← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الرفع من الركوع وبعد ذلك ترفع رأسك من الركوع قائلاً: سمع الله لمن حمده، هذا إذا كنت إماماً، أما إذا كنت مأموماً فتقول: ربنا ولك الحمد وترفع يديك، ثم تعيدها إلى ما كانت عليه قبل الركوع، أين كانت قبل الركوع؟ كانت على الصدر، وبعد الركوع تعود إلى الصدر ولا دليل لمن قال أنه يعيدها مسبلة، وقد ذكر هذا الكلام الشيخ الألباني في رسالته في كيفية صلاة النبي ﷺ ، وقد رد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالرد الشرعي الواضح في أن الصحيح الثابت هو أنها توضع كما كانت؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه وضع اليدين على أربعة أحوال: ثبتت في الركوع على الركبتين، وثبتت في السجود على الأرض، وثبتت في الجلوس على الفخذين، وثبتت في القيام على الصدر، والقيام بعد الركوع هو قيام كما هو قبل الركوع، ولا فرق بينهما، ومن فرق بين القيام قبل الركوع أو بعد الركوع لزمه الدليل، وما دام لا دليل فلا بد أن تبقى المسألة على الأصل في كون اليدين بعد الرفع من الركوع تعود إلى مكانهما قبل الركوع فوق الصدر، ويقول الإنسان بعد ذلك: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءٍ بعده، -ثم يقول إن استطاع وكان هناك فرصة- أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

стр. 107

السجود بعد ذلك تسجد مكبراً لله من دون رفع اليدين، فأنت تكون يداك على الصدر وتريد أن تسجد فلا ترفع يديك، بل مباشرة تنزل إلى السجود وتقول في سجودك: الله أكبر، وتسجد على الأعضاء السبعة، وهي: الجبهة والأنف، وهي عضو واحد وهو الوجه، فحكمها واحد، والكفان والركبتان وأطرافُ القدمين، هذه سبعةُ أعضاء، للحديث الصحيح: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظُم: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع القدمين). ثم تجافي بين عضديك وبين جنبك، فلا تلصقهما، وتجافي بين فخذك وبطنك، لكن مجافاة معتدلة بما يسمح به وضعك وتسمح به الصلاة، والناس بجانبك. أما المجافاة التي نشاهدها أحياناً ففيها غلو وزيادة، فهي تأتي على شكل انبطاح، بعضهم ينبطح ويباعد بين يديه كثيراً، وبعضهم يجافي بين يديه وجنبيه بمبالغة بحيث لا يستطيع الذي بجانبه أن يتحرك من مرفقيه!! فالمجافاة باعتدال بحيث لا تؤذي ولا ترفض، أما المرأة فلا تجافي؛ فالمرأة عورة، وإنما تنكمش، والرجل يجافي من غير غلو ولا مبالغةٍ. ثم بعد ذلك يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وإن أراد الزيادة وقال: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، كما زادها في الركوع فهذا حسن؛ لثبوت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ .

стр. 108

الرفع من السجود ثم يرفع رأسه من السجدة الأولى قائلاً: الله أكبر، ثم يجلس بين السجدتين على قدمه اليسرى مفترشاً لها ناصباً قدمه اليمنى واضعاً يده على فخذه الأيمن، ويده الثانية على فخذه الأيسر ثم يقبض الخنصر والبنصر ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء وعند التشهد ويجعل طرف الإبهام مقروناً بطرف الوسطى كالحلقة، ويضع يده اليسرى مبسوطة الأصابع على طرف فخذه الأيسر مما يلي الركبة، ثم يقول في جلوسه بين السجدتين: ربِّ اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني. ثم يسجد السجدة الثانية خاشعاً لله كالأولى فيما قال، ويفعل مثلما فعل، ويكبر عند سجوده، ثم يقوم من السجدة الثانية قائلاً: الله أكبر، ولا يرفع يديه إذا وقف، ويصلي الركعة الثانية كما صلى الركعة الأولى فيما يقول وفيما يفعل، إلا أنه لا يستفتح، إذ أن الاستفتاح والاستعاذة التي قد قالها في أول الصلاة تكفيه عن الاستعاذة مرة أخرى. ثم يجلس بعد انتهاء الركعة الثانية قائلاً: الله أكبر ويجلس كما جلس بين السجدتين ناصباً رجله اليمنى، مفترشاً رجله اليسرى.

стр. 109

التشهد الأول والأخير ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، واسمه التشهد الأول، إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، واسمه التشهد الأخير، إذا كانت الصلاة ثنائية كالفجر، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فإذا كانت الصلاة رباعية فإنه يقف عند هذه ويقوم للركعة. فإذا كانت ثلاثيةً فإنه يجلس أو كانت رباعية فإنه يجلس بعد الركعة الرابعة ويقول ما سبق في التشهد الأوسط ويزيد بعده قوله: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" وهذه جاءت في حديثٍ صحيح، ثم يدعو ربه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. ثم يسلم عن يمينه قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، ثم عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، وبهذا تنتهي الصلاة، وإذا كانت الصلاة في التشهد الأخير من صلاةٍ ثلاثية أو رباعية فإنه يجلس فيها متوركاً، يعني: يجلس على إليته اليسرى ويخرج رجله اليسرى من تحت قدمه اليمنى المنصوبة، وهذا ما يسمى بالتورك. هذه هي كيفية الصلاة الشرعية الصحيحة.

стр. 110

مكروهات الصلاة وهناك أشياء تكره في الصلاة، منها: - الالتفات بالبصر يميناً أو شمالاً: أما رفع البصر إلى السماء فهو حرام، لورود النهي الصريح عنه. - يكره في الصلاة العبث والحركة لغير حاجة: كمن يعبث بلحيته أو يعبث بأنفه، أو يعبث بثيابه أو بأي شيء من جسمه؛ لأن الصلاة فيها شغل للمسلم والعبث يدل على عدم حضور القلب. - أيضاً يكره في الصلاة استصحاب ما يشغل الإنسان: كالأشياء الثقيلة أو الملابس الملونة المزركشة التي تلفت نظر الإنسان وتشغله وتلهيه. - يكره في الصلاة التخصر: وهو وضع اليد على الخاصرة.

стр. 111

مبطلات الصلاة هناك أشياء تبطل الصلاة، فهي ليست مكروهة فقط، بل تبطلها وتفسدها أيضاً، منها: أولاً: الكلام عمداً وإن كان يسيراً: فلو قلت كلمة ولو كانت مكونة من حرفين، مثلاً: لو أن شخصاً سألك وأنت في الصلاة: هل أنت مدعو؟ فقلت: لا. إن فلتها عامداً بطلت صلاتك، لكن إذا قلتها غير عامد، يعني: نسيت؛ فإن الله رفع عنك هذا؛ كما جاء في الحديث: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). فالإنسان إذا أخطأ خطأً فإنه معفوٌ عنه، أما إذا تكلم عامداً بأقل كلمة ولو كلمة واحدة، كأن قال: نعم لا، بطلت الصلاة. ثانياً: الانحراف عن القبلة: وتبطل الصلاة بالانحراف عن القبلة، فلو انحرف شخص بكامل جسده عن القبلة بطلت الصلاة. ثالثاً: ما خرج من السبيلين: وتبطل الصلاة بخروج الريح من دبره، وبجميع ما يوجب الوضوء والغسل، أو غير ذلك من نواقض الوضوء. رابعاً: الحركات الكثيرة: وتبطل الصلاة بالحركات الكثيرة المتوالية من غير ضرورة، كالعبث الكثير غير ضروري. وتبطل الصلاة بالضحك وإن كان يسيراً، ويوجد خلاف بين أهل العلم في التبسم، فقال بعضهم: حتى التبسم يُلحق بالضحك ويُبطل الصلاة. فإذا ضحكت قهقهة ولو يسيراً بطلت الصلاة، أما إذا تبسمت تبسماً فيوجد خلاف بين أهل العلم، بعضهم يقول: أنها تبطل وبعضهم يقول: لا يأثم ولا تبطل، والصحيح أنها تلحق بالضحك وأنها تبطل بالتبسم؛ لأن الموقف ليس فيه مجال للتبسم، فهو موقف رهيب جداً، هل تستطيع وأنت جندي أن تؤدي التحية للضابط وأنت تضحك؟ لا يمكن أبداً، لماذا؟ لأنك في وضع استعداد وضع عسكري أمام ضابط من البشر، لا تستطيع أن تتبسم أو تضحك أمامه، ولو تبسمت أو ضحكت أمامه لعاقبك، فوضع الصلاة أعظم من أي وضعٍ في الدنيا، فأنت بين يدي الله، في وضع استعداد كامل ينبغي أن تبكي من خشية الله لا أن تضحك ولا أن تتبسم. سادساً: الزيادة متعمداً: كذلك تبطل الصلاة إذا زاد فيها المصلي متعمداً شيئاً ليس من جنسها، كأن زاد فيها ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً، أو ركعة وهو عامد، فإنها تبطل الصلاة. سابعاً: مسابقة الإمام: وتبطل الصلاة أيضاً بمسابقة الإمام عمداً، وهذه مشكلة، فأوضاع الصلاة أربعة: مسابقة وموافقة ومتابعة وتخلف. فالمسابقة منهي عنها، وهي: أن تسبق الإمام في الركوع أو السجود أو الحركة. والموافقة منهي عنها، وهي: أن تأتي بالحركة معه، يعني يكبر وأنت معه بالضبط، والتخلف منهي عنه، وهو أنه يكبر ويرفع وأنت ما زلت ساجداً ويركع وأنت تخالفه، والمأمور به المتابعة، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قعد فاقعدوا، عندما تأتي بالحركة على غير هذا الوضع فإن هذا يُعتبر مخالفة، أما إذا سبقت الإمام عمداً فإن الصلاة تبطل. ثامناً: الأكل والشرب: والأكل والشرب من مبطلات الصلاة، ولو شيئاً يسيراً، فلا ينبغي لك أن تأكل ولا أن تشرب في الصلاة؛ لأنه مفسد للصلاة. هذه صلاة المعافى المتعافي.

стр. 112

كيفية طهارة المريض وصلاته كيف يصلي المريض: يجب عليه أن يتطهر بالماء، فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر، فإن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه أو خوفه من استعمال الماء فإنه يتيمم، وإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه فإنه يوضئه أو ييممه شخصٌ آخر. وكيفية التيمم: أن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ويمسح بهما وجهه ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض، هذه هي الكيفية الصحيحة، والآية الكريمة هكذا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣] وهذا الدليل واضح لا إشكال فيه. بعد ذلك إذا كان في بعض أعضاء الطهارة مرض أو جرح لا يستطيع أن يغسله فإنه يتوضأ لبقية الأعضاء ويتيمم للعضو الذي لم يصله الماء، إذا كان في بعض أعضائه كسرٌ مشدود بخرقة أو جبس فإنه يمسح عليه ويأخذ حكمه حكم الجبيرة، ويجوز التيمم له بالتراب الذي يوضع له في صحنٍِ إذا لم يكن عنده تراب على الأرض. بعد ذلك إذا تيمم لصلاةٍ وبقي على طهارته إلى الصلاة الأخرى صلى بالتيمم الأول، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم؛ لأنه مبني على كون التيمم مبيح أو رافع، فالذين قالوا: إن التيمم مبيح للصلاة وليس رافعاً للحدث قالوا: لكل صلاةٍ تيمم، والذين قالوا: إن التيمم رافع للحدث؛ لأنه يقوم مقام الأصل وهو الوضوء قالوا: إنه يصح له أن يصلي الصلاة الثانية إذا بقي على طهارةٍ بالتيمم الذي صلى به الأولى وهو ما يرجحه الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين. ثم بعد ذلك يجب أن يصلي المريض بثيابٍ طاهرة، فإن كانت ثيابه نجسة وجب غسلها، فإن لم يستطع صلى بثيابه التي عليه وصلاته صحيحة. ويجب عليه أن يصلي على شيءٍ طاهر، فإن لم يجد وكان المكان الذي يصلي عليه وهو السرير نجس وجب عليه غسله أو استبداله، فإن لم يستطع وضع عليه فراشاً، فإن لم يستطع صلى عليه وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه؛ لأن الأمر قائم على اليسر. ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، أو العجز عن الوضوء، أو العجز عن التيمم، كما يصنع بعض الناس إذا مرض، وخاصة إذا عملوا له عملية، تجده يجلس أسبوعاً لا يصلي، لماذا؟ قال: ثيابي نجسة بطني مفتوح. نقول: تخيل أنك متَّ في هذا المرض وأنت تارك للصلاة، لا إله إلا الله! يا أخي! صلِّ على أي هيئة وعلى أي كيفية وبأي وضعٍ تستطيعه، أما أن تترك الصلاة بحجة أنك غير طاهر أو أن ثيابك غير طاهرة أو أن وجهك ليس إلى القبلة أو أنك لا تستطيع، فهذا لا عذر لك. أما كيف يصلي؟ فيصلي الفريضة قائماً ولو كان منحنياً إذا كان لا يستطيع القيام، أو يعتمد على عصا أو يعتمد على جدار إذا كان مريضاً، وإذا لم يستطع القيام صلى جالساً والأفضل أن يكون متربعاً، وإذا كان لا يستطيع الصلاة جالساً صلى على جنبه متجهاً إلى القبلة، والجنب الأيمن أفضل، وإذا لم يستطع الصلاة على جنبه صلى مستلقياً على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، والأفضل أن يرفع رأسه قليلاً ليتجه إلى القبلة، يعني: يرفع له بمخدة فإن لم يستطع أن تكون رجلاه إلى القبلة صلى إلى أي اتجاه ولا إعادة عليه، إذا لم يستطع أن يصلي وهو مستلقٍ صلى بالإيماء برأسه ويشير بعينه فيغمض قليلاً في الركوع ويغمض تغميضاً أكثر في السجود، أما الإشارة بالأصبع كما يصنع بعض الناس فلا دليل عليها ولا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ . إذا لم يستطع أن يشير لا برأسه ولا بعينه ولا بأي إيماء، قال العلماء: فيومئ بقلبه، تومأ بقلبك وتكبر تكبيرة الإحرام بقلبك، وتقرأ الفاتحة بقلبك، وتنوي الركوع والسجود والقيام والقعود بقلبك، ولكل امرئ ما نوى، واتقوا الله ما استطعتم، ويصلي المريض كل صلاةٍ في وقتها ويفعل ما يقدر، فإن شقّ عليه فعل كل صلاةٍ في وقتها فله أن يجمع بين الظهر والعصر، وأن يجمع بين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم أو جمع تأخير. أما الفجر فلا تجمع وإنما تصلى لوقتها، وإذا كان المريض مسافراً يعالج في غير بلده جاز له أن يقصر الصلاة الرباعية فيصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين حتى يعود إلى بلده وينتفي عنه حكم السفر. هذا، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير.

стр. 113

كيفية تجهيز الجنازة والصلاة عليها هنا شيء بسيط أضيفه وهو كيف يصلي المسلم صلاة الجنازة؛ فصلاة الجنازة مهمةٌ جداً؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرفها ولا يعلم عنها، ولعل من المفيد أن نذكر كيف تجهز الجنازة على سبيل الاختصار. - إذا تُيقن موت الإنسان فإنه أولاً: يلقن الشهادة، ثم إذا مات تغمض عيناه، ويُشد لحييه حتى لا يبقى فاغراً، وتغمض عيناه؛ لأنه إذا خرجت الروح تبعها البصر، وعند تغسيله تستر عورته ولا تكشف مهما كان. ثم يرفع قليلاً من عند ظهره وتعصر بطنه عصراً بسيطاً ليخرج ما هو جاهز للخروج، ثم يلف الذي يغسله على يده خرقة أو يلبس كفاً، ثم يغسل عورته من غير أن ينظر إليها، بل يضع سترة على عورته، ثم يغسل شقه الأيمن كاملاً، ثم شقه الأيسر كاملاً، ثم يغسله مرةً ثانية، ثم ثالثة. ثم إن خرج شيئاً غسله وسدَّ محل الخروج بقطنٍ، فإن لم يستمسك فبطينٍ حرٍ أو بوسائل الطب الحديثة إذا كان عنده إسهال، كاللصقة أو غير ذلك، فإن لم ينقه غسله بثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ ثم نشفه ويغسل كامل جسده، وإن طيبه كله فحسن، ويجمل الأكفان. وإن كان شاربه أو أظافره طويلةً أخذ منها، وما أخذ من شاربه أو من أظافره يجعل معه في كفنه، ولا يسرح شعره، والمرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها، ولا يؤخذ من عانته شيء، ولا تُحلق؛ لأن هذا يؤدي إلى كشف العورة، ثم يكفن الميت.

стр. 114

كيفية تكفين الرجل والمرأة أما كيفية التكفين: للرجل كيفية وللمرأة كيفية: فالرجل يكفن في ثلاثة أثواب يدرج فيها إدراجاً، يعني تؤخذ ثلاثة أثواب -ثلاث قطع- طويلة، أطول من الإنسان، وتوضع بعضها فوق بعض، ثم يؤتى بالرجل الميت ويوضع في الكفن، ثم يترك من عند رأسه أطول مما عند رجليه، فيترك من عند رأسه ذراعين -مثلاً- وعند رجله ذراع من القماش، ثم يطبق الطبقة الأولى عليه، من الشق الأيمن وترد عليه من الشق الأيسر، وهكذا أصبح ملفوفاً في الأولى، ثم تلف عليه الثانية من الجهة الأولى، ثم تلف من الجهة الثانية، ثم تلف عليه الثالثة من الجهة الثالثة. هذا اسمه التكفين، ثم يربط من عند رأسه، ويربط من عند يديه، ويربط من وسطه، ويربط من عند ركبتيه، ويربط من بعد قدميه، ثم يرجع ما بقي من عند رأسه على وجهه. وتكفن المرأة في خمسة أثواب: لفافتين مثل لفافة الرجل، وإزار تؤزر به المرأة، وقميص يفتح من عند وجهها ويسدل على بطنها وظهرها، وخمار، وهو قطعة قماش مثل (الغترة) تضرب على رأسها ثم تربط عند رقبتها. وأيضاً يكفن الصبي الصغير في ثوبٍ واحد أو في ثلاثة، والصغيرة في قميصٍ ولفافتين. وأحق الناس بغسل الميت وصيه الذي يوصي به، ثم الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات، والأولى بغسل المرأة وصيها ثم الأم ثم الجدة ثم الأقرب فالأقرب من النساء، وللزوج أن يغسل زوجته وللزوجة أن تغسل زوجها، ولكن الأولى أن يغسل الرجل الرجال؛ فإن وجد رجلٌ بين نساء ليس فيهن رجل وليس فيهن امرأته لتقوم بغسله فإنهن لا يغسلنه بل ييممنه، وإذا وجدت امرأة مع رجال وليس منهم زوجها، كأن لا يوجد إلا أقارب: أبوها، أو أخوها، أو ولدها، أو أي شخص؛ فإنها لا تغسل وإنما تيمم ولا يتولى غسلها رجل؛ لأن هذا يؤدي إلى كشف عورتها.

стр. 115

صفة صلاة الجنازة بعد ذلك صفة الصلاة على الميت: يكبر التكبيرة الأولى، ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر التكبيرة الثانية، ويصلي على النبي ﷺ الصلاة الإبراهيمية، ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو للميت ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم اغفر له، وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، وأفسح له في قبره ونور له فيه. هذه كلها جاءت وثبتت عن رسول الله ﷺ ، وبعد ذلك يكبر التكبيرة الرابعة ولا يقول بعدها شيئاً، إنما يسلم تسليمة واحدةً عن يمينه وعند التكبير يرفع يديه مع كل تكبيرة، وإذا كانت الميتة امرأة فيقول: اللهم اغفر لها، وإذا كان طفلاً صغيراً، فإنه يدعو ويقول: اللهم اجعله فرطاً وذخراً لوالديه وشفيعاً لهما مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم. هذه الكيفية الشرعية لصلاة الجنازة، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحسن منقلبنا وإياكم وأن يحيينا وإياكم على الإسلام وأن يميتنا وإياكم على الإيمان إنه على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير.

стр. 116

الأسئلة

стр. 117

نموذج لزواج إسلامي السؤال عندي زواج في نهاية هذا الأسبوع وأرغب منك أن تحضر ليكون الزواج إن شاء الله طيباً ومباركاً وليس فيه معاصٍ ولا منكرات. الجواب أنا أعتذر أن آتيَ نظراً لسفري إلى الرياض ولكني أقول لك: اذهب إلى بعض الإخوة وليس بالضرورة أن يكون شخصاً بعينه وإنما بإمكانك أن تستدعي طالبَ علمٍ، ويكون هناك كتاب من كتب ابن القيم أو كتاب الكبائر أو أي كتاب، وإذا لم تجد فبإمكانك أن تختار شريطاً من الأشرطة المفيدة وتشغل المكرفون وتضع الشريط في الجهاز حتى يسمع الناس ويذكرون الله . وأذكر لكم حدثاً وقع في الأسبوع الماضي في بلاد زهران، في منطقة الأطاولة، بين الأطاولة والمندق أقيم زواجاً هناك لأحد إخواننا في الله، وقد أقامه بطريقة نادرة نسأل الله أن يبارك له في زواجه، فقد دعا مجموعة من طلبة العلم والعلماء والمشايخ، منهم الشيخ عبد الرحمن السديس، والشيخ الدكتور محمد بن سعيد القحطاني، والشيخ عائض بن عبد الله القرني، والشيخ عبد الرحمن العشماوي، والشاعر ناصر الزهراني وأنا كنت ممن حضر، دعاهم لحضور حفل الزواج وضمن هذه الأسماء بالدعوة وقال: أريد أن يكون الزواج ندوة إسلام ودين وعلم، وجاء الناس. يقولون لي: إنه وجه الدعوة لألف وخمسمائة رجل، لكن الذين حضروا ثلاثة آلاف رجل، بارك الله له في زواجه، وعشاهم كلهم؛ لأنه أقسم عليهم بالله وقال: والله لا أسمح لواحد أن يخرج إلا وقد تعشى، وقلت أنا: ماذا يعشي هؤلاء؟! لكن الله بارك في طعامه، ذبح خمسين خروفاً وحضر الطعام في مائة وخمسين صحناً وأقام الناس كلهم على سفرتين وقاموا والطعام باقٍ والحمد لله؛ لأنه قال: لا أحد يأتي لهذه الندوة ويخرج طاوياً؛ لأن الحفل طال، وقد بدأ بعد صلاة المغرب، فابتدأ بأن قسم البرنامج إلى قسمين: البرنامج الأول: ندوة مشتركة اشترك فيها عائض القرني والدكتور القحطاني وأنا، وكانت الندوة، الأول تكلم الدكتور محمد القحطاني عن المعوقات والعقبات في طريق الزواج لمدة نصف ساعة، ثم تكلمت أنا لمدة ساعة إلا ربع عن الوسائل الشرعية التي يحافظ بها على بناء الزواج، ثم تكلم الشيخ القرني بعدها لمدة نصف ساعة عن الآثار التي تترتب على نجاح الزواج في الدنيا والآخرة. ثم بعد ذلك أجيب عن الأسئلة، ثم صلينا العشاء، وبعد الصلاة قدم العشاء، وبعد العشاء رجعنا الساعة (١١) ليلاً، وقامت أمسية شعرية اشترك فيها ثلاثة شعراء: الأول عبد الرحمن العشماوي وقد ألقى قصيدة رائعة بعنوان: من مشاهد يوم القيامة، وهذه القصيدة نقل الناس فيها كأنهم يعيشون في عرصات يوم القيامة، بالآية والحديث، والقصيدة الثانية ألقاها الشيخ عائض القرني عن الحداثة والحداثيين الذين ينادون بالتحرر ورفض الدين والإيمان، هؤلاء الخبثاء، ثم ألقى الشاعر ناصر الزهراني وهو أخو المتزوج وطالب في جامعة أم القرى وشاعر عظيم ثلاث قصائد من ضمنها في الأخير قصيدة بلسان حداثي، فألصق فيها الحداثيين بالتراب والطين، والشريط موجود في السوق، اسمه (الأفراح الإيمانية). فنقول لإخواننا الذين عندهم أفراح وزواج: أقيموا زواجكم على مثل هذا، ادعوا طلبة العلم والعلماء واذكروا الله، وابدءوا حياتكم بطاعة الله؛ لأنه إذا أسس الزواج على دين ثبت، وإذا أسس الزواج من أوله على معاصٍ ومنكرات وتبرج ومنصات وتصوير وفيديو وطبول وفساد -والعياذ بالله- فشل الزواج في الدنيا وفشل في الآخرة. إنه من العيب عليك -يا أخي- أن تدفع خمسة آلاف أو عشرة آلاف لمطبل أو مطبلة وأنت تعرف أن إخوانك المجاهدين في الأفغان يموتون من الجوع، والله! أفضل لك مليون مرة أن ترسل الخمسة آلاف للإخوان المجاهدين ليشتروا بها طعاماً ويجاهدون بها في سبيل الله، ولا تدفعها لمطبل تكون عليك هذه الخمسة الآلاف لعنة في الدنيا والآخرة. ونقول: أقيموا الزواج على مثل هذا؛ لأن الله يقول: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّم َ﴾ [التوبة:١٠٩] هل هذا مثل هذا؟ لا. نعرف كثيراً من الزيجات فشلت من ليلة الزواج، وفشلت بعد أسبوع، رغم أنهم أقاموا لها بهرجاً عظيماً، بعضهم لا يقيم حتى في بيته زواجاً، يقيمه في قصر الأفراح، وليس هو قصر الأفراح، بل قصر الحزن قصر المعصية قصر الشؤم قصر التصوير قصر الطبل واللعب قصر دخول المنكرات والفضائح -والعياذ بالله- وبعضهم يقيمها في الفنادق الضخمة، يحجز الفندق كله، ويدفع خمسين أو ستين ألف ريال وبعد ذلك لا تكمل البنت أسبوعاً إلا وقد فشلت وطلقها ورماها، لماذا؟ لأنه أسس البنيان على غير رضوان الله . بارك الله لي ولكم ونفعني الله وإياكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 118

علامات محبة الله تكلم الشيخ في هذه المحاضرة عن حال المؤمن في استجابته لربه، وعودته إلى الله بعد طول عصيان ومقارفة للذنوب، مبيناً أن قرابة الدين مقدمة على قرابة النسب. وقد أعقب ذلك بتوضيح لأهم أسباب العصمة من المعاصي والتي تقود إلى محبة الله والتي هي غاية كل مؤمن. مع بيان بعض العلامات التي يجب أن تتوفر في العبد ليكون محباً لله. وفي الأخير نبه إلى الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد.

стр. 119

الاستجابة لداعي الله الخيار الوحيد للنجاة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة في الله! إن الوضع الصحيح للمسلم في هذه الحياة الذي لا خيار له فيه هو أن يسير في الطريق الذي يوصله إلى الرضوان، وإلى الفوز بالجنان، والنجاة من النيران، فلا خيار، بل هو البديل الأفضل، والخيار الأكمل أن تستجيب لداعي الله؛ لأن الذي لا يستجيب لداعي الله ويستجيب لداعي الشيطان فليس بمعجز في الأرض، إن قدرة الله غالبة، والله غالب على أمره، وإنه ليملي للظالم السادر في غيه، الذي يحارب ربه، ويعاند دين الله ، ولكنه إذا قبضه أخذه أخذ عزيز مقتدر، ثم لم يفلته إلا في النار. وأنت أيها الإنسان! ضعيف، لا حول لك ولا طول، ولو تصورت أنك قوي، وأنك تملك الإمكانيات، لكنك ضعيف أمام قوة الله، تذكر وضعك وأنت في حشرجة الموت، وفي ساعات الضعف، حينما تلتف الساق بالساق، وحينما ترتخي المفاصل، وتنخسف الأصداغ، وتميل الأنف، وتضعف القوى، وتنهار الإمكانيات، ولا تستطيع حولاً ولا طولاً، ولا يستطيع من حولك من الأولاد أو من الأفراد، أو مما تمتلك من الأموال، أو ما قد سعيت إليه من المنصب أو الجاه أو المنزلة في القبيلة أو العشيرة، لا تستطيع كل هذه الأشياء أن تغني عنك شيئاً، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٧] أتستطيعون أن تدفعوا؟! أتستطيعون أن تمنعوا؟! أتستطيعون أن تنفعوا في تلك اللحظات؟! لا. فغاية ما عند الإنسان أنه يمسك الميت ويجلس عند رأسه، أو وراء ظهره، أو عند أرجله، يبكي على قريبه. أما ذاك فمسلم أمره إلى الله، ومنتقل إلى مولاه، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، وهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ويجزي الله هذا الإنسان في الآخرة على ضوء الحصيلة التي جاء بها من الدنيا؛ لأن هذه الدنيا سوق والناس يردون هذا السوق، ثم يصدرون بأعمالهم، وتكون المحاسبة لهم في الآخرة على ضوء أرباحهم أو خسائرهم في هذه السوق، يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [القصص:٨٤] أي: من دخل سوق الحياة، ورجع إلى الله ببعض الحسنات والعمل الصالح ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [القصص:٨٤] ولا يعطي الله الحسنة فقط، بل يعطيه خيراً منها ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤]. فكما تدين تدان، ومثلما تُعامِل تُعامَل، وكما كنت مع الله يكون الله معك، وفي آية أخرى في سورة النمل يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]. اللهم إني أسألك من فضلك وإخواني المسلمين ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] وأيضاً مع هذا ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠]. يا إخواني! تصورنا تصور سطحي سقيم، ما دخلنا في أعماق تصور صحيح حتى نتذوق ونعرف ما في النار، فالنار شيء بسيط في حياتنا!! ولكننا لا نستطيع تحمل أبسط نتائج النار، فالماء الحار لا نستطيع أن نشربه إلا إذا بردناه، والهواء في اليوم القائظ لا نستطيع أن نجلس فيه إلا وقد عملنا مروحة أو مكيفاً، فكيف بمن طعامه النار، وفراشه النار، وشرابه النار، ودفائه النار، ومسكنه النار، لا إله إلا الله! ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠]. فما نجزى إلا ما كنا نعمل، قال الله : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فهذه الآية مضمونها ومفهومها: أن الإساءة جزاؤها الإساءة، والله لا يظلم مثقال ذرة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]. فالخيار الصحيح والوضع الطبيعي لك -أيها المسلم- أن تستجيب لداعي الله، وأن تعرض عن داعي الشيطان؛ لأن الله هو خالقك، وبارئك، والذي أوجدك، وأمدك بالنعم، ويتولاك، وهو الذي سوف يميتك، ويبعثك، ويجازيك ويحاسبك. أما الشيطان فهو عدوك في الأصل، والمنشأ، وعداوته عداوة عميقة في جذور التاريخ والزمن، منذ أن كان أبوك في الجنة، فهو الذي وسوس له وأخرجه من الجنة، وهو الذي أقسم أن يغويك وأن يقعد لك الصراط المستقيم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. والصراط المستقيم هو: الإسلام، ويقسم بالله أن يقعد لأبناء آدم، أين؟ قال: ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] أي على الناصية على الطريق المستقيم على الإسلام، فلا يترك أحداً يدخل في دين الله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] أي: يأتيك أيها الإنسان من كل اتجاه، إذن أين تذهب؟ إذا أتاك العدو من كل باب وليس هناك سبيل لتجنبه، أتقعد مع العدو وهو قادر عليك؟! لا. بل تدخل من جهة الصديق، فوليك وربك وخالقك وحبيبك ومولاك هو الله ﵎. والشيطان لم يقل: ومن فوقهم، لأنه لا يستطيع. فإذا جاءك من أمامك -يقول المفسرون: أنه يأتي من أمامك- أي: يكذبك ويزهدك في الآخرة، ويسوف لك ويمنيك ويعدك. ومن خلفك يرغبك في الدنيا، ويشدك إليها، ويحرصك عليها، ويجعلك تتكالب عليها. وعن يمينك يكرهك في الحسنات، ويزهدك فيها، فلا تريدها بشيء. وعن يسارك يرغب لك السيئات، والمعاصي، والذنوب، ويحسنها ويزينها، ويجعلها أحب شيء إلى الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠].

стр. 120

فرح الله بتوبة عبده فيا أخي! فر إلى الله، واهرب وسابق إلى مولاك ﵎، يفتح لك ربك بابه؛ لأن الله يفرح بتوبة عبده كما جاء في الصحيحين، يقول ﵊: لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم كان في فلاة معه راحلته وعليها زاده وماؤه فضاعت الدابة، فاستيقظ وإذ به لا يجد دابة، ولا زاداً، ولا ماءً، وهو في صحراء، فبحث عنها فلم يجدها، فلما يئس منها، استسلم للموت، ونام تحت شجرة؛ لأنه لا يجد إلا الموت. فردها الله عليه ووقفت عند رأسه، فاستيقظ ورآها فلما رآها رأى الحياة، وكأنه إنسان محكوم عليه بالإعدام والموت، ثم رأى الحياة، فقام من شدة الفرح وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك غلط من شدة الفرح، لأنه موقف يجعل الشخص يغلط رغماً عنه. أخطأ -يقول ﵊ من شدة الفرح فالله أشد فرحاً بتوبتك أيها العبد المسلم! من فرحة هذا الرجل بعودة ناقته، والله لا تضره معصيتك، ولا تنفعه طاعتك، كما جاء في الحديث الذي يرويه أبو ذر الغفاري ﵁، والذي فيه ثمانية نداءات يا عبادي! منها: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) ولكن إن أحسنتم فلكم، وإن أسأتم فعلى أنفسكم، والله ﵎ غني عن العالمين. فيا أخي المسلم! إن ما نلحظه ونشاهده -والحمد لله- من عودة صادقة في صفوف الأمة، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً، وكباراً وصغاراً، هذه العودة تبشر بخير والحمد لله، ونأمل من الله المزيد فليس بغريب أن يعود الناس إلى مولاهم، بل الغريب أن يهرب الناس من الله، خصوصاً في هذا الزمن الذي أقام الله فيه علينا الحجة وأمدنا فيه بالنعم، وصرف عنا جميع النقم، وآتانا من كل ما سألناه، بل آتانا مما لم نسأله، وأقام علينا الحجة، وكان الله لنا في الدنيا كما نريد، فيجب أن نكون له كما يريد، وإلا فإن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]. فنخشى أن نغير ما بنا من الشكر والطاعة، فيغير الله ما بنا من النعمة والأمن، وكما نحب أن يكون الله لنا، يجب أن نكون كما يحب الله .

стр. 121

قرابة الملة مقدمة على قرابة النسب محبة الله هدف كل مؤمن، وغاية كل موحد، وإذا أحبك الله، أقبلت إليك طرق الخير من كل جانب، وإذا أبغضك الله، تولت عنك طرق الخير، وأقبلت عليك طرق الشر؛ لأن من أحبه الله أحبه كل شيء، ومن أبغضه الله أبغضه كل شيء، (إذا أحب الله عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يأمر الملائكة كلها في السماء أن تحبه، فتحبه وتستغفر له في السماء) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٧ - ٩]. هذه الملائكة في السماء تدعو لك وأنت لا تعلم تدعو لك أن يغفر الله لك، وتدعو لك أن يدخلك الله الجنة، وتدعو الله لك أن يدخل الله معك آبائك، وأمهاتك، وزوجاتك، وذرياتك؛ لأنه لا تتم لك فرحة في الدنيا إلا وقد جمع الله لك بين آبائك وأزواجك وذرياتك، فما بالك بالآخرة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر:٨] ومن تدخل معهم؟ ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ [غافر:٨] ليس كلهم، وليس حوش بقر، فمن أتى دخل، لا. هذه جنة لا يدخلها إلا أهلها ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ [غافر:٨] أما من طلح فليس له إلا النار. لما قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] وكان عنده وعد من الله، قال الله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] وفهم نوح أن أهله، أي: أسرته، ومراد الله أهله أي: أهل عقيدته، أهل دينه، فالأهلية هي: أهلية العقيدة، فولدك إذا كان على دينك فهو من أهلك، وإذا لم يكن على دينك فهو ليس من أهلك. والبعيد إذا كان على دينك فهو من أهلك، وإذا لم يكن على دينك فليس من أهلك؛ لأن الله يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] لأن صلة العقيدة فوق كل صلة، ورابطة الإيمان والدين فوق كل رابطة، ففهم نوح ﵇ أنه من أهله فقال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] قد قلت: أركب أهلي، وابني لم يرض أن يركب ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] رجل مادي، عقلية متحجرة، يقول: سوف أذهب إلى رأس جبل يمنعني من الماء ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] لأن الله قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١] فالتقى ماء السماء بماء الأرض، حتى التنور الذي هو مكان النار، والذي لا يتوقع أن يكون فيه ماء، يفور بالماء، النار والماء متضادتان، ولن يجتمع النار والماء، لكن الله جعل من موطن النار ماء ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] فارت كل الدنيا حتى موطن النار أصبح يصعد بالماء، قال الله : ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٦ - ٤٩]. صحيح أن الفجرة والعصاة والمجرمين والمنحرفين يبدوا لهم نوع من الإمهال، ونوع من الإضلال، ونوع من المكر من الله ، ونوع من إعطائهم فرصة، لكن لمن العاقبة في كل ساعة وفي كل حين؟ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]. فالله ﵎ يخبر أن الملائكة تقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] ثم تدعو الملائكة لك وأنت في الأرض تقول: يا رب! قهم السيئات، واصرف عنهم الذنوب، واحمهم منها؛ لأن الذنوب مهلكة الذنوب قاطعة عن الله الذنوب مانعة عن الوصول إلى الله، فهي حجاب بين العبد وبين الله، فهذه الذنوب والمعاصي عقبات وموانع وحواجز فلا تستطيع أن تصل إلى الله بوجود الذنوب، فإذا أردت أن تصل فأمط الذنوب والآثام من الطريق، واركب مطية العمل الصالح تصل إلى الله بسلام، لكن حين تكون المطية معطلة، والعمل الصالح قليل، والموانع كثيرة كيف تصل؟! لا تصل. قال الله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٩] ثم قالت الملائكة: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩] اللهم قنا السيئات يا رب!.

стр. 122

صدق اللجوء إلى الله سبب للعصمة من المعاصي ودائماً أنا أقول للإخوة الذين يشكون من سيطرة وغلبة المعاصي على قلوبهم أقول لهم: إن خير دواء للتخلص من الذنوب سؤال الله ، ليس هناك أعظم من التجائك إلى الله؛ لأن الذنوب والمعاصي من وساوس الشيطان، يقول الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] أي فحشاء، وأي معصية، وأي منكر في الأرض؛ كلها من الشيطان، فإذا اعتصمت بالله، ولذت بالله، وسألت الله، كفاك الشيطان ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١]. وهنا مثال ذكرته أكثر من مرة وهو: إذا كنت سائراً من أمام بيت بدوي وانطلق عليك كلبه ليعضك وينبح عليك ويريد أن يعتدي عليك، فإنك إن قعدت تنابح الكلب وتراجمه أتعبك، وإن تركته سوف يعضك، لكن إذا أردت أن تسلم منه فادع راعي البيت البدوي وقل له: اكفنا من كلبك، فسيمسكه ويربطه، ولا يأتيك أبداً. فالشيطان هو كلب هذا الإنسان، ينابحه ويعضه ويفترسه، ويريد أن يهلكه، فإذا أردت أن يمنعك الله منه، فادع الله أن يعصمك، ولهذا يقول الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]؛ لأنك إذا نزغك الشيطان فأطعته ركبك، أما إذا نزغك فاستعذت بالله قمعه وطرده وأبلسه، والنزغ هنا كما يسميه العلماء: هو إما إيعاد بشر، أو تكذيب بخير، أو أمر بمعصية؛ لأن القلب السليم هو: القلب الذي سلم من كل شبهة تعارض خبر الله، أو من كل شهوة تعارض أمر الله، أو نهيه، فأنت -أيها المسلم- في هذه الدنيا ثلاثة أشياء: أمام أمر، ونهي، وخبر. أمر من الله، مثل: التوحيد، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، البر، هذه كلها أوامر. أو نهي من الله مثل: لا تزنِ، لا تسرق، لا تقتل، لا تقف ما ليس لك به علم، لا تأكل مال اليتيم، هذه اسمها نواهي. أو خبر من الله، خبر عن قضايا الإيمان: خبر عن الجنة، والنار، والبعث، وعذاب القبر، والصراط، والجزاء، والحوض، والميزان، والكتب؛ هذه أخبار ترد عليك من الله، فأنت أمام هذه الأوامر لا يسعك أمام الخبر إلا التصديق، ولا يسعك أمام النهي إلا الابتعاد، ولا يسعك أمام الأمر إلا الامتثال، فإذا سلم قلبك من شبهة تشكك في خبر الله، أو من شهوة تعارض لك أمر الله أو نهي الله سلم قلبك. إن محبة الله ﵎ غاية كل مؤمن، والله يلقي لك المحبة في السماء، ثم يقول جبريل: (يا ملائكة الرحمن! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) فيحبك كل شيء، وعلى قدر حبك لله يحبك أهل الأرض، وعلى قدر بغضك وبغض الله لك يبغضك أهل الأرض، حتى ثوبك الذي على جسدك يبغضك، كما ورد في بعض الآثار: أن تارك الصلاة إذا خرج من بيته قال له البيت: لا ردك الله من سفرك، ولا خلفك في أثرك، ولا رجعك إلى أهلك سالماً. وورد أنه إذا رفع اللقمة إلى فمه قالت له اللقمة: لعنك الله يا عدو الله، تعرف فن البلع والهضم ما شاء الله -مثل- (الدركتر) لكن إذا أتيت إلى الصلاة أعجز من جدتك، تقول له اللقمة: لعنك الله، وبعض العصاة يأكلون في كل وقت، أي: كل لقمة فيها لعنة، فلو أكل مائة لقمة ففيها مائة لعنة، ولو أكل مائتي لقمة ففيها مائتي لعنة، فكأنه يزيد من اللقم ويزيد من اللعنات، تقول: لعنك الله يا عدو الله، تأكل من رزق الله ولا تؤدي حق الله، وإذا لبس الثوب على جسده قال الثوب له: لعنك الله، والله لولا أن الله سخرني لك لفررت منك، ثوبه لا يريده، الأرض التي يسير عليها تلعنه، الهواء الذي يتنفسه يلعنه، الوردة التي يقطفها ويحرمها الحياة ليتلذذ برائحتها تلعنه، كل شيء يبغضه؛ لأن الله قد أبغضه. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وإذا أردت أن تعرف هل الله يحبك؟ فاسأل نفسك أولاً: هل أنت تحب الله؟ لأن الله يقول: في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] يبادلونه المحبة، فما أحبهم إلا لأنهم أحبوه، لكن إذا أبغضوه أبغضهم؛ لأنه غني ليس بحاجة إلى أن يحب من يبغضه ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ولما زاغ أولئك أزاغ الله قلوبهم. فإذا أردت أن تعرف مقدار منزلة حب الله لك أنت، فاعرف مقدار منزلة حب الله في قلبك، هل أنت تحب الله حقيقة أم لا؟ ولكن هناك علامات للمحبة، وهناك أسباب لها، فأولاً نذكر لكم علامات المحبة، من هو المحب لله حقيقة؟ ثم بعد ذلك نذكر الأسباب الجالبة لمحبة الله، ولقد ذكرها كلها الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين، وهو كتاب عظيم من كتبه، أنصح كل شاب أن يقرأ كتب ابن القيم على الإجمال، أي كتاب تجده لـ ابن القيم فاشتره ولا تبالي.

стр. 123

علامة المحبة الأولى: إظهار الذلة للمؤمنين فأما علامات حب الله للعبد فهي خمسة: قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما صفاتهم يا رب؟! قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] متواضعين، مخبتين، والإخبات قال الله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥]. الإخبات: صفة من صفات أهل الإيمان، وقد ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين على أنها منزلة من منازل السير إلى الله في الدار الآخرة، والإخبات مأخوذ من الخبت، والخبت: هي الأرض المنبسطة التي خيرها كثير وليس منها شر، والخبت هي المنطقة الموجودة في تهامة، أخذ الإخبات من الخبت؛ لأن الخبت أرض سهلة منبسطة، وبعد ذلك منخفضة متواضعة، وخيرها إذا جاءها مطر، يأتي الواحد منا فيزرع فيغرس المسافة الطويلة ومعه الحبوب في كفه والعصا في يده، فيغرس العصا في الأرض ويضع الحبة فقط -حبة مكان العصا- وبعد ذلك يخطو خطوتين ويضع غرسة وحبة، وبعد أيام إذا بالحبة هذه قد كبرت، لا يسقيها ولا يحميها، ولا يحرسها، ولا يتخولها، ولا يتعهدها، ولا شيء، إنما يضع حبة، فتنبت منها الخيرات. فالمؤمن أولاً سهل، وبعد ذلك منبسط فليس بمعقد، وبعد ذلك متواضع ليس بمتكبر ولا متعالٍ، وبعد ذلك خيره كثير، ضع له شيئاً فترى شيئاً عظيماً، وبعد ذلك لا يتعبك في شيء، لكن المنافق والعياذ بالله عكس هذه كلها، صلب مستعلٍ متكبر، خيره قليل وشره كثير والعياذ بالله وبعد ذلك معقد، وملتوٍ، ومنافق، حين تبحث عنه لا تراه؛ لأن النفاق أُخذ من النفق، والنفق هو المكان المتلوي الذي لا ترى له اتجاهاً معيناً. فالمؤمن متواضع ذليل، قال الله : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] أي: لا يتكبر على إخوانه المؤمنين، ويتواضع لهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويزور مريضهم، ويسلم على مارهم، ويتبع جنازة أخيه المسلم، يشمت أخاه المسلم، إذا دعي إلى وليمة ولم يكن له عذر جاء وأجاب، وإذا كان له عذر اعتذر من أول الأمر، وقال: لا آتي، لا كما يصنع أكثر الناس اليوم، يدعى فيقول: حسناً وهو ينوي ألا يأتي، حتى قال لي شخص من الناس: والله إني وزعت مائتي (كرت) ولم يأت إلا عشرين رجلاً، وذبحت ثمانية خراف، واعتبرت أن لكل خمسة وعشرين رجلاً خروفاً، وقلت: لكل مائة أربعة، فذبحت ثمانية خراف وجاءني عشرون رجلاً، وجلس كل واحد على خروف، يرون اللحم ولا يريدونه، لكن لو أن الذين أعطيتهم الكروت كلهم اعتذروا لي عن الحضور وقالوا: والله مشغول، أو أنا معزوم، أو عندي موعد أو ارتباط، لذبحت بدل الثمانية أو العشرة اثنين. المؤمن ذليل ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ويضاد هذه الصفة العزة على أهل الإيمان، من الناس من هو متكبر متعالٍ: إما بماله، أو بسلطته، أو بوظيفته، أو بنسبه، أو بأولاده، أو بما يملك، يتعالى ويتكبر ويتعاظم، فهذا ليس من صفات أهل الإيمان. فإذا أردت أن تعرف أن الله يحبك، فمن علامة محبة الله لك أن تكون ذليلاً على المؤمنين، وإذا كنت عزيزاً مستكبراً متعالياً متعاظماً، تنظر إلى الناس بنظرة الاحتقار، والازدراء، والتعالي، وترى أنهم تحتك وأنك أحسن منهم، وأنهم فقراء وأنت غني، وأن نسبهم وضيع وأنت رفيع، وأنهم سوُد وأنت أبيض، وأنهم ضعاف وأنت قوي، أي: تعتز وتفتخر بنعم الله التي ساقها الله لك، فاعلم أن الله يبغضك؛ لأنك تفتخر بشيء ليس منك، فالعافية والرزق والأولاد والجاه والغنى وكل شيء من الله، لماذا تتفاخر وتتمدح بحق غيرك؟!! يقول الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣]. فاشكر الله -يا أخي- وتواضع؛ لأن المؤمن متواضع (من تواضع لله رفعه، ومن تعالى على الله وضعه)، اشكر الله وكن ذليلاً على إخوانك المؤمنين، وابتسم في وجوههم، وزرهم إذا مرضوا، وحاول أن تحسن إليهم بكل وسيلة ليسعك من الناس الابتسامة، يقول ﵊: (إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم) أي: لا تستطيع أن تستحوذ على الناس كلهم بالمال، ولو كان ما كان، فلا تستطيع. من يرزق العباد إلا رب العباد (ولكن تسعوهم بأخلاقكم)، وقال ﵊: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وقال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) فأنت في الطريق تسلم فتقول: السلام عليكم، الله يصبحك بالخير، كيف حالك يا أخي؟! ولكن من الناس اليوم من إذا رأى أخاه المؤمن من هناك غير الطريق، حتى في العيد لا يتزاورون، العيد الذي سماه الله عيداً؛ لأنه يعود على الناس ليتعاودوا ولينسوا الماضي، فتقول لجارك: أنت جاري وأنا جارك، صار بيني وبينك مخاصمة، أو صار بيني وبينك سوء تفاهم من أجل الأولاد، ومن أجل -مثلاً- الحدود، ومن أجل الماء، ومن أجل أي غرض من أغراض الدنيا، انتهت المشكلة لا ينبغي ولا يجوز شرعاً أن ألقاك بعد ثلاث ليالٍ، ولا أقول: السلام عليكم، وأنت مفروض عليك وواجب بمجرد أن أقول: السلام عليكم، أن تقول: وعليك السلام، الله يمسيك بالخير؛ لأن بعض الناس إذا سمع هذا الحديث وقال: والله لا يجوز أن أهجر أخي المسلم، لابد أن ألقاه وأسلم عليه، فيلقاه، فيقول: السلام عليكم، فإذا بالآخر يتهجم ويأبى أن يرد السلام، فيأتي الشيطان فيقول: أرأيت! تلقي ﵇ ولا يرد عليك السلام، إذن اقطعها معه. لا يجوز يا أخي! المفروض أن تغتنم هذه المبادرة الطيبة من أخيك المسلم الذي غلب نفسه وغلب الشيطان وجاء إليك وقال: السلام عليكم، فمقابل أن قال: السلام عليكم، قل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ورد عليه، وأمسك رأسه وقبله، وقل: جزاك الله عني كل خير، لقد أعنتني على نفسي لو أنك ما سلمت علي كان الشيطان يريد أن يكبرها في نفسي، الله يسامحك باطناًَ وظاهراً، والدنيا كلها فانية. قيل لي: إن في قرية من القرى أرحام بينهم صهر ونسب لا يدخلون بيوت بعضهم، وجاء العيد وبعضهم ما دخل على الثاني، لماذا؟ كبرت نفوسهم، ما تواضعوا، وما ذلوا؛ لأنهم لا يحبون الله، والله لو كانوا يحبون الله ويحبون رضا الله ؛ لنسوا أنفسهم ولأنكروا ذواتهم ولتواضعوا وطلبوا التسامح؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) تريد أن تكون من خيرهم أو من شرهم؟ صحيح إذا أردت أن تكون من خيرهم فإن لها ضريبة، وضريبتها أن تنكر نفسك، وتغلب هواك، وألا تستسلم لشيطانك، وتخضع نفسك: السلام عليكم ولو بالغصب أو بالقوة، لكن الله يجعلك خيرهما (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) أما إذا التقيا وأعرض هذا وأعرض هذا وتباغضوا في غير ذات الله ، فإن الله لا يرفع لهما إلى السماء عملاً، كما جاء في الحديث: (تعرض الأعمال على الله كل يوم إثنين ويوم خميس، إلا عمل رجلين متشاحين في الله، يقول الله: دعوهما حتى يصطلحا) رد عليهم أعمالهم مرفوضة حتى يتصالحوا، فإذا تصالحوا فلهم العمل، أما إذا لم يتصالحوا فليس لهم عمل، إذن ما قيمتك في الحياة؟ وما تعمل هنا؟ هل خلقك الله من أجل أن تضارب الناس، وتعمل مع هذا مشكلة ومع هذا مشكلة؟ لا يا أخي! لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات وأملأ الوجه بشراً حين مقدمه كأنما قد حشا قلبي مودات كم من ابتسامة لقي الرجل بها أخاه المسلم دفعت هذه الابتسامة وهذا السلام شروراً عظيمة جداً كان يمكن أن تتولد ويصير فيها قتل، كثير من الناس الآن في السجون بسبب القتل؛ لأنهم طوروا القضايا وكانت (حبة) وجعلوها (قبة)، كانت كلمة فضخمها المنافقون وأعداء الله الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، يأتون إلى هذا فيقولون: ماذا قال فيك فلان أمس؟ ماذا فعلت به؟ والله قال فيك وفيك، وبعد ذلك يذهب هذا إلى ذاك، وحرش بين الناس، وهذا هو النمام الذي قال الرسول ﷺ فيه: (لا يدخل الجنة نمام) والنمام هو: الذي ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، لكن الذي ينقل الكلام بين الناس على جهة الإصلاح ليس بنمام ولو حلف بالله. لو سمعت مثلاً أن زيداً وعمرواً من الناس في القرية حصل بينهما اليوم سوء تفاهم، من أجل حدود، أو حطب، أو ماء، أو أولاد، أو أي غرض، لما سمعت قلت: والله لا يمكن أن أترك هؤلاء متباغضين، ذهبت إلى واحد منهم الذي بدأ بالشر، فتقول: يا أخي! ما الذي حصل بينكم؟ قال: والله حصل، وحصل وعمل، تقول يا أخي! أنا جئتك من عنده الآن، وهو متأسف جداً، ويريد أن يقابلك الآن، ولو الخطأ منك لكن يقول: لا. لا يمكن أبداً أن يغضب عليّ، ولو أقسمت له بالله لو قال: بالله، أو والله، فإن قسمك هذا يعتبر طاعة لله، ولا تأثم به، بل تكسب به أجراً من الله ؛ لأنه إصلاح، يقول الرسول ﷺ : (ليس الكذاب الذي يصلح بين رجلين فيقول خيراً أو ينمي خيراً) ليس بكذاب هذا، ولا فاجر بل هو مصلح لله ، ثم تذهب إلى آخر فتقول: ماذا حصل؟ وتعطيه هذا الكلام، تجدهم في الصباح يلتقون، فيحاول كل منهما أن يبدأ بالسلام. لكن أن تشحن هذا مثل الكهرباء، وتشحن هذا، وتأتي في اليوم التالي وإذا بهما يقتتلان، وتصير فتنة، لماذا؟ لأن النمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة، فأول صفة من علامات محبة الله لك أن تكون ذليلاً وأنت أعرف بنفسك، إن كنت ذليلاً على المؤمنين ومتواضعاً للمؤمنين، تحب المؤمنين. الر

стр. 124

علامة المحبة الثانية: إظهار العزة على الكافرين قال تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] تنظر إلى اليهود والنصارى والمنحرفين نظرة الإذلال والإهانة؛ لأنك تنظر لهم من علياء الإيمان، ومن عزة العقيدة، ومن قوة الدين، فترى أنهم أعداء لله، يكذبون على الله، وينكرون الله، ويكفرون بالله، فكيف تعزهم؟! كيف؟! ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] لأنهم يقيسون الناس بمقياس العقيدة، هل هو مؤمن؟ يعزونه ويذلون له، وأما الكفار فيذلونه ويستعلون عليه، وهذه صفة أهل الإيمان. لكن الآية انعكست اليوم، لما عشنا في زمن ضعف الدين، أصبحت القضية بالعكس، إذا جاء كافر أو خبير أو أجنبي، ترى الناس كلهم: هذا بريطاني، وهذا أمريكي، وهذا من الدول المتطورة، وهذا من الدول المتقدمة. وإذا أتى مسلم من تهامة أو صحراء أو بادية، والله إن قدم هذا المسلم أفضل من مليون وجه من وجوه الكفار، والله إن قدمه الحرشاء المقطعة من الجبال أفضل من وجوه هؤلاء الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لماذا؟ لأن هذا يؤمن بالله. لو أتيت إلى هذا الإنسان التهامي الضعيف فتقول له: من ربك؟ قال: ربي الله، قال: لا إله إلا الله! لكن تعال عند هذا الملعون وهذا الكافر تقول: من ربك؟ ما دينك؟ ديانته كافر ملعون نجس كالخنزير والكلب، وأنت تعزه، وتخاف منه، وتكرمه، لا إله إلا الله! هذا إذا أكرمته فإن الله لا يحبك، وإذا أعززته فإن الله لا يحبك، لكن إذا أهنته وأذللته ونظرت إليه بنظرة الاحتقار والازدراء؛ يحبك الله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 125

علامة المحبة الثالثة: الجهاد في سبيل الله قال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٥٤]، والجهاد في سبيل الله هو: أعلى مراتب الدين، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ ولما قال: (وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) والجهاد كما يقرر العلماء ينقسم إلى أربعة أقسام: أولاً: جهاد النفس. ثانياً: جهاد الأهل. ثالثا: جهاد العشيرة والمجتمع. رابعاً: جهاد الكفار.

стр. 126

جهاد النفس جهاد النفس هذا دائم؛ لأنه مستمر، فأنت مع نفسك في جهاد، يقول الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فلو أنك ماليتها قالت: والله لا تذهب، أنت عندك خير وأنت في خير، والحمد لله، والشيطان يزكي هذا الموضوع ولا يريدك تأتيه، لكن لو أتيت تمالي نفسك، تقول لك: هناك سمرة عند آل فلان، وهناك لعب وهناك قالت: لا تفوتك الفرصة، وجاء الشيطان وقال: ماذا عليك يا رجل؟! لكن لا تمالي النفس ولا تستشر الشيطان، وإنما إذا جاءك أي إيحاء أو وسواس يدلك على أمر خير فاعلم أنه من الله، وإذا جاءك أي إيحاء أو أي شعور على أمر شر فاعلم أنه من الشيطان. أضرب لك مثالاً: وأنت جالس في بيتك، والمصحف أمامك، وبعد ذلك نظرت إلى المصحف وإذا لم يكن عندك شغل فرصة أن تقرأ؛ لأن في كل حرف عشر حسنات، سطر واحد فيه عشرة حروف بكم؟ بمائة حسنة، سطر واحد فيه عشرون حرفاً بكم؟ بمائتي حسنة، وأنت تحب التجارة مع الله، فمددت يدك، فلما مددت يديك وأخذته، هذا الدافع من الله، فحين تفتح وتقرأ عشرة أسطر، أو صفحة أو صفحتين، يأتيك نوع من الضيق؛ ويأتيك دافع بأن قف، أو نم، أو تكلم، أو اضحك، أو اتصل فتلك من إبليس، لا يريدك أن تقرأ. فعندها استعذ بالله واقرأ، وكلما شعرت بأنك تريد أن تتوقف استعذ بالله، واقرأ إلى أن يأتيك أمر لا بد لك منه، مثل ماذا؟ إما أن تقوم إلى فريضة، أو إلى نوم، أو إلى طعام، أو تذهب إلى مصلحة دينية أو دنيوية، أما أن تترك المصحف وتقعد كذا، لا قراءة ولا عمل فهذه من الشيطان، فهنا جهاد النفس، تجاهد نفسك بالليل والنهار في كل وقت، تجاهدها بصلاة المغرب والعشاء والفجر مع الجماعة، وتجاهدها إذا رأيت امرأة، فتغض بصرك، وإذا سمعت نغمة أو أغنية فتصون سمعك، وتجاهدها عندما يعرض لك ريال بالحرام فلا تأكله مهما كانت حاجتك؛ لأنك تصبر على الفقر، ولا تصبر على النار، فأنت في حاجة إلى جهاد مع النفس.

стр. 127

جهاد الأهل أما جهاد الأهل، والزوجة، والأبناء، والوالد، والأم فهذا كله جهاد، لكن يلزمك أن تجاهد كل شخص بأسلوب، جهادك لزوجتك ليس مثل جهادك مع أبيك، لماذا؟ لأن زوجتك فأمرك عليها، أما أبوك فأمره عليك. فالذي فوق تسترضيه وتستعطفه، والذي تحت تجبره، إن صلح بالطيب وإلا بالغصب، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] وقال بالنسبة للوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] إذ هما كافرين ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فإذا كان الله يأمر بمصاحبة الوالدين الكافرين بالمعروف، فإن مصاحبة الوالدين المسلمين بالمعروف أولى؛ لأن من الشباب الطيب من يعامل والديه معاملة سيئة، بل قد شكا إليّ أكثر من رجل من أولاده، يقول: أولادنا طيبون صالحون لكن عصاة عندنا والله لا يعطيني إصبعه، وإني أبحث عنه أربعاً وعشرين ساعة، أريده أن يأتي لي بماء فلا أراه، أريده أن يأتي لي بالغاز فلا أراه، أريده أن يقضي لي حاجتي في البيت فلا أراه، أريده أن يدرس إخوانه فلا يدرسهم، وإنما لا أراه إلا يأكل ثم يخرج. فهذا فاشل ولو كان داعية، ولو كان فيه خير لكان خيره لأهله، إذا كان فاشلاً في استصلاح أبيه وأمه وإخوانه فسيكون في استصلاح غيره أفشل، وإذا أردت أن تكسب أباك، أو أمك بالدعوة أن تكسب أهلك كلهم فأولاً: يجب أن تعطيهم، حتى تأخذ منهم، أما أن تدخل البيت قائلاً: حرام، حلال، ممنوع، لا ينفع، ثم تخرج، وتصدر أوامر ثم تخرج، فهنا لا أحد سيطيعك، لكن اجلس في البيت أولاً، ولازم أباك، وكن معه، وكل عمل يريد أن يقوم به تقول: لا والله لا تسير إلا وأنا قبلك، فحين يريد أن ينزل إلى السوق ليشتري لوازم البيت تقول: لا. أنا أذهب عنك، يريد أن يأتي بغاز تقول: والله لا تحملها، أنا أحملها، يريد أن يأتي بماء، تقول: والله أنا أذهب، يذهب إلى أي عمل ليعمله هو، قل: لا. لا تعمل شيئاً، أنا خادمك، أنا قدمك تسير عليها يا أبت، إذا لم أنفعك اليوم فمتى سيكون؟ فلو أنك عملت هذا الكلام قبل أن تأمره أو تنهاه، وقبل أن تقول له شيئاً، خلال شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أربعة أشهر، أصبحت سمعه وعينه، وقلبه، تقول: يا أبت! نذهب كذا، يقول: هيا يا ولدي! الله يبارك فيك، تقول: يا أبي! هناك ندوة في مكان كذا، فيقول لك: هيا نذهب يا ولدي، لماذا؟ لأنه يعتبر الدين الذي هداك وأصلحك له، كسب ويريد أن يكون متدين هو أيضاً، لكن عندما يراك شارداً منه ولو كنت تذهب في مجال الدين، ومع أهل الخير، ولكن لا يراك؛ يكره الدين، يقول: والله ما أفسد عليّ ولدي إلا الدين، والله ما أفسد عليّ ولدي إلا هؤلاء، يذهب معهم الليل والنهار ولا أراه، فيضطر إلى أنه يتخذ موقفاً من أهل الخير بناءً على سلوكك أنت، ففشلك في استصلاح والدك أثر حتى على دينك، وجعله يستقطب عداوته للدين، ويؤثر الأب على الإخوان، وتفشل في إصلاحهم ويؤثر الأب على الأم فتقف ضدك. يقول لي أحد الشباب: وقد نصحته يوماً من الأيام في هذا الموضوع، فذهب إلى البيت وأمه طبعاً مسكينة عندها أولاد وعندها بنات ولكن أولادها صغار، وبناتها صغار وهي تعاني من الحمل والوضع، فقلت له: ماذا تفعل في البيت؟ قال: لا شيء، قلت: لا تتركها تغسل صحناً واحداً، منذ أن تنهوا طعامكم، لا تقم لتغسل يديك وتقعد على سريرك، بل ارفع الأواني واجمع الصحون مع بعضها وارفع السفرة، وقل: والله لا تغسلين، أنت طبختي كثر الله خيرك، لكن الغسيل ليس فيه مشكلة فأنا سأغسل الصحون والأواني، والله إن هذا العمل دين تتقرب به إلى الله. فمارس هذا الأمر معها هي تحلف وهو يحلف، المهم انبسطت منه، وحين يقول لها أي شيء، تقول: حسناً يا ولدي الله يوفقك، لماذا؟! لأنه خدمها، أعطاها شيئاً فأخذ منها أشياء، أما كونك تريد أن تأخذ ولا تعطي، فهذه سلبية لا يمكن أن يوافقك الناس عليها. الجهاد جهاد الأهل، بالنسبة للأم والأب، وبالنسبة للأخوة اللطف، والصبر، والحكمة، والإحسان؛ لأن أخاك مثلك إذا أتيت تأمره يقف ضدك، ولو أن أخاك اهتدى قبلك، ثم مارس عليك أسلوب القوة والقصر، وأنت قبل أن يهديك الله لرفضت، لكن الله هداك فاشعر بنعمة الله عليك لاستصلاح إخوانك، وأما زوجتك وأولادك فينبغي لك أن تمارس معهم الحكمة والوعظ والإرشاد واللطف، لكن إذا رفضوا فعليك بالقوة؛ لأن لك سلطة عليهم.

стр. 128

جهاد العشيرة والمجتمع جهاد الدعوة للعشيرة وللقبيلة أو للمنطقة التي تعيش فيها، وهذه أسلوبها قد بينه الله بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] لأن عليك أن تبشر بدين الله، والمبشر بدين الله يحبب الناس لدين الله ولا يكرهم فيه، يحببه إليهم بالعبارة بالبسمة بالأسلوب بالكلمة، والله يقول لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ﴾ [طه:٤٤] أي: لفرعون، والله يعلم أن فرعون كافر، وأنه لم يهتد، لكنه يسن للناس سنة الدعوة فيقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. والله يقول عن محمد ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلا بد من الأسلوب الطيب والدعوة والصبر والحكمة، والدعاء لهم ادعهم في النهار، وادع الله لهم في الليل، حتى يستجيب الله الدعوة. أما من الناس من يدعو، فإذا رفض الناس، قال: هؤلاء ليس فيهم خير، ولم يعد، وانفصل عنهم، لا يا أخي! ليس عليك هدايتهم، فالهداية بيد الله. أنت عليك البلاغ، والهداية على الله، أنت تريد أن يكون الله على كيفك بمجرد أن تدعو يستجيب الناس لك، لا. يجب أن تكون أنت على مراد الله ﵎، عليك أن توصل ما عليك والله هو الذي يعلم النتائج، إن رأى أن هذا أهلاً للهداية هداه، وإن علم أنه ليس أهلاً للهداية لم يهده، والله يقول للنبي ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] فالهداية بيد الله .

стр. 129

جهاد الكفار يبقى المرتبة الرابعة والأخيرة: وهي أغلى وأعلى منزلة من مراتب الدين، وهي منزلة جهاد الكفار بالسنان والحرب والقتال، وهذه أعلى مرتبة، من استطاع عليها وذهب ليقاتل في سبيل الله فإنه شهيد، والشهادة: هي أقرب طريق إلى الجنة، كما قال ﵊: (إن في الجنة مائة درجة تحت درجات الأنبياء لا يبلغها إلا الشهداء) والله يقول: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩]. هذه المرتبة أو العلامة الثالثة من علامات محبتك لله، أن تكون مجاهداً في سبيل الله مجاهداً لنفسك مجاهداً لأهلك مجاهداً لجماعتك بالحكمة والموعظة الحسنة، في سبيل الله، تستغل كل فرصة، وتدخل على الله من كل باب، وتغتنم كل مناسبة، من أجل نصرة دين الله، ومن أجل دعوة الناس إلى الله، فأنت ممن يحب الله ﵎.

стр. 130

علامة المحبة الرابعة: عدم الخوف من غير الله ألا تخاف في الله لومة لائم، وأن تجعل الهدف الأول والأخير هو رضا الله، فإذا رضي الله عنك فلو لامك أهل الأرض كلهم ما عليك، لماذا؟ لأن الحياة بيد الله، والموت بيده، والرزق بيده، والرفع بيده، والخفض بيده. والله لو أن الناس كلهم رضوا عنك، والله قد سخط عليك لا ينفعونك مقدار حبة خردل. ولو أن الناس كلهم قد سخطوا عليك، والله راضٍ عنك فلن يضروك بشيء، ولهذا جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد! أعطني، فإن مدحي جميل، وذمي قبيح، يقول: أعطني وزود فإن مدحي جميل إذا مدحتك رفعتك، وذمي قبيح، إذا ذممتك وضعتك، قال: (كذبت! ذاك هو الله) الذي مدحه جميل وذمه قبيح، إذا مدحك ربي فأنعم بها، وإذا ذمك ربي فوالله لست جميلاً ولو أثنى عليك الناس كلهم؛ لأن الناس لا يمنعونك من الله، ولكن الله يمنعك من الناس كلهم. إذا كان الله معك فمعك كل خير، وإذا فاتك الله فاتك كل خير، هذه الرابعة ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 131

علامة المحبة الخامسة: حسن الاقتداء بالنبي ﷺ والخامسة: متابعة النبي ﷺ ؛ لأن الله امتحن الناس بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] فهذه علامة محبة الله وهي: اتباع الرسول ﷺ ، فهذا امتحان، يقول ابن عباس: [امتحن الله العباد بهذه الآية] اختبرهم بها فقال: قل إن كنتم تدعون وتزعمون أنكم تحبون الله، ماذا؟ ((فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) [آل عمران:٣١]، فانظر أين أنت من الرسول ﷺ ، وأين أنت من هديه، وطبعاً الرسول ﷺ سنته واضحة بين أيدينا الآن، والله ما من خير إلا دل الأمة عليه، ولا من شر إلا حذر الأمة منه، وما من أمر إلا وهو معلوم عندنا، كيف كان صلوات الله وسلامه عليه، ينام ويستيقظ ويسير في الشارع، ويأكل، ويدخل الخلاء ويخرج منه، ويلبس، ويتكلم كل هديه موجود في السنة، وأعظم كتاب أدلكم عليه للتزود منه هو: (زاد المعاد في هدي خير العباد) صلوات الله وسلامه عليه لـ ابن القيم، أي: هدي الرسول ﷺ في كل شيء، هديه في العقيدة، والعبادة، والسلوك، والمعاملات، والآداب، هديه في كل شيء موجود في هذا الكتاب. فإذا اتبعت الرسول ﷺ وسرت على هديه ورفعت رأسك بسنته فأنت ممن يحب الله والله يحبك، وإن كنت ترفع رأسك بشيء غير سنة النبي ﷺ ؛ فاعلم أنك لا تحب الله، ولا الله يحبك أيها الإنسان! هذه الخمس علامات وأعيدها: أولاً: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم، يتابعون الرسول ﷺ ، من توفرت فيه هذه الخمس الصفات، فليعم أن الله يحبه؛ لأن الله قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ما صفاتهم يا ربي؟! قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] وقال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. فمن توفرت فيه هذه الخمس الصفات فقد أحبه الله وليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت ويدخله الله دار الأحباب؛ لأن من أحبه الله لم يعذبه. بالله عليك! هل تستطيع أن تعذب حبيبك، فلذة كبدك ولدك؟ من الآباء من يدعو على ولده، ومن الأمهات من تدعو على ولدها وهذا مخالف للشرع؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا تدعوا على آبائكم، ولا أبنائكم ولا أموالكم فقد توافقون ساعة إجابة) تجد الأب يدعو على ولده، افرض أنك قلت الكلمة واستجاب الله لك. يمكن أن توافق الدعوة وقت إجابة، ثم أصابه ربي نتيجة الدعوة فمن الذي سوف يصاب مع ولدك؟ أنت، فكأنك دعوت على نفسك، فبدل أن تدعو عليه، قل: اللهم أصلحه، اللهم اهده، الكلمة الطيبة صدقة، وبدل أن تقول: اللهم دمره، قل: اللهم أصلحه، اللهم سدده، اللهم وفقه؛ لأن الولد إذا سمعك تدعو عليه، عرف أنك عدو، فقال: الله أكبر على والدي، كلما فعلت شيئاً دعا عليّ، فيبادلك الشعور بالكراهية، لكن حين يسمعك ولدك وأنت تقول: اللهم اهده، اللهم وفقه، عرف أنك تحبه؛ لأنك تدعو له، ولا تدعو عليه، ولهذا لا تدعوا على أبنائكم، فأنت مهما دعوت على ولدك لا تحب أن يناله مكروه. ولهذا في غزوة بني ثقيف، لما فصل الرجال عن النساء من السبي والأسرى، وهاج الناس، فامرأة من الناس أضاعت رضيعاً لها، ولما جاء السبي قامت تبحث بين الأطفال وبين الأولاد، فلما أن وجدته ورأته أخذته وغارت عليه في غاية العطف والحنان، ثم ألصقته بثديها، وحنت عليه وجلست تبكي عليه؛ لأنها بعد المعركة وبعد الحرب ما وجدته إلا بعد تعب، فلما رآها النبي ﷺ قال: (أرأيتم هذه؟ قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: هل ترونها تلقي ولدها في النار؟ قالوا: لا. يا رسول الله! قال: والله إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها) الله رحيم بالعباد ﵎، ولا يعذب من يحب، ولكن الذي يبغضه الله يعذبه. الذي يبغضه الله؛ -لأنه أبغض الله- يعذبه الله ، فتعرض يا أخي لمحبة الله .

стр. 132

الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد أما كيف يحبك الله؟ وما هي الأسباب الموجبة والجالبة لمحبة الله؟ فهي عشرة أسباب ذكرها - ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين:

стр. 133

كثرة قراءة القرآن إن من يكثر من قراءة القرآن يحبه الله، لماذا؟ لأن القرآن هو خطاب الله، كما جاء في الحديث: (من أراد أن يناجي ربه، فليقم إلى الصلاة، أو ليقرأ القرآن)، فالقرآن هو خطاب الله الموجه لك، فكأنك بقراءة القرآن تخاطب ربك، ودائماً المحب يحب أن يكثر الكلام مع من يحب. أنت لا تريد أن تقصر العبارات إلا مع الذي تبغضه، أليس كذلك؟ إذا كان هناك شخص تبغضه -مثل إبليس- وجاء يريد أن يتكلم معك هل ستقعد تتكلم معه أم ستقصرها؟! لأنك تبغضه ولا تريد كلامه، لكن إذا كنت تحبه، بل الذي تحبه كلما أراد أن ينهي كلامه تقول: يا شيخ! دعنا نتكلم قليلاً طول قليلاً لو سمحت، لماذا؟ لأنك تحبه، وتحب كلامه، وتحب الأنس به، ولذا موسى ﵇ كان يحب الله، فلما ناجاه وخاطبه عند الطور، قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] كان في إمكان موسى أن يقول عصاي، أي: الجواب على قدر السؤال، ما هذه يا موسى؟! عصاي، لكن ماذا قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أطال الجواب، لماذا؟ قال العلماء: إنه من محبته لله، يريد أن يكثر الكلام مع الله . فالذي يكثر الكلام مع الله عن طريق القرآن، ويحب تلاوة القرآن باستمرار مع التدبر والتمعن هذا دليل على محبة الله، ومن أعظم موجبات محبة الله، ولذلك يا مسلم! اتق الله في نفسك، وأحيِ قلبك، وحبب نفسك إلى الله بكثرة تلاوة القرآن، واجعل في جيبك مصحفاً، واجعل عند رأسك عند السرير مصحفاً، واجعل في السيارة مصحفاً، واجعل في المكتب مصحفاً، وكلما وجدت فرصة واحدة مد يدك إلى المصحف واقرأ، وستجد في أول الأمر عندما تريد التلاوة نوعاً من الانقباض من الشيطان، لكن قل: أعوذ بالله منك يا عدو الله، ألعنك بلعنة الله ورسوله؛ لأنه لا يريدك أن تقرأ، فأنت تحرقه بالقرآن أنت تؤذيه، ولكن إذا أتيت تقرأ واستعذت بالله منه، ولعنته بلعنة الله هرب منك، فإذا انشرح صدرك بالقرآن فاقرأ باستمرار، وهذه والله -أيها الإخوة- من أعظم علامات وأسباب محبة الله، يقول الله في سورة يونس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. فإذا أردت أن يحبك الله فإن من أعظم الأسباب محبة الله أن تقرأ كلام الله، وهل في القراءة اليوم صعوبة علينا يا إخوان؟! يا إخوان! كان الأولون يجدون صعوبة في قراءة القرآن، لكنهم كانوا يقرءون، ربما تتذكرون كبار السن الذين كانوا في الماضي يعيشون في القرى فيجلس كل منهم في نافذة بيته قبل وجود الكهرباء، وإذا أشرقت الشمس فتح كلٌ مصحفه وقعدوا يقرءون، تسمع لهم في القراءة دوي كدوي النحل بتلاوة كلام الله ، رغم أن قراءتهم لم تكن مجودة ولكن عندهم إيمان وعندهم خوف من الله، مصحف أحدهم في خرقته، وإذا لم يجد كهرباء، يرقب كهرباء رب العالمين، فإذا أشرقت الشمس فتح المصحف وقعد يقرأ، حال الناس هكذا، لكن اليوم لا، المرأة تقرأ -كافحنا الأمية- والبنت تقرأ، والولد يقرأ، والأب يقرأ، كلٌ يقرأ لكنهم لا يقرءون القرآن، يقرءون الجرائد، والمجلات، والمقررات والمنهاج الدراسية، والمصحف لا أحد يمسّه لا أحد يقرأ إلا القليل يا إخواني! فإذا أردت أن تنال محبة الله؛ فاقرأ القرآن وطبعاً نحن نعني بالقراءة: قراءة التدبر والتأمل وفهم المراد من الله ، المراد بالقراءة: القراءة الشرعية التي تتدبر فيها كلام الله، وتعرف مراد الله؛ وماذا يريد الله من كلامه. أما أن تقرأ ولا تفهم فمثلك كمثل الببغاء الذي يقرأ ولا يفهم، لا تنفعك هذه القراءة، بل رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، كيف؟ قالوا: يدعو على نفسه ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] وهو كذاب فيلعن نفسه. أو ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٨] وهو ظالم فيلعن نفسه، فلا -يا أخي- اقرأ وتدبر واعمل بالقرآن. هذا أول سبب من أسباب محبة الله.

стр. 134

التقرب إلى الله بكثرة النوافل جاء حديث في صحيح البخاري يقول الله : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بعمل أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) فلا يمكن أن يحبك الله إلا إذا تقربت إليه بكثرة النوافل، لا كما يصنع كثير من الشباب اليوم يصلون الفريضة ويتركون السنة، النافلة، لماذا؟ قال: هذه سنة، ما معنى سنة؟ أيعني بدعة؟ أيعني مكروهة؟ أتضيعها لأنها سنة؟ إن مضيع السنة ضاع، من رغب عن السنة رغب عنه النبي ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني). كثير من كبار السن يصلون الفريضة والسنة وهم لا يقرءون، لكن الشباب الذين يقرءون الحاصلون على شهادات جامعية يصلون الفرض ثم يخرجون، صلِّ السنة يا أخي! قال: يا رجل! هذه تعب، إنما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. لا، بل يعاقب، ثم يعاقب، ثم يعاقب، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أصر على ترك الراتبة والنوافل فهو فاسق ترد شهادته. فإذا جاء يشهد وهو لا يصلي السنة يقال له: ارجع أنت لست عدلاً؛ لأن من ترك السنة ترك الفريضة، فإن أول خطوة في طريق الانهزام أن تصلي الفريضة فقط، وبعد ذلك إذا ضعفت ماذا تفعل؟ هل معك غير الفريضة؟ سوف تضيع الفريضة، ولذا هذا شيء مجرب، من ترك سنة ترك الفريضة ولو بعد حين، أما المسلم! فلا. يصلي الفريضة، ويصلي الراتبة، ويصلي النوافل، ويتحبب إلى الله بكثرة النوافل، وكلما لقي فرصة من الخير زاد فيها، إما في نافلة صلاة، أو صيام، أو زكاة، أو حج، أو عمرة، أو بأي نافلة من النوافل التي لم يفرضها الله عليه، لماذا؟ لأنه يطلب محبة الله: (وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) هذه الثانية.

стр. 135

المداومة على ذكر الله الثالثة من علامات أو أسباب محبة الله، وأريدكم أن تحفظوها -يا إخواني- لأننا نريد مناهج عملية لا نريد ندوات، ولهذا أنا أحرص باستمرار في الكلمات أن آتي بواحد، اثنين، ثلاثة، أربعة؛ من أجل أن يخرج الواحد بشيء يفيده. الأول شيء: قراءة القرآن. الثاني: كثرة النوافل. الثالث: دوام ذكر الله؛ لأنك إذا ذكرت الله ذكرك الله، وإذا ذكرك الله أحبك، يقول الناظم: وداوم ذكره في الأرض دوماً لتذكر في السماء إذا ذكرتا وفي الحديث يقول الرسول ﷺ : إن الله يقول: (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، وكنت إليه بكل خير أسرع). فأكثر من ذكر الله، واجعل لسانك حياً، لما جاء عبد الله بن بشر ﵁ -والحديث في سنن الترمذي - وقال: (يا رسول الله! كثرت عليّ شرائع الإسلام فأخبرني بعمل أتشبث به، واخفف عليّ -يقول: لا تكثر، شيبة ومعلوماته محدودة، ويريد الجنة، وكثرت عليه الأوامر- فقال له النبي ﷺ : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله). وهذا من جوامع كلم النبي ﷺ ، إذ أنه إذا كان دائماً مع الله هل سيترك الفريضة؟ هل سيعصي الله؟ هل يزني وهو يذكر الله؟ هل يأكل حراماً وهو يذكر الله؟ كلا فقد أعطاه القيد، أعطاه السور العام للإسلام وهو: كثرة الذكر، فإن ذكر الله كان معه، فأكثر من ذكر الله ﵎، ولا تفتر من ذكر الله، وطبعاً الذكر كما سبق أن قلت للإخوة ليس مجرد الذكر اللساني فقط، وإنما ذكر أوامر الله بالإتيان بها، إذا أذن وأنت في البيت وقمت إلى الصلاة كنت ذاكر لله، لكن إذا أذن وأنت في البيت وجلست سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ولكن لم تأت لتصلِ فأنت كذاب، أتسبح الله وأنت قاعد في البيت؟ فاذكر الله وتعال للصلاة؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] فلا ينفعك أن تذكر الله بلسانك وأنت تعصي الله بجوارحك، هذا ذكر الله عند ورود أمره، وذكر الله عند نهيه، إذا رأيت وأنت ماشٍ في الشارع امرأة متبرجة وغضضت بصرك؛ فأنت ذاكر لله، لكن لو تلفت فيها وقلت: سبحان الله والحمد الله، فأنت: كذاب، تذكر الله بلسانك وعينك في الحرام. فعليك أن تذكر الله في كل الأحوال والمناسبات، في دخولك المسجد -بعض الناس يدخل المسجد فيقدم رجله اليسرى، ويدخل الحمام فيقدم رجله اليمنى، فيجعل المسجد حماماً والحمام مسجداً، فهذا خطأ، فهناك آداب في الشرع يا أخي! إذا أتيت المسجد قف أولاً، واعرف أن المطلوب منك أن تقدم رجلك اليمنى، وإذا أردت أن تقدم رجلك اليسرى، والعكس في الحمام، إذا أردت أن تدخل أن تقدم رجلك اليسرى، وإذا خرجت أن تقدم رجلك اليمنى. بعد ذلك هناك ذكر حين تدخل المسجد: باسم الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، واغفر لي ذنوبي، وإذا خرجت تقول: باسم الله، اللهم افتح لي أبواب فضلك -هنا رحمة وخارج فضل- واغفر لي ذنوبي، أما في الحمام فعندما تدخل تقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم، والخبث والخبائث. وإذا خرجت تقول: غفرانك، الحمد لله الذي أخرج مني الأذى وعافاني. هذه أذكار لا بد أن تتعلمها واحدة واحدة. أما إذا جئت تنام، ماذا تقول وأنت على جنبك؟ إذا أتيت تستيقظ ماذا تقول؟ إذا لبست ثوبك ماذا تقول؟ إذا سمعت الرعد ماذا تقول؟ إذا سمعت نزول مطر ماذا تقول؟ إذا هبت الرياح ماذا تقول؟ إذا صاح الديك ماذا تقول؟ إذا نهق الحمار ماذا تقول؟ كل شيء فيه ذكر، إذا عرفت هذا كله تصير ذاكراً لله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] هذا ذكر الأحوال والمناسبات. الرابع: ذكر العدد، وهو الذي طلب الشرع منك أن تذكره بعدد معين، مثل: (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة في يوم؛ غفر الله له ذنوبه ولو كانت كعدد رمل عالج، أو كعدد ماء القطر، أو عدد ماء البحر) إذا قلت مائة مرة كل يوم: سبحان الله وبحمده، هذا في صحيح مسلم، والحديث الآخر يقول ﵊: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) بعد كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، الحمد لله ثلاثاً وثلاثين، الله أكبر ثلاثاً وثلاثين، هذه عدها واحد من الإخوان فوجدها تأخذ دقيقة وأربعين ثانية؛ لأنه كان هناك ساعة أمامه. طبعاً يقولها بإخلاص، إذا قالها بغير إخلاص لا تنفعه، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، يقولها في دقيقة وأربعين ثانية، ويغفر الله له ذنوبه إن شاء الله، ولكن بشرط يقولها الآن بعد العشاء ويقولها في الفجر لا يستعجل الفجر ويذهب من أجل أن ينام، ويقولها في الظهر لا يستعجل لكي يذهب السوق أو يذهب إلى العمل، ويقولها في العصر، كل صلاة (من قال عقب كل صلاة) وإذا داومت عليها عقب كل صلاة أحيا الله قلبك، وحببك إليه، فكثرة ذكر الله -أيها الإخوة- مطلوبة جداً. ودوام ذكر الله في كل الأحوال، هذه ثلاثة أسباب من أسباب حصول محبة الله ، يبقى سبعة لا يتسع المقام لذكرها على التفصيل ولكني أذكرها بالإجمال وهي:

стр. 136

تقديم محبة الله على محبة النفس كل ما يحبه الله تقدمه على محبة نفسك؛ لأن الرسول ﷺ يقول: والحديث في الصحيحين (ثلاث من كن في قلبه وجد بهن حلاوة الإيمان -الأولى: - أن يكن الله رسوله أحب إليه مما سواهما) أي: أن تكون أوامر الله وأوامر رسول الله مقدمة ومحببة إلى نفس الإنسان مما سواهما من محبة غيرهما، فهذه علامة وسبب من أسباب محبة الله.

стр. 137

التفكر في حقائق الأسماء والصفات أن لله أسماء وله صفات ﵎، له الأسماء الحسنى وله الصفات العليا، والتأمل فيها يوحي بمعانٍ في قلبك، فأنت لما تسمع أن من أسماء الله العزيز، يندرج من هذا المفهوم أن تكتسب العزة منه؛ لأنك عبده، وعبد العزيز عزيز، ما تذل نفسك، إلا لأوليائه. إذا عرفت أن الله رحيم، انعكس من هذه الصفة رحمة في قلبك على عباد الله . المهم أنك تتأمل في كل صفة وتكتسب منها ما تستطيعه، وأيضاً تقذف في قلبك هذه الصفة، إذا عرفت أن الله قوي، تيقنت في قلبك أن الله قوي، إذا عرفت أن الله ذو انتقام لم تعصه، إذا عرفت أن الله يغضب على من عصاه لم تتعرض لمساخطه، فهذا التأمل يجعلك محبباً إلى الله .

стр. 138

التفكر في نعم الله التفكر في مظاهر البر والإحسان والنعم التي تحيط بك -أيها الإنسان- ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. ولو تأملت -يا أخي- جزئية من جزئيات جسمك لوجدت أن فضل الله عليك عظيم ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣]. أنت تدخل الآن في فراشك وتنام، وفيك أجهزة من رأسك إلى قدمك، لو تعطل عليك جزء واحد أو جهاز أو عرق أو عظم أو مفصل لتغيرت حياتك كلها، بعض الناس يصيبه وجع في سن من أسنانه، أو ضرس فيتورم ضرسه ولا يستطيع أن يأكل، أو يشرب، أو ينام، وإذا سألوه قال: كل شيء إلا الضرس، لماذا؟ لأن ضرسه يؤلمه، فإذا سلم ضرسه وجاءه مغص في بطنه وقعد يتلوى ويوعك قال: كل شيء إلا هذه البطن، فإذا سلم بطنه وجاءه صارف في عينه، قال: كل شيء إلا العين، فالعين جوهرة، وددت لو أن كل شيء فيّ سقيم إلا عيني، فإذا سلمت عينه وجاءه صالب في ركبته قال: إذا أصيبت الركب فلا أستطيع أن أمشي أو أقوم، المهم لا يهون عليك من جسمك شيء، حسناً الآن وأنت نائم على فراشك جهازك السمعي يعمل، وجهازك البصري يعمل، وجهازك التنفسي يعمل، وأسنانك سليمة، وعروقك جارية، ومجاريها كلها سليمة، وقلبك، ورئتك، وكلاك، ومعدتك، وأمعائك، والبنكرياس، والكبد محلها تعمل، كم جهاز وآلة وعضو؟! كلها تعمل، والله هو الذي يسيرها لك، فهذه نعمة أم لا؟! ثم تنظر بعد هذا وأنت تتقلب على فراشك في العافية، وتنظر إلى زوجتك معافاة وأولادك معافون، آمن في سربك، معك قوت يومك وليلتك وشهرك وسنتك، بل بعضهم معهم قوت سنين، فهل هذه نعمة أو ليست نعمة؟! فمن الذي أنعم بها عليك؟ الله ، فلو تفكرت فيها وقلت: اللهم لك الحمد يا رب، تدخل بابك بعد صلاة العشاء، وتجد أن أولادك كلهم في البيت وتغلق عليك الباب، لا تخاف من أحد يطرقك، أو يغضبك أو يقتلك، أو يسرقك، وبعد ذلك تدخل البيت وتجد أنه لا ينقصك فيه أي شيء، كان الناس في الماضي يدخل الشخص بيته والأسى واللوعة والحسرة تعتصر قلبه، لأنه لا يجد عشاء لأولاده، فجيبه فاضٍ، والسوق فاضٍ، وليس هناك شيء. فيما مضى كان الشخص يهرب من الضيف فإذا جاء الضيف الكل يغلق بابه، ليس بخلاً ولكن لا يوجد شيء يضيفونه به، لكن اليوم يدخل الشخص يجد أن بيته فيه كل شيء، الثلاجة مليئة باللحوم، والأسماك، والدجاج، والطيور، والمعلبات، والخيرات، والبركات، والجيب ممتلئ، ولو نقص عليه شيء ما يتحرك من بابه، ويركب سيارته، ويذهب إلى أقرب دكان أو أقرب بقالة حتى إن البقالات لم تعد دكاكين بل صارت مراكز، يقول: مركز تسويق، سوق مركزي، يدخل الشخص وقد جلبت له كل نعم الأرض، اللحوم في زاوية، والفواكه والخضروات في زاوية، والمعلبات في زاوية، واللعب في زاوية، أي: يدخل ويخرج والدنيا كلها في هذا الدكان، من ساق لك هذه النعم؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، فاعرف نعمة الله واشكر الله واعترف بنعمه وقم بعبادته، عندها يحبك الله ﵎ ويزيدك قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فالتفكر في مظاهر البر والإحسان والنعم يحببك إلى الله.

стр. 139

انكسار القلب انكسار القلب وهذه من أعجبها كما يقول ابن القيم ﵀: انكسار القلب وتذلُلِه خصوصاً بعد العمل، حين تعمل عملاً صالحاً ثم تستغفر الله بعده، ولذا شرع الله بعد أن تصلي الصلاة، بعدما تسلم: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، ماذا تقول؟ أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، تستغفر الله؟! أين كنت؟ كنت تعمل جريمة من أجل أن تستغفر؟ لا. تستغفر؛ لأنك تقول يا رب ما عملت عملاً، وما صليت صلاة كما ينبغي سهوت في صلاتي، وغفلت في صلاتي، لم أعبدك حق عبادتك، فأنا استغفرك يا رب! ولهذا يقول الله : ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] طوال ليله قائم وقاعد وراكع وساجد وفي آخر الليل يقول: يا رب! اغفر لي ذنبي ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٨] إذا أفضت من عرفات فاذكر الله ، وتستغفر الله ﵎ بعد كل عمل تقدمه، لماذا؟ لأنك تشعر نفسك بالانكسار وعدم العجب؛ لأنك إذا مارست العبادة وأنت معجب بها ومتكبر أنك أحسن من غيرك، ردها الله عليك، ما هي عبادتك؟ يقول: لا يزال العمل -العمل الصالح- يعظم عند العبد حتى يصغر عند الله، ولا يزال العمل يصغر عند العبد حتى يعظم عند الله، ولا تزال المعصية تعظم عند العبد -يعصي الله معصية بسيطة، لكن يراها كبيرة- حتى تصغر عند الله، ولا يزال العبد يعمل المعصية الكبيرة ويستصغرها حتى تعظم عند الله، وهي مسألة متلازمة، فإذا عظمت المعصية عندك، تكون صغيرة عند ربي، وإذا صغرت المعصية عندك -تعصي الله وتقول: بسيطة- تكون عند الله عظيمة قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. وكذلك العمل الصالح، إذا رأيت أنه جميل عندك فاعرف أنه عند الله قبيح، وإذا رأيت أنه قبيح عندك، وأنه لا يجملك، ولا يبيض وجهك، فاعرف أنه عند الله جميل، فالانكسار والتذلل خصوصاً بعد أداء العمل الصالح هذا من أعظم ما يجعل الله يحبك.

стр. 140

الخلوة بالله أن تخلو بربك ولو لحظة، لا تكن دائماً عابداً مع الناس؛ لأن الصلاة والحج والصوم مع الناس، لكن هناك ساعات ولحظات يجب أن تخلو بالله، وأعظم وقت تخلو به مع الله آخر الليل، إذا أمكنك، وإذا لم يمكنك، فقبل النوم، تدخل غرفتك لا يراك فيها زوجة، ولا ولد، ولا شيء، وتنادي الله وتدعو الله، وتصلي ركعتين وتستغفر الله، وتتوب إلى الله، وتطلب من الله أن يسترك، وأن يمن عليك بنعمه، وأن يوفقك، وأن يحميك، وأن يسددك، هذه خلوة بالله ﵎، هذه خلوة تجعل الله يعلم أن هذا العمل خالص ليس فيه رياء ولا شبهة ولا شيء إن شاء الله.

стр. 141

مجالسة أولياء الله فإنك إذا جلست مع من يحبهم الله أحبك، الآن إذا كان معك زميل تحبه ويحبك، وذهب يجلس مع من تحب، ماذا يحصل لك؟ تحبه أكثر، لكن ما رأيك إذا جلس مع من تكره، لقلت: لو أنه صديق صادق ويحبني لما ذهب وقعد مع الذي أكرهه، هو يعرف أني أكره أولئك ويسمر معهم ويجلس معهم، هذا صديق كذاب، وتبدأ بينك وبينه العداوة وتكرهه، وإذا لامك تقول: يا أخي! أراك كل ساعة مع فلان، ألا تعلم أن بيني وبينه عداوة، وأنهم يكرهونني وأني أكرههم، لماذا تحبهم وأنت صديقي؟! مقتضى الصداقة أن تحب من أحب، وأن تبغض من أبغض. وكذلك -يا مؤمن- يجب أن تحب من يحبه الله وأن تبغض من يبغضه الله، ولذا أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، فتحبب إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتحبب إلى الله بحب أهل الخير. فعليك -يا أخي المسلم- يا من تريد أن تنال محبة الله، وأن تجلب محبة الله إليك، أن تجالس من يحبه الله ﵎، وأن تختار أفضل الكلام؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨]. أنت الآن مثل الذي يجني الثمر من شجرة، فالذي يجني برقوقاً لا يأخذ إلا الناضج الطيب، أو يجني برتقالاً، أو تفاحاً، أو فرسكاً، أو تيناً، لا يمد يده إلا على الشيء الطيب يأخذه، والتي ليست ناضجة يتركها في مكانها، فكذلك أنت في المجالس إذا سمعت كلاماً تأخذ أحسنه، وتختار وتنتقي، لكن بعض الناس لا ينتقي من المجالس إلا أردى الكلام، إذا سمر في مجلس وسمع أخباراً وقصصاً؛ يأخذ أخس قصة، أو أخس كلام ويذهب ليذيعها وينشرها، فهذا -والعياذ بالله- مثل الذباب لا يقع إلا على النجاسات. أما المؤمن فهو مثل النحلة لا تقع إلا على الطيبات، المؤمن كالنحلة إن أكلت أكلت طيباً، وإن بذلت بذلت طيباً، وإن جلست على شيء لم تخدشه ولم تكسره، فهذه النحلة كمثل المؤمن. والمنافق كالذباب إن جاء على شيء لا يقعد على شيء طيب، ولو أنه في الصحراء لا تقر إلا ومعه ذباب، من أين جاء؟ وما يدريه أنه سوف يذهب إلى الصحراء يتخلى؟ فيأتيه، وإن جلس جلس على أنفه، وبعد ذلك يؤذيه يبعده فيعود، ثم يبعده، وبعد ذلك إذا نقل، نقل العدوى ونقل المرض، فمثل المؤمن كالنحلة، ومثل المنافق الفاسق كالذباب، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

стр. 142

اجتناب المعاصي الحرص والابتعاد عن كل سبب مانع يحجبك عن الله حتى لا يكرهك الله وهي الذنوب والمعاصي، فالذنوب حجاب بين العبد وبين مولاه. تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع مقتضى المحبة: الطاعة وعدم المعصية، لكن إذا كان لك صديق، وتقول له: إني أحبك، ولكن لا تطيعه في أي أمر هل يصدقك في محبتك؟ أبداً، لا يصدقك، يقول: الله أكبر عليك وعلى هذه المحبة التي معك، كلما قلت لك: تعال هنا، قلت: من هنا، أين المحبة؟ المحبة أنك تطيعني -يا أخي- أنت في بيتك لو حلفت لزوجتك أنك تحبها، وأنها مثل عينك وفي الصباح قالت: هذا (الزنبيل) فأحضر لنا لحمة، وفاكهة، وأرزاً أعطتك قائمة بالطلبات، فلما رأيت القائمة هذه قلت: والله المحبة في القلوب، أما هذه الطلبات والله إني لأكرهها، أنا أحبك لكن بلا مقاضي، ماذا تقول لك المرأة؟ تقول: (الله يقلعك ويقلع محبتك) والله لو كنت تحبني؛ لكنت أتيت بالمقاضي والطلبات، لكن دليل أنك لا تحبني أنك لا تريد أن تحضر لنا ما طلبنا، وهكذا، فأنت يا من تزعم محبة الله لا بد أن تقدم برهاناً ودليلاً على محبة الله، وهي فعل أوامره، وترك نواهيه. أسال الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم حبه، وحب من يحبه، وحب كل عمل يقربنا إلى حبه، وأن يجعل حبه أحب إلى قلوبنا من الماء البارد على الظمأ، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 143

السيرة النبوية بدأ الشيخ محاضرته بالكلام عن فضل النبي ﷺ على سائر الخلق، واختصاصه بالشفاعة العظمى يوم القيامة في المحشر. ثم بين الشيخ أن سيرة رسول الله منهج لحياة المسلم، وأن دراستها تفيد في كل مناحي الحياة، كما أنها سبيل إلى التعرف على كل التفاصيل التي مرت في حياته ﷺ ، ومنها التعرف على معجزاته والتي ذكر منها الشيخ تكثير الطعام بين يديه، ونبع الماء من بين أصابعه، واطلاعه على أحداث ومواقف لم يحضرها.

стр. 144

بيان فضله ﷺ على سائر الخلق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا الدرس يلقى في مسجد (الشربتلي) في مدينة جدة بعد مغرب يوم السبت الموافق (٢٣ من شهر جمادي الأولى عام ١٤١٧ للهجرة) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهو الدرس الأول من سلسة تأملات في السيرة النبوية. سيرة من؟! إنها سيرة خير البشر، وأفضلهم، وأكرم الخلق، فسير العظماء والأبطال والعباقرة جديرةٌ بالدراسة؛ لاستخلاص العبر، ولأخذ المواقف، لكن سيرة النبي ﷺ أعظم من كل سيرة. إنه ليس رجلاً عبقرياً عظيماً فحسب، وليس بطلاً فقط، يكفيه أنه رسول الله ﷺ ، لكنه ليس رسولاً فقط، بل هو من أولي العزم، بل هو أفضل الرسل على الإطلاق، وخير وأكرم من خلق الله. نادى ربنا ﵎ كل الأنبياء بأسمائهم ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥] ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ﴾ [القصص:٣١] وهذا شيءٌ طبيعي أن ينادي الله عبيده بأسمائهم، فهم وإن كانوا رسلاً وأنبياء إلا أنهم عبيد، والسيد إذا دعا العبد دعاه باسمه، ولكن محمد ﷺ ما ناداه ربه باسمه في القرآن، فليس في القرآن يا محمد! بل فيه نداءان اثنان ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٦٧] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [التوبة:٧٣]. علام يدل هذا التخصيص؟ يدل على عظم المنزلة، وسمو المكانة، وأنه خير من خلق الله، فهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وخير من سار على الأرض في هذه الدنيا، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من يطرق باب الجنة، وأول من يؤذن له بالشفاعة يوم القيامة.

стр. 145

اجتماع الخلق في أرض المحشر في الصحيحين: يجتمع الناس في عرصات القيامة في يوم شديد الكرب، شديد الهول، السماء فيه تنفطر، والنجوم تنكدر، والجبال تسير، والقبور تبعثر، والبحار تسجر، وأهوال يشيب لها رأس الوليد الصغير الذي ليس له ذنب، فهو يوم يجعل الولدان شيباً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك أين نسير؟! فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور في ذلك اليوم العظيم يطول على الناس الموقف، وعدة ذلك اليوم خمسون ألف سنة، واليوم منها بألف سنة مما نعد، قال : ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فاليوم من أيام الآخرة يعدل ألف سنة، واضرب ألف سنة في خمسين ألف سنة، فهذا يوم القيامة والناس وقوف، والشمس تدنو من الرءوس ولا توجد مظلة إلا مظلة الرحمن، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، وليس هناك ماء إلا حوض الحبيب ﷺ ، نرجو الله أن يسقينا من حوضه، ويحشرنا في زمرته، ويجعلنا من أتباع سنته، ومن الناصرين لدينه وهداه. والموقف طويل، والانتظار صعب على النفوس، فأنت لا تستطيع أن تنتظر ولا تحب الانتظار، ولو سافرت في رحلة فستظل ترقب الساعة متى يحين موعد الإقلاع، فلا تريد أن تبقى ولو لعشر دقائق. وإذا أتيت إلى المطار، وأعلن أن الرحلة تأخرت ساعة فكيف يكون وضعك؟! ستقول في نفسك: أأجلس، أم أرجع، وتضيق عليك نفسك وأنت جالس تحت المكيف، وعلى الكرسي، وإذا قيل: تأخرت الطائرة ثلاث ساعات أو أربع انزعجت. وإذا أتيت إدارة حكومية ووجدت أمامك عشرة أشخاص أو خمسة عشر، أو عشرين؛ جلست تترقب وصول شخص ما ليساعدك ويخلصك من هذه الزحمة، فلا تريد أن تنتظر. فكيف تنتظر يوم القيامة على تلك الحال؟
следующие страницы →