Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
سعادة البشرية تكون في تطبيق دين الله
ولقد طبقت البشرية فترةً من الزمن هذا النظام فسعدت وطابت الحياة، حتى مكث عمر بن الخطاب قاضياً لـ أبي بكر الصديق عامين كاملين وما قدمت له قضية واحدة، لأنه ليس هناك ما يرفع للحكام، فالناس منصفون، والناس يخافون الله، فعندما أختلف أنا وأخي ونصل إلى القاضي وأنا أعرف أن الحق عندي أو أن الحق عنده، إن كان الحق عندي أعطيته بدون حكم القاضي، وإن كان الحق عنده أعطاني بدون قاض، لكن إذا فسدت الذمم النفوس صعبت مهمة القضاة.
يقال: لو أنصف الناس لاستراح القاضي؛ لأن القاضي لا يعلم كيف يحكم بين اثنين أصحاب دعاوى طويلة عريضة، وأصحاب حجج قوية، والحق واحد.
وأيضاً العاطفة لا تحكم الكون، والأهواء لا تسيطر على نظام الحياة، ولو دخلت العواطف في نظام الكون لفسدت الحياة، يقول الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون:٧١] ماذا يحصل؟ ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١] تفسد مباشرةً، لماذا؟ لأن أهواء الناس تختلف ورغباتهم تتنوع، وما يرضي زيداً لا يرضي عمراً، وما يصلح لهذا البلد لا يصلح للبلد الثاني، وبالتالي تبدأ الصراعات وتبدأ الرغبات والمنافسات، ويفسد نظام الحياة، أما النظام الواحد الموضوع من قبل الله، فيطبق على الكبير والصغير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى العربي والأعجمي، فالناس أمام أحكام الله سواسية كأسنان المشط.
ولهذا كان الجاهليون يستصعبون أن يقام الحد على العظماء والوجهاء، فحين سرقت المرأة المخزومية قالوا: لا يمكن أن تقطع يدها، لا بد أن نرى لها حلاً، وصعب عليهم الأمر، وما تجرءوا أن يشفعوا عند رسول الله ﷺ .
قالوا: ابحثوا عن أحب رجل عند رسول الله، فوجدوا أن أحب رجل إلى رسول الله ﷺ هو أسامة بن زيد، وكان يسمى حِب رسول الله، فجاءوا إليه وكلموه، فقام وتكلم مع النبي ﷺ ، فغضب ﵊ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة! والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) لا تدخل هنا العواطف، وقال: (إنما أهلك من كان قبلكم -الذي أفسد نظام الحياة قبلكم في اليهودية وفي النصرانية وفي الجاهلية- أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).
أما في ظل دين الله فلا، وهذا معنى الكمال في هذا الدين العظيم، أنه نظام عظيم، وإن من ضمن ما شرع الله في كتابه الكريم: الحدود الشرعية التي تضمنت العقوبة الرادعة والعلاج الناجع لقطع دابر الفساد واستئصاله من أساسه؛ لأن الإسلام لا يعرف حلولاً نصفية.
إذا كان في جسمك الدودة الزائدة وهناك علاج يسكنها لكن يحتمل أن تثور عليك في أي وقت ثم تنفجر وتموت، فماذا يقول الأطباء؟ يقولون: نجري لك عملية، ظاهرها شيء صعب، ولذا يأخذون عليك إقراراً قبل العملية، ويوقعونه من قبل شاهدين بأنك إذا مت فلا تعويض لك بريال واحد فتقول: لا مانع عندي سأوقع، أقرر أنا فلان بأنني راضٍ وموافق على إجراء العملية الجراحية لي، ومتحمل كل ما يحدث عنها من نتائج.
وتدخل غرفة العملية وتسلم نفسك، وتتناول البنج وأنت تعرف أن بعد البنج المشاريط والسكاكين سوف تبدأ تقطع في جسمك وفي بطنك، وتغرق أمعاءك، ويبحثون عن شيء في بطنك يستأصلونه، لماذا؟ أليست هذه قسوة؟ أليست هذه وحشية؟ لماذا الأطباء قساة؟ ليسوا قساة ولكنهم عندهم رحمة بالجسد الكامل فقطعوا هذا العضو الفاسد لئلا يفسد الجسم كله، فتضحي بعضو في سبيل صلاح الجسد.
стр. 1017
تطبيق الحدود ضرورته وثماره
شرع الله هذه الحدود وهو أعلم ﵎ بما يصلح العباد، شرع الحدود بما يقضي على دابر الفساد.
القاتل يُقتل، والسارق تقطع يده، هذه اليد في الدين كم ديتها؟ نصف الدية لكنها تقطع في ربع دينار، إذا سرق رجل ما قيمته ربع دينار من حرز وتوفرت شروط القطع تقطع اليد، ولهذا يقول المعترض على حكم الشرع:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
أي: كيف تقطع في ربع دينار وثمنها خمس مئين ذهب، قال له الناظم الآخر:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
هي غالية إذا كانت أمينة، لكنها رخيصة إذا خانت.
وأيضاً: الزاني يجلد جَلدَ الحمار، يخرج في السوق ويمسك ويبطح ويضرب بما يضرب به الحمار في ظهره إذا كان بكراً، وإذا كان ثيباً فإنه يرجم ليوزع الألم والموت على كل جزئية من جزئيات جسمه، لماذا؟ لأنه تلذذ بالزنا في كل جزئية من جزئيات جسمه، ولذا يرجم ويموت مائة موتة، يموت مع أول حجر ويموت مع الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وكم يأتيه من الموت، هذا عذاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشد، لماذا؟ لأنه ما عرف حرمة أعراض المسلمين.
والمحارب لله ورسوله يقتل أو يصلب أو تقطع يده ورجله من خلاف أو ينفى من الأرض بحسب جريمته وبحسب تقدير ولي الأمر لنوع هذه الجريمة، وما يقضي عليها وما يمنع فشوها وانتشارها، هذه أحكام -أيها الإخوة- من الذي سن هذه الأحكام؟ إنه أرحم الراحمين.
يقول النبي ﷺ في غزوة من غزوات الإسلام -في غزوة ثقيف- وكان جالساً يقسم المغانم، إذ جاءت امرأة من النساء وهي تبحث في المعركة عن ولدها، فلقيت ولدها مع السبي وهو رضيع ضائع، وهي مسكينة تبحث عنه، فلما رأته انطلقت عليه مثل السهم ما فكرت في موت أو في حياة، ثم أخذته من الأرض وألقمته ثديها وحنت عليه وجلست تبكي، قال الرسول ﷺ : (أترون هذه تلقي ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها) ومن رحمة الله أن شرع هذه الحدود، مثل الطبيب -ولله المثل الأعلى- يرحم المريض فيستأصل هذا العضو منه، ولكن ما ظنكم لو أن الطبيب قال: هذه قسوة وهذه وحشية، لكن خذ هذه الحبوب وهذا الشراب وهذا المرهم من فوق الجلد، أين الألم يا ولد؟ قال: بطني يا دكتور من الداخل، قال: هذا المرهم فقط مسكن وأعطاك مرهماً من فوق الجلد، ماذا يصير بعد أسبوع؟ تنفجر الزائدة ويموت هذا المريض، ما رأيكم في هذا الطبيب رحيم أم عدو للإنسانية؟ عدو، إذ كان بإمكانه أن يقطع هذا الداء؛ لكنه عنده رحمة سطحية محدودة قضت هذه الرحمة على هذا الجسد، ولله المثل الأعلى.
стр. 1018
أهمية بتر العضو الفاسد
المجتمع في نظر الإسلام كالجسد، والحديث في هذا صريح صحيح، يقول ﵊: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) المجتمع المسلم كالجسد الواحد إذا فسد فيه عضو لا نرحمه؛ لأن فساده سوف يؤدي إلى فساد العضو الذي بجانبه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم إذا استمر المرض فسد الجسد كله، وبالتالي يصبح المجتمع فاسداً من أوله إلى آخره بسبب العضو الفاسد، لكن لو قطعناه من أول ما فسد لسلمت لنا الإصبع وسلمت الأصابع كلها، وسلمت لنا اليد، وسلم لنا الجسم كله في سبيل تضحيتنا بعضو من طرف بسيط من أطراف الأصابع وهو ما يحصل اليوم في المجتمعات الكافرة والمجتمعات التي لا تطبق شريعة الله يرحمون الجاني ولا يطبقون عليه شريعة الله، فماذا يحصل؟ يفسد هو ويفسد الذي بجانبه وينتشر الفساد، حتى غدت الجريمة في العالم أمراً سائغاً، وأمراً يمكن تصوره في أي حال من الأحوال.
في البلدان التي فيها أجهزة للرصد، وفيها رجال أمن متطورون، وأنظمة وآلات وليس فيها شرع الله، نسب الجرائم هناك لا يتصورها العقل، في كل دقيقة في ولاية من ولايات أمريكا، في شيكاغو مثلاً في كل دقيقة أربع جرائم قتل، أو مائتا جريمة سطو، آلاف جرائم سرقة، لماذا؟ لأنه ليس هناك حدود، وليس هناك شرع رباني، لو طبق نظام الله فلا نحتاج إلى هذا كله، مرة واحدة نقطع عضواً واحداً وبالتالي يسلم المجتمع كله.
وأذكر وقد ذكرت هذا اليوم أن لي قريبة أصيبت بمرض وهي تعمل في الحقل دخلت في إصبعها شوكة، ودخل مع الشوكة جراثيم وما عقمت وتساهلت فيها فانتفخت إصبعها بعد فترة وآلمتها كثيراً، وعالجوها في المستوصف في القرية بمرهم وحبوب (العلاج الأولي)، لكن انتشر المرض وما استطاعت أن تنام الليل، وجئنا بها إلى المستشفى العام في أبها، ودخل الطبيب الجراح وأشرف عليها وقال: لا بد من بتر إصبعها من المفصل الأول، وهذه بسيطة، قلنا: نحن موافقون، أتينا إليها فقالت: من أجل شوكة يقطع إصبعي! والله ما أقطعها! يا بنت الحلال الدكتور قال ذلك.
قالت: إنها ستشفى، فرجعت وظلت تستعمل علاجات آخرى ورفضت العلاج الذي فيه رحمة، فزاد المرض ورجعت، وأجري لها إشاعة وقالوا: انتقل المرض من الفصل هذا إلى المفصل الثاني وإذا تريدون نعالجها لابد أن نقطع من المفصل الثاني، قالت: والله لا أقبل، قلنا: ارجعي فرجعت، وانتقل المرض إلى المفصل الآخر، فقال الأطباء: تقطع من أصل الإصبع، هل ترضي قالت: لم أرض بالمفصل الأول كيف أرض بهذا.
فرجعت ومكثت مدة وانتقل المرض إلى المفصل الآخر وجئنا بها وأخيراً تدخلنا وقلنا لها: إذا انتقل هذا الداء إلى العظم فمن يوم يدخل في أول العظم ينتشر مباشرةً مثل النار في الهشيم، فرفضت، فقلنا: لا بد، وأخيراً قطعت من ذلك المكان، وكان بالإمكان أن تقطع من طرفها وتسلم، لكن الرحمة السطحية وعدم التعقل يجعل الفساد والشر ينتشر وبالتالي يقضي على الجسد كله.
стр. 1019
الأمن والاستقرار من ثمار تطبيق الحدود
وهذه المجتمعات أيها الإخوة: كالأجساد إذا عولجت أمراضها بعلاج الله الرباني الذي شرعه في كتابه بقطع دابر الفساد، والقضاء على الجرثومة من أولها سلمت المجتمعات.
وهاهو واضحٌ أمام أعينكم ما تعيشونه من أمن واستقرار في هذه البلاد المباركة بسبب تطبيق شريعة الله، وما قُطعت رقاب الناس كلهم، فكم يقطع في السنة؟ لا شيء، تظلون سنين وأياماً لا ترون قطعاً ولا ترون قتلاً، لماذا؟ لأن كل واحد يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على القتل، ويفكر ألف مرة قبل أن يقدم على السرقة، أو الزنا، فالسارق يعرف وهو يسرق أنه سيقبل يده وينظر إليها نظرة وداع، لن يراها إلا في الآخرة فيقول: لا والله إن يدي أغلى من السرقة، وإذا كان يريد أن ينتقم من عدو أغضبه أو من زميل جرحه فيفكر وهو يريد أن يقتل أنه غداً مربوط في الخشبة، وأن السيف ينسف رأسه، وأن البندقية تخرق بطنه وتخرج كبده أمامه فيقول: لا أفعل الجريمة، لكن لو لم توجد شريعة فإنه لمجرد أي غضب يقتل، يقول: يا شيخ! اقتله والدية في الجيب والجماعة كثير، والواسطة كبيرة كما يحصل في بعض البلدان، يا شيخ اسرق وأعط المسئول من السرقة وسوف تمشي الأمور بيسر، وبالتالي تزهق الأرواح يوم أن نرحم روحاً واحدة ويوم أن نرحم سارقاً واحداً تنهب الأموال كلها، وتسفك الدماء وتنتهك الأعراض ويعيش الناس في قلق وفوضى وخوف وعدم أمن لتعطيل علاج الله الذي عالج الله به أمراض هذه المجتمعات.
ويقول لي أحد الإخوة الزملاء في العمل وقد سافر ليقضي إجازته في تركيا -من الإخوة الوافدين- يقول: جلست شهراً متنقلاً بين الشام وتركيا وأنا في قلق، يقول: والله ما عرفت طعم النوم وراحته وأمنه إلا عندما دخلت وتجاوزت حدود السعودية، وجئت ووقفت بسيارتي على جنب ونزلنا وفرشنا أنا والأولاد ونمنا نومة ما لي بها عهد، قلت: لماذا؟ قال: كنت أنام وأنا خائف، أنام وأنا منتظر من يذبحني ويأخذ حقي، يقول: ولو رأى في جيبي علبة دخان لظنها دولارات، لكن لما دخلت السعودية، السيارة مفتوحة وأنا نائم وأولادي نيام ولا يأتيني شيء، لماذا؟ لأسباب العلاج العظيم الذي شرعه الله لتطهير المجتمعات.
وإن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن كشف الله لها أمر هؤلاء المجرمين الذين خططوا ودبروا من أجل إرهاب عباد الله الآمنين في بلد الله الآمن في شهر الله الآمن المحرم، بينما حجاج بيت الله من كل أرض من أقصاها إلى أقصاها، كل مسلم يجهز لنفسه مالاً حلالاً، ويتحلل من التبعات، ويستسمح أهل الحقوق، ويأخذ معه كتب العلم، ويسأل كيف يؤدي هذه الشعيرة، ويأتي إلى هذا المكان الطاهر من أجل أن يطوف بالبيت، ويقف بـ عرفات، ويسعى بين الصفا والمروة، ويرمي الجمار، وهو مبتهل إلى الله، خائف منه، يرجو رحمة الله ويخشى عقاب الله، كان هؤلاء المجرمون يجهزون الألغام والمتفجرات ويتدربون عليها نظرياً وعملياً، ويحملونها ويهربونها ويدخلون إلى بيت الله الحرام باسم حجاج يأتون إلى بيت الله، ويبحثون عن الحرم الشريف من كل جانب ليختاروا المكان الذي يستطيعون أن يفجروا فيه، ماذا يفجرون؟ يفجرون ويقطعون أجساد المسلمين، يذبحون المؤمنين عند أعظم مكان حرم فيه حتى ذبح الحمامة، تنظرون الحمام بالحرم لا أحد يجرؤ على صيدها، الحمام من ذبحها يذبح بدلاً منها شاة فدية، فكيف بذبح مسلم؟ كيف بترويع مسلم؟ كيف بتفجير منطقة من أجل أن تأخذ الناس وتزعزع أمنهم وتلطخ بهم الجدران، وتقطعهم، وتسيل دماءهم من أجل ماذا؟
стр. 1020
تشريع الحدود رحمة
ثم نسمع بعض الناس يقول: إنها قسوة، وأقول: إن من يرحم هؤلاء مجرم؛ لأن أرحم الراحمين هو الذي سن هذه الشريعة، فهذه الشريعة سيقت لهم، يقول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣] وليس أن يقتَلوا بل يُقَتَّلُوا بتقطيعهم قطعة قطعة حتى يذوقوا وبال أمرهم، والرسول ﷺ وهو أرحم خلق الله بخلق الله، حتى قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] لكنه في حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم.
قدم مجموعة من العرنيين عليه ﷺ وكأنهم اجتووا المدينة، يعني: ما ناسبتهم المدينة، انتفخت بطونهم وصار فيهم وباء، رحمهم الرسول ﷺ وأشفق عليهم فأخذ مجموعة من الإبل وأعطاها لراع من الصحابة وقال: اخرج بهم في طرف المدينة لتأكل هذه الإبل من أشجار البادية ويشربون من ألبانها وأبوالها لعلهم يسلمون، وفعلاً شربوا من لبن الإبل فذهبت الأمراض عنهم، وانتفخت أجسادهم بالقوة والعضلات، وبعد ذلك قلبوا ظهر المجن وقتلوا الراعي وساقوا الإبل وسرقوها وسملوا عينيه، أخذوا حديداً وأحموه في نار وأدخلوه في عينيه بعدما قتلوه، فبلغ الخبر النبي ﷺ فأرسل في طلبهم مجموعة من الصحابة منهم علي وعمار وجيء بهم، ولما جيء بهم إلى النبي ﷺ حكَّم فيهم شرع الله فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم سمل أعينهم، ثم تركهم في الشمس حتى ماتوا عقوبة لهم وردعاً لأمثالهم، ولهذا يقول الله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] هذه وجبة الإفطار والعشاء في جهنم، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو الذي يسر للقائمين في هذه البلاد أمر القبض على هؤلاء واكتشافهم، وهذا من نعم الله، ودليل على أن الله يرعى هذه البلاد إذ لو لم تكن هناك إعانة ورعاية من الله فمن يكشفهم وسط هذه الجموع وهذه الملايين، لكن ربك بالمرصاد، ثم نشكر المسئولين على تنفيذ أمر الله بدون مجاملة؛ لأنه والله لو لم يقتل هؤلاء لجاءنا السنة الآتية أكثر منهم وبالتالي يكثر الفساد، لكن اقطعها تبرأ، ولن ترى مجرماً -بإذن الله- لأنه يعرف أن رأسه سيرمى به مثل الكرة، والله يقول: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء:٨].
فنسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يديم علينا وعليكم وعلى المسلمين في جميع ديار المسلمين أمننا واطمئناننا واستقرارنا، وأن يوفق حكام المسلمين للعمل بشريعة الله وتحكيمها في شعوبهم، كما نسأله أن يوفق حكام هذه البلاد لزيادة التمسك والعمل بدين الله وإعلاء كلمة الله؛ فإنهم في ذلك إنما يحققون ما أمر الله به من العدل والإنصاف والحياة المستقيمة على وجه هذه الأرض.
стр. 1021
من علامات الساعة
أما الدرس فلا زال في علامات الساعة المستمرة.
قلنا في الماضي: إن العلامات التي تدل على قرب الساعة منها ما وقع وانقضى، ومنها ما يقع ولا يزال يقع، ومن ذلك ما أخبر به النبي ﷺ من فشو الفساد، وأنه مؤشر وعلامة من علامات الساعة؛ لأنه إنما يتحقق الرقي للأمم والسؤدد والتقدم والرفعة، بمقدار ما يكون فيها من أفراد صالحين يتحلون بالقيم الفاضلة، والعقائد السليمة، والأخلاق الحميدة والمعاملات الحسنة، ويسعون إلى إقامة العدل في الأرض وتقويم المعوج وإصلاح الفاسد، وهؤلاء هم الذين حملوا الأمانة يوم أن تخلت عنها السماوات والأرض: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] والأمانة هي كل ما اؤتمن عليه العبد من الإيمان والعمل الصالح، وليست الأمانة محصورة في الودائع، فالودائع جزء من الأمانة، لكن كل ما كلفك الله به وائتمنك عليه فهو أمانة، صلاتك أمانة عندك من يحاسبك عليها إلا أنت، قد تقول: صليت، لكن الله يعلم أنك ما صليت، فهذه أمانة خنتها.
وضوءك أمانة، فقد تصلي بدون وضوء خوفاً من مدير المدرسة، لكن الله يعلم أنك لست متوضئاً فقد خنت الأمانة، صيامك أمانة غسلك من الجنابة أمانة عينك أمانة أذنك أمانة فمك ولسانك أمانة بطنك وفرجك أمانة يدك وقدمك أمانة، كل ما أتمنك عليه الشرع وجعل أمره في عنقك أمانة عندك إن أديتها فأنت من أهل الإيمان، وإن خنتها فأنت من أهل الخيانة -والعياذ بالله- ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
стр. 1022
رفع الأمانة
وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمانة سوف ترفع في آخر الزمان، وهذا الرفع سيكون بطريقة تدريجية لا مرة واحدة؛ لكن ترفع تدريجياً، وفي زمن حذيفة ﵁ وهو الصحابي الجليل صاحب الوضوح، صحابي كان متخصصاً في معرفة الشرور، وكان أمين سر النبي ﷺ ، يقول: (كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه) وتبين الشرور أمر مهم يا إخواني، ومن ضروريات المسلم أن يعرف الشر ليتقيه لا ليقع فيه، وهذا الصحابي يقول: (كان الناس يسألونه عن الخير -عن الصلاة عن الصوم- وكنت أسأله عن الشر مخافة الوقوع فيه) في زمن حذيفة لاحظ شيئاً من ترك الأمانة، ولكن في زمننا هذا كثير من ترك الأمانة.
روى الإمام مسلم في صحيحه حديثاً صحيحاً عن حذيفة ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال) الأمانة إذا استقرت لا تكون في السطح بل في جذر وفي عمق قلب الرجل، ولذا ترى الرجل غير الأمين في جوف الليل يسمع أغنية، من الذي يراقبك في تلك اللحظة؟ لا أحد يراقبك إلا الله، أمانتك فرضت عليك ألا تخون الله في أذنك، الرجل الأمين وهو في الشارع يمشي يرى أمامه امرأة متكشفة ليس معها زوج ولا أب ولا أخ، ولا أحد يراه فلا ينظر إليها، من الذي جعله يغض بصره؟ خوفه من الله وأمانته على استعمال هذه العين، يستلم الراتب ويعده مرة ومرتين وثلاثاً فيرى فيه خمسمائة ريال وبإمكانه أن يخفيها؛ لكن أمانته تفرض عليه أنه يرجع الخمسمائة ريال؛ هذه الأمانة إذا نزلت استقرت في جذر قلوب الرجال، والذي ما عنده هذه الأمور ما عنده أمانة، ولا في جذر قلبه شيء.
قال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) يعني: جاءت الأوامر بعد الأمانة والإيمان، والآن تأتي الأوامر قبل الأمانة والإيمان فلا يعمل الناس بالقرآن، يقرأ القرآن وهو ليس بمؤمن ويقرأ القرآن أو يسمعه ثم يغني، ويقرأه ويقوم ليزني، ويقرأه ويكذب يقرأه وينهب، يقرأ ويشهد زوراً، ويقرأ ويعق والديه، يقرأ ويقطع الصلاة، لماذا؟ لأنه علم القرآن قبل أن تستقر الأمانة في قلبه أي الإيمان.
قال: (فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ويظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء) الجمر إذا دحرجته على رجلك أو يدك أو جلدك، ماذا يحدث؟ ينتفخ وينتبر وتراه كأنه شيء، لكنك لو فتحته ظهر الماء وهذا أثر الجرح، وإنما الأمانة يبقى لها شيء ظاهر لكن لو تختبرها فإنها لا شيء، اختبرها عند المرأة مباشرة تسقط، اختبرها عند الرجال مباشرة تسقط، اختبرها في صلاة الفجر فإنه ينام وليس هناك إلا أثر.
(فتراه منتبراً -يعني ظاهراً كأنه أمين- وليس بشيء، ثم أخذ حصىً فدحرجها على رجله ثم قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً) تصبح الأمانة شيئاً عزيزاً، وتصبح نادرة حتى يقال في القبائل: إن في آل فلان رجلاً أميناً، ولقد تحقق هذا في بعض البلدان، إن القرية من أولها إلى آخرها لصوص ليس فيهم شخص يخاف الله إلا واحداً أو اثنين، فيقولون: والله فلان أمين يخاف الله، بينما الأمانة كانت موجودة في صدور الرجال كلهم ليس فيهم إلا واحد أو اثنان ليسو أمناء، وهذا من إدبار الدين وإقبال الدنيا.
قال: (حتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه من الإيمان حبة خردل -ذوق، أخلاق، والله يعلم أنه ليس في قلبه شيء من الإيمان- قال حذيفة: ولقد جاء عليَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً ليردنه عليَّ دينه، ولئن كان غير ذلك ليردنه على مواليه، وأما اليوم فما كنت لأبايع أحداً إلا فلاناً وفلاناً) وهذا كان في عهد القرون المفضلة يقول: لا يوجد من أبايع إلا فلاناً وفلاناً؛ لأني أعرفهم أمناء لا يغشون العسل، ولا يجعلون البضاعة الجيدة في الأعلى والرديئة في الأسفل، ولا يضغطون (التنك) من اليمين والشمال والرمان الكبار في الأعلى والصغار في الأسفل، أين الأمانة؟ ويريد أن ينزل مطر من السماء، بهذا ينزل عليه حجارة ولعنة من السماء، لماذا لا تضع الرديء على جنب والجيد على جنب، وتقول: هذه بخمسين وهذه بعشرة، من أجل الذي معه مبلغ كبير يشتري كثيراً، والذي لديه قليل من المال يشتري لأولاده على قدر ما لديه من المال ويأخذ له بعشرة، لكن أن تضع الجيد مع الرديء وتغش المسلمين وتريد من الله أن يرحمك؟! لا إله إلا الله! يقول حذيفة: (لقد كنت ما أبالي أيكم بايعت) يقول: كنت أبيع وأشتري وأنا مغمض؛ لأني أعرف أني أبيع وأشتري من أمين لا يغشني (واليوم ما كنت لأبايع أحداً إلا فلاناً وفلانا) معدودون على الأصابع في عهده ﵁ فكيف بعهدنا؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! من علامات الساعة، وهذه العلامات اسمها علامات فساد الضمير وفساد الذمم، ولكن ليس على العموم، بل يبقى في الأمة أفراد وتبقى في الأمة الفرقة الناجية، وبقدر وجود العلم وانتفاء الجهل وبقدر تدعيم قضايا الإيمان في قلوب الناس يوجد الإيمان، وأنا أعرف كثيراً من الناس -بفضل الله- أصحاب مزارع عندهم إيمان، وأذكر مرة أني صليت الفجر في المسجد وذهبت إلى السوق بعد صلاة الفجر لأجل أن أشتري حوائجي من بداية النهار؛ لأنه كما قال ﷺ : (بارك الله لأمتي في بكورها) فجئت ووجدت أحد المزارعين جزاه الله خيراً أتى (بفرسك) في (زنابيل) فقلت: بكم؟ قال: هذا بخمسين ريالاً، قلت: وهذا بكم؟ قال: هذا بعشرين، قلت: ماذا في هذا؟ قال: انظر هذا أمام عينك، كله هكذا، يعني: رديء، وذاك جيد، قلت: اسكبه لي، فسكبه لي وإذا به فعلاً والله ما فيه حبة ترميها، قلت: بارك الله لك، قال: ماذا تريد! أغش ذمتي، وقد كنت أغشها وربي يضربها بالبرد، ويضربها بالبلاء ويأتيه آفة، ويأتيه جذم وذهب (الفرسك) يقول: ويوم سرت أنا بالطريق الصحيح ربي أعطاني، وإذا خرب شيء بسيط فإنما هو بسبب ذنوبنا، وعنده عشرون زنبيلاً الحبة -ما شاء الله- تشتريها وأنت مغمض عينيك، فالأمة فيها خير والحمد لله، ولكن تحتاج إلى توعية وإلى دعم وإلى علم حتى تستقيم على منهج الله .
стр. 1023
تداعي الأمم على الأمة الإسلامية
ومن علامات الساعة التي وقعت ولا تزال مستمرة: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية، والتداعي يعني: التكالب، حتى غدا المسلمون كالأيتام على موائد اللئام، ونعني بالأمم: أمم الكفر الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، والذين يتعادون في كل شيء إلا في حرب المسلمين فهم أصدقاء فيما بينهم، ويتحدون من أجل القضاء على المسلمين، ومن أجل ألا تقوم لهم قائمة، ولذا يحاربون المسلمين، ولا يريدون أن تقوم لهم قائمة في أي بيئة أو أي بقعة وفي أي زمان أو مكان، وهذا مصداق حديث النبي ﷺ ، والحديث بمجموع طرقه صحيح، وقد أخرجه الإمام أبو داود وابن عساكر والإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، والحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها) ترون القصعة التي في وسط السفرة كل شخص يمد يده إليها وكذلك تصبح الأمة الإسلامية.
وقد مر زمن على الأمة الإسلامية تداعت عليها دول الكفر وتقاسموها جزءاً جزءاً، فجزء أخذته بريطانيا، وجزء أخذته فرنسا، وجزء أخذته أمريكا، وجزء أخذته روسيا، وجزء أخذته ألمانيا، وجزء أخذته إيطاليا، أي: كما قال النبي ﷺ .
وبعدما تقاسموها صبغوا المسلمين في بلاد المسلمين بالكفر والضلال وخرجوا وسلموهم القيادة وقد صاروا مثلهم، وأصبح المسلم يتشبه بأخلاق الكفار، -ولا حول ولا قوة إلا بالله! - إلا في قليل من بلاد المسلمين، وهذا مصداق حديث النبي ﷺ حين قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال قائل: أومن قلة يومئذ نحن يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) وغثاء السيل: هو الذي يأتي في أول السيل ترونه كثيراً، لكنه بعر وعيدان وشوك، تمسكه بيدك وإذا به ينتهي وكأنه لا شيء، وهكذا أكثر المسلمين -إلا من رحم الله- غثاء كغثاء السيل: (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم) اليهود شراذم مبعثرة في كل أطراف الأرض، قال الله فيهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١] وهم أصلهم أولاد الخنازير، وفي نفس الوقت قال الله فيهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر:١٤] لا يقدر اليهودي أن يبرز لك بسكين أو بعصا إلا من وراء جدار أو من وراء دبابة أو من فوق طيارة: ﴿إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] هؤلاء هم اليهود؛ لكن في زماننا ثار اليهود واستأسدوا، واحتلوا المقدسات، وأصبحوا يرعبون المسلمين، بينما كان المسلم في عهد النبي ﷺ ينصر بالرعب لمسيرة شهر، مسيرة شهر أماماً ومسيرة شهر وراءً ومسيرة شهر يميناً ومسيرة شهر شمالاً كل من يسمع بالمسلمين يدخل في قلوبهم الرعب ويخافون، والآن هزمنا بالرعب مسيرة سنين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولن يعود لهذا الدين ولهذه الأمة مجدها إلا بما عاد لأولها كما في الأثر: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، صلاح أولها بالزهد واليقين، وأيضاً يكون صلاح آخرها بالزهد واليقين، وهو إن شاء الله كائن بإذن الله .
قال: (وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) وقد وقع هذا كثيراً حينما تداعت الأمم الصليبية على المسلمين وغزوا الأمة، وحينما تداعت الأمم المغولية في عهد التتار؛ خرجوا وهم قبائل متوحشة من منغوليا ومن أواسط آسيا، وخرجوا يسلبون ويقتلون وينهبون، وأشاعوا الرعب والفساد في الأرض حتى وصلوا إلى بلاد المسلمين، ودخلوا بغداد وقتلوا الخليفة وقضوا على الخلافة الإسلامية، وقتل في بغداد أكثر من ستمائة ألف نسمة، وقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: مليون، حتى ورد في كتب التاريخ أن المرأة من المغول كانت تأتي على المجموعة من المسلمين فتقول لهم: ناموا فينامون، فتقول: مكانكم فتذهب وتأتي ومعها الحجر وترضخ رأس الأول وذاك جالس بجواره وهكذا، فتضرب ثمانية أو تسعة، تهشم رءوسهم كما يهشم الحبحب، واختبأ الناس أربعين يوماً في الأقبية والبيوت حتى انتشرت الروائح وتسمم الجو ومات خلق لا يعلمهم إلا الله، وخرجوا من بغداد وجاءوا إلى الشام، ولكن وقف لهم المسلمون، وخرج الجيش المسلم من مصر في عين جالوت بقيادة قطز ومعه العلماء، ومن ضمن من معه العز بن عبد السلام، وأحمد بن تيمية يقول المؤرخون: فما استقر؛ لأنهم اختاروه، قالوا: نريد الحرب يوم الجمعة ونريدها ساعة الخطبة والأئمة على المنابر يدعون الله بالنصر للمسلمين، نريد أن نبدأ في تلك اللحظة، وبدءوا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى رفع الله عن الكفار يده وأسلموا ظهورهم، وقتلهم المسلمون قتل رجل واحد بسبب الإسلام الصحيح.
ولكن ما الذي يعصم الأمة من هذا التداعي؟ فهناك شيء يمنعها من التداعي ألا وهو دينها الذي يقف حاجزاً دون مطامع أعدائها، فمهما مكر الأعداء ومهما كانت قوتهم؛ فإنهم لن ينالوا من هذه الأمة نيلاً إذا كانت متمسكة بعقيدتها ودينها، وأقرب دليل: ما يعيشه إخواننا في أفغانستان، فدولة الروس العظمى، وهي القوة العظمى الثانية في العالم، فهي وأمريكا سواء، يتسابقون في مجال العلم وفي مجال القوة، اجتاحوا المجر في ست ساعات، ودخلوا أفغانستان وكانوا يتصورون أنها نزهة ست ساعات أو ثمان ساعات، لكنهم مكثوا بها تسع سنوات ولعقوا الدم من أجسادهم، ثم خرجوا يجرون أذيال الهزيمة بعد أن ركعوا، أمام من؟ أمام دول؟ لا، بل أمام مؤمنين مساكين ليس معهم سلاح إلا من أيدي أعدائهم.
لما سألوا سيافاً: من الذي يمدكم بالذخيرة والسلاح؟ قال: سلاحنا من الروس نذبح الروسي ثم نأخذ سلاحه ونذبح إخوته.
وقال لي أحد الإخوة: إن من الشباب المؤمن الذي ذهب من هذه البلاد شخص من المنطقة الشرقية من الثقبة يسمونه أسد الليل، وهو لا يعرف البندق، لا يعرف إلا (الساطور)، فكان إذا ناموا سرى في الليل مثل الأسد، ولا يأتي إلا ومعه رأس أو رأسان يسحبها، من الذي ربى الإيمان في قلبه، بينما هو من قبل كان مغنياً، لكن لما دخل الإيمان في قلبه أصبح أسداً يرعب جيشاً، مثل القعقاع بن عمرو، لما أرسل أحد القادة إلى عمر يطلب النجدة، قال: أرسلت لك القعقاع بن عمرو، وإن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
الذي يعصم من هذا -أيها الإخوة! - ويحفظ للأمة دينها ومقدساتها وبلادها هو دين الله، علينا بالدين فقط نتمسك به ولن يجعل الله لأحد علينا سبيلاً: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] لكن يوم أن نتخلى عن الدين يسلط الله علينا الأعداء: (من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني) قبل عام (٦٧) كان الناس يقولون في أغانيهم: (الميج يتحدى القدر).
ويقول آخر: نحن على موعد مع أم كلثوم لتغني لنا في تل أبيب: (أنت عمري، جينا راحة الدنيا كلها).
لا تل أبيب ولا غيرها، والله المستعان.
لماذا؟ لأنا تركنا الله، ويوم جربوا في عام (٧٣) الإيمان والدين والعلم؛ رد الله الكفار وقطعوا القناة وحطموا خط (برليف) الأسطوري الذي قالوا عنه: لا يمكن لأحد أن يتخطاه، قطعه الرجال بالماء وبالعزيمة، وهم يقولون: الله أكبر، ولو زاد الناس هداية لزادهم الله نصراً.
وهكذا كن مع الله يكن معك، دين الله هو الذي تكفل الله أن ينصرنا به، وفي الحديث الذي يرويه ثوبان أن النبي ﷺ قال والحديث في صحيح مسلم قال: (إني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها الله بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) لما تسمعون الآن تصريحات سياف وتصريحات قلب الدين حكمتيار، يعني تصريحات شخص رأسه في السماء، يطلبون منه أن يقابل وزير الخارجية الأمريكي يقول: لا نقابله، ما هؤلاء الرجال؟! قوة الإيمان والعقيدة، يقول هنا: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً) إذا كان بعضهم يقتل بعضاً نزع الله عنهم يده، وتخلى عنهم وبالتالي يحصل عليهم الفساد والدمار.
ولذا -أيها الإخوة- فلا أمن ولا أمان ولا نصر ولا سؤدد لهذه الأمة إلا في ظل دينها.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يردنا إلى ديننا رداً قويماً، وأن يصلح شباب المسلمين، وجميع المسلمين، وحكام المسلمين في جميع ديار المسلمين، وأن يردهم إلى دينه القويم رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1024
الأسئلة
.
стр. 1025
بعض الألفاظ الشائعة وحكمها
السؤال
ما حكم هذه الألفاظ -وهي شائعة بين الناس-: (عليك وجه الله)، (مثل أمي)، (أفتح الكترة نشوف ربي وعواله)؟
الجواب
هذه الألفاظ منهي عنها وبعضها شرك -والعياذ بالله- أما (عليك وجه الله) فورد حديث والحديث رواه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب وهو من رواية الطبراني في معجمه أنه قال ﷺ : (ملعون من سأل بوجه الله) فلا تقل: أسألك بوجه الله، أو عليك وجه الله؛ لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، فإذا استرخصت هذا الأمر وعرضت وجه الله على كل شيء دل على أنك لا تعظم الله ولا تقدره، فبعض الناس يعرض عليك وجه الله على كأس ماء، عليك وجه الله أن تشرب وأنت قد شبعت ما تقدر لكن يجبرك -والعياذ بالله من ذلك- فلا يجوز، ومن وقع في هذا فعليه أن يتوب ويستغفر الله .
أما (مثل أمي) فهذا -والعياذ بالله- في حكم الظهار، هو يقول: إن زوجته عليه مثل أمه، يعني: أن المرأة التي يأتيها هي أمه، وهذا ظهار أو بمعنى ثانٍ يقول: مثل أمي، يعني أنا امرأة مثل أمي، كأنه يقول أنا أنثى مثل أمي، بعض الرجال أمه أحسن منه ويمثل، لكن هذه الألفاظ لا تجوز ولا تنبغي أن تخرج من فم الرجل، وبعض النساء تقول: عليَّ مثل أبي، أو مثل رءوس عيالي، وهذا كله من الألفاظ التي لا تليق.
كذلك: فك الكترة أو افتح الشباك نشوف ربي وعواله، وبعضهم يقول: أشهدت عليك راعي ذا الكبد الخضراء من أجل السماء، يقول أن هذه السماء الكبد الخضراء لله، وهذا غلط وشرك والعياذ بالله.
هذه الألفاظ لا ينبغي للمسلم أن تجري على لسانه.
стр. 1026
حكم الجلوس في بيت الميت للعزاء وصنع الطعام
السؤال
توفي هذا اليوم جار لي، ونصبت خيام، واجتمع الجيران لاستقبال المعزين وأنا من الجيران فهل أبقى معهم، أم أذهب بعد العزاء إلى عملي؟
الجواب
روى الإمام أحمد في مسنده حديثاً صحيحاً عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا نعد الجلوس للعزاء وصنع الطعام في بيت الميت جزءاً من النياحة)؛ لأن النياحة هي إظهار أي مظهر يعترض فيه على قضاء الله وقدره، ولها صور: فمن صورها: لطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، ورفع الأصوات، وهذه من صور النياحة.
ومن الصور أيضاً: تعطيل الأعمال، والجلوس في البيوت، والمظاهرة والإضراب عن العمل، ونصب السرادقات والجلوس قياماً وقعوداً، كل ما جاء شخص قاموا وكلما خرج قعدوا، وأيضاً فيه: تعطيل أعمال الناس، ومصالح المسلمين بحجة أنه في عزاء، هذا ليس من هدي الصحابة، ولا من هدي الرسول ﷺ ، ولا أصل له في دين الله، بل الأصل أن يدفن المسلم وأن يعزى صاحب العزاء في المسجد أو في المقبرة أو في الطريق أو في السوق ولا داعي للذهاب إلى بيته؛ أينما لقيته فعزه، أما أن يجلسوا ويجلس أقاربه والجماعة كلهم والذي يغيب يا ويله، وسود الله وجهه وما فيه شيمة، وآل فلان لا ينظرون إليه، وماذا نقول لهم، فهذه عادات جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان.
والذي يلزمنا -أيها الإخوة- نحن كطلبة علم أن نبدأ نحن بأنفسنا، إذا مات جارك أو قريبك فادخل وأنت عند الباب قل: أحسن الله عزاءكم، وجبر الله مصابكم، وغفر الله لميتكم، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما الجلوس في العزاء فغير مسنون وهو بدعة، وبعض طلبة العلم يقعدون وبعضهم يأخذ كتاباً ويقرأ ويحدث ويقول: هذا تجمع أستغله، لا تستغل التجمع الذي هو بدعة؛ لأن التجمع الذي ما هو بطاعة الله لن يكون فيه خير في طاعة الله، وإلا تجدونهم يجلسون على السواليف وعلى العلوم التي ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 1027
كيفية التعامل مع الأقارب ودعوتهم إلى دين الله
السؤال
أنا شاب هداني الله إلى طريق الحق، وأبعدني عن الضياع بسبب رفقة صالحة، وأخذت أدعو أهلي حتى -والحمد لله- ابتعدوا عن اللهو ومنكراته، إلا إن أحد إخواني أعرض، وهو لا يصلي ولا يزال يستمع الأغاني، وأنصحه فيعرض عني، وأحياناً يحصل بيني وبينه مضاربة ومشادة، وفوجئت في أحد الأيام أن أمي تمنعني عن أصحابي الطيبين حتى أرضيتها وقلت: لن أذهب اليوم، فما الحل أرشدوني وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً: بارك الله فيك وهدانا الله وإياك إلى صراط الله المستقيم، وثبتنا الله وإياك على الإيمان، وما قمت به من دعوة أهلك هو الطريق الصحيح لأن: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) والذي لا ينجح مع أمه وأبيه لا ينجح مع الناس، وأسلوبك الطيب مع أمك وأبيك وإخوانك حتى استقاموا طيب، لكن يبدو أنك عنفت على أخيك بدليل أنك تقول: حتى أنك ضاربته، وهذه ما هي دعوة أن تضارب أخاك؛ لأنك إذا ضاربته استقطبت عداوته، وبالتالي خسرته، ولكن عليك باللطف معه، وعليك بالصبر والدعاء له، ودعوته والإهداء له، والتؤدة معه وعدم الاستعجال، الهداية ليست بيدك، أنت تريد أن يهديه الله والله ما أراد أن يهديه، والله يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] ربما أنك حريص على هداية أخيك والله يعلم أنه ليس أهلاً للهداية، أتريد أن يغير الله سنته من أجلك؟ لا.
أنت فقط تدعو والباقي على الله.
أما أمك فيبدو أن تغيير موقفها ضدك ومنعك من الذهاب إلى إخوانك بناءً على تغيير موقفك أنت منها، أو من إخوانك، إما بعصيان أو بشدة أو بعنف، لكن عد إلى اللطف واللين، فما كان اللين في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه.
والحديث الآخر: (بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا)، (وما خير الرسول ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) بعض الناس يبحث لأهله عن أشد الأمور حتى ينفرهم.
يا أخي: انظر أرخص شيء وأقل شيء وسيرهم عليه ما لم يكن إثماً، لا يفهم بعض الناس من كلامنا هذا أنه يجلب لأهله المنكر ويقرهم على الشر ويقول: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، فهذا ليس تيسيراً، التيسير في حدود ما أحل الله، والتبشير في حدود ما أحل الله، أما أن تحل لهم الحرام وتعطيهم الحرام، وتغير الحدود وتقول: بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، فما بشرت بل عثرت -والعياذ بالله- وخربت.
стр. 1028
حكم الشيشة للنساء
السؤال
هناك رجل يسمح لزوجته أن تدخن الشيشة، وعندما نصحته قال: إنني تزوجتها وهي تشرب الشيشة من عند أبيها، وهذا على مزاجها؟
الجواب
الله أكبر! يا هذا الإنسان المتحرر المتثور، حسناً تزوجتها وهي على الشيشة فما موقفك من شيشتها؟ موقفك أن تهديها -يا أخي- وأن تدلها، أما أن تتركها على مزاجها، فلا.
هي على مزاجها في حدود دائرة الحلال أما في الحرام فليست على مزاجها، أنت تدلها على دين الله، أما هذه الشيشة فهي ضدك؛ لأنها تخرب فمها عليك وتحول فمها مثل البيارة -والعياذ بالله- ولو أنك قربت من شخص مشيش أو مدخن فإنك تهرب من رائحة فمه، فكيف إذا كان فم زوجتك -والعياذ بالله- مثل البلاعة كيف تسلم عليها؟ كيف تستأنس بها؟ إلا إذا كان فم هذا بلاعة ثانية، فإذا بهم سواء فالله المستعان.
стр. 1029
استعمال اللين في تعليم الأم والصبر على ذلك
السؤال
والدتي مسنة، وهي كثيرة الصلاة، ولكنها لا تعرف كيف تصلي، وإذا علمتها قالت: ما معي إلا ما معي؟
الجواب
لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه الأم على الفطرة ولكنك تأتي تعلمها الصلاة بالمضاربة، قبل أن تعلمها الصلاة اقرأ عليها من كتاب الترغيب والترهيب، أو من الكتب التي فيها ذكر للجنة أو النار، وأنا أدل الإخوان على كتابين يجب أن يشتروهم هذه الليلة بإذن الله، الكتاب الأول اسمه: التخويف من النار والتعريف بدار أهل الخزي والبوار للشيخ ابن رجب الحنبلي، هذا الكتاب شيء يهول العقل، ويعطيك كل ما في النار من أولها إلى آخرها مما جاء في كتاب الله وفي سنة محمد ﷺ .
والجانب الثاني في الجنة: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وثمن الكتابين عشرون ريالاً، يعني هذا بعشرة وهذا بعشرة تزيد أو تنقص، أرجو أن تشتروهما هذه الليلة، وإذا أتيت إلى الوالدة خذ لها وصف الحور العين، وما أعد الله للمؤمنين في الجنة، وقل لها: يا أمي! أتريدين أن تكوني مع هؤلاء، تريدين أن تكوني حورية عيناء؟ قالت: نعم، فقط عليكِ بالصلاة، وفي الليلة الثانية تأتي لها العذاب والنار والأغلال والأنكال والسلاسل في النار، وتقول لها: تريدين تسلمين، الصلاة، كيف يا ولدي؟ صلاتك غير صحيحة، كيف أصلي يا ولدي؟ أعلمك كيف تصلين، اقرئي الفاتحة: الحمد لله رب العالمين، علمها هذه فقط، لكن بعضهم يأتي بالآيات كلها وبعدها يخليها سنة، كيف تتعلم؟ اضبطي هذه الليلة كلها الحمد لله رب العالمين، الليلة الثانية: الرحمن الرحيم، هي في السابق تقول: الرحمنُ الرحيم، قل: لا، الرحمنِ الرحيم.
يا أخي: الحديد إذا أدخلته النار لان ولسان أمك لا يلين؟! يلين ولكن يريد صبراً، أنا أعرف أناساً والله كانت ألسنتهم أقسى من الحجر، ودرسوا على المشايخ وألسنتهم الآن مثل العسل بكتاب الله ، فأنت إذا لم تنجح مع أمك من تريد أن يكفيك بها؟ مسئوليتها عليك أنت، لكن بالترغيب وبالترهيب، باللطف، لكن بعضهم يقول: أنت لا تعرفين وليس لكِ صلاة، من يوم خلقت وأنت لا تصلي، قالت: وأنت لا ردك الله، ولا رد صلاتك؛ لأنها جاهلة لا تعرف جنة ولا ناراً، لكن رغبها بالجنة وخوفها من النار بأسلوب تستقيم معك إن شاء الله.
стр. 1030
برنامج يومي نافع في تربية النفس والأهل
السؤال
طالب علم تزوج حديثاً يريد جدولاً ونظاماً ناجحاً يمشى عليه، بحيث يكون هذا البرنامج نافعاً في تربية نفسه أولاً، وتربية أهله، ودعوة الناس إلى الله؟
الجواب
هذا الموضوع يحتاج إلى محاضرة كاملة وليس هذا مكانه، وإنما أدل الأخ الكريم على شريطين أو شريط واحد اسمه: رسالة إلى كل عروسين بالإخراج الجديد.
وبعض الإخوة كتب لي رسالة جزاه الله خيراً يقول فيها: نلاحظ أنك تدل الناس على أشرطتك، وهذا شيء لا نقبله؛ لأنه جزء من الدعاية للنفس.
وأنا يعلم الله لو أعلم أن هناك شريطاً لغيري ينفع لدللت عليه، لكن مصيبتي أنني لا أسمع أشرطة غيري، والسبب: عدم وجود الوقت عندي، إلى درجة أنني لا أجد فرصة أجلس مع أهلي أو آكل أو أشرب معهم، فأنا بين عمل ودعوة، وبين سفر والتزامات ومجتمع، فما عندي فراغ لأسمع شريطاً لأدل الناس عليه، فإذا أحد سألني: ما هو أحسن شريط؟ فلا أعرف إلا أشرطتي فقط، فأقول: خذ الشريط هذا، ليس معنى ذلك أنه دعاية لي؛ لأني لا آخذ عليها فلوساً حتى أعمل دعاية لنفسي، أما لو أني أبيع الشريط بفلوس وأن المحلات يعطوني شيئاً كان يقال: إنها دعاية، لكن أشهد الله أني لا آخذ ريالاً؛ لأن الله أغناني من فضله، فإذا كنت أعرف شريطاً فيه مصلحة للمسلمين وقد سمعت أن الناس استفادوا منه، فما المانع أن أدل الناس عليه ولو كان لي، هل في هذا مانع يا إخوان؟ إن كان هناك مانع فلن أقول كلمة! قولوا بصراحة يا إخواني، بارك الله فيكم.
وهناك شريطان: واحد اسمه: حقوق الزوج وواحد اسمه: حقوق الزوجة، وهذا يكفل للرجل أن يعرف حقوق زوجته عليه فيؤديها، وتعرف المرأة حقوق زوجها عليها فتؤديها، وبالتالي إذا قام كل بحقه وواجبه، وأعطى الحق الذي عليه انتصف الناس وعاشوا في سعادة، والمشاكل تحصل الآن من عدم الإنصاف، المرأة لا تقبل الظلم والرجل لا يقبل التقصير، إذا قصرت ضربها، وإذا ظُلمت قامت عليه، لكن إذا قام بحقوقها وقامت بحقوقه فكل واحد منهما يسير بالخط الصحيح من أجل أن يسعدوا إن شاء الله.
أما هذا الموضوع فإنني إن شاء الله أطلب من الله أن يمكنني من إعطاء ندوة كاملة عن البرنامج الإيماني للمؤمن من أول يومه إلى آخره.
стр. 1031
سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثالثة]
إن من أركان الإيمان التي لا يتم إيمان المرء بدونها الإيمان باليوم الآخر.
وقد أخفى الله عن عباده وقت قيام الساعة وذلك لحكم جليلة، ولكن وضع لها علامات تدل على قرب مجيئها لكي يستعد المسلم لذلك اليوم، وفي هذه المادة تكلم الشيخ حفظه الله عن الساعة ومجيئها، وما أعد الله للمؤمنين وما توعد به المكذبين، كما ذكر بعض العلامات الدالة على قرب الساعة.
стр. 1032
الساعة آتية لا ريب فيها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: أيها الإخوة في الله: الحديث عن الساعة وأهوالها، وعن ذلك اليوم المهول الذي تحدث فيه تلك الأحداث الصعبة، والقضايا المذهلة، حديث ترتعد منه القلوب، وتقشعر منه الأبدان، إذا تصوره الإنسان التصور الحقيقي، وتخيله التخيل الإيماني.
والله يؤكد قضية الإيمان بالبعث وبالجزاء والنشور تأكيداً عظيماً بما يقسم به ﵎ من مخلوقاته، فإن له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للعبيد أن يقسموا إلا به، ومن أقسم بغير الله فقد عظمه، ومن عظم غير الله فقد أشرك بالله، ولهذا يقول ﵊: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) وفي الحديث الآخر يقول ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
стр. 1033
إقسام الله بمخلوقاته على قيام الساعة
وقد سمعت في قراءة الإمام -جزاه الله خيراً- القسم بالمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والملقيات، وهي الرياح والملائكة يقسم الله بها على شيء هو أن هذا الوعد كائن: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] أي: إنما توعدون من الجزاء والنشور والبعث والحساب، ودخول أهل الإيمان إلى جنات الرضوان، ودخول أهل الكفر والفسق والفجور والعصيان إلى النيران: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧].
ويبين الله حالة الكفار والمنافقين والمكذبين حينما يوقفون في عرصات القيامة ليس معهم شيء مما أشغلهم في هذه الدنيا من منصبٍ أو ولد أو مالٍ أو زوجة أو غير ذلك، ثم يقال لهم على سبيل التهكم والاستهزاء: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات:٢٩] يعني: اذهبوا وانظروا الشيء الذي كنتم تكذبون به وهو النار: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] أي: ظل دخان النار، وظل لهب جهنم (لا ظليل) أي: ليس تحته ظل ولا يمنعك من النار، ولا يغني عن اللهب: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] الشرارة الواحدة كالقصر العظيم.
كأنه في تتابعه وتطايره جمالت صفر، قيل معنى جمالة: حبال السفن الغليظة بعضها يكون كغلظ الإنسان، وقيل: بمعنى الإبل، ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات:٣٥] أي: ممنوع المراجعة، وممنوع الاستعتاب والتلطف والرجاء والاعتذار ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٣٦ - ٣٧] الله أكبر! ويل لهم والله ثم ويل لهم! ويكرر الله هذه الكلمة مرات ويل يومئذ للمكذبين، ويل لهم حينما أخطئوا طريق الله، ويلٌ لهم حينما عرضوا أنفسهم لعذاب الله، ويلٌ لهم مع ضعفهم وقلة حيلتهم يوم يقفون عراةً حفاةً غرلاً بين يدي الله، لا يمنعهم من الله أحد.
стр. 1034
تساؤل الكافرين عن كيفية البعث
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨] لأن الكفار يقولون: إذا أمكن بعثنا فكيف نصنع بالأولين؟: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة:٤٨] يقولون: أين ذهبوا، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٣ - ٥٦].
وتعجبوا من إمكانية الإعادة لهذه الأجساد التي بليت وتفتت، وذهبت شذر مذر، قالوا: كيف يعيدها؟ فهذا الذي قد بلي منذ زمن كيف يأتي به رب العالمين؟ فأجابهم الله وقال لهم: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] إذا كان هذا صعباً عليكم فإن خلقكم وبعثكم كله لا يساوي عند الله جهد خلق نفس واحدة، ويقول لهم: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] كيف تتعجبون من قدرة الله على إعادة الناس ولا تتعجبون من قدرة الله العظيمة في خلق هذه السماوات والأرض، إن الأولين ما ضاعوا وما ذهبوا، إنهم موجودون في سجل الله الخالد الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨] من آدم إلى آخر شخص كلهم موجودون.
ثم: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات:٣٩] تحدٍ أتستطيعون أن تصنعوا شيئاً؟ كيدوا، وماذا يصنعون والملك الواحد من الغلاظ الشداد يأخذ بيده هكذا فيلقي سبعين ألفاً في النار؟ والملائكة: ﴿غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وجهنم يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ولو تركت لأتت على أهل الموقف برهم وفاجرهم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤] تشهق عليهم كما تشهق البغلة على الشعير: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢].
قالوا للرسول: كيف تراهم جهنم ألها عينان؟ قال: أما سمعتم قول الله: إذا رأتهم نعم لها عينان، تراهم وتعرفهم، وأنهم غرماؤها؛ وأنهم الذين سوف تتولى تعذيبهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:٢١ - ٢٥] وأهل الإيمان يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان:٦٥] ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات:٣٩] هل يستطيع أحد أن يعمل شيئاً ذلك اليوم؟! لا.
стр. 1035
صفة المتقين في الدنيا وابتعادهم عن معاصي الله
ثم يصف الله حالة أهل الإيمان وأهل التقوى -جعلنا الله وإياكم منهم- أنهم صدقوا المرسلين، وآمنوا بالكتاب المبين، وساروا على النهج القويم، وخضعوا وأذعنوا واستسلموا لله رب العالمين، لا يرفعون رءوسهم على الله، بل إذا أمروا قالوا: سمعنا وأطعنا، ولو على قطع الرقاب، يقول عبد الله بن سلام لما نزل قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦] قال: والله لو كتبها لقتلناها، وها هم -الآن- أهل الإيمان يقتلون أنفسهم في سبيل الله ، فالذين خضعوا لله، وسلموا أنفسهم وقيادهم لله، عيونهم راضخة لأمر الله فلا ينظرون إلا إلى ما أحب الله، أسماعهم مستسلمة لله فلا يسمعون إلا ما أحل الله، ألسنتهم رطبة بذكر الله، لا يمكن أن تتكلم بكلمة تغضب الله، يزنون الكلام قبل خروجه، فإن كان خيراً نطقوا به، وإن كان شراً ردوه، وإن كان شبهة سكتوا، والسلامة كرامة.
فروجهم محفوظة عن الوقوع فيما حرم الله، وأيديهم مكفوفة عن الامتداد إلى ما حرم الله، وأقدامهم قاصرة عن أن تحملهم إلى معصية الله، هؤلاء رضخوا لله، ثم أعملوا البدائل: بدل النظر المحرم النظر المباح والحلال، النظر في كتاب الله، النظر في ملكوت الله، بدل السماع المحرم والكلام الخبيث أتوا بالكلام الطيب وهو تلاوة كتاب الله، ذكر الله، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بدل الزنا المحرم أتوا بالبديل وهو الزواج الحلال، وهكذا استخدموا أنفسهم في الطريق الصحيح الذي رسمه الله لهم، يقول فيهم ﵎ في نفس الآية قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١]-نسأل الله من فضله- ظلال: ظلال أشجار الجنة، وعيون جارية: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣].
стр. 1036
صفة الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين
كل مؤمنٍ في الجنة تجري من تحت قصره أربعة أنهار، ونحن الآن تجري من تحت بيوتنا أنهار لكنها أنهار المجاري، لكن أنهار الجنة غير ذلك: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] وهذه الأنهار نزع الله منها كل شيء يعيبها، إنها خمر فيها لذة، وخمر الدنيا ليس فيها لذة بل يزيغ منها العقل وتجعل الإنسان مثل الحمار يركب أمه أو أخته، ويتصرف تصرف المجانين، بينما خمر الجنة لا تنزف منها العقول، ثم إن عسل الدنيا ليس مصفى وعسل الآخرة مصفى.
ثم من لبن لم يتغير طعمه ولبن الدنيا يتغير طعمه، ولهذا ينتهي تاريخ اللبن، وإذا شربته بعد أسبوع تسممت، أما بعد عشرة أيام فتموت، لكن لبن الجنة لا يتغير.
لم يتغير طعمه، ثم ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] أي: ليس راكداً متعفناً؛ لأن الماء إذا ركد أسن، وإذا أسن تعفن وظهرت منه رائحة، وأصبح غير صالح للشرب أو الاستعمال.
يقول الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات:٤١ - ٤٢] ورد في بعض الأحاديث ذكر فواكه الجنة أنها أمثال القلال ألين من الزبد، وأحلى من العسل، ثم فواكه دانية يعني إذا كنت جالساً فإن الفاكهة تتدلى عليك، وإذا وقفت وقفت الفاكهة معك، قد تقول بعقليتك الصغيرة: كيف؟ نقول لك: كل ما في الجنة لا يمكن أن يتصوره عقلك، يقول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] اذهب بالخيال كل مذهب، واذهب بالأفكار والتصورات إلى أبعد مدى، ثم اعلم أن أفكارك وتخيلاتك لن تصل إلى حقيقة ما في الجنة: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات:٤٢ - ٤٣] الله أكبر! هنيئاً مريئا جزاءً على عملكم الذي كنتم تعملونه في الدنيا.
كنتم تخافون الله وتراقبون الله، وكنتم ترتعدون من خشية الله، وكانت أقدامكم مصفوفة في بيوت الله، كانت أقدامكم وأصلابكم واقفة في الليل من خشية الله، كانت أعينكم مغضوضة عن محارم الله، كانت أسماعكم مصونة عن محارم الله، كانت ألسنتكم مكفوفة عن الحرام، والآن تأخذون الأجرة أليس كذلك؟ يقال: لا يحج الحاج إلا لمغفرة، ولا يعمل عامل إلا بأجرة، والذي عمل لله من الدنيا ما أخذ في الدنيا شيئاً، بل ربما يجد في الدنيا العذاب بعض أهل الإيمان يخرجون من الدنيا وهم مقتولون أو مسجونون، أو مضطهدون لم يجدوا شيئاً من راحة الدنيا، وبعض أهل الكفر والنفاق والجرائم والمعاصي يعيشون عظماء قادة تصفق لهم الدنيا، وتهتف لهم الجماهير، وبالرغم من هذا ألا يصل لهم جزاء؟ لا بد من جزاء، يقول الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] ويقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ويقول: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
стр. 1037
الدنيا سجن المؤمن، والآخرة فيها جنته
هذه دار ابتلاء ليس فيها جزاء، ولهذا لما ركب الإمام ابن حجر العسقلاني وكان قاضي القضاة في مصر؛ ركب على خيله وخرج ومعه حاشيته، فاعترضه يهودي، وأمسك بالخطام وقال: يا شيخ! قال: نعم.
قال: تزعمون أن رسولكم يقول: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فأي سجنٍ أنت فيه وأي جنة أنا فيها؟! وكان اليهودي فقيراً مقطع الثياب فقال: أي سجن أنت فيه وأنت على الخيول ومعك هذه الأشياء وأي جنة أنا فيها؟ فرد عليه ابن حجر ﵀ قال: ما ينتظره أهل الإيمان إذا قيس على ما أنا فيه فإنهم في سجن، وما ينتظرك وينتظر أهل الكفر إذا قيس على ما أنت فيه فأنت في جنة.
أنت في بسطة إذا قيس على ما في النار.
قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات:٤٣].
والمفسرون يقولون: لِمَ لم يقل الله كلوا واشربوا وانكحوا واسكنوا والبسوا؟ لماذا لم يذكر إلا الأكل والشرب فقط رغم أن في الجنة أكلاً وشرباً ولباساً ونكاحاً وسكناً؟ قالوا: للأغلبية، فإن غالبية نعيم أهل الجنة أكل وشرب، يتلذذون بمطاعمها ومشاربها، ولهذا أربعة أنهار من تحت بيتك، هذه أربعة أنهار من أجل ماذا؟ من أجل أن تشرب من العسل، ومن الخمر، ومن اللبن، ومن الماء.
أما الأكل: فمن لحم طير مما يشتهون، والفواكه متعددة ذكر الله منها نوعين في سورة الرحمن في الجنة الأولى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] وفي الجنة الثانية قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] فيقول الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات:٤٣ - ٤٤] يعني هذا شأننا، وهذا عدلنا، وهذه مشيئتنا؛ أننا نجزي أهل الإحسان بما هم أهله ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] كيف تحسن ولا يحسن إليك المحسن؟ كيف تكون محسناً في هذه الدنيا في تصرفاتك ولا يجزيك المحسن العظيم؟ قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات:٤٤].
ثم يقول وهو ملتفت إلى الكفار وهم في النار في طبقات جهنم يقول: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] أي في الدنيا، يقول: كلوا واشربوا وتمتعوا قليلاً ستين سنة أو سبعين سنة، وهي لا تساوي لحظة من لحظات يوم القيامة؛ لأن اليوم الواحد من يوم القيامة يساوي خمسين ألف سنة من أيامنا في الدنيا.
فيقول الله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] أولئك محسنون والله يجزيهم، وهؤلاء كانوا يتمتعون في الدنيا: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٦ - ٤٨].
إذا قيل لهم اعبدوا الله، خافوا الله، والتعبير بالركوع على العبادة للتغليب أيضاً؛ لأنها أشرف عبادة، أشرف عبادة على وجه الأرض الصلاة، أقدس موقف تقفه بين يدي الله هذا الموقف: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٦ - ٤٨].
بعد كل هذه النذر، وبعد كل هذه المحاذير، وبعد كل هذا الوصف (وصف النار)، وبعد كل هذه الأيمان بالمرسلات، والعاصفات، والفارقات، والناشرات، والملقيات، يهدد ويتوعد ويبين مصير أهل النار ومع هذا كله يرفضون ولا يركعون، قال الله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات:٥٠] بماذا يؤمنون بعد هذا كله؟ إذاً لا فائدة، لا يؤمنون إلا إذا قيل لهم: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات:٢٩] وقيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤].
стр. 1038
بعض علامات الساعة
وقد كان الكلام في الماضي ولا يزال عن علامات هذا اليوم (يوم القيامة) العلامات التي تسبق وجوده، وقلنا إن العلامات منها ما انقضى وانتهى، ومنها الذي لا يزال مستمراً ولا نزال فيه، وهذه الليلة سنذكر لكم بعض تلك العلامات التي لا تزال مستمرة الحدوث وأخبر بها النبي ﷺ .
стр. 1039
من علامات الساعة وقوع الخسف والقذف والمسخ
من ذلك: الأحداث التي تحدث في الأمة من الخسف والقذف والمسخ الذي يعاقب الله به أقواماً من هذه الأمة، يخسف ببعض الناس ويقذف بآخرين، ويمسخ آخرون قردةً وخنازير، وهذا البلاء يقع بسبب تعاطي الأمة للذنوب والمعاصي وإعلانها بذلك؛ لأن المعصية إذا ظهرت ضرت الناس أجمعين، وإذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم يقول ﵊: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) إذا أعلن المنكر ورفع عقيرته، وأصبح صاحب المنكر لا يبالي بأن يرتكب المعصية كشرب الخمور، ولبس الرجال للحرير، وللذهب، والوقوع في الزنا واللواط، وأكل الربا ونحو ذلك من الجرائم والكبائر التي ربما تصل إلى درجة الاستحلال، أعني: لا يمارسها الإنسان وهو يعرف أنه على ذنب، وإنما يمارسها مستحلاً لها -والعياذ بالله- راداً شريعة الله في تحريمها، إذا حصل هذا حصل العذاب.
ففي معجم الطبراني بسندٍ صحيح عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (سيكون في آخر الزمان خسفٌ وقذف ومسخٌ، إذا ظهرت القينات والمعازف، واستحلت الخمور) إذا ظهرت القينات يعني: المغنيات، التي تسمى اليوم النجوم، وهي نجمة حقها الرجم والعذاب واللعن، ويسمونها: (كوكب الشرق) ونجمة المسرح، ونجمة الليلة، تجدها مسلمة تقول إنها مسلمة، وتقول: إن شاء الله أنا على موعد معكم في الموسم القادم على الأغنية الجديدة إن شاء الله، وبإذن الله يوفقني ربي أغني أغنية جديدة، كيف يوفقك الله لعمل هذه المعصية؟ لا حول ولا قوة إلا بالله!! إذا ظهرت القينات في الأمة وظهرت المعازف وآلات اللهو التي تصد عن ذكر الله، وتقسي القلوب، وتصرفها عن القرآن، وتجذبها وتشدها إلى الحرام، واستحلت الخمور وشربت، وهذا موجود في كثير من بلدان المسلمين، تباع الخمور علناً ويحميها القانون، ولا ينكرها أحد، والمغنيات لا تكاد تمشي عشرة أمتار أو عشرين متراً إلا وترى مسرحاً أو ملهى، والمعازف تباع كالكتب في الدكاكين، هذه إذا أعلنت حصل للأمة بسبب إعلانها خسفٌ وقذف ومسخ.
وروى ابن ماجة عن عبد الله بلفظ: (بين يدي الساعة خسفٌ ومسخٌ وقذف) وله شاهد من حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا ظهر الخبث) والعياذ بالله.
والخسف والقذف والمسخ فسر في كتب العلم بعدة تفسيرات، قيل المسخ هو: أن يمسخ باطن الإنسان فيصبح في أخلاق القردة والخنازير، لا يهمه في حياته إلا الجنس، وهذه حياة القردة والخنازير، ولا يغار على محارمه، لا على ابنته ولا على امرأته ولا على أخته أي: مثل الخنزير؛ لأنه تبلد شعوره إلى درجة أنه يفرح أن تكون ابنته معها عشيق ورفيق، بل يبارك لها إذا رآها مع رفيقها يقول: مبروك -إن شاء الله- على الخطوبة، يعني تتدربي معه الآن في الحرام وبعدها يخطبك ثم تصيري زوجته وهو زوجك، فهذا ممسوخ وهو قرد يمشي في ثوب رجل، هذا حصل له المسخ، وسيحصل له القذف والخسف والعياذ بالله.
وروى البخاري عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزل أقوامٌ إلى جنب علم -يعني جنب جبل- يروح عليهم بسارحة لهم -غنم- يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) وهذا الحديث وصله الطبراني والبيهقي بسندٍ صحيح.
فهذه من علامات الساعة (ظهور القينات والمغنيات والمعازف، وشرب الخمور ولبس الحرير).
стр. 1040
من علامات قرب الساعة أن يفيض المال فلا يقبله أحد
ومن علامات قرب الساعة المنتظرة أو التي تسير الآن ونحن فيها: كثرة المال حتى أن الرجل ليعطى الزكاة فلا يقبلها، ويردها ويقول: هذه قليلة، ويبحث صاحب المال عن فقيرٍ يقبل صدقته فلا يجد، وقد قال ﷺ لـ عوف بن مالك والحديث في صحيح البخاري وكان آنذاك في غزوة خيبر: (اعدد ستاً بين يدي الساعة -أي: عد ست علامات قبل الساعة- ذكر منها: استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار ويظل ساخطاً) وهذا الكلام لا نتصوره الآن؛ لأنك لو أعطيت شخصاً فلوساً لا يردها، بدليل أننا في الماضي قبل ثلاثين أو أربعين سنة ما كنا نتصور أن أحد يُعطى كسرة عيش ويردها أبداً، بل الذي يُعطى كسرة عيش يعتبر وجد كنزاً كبيراً، كان إذا هب ضيف وأعطوه كسرة وهو ضيف ولا أحد يأخذ كسرة إلا الضيف ثم قسمها نصفين وأكل منها نصفاً والباقي وضعه في جيبه، ليذهب به لأطفاله، فإذا دخلوا نظروا إلى يديه، أمعه شيء؟ وكانوا إذا ذبحوا الذبيحة لا يضعونها على الصحن المفطح ويقولون: كُلْ كيف شئت، لا.
الذبيحة الواحدة للقرية كلها، يمكن فيها مائة رجل، وتوضع الذبيحة في إناء مطبوخة ويوضع المرق وقليل من العيش والعصيد بجانبه ويقوم الكبار ليأكلوا، وكانوا يقدرون الطعام على قدر الموجودين، وعلى قدر أهل البيت والجيران، فإذا أكلوا لقمتين لقمتين قام الكبير، فقاموا كلهم، لماذا؟ حتى يقولون له: عاد فوق البطن لحية، أي أن الشخص يستحي أن يأكل ولا يدع للذي بعده، فيقومون قبل أن يشبعوا، وتأتي المجموعة الثانية يأكلون قليلاً ثم يقومون، وتأتي المجموعة الثالثة كذلك، فإذا أكملوا وبقي شيء لأهل البيت، وبقي شيء يوصل للجيران من المرق والعيش، أما اللحم فلا يأتي إلا وهم مجتمعون كلهم، وأتوا بالمقسم فيقطع اللحم بالشفرة، ثم يجمع قليلاً وينفخ يده ويقول: الزم بعضها -ليس فيها إلا عظم- فيقول الآخر: اسلم! وهكذا، والقسم لا يعلم صاحبه هو جميل أم قبيح، يأخذ الشخص قسمه ويأكله، ولكن لا يأكله كله، يأكل جزءاً بسيطاً، والباقي يضعه بين ثوبه وجلده ويذهب به لأهله، وإذا بقي معه قطعة من الشحم فهذه كرامة ما بعدها كرامة، الذي نسميها اليوم (زفر) أو زهومة، لكن في الماضي كانت عندهم مثل العطر، إذا قام في الصباح يقول: شم! ما هذا؟ قال: على كرامة البارحة أبشرك، على شحم ولحم.
قال: الله يهنيك! وإذا بقي معه قطعة من هذا الشحم فإنه يحتفظ به ويضعه في شنطته لماذا؟ من أجل أن يكون دهاناً لأقدامه المتشققة من البرد والتعب والحفى والشوك والحجارة، لا يوجد أحذية ولا جوارب، ولا نوم إلى الساعة الثامنة، ثم تغسل بالمغسلة بالماء الحار وتلبس الحذاء وتذهب لتداوم على طاولة وكرسي دوار وتركب سيارة، بل تقوم قبل نصف الليل تشد على الثور وتذهب إلى البئر لتعمل، وتذهب لجمع الحطب، وتكد وتكدح والذي لا يكد فإنه يموت، لا يقعد شخص في البيت أبداً، كل شخص في البيت له وظيفة، من الطفل الصغير إلى الرجل الكبير، والمرأة تذهب لتحتطب وتستقي، والبنت تذهب لترعى، والصغير يقعد مع البهائم، كل شخص لديه عمل، والذي ليس معه عمل يطردونه يقولون: اذهب! لي فيك خير، فقط تأكل وتنام بعده، فكلٍ يقوم بدور.
ما كنا نتصور ولا كنا نصدق أن أحداً يعطى رغيفاً ويقول: لا أريده، الآن يأتيك فقير فتفتح له الباب وتقول: هذا قرص، وهذا أرز، وهذا لحم، وهذا إدام، فيقول: شكراً أريد أموالاً، فهو تاجر يريد رصيداً، لا يريد أكلاً، تقول: أعطيك أرزاً يقول: لا.
أعطني عشرة ريالات أو خمسة ريالات، ومستقبلاً ومن علامات الساعة أن يفيض المال حتى تعطيه منه فيقول: شكراً.
وهذا قد وقع -أيها الإخوة! - ولكنه ربما يتكرر، فقد ذكروا في التاريخ أنه في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ كانت الزكاة تخرج ولا يوجد من يقبلها، وكان يقول: [اجعلوا هذا حيث ترون من الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله] يبحث عمن يأخذ فلا يجد، فيرجع بالزكاة لا يجد لها أحداً يأخذها، وهذا سيكون في هذا الزمان أو في الأزمنة المقبلة والله تعالى أعلم.
стр. 1041
الأسئلة
.
стр. 1042
شروط التوبة الصحيحة
السؤال
ناس يعملون الربا والزنا ويأخذون الرشوة ويقولون: نستغفر الله؟
الجواب
إذا كانوا صادقين في الاستغفار وتابوا إلى الله، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنب العظيم مهما كان، ولو كان رباً أو زناً أو رشوة، إذا تاب الإنسان واستغفر الله ورجع إلى الله فإن الله غفور رحيم.
أما إذا كانوا يستغفرون الله بألسنتهم وهم مقيمون على هذه الذنوب فهؤلاء يستهزئون بالله؛ لأنه ورد في الحديث: (التائب من الذنب والعائد إليه كالمستهزئ بربه) فالاستغفار والتوبة تقتضي من العبد خمسة شروط حتى تكون مقبولة: الأول: الإقلاع.
الثاني: الندم.
الثالث: العزم على عدم العودة.
الرابع: إذا كان الذنب في حق آدمي التحلل منه.
الخامس: أن تكون التوبة قبل الموت.
فإذا انتقض شرط واحد من هذه لم تقبل التوبة.
стр. 1043
حكم السب واللعن ومجالسة أهله
السؤال
في بعض المجالس يكثر السب واللعن للوالدين، ولعن الشخص لأخيه، بل إن بعضهم إذا دخل على المجلس لا يسلم على أخيه ولكن يقول: لعنة الله عليكم أين كنتم! فماذا نقول لهؤلاء؟ وإذا كان الجلوس مع هؤلاء لظروف العمل فماذا أصنع؟ وهل أجلس معهم، وهل عليَّ إثم، وهل تلحق اللعنة بي وأنا مؤمن بالله، وإذا نصحت هؤلاء لا يستجيبون لي فما العمل؟
الجواب
السب واللعن والشتم من علامات الفسق؛ لأن المؤمن ليس باللعان ولا بالطعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء، ليست هذه من أخلاق أهل الإيمان، أخلاق أهل الإيمان الطهر والصفاء، والعفاف والنقاء، والصدق والوفاء، ليس عندهم هذا الكلام الساقط، يقال: إن عيسى ﵇ مر ومعه بعض حواريه على جيفة، فكل شخص وصفها، فشخص قال: ما أنتن رائحتها، وشخص قال: ما أقذر شكلها، وعندما أتى إليها هو قال: ما أحسن بياض أسنانها، قالوا له: ماذا بك؟ قال: لا أريد أن يعتاد لساني البذاءة فبحث عن أحسن شيء في هذه الجيفة وهو بياض الأسنان، قال: لا أريد أن أعود لساني البذاءة في القول.
فالذي يسب ويشتم ويلعن -والعياذ بالله- يدلل على أنه ليس من أهل الإيمان، وأنه من أهل الفسق، لحديث النبي ﷺ : (ليس المؤمن باللعان ولا بالطعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء) والحديث الآخر: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، ولعن المؤمن كقتله).
فلا ينبغي لك -أيها المسلم- أن يكون لسانك سباباً ولا شتاماً؛ بل عليك أن تكون ذاكراً لله، تالياً لكتاب الله، وقافاً عند أوامر الله .
وهؤلاء الذين تضطرك ظروف العمل لأن تجلس معهم عليك أن تنصحهم، وأن تحاول أن تصحح وضعهم، فإن استطعت فذاك -والحمد لله- وإن أبوا واستطعت أن تنتقل من هذا العمل فالحمد لله، وإن لم تستطع فاجلس ولكن في عزلة تامة عنهم (عزلة شعورية) وبعد ذلك لا يضرك من هذا شيء إن شاء الله، لأنك مكره على الجلوس معهم.
стр. 1044
حكم الغناء في الإسلام
السؤال
ما حكم الغناء في الإسلام؟ وهل هو حرام أم حلال؟
الجواب
الغناء معروف حكمه في الشرع وهو الحرمة، والأدلة فيه كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، والمقام لا يتسع لذكرها، وقد وعدت في أبها أن نخصص ندوة كاملة للحديث عن الغناء وحكمه في الإسلام، ولكني أنصح الإخوة المستعجلين بشريط موجود في الأسواق اسمه حكم الإسلام في الغناء للدكتور الشيخ عبد الرحيم الطحان، وهذا من سمعه -فإنه- يستأصل الأغاني من قلبه بإذن الله إذا كان فيه خير.
стр. 1045
حكم إدراك الركوع والإمام راكع
السؤال
ورد حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي بعض الأوقات ندرك الإمام وهو في الركوع ولا يمكننا قراءة الفاتحة، فهل تحسب الركعة أم نأتي بركعة ثانية؟
الجواب
هذا موضع خلاف بين أهل العلم، فالأئمة الأربعة، وجماهير العلماء يرون أن من أدرك الركوع مع الإمام قبل أن يرفع فقد أدرك الركعة، لحديث النبي ﷺ في سنن أبي داود: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) ولحديث أبي بكرة في صحيح البخاري وصحيح مسلم حينما دخل وكبر والرسول ﷺ راكع فركع خلف الصف ثم دخل وسأله قال: (من هذا؟ فأخبره قال: زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ) وقيل: (ولا تُعِدُ) وقيل: (ولا تَعدْ).
أما حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فهو في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ وهو ما استدل به أهل الحديث يتزعمهم البخاري ﵀ وهو يرى أنه لا بد من قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأن من أدرك الركوع ولم يقرأ الفاتحة لا تحسب له ركعة، وهذا رأيه، أما رأي جماهير أهل العلم والأئمة الأربعة أنها تحسب ركعة للدليل، وأجابوا على هذا الحديث فقالوا: هو حديث صحيح ولكنه عام، وأما حديث: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) فهو حديث خاص، والحديث الخاص مقدم على العام؛ لأنه في عين القضية.
стр. 1046
حكم تحية المسجد وقت النهي
السؤال
الذي يدخل المسجد في وقت النهي هل يحق له أن يصلي تحية المسجد؟
الجواب
أيضاً هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل إذا دخل الإنسان المسجد في وقت النهي فهل يجلس أو يصلي؟ ورد في ذلك حديثان متعارضان: الحديث الأول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) هذا حديث النهي عن الجلوس إلا بعد صلاة ركعتين.
والحديث الآخر: حديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، والجمع بينهما أن يقال كما قال الإمام الشافعي وبعض أهل العلم: إنها تصلى؛ لأنها ذات سبب، إذ أن النهي إنما هو عن النافلة المطلقة التي لا سبب لها، أما تحية المسجد فهي نافلة لها سببها وليست نفلاً مطلقاً، وسببها دخول المسجد، وما دام أنه جاءنا أمر أن لا نجلس حتى نصلي ركعتين فلنصل ركعتين ولنجلس، ومن دخل المسجد ولم يصل ركعتين وجلس فلا شيء عليه، فقد قال بعض أهل العلم بأنه يجلس ولا يصلي ركعتين، فالأمر فيه سعة، من صلى فله سلف، ومن جلس فله سلف ولا ينكر عليه، ولكن من وقف، لأن بعض الناس يدخل ويظل واقفاً فلا هو صلى ولا هو جلس، يعني لا أتى بحديث هذا ولا بحديث هذا، فأنا أقول: إذا دخلت فصل أو اجلس، أما أن تظل واقفاً فلا نعلم من أين أتيت بهذا.
стр. 1047
واجب الزوج تجاه زوجته وتربيتها على ترك الحرام
السؤال
أنا شاب متزوج وزوجتي تسمع الأغاني، وقد نصحتها بعدم السماع وحدثتها ولكنها لا تستمع إلى الأحاديث، وتقول: إنها تحب سماع الأغاني ولا تحب أن تسمع الأحاديث! فماذا تنصحني؟
الجواب
أولاً: يا أخي الكريم: أنت أسأت الاختيار لهذه الزوجة ووقعت مع امرأة لا تحب الأحاديث بل تحب الأغاني، هذه لا تحب الله ورسوله ولا الدار الآخرة، فكيف تتزوج بمن لا تحب الله ورسوله ولا الدار الآخرة، هذه مصيبة.
إن كنت تزوجت بها وكنت تسمع إلى الغناء مثلها، فمثلما أصلحت نفسك يلزمك أن تصلحها بالرضا أو بالقوة؛ لأن المرأة هذه بيدك وأنت الرجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والله أمرك بأن تقيها النار، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فزوجتك إذا لم تستجب بالتي هي أحسن فإنها تستجيب بالغصب، أما إذا كنت مهتدياً وملتزماً وتزوجتها وأنت تعرف أنها لا تحب الله ولا رسوله وأنها لا تحب إلا الأغاني فأنت أخطأت.
وقد يقول قائل من الشباب الملتزم: من أين لي بامرأة ملتزمة؟ نقول لك: ابحث فإن وجدت المرأة الصالحة فالحمد لله، وإن لم تجد فاشرط عليها، قل: حياتي كلها خاضعة للكتاب والسنة، لا أرتكب معصية ولا أقع في ذنب، فإذا أعلنت عن الرضا فالمؤمنون على شروطهم وستسير معك، وإذا قالت: لا والله لا أريد، قل: وأنا لا أريدك، إذا كنت لا تريديني، فأنا لا أريدكِ؛ لأن الحب في الله مقدم على الحب في الجنس، فإذا كانت فاسقة فكيف أحبها، وكيف أجلس معها وهي تحب الأغاني.
ثم إن المرأة التي تحب الأغاني ما معنى كلامها؟ كأنها تقول: لا أريد صوتك، أريد صوت المطرب الفلاني الذي صوته كأنه مزمار، فهل ترضى لزوجتك أن تحب صوت مغن؟ ما رأيك لو دخلت البيت ورأيت معها رجل يغني لها وهي تستمع وتهز رأسها، أترضى؟! وما الفرق أنها تسمع أو ترى.
فلا ترض -يا أخي- لزوجتك أن تسمع الأغاني، ونقول لهذه الزوجة المسكينة: اتقي الله أيتها المؤمنة! وتوبي إلى الله، وما دام أن زوجك صالحاً يدعوك إلى الله ويأمرك بطاعة الله، وينهاك عن معصية الله فاستجيبي له ولا تخالفي أمره، فإن أمره مطاع ما دام يأمر بطاعة الله ، وأنتِ في الأصل مأمورة بأن تطيعي الله ولا تعصيه ولا تستمعي إلى الأغاني لأنها من الأشياء التي حرمها الله .
стр. 1048
وقت وجوب الحجاب الشرعي على البنت
السؤال
متى يجب على البنت الحجاب الشرعي؟
الجواب
يجب الحجاب الشرعي وجوباً عند البلوغ، ولكنها تُدرب عليه عند التمييز، يعني بعدما تبدأ بسبع سنوات تبدأ تدرب بالأمر فقط، وعندما تبلغ عشر سنوات تدرب بالضرب، فلا يبلغ عمرها أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة إلا وهي متدربة قد ألفت العباءة وألفت الحجاب، فبعضهم يدعها بدون حجاب وقد أصبح عمرها اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، تخرج وشعرها مكشوف، ووجهها ظاهر، لماذا؟ قال: إنها صغيرة، قلنا الصغيرة ستكبر، عوّدها من الآن على أن تتحجب وأن تتستر وألا تكون وقحة، وألا تكون جريئة على مجالسة الرجال.
стр. 1049
حكم الكلام والإمام يخطب
السؤال
جلست يوم الجمعة بجانب رجلٍ وأخذ يقول لي: اجلس جيداً، وأنا لا أكلمه؛ فهل صلاته تبطل، وآخر دخل أحد الإخوان وأخذ يصلي فقال له الإمام: اجلس.
الجواب
أما هذا الذي أمرك أن تجلس جيداً فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، فصلاته لا تبطل لكن ليس له أجر الجمعة: (من قال اسكت والإمام يخطب فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، ومن مس الحصى فقد لغا) والإسلام يركز ويؤكد على المصلين ضرورة الإصغاء والانتباه للخطبة؛ لأن الخطبة درس ووجبة أسبوعية كاملة، يتزود بها المسلم من الجمعة إلى الجمعة، لكن أن ينام أو يتكلم، أو يسهو أو يفكر في الدنيا ولا يعلم ماذا يقول الخطيب؛ فلا.
عليك أن تنصت وتصغي وتركز وتتابع؛ بحيث لو خرج الإمام من الصلاة وسئلت أنت عن الخطبة لأجبت عنها كاملة، كأنك حفظتها.
أما الذي دخل فصلى ومنعه الإمام فإن الإمام ما أصاب، إذا دخل الإنسان المسجد فينبغي له أن يصلي، وإذا جلس ولم يصل فإنه يطلب من الإمام أن يأمره بالصلاة؛ كما فعل النبي ﷺ مع الرجل الذي جلس فقال له: (قم فصل ركعتين).
стр. 1050
حكم الوضوء عند معاودة الجماع
السؤال
إذا جامع الرجل زوجته وأراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى؛ فهل يجب عليه الغسل بينهما أم الوضوء؟
الجواب
لا يجب عليه الغسل ولا الوضوء، ولكن يستحب له الوضوء من باب الاستحباب لا من باب الإيجاب.
стр. 1051
حكم قضاء السنة القبلية بعد الصلاة
السؤال
هل يجوز أن أصلي السُنةَ التي قبل الصلاة بعدها؛ لأني لم أجد وقتا لأصليها؟
الجواب
نعم السنن الراتبة تقضى، فمثلاً صلاة الظهر قبلها أربع ركعات إذا أتيت والإمام يصلي فصلها بعد ذلك.
стр. 1052
حكم الاستعانة بالجن ونماذج من ألفاظ العوام الشركية
السؤال
ما حكم الاستعانة بالجن، كقولهم خذوه، وكش، وبقعى، وسبعة، وخذيه يا الطير؟
الجواب
هذه الكلمات كلها شركية، وقد سألت أنا بنفسي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وقلت: عندنا بعض العوام يقولون هذه الكلمات ولا يعلمون أنها شرك، قال: يبين لهم أنها شرك، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن استمروا بعد العلم فهم مشركون لا تؤكل ذبائحهم، ولا تقبل صلاتهم؛ لأنهم يدعون غير الله، والدعاء هو العبادة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ * وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٧ - ١٨].
السبعة لا يضرون ولا ينفعون، ولا يضر ولا ينفع إلا الله الذي لا إله إلا هو، السماوات سبع، والأرضون سبع، وأيام الأسبوع سبع، والطواف حول الكعبة سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، والأعضاء السبعة، لا يوجد سبعة من الجن فقط، إنما عليك ألا تدعو غير الله، أما إذا قلت (سبعة) أو (كش) أو (بقعى) أو (خذوه) أو (أهل الرمادة) أو (أهل الحماقة) أو (اختطفوه) أو (مصوا دمه) كل هذا شرك؛ لأنك دعوت الجن، ومن دعا غير الله فقد أشرك بالله، وهذا موجود عند النساء إلا من عصم الله، ولذا إذا ذهبت هذه الليلة إلى أهلك فأحضر زوجتك وأحضر أولادك ونبه عليهم، فهذا أعظم من الزنا، ومن الخمر، ومن الربا، أعظم من كل الذنوب؛ لأن من أشرك بالله ومات على هذا فإن الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلا، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] ويقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
كذلك الذي يقول (والنبي) (وشرفي) (وبالحرام) كل هذه أيمان لا تجوز وهي من الشرك -والعياذ بالله- فالذي يقول: و (شرفي) و (مخوتك) و (صداقتك) و (العيش والملح الذي بيني وبينك) و (النبي) بعض الناس يقسم بالنبي ويتصور أنها مسألة سهلة، وإذا نصحته، قال: هذه لهجة، حسناً والشرك لهجة، ولا إله إلا الله التي يدخل فيها الدين لهجة، وطلاق زوجتك عندما تقول أنتِ طالق لهجة، والبنت الذي يزوجها أبوها بك يقول: زوجتك ابنتي كل هذه لهجة، تقول والنبي! هذا شرك وإنما هو رسول الله وهو عبد الله وليس إلهاً مع الله نعبده، وإنما نؤمن به ونتبعه ولا نعبده أو نقسم به أو بأحد غير الله، فلا يجوز قول: (فلا والنبي) ولا غيرها، وأيضاً الرجل يقول (مثل أمي) والمرأة تقول (مثل أبي) ومثل (رءوس عيالي)، هذا كله -والعياذ بالله- من الشرك.
стр. 1053
حكم الظهار
السؤال
ما حكم حلف الإنسان بالأقسام التالية: أنتِ عليَّ حرام كما تحرم عليَّ أمي، أو يقول: مثل أمي.
الجواب
أما إذا قال الرجل أنت عليَّ حرام كأمي فهذا ظهار، والظهار سماه الله منكراً من القول وزوراً، والذي ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم، وكان الطلاق لم يشرع بعد، وما كان أحد يعرف الطلاق، فالله شرع الطلاق بعد هذه القضية، كان الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته قال: أنتِ عليَّ مثل أمي، أو كظهر أمي، أو كبطن أمي، فظاهر منها فجاءت إلى النبي ﷺ تشتكي قالت: يا رسول الله! لي أولاد كثير، إن تركتهم معه ضاعوا، وإن تركتهم عندي جاعوا، وسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، تقول عائشة ﵂: ما أعظم سمع الله، تقول: والله لقد كانت خوله بنت حكيم تحدث الرسول في جانب الغرفة وأنا في جانبها الآخر والله ما سمعتها، ولكن الله يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١].
ثم بين الله الحكم وقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:٢] ثم بين الله الكفارة وهي: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٣ - ٤] الذي يقول هذا فعليه صوم شهرين متتابعين، ولا ينتقل إلى الإطعام إلا إذا عجز عن الصيام، والعجز عن الصيام يعني عن صيام رمضان؛ لأن بعض الناس يقول: لا أستطيع أن أصوم وهو يصوم رمضان، فالمقصود أن الذي يعفى عنه هو الذي يعجز عن صوم رمضان.
стр. 1054
كشف المرأة وجهها عند زوج أختها
السؤال
مشكلتي أن أزواج أخوات زوجتي -أي عدلاه- يدخلون بيت أبي وتكشف عليهم زوجتي وتجلس معهم، وقد كلمتها وكلمت أهلها ولكنها تغضب ويغضبون؟
الجواب
تغضب زوجتك عندما تقول لها تحجبي؟! أين رجولتك، فهل هي الرجل؟ لا.
أنت الرجل، فعليها أن تتحجب غصباً عنها، وإذا ما تحجبت فلا تبق معك، إما حجاب وإلا الباب، عش عزباً إلى يوم القيامة وتدخل -إن شاء الله- الجنة ويزوجك ربك باثنتين وسبعين حورية بدل هذه التي ترفض الحجاب، أما أن تسكت وتعيش معك وهي متبرجة وتكشف وجهها بين الرجال فأنت ساقط جبان؛ لأنك لم تلزمها بأمر الله؛ ولأنك عبد شهوتك، ولم تكن عبد مولاك وخالقك، ويوم القيامة تسحبك بلحيتك إلى جهنم، وتقول: هذا الظالم يا ربِّ أنصفني منه، كان يأمرني بكل شيء ولا يأمرني بطاعتك، فيا أخي المسلم! مُرها بالقوة.
وبالنسبة لأهلها فقل لهم: هذا الأمر يخصني؛ لأن حجاب زوجتي من خصوصياتي، أنا الذي أتحكم في هذه الموضوعات وفق أمر الله، والله أمر أن أحجبها من هؤلاء، ولا بد من الحجاب، إذا قالوا: لا، أو غضبوا، فقل: بضاعتكم ردت إليكم، كن ذئباً وارفضها، وبعد أيام يجعل الله لك عليها نصراً، ستدعوك هي ويدعوك أبوها ويقول: تعال تعال، إنما أردنا أن نفعل عليك حيلة.
стр. 1055
حكم خلوة المرأة بالأجنبي ولو كان عفيفاً
السؤال
زوج أختي يدخل بيتي عندما أكون موجوداً أو غير موجود، وكذلك يقوم بإيصال زوجتي إلى أهلها ويرجعها إلى بيتي بالسيارة بدون أن يكون معهم أحد، وقلت لها وللأهل: هذا حرام، فقالوا كلهم: ليس في ذلك بأس وأنت رجل كثير الشك؟
الجواب
يقول: إنه قال لأهلها: إن هذا حرام، ثم يرضى أن تركب مع زوج أخته وأن تذهب معه، وأن يدخل عليها في البيت، وأنت رجال شكوكي، الله أكبر يا إخواني! أين الغيرة، أين الشهامة، نحن لا نقول: إن زوجتك فيها بأس، ولا نتهم زوج أختك بأن فيه بأساً، وليس بالضرورة أن يكون فيهم بأس؛ لكن الحجاب أمر الله، ما دام أن الله أمر بالحجاب فلا بد أن نطيع الله، فقد تكون زوجتك عفيفة وطاهرة -إن شاء الله- وقد يكون هذا الرجل عفيفاً لكن يلزمهم مع العفة والطهارة الانصياع والإذعان لأمر الله، أما أن يتكلوا على أن قلوبهم طاهرة فيدل هذا على أن قلوبهم ليست طاهرة، إذ لو طهرت قلوبهم لاستجابوا لأمر ربهم؛ لأن الله يخاطب المؤمنين يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
следующие страницы →