← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

مدح الزوج في وجهه ولعنه إذا غاب السؤال ما حكم الزوجة التي تسب زوجها في حال غيابه، وتلعنه وتلعن والديه، وإذا دخل البيت ضحكت في وجهه، وأثنت عليه ومدحته؟ الجواب هذه والعياذ بالله مجرمة، منافقة، لها وجهان، ومن لقي الله بوجهين كان له وجهان من نار! لا بد من الوضوح، إذا كانت غاضبة عليه، أو كان لها عليه مؤاخذات تقول له: أنت عملت بي كذا واتق الله. أما أن تمدحه في الوجه، وتسبه وتشتمه وتلعنه في حيال غيابه، فهذه والعياذ بالله! ترتكب جريمة من أعظم الجرائم، وتأكل لحمه في كل حين، وتهديه حسناتها إن كان لها حسنات، أو تأخذ من سيئاته، وكلنا لنا سيئات.

стр. 982

عدم جواز منع الزوجة من زيارة أهلها السؤال هناك زوج يمنع زوجته من زيارة أهلها، ولكن يقول لها: زوري أهلي، فماذا تقول له؟ الجواب نقول له: لا يجوز لك أن تمنع زوجتك من زيارة والديها وأهليها إلا إذا خفت وقوع فتنة، إذا كنت تعرف أنها إن ذهبت إلى أهلها تفسد جاز لك منعها، ولكن مع هذا يجب أن تذهب -أيضاً- معها، لتحول بينها وبين الفتنة. أما أن تمنعها على الإطلاق، وكل يوم تذهب بها إلى أهلك، وتمنعها من أهلها، فهذا لا يجوز، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف التي قال الله عنها: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فكما تحب أنت أن تزور أهلك هي -أيضاً- تحب أن تزور أهلها، ومقتضى الحقوق التساوي في ذلك.

стр. 983

حكم تفضيل الآباء لبعض أبنائهم السؤال ما حكم الإسلام فيمن يفاضل بين أبنائه -دائماً- خصوصاً مع وجود الأولاد البالغين، والصغار كذلك؟ الجواب لا يجوز للمسلم أن يفضل بعض أبنائه على بعض، خصوصاً في حضرتهم، ولكن بإمكانه أن يُسِرَّ للطيب منهم المهتدي يأخذه على جنب؛ لأن هذا يخفض من معنوياتهم، ويوجد حقداً على أخيهم هذا؛ إذا جلسوا قال: والله ما فيكم إلا فلان فإنه مبروك، أما أنتم البقية ما فيكم خير، فإنهم سيقولون لوالدهم: ما دام ما فينا خير فأنت ما فيك خير. بل قل في المجلس: كلهم فيهم بركة، وكلهم فيهم خير، والحمد لله فيهم صلاح، واسأل الله أن يهديهم، وتأخذ الطيب وتقول له: إني راضٍ عنك أنت خصوصاً، أنت ملأت عيني؛ لأنك على الطريق المستقيم، وتمسك المنحرف منهم وتقول: يا ولدي! انظر إلى إخوانك فإنهم أحسن منك، أريدك أن تصير مثلهم، يعني: تتحدث معهم بالحكمة، أما التحطيم أمام الآخرين، فهذا لا يعالج وإنما يوجد مشكلة.

стр. 984

الحقوق المشتركة بين الزوجين السؤال ذكرتم حقوق المرأة وحقوق الرجل، أليست هناك حقوق مشتركة؟ الجواب نعم. هناك حقوق مشتركة، وأنا نسيتها حقيقةً، فالحقوق المشتركة بين الطرفين: أولاً: حل استمتاع كل منهما بالآخر، فإنه يحل للرجل أن يستمتع بالمرأة، ويحل لها أن تستمتع به. ثانياً: ثبوت التوارث، فإنه بموته وبموتها يثبت التوارث، إذا ماتت قبله أو مات قبلها. ثالثاً: ثبوت نسب الولد، يثبت نسب الولد له ولها بالزواج. رابعاً: المعاشرة كما قلنا بالمعروف، فكما هو مطلوبٌ منه أن يعاشرها بالمعروف، فإنه مطلوبٌ منها أيضاً أن تعاشره بالمعروف.

стр. 985

الضرب للزوجات متى يلجأ إليه السؤال متى يستخدم الزوج الضرب لامرأته؟ وما هو الضرب المشروع؟ الجواب أولاً: ليس هناك ضرب مشروع، وليس هناك مشروعية في الضرب، إنما الضرب مباح كعلاج عند دواعيه، وهو وسيلة ختامية، قال الله : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] النشوز هو: التعالي والارتفاع، يعني: التكبر على الزوج وعدم الطاعة ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] فأول شيء التعليم والموعظة، وبعد ذلك: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] وبعد ذلك: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] الثالثة: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] والضرب هو الذي ذكره العلماء مثل: اللطمة في غير الوجه، واللكمة في المكان الذي لا تكسر عظماً، المهم أن لا يسيل دماً، ولا يكسر عظماً، ولا يقيم حداً؛ بعضهم إذا ضرب ظل يضرب ويضرب إلى أن يتعب، أنت لا تعزر ولا تقيم حداً شرعياً هنا، إنما تؤدب، عندما تشعر بأنك غضبان، اضرب مرة واحدة فقط، لكن لكم ولطم وضرب ودوس بالأقدام إلى أن يذبحها، هذا لا يجوز أيها الإخوة! والحياة الزوجية إذا لم تمش إلا بالضرب، فإنها حياة فاشلة، يعني: يجب أن يكون لك أساليب أخرى غير الضرب، ولا تلجأ باستمرار إلى الضرب، والرسول ﷺ عاب الرجل الذي لا يضع سوطه عن رقبته، عندما جاءت فاطمة بنت قيس تستشير النبي ﷺ في نفر من الصحابة منهم أبو سفيان فقالت: ما رأيك في الزواج من فلان أو فلان؟ قال: (أما فلان فصعلوك) يعني: ليس معه شيء (وأما فلان فلا يضع سوطه عن عاتقه) يعني: ضراب، العصا معلقة في الدار، كلما فعلت شيئاً يغضبه قام بضربها، هذا لا يصح، ونصحها الرسول ﷺ ، بألا تتزوج بهذا الضراب، فصفة الضرب للمرأة ليست صفة رجولية، فالمرأة لا يهينها إلا لئيم، ولا يكرمها إلا كريم، وهي أمانة في عنقك، وهي أسيرة عندك، يقول الرسول ﷺ : (إنهن عندكم عوان) يعني: أسيرات، ولها حق عليك، فلا يكن الضرب ديدنك دائماً، لكن قد تضطر يوماً من الأيام إلى استخدام الضرب، وقد تلجئك الظروف.

стр. 986

حكم دفع الزكاة للمجاهدين السؤال هل يجوز دفع الزكاة إلى المجاهدين الأفغان؟ الجواب لم يكن جائزاً فحسب، بل هو واجب، فهو المصرف الشرعي الآن، والذي نحث أنفسنا وإخواننا إليه، هو الإنفاق على الإخوان المجاهدين، لا نقتصر على الزكاة فقط، بل نتصدق من أموالنا؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف:١٠]؛ تجارة عظيمة رابحة، ماذا تعمل لكم، تنجيكم من الجوع والعطش والأكل؟ لا. وإنما: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] من عذاب الله، وكأن الناس قالوا: نعم يا رب! نريد هذه التجارة، قال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١١] فإذا قدرت بالمال والنفس فهو أفضل، وإذا لم تقدر إلا بالنفس، وليس معك مال فخير عظيم، وإذا لم تقدر بالنفس فلا أقل من أن تبذل المال. وقد أرسل لي أحد القادة المجاهدين يقول: اجمع تبرعات للمسلمين، وقل للمسلمين ليكن الجهاد في حسبان المسلمين، ولد أو طفلة تأخذ كل يوم من جيب أبيها ريالين، من هو الذي يترك ابنته أو ولده بغير نقود، هل هناك أحد يفعل ذلك؟! نقول: اعتبر أن لك طفلاً صغيراً يعيش في المخيمات، وأن لك أخاً مجاهداً يعيش في الثلوج، وفي قمم الجبال يجاهد أعداء الله بصدره، ويلتحف السماء، ويفترش الأرض، وليس عنده طعام إلا الخبز اليابس، وقد لا يجده إلا في بعض الأيام، فلنجمع كل يوم ريالين، حتى تصير في الشهر ستين ريالاً. ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] فالجهاد بالمال واجب، خصوصاً علينا نحن في هذه البلاد المباركة التي فيها خير، وخصوصاً في الآونة الأخيرة؛ لأن الجهاد الآن قام، وقطوف الثمرة الآن، فالذي يتخلى عن الجهاد الآن فإنه يتخلى عنه دائماً، قام الجهاد، واستطاع بإذن الله أن يدحر أقوى قوة كافرة على وجه الأرض؛ وهي قوة روسيا الدب الأحمر التي قامت على القتل واكتساح الشعوب، وتدمير الأمم، لكنها فشلت وانهزمت واندحرت، وخرجت تجر أذيال الهزيمة أمام الرجال الأشاوس الأبطال، الذين لا يملكون إلا الإيمان! قوة ضاربة حقيقةً، دمرت روسيا وخرجت وهي صاغرة، والآن يريدون العودة وسينتصرون بإذن الله، فقد انتصروا على روسيا، وسينتصرون على الخونة الملاحدة الموجودين الآن في الحكم بإذن الله ، ولكن يحتاجون إليك الآن. والحمد لله هناك لجنة فرعية في المنطقة لجمع التبرعات وما عليك يا أخي! إلا أن تساهم في جهاد الأفغان بمالك الخالص. أما الزكاة فهو مصرف شرعي ليس لك فيه فضل ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] إلى أن قال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] يعني الجهاد، فأخرج من مالك زكاته، وضعها في المصرف الشرعي للمجاهدين، وإذا كان هناك من المسلمين في بلدك مستحق، فيجوز لك أن تواسيه وتعطيه منها؛ ولكن لا تنس إخوانك المجاهدين.

стр. 987

صيام المرأة وزوجها شاهد، وصيام شهر غير رمضان السؤال هل يجوز للمرأة الكبيرة أن تصوم من غير إذن زوجها؟ وهل يجوز صيام شهر كامل غير رمضان مثل شهر رجب؟ الجواب أولاً: لا يجوز للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، سواء كانت عجوزاً أو بنتاً؛ لأن الحديث في البخاري ومسلم معلوم صحته قال النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه). أما صيام شهر كامل فإنه يجوز، ولكن فقط شهر شعبان لحديث عائشة تقول: (كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) فقد صامه مرةً كله ومرةً تركه كله. أما رجب فلا دليل على صيامه، أو قيامه، أو عمرته، أو أي عمل يختص به، وكل حديث ورد في فضل عمرة رجبية، أو سبعة أيام من رجب، أو ليلة سبع وعشرين من رجب، أو أي فضل فيه، فإنه موضوع أو ضعيف ولا يحتج به.

стр. 988

الاستقامة هي لزوم العمل بالعلم السؤال من الناس من يقول: إن الاستقامة فيما يحفظه الإنسان من معلومات إسلامية، فهل هذا صحيح، مع ضرب أمثلة من الواقع؟ الجواب ليس بصحيح، ليست الاستقامة والإيمان هما العلم فقط، الإيمان والاستقامة هما العلم والعمل، فإذا كان عندك علم، وكان عندك عمل وتطبيق وخشية، فأنت المستقيم. أما أن تكون عالماً، وتحفظ من العلم لكن لا تعمل به، فهذا مثل إبليس يعرف كل الأديان والرسالات، والكتب يحفظها كلها عن ظهر قلب، لكنه من أهل النار، لماذا؟! لأنه لم يعمل.

стр. 989

حكم النظر إلى زوجة الأخ السؤال زوجة أخي دخلت بيتنا ونحن صغار، وقامت بتنظيفنا وإلباسنا وخدمتنا حتى أصبحنا رجالاً، فهل نحتجب منها، ولكننا لو أفصحنا لها بهذا فإننا نخاف أن تشتعل النار في العائلة، ويدب الشك فما هو الحل؟ الجواب قولوا لها: جزاك الله خيراً على خدمتك لنا، ولكن أصبحنا رجالاً، وأنت أجنبية عنا، ولا يجوز أن ننظر إليك، وليس هذا الفعل لعدم الثقة بك، فثقتنا فيك كبيرة، ولكن هذا أمر الله . أما أن البيت سيشتعل ناراً فلا، بل ستحل فيه الرحمة والبركة والرضوان من الله ، لا يتصور أحد أنه إذا وجد الحجاب تشتعل الأسرة، لا والله، بل تشتعل الأسرة إذا كان الحجاب غير موجود حقيقةً؛ لأنه يسبب هذا التكشف إلى اشتعال النار في الإنسان يوم القيامة. على كلٍ أختم الآن، وبالرغم من أن أسئلة الأسبوع الماضي لم تنته بعد، لكن الوقت ضيق، وما أريد أن أطيل على الإخوة، وقد أخذت تعهداً على نفسي أن لا أزيد على الثمانية. وأسأل الله الذي لا إله إلا هو، أن يجمعنا وإياكم على رضاه في الدنيا والآخرة.

стр. 990

فضل الإيمان وآثاره ضرورات الحياة المتفق عليها بين البشر ثلاث، وهي: الهواء والماء والغذاء، ولكن ضرورة الإيمان والدين تطغي على ذلك كله، فهي الباعثة على الأمن والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا الإيمان ثمار وآثار في الدنيا والآخرة تظهر على من التزمه وحققه. في ظلال هذه الأفكار والأطروحات كان موضوع الشيخ في هذه المادة، إضافة إلى الكلام عن نظرية داروين الحيوانية وكيف استغل اليهود هذه النظرية وطوروها من أجل خدمة أفكارهم وتحقيق أهدافهم.

стр. 991

الضرورات المادية في حياة البشر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: هناك في حياة البشر ضرورات لا بد من توفرها، ولا يستطيع إنسان أن يعيش حياةً سعيدةً إلا بتوفر تلك الضرورات، وهذه الضرورات كثيرة في حياة الناس، ولضغط الحياة المادية وانعدام المقاومة لدى الإنسان في هذا الزمان؛ أصبحت معظم الأشياء ضرورية لدرجة أنه إذا انتهت أية مادة من مواد الأسرة فإن البيت يشعر بنقص، وبعدم قدرة على التكيف مع الوضع الجديد، إذ لا بد من توفير هذه الأشياء ولو في أبسط صورها، مثلاً: لو تنتهي من البيت حفاظات الأولاد لقامت مشكلة في البيت، تصيح المرأة بأعلى صوتها، وتقيم الرجل من مضجعه، وتوقظه من نومه، وتأمره بأن يذهب إلى السوق لشراء حفائظ الأولاد، وكأن القيامة قد قامت. رغم أن الناس منذ آدم إلى قبل عشر سنوات لا يعرفون حفاظات الأولاد، وما ظهرت إلا منذ الأيام القريبة، لكن انهزامية الناس أمام ضغط هذه الأشياء جعلت كل شيء ضروري، لكن الضروري حقيقةً ثلاثة أشياء: أولاً: الهواء. ثانياً: الماء. ثالثاً: الغذاء. فقط هذه؛ لأن على هذه الثلاثة مدار حياة البشر، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير الهواء لحظة واحدة، ولا أن يعيش بغير الماء فترة معينة، ولا بغير الغذاء فترةً أطول، لكن بغير هذه الثلاث يمكن أن يعيش الإنسان، بل يمكن أن يعيش بدون كساء، فيستر عورته بأوراق الشجر، وينام في الكهوف، ويستظل بالأشجار، ويسير على قدميه حافياً، فإذا وُجد الماء والهواء والغذاء وجدت الحياة، وإذا انعدمت هذه الثلاثة الضرورية انعدمت الحياة. لكن هل الإيمان والتدين والالتزام ضروريٌ للبشر كضرورة هذه الأشياء الثلاث؟ هل الإيمان -تنبه لهذا السؤال- والدين والعيش على منهج ضروري للإنسان كضرورة هذه الأشياء الثلاث، بحيث إذا لم يتوفر الإيمان في حياة الإنسان مع هذه الثلاث تصبح الحياة غير ممكنة؟! قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نناقش الموضوع بعقلية وبمنطق. هذه الضرورات الثلاث من أين نتجت حتى أصبح الإنسان لا يمكن أن يعيش بدونها؟

стр. 992

الضرورة الأولى: الهواء الهواء يحيط بالإنسان من كل جانب، ويسير معه في كل مكان، تدخل المسجد تجد الهواء أمامك، تركب السيارة تجد الهواء في انتظارك، تخرج إلى الشارع تجد الهواء يلامسك، تركب في الطائرة تجد الهواء معك، تدخل في غرفة النوم كذلك هو معك، وتدخل دورة المياه والهواء معك، أينما دخلت والهواء يحيط بك من كل جانب، لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تعيش بغير الهواء، فجعل الله الهواء معك في كل مكان، ولو أنه انحبس عنك لحظة واحدة لمت! بينما هذا الهواء تحصل عليه بالمجان. هل سمعتم أحداً يقول: أعطني كيلو هواء؟ ما ظنكم لو أن الهواء الذي يعيش الناس عليه يشترى بمال، لو حصل هذا لمات أكثر البشر الذين ليس لديهم مال، أو كان من معه هواء يحمله في قربة أو برميل فوق ظهره، وما عمله إلا مراقبة العيار متى ينتهي الهواء، لكن الله جعل الذي هو أغلى شيء في الوجود مجاناً، وهذه نعمة من الله ، وما سمعنا إنساناً يبيع الهواء أو يشتري الهواء، طبعاً لا تحتجون عليّ بهواء الإطارات الذي عند البنشر، فتقولون لي: نشتري هواء ونعبأه بثمن، لا. حتى هواء الإطارات مجاناً، فأنت عندما تقف عند صاحب بنشر، فتعاير الهواء وتزيد وتنقص لا تعطيه إلا ريالاً، وإذا أعطيته ريالاً قال لك: استحِ على وجهك، هذا هواء كيف نبيع الهواء؟ وأذكر مرة من المرات في بداية حياتي أني اشتريت سيارة، وما كنت أعرف شيئاً عن السيارات، كنت أعرف فقط أقود، وفي يوم من الأيام حصل في سقف السيارة أن انحلت بعض (الصواميل) وما رأيتها؛ لأنها مغطاة من الداخل باللباس، فاشتكيت إلى أحد السائقين القدامى، فقلت له: يا أخي! عندي قعقعة في سقف السيارة ولا أدري ما سببها؟ فقال لي: هل غيرت الهواء؟ قلت: هواء ماذا؟ قال: هواء الإطارات. قلت: لا والله ما غيرته. قال: من متى لم تغيره؟ قلت: السيارة معي منذ سنة. قال: قل: لا إله إلا الله! سنة كاملة وما غيرت الهواء!! والزيت كذلك ما غيرته؟ قلت: لا. الزيت كل (٢٠٠٠كم) أغيره. قال: جيد، الحمد لله تداركتها، لكن لا بد لك من تغيير الهواء. يقولون: إن الهواء يخزن داخل الإطار، وعندما يدور الإطار باستمرار يفسد الهواء، فيحصل قعقعة في السيارة، فأخذت كلام الرجل على محمله، وذهبت إلى صاحب البنشر وأوقفت سيارتي وقلت له: غيَّر الهواء؟ فنظر الرجل إلي نظرة استغراب وقال: ماذا بك؟ قلت: غيَّر الهواء. قال: هواء ماذا؟ قلت: هواء الإطارات. قال: أنت مجنون أم عاقل؟! قلت: أنت المجنون، غيّر الهواء فقط، فتركني وأدبر عني، وأنا من بالغ الاعتداد بنفسي ذهبت إلى الإطارات وفككت الإبر وفرغت الهواء كله على الأرض، وبعد ذلك أتيت (باللي) وعبأت الهواء وأرجعت الإبر وسلمته النقود، أعطيته ريالاً، فأخذه؛ لأنه قال: مجنون، نأخذ الريال من مجنون ولا نتركه له. وبعد ذلك مشيت بالسيارة في أول تجربة وإذا بالقعقعة هي هي، فذهبت إلى الرجل، فقلت: يا أخيّ غيرت الهواء وما ذهبت القعقعة، قال: وغيرته!! قلت: نعم. فجلس يضحك عليّ ويضحك معه من حوله. الشاهد في الموضوع أن الهواء أغلى ما في الوجود، ومع هذا لا يباع ولا يشترى وإنما هو مجاناً، ولو كان الهواء يباع لمات كثير من البشر؛ لأن على الهواء مدار حياة البشر، ولا يستطيع البشر أن يستغنوا عنه لحظة واحدة، فجعله الله مجاناً، وجعله في كل مكان وفوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي أي مكان في الدنيا لا تدخل إلا والهواء معك يحيط بك من كل جانب، هذه ضرورة واحدة.

стр. 993

الضرورة الثانية: الماء الماء عليه مدار الحياة، يقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]. ولكن ضرورة الإنسان للماء أقل من ضرورة الإنسان للهواء، إذ يستطيع الإنسان أن يعيش بغير ماء أسبوعاً كاملاً، وفي المناطق الباردة يعيش أسبوعين، لكنه لا يستطيع أن يعيش لحظة واحدة بغير هواء، ولذا لم يجعل الله الماء مُلابساً للإنسان يخرخر فوق رأسه أينما دخل وأينما خرج، ولو جعل الله الماء في هذا الوضع لمات البشر، ولكن الله جعل الماء ينزل من السماء بِقَدر، يقول الله : ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧]. وإذا نزل هذا القَدْر من السماء على الأرض لا يجعله الله راسياً، فلو أنه شكل بحيرات ومستنقعات في الأرض لفسدت الحياة ولنمت الجراثيم، ولَجلبت العلل والأمراض، لا. إنما يفتح الله الأرض لهذا الماء فيسكن في بطنها، لا يسكن في أعماقها وإنما قريباً من السطح، ولو جعل الله الأرض تمتص هذا الماء، لذهب إلى أغوار الأرض البعيدة ولحُرم منه الناس ولم يستفد منه أحد، ومات كل من على ظهر الأرض، ولكن الله جعل الأرض تمتصه حتى لا تفسد الحياة بوجود الماء على ظهرها، فتمتصه ويختزنه الله للناس في الطبقة العليا من الأرض، يقول الله : ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨] ويقول: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢]. والماء لديه قدرة عظيمة على اختراق الأشياء، فإذا وجد مثل خرق الإبرة في أي إناء فإن الماء يخرج منه، لكن من الذي حفظ لك أيها الإنسان داخل الأرض بين الشقوق والشعاب والحفر والحجارة، فتجده موجوداً لا ينقص؟! أنت تأخذ وهو يزيد من عند الله ﵎، هذه نعمة من نعم الله . فجعل الله الماء موجوداً، لكن الحصول عليه يكون بمشقة، تحفر بئراً، أو تذهب إلى البحر فتجري تكريراً لمياه البحار، وبعد ذلك تأخذ منها الماء العذب وتترك الماء المالح، المهم أنه موجود لكنه بجهد، وليس بغالٍ، فالماء من أرخص وأكثر الأشياء في الأرض، بل إن ثلاثة أخماس الأرض ماء، وخُمسين من الأرض يابس، مع ما في بطن اليابس من المياه الغزيرة التي نحن من فضل الله في هذه البلاد نعيش عليها، ليس عندنا أنهاراً، ولكن جميع حياتنا الزراعية قائمة على مياه الأرض الباطنة، التي امتصت من مئات السنين من الأمطار التي تنزل إلى الأرض، ثم تسير على شكل وديان تمتصها الأرض وتحتفظ بها، إلى أن جاء الإنسان واستطاع بفضل الله أن يصل إلى أعماق الأرض ويسحب هذه المياه، ويحول هذه الصحاري إلى مزارع وبساتين وجنان، وهذه كلها من نعم الله على الإنسان.

стр. 994

الضرورة الثالثة: الغذاء الغذاء أقل ضرورة من الماء، إذ بإمكان الإنسان أن يصبر على الغذاء فترة أطول من فترة صبره علىالماء، فللإنسان قدرة على أن يعيش شهرين بدون غذاء ولا يموت، لكنه لا يستطيع أن يصبر فترة طويلة عن الماء مثل الغذاء، ولذا جعل الله الغذاء موجوداً في الأرض بمشقة أكبر من مشقة الماء، عن طريق حرث الأرض، ثم سقيها وبذرها ثم انتظار الثمر حتى يظهر، ثم حصده، ثم طحنه وخبزه وأكله، فلا يُأكل هذا القرص حتى يُتعب عليه كثيراً، ولكنه موجود. هذه الضرورات الثلاث هي ضرورات البشر.

стр. 995

ضرورة الإيمان والدين للبشر الضرورة الرابعة التي سنتحدث عنها ونسأل أنفسنا عنها، وهل هي ضرورية مثل الهواء والماء والغذاء أم لا، هي: ضرورة الإيمان والدين، فهل هي ضرورة حقاً؟ بالعاطفة كل شخص منا سيقول: نعم. الدين ضروري مثل الهواء والغذاء والماء، لكننا حينما نضع الإنسان على محك العلم والتجربة نجد أنه ليس عنده علم يثبت له أن الإيمان والدين ضروريٌ للإنسان كضرورة الغذاء والهواء والماء، بدليل أن معظم البشر الآن في الأرض يعيشون بلا دينٍ وبلا إيمانٍ، ولا يشعرون بأن الإيمان والدين ضروريٌ لهم. وحتى نجيب إجابةً علمية دقيقة على هذا السؤال يجب أن نسأل أولاً: ما هو الإنسان؟ وما هي مادته وأصل تكونيه؟

стр. 996

مادة البشر المكونة لأصلهم سوف نتعرف على هذه الضروريات من خلال التكوين، وإذا أردنا أن نسأل عن الإنسان، فإن أعظم من يجيبنا على أسئلتنا هو خالق هذا الإنسان، وهو الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. من الذي خلق الإنسان؟ إنه الله، فهو أعلم بأسرار الإنسان وبمادته، وبما يصلحه ويفسده، وأعلم بما هو ضروري له، وبما ليس ضرورياً له، فالذي يتحدث عن الصنعة صانعها، والله هو خالق الإنسان، ولم يقل أحد في الدنيا بأنه هو الذي خلق الإنسان، والله سألهم في القرآن وقال لهم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] فهم لم يُخْلقوا من غير شيء وليسوا هم الخالقين، ولم يخلقوا السماوات والأرض، فتعين أن يكون لهم خالق وهو الله ﵎، يقول : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢]. فالذي خلق الإنسان هو الله ، ولذا نسأل ربنا ﵎: مم خلق الإنسان؟ وما هي مادة تركيبه؟ وقد أخبرنا الله في القرآن الكريم أن الإنسان مخلوقٌ من عنصرين، ومركبٌ من مادتين: عنصر طيني أرضي، وعنصر روحي سماوي، يقول : ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] هذا العنصر الأول: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] فأخبر الله الملائكة أنه سوف يخلق بشراً من طين، ولهذا لما حللوا عناصر الطين، وحللوا عناصر الذرة من الإنسان، وجدوا أن الإنسان يتكون من ستة عشر عنصراًً هي الموجودة في الطين. فمجموعك أيها الإنسان من ستة عشر عنصراً: فيك الحديد، والماغنسيوم، والملح، والماء، وكل شيء موجود في خلية الطين التي أنت مكون منها. هذا العنصر الأول. ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [ص:٧١ - ٧٢] وجاء العنصر الثاني المهم؛ لأن العلماء يقولون: إن الله ما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم بعد خلق عنصره الطيني، بل أمرهم بالسجود له بعد نفخ الروح فيه، لماذا؟ لأنه كلمه بالروح. : ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] فالسجود جاء بالأمر من الله للملائكة أن تسجد لآدم بعد نفخ الروح فيه، لماذا؟ قال العلماء: لأن الروح هي الكريمة في الإنسان، بدليل أن الإنسان إذا مات وخرجت منه روحه فإنه لا يبقى لجسده قيمة أبداً، رغم أن العين موجودة والأذن، والرئة والجهاز التنفسي والهضمي والتناسلي والهيكل العظمي وكل الأجهزة موجودة، لكن لما خرجت الروح لم يبق لكل هذا قيمة، فمن يشتري هذا الجسد بريال واحد؟ لا أحد يشتريه، بل يتخلص الناس منه في أقرب فرصة، حتى إن أحب الناس إلى هذا الجسد يتولى سرعة تجهيزه، ويدق على الناس ويقول: لا نريده أن يبيت إلا في قبره، فلا يريده أن يبات معه ليلة واحدة. وإذا مات الناس في عمليات زرع الأعضاء، فإنهم يأخذون القلب من الإنسان الميت ويزرعونه في إنسان لم تخرج الروح من قلبه فيعيش هذا الإنسان، فلماذا وقف القلب في هذا الجسد وعمل في الجسد الثاني؟ لماذا لم يظل عاملاً مادام أنه سليم؟ لماذا لم يستمر في عمله؟ لأن الحياة ليست في الجسد وإنما في الروح، وما دام أن الروح قد خرجت فإن القلب يتوقف، فينقل القلب من جسدٍ قد ذهبت منه الروح إلى جسدٍ لا تزال الروح فيه فيعمل هذا القلب. وعملية زرع الكلى -أيضاً- وهي: أن تأخذ الكلية من مريض قد مات وتوضع في جسد آخر حي فتعمل؛ لأن هناك مشغلاً لها وهي الروح، فالحياة ليست في الكلى ولا القلب، ولا الرئة ولا جميع أجزاء الجسد، بل هي في الروح، والله ﵎ يقول: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص:٧٢] فالروح بمنزلة الراكب، والجسد بمنزلة المطية أو المركوب، ودائماً الكرامة والشرف للراكب لا للمطية، وما نفعله الآن هو تكريم المركوب والمطية وتركنا الراكب عند الباب. فلو أنك نزلت ضيفاً على مطيتك إلى أحد إخوانك أو أرحامك، وبدلاً من أن يدخلك إلى المجلس ذهب بك إلى الاصطبل التابع للمواشي، وأدخل المطية في المجلس وأعطاها القهوة والطيب والعشاء، بينما أرسل لك أنت بكرتون من العلف، ولم يضئ لك الإصطبل، ولم يجهز لك الفراش، ثم بقيت إلى نصف الليل وأنت تنتظر فقلت له: ما بك يا أخي؟! قال: المطية وضعناها في المجلس! فهل تغضب أم ترضى؟ بالطبع تغضب وتقول: يا أخي! المطية أحضرها مكاني، وأنا ضعني في المجلس. فنحن الآن عكسنا الآية، نكرم الجسد الذي هو المطية، فالثوب الجيد، والعمارة الجيدة، والأكل الجيد، والعلاج، وكل شيء حسن للمطية، بينما الروح التي فيها الحياة مقتولة عند كثير من الناس، تعطى السم الأحمر الزعاف، وتتغذى على أسوأ الأغذية، وتسمع أسوأ ما يمكن أن يُسمع، وتقرأ أسوأ ما يمكن أن يُقرأ، تقرأ المجلات والقصص والخزعبلات، وتشاهد الأفلام، وتنظر إلى الجنس والخرافات، أي: تعيش على أرذل ما يمكن أن يُعاش عليه! فتعيش الروح مقتولة والجسد منعم، فلو اشتريت صندوق برتقال ووجدت فيه حبة فاسدة أو معطوبة، فإنك ترمي الصندوق كله، لماذا؟ تقول: طعام فاسد لا نستطيع أن نأكله، ولو اشتريت علبة لبن منتهٍ تاريخها فإنك ترميها، وأي شيء يسبب لك ألم في جسدك فإنك لا تتناوله، حسناً! وروحك إذا كان طعامها فاسداً؟ لا تجد أحداً يسأل عن صحة الطعام، هل هو سليم مائة بالمائة أم لا، بل يتعمد معظم الناس إلى شراء الأطعمة الفاسدة لعلل أرواحهم وقلوبهم، فيعيش أكثر الناس -والعياذ بالله- مريضاً في قلبه، لماذا؟ لما يتناوله من الطعام الفاسد؛ لأن صحة الأجسام والأرواح إنما تبنى على الغذاء الذي يقدم لها، فإذا كان الغذاء صحيحاً سليماً صحت الأجساد، وإذا كان غذاء الأرواح سليماً صحت الأرواح. فالناس الآن مهتمين بجانب الغذاء الجسدي على حساب غذاء الروح. فأنت أيها الإنسان! إن أردت أن تعيش حياةً سعيدةً، فأنت مطالب بأن تكون لك حياتين: حياة لجسدك، وحياة لروحك، حتى تكون إنساناً سوياً، فلو أنك عشت حياة روحية بدون جسد فلست إنساناً، ولو أنك عشت حياة جسدية مادية بدون روح فلست إنساناً. إذاً من الإنسان؟

стр. 997

حاجة البشر للدين والإيمان الإنسان الذي خلقه الله مكون من عنصرين: نفخة من الروح، وقبضة من التراب، هذا هو الإنسان، ويجب عليه إن أراد أن يعيش إنسانيته في أكمل صورها، وأعلى درجاتها أن يلبي لكل عنصرٍ متطلباته، ومتطلبات الجسد معروفة وهي: الغذاء الذي نأكله، والهواء الذي نشمه، والماء الذي نشربه، أما حياة ومتطلبات الروح ما هي؟ أهي غذاء؟ هل يمكن لشخص أن يأكل برتقالة أو تفاحة لروحه، أو أن يضع روحه على سرير، أو تحت مكيف، أو يتمشى بها في سيارة، أو يُسكنها في عمارة؟!! لا. غذاء الروح من أصل الروح، لذلك لما كان الجسد من الأرض كان غذاؤه منها، فالماء يخرج من الطين، والهواء يخرج من الأرض، والغذاء يخرج من الطين. كذلك الروح لما كانت عنصرها سماوي كان لها غذاء سماوي، ألا وهو الإيمان، فالدين هو غذاء الروح، فإذا أردت أن تعيش حياةً متكاملة لجسدك ولروحك لزمك أن تعطي جسدك غذاءه، وهو: الهواء والماء والغذاء، وأن تعطي لروحك غذاءها وهو الإيمان. أيصبح بعد ذلك الإيمان ضرورياً أم غير ضروري أيها الإخوة؟! ضروري لا شك، لا بد مثلما أنك توفر الماء والغذاء والهواء لجسدك أن توفر الإيمان لروحك؛ لتحيا حياةً كاملة تكون بها إنساناً، فالله قد أخبرك أنك إنسان، وأنه خلقك بطريقة تختلف فيها عن جميع المخلوقات: خلقك بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلم أباك آدم الأسماء كلها، وبعد ذلك أنزل إليك كتباً، وأرسل إليك رسلاً، ودعاك إلى الجنة وطاعته، وحذرك من النار ومعصيته. فأنت مخلوق مخاطب بشكل خاص من بين سائر المخلوقات، وجميع المخلوقات مسخرة لك، يقول الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فجميع ما في السماوات والأرض كله مسخر لخدمتك، ليس هناك ذرة في الكون إلا ولك مصلحة فيها أيها الإنسان علمتها أو لم تعلمها، وأنت لمن؟ لله. فإذا احتقرت أيها الإنسان نفسك ولم تعرف من أنت، فإنه يصعب عليك أن تعرف هل الإيمان ضروري أم غير ضروري، والذين عرفوا الإنسان من هذا المنطلق ومن هذه الزاوية بعد علمهم بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ، عرفوا أنه لا يمكن أن يعيش إنساناً سوياً إلا بتأمين غذائه وتكميل حياته؛ حياة الجسد وحياة الروح، فحرصوا على توفير متطلبات الجسد، ومتطلبات الروح، والذي يوفر متطلبات جانب على حساب آخر فقد أخطأ ولا شك. فلو أنك خرجت من دوامك أو مدرستك الساعة الثانية والنصف، ودخلت على زوجتك وقلت لها: أنا جائعٌ سأموت جوعاً، عجلي بالغداء، فقالت: لا يوجد لدينا غداء اليوم، ولكن اقرأ هذا الحديث وتغدى به، أو اسمع هذا الشريط وسوف تشبع، هل يمكن لقراءة الحديث أو سماع الشريط أو قراءة آية أن تشبعك، لا. فالحديث والشريط والآية والقرآن غذاء لروحك، أما بطنك فلا يسدها إلا الأكل ولا يسدها الكلام، فلا بد من غذاء لجسدك غير غذاء روحك، وكذلك الذي يكون قلبه ميت، وروحه منهارة ومنهزمة، فيقول: سأنعِّم روحي بتمشية إلى أوروبا أو بفسحة إلى بلاد الشرق، أو بأكلة، أو بتمشية على شاطئ البحر، أو بنومة على السرير في مكان جميل هذا كله لجسده، أما الروح فستبقى في عذاب حتى يقدم لها غذاءها الحقيقي، ألا وهو الإيمان بالله ، والخضوع لشريعة الله، والتمسك بسنة رسول الله ﷺ .

стр. 998

نفع الإيمان لأهله إن الذين عرفوا الإنسان بهذا المفهوم قالوا: إن الإيمان ضروريٌ للإنسان بل هو أعظم من ضرورة الغذاء والماء والهواء، إذ أن الإنسان إذا عاش على الإيمان والدين وحيت ودبت الحياة في قلبه وروحه، ثم فُقد الهواء أو الغذاء في مجاعة -مثلاً- أو الماء ومات الإنسان وهو مؤمن فإنه يدخل الجنة، لكن إذا عاش على الهواء والغذاء والماء وجميع متطلبات الدنيا وليس عنده إيمان، وانتهت أيامه ومات فإنه يذهب إلى النار. إذاً: ضرورة الإيمان لا نستطيع أن نجعلها في مصف هذه الضرورات، أي: من الظلم وعدم الإنصاف أن نقول: إن الإيمان ضروري للإنسان كالهواء، لا. بل ضروري للإنسان أعظم من ضرورة الهواء؛ لأنك بغير الهواء تموت وتنتهي، وإذا لم يكن لديك إيمان حال الموت فإنك تدخل النار، يقول الشاعر: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء وأهل النار الذين تمتعوا في الدنيا بأجسادهم، وكانوا في ملك، وسلطان، وأبهة، وأموال، ورغد من العيش، عندما يدخلون النار يتمنون العودة، ويقولون كما قال الله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] ثم يتذكر ما الذي أشغله عن حياة قلبه، وإذ به ملكه وماله، فيقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]. كان مهتماً بملكه وماله عن روحه، فروحه في عذاب وبعد عن الله، لا يعرف لله مسجداً، ولا يقرأ لله كتاباً، ولا يقيم لأوامر الله وزناً، بل مهمل لهذا الجانب في حياته، فلما أفلس وكتبت أمامه الحسابات، ورأى أنه ليس لديه شيء ينفعه من مالٍ ولا ملك قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] فيقول الله للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] وكأن سائلاً يقول: لِمَ يا ربِّ؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣]. أي: لم يكن عنده الغذاء الإيماني، والذي هو الضرورة الأهم! نعم. كان عنده ملك وأموال وأولاد وجاه، وكان عنده عافية وصحة، كان عنده كل ما في الدنيا، لكن لم يكن عنده إيمان، فهل نفعته هذه الأموال؟ هل حالت أو دفعت عنه هذه المنزلة؟ لا. فهل الإيمان ضروري كضرورة الماء والغذاء والهواء أم لا؟ نعم. بل أهم.

стр. 999

ثمار الإيمان وآثاره في الحياة الدنيا دائماً الضروريات، والأهميات تأتي من آثار الشيء، فما هو أثر الإيمان على الإنسان المؤمن حتى نقول: إن الإيمان ضروري؟

стр. 1000

الأمن والاطمئنان والسعادة قلنا: إن الهواء ضروري؛ لأن أثره واضح، ولذا تجد الناس الآن يرجفون خوفاً من الكيماوي، والمزدوج، والخردل، رغم أن الحياة ليست بيد الكيماوي، فالذي يحيي ويميت هو الله. ولكن عندما يذهب الإيمان من قلوب الناس فسوف يتصورون أن الذي يحيي ويميت هو صدام، وأنه إذا أطلق الصواريخ ووصلتنا فسوف نموت، وهذا معتقد كثير من البشر، مسكين صدام هذا، من هو؟ هل هو إله في الكون؟ لا. بل ذرة وحشرة من حشرات الدنيا، لا يملك في الكون مثقال ذرة. من الذي بيده مقاليد الأمور؟ من الذي يحيي ويميت؟ من الذي يقيم الحروب ويطفؤها؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، فإذا علقنا قلوبنا بالله عن طريق الإيمان به والخضوع لشريعته، والتوكل والاعتماد عليه، والعلم بأنه المعطي المانع النافع، وأنه الضار المحيي المميت، وأنه يعطي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إذا اعتقدنا هذه العقيدة في قلوبنا، فوالله لو وقفت كل الدنيا أمامنا لن نخاف إلا من الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] لماذا؟ لوجود الإيمان. أما المنافق الذي ليس عنده إيمان: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] وقال الله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ويقول: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨].

стр. 1001

تحويل المصائب إلى نِعم تأتي الضرورة للشيء من آثار الشيء، فنحن نحتاج إلى الهواء ونقول: ضروري لأن عليه مدار الحياة، ونحتاج إلى الماء؛ لأن عليه مدار الحياة، ونحتاج إلى الغذاء؛ لأن عليه مدار الحياة، لكن الإيمان ليس مدار الحياة الدنيا فقط، بل عليه مدار السعادة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهو أعظم ضرورة من الهواء والغذاء والماء، كيف؟ أولاً: لأن الإنسان في هذه الدنيا لا يخلو من حالتين: إما نعماء أو ضراء. وبغير الإيمان في النعماء يكفر وفي الضراء يضجر، فإذا أصابته نعمة بطر وتكبر وطغى، ولم ير إلا نفسه، وظن أن الناس كلهم غير موجودين إلا هو، وإذا أصابته ضراء في غير الإيمان يضجر، ويسخط، ويضعف، ويتلاشى، وتظلم الدنيا في وجهه، حتى إن بعضهم يموت داخل نفسه مما عليه من المصيبة، يموت وتكفهر الدنيا في وجهه، ويعيش حياةً لا يمكن أن يعيشها بشر، لماذا؟ لعدم وجود الإيمان، لكن إذا وجد الإيمان في القلب فالنعماء تتحول إلى نعمة، والضراء تتحول إلى منحة، فالنعماء إذا جاءت للمؤمن سخرها في طاعة الله، واستعان بها على ما يحبه الله ويرضاه، ولم يبطر ولم يكفر ولم يفجر ولم يتعاظم ولم يستكبر، وإنما استعان بكل ما آتاه الله من نعم في طاعة الله، فتصبح النعمة له منحة؛ لأن الله يقول: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥]. وإذا أصيب المؤمن بمصيبة ونظر إليها وإلى حجمها وضخامتها، ثم تذكر أن الله إنما يبتليه ليرفع درجته، ويعلي منزلته ويثيبه عليها صبراً لها، وتلقاها بصدرٍ رحب وفرح بها، يقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] من هم (الصابرين)؟ إنهم أهل الإيمان ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. تجد المؤمن عندما يموت ولده ويتذكر أن الله أعد له في الجنة قصراً سماه (بيت الحمد) فيقول: الحمد لله، ويحمد الله من قلبه، وتكون هذه الكلمة على قلبه مثل الثلج النار تضطرم في سويداء قلبه حزناً على ولده، لكنه يتذكر القصر الذي أعده الله له في الجنة، فيقول: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى: (إذا قبضت الملائكة روح عبدٍ مؤمن، قال الله لملائكته: قبضتم فلذة كبده؟ قالوا: نعم. فيقول الله: ماذا صنع؟ فيقولون: حمدك واسترجع -قال: الحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون- فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد). ومن كان له بيت في الجنة لا يدخل النار. فهذه بشرى، فمن له بيت في الجنة لا يدخل النار إلا إذا كان الخراب منك أنت، بنيت بيتاً لكنك رفضت أن تدخله، وذهبت إلى الدار الأخرى، فإذا بنيت بيتاً في الجنة بأن صبرت على مصيبة فقد ولدك، أو بنيت لله مسجداً، وقد جاء في الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له قصراً في الجنة) فأنت عملت بأعمال الدين حتى أدخلك الله الجنة، ثم أنت تخالف وتضع الموانع والعوائق والمنغصات، وتحول بينك وبين دخول الجنة، فالسبب والخلف جاء منك وليس من الله . فالإيمان ضرورته تأتي من أنه يحوِّل لك النعمة إلى نعمة، والمصيبة إلى نعمة، فتعيش -أيها الإنسان- في نعمة طوال حياتك، فإذا كنت فقيراً وأنت مؤمن تقول: الحمد لله الذي زوى عني الدنيا، والله لا أريدها، كان النبي ﷺ يقول: (والله لو أردت الدنيا لسارت الجبال معي ذهباً وفضة، ولكن أريد أن أشبع يوماً وأجوع آخر) فإذا شبعت أو جعتَ حمدت الله ، فالفقر بالإيمان يصير نعمة، فإذا كان الفقير مؤمناً فلا تراه إلا متفرغاً لطاعة الله، تالياً لكتاب الله، عامراً لبيوت الله، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، محباً في الله، يزور إخوانه في الله، يقوم الليل، يصوم أكثر الدهر فهذا الفقر كان سبباً في دخوله الجنة. فهو نعمة. لكن إذا كان الفقير ليس عنده إيمان -والعياذ بالله- فهو مثل فقير اليهود. لا دين له ولا دنيا! أولاً: يتقطع قلبه وتذهب نفسه حسرات عندما يرى سيارة تعرض، أو عمارة تقوم، أو أرضية تُشترى، أو دكاناً يُباع، فيعترض على قضاء الله وقدره: لماذا الله أعطى هذا؟ ولماذا لا أكون مثلهم؟ فلان لديه سيارة وأنا ليس لدي سوى رجلين، ومعه عمارة وأنا أسكن في كوخ، فيتقطع قلبه، وبعد ذلك يملأ وقته بمعصية الله، تجده في المقاهي وبين المخدرات؛ لأنه ليس عنده شيء، وتجده -والعياذ بالله- في الأسواق وعلى الأرصفة، والأفلام، والسفر إلى الخارج بالباطل، لماذا؟ لأنه فقير فاجر -والعياذ بالله- لكن لو أنه مؤمن لكان فقره هذا سبب نجاته من عذاب الله.

стр. 1002

تكفير الخطايا بالصبر على البلاء إذا مرض الإنسان وهو مؤمن تذكر أن هذا المرض ابتلاء من الله ؛ وفي الحديث: (إن من الذنوب ذنوباً لا تكفرها الصلاة، ولا الصيام، ولا يكفرها إلا طول البلاء) (وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، كلما كان في دينه صلابة زيد في بلائه) فالله لا يظلم الناس مثقال ذرة. الآن ترى بعض الكفار مثل الحمار، متعافٍ في عضلاته، وتجد بعض المؤمنين نحيلاً، مريضاً، يسعل وعنده ربو، هل لأن الله يحب هذا الكافر أعطاه العافية، ولأنه لا يحب المؤمن أعطاه المرض؟ لا. ولكن ليرفع الله درجة المؤمن بمرضه فيُكَفِّر عنه خطيئته، حتى يصل إلى الله ولا خطيئة له. فالمؤمن قد يسير على الأرض قبل الموت ولا خطيئة له بأسباب البلايا، حتى قال ﵊: (حتى الشوكة يشاكها الرجل في الإسلام يثاب عليها) عندما نزل قول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قال أبو بكر ﵁: (يا رسول الله! أعلى مثاقيل الذر نحاسب؟ قال: يا أبا بكر! ألست تحزن؟ ألست تمرض؟ قال: نعم. قال: يكفر الله بها ذنبوك). إذا عملت من الذنوب شيئاً فإن الله يكفر عنك هذه الذنوب بما ينالك فإذا مرضت وأتتك حمى، وأتاك ألم أو حصل لك أي ألم في أي جارحة من جسمك، وتذكرت أن الذي أمرضك هو الله ﵎، وأن الله ما أراد بهذا المرض إزعاجك أو تعذيبك، وإنما أراد تطهيرك، ورفع درجتك، وتكفير خطيئتك فتحمد الله، تقول: الحمد لله. حتى إن بعض المرضى الآن يحمد الله أكثر من المتعافين، فإذا سألت المتعافي فقلت له: كيف حالك؟ قال لك: طيب، وتسأل المريض: كيف أنت؟ فيقول لك وهو مريض: الحمد لله، لماذا؟ لأن الإيمان جعله هكذا، لكن إذا كان مريضاً ولم يكن عنده إيمان -والعياذ بالله- انتابه السخط، وأتاه الوهن، وأتته الهموم من كل جانب، وتصور الموت في كل طريق، تجده يقرأ جميع الصفحات الطبية، ويشتري جميع الأدوية ويقول: هذا يفيد كذا، وهذا يضر كذا، وأنا ذهبت إلى المستشفى الفلاني، وأنا مرضت ويعيش طوال حياته في أوهام، لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان، أما الذي عنده إيمان فإنه لا يفكر أبداً في هذه الأشياء؛ لأنه يعرف أن المرض لا يميت، وأن الذي يميت هو الله، والذي يعافي هو الله، ليس المرض والعافية، وأن الطبيب يكتب الدواء، بينما لا يستطيع أن يعالج نفسه. أما ترون الأطباء يمرضون ويدخلون المستشفيات ويموتون، إذاً لماذا لا يمنع الطبيب نفسه من المرض؟ قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض شوفي وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك يا أيها الإنسان مهلاً ما الـ ـذي بالله ﷻ أغراك أفإن هداك بعلمه لعجيبة تزور عنه وينثني عطفاك ذقت الهوى مراً ولم أذق الـ ـهوى يا رب حلواً قبل أن أهواك دنياي غرتني وعفوك غرني ما حيلتي في هذه أو ذاك فإذا وجد الإيمان والإنسان مريض، كان هذا المرض نعمة، وإذا عدم الإيمان والإنسان مريض، كان هذا المرض نقمة -والعياذ بالله- فالإيمان ضروري؛ لأنه يحوِّل جميع المحن والأمراض والفقر والمصائب إلى نعم، ويحوِّل جميع النعم إلى العافية. إذاً: عندما يكون الإنسان متعافياً ولديه جسد قوي، وعضلات قوية، وعنده إيمان، فإنه يستخدم هذه القوة العضلية في طاعة الله، فلا تراه إلا ماشياً إلى المساجد، أو مجاهداً في سبيل الله، أو سائراً في طريق الخير، فيستعين بهذه القوة في طاعة الله؛ لأن جسد مبني على إيمان، أما إذا كان لديه جسد قوي وعضلات قوية ولكنه فاجر، فإنه يعتدي بهذه القوة على حرمات الله، ويستخدمها في معصية الله، تراه يعتدي بها على أولياء الله، ويؤذي بها عباد الله، فأصبحت العافية في حقه سبباً لعذابه في الدنيا، ونكاله -والعياذ بالله- في الدار الآخرة. فهذه ضرورة الإيمان في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 1003

من ثمار الإيمان: تحديد الاتجاه والمسار في الحياة الدنيا أيضاً ضرورة الإيمان في الدنيا تأتي من أنه يحدد مسارك أيها المكلف، ويرسم اتجاهك، ويجعل لك خط بداية ونهاية، ويجعل لك أيضاً خطة عمل في الدنيا، فما هو عملك؟ طاعة الله، وبعدك عن معصية الله، أين أذهب اليوم؟ أذهب إلى عملي، ومن العمل إلى بيتي، ومن البيت إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق لشراء أغراضي، هناك عمل آخر بعد ذلك؟ نعم. زيارة رحم، أو أخ في الله، أو والدين، عمل خير، حضور مجلس علم، المهم مصلحة في الدين أو الدنيا، فإن لم يكن هناك مصلحة في دين أو في دنيا أجلس في بيتي، هذه خطة عمل المؤمن، من الذي رسمها لك؟ إيمانك بالله، لكن بغير الإيمان والدين لا يكون عند الإنسان خطة عمل، فلا يدري أين يتجه، ترمي به الرياح في كل اتجاه، وتخطفه الشياطين في كل مكان، وبعد ذلك يمشي مُكباً على وجهه، لا يدري إلى أين يتجه ولا إلى أين يذهب، يقول الله : ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]. فإذا سار الإنسان على غير هدى واتجاه وقع، وما أكثر من يقع في متاهات هذه الحياة وظلماتها وفتنتها ومشاكلها، يقتل نفساً بغير حق بسبب عدم إيمانه وخوفه من الله، رفقة سوء أخذوه إلى مكان وحصلت هناك مشكلة فقتل -والعياذ بالله- ويزني فيقع في جريمة ليس بعدها جريمة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] بسبب قرناء السوء، وعدم وجود الإيمان الحاجز له عن معصية الله، يرابي، يسرق، يبيع المخدرات أو يروجها أو يتعاطها أو يهربها، يفتك بأعراض المسلمين، يعمل الجرائم، لماذا؟ لأنه ليس عنده إيمان يحجزه، ولو كان عنده إيمان ما فعل هذه الجرائم. ولذا لو أجريت إحصائية، أو زرت أماكن السجون الإصلاحية ووجدت مجموعة من البشر قابعون في السجون، لوجدت أن كل واحد منهم ما جره إلى هذا المكان إلا ضعف إيمانه، وعدم خوفه من الله ، تقول له: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قال: الشيطان، والشيطان إنما سلطانه على أوليائه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:٩٩]. إذا أردت أن يعافيك الله من الشيطان، تسربل بسربال الإيمان، وتسلح بسلاح الإيمان، لن يكون له عليك سلطان أبداً: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. إذا أمسكت أول واحد منهم وقلت له: ما قضيتك؟ قال: قاتل، لماذا قتلت يا أخي؟! قال: الشيطان. ثم إلى آخر: ماذا عندك؟ قال: مخدرات، لماذا؟ قال: الشيطان، ثم إلى الثالث: ماذا عندك؟ قال: سرقت وسيقطعون يدي، لماذا تسرق يا أخي! ألم يكن هناك مجال للعمل؟ قال: الشيطان. من هذا الشيطان؟ الشيطان هو القوة الخفية التي هجمت على النفس البشرية ومزقتها وشتتها في غياب الإيمان، فلو وجد الإيمان والدين والخوف من الله والمراقبة لله، لكان هذا الرجل القاتل في بيته مع زوجته وأولاده، ولكان هذا المدمن الذي يتناول المخدرات وهذا السارق في بيته، ولعاش كل واحد منهم عيشةً آمنة مطمئنة ملؤها الهدوء والاستقرار والأمن والأمان بسبب الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا الأمن الكامل في قلوبنا بالإيمان المطمئن الذي يطمئننا على ديننا، فهذه ثمرة من ثمار الإيمان، أنه يحدد اتجاهك في الحياة، فتبقى متجهاً دائماً إلى الطريق المستقيم؛ لأن لديك إيمان، يقول الله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢] ويقول: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. فالقرآن والسنّة والإيمان نور يهدي الله به أهل الإيمان في هذه الدنيا، حتى يخرجوا منها وهم سالمون: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. لكن بغير الإيمان -والعياذ بالله- من الذي يحكم تصرفاتك؟ ويحدد اتجاهاتك؟ ويضبط أعمالك؟ لا شيء. تغدو وتروح في كل اتجاه، وإذا وقعت تقول: يا ليتني ما عملت. وهنا أذكر لكم قصة عن شاب مسكين قُتل في السوق، أزيح رأسه من على جثته بسبب قرناء السوء، وقصة هذا الرجل: أنه كان نائماً في فراشه وقد لبس ثوب نومه، وإذا بطارق يطرق الباب، فترفع أمه سماعة هاتف الباب وتقول: من؟ فيقول: فلان، قالت: من تريد؟ قال: أريد فلاناً أنا زميله، فقالت له: قد نام، قال: أيقظيه، قالت: لا نقدر أن نوقظه، قد رقد -هذا في الساعة الثانية عشرة ليلاً، من الذي يأتي يطلب الناس في نصف الليل؟! - قال: أيقظيه فلدي أمر ضروري جداً. فقالت الأم: إنا لله وإنا إليه راجعون، وطرقت الباب عليه، يا فلان! قال: نعم. قالت: فلان على الباب يريدك في أمر ضروري، فقام كالحصان، ولو أنها أيقظته للصلاة أو ليحضر لهم لبناً من السوق أو ليأتي لهم بأي غرض ما استيقظ، بل لو أن أمه مرضت وستموت ودعوه أن يذهب بأمه إلى المستشفى ما استيقظ، لكن لما دعاه زميل السوء قفز كالحصان. قال: أنا فلان، قال: ما تريد؟ قال: أريدك في أمر ضروري، البس وخذ مسدسك وتعال، فدخل غرفته ولبس ثوبه وأخذ مسدسه وخرج، وقال: أنا الليلة لدي موعد مع صيد. فهم يصطادون لكن يصطادون محارم الله، فبئس الصيد وبئس الصياد! فلو أنك تصطاد أعداء الله مثلما يفعل إخوانك الذين يصطادون الكفار في أفغانستان هناك شباب في أفغانستان من هذه الديار، كل ليلة يصطادون رأساً أو رأسين من أهل الكفر، هؤلاء هم الصيادون، الذين يصيدون أعداء الله من الكفار والشيوعيين، لكن هذا يصيد محارم الله، يصيد أعراض المسلمين. قال: عندي صيد مواعدها وأريدك أن تحميني، أي: تحرسني إذا دخلت، قال: أبشر، فخرج معه وسارا في الطريق إلى أن وصلا إلى البيت المراد غزوه واصطياد ما فيه، فقال له: اجلس عند هذه الشجرة حتى تسمع مني صوتاً، أو تسمع أي صوت فتناديني. ثم دخل الآخر إلى البيت وتسلق السور، ولما دخل وأصبح بداخل البيت أحس به صاحب البيت، فحمل سلاحه وطارده، فلما رآه هرب واستطاع أن يفلت منه، ثم فتح صاحب البيت الباب فلم يجد سوى الحامي -الراقد في فراشه- فلما رآه انهال عليه ضرباً، فلم يجد ذاك فرصة في الدفاع عن نفسه إلا بالمسدس، فأخرج مسدسه وقتله قتل زوج هذه المرأة الخبيثة، وطبعاً حضر رجال الأمن وأمسكوا هذا الرجل وسلاحه يشهد عليه، فلا تزال حرارة الطلقة موجودة في السلاح، فأُخذ إلى السجن واعترف، وأتى بالقصة كاملة، ثم أتوا بصاحبه هذا، وحققوا معه، فقال: أبداً لا أعرفه ولا يعرفني، ولا أتيته ولا آتاني، ويشهد الشهود أني في القرية الفلانية من المغرب إلى الفجر، وفعلاً أتى له بشهود من أهل القرية يشهدون أنه ما خرج من القرية ولا فارقها، فلم يَثبت عليه شيء، وثبت القصاص على هذا، وأخرج إلى السوق ليقتل. شاب في مقتبل أيامه، في العشرين من عمره، ما الذي قتله أيها الإخوة؟! الشيطان عندما انعدم إيمانه بالله، فلو أنه مؤمن وعنده إيمان والتزام ودعاه هذا الرجل إلى مثل هذه الجريمة، فقال له: اتق الله يا عبد الله! خف من الله! أكان يأتيه شيء من هذا؟ فالإيمان يضبطك ويحميك من أن تقتل، أو تسرق، أو تزني، أو ترابي، أو تعتدي وتهرب، ولذا تعيش آمناً طوال حياتك، متنقلاً في مصالحك من مسجدك إلى عملك إلى بيتك، إلى ما يحبه الله ويرضاه، لكن بغير الإيمان لا تدري أين تضع قدمك، مرة في الطين، ومرة في الوحل، ومرة في الأشواك، ومرة في المسامير، ومرة في النار، فلا تضعها في الصواب أبداً. إذاً: من الذي يقودك في هذا؟ الشيطان، لأنك بغير إيمان أعمى، وتصوروا شخصاً أعمى يقوده عدوه، أين يذهب به؟ أعمى وعدوه يقوده، هل يذهب به إلى بيته أم يذهب به إلى الحفرة؟ حتى لو أنه أراد أن يمشي في الطريق الصحيح، لقال له: إلى شمال من أجل أن يقع. فالإنسان الأعمى هو الذي ليس عنده دين، فهل تتصور أن يقوده الشيطان إلى خير؟ لكن يا أخي الكريم! افتح عينيك على طريقك، وابصر بالإيمان، يقول الله ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] هل يستوي هذا الذي له نور يمشي به في الناس، ليس راقداً ولا نائماً، يمشي بنوره، وبإيمانه، ويتحرك في الحياة بهذا الإيمان: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] فالمؤمن معه نور يمشي به، فإذا حضره الزنا قال: إني أخاف الله رب العالمين. إذا حضره الربا قال: لا. (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) إذا حضرته المخدرات قال: لا. السيف بتار، لا تصلح لنا هذه المخدرات إذا حضره العقوق قال: أبداً، لماذا؟ لأن عنده إيمان، ولكن بغير الإيمان والدين يقوده الشيطان ويضع خطواته في كل مصيبة، ثم يتخلى عنه، فلا يفارقه إلى أن يدخله النار. فإذا أدخله جهنم والعياذ بالله قال له: كما قال الله في سورة النحل: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢].

стр. 1004

آثار الإيمان في الآخرة آثار الإيمان في الآخرة معروفة لديكم، ومنها:

стр. 1005

أولاً: التثبيت عند الموت عند الموت يثبتك الله بالإيمان ويلهمك حجتك، تقول: لا إله إلا الله، ومن كان آخر كلامه من الدنيا (لا إله إلا الله) دخل لجنة، أتريد أن تخرج من الدنيا وأنت تقول: لا إله إلا الله أم لا؟ والله عار عليك وعيب، وسفه وحماقة أن يقال لك عند الموت: قل: لا إله إلا الله فلا تستطيع أن تقولها، إذاً ليتك ما عشت ستين أو سبعين سنة! ستين سنة وأنت تعيش على المعاصي، شخص مدمن للدخان قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: أعطوني دخاناً، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: هذا دخان حار، أعطوني دخاناً غيره؟ قالوا: قل: لا إله إلا الله سوف تموت، قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها. لأنه من لم يعش إلا على الدخان فمات على الدخان. وآخر كان يبيع ويشتري في حراج السيارات، لما قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: سكر في ماء، خربان تربان، كومة حديد، حتى مات عليها، وليس بيع العقارات والسيارات حرام، لكنهم كانوا يبيعون وليس عندهم إيمان بالله، ولا خوف من الله، يبيعون ويكذبون، ويغشون ويدجلون، حتى إن بيع أكثرهم في هذه السيارات حرام، تكون السيارة له ولرفيقه فيأتي ويضعها في استلام الأول، فيضعون السيارة تحت الميكرفون وهي تساوي عشرة آلاف ريال، فيفتتحون المزاد بثمانية آلاف ريال، ثم يتلفتون، يعرف بعضهم بعضاً، فإن كان هناك في المزاد غريب أغرقوه إلى أذنيه فيها، وكيسوه وربطوه ورموا به في البحر، وإن كان الذي يزيد على بعض هم فقط، رفض صاحب السيارة أن يبيعها، يقال: هذه بكم؟ يقول: بثمانية آلاف، فيقول ذاك: ثمانية ونصف، ويقول الآخر: تسعة، وآخر عشرة، وهي تساوي العشرة، وهو يريد أن يبيع لكن يعرف أن الذي يزاود فيها رفيقه وأنه لا يريدها، فيقول: لا لا. ردوها هناك. من أجل أن يأتي لها مغفل جديد، ما جاء هذه المرة شخص مغفل يريد سيارة. أما إذا رأوا مسكيناً يريد سيارة، قاموا فزودوا خمسين فزود ذلك خمسمائة، قالوا: تسعة آلاف وخمسين، قال: وخمسمائة، قالوا: خمسين. قال: عشرة آلاف، قالوا: خمسين. قال: أحد عشر ألفاً، فيورطوه ويقولون: بارك الله لك. هذا حرام، لأنه نجش والنجش محرم في الشرع؛ لأنك تزيد في السلعة ولا ترغب في شرائها، وإنما تريد من زيادة السلعة أن تعطي صاحبها مالاً، وهذا حرام، فالذي يعيش على هذا الوضع -والعياذ بالله- لما جاءه الموت قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: أربعمائة وخمسين، وخمسين يزيدها، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: سكر في ماء، كومة حديد. والآخر الذي يبيع العقار قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: على شارعين! ومات على شارعين، شارع جهة النار وشارع جهة لظى -والعياذ بالله- لماذا؟ لأنه عاش على المنكرات، لكن يوم أن تعيش على الإيمان وعلى لا إله إلا الله، يقولون لك: قل: لا إله إلا الله، تقول: لا إله إلا الله، بل تقولها من غير أن يقولها لك أحد. وقد حضرت يا إخواني! جنازة شخص كان يعيش في غيبوبة حوالي سبعة أيام، لا يعرف شيئاً من الدنيا حتى الصلاة لا يصلي، وكان لا يعرف من حوله، فوالله الذي لا إله إلا هو أنه حينما جاءته المنية وأنا جالس عند رأسه، وإذا بيده مبسوطة، يرد يده ويرفعها ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله -وهو أحد أقاربي- فما ظننت أنه مات. (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) من الذي يعطيك هذه الكلمة يا أخي؟! تعطيك إياها الشهادة المنزلة الملك المال الجاه المنصب؟ من يثبتك هنا في تلك اللحظات، يوم تزيغ الأفهام وتضل الألباب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 1006

ثانياً: التثبيت داخل القبر وعند الفزع وعلى الصراط في القبر والحفرة المظلمة يثبتك الله بالإيمان، فتلهم حجتك إذا سئلت الأسئلة الرهيبة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هناك يجيب عنك الإيمان ويقول: ربي الله، ديني الإسلام، ونبيِّ محمد ﷺ . ثم يوم تقوم من قبرك، وأنت فزع مرهوب، ليس فزع حرب، لا. بل فزع يوم القيامة، فزع تشيب منه مفارق الولدان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] الصغار تشيب رءوسهم، وأنت تقوم في ذلك اليوم آمناً لا خوف عليك ولا تحزن. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠] لماذا؟ بإيمانك: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٩]. وبعد ذلك تمر على الصراط كالبرق الخاطف، وتشرب من حوض النبي شربة لا تظمأ بعدها أبداً، ويوزن عملك فترجح موازينك، ثم تأخذ كتابك بيمينك، ثم تعلنه على الخلائق وتقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] انظروا أنا عملي صحيح، أنا تعبت، أنا غضيت بصري وجاهدت، أنا صنت سمعي وتعبت، أنا حجزت نفسي عن الحرام، كان الناس ينظرون وأنا لا أنظر، وأحتسب ذلك عند الله، كان الناس يذهبون ويسكرون ويزنون وأنا لا أذهب وأحتسب ذلك عند الله، والآن نجحت في الامتحان، انظروا شهادتي! ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] قال الله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١]-نسأل الله من فضله- ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٤] ليس بما لعبتم، ولا غفلتم، ولا جمعتم، ولا توظفتم، ولكن: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. هذه الأيام الخالية نملؤها الآن إما بالعمل الصالح أو بالعمل السيئ، وسيجد كل إنسان ما عمل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] وبعد ذلك تدخل الجنة يا عبد الله! يا صاحب الإيمان! فيقال لك فيها: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢]. في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تسمع خطاب الرحمن، وتنظر إلى وجه الرحمن، وتتغذى من غذاء الجنة، ويأتيك من نعيمها: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:١٨ - ٢٠] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٣]، ومن كل ما لذ وطاب، خالدين فيها مادامت السماوات والأرض كل ذلك بسبب الإيمان، فهل الإيمان ضروري أم لا؟ هل هناك أحد عنده شك؟ نعم والله، الإيمان ضروري أيها الإخوة!

стр. 1007

لا سعادة إلا بالإيمان بالله يتقرر الآن في أذهاننا وعقولنا وقلوبنا ويخالط دماءنا ويسيل في عروقنا عقيدةً ثابتةً جازمةً، تتحول الجبال، وتزول من أماكنها ولا تتحول هي، وهي: أنه لا سعادة ولا حياة ولا إمكانية للإنسان في هذه الدنيا إلا بالإيمان. إذا الإيمان ضاع فلا أمن ولا دنيا لمن لم يحي دينا ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا هذه الأبيات قالها شاعر الإسلام محمد إقبال وهو يقول أيضاً في قصائده: أرى الإيمان أدركه ذبول ولم تعد العزائم في اشتعال وجلجلة الأذان بكل أرضٍ ولكن أين صوت من بلال منابركم علت في كل حي ومسجدكم من العباد خالي ﵀ ورضي الله عنه. لنعرف أيها الإخوة! أنه لا سعادة لنا إلا بالإيمان بالله، والعمل بشريعة الله، والسير على منهج رسول الله ﷺ لنسعد في الدنيا والآخرة، أما بغير ذلك فإنه الشقاء، والعذاب، والدمار، والنار، وفناء في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا، فالقلق والاضطراب والضياع -والعياذ بالله- والله مهما تمتع الإنسان بكل نعيم في الدنيا فإنه في عذاب، يقول الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] فإذا أعرضت عن دين الله وعن ذكره، فإن لك معيشة ضنكاً، والله لو سكنت في أعظم عمارة، وكنت في أعلى درجة فإنك في معيشة ضنكاً لماذا؟ لأنك أعرضت عن دين الله. أما المؤمن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. بالمال تطمئن الجيوب، وبالأكل تطمئن البطون، وبالزوجات تطمئن الفروج، وبالملابس وبالسيارات تطمئن الأجساد، لكن القلوب لا تطمئن إلا بالإيمان فقط، بذكر الله، وبدين الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩] (طوبى) قيل: الجنة، وقيل: الدنيا، و (حسن مآب): الجنة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو ألا يحرمنا وإياكم من ذلك. الذين نظروا إلى الإنسان وعرفوا أنه مخلوق من هذين العنصرين، قالوا: الإيمان ضروري؛ لأنه غذاء لروحه، وكما قلنا: إن الهواء والماء والغذاء غذاء لجسده، فلا بد من غذاء للروح ليعيش الإنسان.

стр. 1008

إبطال نظرية داروين في تطور مراحل الإنسان هناك من البشر من تحدث عن الإنسان وهو لا يعرفه، والذي يتحدث عن الشيء وهو لا يعرفه سيكون حديثه خطأ، وأحكامه غير صائبة؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ومادام تصورهم عن الإنسان خاطئ فستكون أحكامهم أيضاً خاطئة، يقول الله ﵎ في القرآن الكريم: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] فيوم أن خلق الله الإنسان (آدم) ما كان أحد يراه في ذلك اليوم إلا الملائكة، ولا يوجد أحد من البشر حتى يرى كيف تمت الخلقة، ولكنَّ الله خلقه وهو أخبر به؛ لأنه خلقه من طين، وسواه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته إلى بقية السلسلة من الخلق، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وهاهو النسل يتكرر، ويتم أمامنا في كل لحظة ووقت وحين إلى يوم القيامة. لكن هناك من البشر -كما قلت لكم- من تحدث عن هذا الإنسان من منطق لا يعرفه الإنسان وقالوا: إن الإنسان -طبعاً من غير علم- نظرية. فهذا طبيب نصراني مسيحي اسمه داروين ألف كتاباً اسمه أصل الأنواع وتحدث فيه عن أصل الإنسان وقال: إن الإنسان في بداية خلقه كان خلية، وهذه الخلية مرت بمراحل كثيرة عبر ملايين السنين من الارتقاءات، فكان خلية ثم قطعة من النبات، ثم صار هذا النبات على شكل حيوان، ثم حيوان فقاري، ثم قرد، ثم إنسان، فيقول: إن أصل الإنسان قرد. يا داروين! من قال لك هذه النظرية؟ من أين جاءت؟ قال: هذه تجارب، وكلام وأفكار. حسناً! مادام أن الإنسان تطور عبر المراحل من مرحلة إلى مرحلة لماذا استقر عند مرحلة الإنسان؟ لماذا لم يكن بعد ذلك شيئاً جديداً مادام أن القضية تطور، فالذي يتطور يتطور دائماً؟ فقال: سيصبح شيئاً آخر. متى؟ قال: سوف يتحول بعد خمسة آلاف مليون سنة إلى فأر. يقول: هذا الإنسان الموجود سيصبح بعد خمسة آلاف مليون سنة فأراً. حسناً والقرود الباقية الآن لماذا ما صارت إنساناً؟ ولماذا بقيت على حالها؟ لم يتحول ولا قرد من القرود الباقية إلى إنسان، من قال لك هذا الكلام؟ ولكنه قالها وخرجت هذه الفكرة منه.

стр. 1009

استغلال اليهود لنظرية داروين لقد وافقت نظرية داروين هوىً عند اليهود، فاليهود مقرر هذا في كتبهم المحرفة -مثل التلمود - ومكتوب عندهم: إن الله خلق الخلق ليكونوا حميراً لبني إسرائيل، وإن الله خلق الناس حميراً على شكل بشر ليستعملهم اليهود بدون أن يتقززوا منهم، وأنهم هم في حقيقتهم حمير ليسوا آدميين، فيسمون أنفسهم شعب الله المختار، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ويقولون: ليس علينا في الأميين سبيل، أي: الأمم الأخرى. فهذه نظرية اليهود: أنهم هم المفضلون وأن بقية الشعوب إنما هي حميرٌ لهم، ولكن الشعوب لم تقبل هذا الكلام منهم، ولم ترض أن تصير حميراً لليهود، فقامت ضدهم وحاربتهم واضطهدتهم وشردتهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١] أي: في كل مكان وفي كل زمان، إلى أن جاءت هذه النظرية فتلقفوها تلقف الملهوف، وقالوا: هذه مؤصلة، وهذه التي تجعل الناس كلهم حميراً لنا؛ لأنها تجعل من الإنسان قرداً ومادام أصله قرداً -يعني: حيوان- والقرد قريب من الحمار فعلينا أن نقبل هذه النظرية، ولكن الناس رفضوا هذا؛ لأن الذي يرفض أن يكون حماراً أو قرداً إنما هو المؤمن الذي عنده رسالة دين، ويعرف أن الله إنما خلقه إنساناً، ولكن حينما لا يكون مؤمناً ويرضى أن يكون حيواناً يسهل تطبيق نظريات اليهود عليه. فقام ثلاثة من اليهود: ماركس وفرويد، ودوركايم، كان ماركس هذا عالم اقتصادي، وفرويد عالم نفسي، ودوركايم عالم اجتماعي، وكلهم يهود، قاموا وتخطفوا هذه النظرية -نظرية داروين - التي تقول بحيوانية الإنسان، وأن الإنسان ليس مخلوقاً من التراب، وليس منفوخاً فيه من روح الله، وإنما هو في الأصل حيوان مثل القرد، وقد نظرنا إلى الحيوانات فرأينا الحيوانات تعيش بغير دين، والقرود والحمير والكلاب والخنازير تعيش بغير دين، ومادام أن الإنسان واحد من هذه القطعان والحيوانات، فلم نميزه بدين من بين هذه الحيوانات؟ فيمكن أن يعيش الإنسان بغير دين، لماذا؟ لأن أصله حيوان مثل الحيوانات. فنادوا بهذه النظرية -بحيوانية الإنسان- وقالوا: إن البشر لا يقبلون أن يقال لهم: أنتم حيوانات وإنما غيروا المسمى، فقالوا: تحرير الإنسان، تطوير الإنسان، وهذه الشعارات يصفعون بها الشخص على وجهه، ويقولون: هذه الصفعة ما هي شيء، هذه تلميع لوجهك، وهي في الحقيقة صفعة. فيأتون إلى المرأة ويقولون لها: اخرجي، تحرري، ثوري، اعملي وهم في الحقيقة لا يريدون أن يحرروها وإنما ليدمروها، يقتلون عفتها، ينتهكون شرفها، يمسحون قذاراتهم فيها، يستخدمونها، يمتهنونها ويلعبون على عقلها، ويقولون: تحرير المرأة، تحريرها مم؟ من الفضيلة، والعفة، والشهادة، وأن تكون ربة بيت، وملكة في بيتها، لتكون عارضة أزياء، وسكرتيرة في المكتب، ومضيفة في الطائرة، وممتهنة في كل وظيفة -والعياذ بالله- ثم يخدعونها بهذه الشعارات. وخدعوا الرجل كما خدعوا المرأة، فقالوا للبشر في أوروبا: إن هذا الدين هو الذي يقيدنا، ولا بد أن نرفض الدين من أجل التحرر والتطور، أي: نرجع إلى حيوانات، فهم في الحقيقة لا يحررون الإنسان ولكنهم يحمِّرونه، يجعلونه حماراً وحيواناً.

стр. 1010

الأسئلة .

стр. 1011

حقيقة توبة محمد عبده السؤال أولاً: كثير من السائلين يخبر أنه يحبك في الله ، وثانياً: كثر السؤال عن توبة محمد عبده، ويُذكر أنك التقيت به في مكة فما قولك تجاه هذا السؤال؟ الجواب أولاً: أقول لمن يقول أنه يحبني في الله: أحبك الله، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً في ظل عرشه وفي دار كرامته ببركة حبه. أما مسألة توبة محمد عبده أو غيره من المسلمين، فنحن ندعو الله لكل مسلم، ولكل عاص أن يتوب وأن يرجع إلى الله، ونرجو الله لأنفسنا أيضاً قبلهم أن نثبت وأن نكون على ما يحبه الله ويرضاه، وليس بغريب أن يتوب هو أو غيره؛ لأن الحق أحق أن يتبع، وللباطل جولة ويزهق، والفطرة البشرية الموجودة في نفس المسلم تدعوه باستمرار، وتهتف به في كل حين إلى أن يعود إلى الله، مهما حاول أن يغطي هذه الفطرة أو يتجاهلها، إلا أن الصارخ والهاتف والمنادي من داخل القلب يشعره ويدعوه ويقول له: الحياة ليست هكذا، الصواب ليس هكذا، فهناك النفس اللوامة التي تلوم الإنسان وتريد أن ترجع به إلى الحق الصحيح، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتوب على الأخ محمد عبده، وعلى جميع المسلمين وعلى جميع العصاة من المغنين وغيرهم. أما قضية توبته وهل تاب فأنا لا أدري، وإنما كانت هناك محاضرة في مسجد السعادة بـ جدة، ودعيت لحضور المحاضرة وكنت مسافراً إلى أبها فدعيت لتناول طعام الغداء عند إمام المسجد وأخبرني أنه سيكون من ضمن المدعوين محمد عبده وشخص آخر تاب إلى الله اسمه عدنان أكبر، أما هذا فصحيح أنه تائب ونسأل الله أن يتوب عليه، فجلسنا جلسة بعد الغداء لمدة نصف ساعة فقط، تحدثنا في قضايا الإيمان، وهذه الحياة الدنيا، وما ينبغي للإنسان أن يكون فيه من التوبة والرجعة إلى الله، وكان معي في هذا المجلس الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله وبعض الإخوة في الله، وكانت الاستجابة طيبة من قبل الأخوين محمد وعدنان، ثم خرجت من هناك دون أن يتكلم الأخ بشيء من الاستعداد أو أنه ترك الفن أو اعتزله كما يقولون، وإنما مجرد أحاديث إيمانية تدل على أن الرجل متوجه إلى الخير، نسأل الله أن يأخذ بيده إلى الخير هو وكل مسلم، فهذا الذي حصل.

стр. 1012

نصيحة ودعاء لمن أقبل على الله وتاب السؤال هذا المجلس المبارك يضم كثيراً من الشباب الذين تابوا إلى الله في الأيام الماضية القريبة، فهل من كلمة إيمانية ونصيحة ربانية لهؤلاء الشباب؟ الجواب أولاً أهنئهم بالتوبة والرجعة إلى الله، فإنهم الآن بدأت فيهم الحياة؛ لأن الناس موتى حتى يتوبوا إلى الله، والإنسان غير المستقيم وغير المؤمن ميت: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: كان ميتاً بالكفر والمعاصي فأحييناه بالإيمان والدين: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. ويقول الله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٣]. فأهنئهم بهذه الحياة وأسأل الله كما أحياهم أن يثبتهم؛ لأن العبرة ليست بالحياة فقط، فعندما يولد لك ولد ثم يموت فإنك لا تفرح به، فلو أن شخصاً بشرك فقال لك: أبشرك بولدٍ لكنه مات، لقلت: ليتك ما بشرتني. المهم الاستمرارية، فإن تبت فاثبت؛ لأن العبرة بالخاتمة والنهايات، فلا بد من الثبات على دين الله حتى نلقاه، ولا ندري متى ينقل الإنسان إلى الحياة الأخرى، فالغيب المغيب عنا وهو الموت يقتضي منا أن نكون دائماً على أهبة الاستعداد بالتوبة، حتى إذا فاجأنا الموت في لحظة فإذا بنا مستعدين؛ ألسنا كلنا عرضة للموت، هل هناك شخص منا يقول: لا أنا لن أموت؟ أبداً. في مجلس من المجالس كان هناك شباب جلوس في أبها، وكانوا يتحدثون في قضايا الإيمان والموت والآخرة، وكان هناك أحد الشباب -هو طالب في كلية الطب- يقول لهم: يا جماعة لابد أن نثبت على دين الله، لا ندري متى نموت يا إخواني! والله ما نضمن أنفسنا ولو ليلة واحدة، فأحد الشباب يقول -وقد تاب إلى الله-: تخوفنا بالموت، كلنا شباب وعمرنا ثماني عشرة، وست عشرة، وعشرون سنة، متى نموت؟ ممكن نموت بعد ذلك، لا نموت هذه الليلة، وبعدما انتهوا من الجلسة وذهبوا، وذهب هذا الولد الأخ الطيب الصالح وركب سيارته ومات في تلك الليلة، والله ما بات إلا في قبره رحمة الله تعالى عليه، وكان موته سبباً لهداية البقية الباقية. فنقول لإخواننا: مادام الإنسان لا يعرف متى يموت فالمفروض أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد، فأوصيهم ونفسي بالثبات على دين الله. وهناك أشياء تثبتهم على الإيمان، وأهم شيء من مثبتات الإيمان: كثرة تلاوة القرآن الكريم؛ لأن الله ﵎ يقول في القرآن الكريم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] قال الله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢]. هل سمعتم أن شخصاً لازم القرآن وحافظ على تلاوته بالليل والنهار وأضله الله؟ أبداً. لا يضل الله إلا هاجر القرآن الكريم، فداوم على تلاوة القرآن أيها الشاب مع تفسيره، وقراءة سير الأنبياء والصحابة؛ لأن القصص القرآني والنبوي من العوامل المثبتة على دين الله، قال الله : ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]. فهذه التثبيتات تأتي عن طريق قراءة السير، والمداومة على طاعة الله، وترك معصية الله، إذا داومت على الصلوات الخمس في المسجد، وعلى الأذكار الصباحية والمسائية، ومجالس العلم، وصيام النافلة والفريضة، والحج والعمرة فإن هذا يرسي قدمك، وكلما عملت طاعة رسخت أكثر، وكلما عملت طاعة تقوَّت مثل الشجرة التي تعمدها، وكذلك إذا تركت المعاصي فإنك تثبت، والعكس صحيح فلو أنك تساهلت في الطاعات وزدت في المعاصي لتزعزعت. فالشيطان يشد العاصي كل يوم حتى لا يبقى له جذر فيتركه يهوي في النار -والعياذ بالله- فتثبَّت بالإيمان، يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] وافعل ما وعظك الله به، واترك ما نهاك الله عنه. ومن أعظم ما يثبتك: الإخوة الصالحين والرفقة الطيبة؛ لأن الطريق طويلة، والعقبة كئود، والسفر بعيد، والزاد قليل، ولا بد من رفيق يعينك على طاعة الله، فتعرف عليه من مجالس الذكر ومن أماكن الإيمان، من بيوت الله ، وابتعد بعد ذلك عن قرناء السوء، فإن قرين السوء هو الذي يردك عن الله ويثبطك ويقلل عزمك حتى يهلكك والعياذ بالله. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1013

سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثانية] إن هذا الدين عظيم؛ لأنه من وضع خالق البشر الذي يعلم ما يصلح عباده، وما يضرهم، وما ينفعهم، وهو دين كامل شامل لا يعتريه النقص والتناقض، وسعادة البشرية تكمن في الالتزام به وتطبيقه في كل جوانب حياتها العملية. وفي هذه المادة ستجد استطراداً في هذا الموضوع نافعاً؛ كما ستجد حديثاً عن علامات الساعة الواقعة في زماننا هذا، فقد ذكر المؤلف علامتين مهمتين حادثتين، مستنداً في ذلك إلى أحاديث المصطفى ﷺ ، فما عليك إلا أن تفتش ثنايا هذا الموضوع وستجد فوائد جمة، كما ستستفيد من الأسئلة وإجاباتها.

стр. 1014

عظمة الإسلام وكماله وشموله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

стр. 1015

النظام الرباني المتكامل عظمة هذا الدين وقوة هذا الإسلام إنما تتجسد وتظهر في كونه ديناً ربانياً، والذي شرعه هو الله الذي لا إله إلا هو، وهذه الصفة أكسبت هذا الدين صفة الكمال والشمول والعدل، فلا تعتريه جوانب نقص، ولا تزعزعه أو تلعب به الأهواء والرغبات؛ لأن الذي أنزله منزه عن النقص، والذي شرع أحكامه لا يراعي جانباً على حساب جانب، وإنما يحكم بعلم وبقدرة، وبإرادة تشمل مصلحة هذا الإنسان، ولذا سن له النظام والقانون الذي يصلحه في هذه الدنيا ويصلحه في الدار الآخرة، ولا اختلاف فيه كما هو موجود في الدساتير والأنظمة التي تضعها البشرية لنفسها. ما من نظام يوضع في أي زمن من الأزمان أو في أي بلد من البلدان إلا وتدخل عليه تفسيرات، وتعديلات وتبدو فيه جوانب نقص؛ لأن الذي يضعه ناقص وله أهواء ورغبات، ويراعي جوانب أناس ويهمل جوانب آخرين، يعرف شيئاً من أسرار النفس ويجهل أشياء منها، ولذا يعدل ويبدل وما إن يموت إلا ويأتي غيره فيكتشف أخطاء في النظام الذي سبق، فيلغي ويبدل ويعدل ويفسر ويحول من أجل أن النظام غير متكامل. لكن نظام الله كامل لا يعتريه نقص: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] كامل في أحكامه، شاملٌ في نظمه، فصفة الربانية فيه واضحة، ليس نظاماً بشرياً، ولو كان نظاماً بشرياً لتغلبت فيه جوانب العواطف والرغبات، وجوانب الطبقات، لكنه نظام رباني وضعه الله وهو يعلم أسرار هذه النفس وما يصلحها وما يسعدها في الدنيا والآخرة، ولذا فهو نظام لا يأتيه الباطل، قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢] لا يأتيه الباطل أبداً، والواقع يثبت هذا الأمر حينما يطبق نظام الله ؛ لأن الله اختار للبشرية فيه أعظم هدى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وأقوم هنا للتفضيل، هذا القرآن يهدي ويدل ويرشد لما هو أفضل للبشرية في عقائدها، وعباداتها، وتشريعاتها، وأفضل في معاملاتها وآدابها، وأخلاقها، فما من شيء دل عليه الله وأمر به إلا وهو أفضل ما يكون على وجه الأرض، وما من شيءٍ حذر الله منه ونهى عنه إلا وهو أسوأ ما يمكن أن يكون في الأرض.

стр. 1016

سعادة البشرية تكون في تطبيق دين الله ولقد طبقت البشرية فترةً من الزمن هذا النظام فسعدت وطابت الحياة، حتى مكث عمر بن الخطاب قاضياً لـ أبي بكر الصديق عامين كاملين وما قدمت له قضية واحدة، لأنه ليس هناك ما يرفع للحكام، فالناس منصفون، والناس يخافون الله، فعندما أختلف أنا وأخي ونصل إلى القاضي وأنا أعرف أن الحق عندي أو أن الحق عنده، إن كان الحق عندي أعطيته بدون حكم القاضي، وإن كان الحق عنده أعطاني بدون قاض، لكن إذا فسدت الذمم النفوس صعبت مهمة القضاة. يقال: لو أنصف الناس لاستراح القاضي؛ لأن القاضي لا يعلم كيف يحكم بين اثنين أصحاب دعاوى طويلة عريضة، وأصحاب حجج قوية، والحق واحد. وأيضاً العاطفة لا تحكم الكون، والأهواء لا تسيطر على نظام الحياة، ولو دخلت العواطف في نظام الكون لفسدت الحياة، يقول الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون:٧١] ماذا يحصل؟ ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١] تفسد مباشرةً، لماذا؟ لأن أهواء الناس تختلف ورغباتهم تتنوع، وما يرضي زيداً لا يرضي عمراً، وما يصلح لهذا البلد لا يصلح للبلد الثاني، وبالتالي تبدأ الصراعات وتبدأ الرغبات والمنافسات، ويفسد نظام الحياة، أما النظام الواحد الموضوع من قبل الله، فيطبق على الكبير والصغير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى العربي والأعجمي، فالناس أمام أحكام الله سواسية كأسنان المشط. ولهذا كان الجاهليون يستصعبون أن يقام الحد على العظماء والوجهاء، فحين سرقت المرأة المخزومية قالوا: لا يمكن أن تقطع يدها، لا بد أن نرى لها حلاً، وصعب عليهم الأمر، وما تجرءوا أن يشفعوا عند رسول الله ﷺ . قالوا: ابحثوا عن أحب رجل عند رسول الله، فوجدوا أن أحب رجل إلى رسول الله ﷺ هو أسامة بن زيد، وكان يسمى حِب رسول الله، فجاءوا إليه وكلموه، فقام وتكلم مع النبي ﷺ ، فغضب ﵊ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة! والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) لا تدخل هنا العواطف، وقال: (إنما أهلك من كان قبلكم -الذي أفسد نظام الحياة قبلكم في اليهودية وفي النصرانية وفي الجاهلية- أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). أما في ظل دين الله فلا، وهذا معنى الكمال في هذا الدين العظيم، أنه نظام عظيم، وإن من ضمن ما شرع الله في كتابه الكريم: الحدود الشرعية التي تضمنت العقوبة الرادعة والعلاج الناجع لقطع دابر الفساد واستئصاله من أساسه؛ لأن الإسلام لا يعرف حلولاً نصفية. إذا كان في جسمك الدودة الزائدة وهناك علاج يسكنها لكن يحتمل أن تثور عليك في أي وقت ثم تنفجر وتموت، فماذا يقول الأطباء؟ يقولون: نجري لك عملية، ظاهرها شيء صعب، ولذا يأخذون عليك إقراراً قبل العملية، ويوقعونه من قبل شاهدين بأنك إذا مت فلا تعويض لك بريال واحد فتقول: لا مانع عندي سأوقع، أقرر أنا فلان بأنني راضٍ وموافق على إجراء العملية الجراحية لي، ومتحمل كل ما يحدث عنها من نتائج. وتدخل غرفة العملية وتسلم نفسك، وتتناول البنج وأنت تعرف أن بعد البنج المشاريط والسكاكين سوف تبدأ تقطع في جسمك وفي بطنك، وتغرق أمعاءك، ويبحثون عن شيء في بطنك يستأصلونه، لماذا؟ أليست هذه قسوة؟ أليست هذه وحشية؟ لماذا الأطباء قساة؟ ليسوا قساة ولكنهم عندهم رحمة بالجسد الكامل فقطعوا هذا العضو الفاسد لئلا يفسد الجسم كله، فتضحي بعضو في سبيل صلاح الجسد.

стр. 1017

تطبيق الحدود ضرورته وثماره شرع الله هذه الحدود وهو أعلم ﵎ بما يصلح العباد، شرع الحدود بما يقضي على دابر الفساد. القاتل يُقتل، والسارق تقطع يده، هذه اليد في الدين كم ديتها؟ نصف الدية لكنها تقطع في ربع دينار، إذا سرق رجل ما قيمته ربع دينار من حرز وتوفرت شروط القطع تقطع اليد، ولهذا يقول المعترض على حكم الشرع: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار أي: كيف تقطع في ربع دينار وثمنها خمس مئين ذهب، قال له الناظم الآخر: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري هي غالية إذا كانت أمينة، لكنها رخيصة إذا خانت. وأيضاً: الزاني يجلد جَلدَ الحمار، يخرج في السوق ويمسك ويبطح ويضرب بما يضرب به الحمار في ظهره إذا كان بكراً، وإذا كان ثيباً فإنه يرجم ليوزع الألم والموت على كل جزئية من جزئيات جسمه، لماذا؟ لأنه تلذذ بالزنا في كل جزئية من جزئيات جسمه، ولذا يرجم ويموت مائة موتة، يموت مع أول حجر ويموت مع الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وكم يأتيه من الموت، هذا عذاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشد، لماذا؟ لأنه ما عرف حرمة أعراض المسلمين. والمحارب لله ورسوله يقتل أو يصلب أو تقطع يده ورجله من خلاف أو ينفى من الأرض بحسب جريمته وبحسب تقدير ولي الأمر لنوع هذه الجريمة، وما يقضي عليها وما يمنع فشوها وانتشارها، هذه أحكام -أيها الإخوة- من الذي سن هذه الأحكام؟ إنه أرحم الراحمين. يقول النبي ﷺ في غزوة من غزوات الإسلام -في غزوة ثقيف- وكان جالساً يقسم المغانم، إذ جاءت امرأة من النساء وهي تبحث في المعركة عن ولدها، فلقيت ولدها مع السبي وهو رضيع ضائع، وهي مسكينة تبحث عنه، فلما رأته انطلقت عليه مثل السهم ما فكرت في موت أو في حياة، ثم أخذته من الأرض وألقمته ثديها وحنت عليه وجلست تبكي، قال الرسول ﷺ : (أترون هذه تلقي ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها) ومن رحمة الله أن شرع هذه الحدود، مثل الطبيب -ولله المثل الأعلى- يرحم المريض فيستأصل هذا العضو منه، ولكن ما ظنكم لو أن الطبيب قال: هذه قسوة وهذه وحشية، لكن خذ هذه الحبوب وهذا الشراب وهذا المرهم من فوق الجلد، أين الألم يا ولد؟ قال: بطني يا دكتور من الداخل، قال: هذا المرهم فقط مسكن وأعطاك مرهماً من فوق الجلد، ماذا يصير بعد أسبوع؟ تنفجر الزائدة ويموت هذا المريض، ما رأيكم في هذا الطبيب رحيم أم عدو للإنسانية؟ عدو، إذ كان بإمكانه أن يقطع هذا الداء؛ لكنه عنده رحمة سطحية محدودة قضت هذه الرحمة على هذا الجسد، ولله المثل الأعلى.

стр. 1018

أهمية بتر العضو الفاسد المجتمع في نظر الإسلام كالجسد، والحديث في هذا صريح صحيح، يقول ﵊: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) المجتمع المسلم كالجسد الواحد إذا فسد فيه عضو لا نرحمه؛ لأن فساده سوف يؤدي إلى فساد العضو الذي بجانبه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم إذا استمر المرض فسد الجسد كله، وبالتالي يصبح المجتمع فاسداً من أوله إلى آخره بسبب العضو الفاسد، لكن لو قطعناه من أول ما فسد لسلمت لنا الإصبع وسلمت الأصابع كلها، وسلمت لنا اليد، وسلم لنا الجسم كله في سبيل تضحيتنا بعضو من طرف بسيط من أطراف الأصابع وهو ما يحصل اليوم في المجتمعات الكافرة والمجتمعات التي لا تطبق شريعة الله يرحمون الجاني ولا يطبقون عليه شريعة الله، فماذا يحصل؟ يفسد هو ويفسد الذي بجانبه وينتشر الفساد، حتى غدت الجريمة في العالم أمراً سائغاً، وأمراً يمكن تصوره في أي حال من الأحوال. في البلدان التي فيها أجهزة للرصد، وفيها رجال أمن متطورون، وأنظمة وآلات وليس فيها شرع الله، نسب الجرائم هناك لا يتصورها العقل، في كل دقيقة في ولاية من ولايات أمريكا، في شيكاغو مثلاً في كل دقيقة أربع جرائم قتل، أو مائتا جريمة سطو، آلاف جرائم سرقة، لماذا؟ لأنه ليس هناك حدود، وليس هناك شرع رباني، لو طبق نظام الله فلا نحتاج إلى هذا كله، مرة واحدة نقطع عضواً واحداً وبالتالي يسلم المجتمع كله. وأذكر وقد ذكرت هذا اليوم أن لي قريبة أصيبت بمرض وهي تعمل في الحقل دخلت في إصبعها شوكة، ودخل مع الشوكة جراثيم وما عقمت وتساهلت فيها فانتفخت إصبعها بعد فترة وآلمتها كثيراً، وعالجوها في المستوصف في القرية بمرهم وحبوب (العلاج الأولي)، لكن انتشر المرض وما استطاعت أن تنام الليل، وجئنا بها إلى المستشفى العام في أبها، ودخل الطبيب الجراح وأشرف عليها وقال: لا بد من بتر إصبعها من المفصل الأول، وهذه بسيطة، قلنا: نحن موافقون، أتينا إليها فقالت: من أجل شوكة يقطع إصبعي! والله ما أقطعها! يا بنت الحلال الدكتور قال ذلك. قالت: إنها ستشفى، فرجعت وظلت تستعمل علاجات آخرى ورفضت العلاج الذي فيه رحمة، فزاد المرض ورجعت، وأجري لها إشاعة وقالوا: انتقل المرض من الفصل هذا إلى المفصل الثاني وإذا تريدون نعالجها لابد أن نقطع من المفصل الثاني، قالت: والله لا أقبل، قلنا: ارجعي فرجعت، وانتقل المرض إلى المفصل الآخر، فقال الأطباء: تقطع من أصل الإصبع، هل ترضي قالت: لم أرض بالمفصل الأول كيف أرض بهذا. فرجعت ومكثت مدة وانتقل المرض إلى المفصل الآخر وجئنا بها وأخيراً تدخلنا وقلنا لها: إذا انتقل هذا الداء إلى العظم فمن يوم يدخل في أول العظم ينتشر مباشرةً مثل النار في الهشيم، فرفضت، فقلنا: لا بد، وأخيراً قطعت من ذلك المكان، وكان بالإمكان أن تقطع من طرفها وتسلم، لكن الرحمة السطحية وعدم التعقل يجعل الفساد والشر ينتشر وبالتالي يقضي على الجسد كله.

стр. 1019

الأمن والاستقرار من ثمار تطبيق الحدود وهذه المجتمعات أيها الإخوة: كالأجساد إذا عولجت أمراضها بعلاج الله الرباني الذي شرعه في كتابه بقطع دابر الفساد، والقضاء على الجرثومة من أولها سلمت المجتمعات. وهاهو واضحٌ أمام أعينكم ما تعيشونه من أمن واستقرار في هذه البلاد المباركة بسبب تطبيق شريعة الله، وما قُطعت رقاب الناس كلهم، فكم يقطع في السنة؟ لا شيء، تظلون سنين وأياماً لا ترون قطعاً ولا ترون قتلاً، لماذا؟ لأن كل واحد يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على القتل، ويفكر ألف مرة قبل أن يقدم على السرقة، أو الزنا، فالسارق يعرف وهو يسرق أنه سيقبل يده وينظر إليها نظرة وداع، لن يراها إلا في الآخرة فيقول: لا والله إن يدي أغلى من السرقة، وإذا كان يريد أن ينتقم من عدو أغضبه أو من زميل جرحه فيفكر وهو يريد أن يقتل أنه غداً مربوط في الخشبة، وأن السيف ينسف رأسه، وأن البندقية تخرق بطنه وتخرج كبده أمامه فيقول: لا أفعل الجريمة، لكن لو لم توجد شريعة فإنه لمجرد أي غضب يقتل، يقول: يا شيخ! اقتله والدية في الجيب والجماعة كثير، والواسطة كبيرة كما يحصل في بعض البلدان، يا شيخ اسرق وأعط المسئول من السرقة وسوف تمشي الأمور بيسر، وبالتالي تزهق الأرواح يوم أن نرحم روحاً واحدة ويوم أن نرحم سارقاً واحداً تنهب الأموال كلها، وتسفك الدماء وتنتهك الأعراض ويعيش الناس في قلق وفوضى وخوف وعدم أمن لتعطيل علاج الله الذي عالج الله به أمراض هذه المجتمعات. ويقول لي أحد الإخوة الزملاء في العمل وقد سافر ليقضي إجازته في تركيا -من الإخوة الوافدين- يقول: جلست شهراً متنقلاً بين الشام وتركيا وأنا في قلق، يقول: والله ما عرفت طعم النوم وراحته وأمنه إلا عندما دخلت وتجاوزت حدود السعودية، وجئت ووقفت بسيارتي على جنب ونزلنا وفرشنا أنا والأولاد ونمنا نومة ما لي بها عهد، قلت: لماذا؟ قال: كنت أنام وأنا خائف، أنام وأنا منتظر من يذبحني ويأخذ حقي، يقول: ولو رأى في جيبي علبة دخان لظنها دولارات، لكن لما دخلت السعودية، السيارة مفتوحة وأنا نائم وأولادي نيام ولا يأتيني شيء، لماذا؟ لأسباب العلاج العظيم الذي شرعه الله لتطهير المجتمعات. وإن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن كشف الله لها أمر هؤلاء المجرمين الذين خططوا ودبروا من أجل إرهاب عباد الله الآمنين في بلد الله الآمن في شهر الله الآمن المحرم، بينما حجاج بيت الله من كل أرض من أقصاها إلى أقصاها، كل مسلم يجهز لنفسه مالاً حلالاً، ويتحلل من التبعات، ويستسمح أهل الحقوق، ويأخذ معه كتب العلم، ويسأل كيف يؤدي هذه الشعيرة، ويأتي إلى هذا المكان الطاهر من أجل أن يطوف بالبيت، ويقف بـ عرفات، ويسعى بين الصفا والمروة، ويرمي الجمار، وهو مبتهل إلى الله، خائف منه، يرجو رحمة الله ويخشى عقاب الله، كان هؤلاء المجرمون يجهزون الألغام والمتفجرات ويتدربون عليها نظرياً وعملياً، ويحملونها ويهربونها ويدخلون إلى بيت الله الحرام باسم حجاج يأتون إلى بيت الله، ويبحثون عن الحرم الشريف من كل جانب ليختاروا المكان الذي يستطيعون أن يفجروا فيه، ماذا يفجرون؟ يفجرون ويقطعون أجساد المسلمين، يذبحون المؤمنين عند أعظم مكان حرم فيه حتى ذبح الحمامة، تنظرون الحمام بالحرم لا أحد يجرؤ على صيدها، الحمام من ذبحها يذبح بدلاً منها شاة فدية، فكيف بذبح مسلم؟ كيف بترويع مسلم؟ كيف بتفجير منطقة من أجل أن تأخذ الناس وتزعزع أمنهم وتلطخ بهم الجدران، وتقطعهم، وتسيل دماءهم من أجل ماذا؟

стр. 1020

تشريع الحدود رحمة ثم نسمع بعض الناس يقول: إنها قسوة، وأقول: إن من يرحم هؤلاء مجرم؛ لأن أرحم الراحمين هو الذي سن هذه الشريعة، فهذه الشريعة سيقت لهم، يقول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣] وليس أن يقتَلوا بل يُقَتَّلُوا بتقطيعهم قطعة قطعة حتى يذوقوا وبال أمرهم، والرسول ﷺ وهو أرحم خلق الله بخلق الله، حتى قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] لكنه في حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم. قدم مجموعة من العرنيين عليه ﷺ وكأنهم اجتووا المدينة، يعني: ما ناسبتهم المدينة، انتفخت بطونهم وصار فيهم وباء، رحمهم الرسول ﷺ وأشفق عليهم فأخذ مجموعة من الإبل وأعطاها لراع من الصحابة وقال: اخرج بهم في طرف المدينة لتأكل هذه الإبل من أشجار البادية ويشربون من ألبانها وأبوالها لعلهم يسلمون، وفعلاً شربوا من لبن الإبل فذهبت الأمراض عنهم، وانتفخت أجسادهم بالقوة والعضلات، وبعد ذلك قلبوا ظهر المجن وقتلوا الراعي وساقوا الإبل وسرقوها وسملوا عينيه، أخذوا حديداً وأحموه في نار وأدخلوه في عينيه بعدما قتلوه، فبلغ الخبر النبي ﷺ فأرسل في طلبهم مجموعة من الصحابة منهم علي وعمار وجيء بهم، ولما جيء بهم إلى النبي ﷺ حكَّم فيهم شرع الله فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم سمل أعينهم، ثم تركهم في الشمس حتى ماتوا عقوبة لهم وردعاً لأمثالهم، ولهذا يقول الله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] هذه وجبة الإفطار والعشاء في جهنم، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو الذي يسر للقائمين في هذه البلاد أمر القبض على هؤلاء واكتشافهم، وهذا من نعم الله، ودليل على أن الله يرعى هذه البلاد إذ لو لم تكن هناك إعانة ورعاية من الله فمن يكشفهم وسط هذه الجموع وهذه الملايين، لكن ربك بالمرصاد، ثم نشكر المسئولين على تنفيذ أمر الله بدون مجاملة؛ لأنه والله لو لم يقتل هؤلاء لجاءنا السنة الآتية أكثر منهم وبالتالي يكثر الفساد، لكن اقطعها تبرأ، ولن ترى مجرماً -بإذن الله- لأنه يعرف أن رأسه سيرمى به مثل الكرة، والله يقول: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء:٨]. فنسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يديم علينا وعليكم وعلى المسلمين في جميع ديار المسلمين أمننا واطمئناننا واستقرارنا، وأن يوفق حكام المسلمين للعمل بشريعة الله وتحكيمها في شعوبهم، كما نسأله أن يوفق حكام هذه البلاد لزيادة التمسك والعمل بدين الله وإعلاء كلمة الله؛ فإنهم في ذلك إنما يحققون ما أمر الله به من العدل والإنصاف والحياة المستقيمة على وجه هذه الأرض.
следующие страницы →