← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

مفارقة الجماعة وإيثار العزلة ثانياً: من أسباب الانتكاسة: مفارقة الجماعة، وعدم الاختلاط بالصالحين، وإيثار العزلة، بعض الناس يكره الشباب الطيب، ويكره الجماعة، ويقول: لوحدي، ووحدك هذه فيها خطورة عليك؛ لأنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والنبي ﵊ يقول: (عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة) والله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] والرسول ﷺ يقول والحديث في سنن الترمذي: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) الشيطان مع واحد لكن مع الاثنين لا يستطيع عليهم، مع ثلاثة لا يستطيع أن يمشي معهم، لكن مع واحد يدخل عليه ويوسوس له حتى يضله، فعليك أن تتقي الله وتلزم الجماعة. السؤال من هم الجماعة؟ الجواب هم الذين على الحق ولو كان واحداً، ليست الجماعة بالكثرة، ولا بالحزب، ولا بالدعوة الفلانية، الجماعة: من كان على ما كان عليه رسول الله وأصحابه، ولو ما في الأرض إلا شخص فهو الجماعة، والبقية صفر على الشمال، يقول الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] إبراهيم فرد في الأمة لكن هو الأمة، والبقية لا شيء؛ لأن الميزان عند الله هو الدين، والله يزن الناس على ضوء تمسكهم بكتابه وبسنة رسوله ﷺ ، فعليكم بالجماعة والجماعة هم أهل الحق ولو لم يكن إلا واحداً.

стр. 1122

الغفلة عن الموت والدار الآخرة ثالثاً: من أسباب الانتكاسة: الغفلة عن الموت والدار الآخرة: يغفل الإنسان عن المصير وينسى الآخرة فيقسو قلبه، وينتج عن هذه القسوة أثر في القلب فيرجع، فيجب عليك أن تتذكر الموت باستمرار، وأن يكون جسدك هنا وقلبك في الآخرة تنام في القصر، وقلبك في القبر، تنام على الفراش الوفير وقلبك في القبر الضيق، تنام على النور وعينك على الظلمة في القبور، يعني: مفاهيمك وأحاسيسك ومشاعرك كلها في الآخرة، وأنت جالس هنا، تعيش بقلبك أحوال الآخرة، ولهذا النبي ﷺ شرع للأمة زيارة القبور، وقال: (إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة). والزيارة الشرعية أن تزور القبر لتدعو لصاحبه، لا أن تدعوه وتستغيث به، والزيارة الشركية أن تذهب إلى لمقابر، كما هو موجود في بعض البلدان يذهبون إلى القبور ليطوفون بها ويدعونها من دون الله وهذا شرك؛ لأن هذا الذي تدعوه يقول الله عنه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] فتدعو للقبر تقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، ثم تدعو لهم: اللهم اغفر لنا ولهم ولا تفتنا بعدهم إلى آخر الدعاء المأثور. ثانياً: لا تشد الرحال إليهم، أن تشد رحلك وتسافر إلى أي قبر ولو إلى قبر المصطفى الحبيب ﷺ ؛ لحديث صحيح: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) يعني: المدينة، فإذا أردت المدينة يجب أن تكون نيتك زيارة المسجد النبوي، ومن المعلوم أنك إذا أصبحت في المدينة فإن من السنة أن تسلِّم على النبي ﷺ ؛ لكن لا يكون هدفك أن تشد الرحال لزيارة القبر ابتداءً؛ لنهيه ﷺ عن ذلك، أما إذا كنت في البلد في مكة، تسلم على المقابر تمر من عندها وتدعو لهم؛ لأن هذا حق لهم عليك.

стр. 1123

التهاون بالعمل اليومي للمسلم رابعاً: من أسباب الانتكاس: التهاون في العمل اليومي للمسلم: مثل النوم عن الصلوات المكتوبة، وتفويت تكبيرة الإحرام، أو تفويت ركعة أو ركعتين من الصلاة، لأن بعض الناس لا يأتي إلا بعد الأذان، ثم يتأخر حتى تقام الصلاة وهو غير متوضئ فيقوم لكي يتوضأ، ثم يأتي مسرعاً فيدرك ركعة أو نصف ركعة ويقوم ليقضي ما فاته، هذه بداية الانتكاس، فإذا رأيت شاباً يفعل هذا فاعلم أنه سينتكس، لأنه تهاون في عمل اليوم والليلة. وعمل اليوم والليلة لا بد منه، مثل: قراءة القرآن الكريم: فلابد أن يكون لك ورد يومي من القرآن لا يقل عن جزء، أيضاً إهمال النوافل والرواتب، بعض الشباب لا يصلي الرواتب سبحان الله! كيف تهون عليك راتبة رتبها لك النبي ﷺ ، وأيضاً ترك قيام الليل، وصلاة الضحى، وأذكار الصباح والمساء، كل هذه اسمها عمل اليوم والليلة للمسلم، عملك ووظيفتك، فعمل الموظف الكتابة، وعمل العسكري الحراسة وعمل العامل البناء، وعملك كمسلم هذه وظيفتك -وظائف اليوم والليلة- لابد أن تقوم بها ولا تقصر فيها، وإذا قصرت فيها كان تقصيرك فيها وعدم اهتمامك بها سبيلاً مؤدياً إلى الانتكاس والعياذ بالله.

стр. 1124

أكل الحرام خامساً: من أسباب الانتكاس: أكل الحرام: لأنك إذا أكلت الحرام غذيت جسدك بالحرام، ونبت لحمك من حرام، فالنار أولى بالحرام، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، لا ينفع عمل ولا ينفع دعاء؛ فالذي مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، أنى يستجاب له؟ وهذا معنى الحديث في صحيح مسلم، والدليل على أن العمل لا ينفع قوله ﷺ : (إن الرجل ليأكل اللقمة من الحرام لا تقبل له صلاة أربعين نهاراً، ومن اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم من حرام لن يقبل الله له صلاة ما دام عليه هذا الثوب) فلابد أن يكون كسبك حلالاً (١٠٠%)، احذر من الحرام، جاء في الصحيحين قول الرسول ﵊: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) حمى الله: محارمه لا تقترب منها، الراعي إذا قرب من المكان المحمي أفسدت بعض الغنم ذلك المكان، لكن إذا كان بعيداً فلا يحصل شيئاً، وكذلك أنت لا ترع دينك عند محارم الله، فتقع وأنت لا تدري. فعليك -يا أخي في الله! يا من تريد أن تستقيم وتلتزم وتستمر وتثبت- أن يكون كسبك حلالاً، وأن تراجع نفسك باستمرار في قضية تصفية الكسب، أي شيء يأتيك فيه حرام أوقفه، ولا يقول لك الشيطان: إن هذا يقلل من دخلك ويهز ميزانيتك لا وألف لا، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، أعرف أحد الإخوة كان يعمل في بنك ربوي وكان راتبه ضخم جداً، وكلما أراد أن يقدم تذكر الشيك الذي في آخر الشهر وخدره الشيطان بالشيك، قال له: اقعد اقعد إلى أن جاءت لحظة من لحظات القوة الإيمانية، قرر وتقدم باستقالته وترك العمل، واختبره الله فترة بسيطة ثم عوضه الله برزق هو فيه أعظم من كل ما قد رزق من الحرام، ويقول لي بعد ذلك: والله إنني في راحة نفسية لو كنت آكل الطين لكان أعظم لي مما كنت أعيشه من عذاب داخلي يوم كنت آكل الحرام، فهذا أهم شيء، فلا تقل: إني إذا تركت الحرام يضيق عليَّ رزقي، قد يختبرك الله ويبتليك لكن اصبر، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

стр. 1125

التقصير في حق البدن وحق النفس والأهل سادساً: من أسباب الانتكاس: التقصير في حق البدن، وفي حق النفس، وفي حق الأهل، وفي حق الأولاد، بسبب اشتغال الإنسان العامل للإسلام بضخامة الأعباء من ندوات ومحاضرات، وقراءة وزوار وزملاء يذهبون ويرجعون، بعد ذلك لا ينام ولا يأكل، ولا يغسل ثيابه، ولا يجلس مع زوجته، يستمر مثل المنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، ما أخذ محطة راحة، الآن عندما تأخذ مكينة وتشغلها أربعة وعشرين ساعة ماذا يصير؟ سوف يحصل لها خلل، لكن عندما توقفها عن العمل وتجعلها ترتاح لا يحصل لها شيء، فمكائن الكهرباء تعمل ثمان ساعات ثم يطفئونها ويشغلون مكينة أخرى حتى تبرد الأولى وهكذا، وكذلك نفسك تحتاج إلى محطات راحة، فعدم إعطاء النفس حقها يسبب لها الخلل والتوقف، وترى بعد ذلك الشخص الذي كان يعمل بجهد قد انتكس -والعياذ بالله- ولو أنه مشى على مهله وأعطى حقه وحق نفسه وحق أهله، لكان معتدلاً. وحق النفس مثل الخروج بالأهل في نزهة إلى الصحراء أو إلى البحر، بشرط ألا يختلط مع أناس، ولا يحدث منكراً، ولا تبرجاً، ولا تصويراً، ولا تضييع للفرائض، ولا يقع في معصية، فهذا حسن فالأنس بالأهل والسمر والجلوس معهم، شيء حث عليه الإسلام. يقول ﵊: (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً فآتي كل ذي حق حقه) رواه البخاري في صحيحه، كن معتدلاً، لكن أن تعطي الحقوق كلها لله وتترك أهلك ونفسك فالله لا يريد منك هذا؛ لأنه غني عنك، فلا بد أن تعدل بالقسمة، حق الله لا تقدم عليه أي حق، وحق نفسك لا تضيعه من الراحة والاستجمام والهدوء والانبساط والأكل الطيب، والدابة الطيبة، والمركوب الطيب، والثوب الطيب، والفراش الطيب، هذا كله طيب يبعث فيك قوة ونشاطاً وتجديداً لحياتك، ومن حق زوجتك وأهلك أن يفرحون بك، فبعض الإخوان أهله لا يرون منه شيئاً، كلما دخل المنزل دخل ومعه زميل، ليس منظماً لوقته ولا منسقاً في وضعه، لا يستقبل المكالمات في وقت معين، ولا يستقبل الزوار في وقت معين، ولا يخرج مع الإخوان في وقت معين، بل يخرج كل وقت، ويستقبل كل وقت، وينام كل وقت، وبعد ذلك أهله يريدون بعضاً من وقته فلا يجدون، وكلما طلبوا منه شيئاً قال: لا أستطيع أنا مشغول، زوجته معه في عذاب، تتمنى زوجته أن ينتكس من أجل أن يعود ليجلس معها بل تدعو عليه -والعياذ بالله- فلابد من إعطاء النفس حقها؛ لأن هذا سبب من أسباب التثبيت إن شاء الله.

стр. 1126

عدم تهيئة النفس لمواجهة معوقات وصعوبات العمل في طريق الله السابع: من أسباب الانتكاس: عدم تهيئة النفس لمواجهة معوقات وصعوبات العمل في طريق الله، يتصور بعض الناس أن الالتزام وأن الدين طريق مفروش بالزهور، وهذا مخالف لسنة الله، والله قد قال في سورة العنكبوت: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] أي: أيظن الناس أنهم سيتركون بسبب قولهم هذه الكلمة ولا يقدم لهم ابتلاءات وامتحانات، إذا ظن هذا الظن سيسقط، لكن إذا هيأ نفسه، وأعدها لمواجهة أي صعوبة، يتوقع أنه يسجن، يتوقع أنه يمرض، يتوقع أنه يفقر، يتوقع أن امرأته تخرج من بيته، يتوقع أنه يقتل، يتوقع كل شيء في سبيل الوصول إلى مرضاة الله ﵎، فإذا ما جاء هذا الأمر المتوقع، يجد النفس مهيأة لاستقباله فيكون الوقع هين، والأثر بسيط، لكن حينما لا تكون النفس متهيئة له، كيف يكون الأثر؟! النبي ﷺ لما أخبره ورقة بن نوفل وقال له: (ليتني معك إذ يخرجك قومك، قال ﷺ : أومخرجي هم؟ قال: نعم. ما جاء أحد قومه بمثل ما تأتي به إلا أخرجه قومه وآذوه، فقال: الله المستعان) استعان بالله . أيضاً عثمان بن عفان لما أخبره النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين يقول أبو موسى الأشعري: (تبعت رسول الله بعد أن خرج من المسجد ودخل بئر أريس -يعني: بستان أريس في المدينة - يقول: فجلس على شفير البئر ودلى رجليه ثم قال: يا أبا موسى! لا تأذن لأحد إلا بعد أن تخبرني، يقول، فقلت: الحمد لله أنا اليوم بواب رسول الله ﷺ ، يقول: فجاء أبو بكر فقلت: يا رسول الله! أبا بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، يقول: وبعد قليل طرق الباب طارق، قلت: من؟ قال: عمر، قلت: عمر يا رسول الله! قال: ائذن له وبشره بالجنة، يقول أبو موسى فقلت: ليت أبا عامر يأتي) يقول: يا ليت أخي يأتي، يظن أن كل من جاء دخل، وهي ليست هكذا إنما هي لأناس معينين، يقول: (فليت أبا عامر يأتي، يقول: فجاء ثالث وطرق الباب، قلت: من؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول الله! عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عندما بشره: أبشر بالجنة على بلوى تصيبك، فقال: الله المستعان). هذه تهيئة الرسول ﷺ هيأ نفسية عثمان لقبول البلاء، ولذا كان عنده يوم أن قتل أربعمائة عبد في حراسته وهم مملوكون وقد كان تاجراً، فقالوا: ندافع، قال: من ألقى سلاحه فهو حر، فوضعوا السلاح كلهم يريدون الحرية، وأعتقهم لوجه الله، وجلس على مصحفه لا يدفع عن نفسه حتى دخلوا إليه وذبحوه وسال دمه الشريف على المصحف، ﵁ وأرضاه. فلا بد أن تتوقع وأن تهيء نفسك، للابتلاء، ولا تسأل الله البلاء وسل الله العافية، فالرسول ﷺ يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا) نسأل الله العافية، ولكن نسأل الله أن يثبتنا إذا لقينا ذلك.

стр. 1127

صحبة الأشرار والعصاة الثامن: من أسباب الانتكاس: صحبة الأشرار والعصاة، مثل صحبة ذلك الرجل الذي أضل نفسه وأضل غيره معه؛ لأن القرين السيئ يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب، أدخل جملاً أجرب في مائة جمل سليم، هل تعديه بالعافية أم يعديها بالجرب؟ يعديها بالجرب؛ لأن المرض ينتقل، والعافية لا تنتقل، وضع تفاحة معفنة في صندوق صحيح هل التفاح الصحيح يصلح المعفنة أم المعفنة تعفن الصندوق كله؟ كذلك ضع شخصاً خبيثاً مع عشرة صالحين يفسدهم كلهم، ولهذا في الحديث في الصحيحين يقول ﵊: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحاً خبيثة) فإياك -يا أخي- من مجالسة رفقاء السوء فقد قيل عن جليس السوء: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فترد مع الردي ... ويقول الآخر: فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم من فاسق أردى مطيعاً حين آخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللناس على الناس مقاييس وأشباه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه كن مع شكلك، هل رأيت حمامة تمشي مع الغربان؟! هل رأيت كلباً يمشي مع الغزلان؟! لا يمشي معها إلا لأنه يريد أن يفترسها، لا تمش إلا مع من هو مثلك على الدين والاستقامة، وإذا مشيت مع قرناء السوء أهلكوك.

стр. 1128

ارتكاب المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب التاسع: من أسباب الانتكاس: مقارفة المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب: يقول الله : ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين:١٤] أي: غطى القلوب: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] تستهين بنظرة أو بأغنية أو بكلمة أو بخاطرة أو بمعصية فتنكت في قلبك، يقول ﵊ والحديث في صحيح مسلم قال: (تعرض الذنوب على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أُشربها -أي: قبلها- نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب ردها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض كالصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) فأنت اجعل في قلبك حاجزاً ضد الذنوب، كلما جاء ذنب رده، لماذا؟ حتى لا ينكت في قلبك نكتة سوداء ثم تتراكم هذه النكت السوداء ثم يصير راناًَ، فيكون قلبك مرباداً ثم ينكسر القلب وينتهي، وهذه الردة -والعياذ بالله- والكفر.

стр. 1129

علاج الانتكاس أما العلاج من أجل أن تثبت في الطريق؛ لأن الطريق إلى الجنة ليس سهلاً، أشعر نفسك أنك تريد الجنة، عمير بن الحمام لما قال ﵊: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخٍ بخ، قال: ما حملك على هذا؟ قال: أريد أن أكون من أهلها ثم رمى تمرات كانت في يده وقال: إنها والله لحياة طويلة أن أمكث حتى آكل التمرات وقام وقتل في سبيل الله) هذه طريق جنة حافظ على نفسك من الآن؛ لأن الطريق هنا صعب، والأصعب منه الصراط، والأصعب منه العرصات، والأصعب منه تطاير الصحف، والأصعب منه الطرد من الحوض، والأصعب منه خفة الميزان، والأصعب من ذلك السحب على الوجه إلى النيران. اضبط نفسك الآن وداوم واصبر وقل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، وقل: يا رب سلِّم سلِّم، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، توقع أنك سوف تموت ذلك اليوم، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، توقع أنك تموت في الليل، وإذا صليت فصل صلاة مودع، فقد تصلي العشاء ولا تستطيع أن تصلي الفجر، هكذا المؤمن خطوة خطوة، إلى أن يقف عند جدار الموت وينزل إلى الجنة بإذن الله، وعلاج هذه الظاهرة بتسعة أمور:

стр. 1130

الحرص والمواظبة على الطاعات أولاً: الحرص الكامل والمواظبة على الطاعات: حرص كامل ومواظبة، لا يؤذن إلا وأنت في المسجد، وإذا كنت عبد سوء فتأتي بعد الأذان، أما بعد الأذان، ما معنى الأذان، معنى الأذان أن تقوم، لكن بعضهم يؤذن المؤذن فينام، جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم: (من سمع المنادي فقال مثلما يقول ثم سأل الله لي الوسيلة وجبت له شفاعتي يوم القيامة) يعني: تقول مثلما يقول، أي: أنك تؤذن، ولهذا جاء في الصحيحين قوله ﵊: (لو تعلم أمتي ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). فأنت تؤذن مع المؤذن وتأتي أول شخص، ولا بد أن تكون الأول دائماً في الطاعات، وفي مكة في الحرم إذا استطعت وكل مكة حرم إن شاء الله، في أصح أقوال العلماء، لكن تتفاوت مكة أيضاً فالذي بجانب الكعبة يختلف عمن هو بعيد منها، وأيضاً الصف الأول ليس مثل الصف الثاني، فخير صفوف الرجال أولها، ويتفاوت الناس فاحرص دائماً أن تصلي في الحرم، وأن تصلي في مسجد الكعبة، وإذا صليت في مسجد الكعبة فاحرص على الصف الأول، ليكن عندك هم وحرص، فأنت طالب آخرة، كل ما تعلم أنه يوصلك إلى الآخرة ويزيد من درجتك عند الله فاحرص عليه، ولا تفرط وتتساهل به، إذا سمعت بجنازة يصلى عليها فاقعد، وتجد بعض الناس يسمع بالجنازة يصلى عليها ويمشي وكأنه أمر عادي ولا يعلم أنه محروم من أجرها، وفي الحديث: (من حضر الجنازة حتى يصلى عليها كتب له من الأجر قيراط، وإذا حضر أحد الدفن كتب له قيراطان قيل: وما القيراط؟ قال: مثل جبل أحد) أي: حسنات. فلا بد من الحرص على الطاعة بكل صورها وأشكالها، طاعة الصلاة، وطاعة الصيام، وطاعة القيام، طاعة الزكاة، طاعة النافلة، طاعة الحج، طاعة العمرة، طاعة بر الوالدين، طاعة ذكر الله، طاعة قراءة القرآن، طاعة الدعوة إلى الله، طاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طاعة الحب في الله والبغض في الله، طاعة إكرام الضيف، طاعة الزيارة، هذه اسمها طاعات، فاحرص عليها وزد من الاهتمام بأمرها.

стр. 1131

البعد عن المعاصي ثانياً: البعد عن المعاصي دقيقها وجليلها: من أي باب ومن أي طريق، من باب النظر إلى الحرام، أو من باب سماع الحرام، أو من باب الغيبة والنميمة والسب والشتم الحرام، أو من باب الفرج والزنا واللواط، أو من باب البطن -أكل الحرام- أو من باب اليد -البطش الحرام- أو من باب الرجل -السير إلى الحرام- أقفل كل أبواب المعاصي، وضع من قلبك جندياً عليها، وقل: يا عين خافي من النار، يا أذن لا توجد أغانٍ، فالله ما خلق هذه الأذن للغناء، يقول الله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. يا لسان قف! قل خيراً تغنم، واسكت عن الشر تسلم، يا رجل لا تحمليني إلا إلى طاعة الله وإلى المساجد وإلى حلق الذكر، وإلى الزيارة في الله، يا يد لا تمتدي إلى حرام، أقفل أبواب الشر من أجل أن تتعالج (١٠٠%).

стр. 1132

الوسطية والاعتدال ثالثاً: الوسطية والاعتدال: عن طريق الرجوع إلى الكتاب والسنة، لا تقصر ولا تقفز؛ لأن تجاوز الدين خطأ والتقصير عنه خطأ، والحل هو الوسطية، والوسطية تعرف عن طريق العلماء الموثوق في علمهم، من تثق في علمه ودينه وأمانته تستشيره، وتحاول أن تأخذ دينك ممن هو على علم وعلى بصيرة.

стр. 1133

ملازمة الصالحين وصحبتهم رابعاً: ملازمة الصالحين وصحبتهم وملازمة الجماعة وعدم العزلة: فإن الشيطان يفترس الإنسان إذا كان منفرداً.

стр. 1134

الاستعداد وتهيئة النفس لمواجهة المصائب خامساً: الاستعداد وتهيئة النفس لتلقي ومواجهة أي صعوبة عن طريق الله .

стр. 1135

البعد عن قرناء السوء سادساً: البعد كل البعد من قرناء السوء وإخوان الضلال وإخوان الشر والأشرار، انتبه! اقطع صلتك بهم مهما كان حبك لهم وحدد موقفك منهم بصلابة، وقل لهم: لستم مني ولا أنا منكم، كما قال إبراهيم: (كفرنا بكم). لابد أن يكون موقفك قوي: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] زميل دراسة أو جار، إذا رأيته تاب امشِ معه وإذا لم يتب اهجره في الله ؛ لأن الهجر في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.

стр. 1136

إعطاء النفس حقها سابعاً: إعطاء النفس حقها، فلا تقصر في هذا الجانب وتمنعها حقها من المباحات، ومداعبة الأهل، ومداعبة الأولاد، إذا دخلت باب البيت من حين أن تدخل خذ الولد وارفعه إلى فوق ولاعبه واضحك معه، كان الأطفال يركبون على ظهر رسول الله وهو في الصلاة، وقد صعد الحسن على ظهره، فأطال في السجود حتى كاد الصحابة يسبحون، فلما رفع رأسه اعتذر وقال: (إن ابني هذا ارتحلني) يقول: ركب علي. من وسائل العلاج: التكامل في حياة المسلم لإعطاء النفس حقها، وإعطاء الأهل حقهم، وإعطاء الأولاد حقهم، بالمداعبة وبالنكتة البريئة، وبالنزهة وبالرحلة وبالسمر اللطيف في المباحات، يروي الإمام مسلم عن حنظلة الأسدي أنه قال لـ أبي بكر وقد لقيه، قال: (نافق حنظلة! قال: ما ذاك؟ قال: نكون مع رسول الله ﷺ فتكون قلوبنا في غاية الرقة، ثم نخرج فنعافس النساء والأولاد فتقسوا قلوبنا، قال أبو بكر: وأنا مثل ذلك -الذي عندك أنا أحس به، هيا بنا إلى رسول الله ﷺ فذهبوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال: لا يا حنظلة! ساعة وساعة) يعني: القلوب لا تبقى دائماً على وتيرة واحدة وإنما ساعة وساعة، ساعة تكون رقيقة، وساعة ينبغي للإنسان أن يعود فيها إلى مباحاته وإلى شئونه العامة، ثم قال: (أنتم بشر لستم ملائكة) يقول: (لو أنكم تبقون في الطرقات وفي الشوارع وعند أهلكم كما تبقون يوم أن تكونوا عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات) يعني: لانقلبتم عن بشريتكم ولأصبحتم ملائكة، ولكنكم بشر والبشرية ملازمة للإنسان، ففي حدود ما أباح الله لا ينبغي للإنسان أن يقصر، وأن يضيع هذا مدعياً أنه من الدين، فإن هذا قد يؤدي إلى ردود فعل عكسية قد لا تكون سليمة مع بعض الناس، قد تكره الإنسان في الدين، وتكره الزوجة في الإسلام، وتكره الأولاد، وينشئون معقدين لا يريدون أن يكونوا مثل أبيهم على الالتزام بأسباب تقديمه الصورة المعتمة القاتمة عن الدين، وإلا فإن في ديننا فسحة، وفي ديننا مجال لإظهار ذلك، والذين يمارسون الحياة الكاملة الطيبة الإسلامية مع زوجاتهم ومع أولادهم، يعيشون أكرم عيشة. نعم. بعض النساء تتصور أن ما في الدنيا أعظم من زوجها، ملتزم لكن يقوم بالحق الكامل، يدخل وهو مبتسم ويضع يده عليها يضمها ويقبلها ويلاعبها ويخرج معها، وهنا هو الصحيح، لكن بعضهم يدخل عندها كأنه عسكري لا يبتسم ولا يضحك ولا يمزح، وإذا دخل أخذ الكتاب وجلس يقرأ، تقول: الله أكبر عليك مع الكتاب ليل نهار، -يا أخي- اجعل للكتاب وقتاً، وللنكتة وقتاً، وللسمر وقتاً، أما أن تعقدها وتقدم هذا الشيء فهي تتصور أن هذا هو الدين فينعكس ذلك في نفسها تقول: ما هذا الدين الذي أتيت به أنت؟ لكن لو قدمت الدين بالقالب الصحيح، وقت الجد اقرأ، ووقت الأنس تجلس مع زوجتك وتلاعبها، فقد كان ﷺ وهو أكرم خلق الله يداعب أهله، وقد سابق عائشة مرة فسبقته ومرة سبقها، من منا يسابق زوجته الآن، هل هناك أحد يسابق زوجته الآن؟ لو أن شخصاً آخر قام بهذا لقالوا: هذا أخبل مجنون، سبحان الله! ما أقسى قلوبنا. يا أخي! سابقها، داعبها، العب رياضة أنت وإياها، ابتسم لها، قبلها، خذها معك للمسجد الحرام تصلي معك، اخرج بها في نزهة، عوضها إذا منعتها من الحرام، بعض الشباب يقول: لا أدخل بيتي جهاز تلفزيون ولا فيديو ولا دش نقول: جزاك الله خيراً حميتهم لكن أوجد البدائل؛ لأن هذا يحدث فراغاً عندها، فإذا حدث الفراغ هذا وما ملأته أنت بالحق ملأته هي بالباطل، وإذا لم تأت بالتلفزيون تضطر أنها تسمع التلفزيون ولو بالتليفون، تقول لزميلتها: ضعي السماعة بجانب التلفاز حتى نسمع المسرحية، لماذا؟ بسبب سوء التطبيق من قبل بعض الناس، فوسائل العلاج أنك تعطي أهلك حقهم من المباحات.

стр. 1137

تذكر الموت ثامناً: تذكر الموت: اجعل ذكر الموت بين عينيك، ألست ستموت؟ نعم. متى؟ لا تدري. أليس ممكن الآن؟ نعم. ممكن الليلة؟ نعم. ممكن في كل لحظة، هل جهزت نفسك؟ بعد كل لحظة ممكن أن تموت، يخبرني أحد الإخوان في رسالة لي هنا، يقول: هناك شاب حضر محاضرة للشيخ/ عبد الله الحماد الرسي وخرج من المسجد وذهب إلى البيت ونام، ومات بعد ساعة من نومته، مات لكن بعد خروجه من المسجد وبعد طاعة وبعد محاضرة، وبعد أيام رؤيت له رؤية حسنة، رآه بعض رفاقه فقالوا: ما صنع الله بك؟ قال: بشر أهلي أنني في الجنة، نسأل الله أن تكون هذه الرؤية حق، وأن يجعله في الجنة، ولا نقول إلا خيراً؛ لأنه خرج بعد الطاعة إن شاء الله، فأنت توقع الموت بعد كل لحظة، يمكن يقع هذا الكلام علي الليلة، ويمكن على أحد منكم. كم من إنسان ركب سيارته وما نزل منها باختياره، وكم من إنسان لبس ثوبه وما خلعه هو بل قطعت أزراره من رقبته، وكم من إنسان نام على فراشه وما استيقظ منه، وكم من إنسان خرج من بيته وما عاد إليه، فتذكر الموت؛ لأنك إذا تذكرت الموت تضبط نفسك وتمشي على الطاعة وتترك المعاصي.

стр. 1138

محاسبة النفس ومراقبتها تاسعاً: محاسبة النفس ومراقبتها على فترات: إما يومياً أو أسبوعياً أو كل ليلتين، فلابد من جلسة مع النفس، محاسبة كما تحاسب الغريم، فتشارطها وتحاسبها وتتابع سيرها، تحاسب عينك، أين أنت يا عين؟ أين نظرتي؟ أين الإيمان؟ نظرت اليوم تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، يا أذن ماذا سمعتي اليوم؟ سمعت غيبة أستغفر الله وأتوب إليه، يا لسان تكلمت اليوم في موضوع ما كان لي أن أتكلم فيه وليس لي علاقة به، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهكذا هذه المحاسبة لها أصل في الدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] هذه -أيها الإخوة- مجمل الوسائل التي يستطيع المسلم بها أن يثبت على دين الله، ومن حصلت له انتكاسة أو ضعف أو تراخٍ أو كسل في الدين يستطيع بالأسباب التسعة الأخيرة أن يعالج ضعفه وتراخيه وكسله، وأن يعود إلى الجدية والاستمرارية في طريق الله، وأن يسأل الله الثبات ويصبر على هذا الطريق، فإنه وإن كانت فيه صعوبة فإن نهايته مشرقة وهي الجنة. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها، وأن ينجينا وإياكم من النار، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، وأن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع الدعاء، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1139

هذه الأيام مطايا [٢،١] إن من أراد أن يعرف حقيقة الدنيا فعليه بكتاب الله عز جل، لأنه لن يجد كتاباً يصفها على حقيقتها كما وصفها القرآن الكريم، ومن خلال قراءة كتاب الله يجد المرء أن هذه الدنيا ما هي إلا محطة للتزود للآخرة. وزيادة من الله في بيان زيف الدنيا حذرنا من الشيطان ومصائده، وعهد إلينا بشديد عداوته لنا، وما من خديعة رصدها إلا وجعل الله لنا منها الفكاك والنجاة.

стр. 1140

حقيقة الدنيا الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1141

وصف الله لحقيقة الدنيا أيها الإخوة في الله! يقول الله في كتابه العزيز مخبراً عن حقيقة هذه الحياة التي يبدو أننا لم نعرفها حتى الآن، وعرفنا منها ما لا يريده الله منا، فجاء الأمر من الله يصحح عقولنا ويلفت أنظارنا ويخبرنا عن حقيقة هذه الحياة؛ لأنه هو خالق هذه الحياة، فيقول : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] هذه خمسة أشياء عرفناها من هذه الدنيا، والله يقررنا على هذا بالأمر بالعلم بذلك، ولكن ما بعد هذه الحياة ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢٠ - ٢١] فهذه الحياة الدنيا مضمار وميدان سباق، ولكن إلى أين؟! إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، لكن لما عاش الناس في غير الميدان الطبيعي الحقيقي لهم سابقوا ولكن إلى نار هاوية. ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١] لمن يا رب أعدت هذه الجنة؟ وهيئت وزينت؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. هذه الآيات تقرر حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة، والمراد منا حينما أوجدنا الله في هذه الدار، إنها ميدان عمل، ومضمار تسابق، وإن الليل والنهار والشهر والسنة مطايا نركبها إلى الجنة أو إلى النار، بحسب السير، فمن الناس من قطع مراحل حياته متزوداً بغضب الله وسخطه ولعنته، يصبح على معصية الله، ويمسي على معصية الله، ويفتح عينه باستمرار في معصية الله، ويخصص أذنه على الدوام في سماع معاصي الله، ويتكلم بلسانه فيما يسخط الله، ويأكل بفمه وينزل في بطنه ما حرم الله، ويطأ بفرجه فيما حرم الله، ويمد يده إلى ما حرم الله، ويسير بقدمه ويسعى إلى ما يسخط الله، فهذا قد شد رحله وعزم وسافر إلى دار الدمار والنكال، أعاذنا الله وإياكم منها. ومن الناس من عرف سر وجوده وحقيقة وجوده، وعلم أنه يناط به أمر: قد هيأوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل فشد راحلته، وحمل عصا السير على عاتقه، وشمر وقال: إليك ربي لا ألوي عن راحلتي إلا إليك، فقطع رحلة عمره متجهاً إلى خالقه، مسخراً كل ملكاته وإمكانياته في مرضاة الله، فهو مع الله في الليل والنهار والسر والجهار، يصلي مع الله، ويعمل في مكتبه وهو مع الله، ينام على ذكر الله، ويأكل ويأتي أهله باسم الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب ويبغض في الله، ولا يصرف دقيقة من دقائق حياته الغالية إلا بما يعود عليه بالنفع في الدار الآخرة. فهذا هنيئاً له هذا المسير، وليس بينه وبين الجنة إلا أن يقف في آخر مرحلة من مراحل هذه الحياة عند جدار يسمى الموت، وهناك يقال له: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. نسأل الله من فضله.

стр. 1142

أثر مطية الدنيا على من امتطاها عنوان المحاضرة (هذه الأيام مطايا) والناس راكبون عليها، ينزلون من مطية الليل ويركبون مطية النهار، وينزلون من مطية النهار ليركبوا مطية الليل، ومطية تحمل وأخرى تضع، حتى تنتهي الرحلة، وفي نهايتها يعامل الإنسان على ضوء ما عمل في هذه الرحلة. هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا أين الأنفة من دار الأنايا أين العزائم أرضيتم بالدنايا إن بليَّة الهوى لا تشبه البلايا وإن خطيئة الأحرار لا كالخطايا يا مستورين ستظهر الخفايا قضية الزمان لا كالقضايا ملك الموت لا يقبل الوساطة ولا يأخذ الهدايا أيها الشاب! ستسأل عن شبابك أيها الكهل! تأهب لعتابك أيها الشيخ! تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب! قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ! اشك فوات النصيب لذ بالجناب قليلاً وقف على الباب طويلاً واستدرك العمر قبل رحيله وأنت بداء التفريط عليلاً يا من عليه نُذر الموت تدور يا من هو مستأنس في المنازل والدور لا بد من الرحيل إلى دار القبور والتخلي عما أنت به مغرور غرك والله الغَرور بفنون الخداع والغرور يا مظلم القلب وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما يُنظر إلى البواطن لا إلى الظهور لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت العين منك تدور يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه يا معتقداً صحته في ما هو سقمه يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا قليل العبر وقد دق عظمه يا قليل العقل وقد تيقن أن القبر عما قليل يضمه كيف نعظ من قد نام قلبه لا عينه وجسمه قال الفضيل بن عياض ﵀: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم، قد كبلتك خطيئتك. وقيل لـ ابن مسعود ﵁: [ما نستطيع قيام الليل، قال: قيدتكم خطاياكم]. قال الأصمعي ﵀: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي ﷺ ، فبينما أنا أطوف بالكعبة بالليل، وكانت ليلة قمراء، إذ أنا بشاب ظريف الشمائل، حسن الوجه، عليه أثر الخير، وإذا هو متعلق بأستار الكعبة ويقول: [إلهي وسيدي ومولاي! غارت النجوم، وهدأت العيون، إلهي! أغلقت الملوك أبوابها، وقامت عليها حجابها، وبابك مفتوح للسائلين، جئت أنتظر رحمتك يا كريم] فما زال يردد هذا الدعاء حتى وقع مغشياً عليه، قال: فدنوت منه فرفعته فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، قال: فبكيت لبكائه، فوقعت قطرة من دمعي على خده فأفاق، وقال: من هذا الذي شغلني عن ذكر مولاي؟! فقلت له: يا ابن بنت رسول الله، أنا الأصمعي، فما هذا البكاء وما هذا الجزع؟ أليس الله يقول فيكم أهل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣]؟ فقال: [هيهات هيهات يا أصمعي، إن الله خلق النار لمن عصاه وإن كان حراً قرشياً، وخلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشياً] قال: فتركته على حاله ومضيت.

стр. 1143

تُعرف حقيقة الدنيا بما يأتي بعدها أيها الإخوة! هذه هي الدنيا، شباب ونضرة، ثم شيخوخة وهرم، قصور بعدها قبور، ونور بعده ظلام، وأنس بعده وحشة، وسعة في المنازل بعدها ضيق في القبور، ونعيم وطعام وشراب ولباس ولكن تنتهي أيام هذه الحياة، يقول الله للنبي ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]. هب أنهم تمتعوا بكل متاع، وتلذذوا بكل لذائذ الدنيا، ولكن ماتوا وقابلوا ربهم والله ساخط عليهم، فماذا يبقى معهم من النعيم، إن النعيم واللذائذ تفنى وتذهب وتبقى آثامها وتبعاتها، وإن الطاعات والمعاناة في إتيانها تذهب وتنتهي ويبقى ثوابها وأجورها، فلا تغتر يا أيها الأخ في الله! وأنت تسير في مراحل هذه الحياة، لا تغتر بالمعوقات والمثبطات، بل اسلك سبيل الصالحين، ولا يغرك قلة السالكين، واحذر من طريق الهالكين، ولا تغتر بكثرة السالكين ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦]. اسلك السبيل الواضح الذي رسمه رسول الله ﷺ ، مستقيماً لا عوج فيه، ولا انحناءات ولا التواءات، بل محجة بيضاء ليلها كنهارها، ليس فيها غبش ولا ظلمة، لا يزيغ عنها إلا هالك.

стр. 1144

صراط الله واحد، وسبل الشيطان متعددة يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] فالصراط واحد، والسبل المؤدية إلى النار كثيرة، أما الطريق المؤدي إلى الجنة واحد، ولكنه طريق متعدد المسارات، والناس يتسابقون فيه من كل مسار، والنهاية الجنة. أما طريق النار فهي سبل ملتوية، وطرق متعددة على رأس كل منها شيطان، يزين للناس ويضلهم ويمنيهم، ويعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً. وأنت أيها المسلم في هذه الحياة تقف الآن على مفترق طرق: طريق الجنة وطريق النار، طريق الجنة قد نصبت لك أعلامه، ولاحت لك علاماته، وعليه لوحات إرشادية، بينها لنا رسول الله ﷺ ، اللوحات الإرشادية التي على طريق الإسلام والجنة لوحات عظيمة، مكتوب فيها: الطريق فيه شيء من الصعوبة؛ أشواك، وحجارة، ومطبات وغيرها، ولكن نهاية هذا الطريق جنة عرضها السماوات والأرض، فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) فيها السرور والحبور، فيها القصور والحور، فيها أنهار اللبن والخمر والعسل وماء غير آسن: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] هذه طريق الجنة، وفي الطريق نوع من المعاناة؛ لأنها حفت بالمكاره: بالجهاد بالصلاة بالصيام بالزكاة بالحج بغض البصر بحفظ الفرج بصون السمع بحفظ اللسان بترك الحرام بفعل الطاعات. لكن المؤمن إذا سار على هذا الطريق فإنه مأمور بالجدية، وبالمثابرة وبالتقوى، بحيث لا يضع يده ولا قدمه إلا في الطريق الصحيح، وهذا معنى التقوى: أن يشمر ويتقي الله. ليل نهارٍ، وشهراً وسنة، وسنة بعد سنة، حتى يقف عند جدار الموت، ويقال له: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢] ماذا تظن الجنة؟ حوش بقر! تريد اثنين وسبعين حورية، وملكاً ينفذه بصرك مسيرة مائة عام، وأن تنظر ببصرك إلى وجه الرحمن، وتسمع بأذنك خطابه، ويكون لك في الجنة قصور من ذهب ومن در مجوف، ومن تحت قصورك أنهار تجري تريد كل ذلك بالمعاصي والذنوب، وبالأماني والكذب، لا والله. يقول ابن القيم ﵀: والله لو أن القلوب سليمة لتقطعت ألماً من الحرمان لكنها سكرى بحب حياتهاالد نيا وسوف تفيق بعد زمان يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان ما كان عنها قط من متخلف وتعطلت دار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي ترنو إلى رب العلا في طاعة الرحمن هذه امتحانات! وكلما كانت الرتبة أكثر كان الامتحان أصعب، أليس كذلك؟! الآن امتحانات الثانوية هل هي مثل امتحانات أول ابتدائي؟! وامتحانات الابتدائية هل هي مثل امتحانات الجامعة؟! كلما كانت العطية والغنيمة أكبر، كانت الأسئلة أكثر، لماذا؟ حتى لا يصل إلى هذا المكان إلا الأهل والكفء، أما لو أنها لمن جاء فكل واحد يريدها، لكن لا بد من الامتحان، ولا بد من الاختبار: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] أي: ليختبركم أيكم أحسن عملاً ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] هذا الطريق الأول، طريق الجنة وفي هذا الطريق مع الصعوبة والمعاناة أربعة أعداء متربصون بهذا الإنسان: إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف النجاة وكلهم أعدائي

стр. 1145

عداوة إبليس للإنسان أما إبليس فعداوته أزلية قديمة قدم الإنسان، منذ خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فرفض الشيطان أن يسجد حسداً لآدم وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء:٦١] وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين﴾ [الأعراف:١٢] فالله لا يخطئ في حكمه ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. إبليس نظرته مقلوبة، ورأيه منكوس، يقول: النار تأكل الطين فهي أفضل من الطين؛ فلا ينبغي أن تسجد النار للطين، قال الله له: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨] ما زنا، ولا سرق، ولا لاط، ولكن خطّأ الرب، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين﴾ [الأعراف:١٢] قال: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ثم قال: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] أي: لأزينن لهم في الأرض، وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] قال الله لآدم: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] لا تقربا هذه الشجرة، كلا من كل ثمار الجنة، ولكن: من أرادها كلها أو حرمها كلها. ولكي تعرفوا كيف يأتي إبليس إلى الواحد منا، جاء إلى أبينا آدم، وآدم أحبَّ الخلود في الجنة؛ لأنه ليس من أهلها بالأصالة، بل هو خلق طارئ غريب، وليس من الملائكة، وإنما هو قبضة من التراب، ونفخة من الروح من السماء، فيخاف الغريب باستمرار أنه يخرج من هذه الجنة، يريد داراً مملوكة له. فأتاه إبليس من هذا الجانب وقال له: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] وبعد ذلك حلف لهما: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] ولهذا لا تطع كل من يحلف لك أنه ينصحك؛ لأن إبليس حلف أنه ناصح وهو كاذب، وما كان آدم يظن أن أحداً يحلف بالله فاجراً، وبعد ذلك قال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] إذا أكلت من هذه الشجرة تصبح من الملائكة! ولا تخرج منها! ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: بمكر وكيد وخديعة ودهاء ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] كل شجر الجنة أكله لا يترك أثراً إلا رشحاً كالعرق وله ريح المسك، إلا هذه الشجرة من يأكل منها لابد أن يخرج منه أذى، ولذا قال الله لآدم: لا تأكل منها من أجل ألا تخرج أذى، وجاء الشيطان بعد أن أكل ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧]. قال الله : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣] انزلوا جميعاً، فالعداوة ابتدأت في الجنة وانتهت بالاستقرار في الدنيا، والله يقول: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]. نزل آدم إلى الدنيا ورأى الدار غير الدار، كان عهده بالجنة وما فيها من الحور والقصور والأنهار، وإذا به يأتي إلى هذه الدنيا الدنيئة الحقيرة التي لم ينظر الله إليها منذ خلقها، والتي لا تزن عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث يقول ﷺ : (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) دنيا تافهة حقيرة، يقول النبي ﷺ فيها: (ما الدنيا في الآخرة -أي: نسبتها- إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم -أي: في البحر- فلينظر بم ترجع) ترجع بنقطة، هذه النقطة هي الدنيا والآخرة، ونحن نتطاحن عليها، ونضيع ديننا في هذه النقطة، ونتذابح ونتناحر في جناح البعوضة، ونترك جنة عرضها السماوات والأرض. نزل آدم ورأى الدار غير الدار فصحح الوضع، قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢] تاب ورجع. قال ابن القيم: (فحي على جنات عدن) يقول: أنت لست باقياً في هذه الدار، ولست مخلوقاً من أجل هذه الدار، نحن أصلنا في الجنة، وديارنا ومنازلنا في الجنة، وزروعنا وثمارنا وأنهارنا وزوجاتنا في الجنة، لكن العدو أخرجنا منها ولا بد من أن نرجع، يقول: فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم يقول: إن الغريب إذا فارق بلاده ودياره فإن قلبه يتعلق بدياره حتى يعود إليها، مهما تمتع في الدار التي هو فيها، لا يريد إلا داره، وكذلك قلوب أهل الإيمان معلقة بالجنان، يعيشون بأجسادهم في الأرض وأرواحهم في السماء، أرواحهم تحلق في العرش، يريدون العودة إلى دار الكرامة والسعادة، نسأل الله من فضله.

стр. 1146

تحذير الله لنا من عداوة الشيطان إبليس هو أول عدو في طريق المؤمنين إلى دار السلام، نبه الله على عداوته، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] لكن الحقيقة المرة: أن أكثر الناس اتخذه صديقاً، يقول بأن الشيطان عدوه، ولكنه في الحقيقة صديقه، يأمره الله بقراءة القرآن، ويأمره الشيطان بالغناء فيستمع الغناء ويترك القرآن، أليس هذا حقيقة؟!! ولو أجرينا استفتاء أو إحصائية لمن يستمع القرآن ويداوم عليه باستمرار، ومن يستمع الغناء ويداوم عليه باستمرار، لوجدنا فارق النسبة كبيراً بين من يستمع الأغاني ويترك القرآن، وإذا قلت له: الشيطان عدوك أم صديقك؟ قال: الشيطان عدو لي لعنة الله عليه، عدو لكنه راقد فوق رقبته! عدو لكنه يقوده ويوجهه! يلف بك على كل شر عنده، ما هو عدو لك بل صديق، الشيطان يأمر بالربا والله يأمر بالبيع، قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] ولكن تجد سوق أرصدة المسلمين في بنوك الربا وتجدها بالمليارات ويرابون ويقولون: هذا ليس ربا، هذه فوائد، وهي في الحقيقة خسائر ونكبات ودمار؛ لأن الله ما أذن على صاحب ذنب كما أذن على صاحب الربا، وكيف تحارب ربك والله غالب على أمره. تخرج بعماراتك وسياراتك ودكاكينك وأكياسك ورتبتك تحارب ربك، لو سلّط عليك جندياً من جنوده البسطاء ما تقدر له. سلط الله على النمرود بعوضة كجندي بسيط من الجنود، دخل من أنفه واستقر في دماغه وامتص دمه، وتربى على مخّه حتى أصبحت كالحمامة في رأسه، وكانت تضطرب باستمرار، فدخل عليه رجل من خدامه وعبيده قال: اضرب رأسي، فضرب رأسه بالسيف فشقه نصفين، ونزل السيف على جناح البعوضة فكسره، فقالت: ربي دخلت بطاعتك، والآن انكسر جناحي، قال: تريدين دية أم تريدين جناحاً؟ قالت: ما هي الدية؟ قال: مثل الدنيا منذ خلقتها حتى أفنيها، قالت: ما أريدها، أريد جناحي، وإذا الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة. أنت ضعيف تحارب خالقك! قال الله : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] يعني الذي يرابي قد أعلن الحرب على الله، والحرب قائمة الآن بينه وبين الله، ولكن الغلبة لمن؟! لله، من الذي يستطيع أن يغلب ربه؟!!

стр. 1147

مزالق أوقعنا فيها الشيطان الآن أوروبا وأمريكا التي تمردت على الله، واستباحت حرماته، سلط الله عليها جنداً من الجنود الذين قال الله فيهم: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] جندي بسيط لا يرى بالعين المجردة ولا بالتيلسكوب ولا بالمجهر الإلكتروني، هذا الجندي شبحه الآن يزعزع أمريكا وأوروبا ويخوفهم ويرعبهم، عجزت جامعاتهم، وكليات الطب فيهم، وأطباؤهم، بل يموت الطبيب وهم يرونه ولا يصنعون له شيئاً، هذا الجندي اسمه (الإيدز) وما أدراك ما الإيدز؟! أين كان هذا؟ الإنسان موجود من زمان، لماذا ما وجد مع الإنسان مثل ما وجدت الأمراض مع الناس؟! إن هذا جندي جديد من الجيش، من أفراد قوات الصاعقة الربانية، إنه بسيط لا تراه أمريكا حتى تحاربه، يدخل في الجسد فتنهار المقاومة ويموت الإنسان وينتهي، لماذا؟ عقوبة ودمار من الله للإنسان، فالذي يرابي يعلن الحرب على الله. والرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح عند البخاري عن سمرة بن جندب ﵁، في حديث الرؤيا الطويل لما جاءه الملائكة قال: (قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على رجل يسبح في نهر من دم) وتصوروا نهراً من دم، أنت الآن إذا ذبحت ذبيحتك، وطاش الدم في يدك تقززت حتى تغسل يديك، وهل تأكل والدم في يديك؟! وإذا كنت ملطخاً بالدم فماذا تصنع؟! فكيف بمن يسبح في الدم (فإذا رجل يسبح في الدم، وآخر على طرف النهر وعنده كومة من الحجر وذاك يسبح إليه، فإذا قرب منه فتح فاه فرجمه في حجر وبلع الحجر في بطنه ثم يذهب إلى هناك ويرجع، فقلت: من هذا؟ قالا لي: انطلق انطلق -وفي نهاية الحديث- قال: أما الرجل الذي يسبح في الدم فهو آكل الربا). وفي مسند أحمد يقول ﷺ : (لأن يزني الرجل بست وثلاثين زنية في الإسلام أعظم من درهم يصيبه من الربا) وعند ابن ماجة يقول ﷺ : (الربا بضع وسبعون حوباً، أدناه ذنباً كأن ينكح الرجل أمه) وهذا أقل شيء، والآن يمارسه المسلمون إلا من عصم الله، أعلى شيء أن تأتي بأموالك وتقول: أريد عليها ربا، أو فائدة، أو كما يسمونها عمولة، أو تكاليف موظفين، يخففون الاسم ويستبيحون محارم الله بتغيير المسميات. يسمون الخمور مشروبات روحية، كيف مشروبات روحية؟! الروح شرابها من هذا الخمر؟! الروح غذاؤها من الله، لكنهم عكسوا المسألة وقالوا: الخمر مشروبات روحية، ويسمون الزنا الذي يقول الله فيه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول فيه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] ويقول فيه النبي ﷺ : (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له). يسمون الزنا علاقات جنسية، ويسمون السحر وألعاب السيرك ألعاباً بهلوانية، يأتون بساحر كذاب ويأخذ سيخاً ويركزه في الأرض ويحنيه إلى عينه ويخيل إلى الناس أن هذا المنتصب سيخ حديدي وهو في الحقيقة حبل، ومرة من المرات دخل رجل من الموحدين على مثل هذا الساحر وقال له: أنت تقول إن عينك تستطيع أن تثني سيخاً حديدياً طوله (١٦) ملي، وفعلاً يضعه أمامه ويضعه على عينه حتى يثنيه مرة ثانية بعينه، فقال له: نعم، قال له: إصبعي أقوى أم السيخ؟ قال: السيخ أقوى، طبعاً السيخ تدقه لا ينحني إلا بقوة فظيعة جداً، لكن الإصبع ممكن تنحني، قال: تدري ما نريدك تحني السيخ، أريد إصبعي تحنيها فقط، قال: لا. ما أقدر، فتفله في وجهه وطرده، لأنه دجال كذاب ساحر فيسمونها ألعاباً بهلوانية. ويسمون نكاح اليد بالعادة السرية، فالذي يرابي هذا ما اتخذ الشيطان عدواً، بل اتخذه صديقاً، والذي يترك الزواج وكلما أخذ إجازة خرج إلى خارج المملكة، لماذا؟ قال: أريد أن أكمل ديني، يذهب هناك يكمل دينه، ويأتي وقد أصبح في جهنم، أول ما ينزل في أي بلد يسأل، في سيرلنكا وفي الدول الخبيثة المجرمة، يأتي من أرض الحرمين ليأخذ عمرة، نسأل الله أن يأخذ عمره أو يتوب عليه، تترك المقدسات والحرمين الشريفين، تترك مكة المكرمة ومسجد النبي ﷺ في رمضان، والله يخرجون لا يذهبون إلى العمرة في العشر ولا إلى قيام الليل في العشر الأخيرة، وإنما يذهبون إلى خارج الديار ليزنوا، وليخرجوا على الآداب والقيم والمفاهيم الإسلامية. هذا ما اتخذ الشيطان عدواً وإنما اتخذه صديقاً. والله حذرنا من الشيطان، فقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١] وقال لنا في آية أخرى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠] بئس والله أن تبدل ربك بشيطانك، ربك الذي خلقك وأخرج إبليس من أجلك، تذهب تصادق إبليس وتترك ربك، أين عقلك؟! لماذا أخرج الله إبليس؟! لأنه ما سجد لك، فطرده الله إكراماً لك، وبعد ذلك عندما أطعت الشيطان، وخرجت من الجنة ونزلت إلى الأرض، قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] ثم تأتي تطيع الشيطان، قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠]. وبعد ذلك عدو له صفة متميزة، عدو لا تراه، وهذه المشكلة فيه قال : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] إذا كان عدو أمامك تستطيع أن تحاربه وتتقيه وتحاول أن تفتك به؛ لأنك تراه، لكن ما الحيلة في عدو لا تراه وهو يزين لك، يجعل القبيح حسناً، والحرام حلالاً، والخير شراً، والشر خيراً، والزنا جميلاً، والغناء جميلاً، والصلاة ثقيلة، والقرآن مزهداً، والدين معقداً، هذا هو الشيطان، وهذا هو إبليس يقلب لك الحقائق!

стр. 1148

مداخل الشيطان على ابن آدم وموقفه منه موقفك منه التشمير لعداوته، والتصدي له بالاستعاذة بالله من شره، متى تستعيذ بالله من شر الشيطان؟ في أربع حالات:

стр. 1149

الباب الأول: عند ورود أمر الله إذا كنت نائماً وسمعت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر والجو بارد والفراش وثير والزوجة بجوارك جميلة، والمؤذن يقول: الله أكبر! والشيطان يقول: لا. النوم أكبر، وهو لا يقولها لك لكنها في إحساسك وذهنك، ثم يقول المؤذن: الله أكبر، ثم يأتي الشيطان ويقول: الفراش أكبر، الزوجة أكبر، لا يزال هناك وقت!! ماذا يسمى هذا؟ أذان إبليس، وهذه إيحاءات الشيطان، فما موقفك؟ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] إذا كنت نائماً وهذه الصراعات تتجاذب نفسك فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واقفز من فراشك كما يقفز الأسد، لا تقم بهدوء لأنك إذا قمت بهدوء يلحقك إبليس، والله إن بعضهم يلحقه إلى الحمام ويرده ليركب عليه ويبول في مسامعه؛ لأن الإنسان إذا نام عن صلاة الفجر كما جاء في الحديث: (سئل النبي ﷺ عن الرجل ينام الليل ولا يصلي الفجر في المسجد، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) أي لغمه، ما رأيكم في واحد لغمه الشيطان إلى مسامعه، كيف يصبح هذا؟ يصبح شيطاني، لأن الوقود من الشيطان، لا يسمع كلاماً طيباً ولا يتكلم كلاماً طيباً، ولا ينظر إلى طيب، لماذا؟ لأنه مزود بالوقود الشيطاني. فأنت إذا كنت جالساً في فراشك وتتقلب وسمعت الله أكبر، فأول شيء تقوله بعد فتح عينيك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، أصبحت على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم، اللهم ابعثني إلى كل خير، واصرفني عن كل شر، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قم كالأسد، وهنا تنحل عقدة، كما جاء في الحديث: (إذا نام العبد حضره الشيطان وعقد على ناصيته ثلاث عقد) ثلاثة أقفال حتى لا تصلي الفجر، ورباط مقيد لا يربط بهدوء، لا بل يربط ربطاً لا ينفك إلا بالأمور الثلاثة هذه قال: (فإذا ذكر الله وقام انحلت عقدة) يعني: انفك القفل الأول (فإذا دخل وتوضأ وخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون انحلت عقدة ثانية) وينفك القفل الثاني، ولكن بقي واحد فانتبه، فإذا خرجت إلى المسجد وذكرت الله عند بابك وتقول حين تخرج: باسم الله توكلت على الله اعتصمت بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أبغي أو يبغى علي، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم ابعثني إلى كل خير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ومن أمامي نوراً، فتدعو بهذه الأدعية، ثم تذكر الله بأذكار الصباح إلى أن تصل المسجد، فتدخل المسجد وتقدم رجلك اليمنى وتقول: باسم الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، اللهم صل على محمد، ثم تأتي وتصلي ركعتي الفجر، ثم تجلس فتقرأ القرآن، ثم تصلي بحضور قلب، ثم تقرأ بعد الصلاة الأذكار النبوية المشروعة، ثم إن كنت من أهل جلسة الفجر، من أهل العمرة والحج التامة التامة فتجلس، وإن كنت من أهل التصفير والتحضير والنوم، فارجع ومعك خير وقد انحلت عقدك الثلاث، وتصبح عبداً في حفظ رب العالمين، كما جاء في الحديث الصحيح: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي). معنى في ذمة الله أي: في عهده وأمانه، ولو عشت ذاك اليوم فتعيش مع الله، وإن مت فإلى الجنة، نعم، معقول يدخلك الله النار وأنت في أمانه وفي عهده وذمته، ويقول ﵊: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله). فالشيطان يمكر ببعض الناس الطيبين ويقول لهم: قوموا الليل، فإذا قاموا الليل رقدهم عن صلاة الفجر، وبال في مسامعهم، والله ما نفعك قيامك؛ لأن قيام الليل نافلة، وصلاة الفجر فريضة، وأعظم شيء تتقرب به إلى الله هو الفريضة. (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) أحب شيء إلى الله الفريضة، وبعد ذلك، عندما تحافظ على كل الفرائض تأتي وتتحبب إلى الله بالنوافل قال: (وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) وهنا أصبحت العلاقة بينه وبين الله قائمة، إذا سأل أعطى، وإذا استغفر غفر له، وإذا استعاذه أعاذه (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه). هذا العدو اللدود -الشيطان- عند ورود أمر الله عليك مباشرة تستعيذ بالله منه. وعندما تأتي تخرج زكاة مالك فتعد الأموال ويأتي الشيطان، مثلاً: عندك مليون ريال، والمليون فيها خمسة وعشرون ألفاً، لا يأتي الشيطان ويقول: والله باقي بركة تسعمائة وخمسة وسبعون ألفاً، بل يأتي ويقول: خمسه وعشرون ألفاً، تخرجها كلها! هذه تشتري بها سيارة والله غفور رحيم. فيجعل لك الكبير هو الذي تخرجه لله، والصغير هو الذي يبقى لك، لكنك إذا سمعت مثل هذا الإيحاء قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اخسأ يا عدو الله، وإذا دعيت للإنفاق في سبيل الله، مثلاً للجهاد وللمجاهدين الأفغان؛ لأن مساعدتهم ليست نافلة علينا بل واجبة، ليس لك خيار في مساعدة إخوانك الذين يواجهون الرصاص بصدورهم، ويلتحفون السماء ويفترشون الأرض، خاصة هذه الأيام، أنت الآن في بيتك مكيَّف بالمكيف، وعندك ثياب شتوية وملابس داخلية وعباءة والدفاية والزوجة، تخرج من البيت إلى المسجد كأنك من رجال الفضاء ما تجد الرياح إلى وجهك طريقاً، وبعد ذلك مملوء بالطعام، تدخل البيت على فراش ارتفاعه نصف متر، وتتقلب على هذا الفراش ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، وتتبطح من طرفه إلى طرفه، ولك إخوان يعيشون على قمم الجبال، والثلوج تقطِّع أبدانهم. يقول لي أحد الإخوة الذين ذهبوا هناك: والله إنهم لا يلبسون إلا الثياب البيضاء التي نسميها نحن (لاس) يقول: والله إنها ملبدة بالثلج، وإن بعضهم لا يكاد يحرك يده أو أصابعه من البرد، ولكنه يذكر الله ومع الله، ثم ماذا يأكلون؟! يأكلون الرغيف الجاف، ينقعه في الماء ويدقه ويأكله، ولا فراش ولا ثلاجة ولا مكيف، ثم أين هو جالس؟! جالس تحت أزيز الطائرات والقنابل تنفجر عند رأسه، والمدافع ترميه وهو يزحف على بطنه حتى يذهب ويزعزع أعداء الله، وحق له ذلك والحمد لله، روسيا الدب الروسي الذي دمر العالم وأرهب واجتاح دولة المجر في ست ساعات، لكن تسع سنوات والمجاهدون الضعاف الذين لا يملكون شيئاً حتى السلاح إلا من أيدي أعدائهم ركع الروس على الأرض وانسحبوا صاغرين خائبين بسبب قوة الإيمان. ولهذا نقول لجيوشنا ولحرسنا ولقواتنا: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] لا ينصرنا إلا الله، فلا نستطيع أن ننتصر على أعدائنا بقوة السلاح فحسب؛ لأنه يملك مثل ما نملك بل ربما أكفأ، لكن السلاح الفتاك الذي نملكه ولا يملكه العدو هو سلاح الإيمان، وإذا استعملنا هذا السلاح والله ما تقوم لنا الدنيا كلها بأسرها ولماذا؟ لأن الله معنا، ومن كان الله معه، فلا يهزم، يقول عمر ﵁ في رسالته إلى قواد الجيوش الإسلامية، يقول: [والله إني أخشى عليكم من الذنوب والمعاصي أعظم مما أخشى عليكم من الأعداء، فإنما نقاتل بالله]. وأرسل نجدة إلى القعقاع بن عمرو وقال: [إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم] وكان القعقاع من العباد. كان محمد بن مسلمة في المعركة ومعه محمد بن واسع إمام من أئمة العلم، فكان محمد بن واسع في الليل يقوم وفي النهار يدعو، فيقول محمد بن مسلمة: [والذي نفسي بيده! إن إصبع محمد بن واسع أعظم عندي في الجيش من ألف شاب طرير، ومائة ألف سيف شهير] يقول: ما أريد شباباً أقوياء وسيوفاً مع معصية وكفر وزندقة وإلحاد، هؤلاء لا ينصرهم الله، نقول لجيوشنا ولحرسنا ولقواتنا: عليكم بطاعة الله واحذروا من معصية الله، فإن المعاصي تنخر أديانكم، والذنوب تدمر إيمانكم، وبعدها لا يصبح لكم شرف الرباط في سبيل الله، لأنكم اليوم تعيشون أعلى درجة من درجات الجهاد وهو الرباط، أنتم على ثغور الدين، والمقدسات، تذودون بنحوركم عن دين الله ، فإذا احتسبتم النية لله وأصلحتم العلاقة بينكم وبين الله كنتم مرابطين في الدنيا، وإذا متم على الفراش أو بالشهادة أنزلكم الله منازل الشهداء، أما إذا عشنا على المعاصي والذنوب وأصبحنا مرتزقة، فقط همُّ الواحد منا الراتب في آخر الشهر، والثلاجة تكون مملوءة، والفلة مكيفة وجميلة، وبعد ذلك لا عبادة ولا صلاة، فهذا خزي ودمار وعار ولن ينصر الله الدين بمثل هذه الأشكال.

стр. 1150

الباب الثاني: عند ورود المعصية إذا مرت عليك معصية من المعاصي فإن الشيطان يقوم بدور الوسيط في سبيل إضلالك بهذه المعصية، تخرج إلى السوق وتمر امرأة كاشفة متبرجة ويقع بصرك عليها، فيأتيك الشيطان ويقول: انظر، ولكن إذا جاءك هذا الشعور قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. شكا إلي شاب من الشباب هداه الله والتزم، وجاءني في يوم من الأيام إلى المسجد وقال لي: يا شيخ! الحمد لله كل شيء طيب وأنا استطعت أن أتخلص من كثير من الذنوب، ولكن بقي شيء صعب عليَّ، إذا خرجت إلى السوق أو رأيت امرأة أحس أن قوة خارجة عن قوتي تلف رأسي غصباً عني إليها، إبليس ماسك (الدركسون) يلفه مع المرأة، كيف أصنع؟ قلت له: أعطيك علاجاً ولكن تعمل به؟ قال: ما هو، قلت: إذا أحسست بهذه القوة قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فذهب الرجل وبعد يوم جاءني، وقال لي: جزاك الله خيراً، قلت له: ماذا بك؟ قال: والله ذهبت أجرب هذه الليلة، وذهبت إلى السوق لأشتري أغراضاً فرأيت امرأة فغضضت بصري خوفاً من الله، ولكن شعرت أن هناك ما يجذبني نحوها فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا بي أنجح. يقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] إذا جئت في الليل وأنت نائم، تمر يدك في مؤشر الراديو على أغنية من الأغاني وأنت تعرف هذه الأغنية من الماضي والشيطان يحببها لك، فلا تقف عندها بل أسرع بيدك واهرب من إبليس وقف على إذاعة القرآن الكريم وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وإذا سلمك أمين الصندوق الراتب وأعطاك ستة آلاف أو سبعة آلاف وعددتها وإذا بها زائدة مائة ريال، وعددتها مرة ثانية وثالثة وإذا بها زائدة مائة ريال، والشيطان يقول: حق الحكومة، يا رجل! الناس يأخذونها (بالكريكات) وأنت هذه فقط! من مال الحكومة! لا. ليست هذه من مال الحكومة، بل مال هذا أمين الصندوق، وأمين الصندوق يدفعها من راتبه، كما أن مال الحكومة أيضاً ليس حلالاً، بل من أعظم الحرام، وإذا أخذته يكون من الغلول الذي يقول الله فيه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] والنبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (لا ألفين أحدكم يأتيني يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، يأخذه من بيت مال المسلمين، فيقول: أغثني) يريد أن يأخذ الجمل من على رقبته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] فشيء تأخذه اليوم تحمله يوم القيامة، (فيقول: أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يأتيني يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء) شاة أخذها من مطعم، أو التغذية عشرة كباش كل يوم، لكن يذبح ستة والباقي للجيب الخاص، هذه كلها مقيدة مربوطة إلى أن تموت، يربطها الله في رقبتك كلها ويدخلك بها النار، (فيقول: أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يأتيني يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق) يقول المفسرون: رقاع تخفق أي الملابس، بدلة أو كوت أو فنيلة أو شراب ليس لك، أي: لم يسلم لك، ولكن أنت أمين المستودع تُلبِس الجماعة كلهم، وتلبس بناتك وعيالك كلهم، هذه كلها تأتي بها يوم القيامة في رقبتك، والله لو دبوس واحد أو قلم أو ورقة تحضرها. أحد السلف مات، فرؤي بعد موته فقيل له: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، غير أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها ولم أردها. فهو لم يسرقها ولكن فقط استعارها ولم يردها، كيف بالذي يأخذها من بيت مال المسلمين؟!! يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح في البخاري في قصة غلام اسمه كركرة في معركة من المعارك جاءه سهم فمات، فقالوا: هنيئاً له الجنة، فقال النبي ﷺ : (كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي غلها من المغانم -لم تصبها المقاسم- لتشتعل على ظهره في النار). قال العلماء: إن هذه الشمله تساوي درهمين، فجاء رجل وقال: (يا رسول الله أخذت شراكين -شراكين من حق الغزو- فقال: شراكين من نار) مال الحكومة ليس سهلاً، لا تأخذ شيئاً من بيت مال المسلمين، مما أسند إليك ولو ورقة ولو قلماً ولو دبوساً، يكفيك راتبك فقط، فإذا جاءك شيطان يقول لك: المائة هذه خذها، قل: لا. وردها إلى أمين الصندوق وقل له: هذه زائدة وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

стр. 1151

الباب الثالث: في حالة الغضب الغضب جمرة من الشيطان يشعلها فيك، ولهذا عندما جاء أبو هريرة وقال: (يا رسول الله! أوصني قال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب) وأخبر ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). أما ترى الإنسان إذا غضب كيف يتحول من إنسانيته إلى إنسان آخر، ترى الإنسان طبيعياً ولكن إذا غضب كيف يتحول، أولاً: تنتفخ عروقه؛ لأن الشيطان دخل منها، ثم تبرز عيونه، ثم يضطرب ويرتعد، ويسب ويشتم ويلعن، وربما يطلِّق ويضرب، وربما يقتل وهو غضبان، فإذا جئت إليه وقلت له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما يقولها، يقول: أنت لا تدري ماذا عمل بي هذا، تقول له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: أنت لا تدري ما عمل، يا أخي! قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والله لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لجلس. الغضب أيها الإخوة! باب كبير وواسع من أبواب الشيطان، يهلك الكثير من الناس بسببه، يطلق الرجل زوجته من أجل سبب تافه، ولكن عن طريق الغضب، ثم يندم، فإما أن يذهب إلى العلماء ليستفتي إن كان له فتوى، أو يترك هذه الزوجة ويحطم بيت الزوجية، أو يضيع دينه ويبقى مع زوجته وهي حرام، ويصبح أولاده أولاد زنا، ويأتي زوجته سفاحاً والعياذ بالله، وسبب هذا كله الغضب، بعضهم يقتل أخاه المسلم بسبب الغضب، ثم يندم ولكن بعد فوات الأوان. كم من واحد الآن في السجن يعض أصابعه العشر ويتمنى أنه ما عرف هذه الحياة، وسبب القتل تافه وبسيط، بعضهم يقتل من أجل كلمة واحدة، ولو أنه مؤمن ومتقيد بآداب الشرع كان إذا جاءه الشيطان من هذا الباب قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يخبرني أحد المسئولين عن رجل ينتظر الموت ومحكوم عليه بالسيف، وسببه أنه كان يسير في طريق وتجاوزه آخر، فلما تجاوزه رجع إلى الخط وضايقه، فجاء الشيطان ونفخ في هذا الرجل الأخير وقال له: انظر هذا يضايقك يريد أن يقلبك، ولو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يريد أن يقلبني ولكنه ما قلبني، نفخه الشيطان فداس على البنزين ولحقه إلى أن تجاوزه وكان انتقامه أكبر منه، يريد أن يقلبه، ويقوم هذا للمرة الثالثة ويلحقه ويأتيه الشيطان ويقول له: هذا عدوك، وأصبحوا مثل الأطفال، حتى تجاوزه ثم أوقف السيارة واعترضه في الخط ونزل بالمسدس، والتقيا هذا معه مسدس وهذا معه شقوف، فأخرج مسدسه وقتله، وبعد ذلك قبض عليه وجيء به في السجن وهو الآن يموت كل لحظة، ذاك المقتول أخذها على غير موعد ومات، لكن هذا القاتل منذ قبض عليه وهو يموت، ومنذ أن حقق معه وهو يموت، وكل جمعة وهو يموت، وكل ثلاثاء وهو يموت، وعندما يسمع قدم عسكري يموت، وبعد ذلك إذا أخرج للقتل وقيل له: قم اغتسل واكتب وصيتك، وإذا أخذ وربط من يديه وقدميه وركب في سيارة الشرطة وغمضت عيناه وجيء به وأنزل من السيارة ورأى الناس كلهم ينظرون إليه، ونظر إليهم وهم يريدون أن يعودوا بعد لحظات إلى بيوتهم وأزواجهم وأعمالهم وهو يقاد إلى (المقصمة) ثم يجلس ويقرأ عليه الإعلان وهو يسمع، ثم بعد ذلك تأتي الرصاصة لتضرب في ظهره وهو ينتظرها، فرق بين من يموت فجأة، وبين من صدره مفتوح للبندقية ينتظر متى تنفضه نفضاً، ثم تفتح صدره وتخرج رئته وقلبه وكبده أمامه. وهذا كله عقاب الدنيا، وبقي شيء يشيب الرءوس في الآخرة، هذا كله بسيط قياساً على عذاب الآخرة، يقول ابن عباس عند قول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] قال: [كيف أحكم له بالتوبة وهذه من آخر ما نزل في آخر سورة النساء] واختلف أهل العلم في توبة القاتل: فقال بعضهم: لا توبة له، وقال بعضهم: له توبة؛ لأن القتل أقل من الشرك، والصحيح أن له توبة ولكن بشرط: أن يسلم نفسه لولي الدم، أما أن يقبض عليه باضطرار فلا. بمعنى: أنه إذا قيل له وهو في السجن: هذا الباب مفتوح تريد تجلس وتسلم من عذاب الآخرة، أو تذهب إلى أهلك والآخرة بعد ذلك؟ إن كان جلس وقال: والله ما أخرج. هذا تاب، وإن كان قال: لا. والله المرأة والعيال، فهذا كذاب دجال ما تاب. وأسباب هذه الجريمة والمصيبة أنه تجاوزه بالسيارة، طيب كم نسبة تجاوز الإنسان لك بالسيارة. كل يوم يتجاوزك، مرة بالسنة أو بالسنين كلها، وإذا أخطأ عليك ودقك، قل له: الله يسامحك وسلم عليه: لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات وأملأ الوجه بشراً حين مقدمه كأنما قد حشا قلبي مودات إذا رأيت عدوك يريد أن يقحمك في المآسي فتبسم، إن شر الناس من تركه الناس اتقاء شره، والحديث في البخاري يقول ﷺ لما استأذن عليه رجل قال: (ائذنوا له بئس أخو العشيرة). فأنت يا أخي المسلم! في ساعات الغضب اضبط نفسك وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. حضرت مرة بين رجلين، وأحدهم معه عصا والآخر معه فأس، وهم عمال في مزرعة وجئت وإذا بهم والشيطان قد شغل (المواطير) كلها، وما بقي إلا أن يعلن البدء، لكن الله ساقني لهم في تلك اللحظات، فمسكت الذي رأيته كأن الشيطان (معشِّق) عليه، فمسكته على جنب وقلت له: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: ما تعرف ما صنع بي. قلت: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: ما علمت يا شيخ! قلت: قل أعوذ بالله. فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا به جلس، والله الذي لا إله إلا هو إن عيناه رجعت، وعروقه هدأت وجلس، وقمت لذاك وإبليس راكبه، فقلت: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: ما علمت هذا ما صنع. قلت له: قل أعوذ بالله، فكررتها عليه ثلاثاً وأربعاً، حتى قالها فجلس فلما جلس قاما وتصافحا، قال: يا شيخ! أرأيت الشيطان كيف كان يورطنا، جزاك الله خيراً يا شيخ. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠]. جاءنا رجل يسألنا في المسجد أنه طلق زوجته بعد صلاة المغرب بالطلاق الثلاث المحرمات ويريد فتوى، قلت له: ما هي الأسباب؟ وأين كنت؟ قال: كنت في الدوام وبعد ذلك معزوم، وما جئت إلا مع المغرب. قلت: لما دخلت سمّيت الله؟ قال: لا. والله يا شيخ نسيت. قلت: دخل معك إبليس؛ لأنك إذا دخلت بيتك فمن السنة أن تقول: باسم الله، وإذا تعشيت تقول: باسم الله، وإذا جئت زوجتك تقول: باسم الله، وإذا لبست نعلك تقول: باسم الله، وإذا رجلت رأسك تقول: باسم الله، لكن إذا سويت شيئاً من غير ذكر الله تراها كلها لإبليس، إذا دخلت دخل معك إبليس، وإذا تعشيت أكل معك إبليس، وإذا جئت زوجتك جاءها إبليس قبلك، ولهذا يصير الأولاد شياطين لأنهم أولاد إبليس، وإذا تدهنت وما سميت تدهّن معك إبليس، فقلت له: هل سميت حينما دخلت؟ قال: لا. والله. قلت: دخل معك إبليس، وماذا حصل؟ قال: دخلت وجلست، ولاحظت قمامة في المجلس، انظروا كيف الشيطان يصنع من الحبة قبة. قال للمرأة: لماذا لم تكنسي المجلس، ما عندك من عمل طوال اليوم؟! قالت: عجيب! تكمل دوامك، ثم تذهب تتغدى عند أصحابك وتتركنا ولا تجينا والآن تزيد تدخل تضارب. قال: أنتِ ما فيكِ خير. قالت: بل أنت ما فيك خير. المهم تشاجرا وتضاربا فصكعها فصاحت وشبت النار وقال لها: أنت طالق، وله ستة أطفال منها، ولد وبنت في المستوى الثانوي واثنين أولاد في المتوسط، واثنين أولاد صغار، قاموا يصيحون، وشبت النار في الأسرة وجاء الرجل وهو يرتعد: دلني يا شيخ، قلت: أعوذ بالله يورطك إبليس إلى فوق رأسك وبعد ذلك تأتي أدلك، ما عندي لك دلالة، ما عندي فتوى في هذا الموضوع، الطلاق بالثلاث، قال: طلاق بالثلاث، لا يفتي فيه أحد إلا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في هذا الزمان، يفتي فيه ولكن ليس على الإطلاق، انظر المصلحة المرجحة، أما الذي يلعب بالأيمان، هذا دجال، يعزر ويضرب وقلت له: لو كنت في المحكمة وجئتني لجلدتك وعزرتك. فلا تغضب إذا المرأة غضبت، إذا دخلت وهي غضبانة قل لها: السلام عليكم، كيف الحال ما بك اليوم، واضحك لها، لكن إذا دخلت وهي زعلانة قلت: أكون أنا زعلان أكثر وتقابلتما وصارت مشكلة، لا تغضب أبداً لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب، وإذا رأيت في الطعام شيئاً لا تغضب ولا تسبه اسكت؛ لأنك إذا سبيت الطعام كأن يكون الملح أو الفلفل زائداً. أولاً: عبت الطعام فهذا خلاف للهدي النبوي؛ لأن هدي النبي ﷺ أنه ما عاب طعاماً قط، إن أعجبه أكل وإلا ترك. ثانياً: لفت نظر الجالسين، ربما لم يعلموا بالذي علمت به أنت، فإذا لفتَّ نظرهم أصبح عندهم حساسية ضد الطعام هذا وما أكلوا منه. ثالثاً: أوغرت صدر المرأة المسكينة تتعب لك وأنت تخرب طعامها، ما الحل؟ تسكت، إن أعجبك كل، وإلا قف، قل: أنا شبعان أفطرت اليوم في المكتب فطوراً جامداً، وبعد ذلك عندما تكمل الطعام، تقول للمرأة: حقيقة طعامك اليوم من أروع ما يكون، والله ما أدري كيف سويتيه اليوم، بس ما أدري وأنت تحطي له الملح كأنك غمست الملعقة قليلاً طلع فيه ملح زايد، لكن غداً يحسن أنك تخففي الملح، تقول: والله قد بان لي أنك ما أكلت، أنا آسفة يا زوجي ويا عيالي، وغداً تصلح الطعام من الصباح، لماذا؟ لأنك عالجت الموضوع بحكمة، لكن ما ظنك لو أنك قلت من أول ما ذقته: ما هذا صبيتي الملح كله، أين عقلك؟! ما معك من شغل يا بنت الحرام، جالسة راقدة، أنا أكد وأشتغل وأتعب وأجيء والطعام هكذا، وقام، قالت: الله أكبر عليك يا ذا الجني، وهي قالت: والله ما أذوقه، وقال العيال: والله ما نذوقه، وصار اليوم تعب، وجاء الليل هي زعلانة وهو زعلان، هي في دار وهو في دار، والأولاد زعلانين، وإذا جاء الصباح تقوم تطبخ تسوي الرز، ماذا تصنع ما تسوي فيه ملح بالمرة خائفة من الرجَّل. فإذا جاء يأكل قال: الملح قليل، أمس ملح زيادة واليوم ما

стр. 1152

الباب الرابع: عند ورود الشهوة إن الشهوات التي تأتيك لتفتنك وتسيطر عليك وتدغدغ مشاعرك مثل شهوة المال والمنصب والجاه والنساء أو أي شهوة من الشهوات، هذه إذا رأيت أنك تورطت فيها قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إذا كنت آمراً وتحت يدك مأمورون وجاءتك شهوة الإمرة، تكون نقيباً أو ملازماً أو رائداً، أو مقدماً أو مسئولاً كبيراً وعندك صف ضباط، أو أفراد وجاءك الشيطان ينفخ فيك، يقول: انظر النجوم فوق ظهرك، انظر الضفادع! إذا جاءك تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] قل له: سأدخل القبر بدون بدلة، هل سمعتم أحداً دخل القبر ببدلته، جاء ومعه التيجان، من أجل أن يقولوا له: ما رأيك يا أفندي حساب أم لا حساب، لا والله لا يقولون لك: يا أفندي ولا أبندي! يعرفونك أنك مؤمن أو غير مؤمن، مصلي ومن أهل الإيمان ونعم بك، والله لو على ظهرك (درزن) نجوم ما تنفعك، يقول الله ﵎: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] إذا جاءتك شهوة المال والطغيان، وعندما يأتيك المال وتراه شيكات وأرصدة وأموالاً وراتباً، قل له: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]. واذكر حديث النبي ﷺ والحديث في مسند أحمد وهو صحيح قال: (التقى مؤمنان على باب الجنة، مؤمن غني ومؤمن فقير، فلو أنه غني فاجر ليس هناك طريق إلى الجنة؛ لأن تحويله على النار، لكن هذا مؤمن غني من أهل الإيمان- قال: فأدخل الله الفقير لتوه) ما عنده شيء، مثل الذي يريد أن يسافر المطار يريد أن يسافر جدة أو الرياض أو الدمام ويأتي يقول: ما عندي (عفش) وفي لوحة الركاب بدون عفش، أعطهم الورقة ويعطونك البطاقة ادخل الطيارة، لكن هذا الذي عنده عشرين أو ثلاثين (كرتون) ينزلها من السيارة ويحملها على العربيات، ويأتي يقف بها في الصف، وبعد ذلك قسائم وأوراق ويحملها، وما ينزل إلا آخر واحد من هناك ويجلس يرقبها، وهي رحلة بسيطة من هنا إلى مكة أو إلى الجنوب. لكن رحلتك إلى الآخرة إذا جئت وأنت محمل دنيا، وما عندك عمل صالح، قال: (فأدخل الله المؤمن الفقير لتوه، وحبس المؤمن الغني ما شاء الله أن يحبس) حساب بدون عذاب، سين وجيم، من أين وفين، وهو ما أخذ ريالاً حراماً، ولا صرف ريالاً في حرام؛ لأن مسئولية المال نوعان: مسئولية الأخذ، ومسئولية الإنفاق، فالأخذ يجب أن يكون حلالاً، والإنفاق يجب أن يكون حلالاً، لا تدفع ريالاً في علبة دخان، تأتي يوم القيامة تقول: صرفتها في دخان، ما الدخان؟ كيف تخرجها عند ربك؟ يسألك الملك: ما الدخان؟ غذاء؟ تقول: لا. شراب؟ لا. دواء؟ لا. لباس؟ لا. ما هو؟ تقول: دخان دخان، حسناً أكمل الدخان هناك في دار الدخان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] أعوذ بالله أين عقلك؟! تحرق ريالك وتحرق جيبك، وتغضب ربك وتطرد ملائكته، تأخذ هذا المخزي الخبيث، الناس يتطيبون بالطيب ويشترونه بمئات الريالات وعشرات الريالات، وأنت تشتري بخورك من بول إبليس ومن شجرة الشيطان الرجيم، وتأخذها في علبة وتتبخر بها كل يوم. لا تصرف ريالاً في حلق لحية، كما يقولون الآن: يأتي الواحد عند الحلاق ويجلس هكذا، يضع له اثنتين عند أذنيه، ويجذب لحيته من الأذن إلى الأذن، وبعد ذلك يدبغه، ويأتي بالصابون وأيدي الحلاق وسخة؛ لأنه ما غسل يديه طوال اليوم، وذاك مستسلم مغمض عينيه! وبعد ما يكمل يضع اللحية عند رجليه! وبعد ما ينتهي يقول: نعيماً، الله لا ينعم عليك، ليس نعيماً بل جحيماً تحلق لحيتك وتقول: نعيماً، وهذا يقول: أنعم الله عليك، ويفتح الحقيبة ويطلع له أبو عشرة، تفضل هذه أجرة حلق اللحية، الله المستعان! ولا حول ولا قوة إلا الله! وعشرة أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم والمسند نرفضها: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى) (خالفوا المجوس). (خالفوا المشركين) وكلها على جنب ولكن من نتبع ريجن وجورباتشوف الذين لحاهم مجلدة ونحن مسلمون أتباع محمد بن عبد الله نحلق اللحى ونعارض الرسول ﷺ معارضة قوية، قال: (قصوا الشوارب واعفوا اللحى)، قلنا: لا. نحلق اللحى ونخلي الشوارب، ترى شنبه كبير فتقول له: ماذا بك؟ يقول: شنب، شنب!! الشنب مأمور بحلقه وبإزالته وتقصيره، لماذا تخالف هدي النبي ﷺ ؟ والله أنك مسئول عن العشرة الريال بين يدي الله يوم القيامة، وبعضهم يقول: ما دام أنا مسئول إذاً أنا أحلقها، أنا أوريكم في لحيتي ويذهب إلى البيت ويشتري له سكاكين ومكائن ويجلس أمام المرآة ويجلد، ويحاربونها، تريد الحياة وهم يريدون لها الموت! كل يوم وهي تريد الحياة ولكن تحارب بالسلاح الأبيض، والله لو حاربنا إسرائيل كما حاربنا لحانا لأنهيناهم؛ لأن الحرب قائمة بيننا وبين اللحى ولا حول ولا قوة إلا بالله! فأنت مسئول عن كل ريال تنفقه، وبعض الناس ما يحلقها هكذا، بل يعمل فيها ديكورات مرة هنا مثل الختم الرسمي، ومرة هنا ويربطها بحبل ومرة يسوي خط إسفلت عرضه اثنين سنتيمتر من هنا ومن هنا! ومرة بعضهم يجعل له شنباً مع اللحية ويخلي فمه مثل الفتحة وسطها، يا جماعة الخير أين عقول المسلمين؟! ما هذا اللعب في وجوهنا ولحانا يا إخواني؟ وأصبحت مهزلة والله، هذه لحية زينك الله بها وجملك بها، وجعلها من أصل تكوينك، يقول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] لو جئنا على واحد قطع نخرته ما رأيكم فيه، هل هو مشوه لنفسه؟ نعم. كذلك الذي يحلق لحيته يشوه نفسه؛ لأن الله ما أوجدها فيك وأمرك أن تبعدها، وما أمرك الرسول بحلقها، فأنت من الآن جهز الجواب، وإذا جاء يوم القيامة قل: والله كنت أحلق لحيتي بالفلوس هذه، هناك تعلم أن عذراً أقبح من ذنب. (فالتقى المؤمنان على باب الجنة، فدخل الفقير والغني حبس -حبس بالسؤال والجواب، أتدرون كم حبس؟ حبس خمسمائة عام، ثم دخل الجنة؛ لأن حرام الدنيا عقاب، وحلالها حساب- قال: فدخل المؤمن الغني الجنة، ولقيه صاحبه في داخل الجنة قال: والله يا أخي! لقد خشيت عليك، ما الذي حبسك عني؟ -يقول: يا أخي! خفت أنهم ذهبوا بك الدار الدانية، ما الذي حبسك؟ - قال: حبسني مالي، حبست محبساً سال مني من العرق ما لو أن ألف بعير أكلت من حمض النبات ثم وردت عليه لصدرت عنه رواء). ألف بعير، والبعير ما يرويه برميل إذا عطش، إذا أكل الحمض الذي يقطع جوفه من العطش ثم وفد على الماء يعبي برميلاً، هذا مقدار شرب ألف بعير هو عرق السؤال والجواب، كيف عرق العذاب؟! عرق العذاب يلجمهم في النار، كما جاء في الحديث: (أن أهل المحشر منهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يغطيه، ومنهم من يسبح فيه). فيا أخي المسلم! إذا جاءك المال ورأيته متزخرفاً فاصرفه في سبيل الله، استعن به على طاعة الله ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ليس هناك مانع أن تسكن وتركب وتتزوج وتأكل وتكرم الضيف وتلبس ولكن الزائد حوله إلى الآخرة. أما أن تكنزه وتتباهى وتتعاظم به على المسلمين، فالمال هذا لا ينفع يوم القيامة بل يكون وبالاً على صاحبه في الدنيا والآخرة. هذه الأربعة الأحوال للشيطان، العدو الأول من الأعداء الأربعة الذين قلت: إنها في طريق الذاهب إلى الله، في طي المراحل على طريق المطايا، أربعة أعداء: إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف النجاة وكلهم أعدائي وقد تكلمت في هذا المجلس عن العدو الأول اللدود وهو إبليس. أما الحديث عن الدنيا فيحتاج إلى مثل هذا المجلس، والحديث عن الهوى يحتاج إلى مثل هذا المجلس، والحديث عن النفس الأمارة بالسوء يحتاج إلى مثل هذا المجلس، ولما كان الوقت ضيقاً فإننا نرجئ ذلك إلى فرصة أخرى بإذن الله، نسأل الله أن يقدرها على خير.

стр. 1153

الأسئلة الحمد لله رب العالمين، أولاً: أسأل الله العلي العظيم أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. هذه المجالس المباركة أيها الإخوة! هي مجالس النفحات الرحمانية، والهبات الربانية، ومن يجلس فيها ويتابعها ويحبها ويألفها يحبه الله ويألفه، وتعرفون الحديث الصحيح في البخاري ومسلم: (أن لله ملائكة سيارة) والحديث بطوله لا أريده لكن الشاهد منه في آخر الحديث قال: (أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول أحد الملائكة: إن فيهم رجلاً ليس منهم، فيقول الله: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). فهذا المجلس نحن نطلب من الله أن يرحمنا جميعاً ببركة الصالحين منا وبفضل المؤمنين، وإلا فنحن كثيرو الذنوب والمعاصي، مقصرون في حق ربنا، ولكن نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل ذنبنا مغفوراً، وعملنا صالحاً مقبولاً، وأن نكون ممن يناديهم الله في آخر الجلسات: أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات. الإخوة المسئولون عن النشاط والثقافة في الحرس يلفتون النظر إلى ضرورة التبرع للإخوة المجاهدين في هذه الليلة، وهناك إخوة سيقفون على الأبواب وعندهم تنظيم رسمي في أخذ هذه المبالغ وإيصالها إلى الجهات المعنية إن شاء الله، وحتى يجتمع لنا الخير كله في سماع العلم والتدليل على أن هذا السماع صحيح، يجب أن نخرج من جيوبنا ما ينفعنا بين يدي الله يوم القيامة، ولنجعل نحن في هذه الليلة المجاهدين ضيوفاً علينا، وأعتقد أنه لو أتاك مجاهدٌ الليلة ودخل بيتك فلن ترده، أليس كذلك؟ تعشيه وأقل عشاء تعشيه مائة ريال، فلا نريد أن ينقص عشاء أي مجاهد هذه الليلة عن مائة ريال من جيبك، وإن لم تكن موجودة هذه المائة فأعلى فئة من الفلوس في جيبك؛ لأن بعض الناس إذا فتح الحقيبة يريد يتصدق قال هكذا، وقلب أم خمسمائة هذه ما عليها سبيل، وأبو مائة هذه تلحق بها، وأبو خمسين هذه ممنوعة، وأبو عشرة هذه كذلك، ويدور أبو ريال وأبو خمسة، لا. نريد اليوم إن شاء الله ترفع رأسك، ثم أنت من تعطي؟ تعطي ربك؟ الله غني عنك، لكن يقول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] فأنت الآن تضعها مائة تجدها يوم القيامة ملايين، يربيها ربك كما تربي فُلوك، ولكن إذا عييت وما أعطيت، خسرت أنت والله غني عنك، والجهاد قائم بدون ريالك ومائتك، لكن أنت محتاج إلى الله.

стр. 1154

دور العلماء في دعوة الوافدين من غير المسلمين السؤال قريباً ستكون الدورة العالمية في الرياض، وسيجتمع في هذا البلد جميع الديانات، وسيدخل النساء والرجال لأداء الألعاب مثل الكرة وغيرها، فما هو دور العلماء في هذا الموضوع؟ الجواب دور العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله واضح وليس عليه خفاء في أن يجري الترشيد والتنبيه واستغلال هذه التجمعات خصوصاً في أماكنها؛ لأننا نفترض أن الشباب الذين يأتون منهم فئات كثيرة غير مسلمة، وهؤلاء سينزلون في فنادق أو أماكن استراحة، ولا نتوقع أنهم يأتون إلى المساجد ولا نريد أن يذهبوا إلا بعد أن ينسق مع الجهات المعنية في الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ويطلب تحديد مواعيد للقاءات بهم، ولتكن في الليل بعد صلاة العشاء، ويكون القادر على التحدث عنده قدرة في عرض الإسلام العرض الشيق؛ لأننا والحمد لله في بلدنا المسلم المتماسك، بلدنا نموذج من بلدان العالم، فإذا جاءوا ووجدوا هذا النموذج العملي المطبق في الأمن والاستقرار والرخاء والعلاقات والصلات، وفيما يسيطر على مجتمعاتنا بفضل الله من خير، ثم قيل لهم: إن هذا كله من ثمار الإسلام، الإسلام الذي يربي الإنسان على خلق معين في الدنيا والآخرة هذا فيه جزء من الدعوة. وأنا أقترح أن يقوم الإخوة المهتمون ومنهم صاحب السؤال، بالاتصال بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، لتتولى الرئاسة العامة للدعوة والإفتاء والإرشاد التنسيق مع الرئاسة العامة لرعاية الشباب في هذه الدروس فهذه فرصتنا، ما نريد أن يأتوا ليلعبوا ثم يعودوا، نريد أن يأتوا ويستفيدوا مما عندنا من الخير؛ لأنه ليس على وجه البسيطة أمة على الهدى إلا أمة الإسلام، والحمد لله ونسأل الله الثبات عليه.

стр. 1155

حكم تقصير اللحية بسبب الألم السؤال إنني أحبك في الله، هل يجوز التقصير من اللحية لأن لحيتي تؤلمني عندما يتكاثف الشعر، وهل يجوز نتف الشعر من الوجنتين؟ الجواب أحبك الله يا أخي! كما أحببتني فيه، ونسأل الله أن يظلنا وإياكم جميعاً في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، بسبب المحبة فيه؛ لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. أما اللحية فاللحية اسم لما نبت في الذقن واللحيين، ولا يجوز للمسلم أن يأخذ منها شيئاً بل عليه أن يدعها كما خلقها الله، إن كانت طويلة فهي كرامة، وإن كانت على أي مقدار فلا تتعرض لها بسوء، اعقد معها هدنة وصلحاً وارفع عنها السلاح، سواء بالطعن أو بالنتف أو بالتخضيب كما يصنع بعض الشيبان، إذا طلع الشيب في وجهه: والشيب في رأس الفتى لوقاره فإذا تعلاه المشيب توقرا (وما من مسلم يشيب في الإسلام شيبة إلا كانت له نوراً على الصراط يوم القيامة) وهو النذير الذي قال الله عنه: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] يعني: نذير الموت، لكن بعض الناس إذا جاءه هذا الشيب عمد إلى الصبغ حق الأحذية ولطخ بها لحيته، من أجل أن يصبح شاباً مزيفاً، وكلما صبغها طلعت لكنها من تحت بيضاء، لا. لا تخضب، ولكن يجوز أن تخضب بالحناء والكتم يغير لون الشيب من البياض إلى الحمرة الداكنة، أما السواد فلا يقول ﷺ : (إن أقواماً في آخر الزمان سيأتون يخضبون لحاهم كحواصل الحمام، لا يجدون ريح الجنة) وقال لـ أبي قحافة: (غيروا رأسه وجنبوه السواد). أما أن تقصرها أو تنتفها أو تحكحك فيها لا، لكونها تؤلمك، أبداً ليس بصحيح، ما السبب! لك لحية غير الناس، إنما هذا شيء في نفسك وحساسية عندك، لكن ألزم نفسك أنك ما تقربها.

стр. 1156

عدم إمكانية الجمع بين اللعب وطلب العلم السؤال علمنا سابقاً أنك كنت تلعب في أحد النوادي وكنت كابتن الفريق ولك أيضاً مشاركات أخرى، السؤال: كيف استطعت أن تجمع بين النادي وطلب العلم، مع أني لم أستطع أن أفعل ذلك، وأيضاً نرجو منك إخبارنا ببعض تجاربك الرياضية؟ الجواب أما هذا الماضي الذي ذكره الأخ فهو صحيح، ولكنه ماض عفا عليه الزمن إلى غير رجعة، ماضٍ لا أفخر به لا هنا ولا في الدار الآخرة، بل أحزن عليه، سنوات عجاف من عمري قضيتها لا دين ولا دنيا، ولم أستطع خلال فترة عمري فيها أن أكسب علماً حتى يقول الأخ: كيف استطعت أن توفق بين العلم والكرة، ما كان طلب العلم في تلك الأيام، وما جاء العلم إلا بعد أن حولت الموجة على طريق الله، ونسأل الله أن يثبتني وإياك على ذلك؛ لأن العلم واللعب نقيضان، كما لا يجتمع الليل والنهار لا يجتمع اللعب والعلم، اللعب يريد وقتاً والعلم يريد وقتاً، تريد تلعب وتتعلم ما يصلح. يقول الشافعي: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم. وكان ابن شهاب الزهري إذا دخل السوق يدخل مسرعاً قيل له: لمَ؟ قال: أخشى أن أسمع كلاماً من كلام الناس فيدخل في قلبي فيختلط بالحديث؛ لأنه كان يسمع ويسجل من أول مرة، وكان يحفظ من مرة واحدة، يقول: ترددت بين الشام والعراق والحجاز خمسة وأربعين سنة والله ما استطرفت فيها حديثاً واحداً. أي: لا يوجد حديث واحد إلا وهو في رأسي، ويقول: والله ما استودعت قلبي شيئاً فنسيه قط، لا يمكن يضع في قلبه حديثاً وينساه، وهذا ابن شهاب الزهري دخل هو وسليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال هشام لـ سليمان بن يسار: من الذي تولى كبره في قضية الإفك؟ والمعروف أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، لكن هشام يقول: لا. هو علي بن أبي طالب، وهو غير صحيح، فقال سليمان بن يسار: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، قال: كذبت، إنه علي، فقال سليمان: أمير المؤمنين أعلم، وسكت، ودخل الزهري قال له: يا بن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت بل علي، قال: أنا أكذب! لا أبا لك، بل كذبت أنت وأبوك وجدك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت. يقول: أنا ما أكذب فضلاً عن أن أعرف أنه حرام أو غير ذلك، فما يصلح يا أخي! أن تلعب بل نظم وقتك لطلب العلم، وابدأ بالقرآن الكريم قراءة وترتيلاً وحفظاً مع التجويد، ثم تدبراً وتفسيراً مع أيسر التفاسير، كتاب صدر حديثاً اسمه أيسر التفاسير للشيخ أبو بكر الجزائري، كتاب مفيد ثم اقرأ في سنة النبي ﷺ وأدلك على كتاب يجمع الصحيحين وهو كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمؤلفه محمد فؤاد عبد الباقي، هذا جاء بالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم وجاء بها على لفظ البخاري ورواية البخاري، ولهذا إذا قرأتها كأنك تقرأ قرآناً صحيحاً، ما في شك أبداً، اقرأ سيرة النبي ﷺ واحفظ وانقل هذا العلم للناس، وأعط العلم كلك يعطيك بعضه، وإذا أعطيته بعضك لا يعطيك شيئاً.

стр. 1157

قصة إخراج الجن من الإنس السؤال اعلم علم اليقين بأني أحبك في الله: ونأمل التكرم بإعادة قصتكم مع الجني والمرأة وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً أحبك الله! أما القصة مع الجني فهي واردة في الشريط لكن ما هو جني والحمد لله، آخر واحد قبل أسبوعين كان على فتاة وجيء بها إليَّ وقرأت عليه وكان مارداً خبيثاً إذا قرأت عليه وهو في رأسها يتأذى ويصيح ثم يذهب في بطنها، فأقرأ عليه في بطنها فيذهب في كتفها، ثم يذهب في رجلها، المهم أتعبني كثيراً، ولكني استمريت معه حتى ضايقته بفضل الله وأردت التحدث معه فتحدث وأخبرني. سألته عن اسمه فأخبرني باسمه وأخبرني بقبيلته من بلاد غامد وأخبرني بديانته بأنه يهودي، قلت له: في يهود هناك؟ قال: كل الفئات، يعني كل الأديان موجودة، فقلت له: لم جئتها؟ قال: أحبها، قلت له: لم تحبها؟ قال: هكذا، قلت: تخرج؟ قال: أخرج. قلت: ولا تعود؟ قال: بلى أعود، قلت له: لا. لا تعود، قال: لا أستطيع، المهم استمريت في القراءة معه وضايقته كثيراً وأخيراً قال لي: أخرج ولا أعود، قلت: تعاهد، قال: أعاهد، قلت له: قل: عاهدت الله، قال: عاهدت الله، قلت له: الذي لا إله إلا هو، قال: لا. لأن اليهود مشركون، قلت له: بلى! قال: لا. قلت له: بلى، قال: لا. وأخيراً ضربته وصفقته حتى قال: لا إله إلا هو، أنا أخرج من هذا الجسد ولا أعود إليه أبداً ولا إلى جسد مسلم، وقلت له: فإن عدت فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قال: لا. حرام عليك، قلت: لا حرام عليك أنت يا عدو الله، المهم لا زلت به إلى أن انتصف الليل وأعياني أن يقول هذه الكلمة، وأخيراً تعبت وانقطع صوتي وأنا أقرأ ورضيت به أن يخرج بدون أن يلعن نفسه، وخرج وذهبوا وهم في الخميس ساكنون، وبعد ليلتين اتصلوا بي وقالوا: جاء، قلت: أحضروه الله المستعان! وجاء وقرأت عليه وضايقته حتى خرج، وبعد ذلك إن شاء الله لم يرجع. وهذه قصة من عشرات القصص، ونحن نقول للناس: تحصنوا من الشيطان والجن بالدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩] اقرأ في كل ليلة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين في بيتك، اقرأ سورة البقرة في بيتك فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان، اقرأ في كل صباح وفي كل مساء هذه الآيات آية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وأيضاً قل: لا إله إلا الله في اليوم مائة مرة، فإنها حرز لك من الشيطان، والحديث عند البخاري عن عبد الله بن عمر، المهم تحصن، أما إذا ما تحصنت فأنت عرضة للعدو.

стр. 1158

حكم مشاهدة الكرة في التلفاز السؤال هل يجوز مشاهدة كرة القدم في التلفاز مع ما فيها؟ الجواب لا أدري؛ لأن القول بالحرمة أو الحل فيه مسئولية، فأنا أطلب من الأخ أن يسأل الهيئة الدائمة للإفتاء.

стр. 1159

توبة من اختلس أموال الكفار في بلادهم السؤال أنا شاب أمضيت أول حياتي في اللهو واللعب وذهبت إلى أمريكا للدراسة وحصل مني اختلاس لبعض المحلات هناك، ورجعت إلى بلدي وهداني الله وتبت إن شاء الله توبة نصوحاً فما هو العمل بالنسبة لما بدر مني تجاه الاختلاس وأذية الناس؟ الجواب التوبة تجب ما قبلها، ومهما كانت غدراتك أو فجراتك أو آثامك، فإن الله يغفرها جميعاً بشرط التوبة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] لكن ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] فكل شيء عملته من المعاصي فإنك بالتوبة تجبه وتقضي عليه بغير أثر رجعي. أما المال فإن كان لمسلم فإنه ينبغي لك أن تعيده إليه، وإن كان لكافر محارب فإنه يؤخذ ويرصد في مصالح المسلمين، وهؤلاء الذين أخذت عليهم في أمريكا ليسوا محاربين؛ لأن دارهم دار كفر ولكنك مستأمن فيها أيام دراستك، ولهذا نرى أن تأخذ هذا المال الذي أخذته وتعده وتحصره وترسله للمجاهدين الأفغان ليقتل به أعداء الله وتبرأ به ذمتك إن شاء الله.

стр. 1160

حرمة الاختلاط وخطره السؤال نخبرك أولاً أننا نحبك في الله، ونرجو أن تبين لنا خطر الاختلاط بين الرجال والنساء وخاصة عند أهل القرى والبادية، مع إفادتنا ما حكم كشف المرأة أمام الطبيب للمعالجة؟ الجواب يقول ﷺ والحديث صحيح: (إن الدنيا حلوة خضرة -طعمها زين ومنظرها أزين- وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) وفي الحديث أيضاً يقول ﷺ : (ما تركت على أمتي فتنة أشد من النساء على الرجال) ومن أجل هذه الفتنة حرم الله التبرج وأمر النساء بالحجاب وأمر الرجال بغض البصر، حتى تردم هذه الحفرة، ويقضى على هذه المعضلة، لكن إذا تبرجت المرأة وكشفت وجهها ونظر إليها الرجل واختلط بها، وُجدت الفتنة وشبت النار وتسبب هذا في فساد الدين ووجود الزنا. إن الرجال الناظرين إلى النساء مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان لا تتركن أحداً بأهلك خالياً لو كان في النساك مثل بنان فما موقفك أيها المسلم؟ أن تأمر زوجتك بالحجاب، وموقف المرأة المسلمة أن تلتزم بالحجاب طاعة لله لا انقياداً لأمر الزوج؛ لأن من الأزواج من يأمر زوجته بالتبرج، يقول: تكشفي؛ لأني ذهبت عند فلان وترك امرأته تكشف عليَّ، وأنت تتغطين، لا والله، ما أنت بأحسن منها، يعني أرني زوجتك أريك زوجتي، واشتراكية، ومسالفة في الأعراض، لا. وبعضهم عنده امرأة غير جميلة يريد أن يرى نساء الناس فيغصبها غصباً أن تتبرج، حتى إذا ذهب يرى نساء العرب، خليها تصب القهوة وتجيب النار، وأولئك يستحون يقولون: والله يوم عنده دخلنا ما جاء بالقهوة غير زوجته، هاتي القهوة يا فلانة! وهذا مرض خطير لا يجوز في الشرع، والله قد ذكر ذلك في آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب:٦٠] والمنافقون هم الذين يرضخون في سوق التبرج ويحبون النساء ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٦٠] والمرض مرض الزنا ومرض الشهوات ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] هذه لعنة ربانية صدرت عليهم في كل مكان وجدوا فيه ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١ - ٦٢]. فلا يجوز للمرأة أن تكشف إلا على من أجاز الله لها الكشف عليهم وهم ثمانية أصناف في سورة النور أربعة من الأقارب وأربعة من غير الأقارب: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والبعل في الشرع واحد وليس القبيلة كلها ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ أبو البعل أي العم ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ولدها ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ ولد بعلها من غيرها وهي عمته ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد خالها وولد عمها، وقريب الزوج هذا الحمو، والحمو الموت، هؤلاء الأقارب ومن غير الأقارب أربعة: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: المرأة تكشف على المرأة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني: المرأة التي عندها عبد مملوك تكشف عليه؛ لأنه ما يستطيع يكشف عورتها؛ لأنه يخاف منها ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] التابع للزوج: مثل الخادم، والراعي، والعامل، والسائق، والتابع للزوج يجوز له أن يكشف على المرأة بشرط: أن يكون مخصياً كما قال الله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني ليس له شهوة، فهو مخصي، لكن عندما نأتي بواحد فلبيني ونتركه مع المرأة والبنات يذهب بهن إلى المدرسة والسوق، حتى لا يسب عيالنا أحد، كيف أجعل واحداً يذب عن عرضي وأودع الذيب على الغنم. أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال الحياة بغير عرض حياة تعسة نكدة لا قيمة لها، أنا أسوق بناتي ولأولادي إلى المستشفى، ولا أرضى بأي حال من الأحوال أن يسوق أحد لأولادي أبداً ولو ماتوا، والله لو تموت في البيت ما تركب مع أجنبي، هذا هو الرجل المؤمن. أما أودعها من أجل أن يقولوا: والله معنا سواق، لا تأت بسواق، أنت سواق أهلك، بأي حال من الأحوال ولا تأت براع، يرعى الغنم في النهار ويرعى النسوان في الليل، ولا تأت بعامل في المزرعة، ولا تأت بأحد، وإذا اضطررت إلى عامل فاعمل له بيتاً في المزرعة، ويجلس فيها ولا يأتي البيت أبداً، أما أن يجلس يطلع وينزل ويسير ويجيء عاملنا وسائقنا وراعينا، هذا سم، هذا الموت الأحمر، ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] الطفل الصغير غير المميز الذي لا يعرف الجميلة من القبيحة يجوز للزوجة أن تكشف عليه، أما إذا كان ذكياً مميزاً يعرف إذا رأى امرأة قال: والله فلانة جميلة هذا لا يجوز أن تكشف له وجهها. أما حكم الشرع في كشف المرأة على الطبيب فإنه ينبغي للرجل أن يحرص ألا يكشف إلا عند امرأة طبيبة، هذا في الدرجة الأولى، ولكن إذا لم يجد واضطر، فإنه يجوز عند الضرورة أن تكشف عند طبيب، ولكن تكشف العضو الذي فيه المرض، إذا كان ألمها في بطنها فليس هناك داعي أن تكشف وجهها، تنام على السرير وزوجها موجود، ويغطي المنطقة كلها إلا المنطقة التي يكشف فيها الدكتور بالسماعة أو بأي شيء. أما تكشف عن وجهها لكي تعالج بطنها فما الفائدة. أما غيره فلا، إذا كان المرض في الأسنان، فلا مانع، أو مرض في العين فلا مانع أيضاً، المهم عند الضرورة يجوز، وبغير ضرورة لا يجوز، ولكن مع وجود المحرم، لا تجعل الدكتور يجلس معها وراء الستارة وأنت قاعد هناك، لا. الطبيب ليس ملكاً بل بشر مثلك.
следующие страницы →