة فيما أباحه الله ؟ فالله يقول: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] الذين من قبلنا من الأمم السالفة كان الله يفرض عليهم في صيامهم أشياء كثيرة من ضمنها الإمساك، اسمعوا ماذا يقول الله عن مريم ﵍؛ ومريم امرأة صالحة كانت تعبد الله عبادة منقطعة النظير، في بيت المقدس؛ لأن أمها لما حملت بها ووضعتها نذرتها لله، فقالت كما قال الله عنها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٥ - ٣٦] فالله استجاب دعوتها فأعاذها وأعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم.
فكانت امرأة محروسة بأمر الله، وكانت متعبدة وذاكرة وتالية وقائمة وقانتة لله في عبادة عظيمة ليس لها نظير، وأراد الله أن يجري عليها سنة من سننه وآية من آياته في أن تحمل من غير زوج، وهذا شيء ليس معتاداً لدى البشر، إذ لا يمكن أن يكون ولد إلا بزوج، ولكن الله يفعل ما يشاء ويختار، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يخلق ما يشاء من غير أسباب، خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق حواء من أب من غير أم، خلقت من ضلع آدم الأيسر، وخلق سائر البشر من أم وأب، وخلق عيسى من أم بلا أب.
ولهذا قال الله للذين قالوا من النصارى: كيف يكون من غير أب؟ قال الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] كيف تستبعدون أن يخلق الله بشراً من أم بلا أب ولا تستبعدون أن يخلق الله بشراً من غير أم ولا أب فهذا أكثر في الاستبعاد ولكنه موجود.
فأراد الله أن يجري عليها هذا الشيء فحملت، قال الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً﴾ [مريم:١٦] أي: ذهبت إلى مكان بعيد باتجاه المشرق.
وقيل في التفسير: إنها كانت حائضاً فأرادت أن تتطهر منه، فذهبت إلى مكان وكانت امرأة عفيفة متسترة، فاتخذت من دونهم حجاباً لكي لا يراها أحد ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم:١٧] أرسل الله لها جبريل وتمثل لها بشراً سوياً، فنفخ في جيب درعها (الثوب) فحملت، فلما قرب منها وهي امرأة طاهرة وعفيفة ظنت أنه يريد منها فاحشة أو شيئاً فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] استعاذت منه، وهكذا شأن المؤمنة والمؤمن.
وهذا يوسف ﵇ لما دعته امرأة العزيز قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] أي: أعوذ والتجئ بالله، وكذلك المؤمن إذا سمع مكالمة من خبيثة، أو رأى نظرة من خبيثة، أو جاءته رسالة من خبيثة، عليه أن يقول: معاذ الله! أعوذ بالله، وكذلك المؤمنة إذا جاءها شر من خبيث، أو سمعت مكالمة، أو رسالة من خبيث، فعليها أن تقول: أعوذ بالله منك.
فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] فقيدته بالتقوى؛ لأن التقي لا يفعل هذا الشيء، فهذا فعل الأشقياء والمجرمين والمنحرفين عن منهج الله ، فإن كنت تقياً فابتعد.
فقال لها مباشرة بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ [مريم:١٩] قال: أنا مرسل من الله لأعطيك غلاماً قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] تقول: ليس عندي زوج، ولست بزانية، كيف يكون لي ولد؟ فبين لها الحكمة: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم:٢١] هذا هو السبب الذي أراد الله من خلق عيسى ﵇ أن يكون آية على كمال قدرة الله، على خلق الأشياء من غير أسباب ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢١ - ٢٢].
قال المفسرون: إن حملها كان في نفس الوقت، حملت ووضعت في نفس اللحظة، هذا الذي يرجحه ابن عباس؛ لأنه ليس حملاً طبيعياً بأن حملته (تسعة أشهر) ولكن حملته فوضعته، كما قال الله : ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم: ٢٢] والفاء للتعقيب ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم: ٢٣] المخاض: آلام الولادة، فلما جاءها المخاض وجدت في نفسها من الآلام ما لا تستطيع حمله الجبال؛ لأنها حرة وطاهرة وعفيفة، والحر والطاهر لا يرضى أن يكون له شيء من هذه الأمور، كيف يقابل الناس؟ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] فتتمنى الموت قبل الوضع (وكنت نسياً منسياً) قبل هذا الوضع، ولكن الله لا يتخلى عنها؛ لأنها صالحة والله لا يتخلى عن العبد المؤمن إذا كان صادقاً معه، مهما حاك الناس حوله من الترهات، ومهما ألصق الناس به من الأكاذيب والافتراءات، فإذا كان صادقاً ومخلصاً فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فأجرى الله الدفاع عنها في هذا الموقف الحرج على يد هذا الطفل الصغير، قال تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] لا مجال الآن للحزن؛ فإن الله قد جعل تحتك سرياً، والسري: النهر الصغير الجاري العذب، قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥].
يقول المفسرون: كانت نخلة يابسة ناشفة لا يوجد فيها ثمر، والله أجرى لها الماء من أسفل والثمر من أعلى، فكانت تهز فينزل عليها الرطب الجني.
يقول العلماء والأطباء: إن أفضل طعام تتناوله المرأة في ساعات المخاض هو الرطب، فلا تعطها براً وسمناً ورزاً ولحماً، لكن أعطها رطباً تلد بإذن الله، ولا تعطها إبر طلق، لماذا؟ لأن الرطب فيه سعرات حرارية كثيرة تمد المرأة بطاقة تمكنها من عملية المخاض والولادة في حالة سعيدة ولا تحس بالآلام بإذن الله، ما عليك إلا أن تقرب لها الرطب وتقول لها: كلي، فالحبة أحسن من عشر إبر.
لكن بعض النساء حين تشعر بأي ألم تقول: الدكتور، المستشفى، حتى بعض النساء نست الله، وكانت المرأة في الماضي تقول: يا ألله! يا رب! يا رحمان! يا رحيم! وأما الآن فتقول: يا دكتور! يا دكتورة! فتعرضوا في بطونهم فلا يخرج إلا بعملية جراحية، ويخرجونه من بطنها، لماذا؟ لأنهن تركن الاعتماد على الله .
من الذي كان يخلص نساء المسلمين من آدم ﵇ حتى زماننا إلا رب العالمين، بعض النساء تلد وهي ترعى وتأتي والمولود على ظهرها تحمله، والبعض تلد وهي تجمع الحطب، والبعض تلد وهي في الحقل والزرع، فالله معهن؛ لأنهن مع الله، ويوم أن تركنا الاعتصام بالله وكلنا الله إلى أنفسنا، فتجدها من أول ما تحمل حتى تضع وهي مريضة، وبعضهن تسقط وهي جالسة، لكن يقولوا: اجلسي، لأنها لو مشت خطوتين أسقطت لعدم وجود الصلة القوية والعلاقة العظيمة بالله ، فهنا يقول الله أن عيسى قال
стр. 59
الحكمة من مشروعية الصيام
إذاً: الأمم السابقة كانت تصوم، كما قال الله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فقد ذكر الله الحكمة من تشريعه لهذا الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لم يفرض الله الصيام لمصلحة له، فالله غنيٌ عنا وعن صيامنا وعبادتنا، ولو صام أهل الأرض كلهم ما زاد في ملك الله شيء، ولو أفطر أهل الأرض كلهم ما نقص من ملك الله شيء؛ لكن الصيام شرع لنا لكي نتقي، وترتفع أرصدة التقوى في قلوبنا، ونشعر بحسن العلاقة مع الله، ولذا ترون الناس في رمضان أحسن حالاً منهم في غير رمضان، فعندما يصوم الناس ترتفع درجات التقوى عندهم؛ فيصلون في المساجد، ويقرءون القرآن، ويتصدقون، ويحبون الله، ويذكرون الله، لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لأنهم صاموا فاتقوا الله.
ثم قال وهو يلطف الأمر حتى لا ينزعج أصحاب البطون فقال: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: ما جعلناها سنة كاملة، ولا عشرة أشهر، ولا ستة أشهر من السنة، أي: ما جعل النصف صيام والنصف إفطار، وإنما هو شهر من اثني عشر شهراً، وكذلك هذا الشهر نصفه إفطار والنصف الآخر صيام، اثنتا عشرة أو ثلاث عشرة ساعة إمساك وبقية الليل من المغرب إلى الفجر أكل، فماذا بقي علينا من التعب؟ هذا في الماضي، أما الآن فلا ندري بالصيام، وما نصوم إلا من العصر إلى المغرب فقط؛ لأننا نتسحر ونصلي الفجر وننام إلى الظهر، ونقوم نصلي الظهر وننام حتى صلاة العصر، ثم نصوم إلى صلاة المغرب، فلا يبقى من صيامنا إلا من صلاة العصر إلى صلاة المغرب فقط، ثم بعد ذلك نفطر؛ لأن الصائم النائم لا يحس بألم، هل تحس بالجوع وأنت نائم؟ هل تحس بالعطش وأنت نائم؟ ولذا حين يستيقظ أحدنا في العصر ويذهب يصلي لا يزال السحور في بطنه ما ذهب منه شيء؛ لأنه لم يتحرك ولم يذهب، ولا يزال الماء في بطنه؛ لأنه لم ينزل منه قطرة عرق، وعندما يفطر يقول: والله إنني شبعان، والله ما كأني صائم؛ لأنك نائم طوال يومك، ما صمت إلا من العصر إلى المغرب، ولو أنك من الصباح في شغل فإنك صائم، لكن الأجر كامل إن شاء الله، ولا يتصور أحد أنه ليس له أجر، فالصيام صيام شرعي وأجره كامل، لكن رحمة من الله أن الله لطف بنا -أيها الإخوة- فنحن في نعمة.
قلت لأحد كبار السن في مكة: كيف كان صيامكم؟ فقال: والله ما كانت تأتي علينا الساعة (العاشرة) في أول النهار إلا وقد ذبل أحدنا كما تذبل الشجرة، وأصبح الشخص منا لا يوجد في فمه قطرة ريق، وإن لسانه كالسفنجة من العطش، فلا يستطيع أحدنا أن يتكلم بكلمة واحدة من شدة الجوع والعطش.
قلت: ماذا تعملون؟ قال: كل في شغله، هذا في مزرعته، وهذا معه إبله وغنمه، وهذا في سوقه.
قلت: لماذا لا تنامون كالناس وتشتغلون في الليل؟ قال: إذا نمنا نامت أرزاقنا، ولا يوجد عمل في الليل، فالليل من المغرب إلى قبل العشاء قليل على سرج بسيطة بزيت بسيط من القاز ندخره كما ندخر الذهب الأصفر، وبعد ذلك نطفئها والكل ينام؛ لعدم وجود النور، وأما الآن قد حولنا الليل نهاراً والنهار ليلاً، حتى العمال الآن في المباني معهم كشافات كأنها شمس، ويعملون من بعد المغرب إلى الفجر ثم يذهبون ينامون إلى المغرب، وقالوا: هم صائمون، فبعضهم يصلي، وبعضهم لا يصلي.
فهي أيام معدودة على الذين كانوا يتعبون فيها، أما نحن -ولله الحمد- اليوم فهي ساعات معدودة في حياتنا.
ثم قال بعد ذلك رحمة بالأمة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] مع أنها مبسطة ومكتوبة كما كتبت على الذين من قبلكم إلا أن الرحمة لا زالت تلاحق الإنسان في كل حالاته، فالمريض له عذر خارج عن إرادته، لأنه مرض بقدر الله، فما دام أن مرضه كان بقدر الله فالله رفع التكليف عنه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
قوله تعالى: ((أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) [البقرة:١٨٤] كان الناس يسافرون في طلب الأرزاق والمعايش، فليسوا كحالنا، فالذي لا يتحرك ولا يسافر يموت جوعاً، فيغربون ويشرِّقون، ويذهبون إلى اليمن والشام والعراق، وغيرها، ويذهبون إلى كل أرض من أجل لقمة العيش، والذي يجلس لا يلقى شيئاً.
يقول الشافعي ﵀: سافر تجد عوضاً عمن تصاحبه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب >
إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سار طاب وإن لم يجر لم يطب >
والشمس لو بقيت في الفلك واقفة لملَّها الناس من عجمٍ ومن عرب >
والتبر كالترب ملقىً في أماكنه والعود في أرضه نوع من الخشب >
لما تغرب هذا عز مطلبه وإن تغرب هذا عز كالذهب >
فالعود الموجود هنا يباع بالأوقية، لكن في بلده مثل الخشب، لكن عندما أتى إلى الرياض أصبحت الأوقية بمائة أو بمائة وخمسين، ولو أنه بقي في بلده لم يشتره أحد، وهكذا السفر كان في حياة الناس ضرورياً من أجل المصالح، فالله رفع عن الناس الحرج في السفر؛ لأن المسافر لا يجد وسيلة للراحة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] هذه -أيها الإخوة- مقدمة عن أصل مشروعية الصيام.
стр. 60
معاني الصيام
من الناس من ساء فهمه للصيام؛ وهذا نتيجة البعد عن حقائق الدين وأسرار الإسلام، إذ لم يفهم الكثير من الناس من الدين إلا المعاني الظاهرة والصور الباهتة الميتة، كما يفهم من الصلاة أنها قيام وقعود وركوع وسجود، ولكن قلبه في وادٍ والصلاة في وادٍ آخر، فهذا لم يعرف الصلاة حقيقة، فتراه يصلي وهو يحك ظهره، وينقر أنفه، ويحرك ساعته، فإذا سجد رمى بنفسه على الأرض، حتى في التراويح ترى أكثر الناس لا يصدق أنه أكملها، ولكنه يخرج بعد التراويح الساعات وهو في الأسواق يعرض ويدور، ولا يشعر بتعب، لكن نصف ساعة هنا كأنها عشرون ساعة، ويخرج ويصيح على الإمام، ويقول: زودها يقرأ صفحة، يريد أن يكسر أرجلنا، هذا منفر عن الدين! إذاً لماذا تقف في المعرض ثلاث ساعات خلف المرأة وهي التي تقودك بأنفك تريد أحذية، فهذه أحذيه ليست جميلة، فيذهب من معرض إلى معرض، وآخر شيء تقول له: والله ما وجدت شيئاً جيداً الليلة؛ لكي تخرج الليلة المقبلة، ثلاث ساعات وراء أحذية لا تمل، وأما نصف ساعة وراء الإمام في روضة من رياض الجنة، تسمع كلام الله والملائكة معك والله يرضى عنك، ويكتب لك حسنات، وما أن ينتهي منها كأنه طائر في قفص!! لماذا؟ لضعف الإيمان، ولعدم فهم الحقيقة الشرعية للصلاة، فالصلاة هي حركة القلب قبل أن تكون حركة البدن.
والصيام له معانٍ عظيمة في الإسلام، ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، فإن الامتناع عن الطعام والشراب والنكاح صورة من صور العبودية والتذلل والاستسلام، أما المعاني الحقيقية فهي أبعد من ذلك، ومنها ما قد ذكرها الشيخ سلمان العودة حفظه الله ووفقه في وقفاته المباركة ثلاثون وقفة في رمضان التي هي الآن تقرأ في المساجد.
стр. 61
للصائم فرحتان
من المعاني يقول النبي ﷺ ، والحديث في الصحيحين: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه).
كلنا -أيها الإخوة- نشعر بالأولى، أليس كذلك؟ وأسأل الله كما أشعرنا بالأولى أن يشعرنا بالثانية، فكما فرحنا في الفطر أن نفرح بلقاء الله ، ولا يوجد شخص في الدنيا عند الإفطار وهو غضبان، فإنهم كلهم مسرورون، حتى الغضبان يضحك في تلك اللحظة، لماذا؟ لأنها ساعة فرحة، وليس من الجوع، فهل ترون أحداً في ساعة الإفطار في الشوارع؟ تكون مقفلة، والدكاكين مقفلة، والسيارات موقفة، وعجلة الحياة كلها موقفة، والناس على السفرة ليس بسبب الجوع، بإمكان الشخص أن يصبر ثلاث ساعات أو أربع ساعات، لكنه يريد أن يلحق تلك اللحظة وهي لحظة الفرحة، ولذا إذا أفطر أهله؛ لأنه تأخر في مكان أو شيء، وجاء بعدهم بنصف ساعة وقدموا له فطوراً فما كأنه أفطر، يقول: فاتتني.
ما هو الذي فاته؟ هل فاته التمر؟ التمر موجود، هل فاتته الشربة؟ الشربة موجودة، إنما فاتته اللحظة، (وفرحة عند فطره) ما هي فرحة الإفطار؟ يقول العلماء: إنها فرحة التوفيق لأداء هذه العبادة، فرحة أن الله قبل منك هذه العبادة، فرحة أنك أفطرت بأمر الله، فالله أمرك أنه بمجرد غروب الشمس أن تفطر، يقول ﵊: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم) وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، أنت تمسك بأمر الله وتفطر بأمر الله، فهي فرحة عند الفطر.
وفي هذا الحديث يقول الشيخ سلمان في كتابه: إن هذا الحديث له بشرى بسعادة الدارين: سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة؛ فسعادة الدنيا تحققت بالفرحة عند الإفطار، هل يجدها الذي لم يصم؟ لا يجد هذه الفرحة، فبعض النساء حائض وأفطرت بعذر شرعي، وبعض الناس مريض أفطر بعذر شرعي، فإذا جاء الفطور ودعوه وقالوا له: تعال كُلْ.
فيأتي يأكل، لكن هل هو فرحان؟ يقول: والله فاتني ليتني صمت، والمرأة تقول: الله يعينني على هذه الأيام، الحمد لله على كل حال، وتجدها منكسرة القلب وغضبانة ومهمومة وتقول: لو أني صائمة.
وبعض النساء من مبالغتها تصوم وهي حائض، وتقضي كذلك، لكن تقول: أريد أن أصوم ولو أنها حائض، رغم أنه لا يجوز أن تصوم وهي حائض؛ لأن عليها أن تفطر ولو لم تأكل شيئاً فإنها مفطرة، حتى لو قالت: أنا سأصوم؛ لأن الصيام ليس فقط مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، فهي مفطرة بعذر الحيض، وعليها أن تقضي هذه الأيام.
فهذا معنى من معاني الصيام.
стр. 62
الصوم عمل قلبي
من المعاني -أيها الإخوة- التي يغفل عنها كثير من الناس وهو أن الصيام فيه ارتباط وثيق بقضية الإيمان بالله ، فإن الصوم عمل قلبي سري لا يطلع عليه إلا الله، إذ بإمكان الإنسان أن يظهر أنه صائم أمام الناس لكنه يفطر خفية، فلا يعلم أنك صائم أو غير صائم إلا الله ، فيوم أن تمسك بالصيام في السر والجهر ومع الناس ومع نفسك وفي كل لحظاتك، علام يدل هذا؟ يدل على أنك مؤمن بالله، وتشعر بمراقبة الله، وهذه المرتبة تسمى مرتبة الإحسان، وهي: أنك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فهذه نعمة من الله، بأنك تلتزم بالصيام بأمر الله فتشعر في قلبك بالمراقبة لله، ويتحقق لك بهذا الإيمان وهو من أعظم ما يملكه الإنسان في هذه الحياة.
стр. 63
التطلع والرغبة إلى الدار الآخرة
كذلك التطلع والرغبة فيما عند الله في الدار الآخرة، فإن الإنسان لا يترك شيئاً إلا مقابل شيء آخر، فالإنسان يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله، ولذا يقول الله في الحديث القدسي: (يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي)، من أجل الله لكي يعوضك الله في الآخرة هل هناك جوائز للصائمين في الدنيا؟ هل يوجد رواتب للصائمين في الدنيا؟ ولذا جعل الله باباً في الجنة اسمه (الريان) والحديث في الصحيحين، قال ﵊: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، لا يدخله إلا الصائمون) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يدخلون هذا الباب واسمه يشعر الإنسان بالنعمة، من الري وهو: الخير الكثير، الذي يشمل المؤمن في الدار الآخرة.
فعندما يصوم الإنسان يتطلع إلى ما عند الله ﵎ في الدار الآخرة من الثواب والجزاء الجزيل عند الله .
стр. 64
بالصوم يظهر الانقياد والتسليم لله تعالى
من المعاني: أن الصوم يظهر فيه الانقياد والاستسلام على أعظم صورها؛ إذ أنه لا يوجد تفسير منطقي عقلي لعملية الإمساك عن الطعام والشراب، لماذا نمسك من الساعة كذا إلى الساعة كذا؟ لا نعرف، فالله أمرنا، ونحن عبيده، ومقتضى العبودية أن العبد يسير في أمر سيده ومولاه، إذا كان عندك عبد فتقول له: يا عبد! اذهب وأحضر لي هذه؟ فإذا قال لك: لماذا؟ تضربه على وجهه، وتقول: اذهب، ولا تتدخل.
ترسل العبد وتقول: هذه مائة ريال اذهب وأحضر لنا مقاضي، يقول لك: لماذا المقاضي؟ تقول له: عندنا ضيوف، يقول: من هم الضيوف؟ تقول: آل فلان، يقول: لماذا تعزمهم؟ أوه طولتها، لا تتدخل أنت في هذه الأمور! فالله ﵎ سيدنا ومولانا وخالقنا وبارينا، ونحن عبيده يأمرنا ولا يحق لنا أن نسأله، ولهذا يقول الله : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، أمرنا أمراً (صوموا) ونحن نستسلم الآن، نؤدي عمرة في رمضان ونطوف في البيت فنسأله: لماذا نأخذ عمرة؟! ولماذا نطوف بالبيت؟! لا ندري، الله أمرنا، وقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، نسعى بين الصفا والمروة، لماذا نسعى؟ لماذا نهرول في منطقة معينة؟ الله أمرنا، فلا نقول: لماذا صلاة العشاء أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة الفجر ركعتان؟ لماذا لا يكون الفجر والمغرب أربع ركعات، والعشاء لا يكون ركعتين بسبب أننا متعبين؟ لا ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] ليس عملنا هذا، الأمر أمر الله والشرع شرع الله، ونحن عبيد الله، ولا يسع المسلم إلا أن يقول: آمنت بالله، رضيت بالله، مهما أمر الله نحن ننفذ أمر الله تعالى.
فالاستسلام والخضوع والانقياد لله يظهر بصورة واضحة فيما يتعلق بتنفيذ الإنسان للصيام.
стр. 65
الصوم رابط اجتماعي بين الأمة
وفي الصوم معنىً عظيم وهو: الترابط الجماعي بين الأمة؛ لأن المجتمع دائماً إذا تعارف على طاعة وعلى ترك معصية، يسهل على الناس كلهم أن يمارسوا الطاعة أو يتركوا المعصية، فالصائمون في المملكة العربية السعودية لا يجدون أي صعوبة في الصوم في رمضان؛ لأن المجتمع كله صائم، وحتى الكافر صائم؛ لأنه لا يستطيع أن يدخن أو يأكل في المطعم لماذا؟ احتراماً لمشاعر البلد وأهلها.
لكن لو أنك تعيش في بلد من البلدان التي لا تقيم وزناً للصيام مثلاً، وكنت صائماً ذلك اليوم، وإذا بالمطاعم يؤكل فيها في نهار رمضان ويشرب، فإنك سوف تعاني معاناة لا يعلمها إلا الله، ولا يأتي المغرب إلا وقد تقطع قلبك؛ لأن الناس مفطرون وأنت صائم، لكن عندما يكون الناس صائمون وأنت صائم فلا تشعر بشيء، وهكذا يقول العلماء: إن المجتمعات يجب أن تتماسك كلها في تنفيذ أمر الله، ومجتمع لا يوجد فيه زنا لا تجد شخصاً يفكر في الزنا، وكذلك مجتمع لا يوجد فيه خمر ولا ربا؛ لأنه لا أحد يفكر في الربا، وأما إذا أبيح الربا فيصعب على الإنسان أن يترك الربا وهو يرى الناس يرابون، وإذا أبيح الزنا ورأى الناس كلهم يزنون وهو لا يزني يصعب عليه، فممكن أن يقع في الزنا، وإذا رأى الخمور تشرب كما يشرب العصير في بعض البلدان، فيمكن أن يقع في شرب الخمور، ولذا جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أوامر الإسلام، بل عده بعض العلماء ركن من أركان الدين، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الدين، وهو صمام الأمان للأمة، فلا يبقى للأمة كيان إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو إظهار شعائر الله، وقمع المعاصي والمنكرات؛ لأن المعاصي إذا ظهرت وانتشرت واستمرأها الناس وأحبوها ستكون النفوس مريضة، وتحب المعاصي والشرور، ولكن عندما يرى الناس أن المعاصي محظورة وأن الذي يعملها يجلد ظهره، والذي يسرق تقطع يده، فكل شخص يقف عند حده، فالصوم يظهر لنا منه الترابط الذي يجب أن يكون في المجتمع والتعاون والتكاتف على تنفيذ أمر الله ، وترك معصية الله ﵎.
стр. 66
رمضان شهر تلاوة القرآن
ومن أسرار الصوم ومعانيه: أنه شهر التلاوة للقرآن الكريم، فهو شهر القرآن؛ لأنه أنزل فيه، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، فشهر رمضان شهر مذاكرة القرآن ومدارسته، وكثرة تلاوته، فاعرض نفسك على القرآن، (كان ﷺ يعرض القرآن على جبريل في رمضان في كل عام مرة، إلا في السنة التي مات فيها عرض عليه القرآن مرتين) فالمطبق الأول للقرآن هو النبي ﷺ ، كما قالت: عائشة ﵂ (كان خلقه القرآن)، ولكن الناس الآن يفهمون شيئاً آخر؛ يفهمون أنها التلاوة المجردة من التطبيق، فتجد الشخص يقول: ختمت القرآن مرتين، ختمت القرآن أربع مرات؛ ولكن هل وقفت على حدوده؟ إذا قرأت آية الربا فهل أموالك في البنوك الربوية؟ فإن قال: نعم.
فكيف يكون مالك في البنك الربوي وأنت قرأت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] لماذا لم تقف عندها؟ وكذلك هل تصلي مع الجماعة في أوقاتها، أم لا؟ هل عينك تنظر إلى الحرام؟ هل أذنك تسمع الحرام؟ هل لسانك يتكلم في الغيبة والنميمة والحرام؟ فاسأل نفسك فإنك تقرأ القرآن وكله أوامر ونواهٍ، فقف عند أوامر الله وحدوده، واعرض نفسك عليها، فإن كنت مطبقاً فالحمد لله، وإن كنت غير ذلك فتب إلى الله .
فهذا معنى شهر التلاوة، أما أن تتلو القرآن وتكرر تلاوته مرة أو مرتين أو أكثر ولم تعمل بأوامره ولم تنته بنواهيه فلا؛ لأن الله أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً، ولكن من فضل الله علينا أن الله جعل التلاوة عملاً بعد العمل به.
والقرآن يعذب صاحبه الذي لا يعمل به.
وعالم بعلمه لم يعملن معذبٌ من قبل عباد الوثن >
стр. 67
الصوم كفارة للمعاصي
من معاني الصوم: أن الصوم كفارة لجميع الذنوب الماضية، كما جاء في الصحيحين يقول ﵊: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ألست بحاجة إلى أن يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟! وكم هي ذنوبنا! فوالله لو كانت للذنوب روائح ما جلس أحد بجوار شخص منا، فإننا مذنبون ذنوباً كثيرة جداً، وليس تواضعاً بل حقيقة، فَكِّر حتى في صلاتك، فبعضهم يصلي صلاة ذنب، أي: طاعاتنا أحياناً تكون معصية؛ لأننا نمارسها بطريقة غافلة لاهية، بعيدة عن الخشوع وعن الخضوع لله ، فالمعاصي والذنوب لو كان لها روائح لفرَّ الناس منا، ألا نريد أن يغفرها الله لنا أيها الإخوة؟ بلى والله كلنا نريد ذلك، وكيف تغفر؟ بصيام رمضان إيماناً واحتساباً.
قال العلماء: (إيماناً) أي: تصديقاً وجزماً أن هذا فريضة من فرائض الله و (احتساباً): أي: طلباً للأجر والمثوبة من عند الله، فتمارس الصيام وتتشوق إلى ممارسة هذه العبادة، لماذا؟ لأنك تحتسب أجرها عند الله، وتفرح بثوابها يوم لقاء الله؛ لأن الله جعل الصوم له وجعل ثوابه عنده، يقول الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) والحديث صحيح، فعملك لك؛ فصلاتك وزكاتك يعطيك الله بعملك، وكل شيء، إلا الصوم فلا يعطيك الله بما عملت، وإنما يعطيك جزاءً من عنده من غير حساب؛ لأنه جزء من الصبر، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
فكيف يجزي ربنا عن الصوم؟ يجزي جزاءً عظيماً يضاعفه لمن يشاء.
نسأل الله أن يجزينا وإياكم وإخواننا وآباءنا وأمهاتنا وجميع المسلمين جزاءً تقر به أعيننا، ندخل به الجنة وننجو به من النار.
هذه -أيها الإخوة- بعض معاني الصيام.
стр. 68
أصناف الناس في رمضان
فقد نظرت إليهم وتأملت حالهم فوجدتهم لا يعدون خمسة أصناف:
стр. 69
الصنف الأول: الرابحون في رمضان
هذا الصنف موفق ورابح وناجٍ، قل ما شئت من العبارات، فهو يفرح برمضان وينتظره انتظار الملهوف، ويعد الأيام والليالي حتى يأتي رمضان فتقر عيناه برمضان، ويتمنى أن تكون السنة كلها رمضان، وإذا خرج رمضان فكأنه في عزاء، وإذا جاء رمضان فكأنه في عيد، ويستقبله أحسن استقبال، وكيف يستقبله؟ لا يستقبله بالطعام، ولا يستقبله بالسهرات، وإنما يستقبله بالتشمير عن ساعد الجد.
فيراجع نفسه ويتوب إلى الله من جميع الذنوب والخطايا، ويكثر من عبادة ربه، ويبحث عن إمام يطول الصلاة ويخشع فيها ويخضع، ثم يصلي معه من أول ركعة إلى آخر ركعة، حاضر القلب، مستقر الذهن، واقف القدم، يمارس العبادة بنشاط وهمة عالية، ولا يأتيها وهو كسلان؛ لأن الكسل من صفات المنافقين، يقول الله : ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤].
فإذا سلّم الإمام من الركعتين فقم بعده بنشاط، ولا تتأخر إلى أن يقرأ الإمام نصف الفاتحة أو الفاتحة كلها وبعضهم يتأخر إلى قرب الركوع وبعد ذلك يقوم، لماذا لا تقوم؟ قم، فالله يعينك ولا تتعب، وماذا تخسر؟ بالله كم خسرت أو كسبت يوم جلست وظهرت لك عضلة في ظهرك أو في رجلك؟ لا، هي كلها من الشيطان ويريد أن يفوت عليك الأجر، فقل: أعوذ بالله وقم، فلا يتلاعب بك الشيطان فتتكاسل عن الصلاة، فإذا سلم الأمام سلمت، وإذا قام إلى الصلاة قمت، ولا تتأخر، فإن القلب دال على الجسد، فإذا كان القلب قوي العزيمة فالجسد لا شك أنه سيكون قوي العزيمة وعالي الهمة، أما إذا كان القلب مريضاً ضعيف الإرادة فالجسم لا شك أنه سيكون مثله، نسأل الله السَّلامة والعافية.
وكذلك عليك -يا أخي- أن تتم الصلاة مع الإمام، أما أن تصلي ركعتين ثم تخرج إلى الدنيا فلا، والنبي ﷺ يقول: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، من صلى مع الإمام حتى يسلم آخر تسليمه من الوتر كتبت له كأنه قام الليل كله، فلو خرجت وتركت الإمام فليس معك إلا ما صليته.
هذا هو الصنف الأول الذين يفرحون في رمضان ويشمرون عن ساعد الجد، ويفرحون بتنظيم أوقاتهم في كثرة الصلاة، الصلاة المفروضة، والتراويح مع الإمام، وبعد ذلك كثرة التلاوة، تلاوة منقطعة النظير، إذا سألت عنه في المسجد وإذا هو يقرأ، كان السلف رضوان الله عليهم إذا دخل رمضان يمتنعون عن مدارسة العلم، ويعكفون على قراءة القرآن باستمرار، حتى أثر أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، مرة في الليل ومرة في النهار، فمتى كان يأكل؟! ومتى كان يشرب؟! ليس كأمثالنا، نحن الآن حمير مقاضي، يأخذ الشخص منا الكراتين في المساء، وإذا به في الصباح ينزلها (قمامة) ويأكل منها الثمن والثمن كثير، بينما كان الأولون لا يعرفون هذا كله، يقول الإمام الشافعي: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم.
فتجد الأكل والشرب والمقاضي مصيبة الناس في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهذا يشمر عن ساعد الجد ويبحث عن أول شيء تلاوة القرآن باستمرار، قال لي أحد الشباب: كم؟ قلت: أتصور أن في كل ثلاثة أيام مرة، خصوصاً شبابنا ومدرسينا في هذا الشهر في إجازة وليس عندهم شيء إلا قراءة القرآن.
فعليهم أن يقرءوا القرآن، فينام إلى الساعة العاشرة صباحاً مثلاً، ثم يستيقظ فيصلي الضحى، ثم يقرأ القرآن إلى الظهر، ثم يذهب إلى المسجد فيصلي الظهر ويجلس يقرأ حتى صلاة العصر، ثم يصلي العصر ويقرأ حتى صلاة المغرب، فيصلي المغرب ثم يأكل طعام العشاء ويصلي العشاء، وصلاة التراويح، ثم يقرأ القرآن طوال الليل؛ لأن هذا الشهر شهر القرآن.
يقول الشاعر:
اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن
فهذا شهر القرآن نزل فيه القرآن فلابد أن نقرأ فيه القرآن.
وهذا المشمر شمر في اختزان شيء من مصروفاته الشهرية، وصرفها على الفقراء والمساكين والجيران، وتفقد حالهم ومن يهمه أمرهم، وأهدى لهم، واشترى لهم المقاضي، وأملأ ثلاجاتهم بالخيرات، وبعد ذلك أخذ عمرة في رمضان؛ لأن الحديث في البخاري يقول ﵊: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) أي: مع النبي ﷺ ، إذا أردت أن تحج مع النبي ﷺ فاعتمر في رمضان، فإنها لا تكلف عليك إلا القليل.
والمشمر في هذا الشهر يشغل ليله بمدارسة العلم، وبزيارة أهل العلم والفضل، وبزيارة الأقارب والأرحام والجيران، فهؤلاء الرابحون في رمضان، ولكنهم قليل، والذي يؤسفنا أنهم قليل.
стр. 70
الصنف الثاني: الخاسرون في رمضان
وهم قسم خاسر -والعياذ بالله-، وهم الذين يكرهون رمضان، فإذا جاء رمضان فكأنه ضُرب وجهه بعصا، يقول: أتاك رمضان! فقد ذكر ابن الجوزي قصة لمغفل في كتاب الحمقى والمغفلين، قال: كان له حمار مريض، فلما مرض الحمار وهو يريد أن يشفى بأي وسيلة؛ لأن الحمار كان ثمنه مرتفعاً كالسيارات الآن، فنذر لله أن يصوم سبعة أيام إن شفي الحمار، فشفي الحمار وأصبح يمشي، فوفى بنذره وصام سبعة أيام، فلما انتهت السبعة الأيام مات الحمار، قال: فعلتها بي يا ربي!! والله لأخصمنها من رمضان القادم!! هو أصلاً لم يصم لله وإنما صام للحمار، ويوم أن مات الحمار قال: سوف أخصمها من رمضان القادم.
كيف المسألة؟ حسابات تجارية! فهؤلاء الخاسرون يدخل عليهم رمضان فيضيقون منه ضيقاً لا يعلمه إلا الله، فيعد أيامه ولياليه كأثقل ما تكون، وكل يوم يسأل عن التاريخ ويصيح.
وحكي: أن أعرابياً دخل عليه رمضان، فقيل له: دخل رمضان، فقال: والله لأقطعن شمله بالأسفار.
فسافر لكي يقطع رمضان، وهو لم يعرف أنه سيقضي، قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وإذا عنده إيمان فهو أصلاً ملزم بالقضاء، فالسفر يجب أن يكون سفر طاعة، أما سفر المعصية فليس بسفر.
فهؤلاء الخاسرون الذين يستثقلون رمضان، وتطول عليهم أيامه ولياليه، وينتظرون وصول ليلة العيد على أحرِّ من الجمر؛ لأنهم حجزوا عن الشهوات والملذات والمحرمات، وخاصة الذي يمارس المحرمات فلا يستطيع أن يمارسها في رمضان، فتجده لا ينتظر إلا انتهاء رمضان؛ لكي يرجع إلى المحرمات التي كان عليها.
ولذلك أثقل على نفسه؛ لأنه لم يعتد الصلاة في المسجد، لكنه عندما تسحر وأذن المؤذن ذهب إلى المسجد وهو كسلان، وكذلك صلاة المغرب، فهو يترقب انتهاء رمضان فيعاهد إبليس على أَنْ لا يدخل المسجد؛ لأنه عبد إبليس، فلا يحب الله ولا رسول الله ﷺ ، فهذا خاسر؛ لقول النبي ﷺ وهو يصعد المنبر: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، خاب وخسر، قالوا: من هو يا رسول الله؟! قال: من أدرك رمضان ولم يغفر له) أي: دس أنفه في الرغام، وهو التراب الدقيق الذي يأتي في الطرقات الرملية.
فلا يغفر لمن أدرك رمضان إلا لمن صامه إيماناً واحتساباً وليس تثاقلاً، وإنما إيماناً ويحتسب ثوابه عند الله وليس مهموماً في رمضان.
فهؤلاء هم الخاسرون، نسأل الله أَلا يكثرهم في المسلمين.
стр. 71
الصنف الثالث: من ضيعوا رمضان بالإكثار من الشراب والطعام
وهم عباد الشهوات والبطون، الذين يفرحون في رمضان بسبب أنه موسم للأكلات وتعدد الأصناف من الطعام، فهذا يقول: أتاك شهر الخير، فيقول: الحمد لله دخل شهر البركات، شهر السنبوسة والشربة والكنافة والكبسة، ويعدد لك أشهى وألذ المأكولات.
فالله شرعه من أجل أن نصوم ونجوع ونعطش، لكي نحس بأن هناك من الناس من هو جائع طوال العام، ومساكين طوال العام، فنأخذ من أقواتنا ونشاركهم، أما أن نثخن بطوننا ونملأها بما لذَّ وطاب من أنواع الطعام فلا.
فهؤلاء هم الشهوانيون المضيعون، الذين لم يفهموا من رمضان إلا أنه شهر أكل وشرب، فمن أول رمضان وهو يُحَمِّل السيارة بالمقاضي، وكذلك في بقية الشهر، فتراه يأخذ من كل أصناف الطعام، وتجده لوحده أو مع امرأته وطفلين أو ثلاثة، لكنه جشع وطمع، فإذا أنزلت على السفرة تجدها عشرين صنفاً أو تزيد، ولو أكل صنفين لأشبعاه؛ لكن جشع وطمع -والعياذ بالله-، فيأكل من كل نوع جزءاً بسيطاً جداً، ثم يأخذ الباقي ويرمي به إلى القمامة؛ لماذا هذا؟ لأنه لا توجد مراعاة لنعم الله .
فهؤلاء مضيعون؛ لأنهم لم يعرفوا حكمة الصيام، وأنه من أجل الإكرام والإنفاق والجود على الفقراء والمساكين، يقول أحد الصحابة ﵁: (كان النبي ﷺ أجود من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان) فهو يجود بما هو موجود تقول عائشة: (يدخل الهلال ثم الهلال ثم الهلال -ثلاثة أهلة- ولا يوقد في بيت آل محمد نار).
تصور -أخي الكريم- أن الغاز ينتهي فكيف سيكون حالك؟ فإذا دخلت على المرأة تقول لك: عجِّل أسرع ليس عندنا غاز، فتقول لها: سآخذ خبزاً من الفرن، فتقول: لا يصلح إلا بإدام ولحم، ولا يمكن أبداً أن نجلس ليلة بدون نار، فهل يستطيع بيت أن يجلس يوماً بدون غاز في عصرنا هذا؟ عزاء ومأتم ومصيبة، أما بيت النبوة فيمر شهران ولا يوقد فيها نار؛ فقال عبد الله بن الزبير: (يا أماه! فما طعامكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) والله لقد ذهبوا بلذة الحياة ﵃ وأرضاهم، ونحن نشعر أن عندنا لذة الحياة؛ فليست لذة الحياة بالأكلات والملابس والمباني، بل لذة الحياة في العبادة والقربة والمناجاة لله ﵎.
كثير من النساء ضيعت عمرها في الطبخ، بعض النساء من أول رمضان إلى آخره لا تقرأ صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم؛ لأنها مشغولة، بل من أذان الظهر وهي تقوم كأنها مكينة تدور في المطبخ، وهي مستنفرة كافة أفراد البيت استنفاراً عاماً؛ لكي تطبخ الفطور، وإذا دخلت المطبخ تجد النيران مشتعلة في كل اتجاه، فالموقد له عشرة عيون، وكل عين عليها قدر ينضج، والرجل يدخل يساعدها وكذلك البنات وهي تشرف عليهن.
وهذا كله من أجل ماذا؟ من أجل بطن تملؤها سبع تمرات، وهي من الظهر إلى المغرب تطبخ، ومن المغرب إلى الساعة الحادية عشرة تأكل، ومن الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الرابعة تتمشى في الأسواق، ومن الساعة الخامسة إلى الساعة الثانية عشرة ظهراً وهي نائمة، فمتى تعبد الله؟ ومتى تقرأ القرآن؟ فلا يوجد وقت للقراءة، والتي تأتي منهن أحياناً للصلاة، فبعض النساء تأتي إلى الصلاة في المساجد فهذه موفقة لكن بشرط: أن يكون عملها خالصاً لله ولا تقصد به رياءً؛ لأن بعض النساء تقول: صليت البارحة بعد الشيخ فلان، فأفضل صلاة المرأة في بيتها، لكن نقول: تصلي في المسجد؛ لكي تستطيع أن تنشط للصلاة، لكن التي تستطيع أن تصلي في بيتها وتقرأ القرآن فهذا أفضل لها من المسجد، أما التي تخاف أن تجلس في البيت فيأتيها الكسل، نقول لها: صلي في المسجد، بشروط: أولاً: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.
ثانياً: أن تأتي بثياب لا يوجد فيها زينة.
ثالثاً: أن تكوني متحجبة من رأسك إلى قدمك مثل الغراب الأسود.
رابعاً: أن تأتي وتجلسي في طرف المسجد، فلا تتكلمي ولا تعلم بك حتى النساء، ثم تخرجي بعد ذلك إلى سيارتك فلا يعرفك أحد، لكن بعضهن تأتي بثلاجة القهوة في يدها لكي تنبسط، وبعضهن تأتي بالمكسرات، ويأتي بها السائق الأجنبي وتمارس عبادة عن طريق معصية، فلا ينبغي هذا، ثم تأتي وتسأل عن الفطور وعن أنواع الفطور، وتقول لأختها: أنا عملت أشياء جديدة، ثم تريها طبق الطبخ، وإذا بها تعمل طبق الفطور في المسجد، فأغرت الناس وغررت على المسلمات، فأين الدين؟ فهذا يدخل ضمن المضيعين الذين ضيعوا رمضان في بطونهم، وسينتهي رمضان واسألوا أهل البطون في آخر رمضان ماذا بقي معكم من الأكلات؟ فلن تبقى ولا حبة، فكلها ذهبت إلى المجاري.
стр. 72
الصنف الرابع: من يقضي ليله بالسهر على المعاصي
وهذا يختص بكثير من الرجال، وهو الذي يقضي ليله في كثير من اللهو الباطل، إما بالسهر على مشاهدة أفلام الفيديو، قد قال لي أحد الإخوة: إنها تنشط في رمضان؛ لأن الناس لا يحبون التلفاز في رمضان؛ لأنه يصلي التراويح، وفيه أفلام فيها دين، والناس لا يريدونها، فلا يريدون التلفاز لأنه متدين، فينشطون على الأفلام، فتجدهم وقوفاً كالذباب على النجاسة على أفلام الفيديو، يشترون أفلاماً خبيثة ومسلسلات ونساء وأشياء لا ترضي الله ﵎، يشترونها ويقضون ليالي رمضان التي هي ليالي القنوت والتهجد والمغفرة والقرب من الله يقضونها، في هذا الأمر والعياذ بالله.
وبعضهم يمكث في المقاهي، يخرج من بعد العشاء فيجلس إلى السحور، فكل وقت ينادي: افعل حجر يا ولد! إذا سألته، قال لك: أُعَمِّر.
تظن أنه يعمر عمارة، فتراه يدمر لا يعمر، فيدمر ماله وصحته، فيعمر الشيشة، يسمونها عمارة وهي دمارة -والعياذ بالله-، وعلى الدخان والأفلام والأغاني مرتفعة في المقهى، وعلى الألعاب: الكيرم، والضومنة، والمينبول، والنرد، والشطرنج، والبلوت، فيضيعون أوقاتهم فيقومون كأنهم قاموا على جيفة حمار، وهذا حديث صحيح عن النبي ﷺ ، يقول: (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار) المجالس إذا اجتمعت على جيفة حمار ثم تفرقت، انظر كيف وجوهها ومخالبها، وفي الحديث يقول ﷺ : (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة).
فهل تعمر ليالي رمضان بمثل هذه التراهات والخزعبلات؟!! فأنت رجل عاقل في الأربعين أو الخمسين، رجل مرموق، رجل بمنصب عالٍ وتضيع وقتك مع زملائك بدلاً من أن تقول: آتوني بكتاب الله، آتوني بـ رياض الصالحين، بـ صحيح البخاري، آتوني بسيرة النبي ﷺ ، هيا نزور أخاً في الله، أو نزور عالماً من العلماء، أو نجلس مع أهلنا وننبسط معهم، وبعض الرجال لا يعرف زوجته في رمضان ولا يعلم عنها شيئاً، من أول ما يتعشى يذهب ويلعب (البلوت) إلى السحور، فاثنان يقومان واثنان يجلسان.
هذا عمل أطفال وليس عمل رجال، ولو رأيت ولدك يلعب بالمكعبات البلاستيكية يعمل له عمارة فلا تستغرب منه؛ لأنه يلعب، ولو رأينا الكبير يبني له عمارة بالبلاستيك ما رأيكم، نضحك عليه أم لا؟ إذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أعمر لي عمارة بهذا البلاستيك، نقول: والله إنك أخبل! وإذا وجدنا معه لعبة طيارة أو سيارة وهو يلعب بها، فإذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أتسلى.
فأقول: التسلية بالسيارات والألعاب أسهل من التسلية بالبلوت؛ لأن هذه الأوراق أصلاً اخترعت للأطفال من أجل تسليتهم، أما الرجل فلا يوجد عندهم وقت، ولذا يقولون: إن أعظم قاتل هو قاتل وقته وحياته، فهذا عمرك تضيعه! سبحان الله! الله خلقك للعبادة وأنت تلعب! يقول الله في الحديث القدسي: (ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب).
الله خلقك للعبادة، والعبادة: هي كل ما يحبه الله ويرضاه.
ليست الصلاة والصوم فقط، فكل شيء يحبه الله عبادة، حتى جلوسك مع أهلك عبادة؛ لكن تترك أهلك لمصالحك وسهرك على المعاصي، وبعض الموظفين ينام على الطاولة؛ لأنه سهران طوال الليل؛ لكنه لو كان نائماً طوال الليل لأتى الصباح يداوم وهو مرتاح.
فكثير من الناس ينام في النهار؛ لأنه لا ينام في الليل.
فنقول لإخواننا الذين هم من الصنف المضيع: اتقوا الله في أوقاتكم، واقضوا ليالي رمضان فيما يعود عليكم بالنفع؛ إما دنيا أو آخرة.
стр. 73
الصنف الخامس: من ضيعوا رمضان بالرياضة
وهم الذين بمجرد دخول رمضان يبحثون عن ساحة فارغة، وهذه الساحة يقيمون فيها أعواداً عليها كشافات، ويشكلون فريقاً ونوادي ولعب كرة طائرة وسلة من المغرب إلى السحور، فممارسة الرياضة لا نقول فيها شيئاً، وهي أفضل من اللعب السابق؛ لأنه لعب يفيد، لكن الذي ننقم عليه أنها تمارس بشكلٍ غير منضبط، بحيث يقضي الشخص وقت الليل كله في اللعب، فلا يصلي التراويح ولا العشاء، ولا يقرأ القرآن، أما إذا اجتمع مجموعة من الشباب في مركز صيفي أو معهد علمي أو نادٍ رياضي وصلوا التراويح مع الجماعة، ثم جاءوا بعد ذلك ولعبوا ساعة أو ساعتين كرة قدم أو طائرة، ثم بعد اللعب اجتمعوا وتناولوا مشروباً، ثم أخذوا كتاباً وتناقشوا فيه، ثم تفرقوا، فهذا لا يوجد فيه شيء؛ لأنه نوع من التسلية التي فيها منفعة، أما أن نقضي أوقاتنا طوال الليل في اللعب، ويذهبون إلى الساحات آخر الليل للتفحيط؛ لأن النوم لا يأتي بعد الفجر مباشرة، فإذا ذهب إلى البيت فلا يأتيه النوم، لكنه يقول: أحسن وقت بدلاً من أن يجلس يذكر الله ويقرأ القرآن في المسجد، ويصلي ركعتين بعد شروق الشمس ويقوم بحجة وعمرة تامة تامة تامة، يذهب يفحط، فهذا نوع من الهوس والجنون، وإذا أردت أن ترى مجنوناً فانظر إلى مفحطٍ؛ لأنه يبحث عن الموت وهو في سلامة، ويمشي بسرعة قصوى والآخر يقابله بمثلها إلى أن يتقابلوا فلا يبقى بين الأول والثاني إلا شبراً، ثم يلف هذا يميناً والآخر شمالاً فتصيح كفرات الأول والثاني، والجمهور يصفق له، يصفقون للخبلان والمجانين! هذه -أيها الإخوة- أصناف الناس فأين نحن منهم؟ نسأل الله أن نكون من الصنف الأول فمن لم يكن في الصنف الأول فليلحق به، وينتقل من الأصناف الضائعة.
стр. 74
أهمية استغلال العشر الأواخر من رمضان
العشر الأخيرة من رمضان ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يخصها من العبادة والذكر بما لا يخص به غيرها من سائر أيام الشهر، وقد قالت عائشة ﵂ في الصحيح: (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقض أهله، وأحيا ليله، وشد مئزره) شد مئزره، أي: انعزل النساء، وأيقض أهله، أي: لا يترك أحداً ينام، وأحيا ليله بالعبادة.
وقد أخذ العلماء من هذا مشروعية التهجد الذي يضاف إلى التراويح في العشر الأواخر من رمضان، فيصلي الناس التراويح أول الليل ثم يذهبون إلى البيت ليتناولوا شيئاً من الطعام أو يجلسوا مع أهلهم، وبعد ذلك يعودون إلى المساجد فيتهجدون ساعة ونصف أو ساعتين، وكلها عشر ليالٍ فلا نضيعها، فعلينا أن نغتنمها فإنها ستنتهي وسوف نندم إن فرطنا فيها.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 75
الأسئلة
следующие страницы →