Полный текст (2 982 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الصنف الثالث: من ضيعوا رمضان بالإكثار من الشراب والطعام
وهم عباد الشهوات والبطون، الذين يفرحون في رمضان بسبب أنه موسم للأكلات وتعدد الأصناف من الطعام، فهذا يقول: أتاك شهر الخير، فيقول: الحمد لله دخل شهر البركات، شهر السنبوسة والشربة والكنافة والكبسة، ويعدد لك أشهى وألذ المأكولات.
فالله شرعه من أجل أن نصوم ونجوع ونعطش، لكي نحس بأن هناك من الناس من هو جائع طوال العام، ومساكين طوال العام، فنأخذ من أقواتنا ونشاركهم، أما أن نثخن بطوننا ونملأها بما لذَّ وطاب من أنواع الطعام فلا.
فهؤلاء هم الشهوانيون المضيعون، الذين لم يفهموا من رمضان إلا أنه شهر أكل وشرب، فمن أول رمضان وهو يُحَمِّل السيارة بالمقاضي، وكذلك في بقية الشهر، فتراه يأخذ من كل أصناف الطعام، وتجده لوحده أو مع امرأته وطفلين أو ثلاثة، لكنه جشع وطمع، فإذا أنزلت على السفرة تجدها عشرين صنفاً أو تزيد، ولو أكل صنفين لأشبعاه؛ لكن جشع وطمع -والعياذ بالله-، فيأكل من كل نوع جزءاً بسيطاً جداً، ثم يأخذ الباقي ويرمي به إلى القمامة؛ لماذا هذا؟ لأنه لا توجد مراعاة لنعم الله .
فهؤلاء مضيعون؛ لأنهم لم يعرفوا حكمة الصيام، وأنه من أجل الإكرام والإنفاق والجود على الفقراء والمساكين، يقول أحد الصحابة ﵁: (كان النبي ﷺ أجود من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان) فهو يجود بما هو موجود تقول عائشة: (يدخل الهلال ثم الهلال ثم الهلال -ثلاثة أهلة- ولا يوقد في بيت آل محمد نار).
تصور -أخي الكريم- أن الغاز ينتهي فكيف سيكون حالك؟ فإذا دخلت على المرأة تقول لك: عجِّل أسرع ليس عندنا غاز، فتقول لها: سآخذ خبزاً من الفرن، فتقول: لا يصلح إلا بإدام ولحم، ولا يمكن أبداً أن نجلس ليلة بدون نار، فهل يستطيع بيت أن يجلس يوماً بدون غاز في عصرنا هذا؟ عزاء ومأتم ومصيبة، أما بيت النبوة فيمر شهران ولا يوقد فيها نار؛ فقال عبد الله بن الزبير: (يا أماه! فما طعامكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) والله لقد ذهبوا بلذة الحياة ﵃ وأرضاهم، ونحن نشعر أن عندنا لذة الحياة؛ فليست لذة الحياة بالأكلات والملابس والمباني، بل لذة الحياة في العبادة والقربة والمناجاة لله ﵎.
كثير من النساء ضيعت عمرها في الطبخ، بعض النساء من أول رمضان إلى آخره لا تقرأ صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم؛ لأنها مشغولة، بل من أذان الظهر وهي تقوم كأنها مكينة تدور في المطبخ، وهي مستنفرة كافة أفراد البيت استنفاراً عاماً؛ لكي تطبخ الفطور، وإذا دخلت المطبخ تجد النيران مشتعلة في كل اتجاه، فالموقد له عشرة عيون، وكل عين عليها قدر ينضج، والرجل يدخل يساعدها وكذلك البنات وهي تشرف عليهن.
وهذا كله من أجل ماذا؟ من أجل بطن تملؤها سبع تمرات، وهي من الظهر إلى المغرب تطبخ، ومن المغرب إلى الساعة الحادية عشرة تأكل، ومن الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الرابعة تتمشى في الأسواق، ومن الساعة الخامسة إلى الساعة الثانية عشرة ظهراً وهي نائمة، فمتى تعبد الله؟ ومتى تقرأ القرآن؟ فلا يوجد وقت للقراءة، والتي تأتي منهن أحياناً للصلاة، فبعض النساء تأتي إلى الصلاة في المساجد فهذه موفقة لكن بشرط: أن يكون عملها خالصاً لله ولا تقصد به رياءً؛ لأن بعض النساء تقول: صليت البارحة بعد الشيخ فلان، فأفضل صلاة المرأة في بيتها، لكن نقول: تصلي في المسجد؛ لكي تستطيع أن تنشط للصلاة، لكن التي تستطيع أن تصلي في بيتها وتقرأ القرآن فهذا أفضل لها من المسجد، أما التي تخاف أن تجلس في البيت فيأتيها الكسل، نقول لها: صلي في المسجد، بشروط: أولاً: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.
ثانياً: أن تأتي بثياب لا يوجد فيها زينة.
ثالثاً: أن تكوني متحجبة من رأسك إلى قدمك مثل الغراب الأسود.
رابعاً: أن تأتي وتجلسي في طرف المسجد، فلا تتكلمي ولا تعلم بك حتى النساء، ثم تخرجي بعد ذلك إلى سيارتك فلا يعرفك أحد، لكن بعضهن تأتي بثلاجة القهوة في يدها لكي تنبسط، وبعضهن تأتي بالمكسرات، ويأتي بها السائق الأجنبي وتمارس عبادة عن طريق معصية، فلا ينبغي هذا، ثم تأتي وتسأل عن الفطور وعن أنواع الفطور، وتقول لأختها: أنا عملت أشياء جديدة، ثم تريها طبق الطبخ، وإذا بها تعمل طبق الفطور في المسجد، فأغرت الناس وغررت على المسلمات، فأين الدين؟ فهذا يدخل ضمن المضيعين الذين ضيعوا رمضان في بطونهم، وسينتهي رمضان واسألوا أهل البطون في آخر رمضان ماذا بقي معكم من الأكلات؟ فلن تبقى ولا حبة، فكلها ذهبت إلى المجاري.
стр. 72
الصنف الرابع: من يقضي ليله بالسهر على المعاصي
وهذا يختص بكثير من الرجال، وهو الذي يقضي ليله في كثير من اللهو الباطل، إما بالسهر على مشاهدة أفلام الفيديو، قد قال لي أحد الإخوة: إنها تنشط في رمضان؛ لأن الناس لا يحبون التلفاز في رمضان؛ لأنه يصلي التراويح، وفيه أفلام فيها دين، والناس لا يريدونها، فلا يريدون التلفاز لأنه متدين، فينشطون على الأفلام، فتجدهم وقوفاً كالذباب على النجاسة على أفلام الفيديو، يشترون أفلاماً خبيثة ومسلسلات ونساء وأشياء لا ترضي الله ﵎، يشترونها ويقضون ليالي رمضان التي هي ليالي القنوت والتهجد والمغفرة والقرب من الله يقضونها، في هذا الأمر والعياذ بالله.
وبعضهم يمكث في المقاهي، يخرج من بعد العشاء فيجلس إلى السحور، فكل وقت ينادي: افعل حجر يا ولد! إذا سألته، قال لك: أُعَمِّر.
تظن أنه يعمر عمارة، فتراه يدمر لا يعمر، فيدمر ماله وصحته، فيعمر الشيشة، يسمونها عمارة وهي دمارة -والعياذ بالله-، وعلى الدخان والأفلام والأغاني مرتفعة في المقهى، وعلى الألعاب: الكيرم، والضومنة، والمينبول، والنرد، والشطرنج، والبلوت، فيضيعون أوقاتهم فيقومون كأنهم قاموا على جيفة حمار، وهذا حديث صحيح عن النبي ﷺ ، يقول: (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار) المجالس إذا اجتمعت على جيفة حمار ثم تفرقت، انظر كيف وجوهها ومخالبها، وفي الحديث يقول ﷺ : (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة).
فهل تعمر ليالي رمضان بمثل هذه التراهات والخزعبلات؟!! فأنت رجل عاقل في الأربعين أو الخمسين، رجل مرموق، رجل بمنصب عالٍ وتضيع وقتك مع زملائك بدلاً من أن تقول: آتوني بكتاب الله، آتوني بـ رياض الصالحين، بـ صحيح البخاري، آتوني بسيرة النبي ﷺ ، هيا نزور أخاً في الله، أو نزور عالماً من العلماء، أو نجلس مع أهلنا وننبسط معهم، وبعض الرجال لا يعرف زوجته في رمضان ولا يعلم عنها شيئاً، من أول ما يتعشى يذهب ويلعب (البلوت) إلى السحور، فاثنان يقومان واثنان يجلسان.
هذا عمل أطفال وليس عمل رجال، ولو رأيت ولدك يلعب بالمكعبات البلاستيكية يعمل له عمارة فلا تستغرب منه؛ لأنه يلعب، ولو رأينا الكبير يبني له عمارة بالبلاستيك ما رأيكم، نضحك عليه أم لا؟ إذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أعمر لي عمارة بهذا البلاستيك، نقول: والله إنك أخبل! وإذا وجدنا معه لعبة طيارة أو سيارة وهو يلعب بها، فإذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أتسلى.
فأقول: التسلية بالسيارات والألعاب أسهل من التسلية بالبلوت؛ لأن هذه الأوراق أصلاً اخترعت للأطفال من أجل تسليتهم، أما الرجل فلا يوجد عندهم وقت، ولذا يقولون: إن أعظم قاتل هو قاتل وقته وحياته، فهذا عمرك تضيعه! سبحان الله! الله خلقك للعبادة وأنت تلعب! يقول الله في الحديث القدسي: (ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب).
الله خلقك للعبادة، والعبادة: هي كل ما يحبه الله ويرضاه.
ليست الصلاة والصوم فقط، فكل شيء يحبه الله عبادة، حتى جلوسك مع أهلك عبادة؛ لكن تترك أهلك لمصالحك وسهرك على المعاصي، وبعض الموظفين ينام على الطاولة؛ لأنه سهران طوال الليل؛ لكنه لو كان نائماً طوال الليل لأتى الصباح يداوم وهو مرتاح.
فكثير من الناس ينام في النهار؛ لأنه لا ينام في الليل.
فنقول لإخواننا الذين هم من الصنف المضيع: اتقوا الله في أوقاتكم، واقضوا ليالي رمضان فيما يعود عليكم بالنفع؛ إما دنيا أو آخرة.
стр. 73
الصنف الخامس: من ضيعوا رمضان بالرياضة
وهم الذين بمجرد دخول رمضان يبحثون عن ساحة فارغة، وهذه الساحة يقيمون فيها أعواداً عليها كشافات، ويشكلون فريقاً ونوادي ولعب كرة طائرة وسلة من المغرب إلى السحور، فممارسة الرياضة لا نقول فيها شيئاً، وهي أفضل من اللعب السابق؛ لأنه لعب يفيد، لكن الذي ننقم عليه أنها تمارس بشكلٍ غير منضبط، بحيث يقضي الشخص وقت الليل كله في اللعب، فلا يصلي التراويح ولا العشاء، ولا يقرأ القرآن، أما إذا اجتمع مجموعة من الشباب في مركز صيفي أو معهد علمي أو نادٍ رياضي وصلوا التراويح مع الجماعة، ثم جاءوا بعد ذلك ولعبوا ساعة أو ساعتين كرة قدم أو طائرة، ثم بعد اللعب اجتمعوا وتناولوا مشروباً، ثم أخذوا كتاباً وتناقشوا فيه، ثم تفرقوا، فهذا لا يوجد فيه شيء؛ لأنه نوع من التسلية التي فيها منفعة، أما أن نقضي أوقاتنا طوال الليل في اللعب، ويذهبون إلى الساحات آخر الليل للتفحيط؛ لأن النوم لا يأتي بعد الفجر مباشرة، فإذا ذهب إلى البيت فلا يأتيه النوم، لكنه يقول: أحسن وقت بدلاً من أن يجلس يذكر الله ويقرأ القرآن في المسجد، ويصلي ركعتين بعد شروق الشمس ويقوم بحجة وعمرة تامة تامة تامة، يذهب يفحط، فهذا نوع من الهوس والجنون، وإذا أردت أن ترى مجنوناً فانظر إلى مفحطٍ؛ لأنه يبحث عن الموت وهو في سلامة، ويمشي بسرعة قصوى والآخر يقابله بمثلها إلى أن يتقابلوا فلا يبقى بين الأول والثاني إلا شبراً، ثم يلف هذا يميناً والآخر شمالاً فتصيح كفرات الأول والثاني، والجمهور يصفق له، يصفقون للخبلان والمجانين! هذه -أيها الإخوة- أصناف الناس فأين نحن منهم؟ نسأل الله أن نكون من الصنف الأول فمن لم يكن في الصنف الأول فليلحق به، وينتقل من الأصناف الضائعة.
стр. 74
أهمية استغلال العشر الأواخر من رمضان
العشر الأخيرة من رمضان ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يخصها من العبادة والذكر بما لا يخص به غيرها من سائر أيام الشهر، وقد قالت عائشة ﵂ في الصحيح: (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقض أهله، وأحيا ليله، وشد مئزره) شد مئزره، أي: انعزل النساء، وأيقض أهله، أي: لا يترك أحداً ينام، وأحيا ليله بالعبادة.
وقد أخذ العلماء من هذا مشروعية التهجد الذي يضاف إلى التراويح في العشر الأواخر من رمضان، فيصلي الناس التراويح أول الليل ثم يذهبون إلى البيت ليتناولوا شيئاً من الطعام أو يجلسوا مع أهلهم، وبعد ذلك يعودون إلى المساجد فيتهجدون ساعة ونصف أو ساعتين، وكلها عشر ليالٍ فلا نضيعها، فعلينا أن نغتنمها فإنها ستنتهي وسوف نندم إن فرطنا فيها.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 75
الأسئلة
стр. 76
حكم تصوير المحاضرات والندوات بالفيديو
السؤال
ذكرتم في ليلة من الليالي في هذا المسجد أن الشيخ عبد العزيز بن باز أفتاكم بجواز تصوير المحاضرات بالفيديو، ويقول الأخ: إنه سأل الشيخ عبد العزيز بن باز فأخبر أنه لا يذكر أنه قال هذا الكلام فما توجيهكم؟
الجواب
صدق الأخ، أنا قلت هذا الكلام في محاضرة الشيخ أحمد القطان، قلته حينما أتي بالجهاز لتسجيل المحاضرة، وسمعت كأن بعض الإخوة يشعر بحرج من وجود الكاميرا في المسجد وتصوير المحاضرة، فذكرت أنني قابلت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنا والشيخ عائض القرني، وكانت مقابلته في فصل الصيف في الطائف، وتناقشنا معه في أمور كثيرة متعلقة بالدعوة، وكان من ضمن هذه المسائل مسألة تصوير المحاضرات ونقلها في أشرطة الفيديو؛ لتكون بديلاً للناس في أجهزة الفيديو في بيوتهم لنقل الخير لهم؛ لأنه يحضر المحاضرة عدد محدود، لكن عندما تصور وتنقل يكون هذا فيه فضل كبير للناس، ومسألة التصوير وما يحصل فيها من إثم لعلها تكون ضرورة كما أبيحت ضرورة الحفيظة، فإن ضرورة الدعوة أعظم من أي ضرورة لنشر الخير، وللقضاء على الشر المتمثل في أشرطة الفيديو، وقد أفتى سماحته في ذلك اليوم بوجود الشيخ عائض القرني، فلما أخبروني الإخوان بأنهم كلموه فلم يتذكر هذا، اتصلت بسماحته وقلت له: يا شيخ عبد العزيز أتذكر أننا جئناك في الطائف أنا والشيخ عائض، وذكرته بالمجلس، فذكر المجلس وذكر كثيراً مما حدث فيه، لكني ذكرته بهذه القضية بالذات فقال: هذه لا أذكرها، حتى قال لي بنفس هذه الكلمات: والله يا محق لا أذكرها.
فضيلة الشيخ عبد العزيز بشر يجري عليه ما يجري على البشر، أما أنا والشيخ عائض فنحن شاهدان، لكنه عندما قال لي هذا الكلام قلت: إذاً سأسحب هذه الفتوى عنك، قال: نعم.
ولهذا من سمعها عني وأنا أنقلها عن الشيخ فهي لاغية عن الشيخ؛ لأن الشيخ لا يذكرها، أما كوني أعتقدها أنا أو غيري من العلماء فنحن نقولها بناءً على ما وصل إليه علمنا، فإن كنا مصيبين فالحمد لله، وإن كنا مخطئين فنستغفر الله من كل ذنب وخطيئة.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 77
النهر الجاري
تحدث الشيخ حفظه الله تعالى في هذه المحاضرة عن أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام وعظيم قدرها، سارداً الأدلة على ذلك، ثم بيّن حكم تاركها سواء كان تكاسلاً أو جحوداً وإنكاراً، وأعقب ذلك بالحديث عن كيفيتها وأحوال الناس فيها من حيث الصحة والمرض وأنها لا تسقط إطلاقاً بخلاف بعض العبادات، وقد تطرق في حديثه إلى كيفية الوضوء، والغسل، والتيمم، وكذلك تحدث عن صلاة الجنازة، وغسل الميت.
стр. 78
أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته.
أيها الإخوة في الله: نظراً لأهمية الصلاة ولمكانتها في الإسلام، حيث أنها أعظم أركان الإسلام وآكدها بعد الشهادتين، بل هي عمود الدين، وقد ورد في حديثين صحيحين -الحديث الأول في صحيح البخاري وصحيح مسلم - قوله ﵊: (بني الإسلام على خمس -يعني على خمس أركان وذكر منها- وإقامة الصلاة).
وجاء النص على أنها عمود الدين في حديث صحيح عن معاذ بن جبل ﵁ رواه أهل السنن، قال: (سألت النبي ﷺ : يا رسول الله! أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني عن النار -فأخبره- ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) وهي من الدين بمنزلة الرأس من الجسد.
هل يبقى جسد إذا قطع الرأس؟ هل تبقى حياة بعد قطع الرأس؟ لكن لو قطعت اليد تبقى الحياة في الجسد، وكذا لو قطعت الرجل، لكن لو قطع الرأس، لم تبق هناك أي حياة.
ولهذا الآن في الطب الحديث زرع الأعضاء، إذا انقطعت إصبعك ردوها، وإذا انقطعت يدك ردوها، وإذا خربت كليتك زرعوا لك كلية ثانية، وإذا خرب القلب يأتون لك بقلب ثانٍ، لكن إذا قطع رأسك هل يزرعون لك رأساً؟! هنا لا ينفعك شيء.
الصلاة من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا تركت الصلاة ترك الدين وكفر، وليس شيءٌ في الإسلام تركه كفرٌ إلا الصلاة.
стр. 79
حكم تارك الصلاة
لقد بين العلماء الحكم الشرعي لتارك الصلاة أنه كافر بالإجماع إذا تركها جحوداً، وكافر في أصح قولي العلماء إذا تركها تهاوناً؛ لأن التفريق بين الترك الجحودي والترك التهاوني لا مجال له، فالحديث في صحيح مسلم: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ما قال: تركها جحوداً، والحديث الثاني في سنن أبي داود وفي مسند الإمام أحمد وهو صحيح عن بريدة ﵁ وهو ابن الحصيب صحابي جليل روى مائة وخمسين حديثاً وهو من صحابة النبي ﷺ ، وكان ﷺ إذا غزا يستخلفه على المدينة، هذا قال: قال رسول الله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
стр. 80
أدلة كفر تارك الصلاة
كفر تارك الصلاة يأتي من الأدلة الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسول الله، وكلام الصحابة ومن كلام التابعين، ومن النظر الشرعي الصحيح، فأما من القرآن فقوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فالله علق أخوتهم على إقامة الصلاة، إذ أن الأخوة لا تنتفي عن المسلم بارتكابه لمعصية، ولكن إذا ارتكب كفراً انتهت الأخوة، ولا أخوة بين مسلمٍ وكافر.
أيضاً يقول الرسول ﷺ في هذين الحديثين: الحديث الأول في صحيح مسلم: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويقول في السنن وهو صحيح عن بريدة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
أما من كلام الصحابة فيقول عمر ﵁ لما طُعن: [الله الله في الصلاة] ثم قال: [أما إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة] هذا كلام عمر ﵁.
يقول: (لا حظَّ) أي: لا نصيب في الإسلام لمن أضاع الصلاة.
وقال عبد الله بن شقيق: [ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون شيئاً تركه كفرٌ إلا الصلاة].
أما النظر الصحيح فإنه لا يُعقل أبداً أن يُقال لرجلٍ: صلِّ وهو يعرف منزلة الصلاة في الإسلام وتأكيد الله عليها في القرآن وفي السنة، ثم يتركها -لا يمكن أن يكون مؤمناً، كيف يكون مؤمناً وهو يقول: لا أصلي، إنه غير مسلم بتركه للصلاة.
ولذا نلمس أهميتها في القرآن فقد وصف الله أهل الإيمان وجعل الصلاة القاسم المشترك بين جميع الصفات من سورة البقرة إلى الناس، فما ذكر الله أهل الإيمان ووصفهم إلا وأبرز صفاتهم وأهم مميزاتهم الصلاة، ففي أول البقرة يقول : ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:١ - ٣].
وفي أول الأنفال يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٢ - ٤] وقد صدرت الآية بأداة الحصر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي: لا يُمكن أن يكون مؤمناً إلا من توفرت فيه هذه الصفات المحصورة بأداة (إنما).
ويقول في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١].
ويقول في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] ثم ينتهي بالصفات ويختم ويقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩].
ويقول في وصف المخبتين: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥].
ويقول في سورة المعارج: ﴿إِنَّ الْإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٣] وفي النهاية قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٣٥].
وقد وصى الله بها في سورة إبراهيم، فقال : ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم:٣١] فهذه وصية الله للذين آمنوا، ولقمان يوصي ولده ويقول: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] والله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤ - ١١٥].
والأمر بالصلاة في القرآن شيءٌ متتابع ومتواتر، وقد بين الله في كتابه العزيز أنه ما من أمةٍ وما من نبيٍ بعث إلا وقد أُمر أن يبلغ أمته إقامة الصلاة، فإلى جانب الأمر بتوحيد الله فلا بد من إقامة الصلاة، ولا يوجد نبي إلا عنده صلاة لأمته، وإن اختلفت في الأداء، لكنها تتحد في أنها صلاة.
فهي شعيرة من شعائر الله العظيمة، يقول الله عن إبراهيم وقد جاء بهاجر وإسماعيل إلى مكة أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧] وقال في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠] ويثني الله على إسماعيل فيقول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].
ويقول الله مخاطباً للرسول ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
ويقول لموسى حينما حصل له اللقاء مع الله في الليل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
وقال عن عيسى لما أتت به أمه تحمله ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم:٢٧ - ٢٩] يعني: يكلموه؛ لأنها قد نذرت لله صوماً، وصومهم كان الإمساك عن الطعام والشراب والكلام ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٠ - ٣٤] هذا القول الفصل الحق الذي فيه يمتري النصارى حين يجعلون عيسى ابن الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا.
إن عيسى يتحدث عن نفسه في أول كلمة وينسف فيها عقيدة ألف مليون نصراني الآن على الأرض كلهم يدعون ويعتقدون أن عيسى ابن الله، وعيسى أعرف منهم بنفسه فيقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم:٣٠].
فالصلاة عظيمة القدر، وكل عبادة تسقط عن الإنسان في بعض الأحوال إلا الصلاة.
فالزكاة تسقط عنك إذا كنت معدماً، وليس عندك مال: أو تسقط عنك إذا عندك مال لم يبلغ النصاب، أو تسقط عنك إذا عندك مال بلغ النصاب لكنه ما حال عليه الحول.
стр. 81
الصلاة لا تسقط حتى عن المسافر والمريض
الصوم يسقط عنك إذا كنت مريضاً أو مسافراً، ثم تقضيه، وإذا استمر معك مرضك فإنه يسقط عنك وعليك الإطعام، وإذا كنت مريضاً لا يُرجى برؤك ولا تستطيع الإطعام يسقط عنك! لإطعام والصيام، مع أن الصيام ركن من الأركان.
والحج ركنٌ لكنه يسقط عنك إذا لم يتوفر لك أمن الطريق ولم تجد الزاد أو الراحلة.
فكل شيء يسقط إلا الصلاة، أما الصلاة فلا تسقط عنك، إن كنت معافى فصلِّ قائماً، وإن كنت مريضاً فصلِّ قاعداً، وإن كنت لا تستطيع أن تصلي قاعداً فصلِّ مستلقياً أو على جنبك، وإن كنت لا تستطيع أن تصلي بأي طريقة فصلِّ بطرفك، أي: أومئ إيماء بعينك، فما دام عقلك موجوداً فلا بد أن تصلي، وسوف نعلمكم إن شاء الله كيف يصلي المريض.
وصلِّ وأنت مسافر وأنت مقيم صلِّ وأنت في الحرب وأنت في السلم، لا تسقط عنك الصلاة بحالٍ من الأحوال.
إذا كنت مريضاً ولا تستطيع أن تتوضأ فتيمم وإذا لم تستطع أن تتيمم فصلِّ بغير تيمم، إذا كانت ثيابك طاهرة فالحمد لله، فإذا لم تكن طاهرة فغيرها، وإذا لم يكن عندك من يغير لك ثيابك فصل بثيابك غير الطاهرة، فإن الله لا يكلفك إلا ما تستطيع، المهم أنك تصلي.
إذا كان سريرك متوجهاً إلى القبلة فالحمد لله، وإذا لم يكن إلى القبلة فصلِّ إلى أي جهة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فالصلاة منزلتها عظيمة.
الصلاة هي العبادة الوحيدة التي فرضت على الرسول ﷺ في السماء، كل تكاليف الشرع فرضت على الرسول في الأرض، ولما جاءت الصلاة استدعي النبي ﷺ وأسري به من بيت الله الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى سدرة المنتهى وفرُضت عليه خمسون صلاة وما زال يراجع ربه حتى بقيت خمساً في العدد ولكن الله ذو فضلٍ عظيم قال: (لا يُبدل القول لدي هي خمسون في الأجر وخمس في الأداء) أهذه نعمة أم لا يا إخواني؟ فهل نضيعها بعدما رحمنا الله إلى أن جعلها خمساً؟ ولو جعلها الله خسمين، ماذا يسعنا؟ هل نتمرد؟ والله ما لنا إلا نصلي، ولو خمسين صلاة في أربعة وعشرين ساعة، بمعنى أنك في كل نصف ساعة تصلي صلاة، لكن الله رحمك وخفف عنك وجعل لك الأجر كاملاً والأداء قليلاً، تؤدي خمساً وتأخذ على الخمس خمسين صلاة.
стр. 82
الأحكام الشرعية المترتبة على ترك الصلاة
هذه الصلاة -أيها الإخوة- منزلتها عظيمةٌ في دين الله، ولكننا نلمس ونرى من يتهاون بها، ويتركها، وتركها كفرٌ يترتب عليه أحكامٌ شرعيةٌ سبعة:
стр. 83
تارك الصلاة لا يتزوج مسلمة
الحكم الشرعي الأول: أن تاركها لا يجوز أن يُزوج من المسلمات، فإذا جاءك من يخطب عندك فاسأل وابحث في المسجد هل هو يصلي؟ إذا قالوا: يصلي فهو مسلم، وإذا سألت وقالوا: لا يصلي فلا تفكر فيه ولا تبالِ به فهو كافر، فكيف تزوج كافراً؟ إذا جاءك يهودي أو نصراني وأعطاك عشرة مليون ريال وقال: أنا ديانتي يهودية لكن أُعطيك عشرة مليون ريال على أن تزوجني ابنتك؟ هل تزوجه؟ والله لو يعطيك ألف ألف مليون وأنت مسلم لا تزوج يهودياً ولا نصرانياً، وتارك الصلاة كافر وألعن من اليهودي والنصراني، فاليهودي والنصراني له أحكام شرعية في دين الله أخف من المرتد والكافر، وسأبينها لكم إن شاء الله.
فنقول: أولاً: لا يصح أن يُزوج، فإن عقد له وهو لا يصلي فالعقد فاسد والنكاح باطل؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] فلا يجوز ذلك، وإذا علمت أن هذه مؤمنة لا ترجعها لكافر، فلا هي تحل له ولا هو يحل لها، وهذه نزلت في سورة الممتحنة لما جاءت المؤمنات يبايعن النبي ﷺ ، قال الله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] هذا أول حكم من أحكام تارك الصلاة.
стр. 84
تارك الصلاة يفسخ نكاحه من المسلمة
الحكم الثاني: إذا عقد له وهو يصلي -كان يصلي وكان مسلماً- ولكن بعد أن تزوج وأصبحت المرأة في عصمته ترك الصلاة، فما الحكم؟ إذا ترك الصلاة فسخ النكاح دون الحاجة إلى طلاق؛ لأن الطلاق للمسلم أما الكافر فماذا يطلق؟ لا طلاق له وإنما ينفسخ النكاح، ولا تحل له الزوجة، ولا يجوز لها أن تبقى ليطأها، فإذا وطئها فإنما كافرٌ يطأ مؤمنة، ولا يجوز لوليها -أبيها أو أخيها- إذا علم أن زوجها لا يصلي لا يجوز له أن يدعها في بيته، فإذا رضي فإنما يرضى أن يُزنى ببنته أو أخته، ومن يرضى بهذا؟! كافر تدعه يزني بعرضك؟! لا إله إلا الله! لا يجوز ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، فلا يجوز أن يعلو كافر على مسلمة، هذا الحكم الثاني.
стр. 85
تارك الصلاة لا يحل له أن يدخل مكة
الحكم الثالث: لا يحل له أن يدخل مكة المكرمة، فلا يجوز لك يا تارك الصلاة أن تأتي إلى مكة وتدخلها، أما ترون إذا دخلتم مكة رأيتم لوحة مكتوب فيها: (ممنوع الدخول لغير المسلمين) ويوجد طريق اسمها طريق الخواجات وهي طريق الكفار أصلاً؟ فإذا جاء تارك الصلاة يريد أن يدخل مكة ليذهب إلى جدة نقول: قف من فضلك! اذهب مع إخوانك اذهب مع الخواجات مع اليهود والنصارى ولا تدخل مكة.
فهو يحرم عليه دخولها، وإذا دخل فعليه من الله ما يستحق؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] حرم الله على الكافر أن يقرب المسجد الحرام وهي حدود الحرم، ليس المسجد الحرام بالذات، وإنما حدود الحرم، وحدود الحرم إذا جئت من جدة: الشميسي، وإذا جئت من الطائف: عرفة، وإذا جئت من المدينة: مسجد عائشة، فهذه حدود الحرم، والحرم شيء والمواقيت شيء آخر، فهو خارج الحرم، لكن حدود الحرم لا يجوز لكافرٍ أن يتجاوزها وأن يدخلها، ولا يجوز لتارك صلاة أن يدخلها.
стр. 86
تارك الصلاة لا تؤكل ذبيحته
الحكم الرابع: لا تؤكل ذبيحته، إذا ذبح ذبيحة فهي محرمة رغم أنه يجوز أن تأكل ذبيحة اليهودي والنصراني، فلو جئت عند يهودي أو نصراني ذبح ذبيحة وتارك للصلاة ذبح ذبيحة، فمن تأكل ذبيحته؟ ذبيحة اليهودي والنصراني حلال؛ لأن الله يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥] لكن المرتد المشرك الكافر لا يجوز أن تأكل ذبيحته، فهو ألعن عند الله من اليهودي والنصراني، يعني هو أشد من اليهودي والنصراني.
هذا هو الحكم الرابع.
والناس لا يفهمون هذا الكلام، يتصورون أن القضية بسيطة، فتجده يقول: تارك الصلاة الله يهديه، ثم يجلس معه في البيت ويأكل ويشرب معه ويصرف عليه وهو كافر، بل بعض الآباء الآن لا يستطيع أن يقول لولده: صلِّ، لماذا؟ لأن ولده موظف، وهو ينفق عليه، ويخاف أنه إذا قال لولده صلِّ أن يغضب ولا يعطيه مالاً، من رزقك قبل ولدك؟ إن ولدك هذا هو جزء من الرزق من الله فكيف تعتمد عليه من دون الله؟ لا إله إلا الله! ما أقل عقيدة الناس وما أضعفها إلا من هدى الله!
стр. 87
تارك الصلاة لا يرث ولا يورث
الحكم الخامس: إن تارك الصلاة إذا مات فإنه لا يرثه أحد، وإذا مات أحد من أقاربه فلا يرث مع الورثة، لو أن رجلاً مات وترك أربعة من الأولاد ثلاثة منهم يصلون والرابع تارك للصلاة كيف تقسم التركة؟ تقسم على الثلاثة المصلين أما ذاك فليس له فيها شيء، والحديث متفقٌ عليه في صحيح البخاري وصحيح مسلم قال ﵊: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (لا يتوارث أهل ملتين) هذا كافر وهذا مسلم.
لو أن رجلاً مات وترك ولداً لا يصلي وولد أخٍ يصلي، فمن يرثه؟ يرثه ذو العصبة البعيد وهذا ولده من صلبه لا ميراث له؛ لأنه كافرٌ لا يرث في مال مسلم، هذا الحكم الخامس.
ولكن هل هذا الكلام يُطبق الآن؟ إنهم لا يلتفتون لهذا الكلام، وهذه أحكام شرعية ثابتة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لكن الناس في غفلة عنها.
стр. 88
تارك الصلاة لا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين
الحكم السادس: أنه إذا مات لا يُغسل، ولا يُكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مدافن المسلمين، ولا يُحمل على الرقاب.
فيحرم عليك إذا مات ولدك أو أخوك وأنت تعرف أنه تارك للصلاة أن تغسله أو تكفنه أو تأتيك مجاملة ومداهنة وتقول: إنني لا أريد أن أكشف نفسي وأفضح ولدي ونتركها على الله، لا.
ولا يجوز أن تدعو المسلمين ليصلوا عليه، كيف يصلون على كافر؟! ولا يجوز لك أن تخدع وتغش المسلمين فتقول: اقبروا ولدي مع المسلمين، هل يجوز الآن أن تقبر يهودياً في مقابر المسلمين؟ كيف يجوز أن تقبر ولدك وهو كافر لا يصلي مع المسلمين؟! لا يجوز هذا.
فلا يُحمل على الرقاب، وإنما يُحمل على أي وسيلة بالأيدي، وقال بعض أهل العلم: يُسحب كما تُسحب الدابة أو الحمار ثم يُذهب به إلى الصحراء ثم يُحفر له حفرة في الأرض إلى غير قبلة؛ لأنه ليس من أهل القبلة أصلاً، ثم يكب على وجهه في ملابسه، من غير غسل ولا تكفين ولا صلاة ولا توجيه للقبلة، وإنما يُكب على وجهه؛ لأنه سيرد النار وهو مكبوبٌ على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨].
стр. 89
تارك الصلاة لا يجوز الاستغفار له
الحكم السابع: أنه لا يجوز الاستغفار له ولا الدعاء له، لا يجوز لك إذا مات الولد أن تقول: رحمة الله تعالى عليه الله يغفر له الله يسكنه الجنة وأنت تعرف أنه تارك للصلاة؛ لأن الله تعالى يقول في محكم التنزيل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] فإذا كان مشركاً أو كافراً مرتداً عن دين الله بتركه للصلاة لم يجز لك أن تستغفر له، وإذا سمعت أحداً يقول: الله يغفر له، فقل له: لا تستغفر له، فهذه الأحكام الشرعية هي التي يجب أن نراعيها في التعامل مع تارك الصلاة؛ إلا ما دمنا ندعوه، أما إذا كنا في طور الدعوة معه والجذب فإننا نصبر عليه حتى نحدد موقفاً معه، فإما أن يستجيب ويسلم ويصلي وله ما لنا وعليه ما علينا، وإما أن يحدد موقفه ويقول: لا أصلي، فهنالك ينبغي المفاصلة والبراءة منه، والتعامل معه على ضوء هذه الأحكام، لا يُؤاكل، ولا يُشارب لا يُجالس، ولا يُزار إذا مرض، ولا تتبع جنازته إذا مات، ولا يُشمت إذا عطس، كل الأحكام هذه تنتفي عنه؛ لأن هذه هي اسمها حقوق المسلمين، فأما الكافر فلا حق له، له حقوق معروفة نعطيه إياها، لكن المرتد عن دين الله فليس له ما للمسلمين.
هذه أحكام تارك الصلاة، أيها الإخوة: ولكنَّ كثيراً من العوام بل حتى المتعلمين يخفى عليهم الأداء الشرعي للصلاة، إذ أننا نرى تبايناً كبيراً وفروقاً ظاهرةً في أداء بعض المسلمين للصلاة، وأضرب لكم على هذا مثالاً بسيطاً: تقف في المسجد وتشاهد الناس يصلون فتجد فروقاً كثيرة في وضع اليدين، وهذا كمثال، فتجد واحداً يسبلها، وآخر يضعها تحت سرته، وآخر يضعها على بطنه، وآخر يضعها على صدره، وآخر يضعها على نحره، وآخر يضعها على قلبه، وبعضهم عنده علم وبعضهم ليس عنده علم، هذا الذي على قلبه يقول: كي لا يطير قلبي فأنا أقبضه، والثاني الذي يسبلها مرة يقول أنها ما ثبتت، لأن الإمام مالكاً كان يصلي وهو مسبل، نقول له: لا.
إن الرسول ﷺ كان يصلي ويده اليمنى على اليسرى على صدره، وأنت مأمور باتباع الرسول ولست مأموراً باتباع الإمام مالك، والإمام مالك ﵀ نص في كتابه الذي هو عمدة مذهبه موطأ مالك على أن اليدين تُقبض على الصدر، ولا دليل لمن يُسبلها، هذا التباين يجعلك تفكر في أنه لا بد من توضيح الكيفية الصحيحة الشرعية الثابتة عن رسول الله ﷺ في أداء الصلاة، وقد لمست هذه الحاجة من كثيرٍ من الإخوة القائمين والذين يمارسون بيع الشريط الإسلامي، يتصلون بي كثيراً ويقولون: يوجد كثير يقولون نريد شريطاً كيف يصلي المسلم، يوجد عوام، ويوجد أناس لا يعلمون، يريد أن يسمع الشريط ويعرف كيف يصلي حتى آخر الصلاة، فآثرت أن تكون هذه الليلة رغم أنها ليست في الدروس المنتظمة في العقيدة، لكن لأهمية الصلاة آثرت أن تكون هذه الليلة عن كيفية الصلاة في دين الله .
стр. 90
كيفية الوضوء
قبل الصلاة هناك مفتاح اسمه الوضوء أو الطهارة، وإذا جئت إلى الصلاة بغير المفتاح -الوضوء- ما فتحت لك الصلاة، فقبلها لا بد أن تتطهر، والوضوء هو طهارة واجبة أوجبها الشرع من الحدث الأصغر، والحدث الأصغر كالبول والغائط والريح والنوم العميق وأكل لحم الإبل وغير ذلك، هذه نواقض الوضوء إذا حصل لك منها ناقض لزمك أن ترفع الناقض وتستوجب الطهارة بالوضوء الشرعي.
وأيضاً هناك الغسل: وهو طهارة واجبة من الحدث الأكبر وهو الجنابة التي تأتي عن طريق الاحتلام أو الجماع أو الاستمناء أو عن طريق الجهد والإيلاج ولو لم يمنِ، فإذا جامع الشخص ولم يمن وجب عليه الغسل بعد الإيلاج، وتأتي عن طريق الحيض وعن طريق النفاس، فهذه اسمها حدث أكبر، فالجنابة والحيض والنفاس ترفع بالغسل.
أما كيفية الوضوء فهو أن ينوي الوضوء بقلبه بدون تلفظ؛ لأن التلفظ بالنية في سائر العبادات غير الحج والذبح (الأضحية) بدعة لم تثبت، فتنوي -يعني تستحضر في قلبك- أنك ذاهب تتوضأ، ولو توضأت بغير نيةٍ قلبية فوضوءك فاسد، فالنية مطلوبة لكن من غير تلفظ؛ لأن النبي ﷺ لم ينطق بها في وضوئه ولا في صلاته ولا في شيءٍ من عباداته؛ ولأن الله يعرف ما في قلبك فلا داعي أن تخبر بما فيه، فلا داعي أن تقول: وقفت ونويت أصلي صلاة المغرب ثلاث ركعات فتقبلها مني.
فقد علم ربك أنك ستصلي، فاستحضرها بقلبك بدون إشهاد.
وبعد النية يسمي الله ويقول باسم الله.
ونحن نعني بالوضوء الذي بعد الاستنجاء، ولا ينبغي أن تخلطوا بين الوضوء والاستنجاء، فالاستنجاء شيء ليس له علاقة بالوضوء، فهو منفصل عن الوضوء وعن الصلاة.
والاستنجاء هو غسل محل الخارج من السبيلين بالماء، والاستجمار هو إزالته بالحجارة.
فأنت إذا خرجت الآن بعد صلاة العشاء ودخلت الحمام ألست تستنجي؟ بلى، تستنجي ولو لم ترد صلاةً.
فنحن نتكلم الآن عن الوضوء الذي تريد به أن تستبيح الصلاة وأن تدخل في الصلاة فبعد أن تنوي تسمي الله، ثم تغسل يديك ثلاث مرات، وإذا كان تحت الصنبور فلتغسلها بما يوازي الثلاث مرات.
ثم تتمضمض وتستنشق ثلاث مرات، إن شئت تمضمضت مضمضة منفصلة عن الاستنشاق ثلاثاً واستنشقت ثلاثاً وإن شئت جمعت بين المضمضة والاستنشاق مرةً واحدةً ثم ثانية ثم ثالثة، فالصورتان واردتان.
ثم بعد ذلك تغسل وجهك ثلاث مرات، وحدود الوجه من الأذن إلى الأذن عرضاً، ومن منابت شعر الرأس إلى أسفل اللحية طولاً، تغسله ثلاث مرات.
ثم تغسل يديك إلى المرفقين، وحدود اليد من رأس الأصبع إلى المرفقين، فتغسلها ثلاث مرات، تبدأ باليمنى ثم تغسل اليسرى، ولو بدأت باليسرى فلا يصح، لا بد أن تبدأ بيمينك في غسلها من رأس بنانك إلى آخر المرفق.
ثم بعد ذلك تمسح رأسك مرةً واحدةً، فكل ما سيق يكرر غسله ثلاث مرات إلا مسح الرأس فإنه مرةٌ واحدة، تبل يديك ثم تنثرهما ثم تمرهما من مقدم رأسك إلى مؤخره ثم تعود بهما من مؤخره إلى مقدمه، هذا هو الثابت الصحيح عن رسول الله ﷺ .
ثم تنتقل إلى أذنيك فتمسحهما مرةً واحدةً، إن شئت بما بقي من بلل يديك بعد مسح رأسك، وإن شئت بماءٍ جديد تبل يديك ثم تنثرها ثم تدخل إصبعيك السبابتين في صماخ الأذنين وتمسح بإبهامهما ظاهر الأذنين، تديرهما على الظاهر، السبابتين في الصماخين، والإبهام في ظاهر الأذن.
ثم بعد ذلك تنتقل إلى قدميك وتغسلهما ثلاث مرات من رءوس أصابعهما إلى أعلى الكعبين تبدأ باليمنى ثم تنتهي باليسرى.
وتكون بهذا توضأت الوضوء الشرعي الثابت الصحيح في جميع الروايات؛ لأن هذه المعلومات مقتبسة ومنتقاة مما صح وثبت عن رسول الله ﷺ .
وبعد ذلك تستقبل القبلة وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الأول ثبت في الصحيحين والثاني ثبت في السنن، وفيه مقال لكنه يُحتج به ويُعمل به، وإذا قلت هذا الدعاء بعد الوضوء حصل لك ثواب، وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﵊: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل منها أيها شاء) وفي الحديث الصحيح الآخر قال: (إذا توضأ المسلم فتمضمض فغسل يديه خرج مع آخر قطر الماء كل خطيئة مستها يده، فإذا تمضمض خرج مع آخر قطر الماء كل خطيئة قالها بلسانه، فإذا غسل وجهه خرج مع آخر قطر الماء كل خطيئةٍ مستها عينيه أو أذنيه أو يديه أو رجليه حتى يخرج من الوضوء ولا ذنب له) هذا فضلٌ عظيم لا يفوت إلا محروماً -والعياذ بالله-.
стр. 91
كيفية الغسل
أما الغسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس فكيفيته أن ينوي بقلبه بدون تلفظ، فإن كان مكان الاغتسال ليس فيه كرسي حمام فيسمي وهو موجود فيه، أما إذا كان سيغتسل في الحمام الذي فيه كرسي حمام فيسمي قبل الدخول؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله داخل الحمام الذي فيه التغوط والتبول.
بعد ذلك يتوضأ وضوءه كاملاً، بعد أن يستنجي ويزيل القذر يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ويغسل يديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه.
ثم يحثي الماء -أو باستخدام الصنبور- على رأسه حتى يرويه، ثلاث مرات إن كان يفيضه، أو إرواء عن طريق الصنبور، ثم يغسل سائر بدنه، ويعمم بدنه.
ويكون بهذا قد انتهى من الوضوء ومن الغسل فإن مس أثناء الغسل عورته انتقض وضوءه ولزمه بعد الفراغ من الغسل أن يتوضأ، أما إذا لم يمس شيئاً من ذلك اكتفى بذلك.
стр. 92
صفة التيمم وشروطه
إذا عدم الماء أو وجد الماء ولا قدرة على استعماله كالمحروق الذي لا يستطيع أن يغتسل أو يتوضأ فإن الله رفع الآصار عن هذه الأمة، وشرع لنا بدلاً يسيراً سهلاً متوفراً وهو التيمم، والأولون ما كان عندهم هذا اليسر، ما كانت تُقبل الصلاة إلا في المكان المخصص للعبادة، وإذا انتقض وضوءُ الإنسان بنجاسةٍ وقعت بالثوب فلا يكفيه الغسل، بل لابد أن يقطع الثوب، وإذا وقعت النجاسة على الجسد فلا يكفي الغسل، بل لابد من سلخ الجلد، وإذا أذنب وأراد أن يتوب لا تقبل التوبة إلا أن يقتل نفسه: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤] لكن في ديننا رفع الله عنا الآصار والأغلال، ويسّر علينا هذا الدين، ومن ضمن هذا اليسر قول رسول الله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبيٌ قبلي -ومن ضمنها- قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأينما أدركتكم الصلاة فصلوا) وإذا عدم الماء فتيمموا.
ومعنى أدركتك الصلاة أي: وأنت في سفر في صحراء في فلاة أما إذا كنت في البيت فلابد أن تجيب، كيف تصلي في البيت وأنت رجل، لا تصلي في البيت إلا المرأة، أما الرجال فقد قال الله عنهم في القرآن الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] من؟ ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] بمعنى أن الذي يصلي في البيت انتفت عنه صفة الرجولة، صحيح أنه ذكر، لكن الذكورة شيء والرجولة شيء، فالحمار ذكر، والكلب ذكر، لكن الرجولة مفاهيم إسلامية، أولها إقامة الصلاة في المسجد.
وأما الصلاة في البيت فلا تحل للرجل أبداً إلا من عذرٍ شرعيٍ سنوضحه إن شاء الله.
إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله فإنه يتيمم، وكيفية التيمم أن ينويه، ثم يضرب على الأرض أو على الصعيد -التراب الذي له غبار- ضربة واحدة براحتيه ويمسح وجهه وكفيه -والكف ظاهر اليد- ثم تمسح بهما وجهك، فإذا وجد الماء وقد صلى لا يعيد الصلاة التي صلاها، لكن إذا وجد الماء ينبغي أن يتوضأ، أما إذا وجده بعد تيممه وأدائه للصلاة فقد استباحها بما أباحه الله له.
стр. 93
الصلاة وكيفيتها
الصلاة وكيفيتها: أولاً: ما هي الصلاة؟ التعريف الشرعي للصلاة: هي عبادة مخصوصة تؤدى في أوقاتٍ مخصوصة، وهي عبارة عن أقوال وأفعال أولها التكبير وآخرها التسليم.
وإذا أراد العبد الصلاة فإنه يجب عليه -أولاً- أن يتوضأ من حدثٍ أصغر أو يغتسل من حدث أكبر أو يتيمم إذا عدمت القدرة على استعمال الماء أو انعدم وجوده.
стр. 94
الصلاة في المسجد جماعة
أولاً: أن يصلي في المسجد إذا كان رجلاً، إذ لا تقبل الصلاة في غير المسجد إلا من عذر، وقد كنت أراجع المسألة هذه وأقرأ كلام أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، فقرأت كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاختيارات الفقهية أكد فيه على أن حضور الجماعة شرطٌ في صحة الصلاة، وأنه لا تُقبل صلاة إنسان يُصلي في غير المسجد من غير عذرٍ شرعي.
يعني أنت معافى في بدنك وآمن وتسمع الأذان ويُقال لك: قم، تقول: لا.
أنا سوف أصلي هنا، لماذا والحديث الذي في صحيح البخاري وصحيح مسلم يقول ﵊ فيه: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أنقلب إلى رجالٍ لا يشهدون الصلاة في المسجد فأحرق عليهم بيوتهم بالنار لولا ما فيها من الذراري والنساء)، والرسول ﷺ لا يحرق على ترك سنة، ولا يحرق إلا على ترك واجب وأمر عظيم، ولكن منعه من التحريق وجود من لا تجب عليه الجماعة في البيوت وهم النساء والذرية وسوف يتضررون بتحريق البيوت؟ وفي صحيح مسلم عن ابن مسعودٍ قال: [من سره أن يلقى الله غداً مسلما فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى؛ وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيت الرجل منا يهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق]-والعياذ بالله- والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وأهل النار المجرمون وهم في النار إذا قيل لهم من قِبَلِ أهل الإيمان: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] ما قالوا لم نكُ نصلي، فربما كانوا يصلون لكنهم ما كانوا من المصلين، والله يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] والله يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
فلا بد أن تصلي في المسجد إلا من عذر، والعذر الشرعي محدد: - خوف، أي: تخاف إذا خرجت ألا تصل إلى المسجد، كأن تقتل، وهذا غير موجود في مجتمعنا، والحمد لله على نعمة الأمن والأمان والاستقرار، فهذه نعمة يجب أن نشكر الله عليها، ولو خررنا ساجدين لله من الآن إلا أن نموت ما شكرنا هذه النعمة وحدها فقط، فكيف بالنعم الأخرى؟ فهذه النعمة ليس لها مثيل أبداً؛ لأن الله ذكرها فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾ [النحل:١١٢] فأنت آمن، بيتك مفتوح وتنام، فبعض الناس ينام وقد نسي بيته مفتوحاً، أو سيارته مفتوحة، لكنه آمن على ماله، وآمن على عرضه، وآمن على نفسه، وآمن على كل شيء.
وهذه نعمة ليست موجودة في كثير من بلدان العالم المتطورة، فبعضهم هناك لا يأمن على علبة السجارة في جيبه، وإذا خرج من مكان يتعامل فيه بالفلوس مثل البنك يحسبون العلبة مالاً فيلحقونه ويذبحونه ويأخذون العلبة وإذا ليس فيها شيئ.
أو مريض لا تستطيع أن تقوم، أما إذا استطعت أن تقوم وتنادي واحداً من أولادك أو من جيرانك ليعينك على المشي فإن الله يعينك؛ لأن في الصلاة عافية، من الناس من يمرض مرضاً بسيطاً ولكن الله يعينه ليأتي يصلي فيعطيه الله العافية بتردده على المسجد، تجده يأتي يصلي الظهر وهو متعب كثيراً لكن يسمع الأذان فيسحب نفسه ويأخذ عصاة ويأتي، ولا يرجع من المسجد إلا وقد شرح الله قلبه وعافى جسده ورد له عافيته، ثم يأتي العصر فتجده يأتي وهو يسحب نفسه، ثم يعود وهو معافى، هذا إذا كان بإمكانه، لكن إذا لم يستطع لأنه مريض فهناك يعفو الله عنه ولا يكلفه الله إلا ما استطاع.
- أو غفل شخص، كأن يكون من عادته دائماً أن يصلي في المسجد ولا يمكن أن يصلي في غير المسجد، لكن في مرةٍ من المرات النادرة جاء من سفر أو سهر أو مرض ونامت عينه وما استيقظ، أو ضبط الساعة ولم تنبه، أو دق عليه أبوه وما انتبه، فهو لم ينتبه إلا وقد فاتته الصلاة فتألم وتندم وتأسف وتقطع قلبه، وقعد يراجع نفسه ثم صلى وهو نادم وتائب ومستغفر، فهذا نقول: نسأل الله أن يغفر له.
لكن شخصاً يسمع الأذان ويقول: لا.
سأصلي هنا، خاصة إذا كان يشاهد مسلسلاً أو مباراة يقال لهم: يا أولاد! قوموا صلوا فيقولوا: لا نريد أن تفوتنا يا شيخ! لا إله إلا الله! تفوت طاعة الله في الجماعة في المسجد وتجلس على هذا الشيء التافه، هذا من قلة عقل الإنسان -والعياذ بالله-.
فيأتي الرجل إلى المسجد ويكون مجيئه مبكراً، يعني مع أول الوقت، فلا يجلس إلى أن تُقام الصلاة ثم يحضر؛ لأنه من أتى الصلاة دباراً -والعياذ بالله- يوشك أن يدبر عنه الخير؛ فلا بد أن تأتي مع أول الأذان.
стр. 95
الطهارة
وبعد ذلك تسبغ الوضوء وتخرج إلى المسجد، وتقارب بين الخطا، وتدعو بدعاء الذهاب إلى المسجد، فلا تخطو خطوة إلا ولك عليها حسنة ورفع درجة وتكفير سيئة، فإنه مما يرفع الله به الدرجات: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
بعد ذلك تأتي المسجد، وتختار منه أكمل الصفوف وأولها؛ فخير صفوف الرجال أولها: (ولو يعلم الناس ما في الصف الأول والأذان والنداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا) فلا تأتِ لتقعد عند العمود، فبعض الناس يأتي يقعد عند الباب من أجل أن يختصر الطريق.
فتجلس لكن ليس في الروضة إلا إن كنت من أهل العلم، من أهل النهى ممن يمكن أن ينوب عن الإمام، فإذا لم يكن فتأتي عن يمين الإمام؛ فإن ميامن الصفوف أفضل من أياسرها، لكن إذا جئت وميامن الصفوف ممتلئة فاجلس في أيسرها مع رغبتك في يمينها؛ فإن الله يعطيك أجر ميامن الصفوف؛ لأنك لم تجد فيها مكاناً، فكملت الصف من الجانب الآخر.
стр. 96
استقبال القبلة بجميع البدن
إذا كنت مأموماً في المسجد تستقبل القبلة بجميع بدنك، ثم لا تنحرف يميناً ولا شمالاً ولا تلتفت، ثم تقف وتوجه أصابع قدميك إلى القبلة وتفتحهما بمقدار جذع، فلا تباعدهما كثيراً ولا تقاربها، ولا تجعلها مثل حرف ثمانية ولا حرف سبعة، إنما تجعلها مستقيمة وعلى قدر فتحة جسمك، ثم تقرب وتحاذي وتسد الخلل مما يلي الإمام، إذا كنت من اليمين فتقرب جهة الشمال، وتطلب من الذي بجانبك أن يقرب، وإذا لم يقرب فلا تحاول أن تصلح غلطه بأن تباعد بين رجليك، لا.
فالغلط عليه هو والإثم عليه؛ لأنه لم يسد الخلل، فأنت تسد الخلل مما يلي الروضة، وذاك يسد الخلل مما يلي الروضة حتى تتكامل الصفوف، لكن إذا أخطأ هو فلا تصحح خطأه بخطأٍ أشنع؛ لأن بعض الناس يشير لمن بجواره أن يقترب فإذا لم يرض تجده يباعد بين رجليه حتى يسد الخلل، وذاك كلما قرب منه هذا ابتعد؛ فلأنه يريد أن يسد الخلل تجده يباعد بين قدميه ويفتحهما مسافة كبيرة جداً، تقول له: لماذا؟ قال: أريد أن أسد الخلل؛ لأنه ورد في الحديث أن الشياطين تدخل في الفرج بين الصفوف، لكنه لما سد الخلل فتح (كبرياً) لهم، فبدل ما كانوا يدخلون قليلاً فتح لهم متراً، أو (٨٠ سم)!! وهذا خطأ، والصواب أن تفتح أرجلك على قدر قوامك وبنيتك، فلا تلاصقها ولا تجعل الفتحة بين رجليك كبيرة، فبعض الناس يقول: حاذوا في الأكعب، فيقوم برجله ويعكفها، إلى أن يضرب بكعبه كعب من بجواره، فهذا تكلف وغلو ما أنزل الله به من سلطان، بل قف الوقفة الهادئة التي جاءت في دين الله وقرب رجلك من رجله بشرط أن لا ترفعها؛ لأن بعض الناس عنده حساسية من رجلك، فإذا قربت هرب منك، فأنت ضع رجلك جنب رجله، وحاذِ بين المناكب والأقدام لكن لا ترفع رجلك، ولا تبالغ، حتى يهرب منك وأنت تطارده، بل اقرب منه، فإن استمر بجوارك فالحمد لله، وإن هرب منك فالمسئولية عليه.
стр. 97
النية
بعدما تستقبل القبلة وتقف الوقفة الشرعية، تنوي الصلاة بقلبك دون تلفظ، فالنية شرط من شروط الصلاة، فشروط الصلاة تسعة من ضمنها النية.
стр. 98
تكبيرة الإحرام
بعد ذلك تكبر تكبيرة الإحرام التي تدخل بها في الصلاة، وهي ركنٌ من أركان الصلاة، فترفع يديك وتقول: الله أكبر فترفع يديك مستقبلاً ببطونهما القبلة ومحاذياً بهما إلى حذو المنكبين أو حذو الأذنين، فهذا كله وارد، وليس هناك داعٍ أن تضع أصابعك عند أذنك، مثلما يفعل بعض الناس، إنما تضع رءوس أصابعك حذو الأذنين أو حذو المنكبين، وتقول: الله أكبر.
стр. 99
وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر
ثم تضع كف يدك اليمنى على ظهر كف يدك اليسرى على وسط الصدر، لا على أسفل ولا على أعلاه، وهذه الهيئة ثبتت من رواية وائل بن حجر في صحيح البخاري حيث قال: (كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة) وزيادة: (على صدره) في صحيح ابن خزيمة على شرط مسلم والبخاري، فهي زيادة صحيحة، فتضع يدك اليمنى على اليسرى على صدرك، لا على قلبك ولا تحت بطنك ولا تسبلها، وهذه هي التي تليق بموقف العبد، ولا تبالغ أو تغلُ كما يصنع بعض الشباب فتضعها على نحرك؛ لأن الزيادة على الشيء غلو، والغلو ممنوع في الدين، فالله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] والحديث الذي في الصحيح يقول ﵊ فيه: (إياكم والغلو! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) فلا تغلُ، إنما خذ الدين ببساطته، خذه بسهولته وبيسره؛ لأن الله يسر لنا هذا الدين، وشرع لنا ديناً سهلاً رفع علينا منه الحرج والمشقة والغلو والتعقيدات.
فخذ الدين ببساطته، ولا تقعد توسوس وتلعب بك الأفكار، حتى إن بعض الناس في الصلاة تجده كأنه يمارس حركه رياضية، ما هذا التشنج؟ ولماذا هذه الحركة الرياضية؟ يا أخي! صلِّ صلاة واضحة هادئة.
стр. 100
دعاء الاستفتاح
بعدما تضع كف يدك اليمنى على ظهر كف يدك اليسرى تستفتح بدعاء الاستفتاح، والاستفتاح هو طرق للباب للدخول على الله، فأنت الآن دخلت على الله بتكبيرة الإحرام، لكن الباب لم يفتح بعد، متى يفتح؟ بعد دعاء الاستفتاح، فتقول كما ورد في الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من ذنوبي بالماء والثلج والبرد) إن شئت هذا، فهو وارد في الصحيحين، وفي أحاديث أخرى: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) فإن قلتهما جميعاً كما ذكر الإمام النووي فهذا أكمل، وإن اكتفيت ببعضها فحسن، وإن قلت هذا مرة وهذا مرة فهذا أفضل، كما يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأنك تأتي بجميع الأدعية الواردة في هذا.
стр. 101
التعوذ
ثم بعد هذا تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذه الاستعاذة سراً سواء كنت إماماً أو مأموماً، فلا تقلها بصوتٍ ظاهر.
стр. 102
البسملة
ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا -أيضاً- في سرك؛ لأنه الثابت الذي داوم عليه رسول الله ﷺ ، وإلا فقد ثبت أنه أسر بالبسملة، وثبت أنه جهر بها، ولكن كما يقول ابن القيم: كان إسراره أكثر من جهره.
فكان يسر كثيراً، ويجهر قليلاً، والصحيح الثابت من أمره الإسرار، لكن بعض الناس إذا رأى الإمام ابتدأ القراءة بالحمد لله قال: لماذا هذا لم يسم؟ هو سمى لكن سراً، فيتعوذ بالله سراً، ويسمي سراً.
стр. 103
قراءة الفاتحة والتأمين
ثم يقرأ الفاتحة، بجميع أحكامها؛ لأنها ركن، والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عبادة بن الصامت قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وإياك أن تلقى الله ووجهك مملوء بالشيب وأنت جاهل بالفاتحة، كما يصنع بعض الشيبان الآن، فتجده لا يفوته من أمور الدنيا شيء، فهو يعرف المحاكمات، والدعاوى وأمور الدنيا، لكن إذا قلت له: اقرأ الفاتحة قال: أنا عامي أنا لا أعرف، لماذا تعرف الدعاوى والأمور كلها والشعر والقصائد ولكن لا تعرف الفاتحة وهي سبع آيات، في أربعة أسطر؟ فهذا أعمى في دين الله ومفتح في غيره، تجده يأتي يقرأ لك الفاتحة مكسرة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] وبعدها يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وبعضهم يقول: ما هو لك يوم الدين، فهو ينفي، وبعضهم يقول: الصراق المستقيم، وهذا يفسد المعنى.
فلابد أن تقرأ على ولدك أو على عالم؛ لتقرأ الفاتحة قراءة شرعية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٢ - ٥] مع تشديد وتحقيق الشدة؛ لأنها مخاطبة لله على الاختصاص ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] ثم تقول: آمين، ويقول من معك في المسجد: آمين، أي: اللهم استجب؛ لأنك تدعو الله أن يهديك الصراط المستقيم، وأن يقيمك عليه وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم تقول: غير المغضوب عليهم، أي: يا رب، لا أريد طريق المغضوب عليهم وهم اليهود؛ لأن معهم علماً لم يعملوا به فغضب الله عليهم، ولا طريق الضالين؛ لأنهم عبدوا الله على جهلٍ وضلال.
وتقول بعدها: آمين والله يعطيك ما سألت إن شاء الله.
стр. 104
قراءة ما تيسر من القرآن
ثم تقرأ بعد ذلك ما تيسر معك من القرآن، وتطيل القراءة في صلاة الفجر فتقرأ في الظهر والعصر والعشاء من أواسط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل أحياناً ومن أواسطه ومن طواله، وتقرأ في الفجر من طوال السور كما ثبت عن رسول الله ﷺ .
стр. 105
الركوع
ثم تركع ركوعاً تحني فيه ظهرك بحيث يكون مستقيماً، فلا تنتكس ولا ترفع، وإنما لو وضع على ظهرك القدح المملوء بالماء لاستقر، تعظيماً لله، ويكون التكبير عند ركوعك رافعاً يديك إلى حذو منكبيك.
وترفع اليدين في أربع مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند تكبيرة الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام للركعة الثالثة في الصلاة الثلاثية والرباعية، أما غيرها فلا.
فإذا ركعت فإنك تركع رافعاً يديك إلى حذو منكبيك وتقول: الله أكبر، ثم تجعل ظهرك بحيال رأسك، وتضع يديك مفرجتي الأصابع على ركبتيك، ثم تمدها بحيث يستوي ظهرك مع يديك في الاستواء، لا نزول وتنكيس بالمرة، كما يفعل بعض الناس.
وبعد ذلك يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات أقل شيء، هذا أدنى الكمال، وله أن يزيد بالزيادة الثابتة في صحيح البخاري وصحيح مسلم، فيقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) هذه الزيادة عظيمة، إذا قلت سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، إذا قلتها فحسنة، زيادة ثابتة وصحيحة.
стр. 106
الرفع من الركوع
وبعد ذلك ترفع رأسك من الركوع قائلاً: سمع الله لمن حمده، هذا إذا كنت إماماً، أما إذا كنت مأموماً فتقول: ربنا ولك الحمد وترفع يديك، ثم تعيدها إلى ما كانت عليه قبل الركوع، أين كانت قبل الركوع؟ كانت على الصدر، وبعد الركوع تعود إلى الصدر ولا دليل لمن قال أنه يعيدها مسبلة، وقد ذكر هذا الكلام الشيخ الألباني في رسالته في كيفية صلاة النبي ﷺ ، وقد رد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بالرد الشرعي الواضح في أن الصحيح الثابت هو أنها توضع كما كانت؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه وضع اليدين على أربعة أحوال: ثبتت في الركوع على الركبتين، وثبتت في السجود على الأرض، وثبتت في الجلوس على الفخذين، وثبتت في القيام على الصدر، والقيام بعد الركوع هو قيام كما هو قبل الركوع، ولا فرق بينهما، ومن فرق بين القيام قبل الركوع أو بعد الركوع لزمه الدليل، وما دام لا دليل فلا بد أن تبقى المسألة على الأصل في كون اليدين بعد الرفع من الركوع تعود إلى مكانهما قبل الركوع فوق الصدر، ويقول الإنسان بعد ذلك: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءٍ بعده، -ثم يقول إن استطاع وكان هناك فرصة- أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
стр. 107
السجود
بعد ذلك تسجد مكبراً لله من دون رفع اليدين، فأنت تكون يداك على الصدر وتريد أن تسجد فلا ترفع يديك، بل مباشرة تنزل إلى السجود وتقول في سجودك: الله أكبر، وتسجد على الأعضاء السبعة، وهي: الجبهة والأنف، وهي عضو واحد وهو الوجه، فحكمها واحد، والكفان والركبتان وأطرافُ القدمين، هذه سبعةُ أعضاء، للحديث الصحيح: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظُم: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع القدمين).
ثم تجافي بين عضديك وبين جنبك، فلا تلصقهما، وتجافي بين فخذك وبطنك، لكن مجافاة معتدلة بما يسمح به وضعك وتسمح به الصلاة، والناس بجانبك.
أما المجافاة التي نشاهدها أحياناً ففيها غلو وزيادة، فهي تأتي على شكل انبطاح، بعضهم ينبطح ويباعد بين يديه كثيراً، وبعضهم يجافي بين يديه وجنبيه بمبالغة بحيث لا يستطيع الذي بجانبه أن يتحرك من مرفقيه!! فالمجافاة باعتدال بحيث لا تؤذي ولا ترفض، أما المرأة فلا تجافي؛ فالمرأة عورة، وإنما تنكمش، والرجل يجافي من غير غلو ولا مبالغةٍ.
ثم بعد ذلك يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وإن أراد الزيادة وقال: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، كما زادها في الركوع فهذا حسن؛ لثبوت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ .
стр. 108
الرفع من السجود
ثم يرفع رأسه من السجدة الأولى قائلاً: الله أكبر، ثم يجلس بين السجدتين على قدمه اليسرى مفترشاً لها ناصباً قدمه اليمنى واضعاً يده على فخذه الأيمن، ويده الثانية على فخذه الأيسر ثم يقبض الخنصر والبنصر ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء وعند التشهد ويجعل طرف الإبهام مقروناً بطرف الوسطى كالحلقة، ويضع يده اليسرى مبسوطة الأصابع على طرف فخذه الأيسر مما يلي الركبة، ثم يقول في جلوسه بين السجدتين: ربِّ اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني.
ثم يسجد السجدة الثانية خاشعاً لله كالأولى فيما قال، ويفعل مثلما فعل، ويكبر عند سجوده، ثم يقوم من السجدة الثانية قائلاً: الله أكبر، ولا يرفع يديه إذا وقف، ويصلي الركعة الثانية كما صلى الركعة الأولى فيما يقول وفيما يفعل، إلا أنه لا يستفتح، إذ أن الاستفتاح والاستعاذة التي قد قالها في أول الصلاة تكفيه عن الاستعاذة مرة أخرى.
ثم يجلس بعد انتهاء الركعة الثانية قائلاً: الله أكبر ويجلس كما جلس بين السجدتين ناصباً رجله اليمنى، مفترشاً رجله اليسرى.
стр. 109
التشهد الأول والأخير
ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، واسمه التشهد الأول، إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، واسمه التشهد الأخير، إذا كانت الصلاة ثنائية كالفجر، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فإذا كانت الصلاة رباعية فإنه يقف عند هذه ويقوم للركعة.
فإذا كانت ثلاثيةً فإنه يجلس أو كانت رباعية فإنه يجلس بعد الركعة الرابعة ويقول ما سبق في التشهد الأوسط ويزيد بعده قوله: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" وهذه جاءت في حديثٍ صحيح، ثم يدعو ربه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
ثم يسلم عن يمينه قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، ثم عن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، وبهذا تنتهي الصلاة، وإذا كانت الصلاة في التشهد الأخير من صلاةٍ ثلاثية أو رباعية فإنه يجلس فيها متوركاً، يعني: يجلس على إليته اليسرى ويخرج رجله اليسرى من تحت قدمه اليمنى المنصوبة، وهذا ما يسمى بالتورك.
هذه هي كيفية الصلاة الشرعية الصحيحة.
стр. 110
مكروهات الصلاة
وهناك أشياء تكره في الصلاة، منها: - الالتفات بالبصر يميناً أو شمالاً: أما رفع البصر إلى السماء فهو حرام، لورود النهي الصريح عنه.
- يكره في الصلاة العبث والحركة لغير حاجة: كمن يعبث بلحيته أو يعبث بأنفه، أو يعبث بثيابه أو بأي شيء من جسمه؛ لأن الصلاة فيها شغل للمسلم والعبث يدل على عدم حضور القلب.
- أيضاً يكره في الصلاة استصحاب ما يشغل الإنسان: كالأشياء الثقيلة أو الملابس الملونة المزركشة التي تلفت نظر الإنسان وتشغله وتلهيه.
- يكره في الصلاة التخصر: وهو وضع اليد على الخاصرة.
следующие страницы →