← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

عدم إمكانية الجمع بين اللعب وطلب العلم السؤال علمنا سابقاً أنك كنت تلعب في أحد النوادي وكنت كابتن الفريق ولك أيضاً مشاركات أخرى، السؤال: كيف استطعت أن تجمع بين النادي وطلب العلم، مع أني لم أستطع أن أفعل ذلك، وأيضاً نرجو منك إخبارنا ببعض تجاربك الرياضية؟ الجواب أما هذا الماضي الذي ذكره الأخ فهو صحيح، ولكنه ماض عفا عليه الزمن إلى غير رجعة، ماضٍ لا أفخر به لا هنا ولا في الدار الآخرة، بل أحزن عليه، سنوات عجاف من عمري قضيتها لا دين ولا دنيا، ولم أستطع خلال فترة عمري فيها أن أكسب علماً حتى يقول الأخ: كيف استطعت أن توفق بين العلم والكرة، ما كان طلب العلم في تلك الأيام، وما جاء العلم إلا بعد أن حولت الموجة على طريق الله، ونسأل الله أن يثبتني وإياك على ذلك؛ لأن العلم واللعب نقيضان، كما لا يجتمع الليل والنهار لا يجتمع اللعب والعلم، اللعب يريد وقتاً والعلم يريد وقتاً، تريد تلعب وتتعلم ما يصلح. يقول الشافعي: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم. وكان ابن شهاب الزهري إذا دخل السوق يدخل مسرعاً قيل له: لمَ؟ قال: أخشى أن أسمع كلاماً من كلام الناس فيدخل في قلبي فيختلط بالحديث؛ لأنه كان يسمع ويسجل من أول مرة، وكان يحفظ من مرة واحدة، يقول: ترددت بين الشام والعراق والحجاز خمسة وأربعين سنة والله ما استطرفت فيها حديثاً واحداً. أي: لا يوجد حديث واحد إلا وهو في رأسي، ويقول: والله ما استودعت قلبي شيئاً فنسيه قط، لا يمكن يضع في قلبه حديثاً وينساه، وهذا ابن شهاب الزهري دخل هو وسليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال هشام لـ سليمان بن يسار: من الذي تولى كبره في قضية الإفك؟ والمعروف أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، لكن هشام يقول: لا. هو علي بن أبي طالب، وهو غير صحيح، فقال سليمان بن يسار: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، قال: كذبت، إنه علي، فقال سليمان: أمير المؤمنين أعلم، وسكت، ودخل الزهري قال له: يا بن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت بل علي، قال: أنا أكذب! لا أبا لك، بل كذبت أنت وأبوك وجدك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت. يقول: أنا ما أكذب فضلاً عن أن أعرف أنه حرام أو غير ذلك، فما يصلح يا أخي! أن تلعب بل نظم وقتك لطلب العلم، وابدأ بالقرآن الكريم قراءة وترتيلاً وحفظاً مع التجويد، ثم تدبراً وتفسيراً مع أيسر التفاسير، كتاب صدر حديثاً اسمه أيسر التفاسير للشيخ أبو بكر الجزائري، كتاب مفيد ثم اقرأ في سنة النبي ﷺ وأدلك على كتاب يجمع الصحيحين وهو كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمؤلفه محمد فؤاد عبد الباقي، هذا جاء بالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم وجاء بها على لفظ البخاري ورواية البخاري، ولهذا إذا قرأتها كأنك تقرأ قرآناً صحيحاً، ما في شك أبداً، اقرأ سيرة النبي ﷺ واحفظ وانقل هذا العلم للناس، وأعط العلم كلك يعطيك بعضه، وإذا أعطيته بعضك لا يعطيك شيئاً.

стр. 1157

قصة إخراج الجن من الإنس السؤال اعلم علم اليقين بأني أحبك في الله: ونأمل التكرم بإعادة قصتكم مع الجني والمرأة وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً أحبك الله! أما القصة مع الجني فهي واردة في الشريط لكن ما هو جني والحمد لله، آخر واحد قبل أسبوعين كان على فتاة وجيء بها إليَّ وقرأت عليه وكان مارداً خبيثاً إذا قرأت عليه وهو في رأسها يتأذى ويصيح ثم يذهب في بطنها، فأقرأ عليه في بطنها فيذهب في كتفها، ثم يذهب في رجلها، المهم أتعبني كثيراً، ولكني استمريت معه حتى ضايقته بفضل الله وأردت التحدث معه فتحدث وأخبرني. سألته عن اسمه فأخبرني باسمه وأخبرني بقبيلته من بلاد غامد وأخبرني بديانته بأنه يهودي، قلت له: في يهود هناك؟ قال: كل الفئات، يعني كل الأديان موجودة، فقلت له: لم جئتها؟ قال: أحبها، قلت له: لم تحبها؟ قال: هكذا، قلت: تخرج؟ قال: أخرج. قلت: ولا تعود؟ قال: بلى أعود، قلت له: لا. لا تعود، قال: لا أستطيع، المهم استمريت في القراءة معه وضايقته كثيراً وأخيراً قال لي: أخرج ولا أعود، قلت: تعاهد، قال: أعاهد، قلت له: قل: عاهدت الله، قال: عاهدت الله، قلت له: الذي لا إله إلا هو، قال: لا. لأن اليهود مشركون، قلت له: بلى! قال: لا. قلت له: بلى، قال: لا. وأخيراً ضربته وصفقته حتى قال: لا إله إلا هو، أنا أخرج من هذا الجسد ولا أعود إليه أبداً ولا إلى جسد مسلم، وقلت له: فإن عدت فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قال: لا. حرام عليك، قلت: لا حرام عليك أنت يا عدو الله، المهم لا زلت به إلى أن انتصف الليل وأعياني أن يقول هذه الكلمة، وأخيراً تعبت وانقطع صوتي وأنا أقرأ ورضيت به أن يخرج بدون أن يلعن نفسه، وخرج وذهبوا وهم في الخميس ساكنون، وبعد ليلتين اتصلوا بي وقالوا: جاء، قلت: أحضروه الله المستعان! وجاء وقرأت عليه وضايقته حتى خرج، وبعد ذلك إن شاء الله لم يرجع. وهذه قصة من عشرات القصص، ونحن نقول للناس: تحصنوا من الشيطان والجن بالدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩] اقرأ في كل ليلة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين في بيتك، اقرأ سورة البقرة في بيتك فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان، اقرأ في كل صباح وفي كل مساء هذه الآيات آية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وأيضاً قل: لا إله إلا الله في اليوم مائة مرة، فإنها حرز لك من الشيطان، والحديث عند البخاري عن عبد الله بن عمر، المهم تحصن، أما إذا ما تحصنت فأنت عرضة للعدو.

стр. 1158

حكم مشاهدة الكرة في التلفاز السؤال هل يجوز مشاهدة كرة القدم في التلفاز مع ما فيها؟ الجواب لا أدري؛ لأن القول بالحرمة أو الحل فيه مسئولية، فأنا أطلب من الأخ أن يسأل الهيئة الدائمة للإفتاء.

стр. 1159

توبة من اختلس أموال الكفار في بلادهم السؤال أنا شاب أمضيت أول حياتي في اللهو واللعب وذهبت إلى أمريكا للدراسة وحصل مني اختلاس لبعض المحلات هناك، ورجعت إلى بلدي وهداني الله وتبت إن شاء الله توبة نصوحاً فما هو العمل بالنسبة لما بدر مني تجاه الاختلاس وأذية الناس؟ الجواب التوبة تجب ما قبلها، ومهما كانت غدراتك أو فجراتك أو آثامك، فإن الله يغفرها جميعاً بشرط التوبة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] لكن ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] فكل شيء عملته من المعاصي فإنك بالتوبة تجبه وتقضي عليه بغير أثر رجعي. أما المال فإن كان لمسلم فإنه ينبغي لك أن تعيده إليه، وإن كان لكافر محارب فإنه يؤخذ ويرصد في مصالح المسلمين، وهؤلاء الذين أخذت عليهم في أمريكا ليسوا محاربين؛ لأن دارهم دار كفر ولكنك مستأمن فيها أيام دراستك، ولهذا نرى أن تأخذ هذا المال الذي أخذته وتعده وتحصره وترسله للمجاهدين الأفغان ليقتل به أعداء الله وتبرأ به ذمتك إن شاء الله.

стр. 1160

حرمة الاختلاط وخطره السؤال نخبرك أولاً أننا نحبك في الله، ونرجو أن تبين لنا خطر الاختلاط بين الرجال والنساء وخاصة عند أهل القرى والبادية، مع إفادتنا ما حكم كشف المرأة أمام الطبيب للمعالجة؟ الجواب يقول ﷺ والحديث صحيح: (إن الدنيا حلوة خضرة -طعمها زين ومنظرها أزين- وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) وفي الحديث أيضاً يقول ﷺ : (ما تركت على أمتي فتنة أشد من النساء على الرجال) ومن أجل هذه الفتنة حرم الله التبرج وأمر النساء بالحجاب وأمر الرجال بغض البصر، حتى تردم هذه الحفرة، ويقضى على هذه المعضلة، لكن إذا تبرجت المرأة وكشفت وجهها ونظر إليها الرجل واختلط بها، وُجدت الفتنة وشبت النار وتسبب هذا في فساد الدين ووجود الزنا. إن الرجال الناظرين إلى النساء مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان لا تتركن أحداً بأهلك خالياً لو كان في النساك مثل بنان فما موقفك أيها المسلم؟ أن تأمر زوجتك بالحجاب، وموقف المرأة المسلمة أن تلتزم بالحجاب طاعة لله لا انقياداً لأمر الزوج؛ لأن من الأزواج من يأمر زوجته بالتبرج، يقول: تكشفي؛ لأني ذهبت عند فلان وترك امرأته تكشف عليَّ، وأنت تتغطين، لا والله، ما أنت بأحسن منها، يعني أرني زوجتك أريك زوجتي، واشتراكية، ومسالفة في الأعراض، لا. وبعضهم عنده امرأة غير جميلة يريد أن يرى نساء الناس فيغصبها غصباً أن تتبرج، حتى إذا ذهب يرى نساء العرب، خليها تصب القهوة وتجيب النار، وأولئك يستحون يقولون: والله يوم عنده دخلنا ما جاء بالقهوة غير زوجته، هاتي القهوة يا فلانة! وهذا مرض خطير لا يجوز في الشرع، والله قد ذكر ذلك في آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب:٦٠] والمنافقون هم الذين يرضخون في سوق التبرج ويحبون النساء ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٦٠] والمرض مرض الزنا ومرض الشهوات ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١] هذه لعنة ربانية صدرت عليهم في كل مكان وجدوا فيه ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١ - ٦٢]. فلا يجوز للمرأة أن تكشف إلا على من أجاز الله لها الكشف عليهم وهم ثمانية أصناف في سورة النور أربعة من الأقارب وأربعة من غير الأقارب: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والبعل في الشرع واحد وليس القبيلة كلها ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ أبو البعل أي العم ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ولدها ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ ولد بعلها من غيرها وهي عمته ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد خالها وولد عمها، وقريب الزوج هذا الحمو، والحمو الموت، هؤلاء الأقارب ومن غير الأقارب أربعة: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: المرأة تكشف على المرأة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني: المرأة التي عندها عبد مملوك تكشف عليه؛ لأنه ما يستطيع يكشف عورتها؛ لأنه يخاف منها ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] التابع للزوج: مثل الخادم، والراعي، والعامل، والسائق، والتابع للزوج يجوز له أن يكشف على المرأة بشرط: أن يكون مخصياً كما قال الله : ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني ليس له شهوة، فهو مخصي، لكن عندما نأتي بواحد فلبيني ونتركه مع المرأة والبنات يذهب بهن إلى المدرسة والسوق، حتى لا يسب عيالنا أحد، كيف أجعل واحداً يذب عن عرضي وأودع الذيب على الغنم. أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال الحياة بغير عرض حياة تعسة نكدة لا قيمة لها، أنا أسوق بناتي ولأولادي إلى المستشفى، ولا أرضى بأي حال من الأحوال أن يسوق أحد لأولادي أبداً ولو ماتوا، والله لو تموت في البيت ما تركب مع أجنبي، هذا هو الرجل المؤمن. أما أودعها من أجل أن يقولوا: والله معنا سواق، لا تأت بسواق، أنت سواق أهلك، بأي حال من الأحوال ولا تأت براع، يرعى الغنم في النهار ويرعى النسوان في الليل، ولا تأت بعامل في المزرعة، ولا تأت بأحد، وإذا اضطررت إلى عامل فاعمل له بيتاً في المزرعة، ويجلس فيها ولا يأتي البيت أبداً، أما أن يجلس يطلع وينزل ويسير ويجيء عاملنا وسائقنا وراعينا، هذا سم، هذا الموت الأحمر، ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] الطفل الصغير غير المميز الذي لا يعرف الجميلة من القبيحة يجوز للزوجة أن تكشف عليه، أما إذا كان ذكياً مميزاً يعرف إذا رأى امرأة قال: والله فلانة جميلة هذا لا يجوز أن تكشف له وجهها. أما حكم الشرع في كشف المرأة على الطبيب فإنه ينبغي للرجل أن يحرص ألا يكشف إلا عند امرأة طبيبة، هذا في الدرجة الأولى، ولكن إذا لم يجد واضطر، فإنه يجوز عند الضرورة أن تكشف عند طبيب، ولكن تكشف العضو الذي فيه المرض، إذا كان ألمها في بطنها فليس هناك داعي أن تكشف وجهها، تنام على السرير وزوجها موجود، ويغطي المنطقة كلها إلا المنطقة التي يكشف فيها الدكتور بالسماعة أو بأي شيء. أما تكشف عن وجهها لكي تعالج بطنها فما الفائدة. أما غيره فلا، إذا كان المرض في الأسنان، فلا مانع، أو مرض في العين فلا مانع أيضاً، المهم عند الضرورة يجوز، وبغير ضرورة لا يجوز، ولكن مع وجود المحرم، لا تجعل الدكتور يجلس معها وراء الستارة وأنت قاعد هناك، لا. الطبيب ليس ملكاً بل بشر مثلك.

стр. 1161

حكم تفريق المسلمين بإطلاق الألقاب والمسميات السؤال ما رأيكم فيمن يفرق المسلمين، ويقول: نحن السلفيون وهؤلاء أهل الحديث وهؤلاء جماعة التبليغ هل يجوز هذا؟ الجواب هذا تفريق ما أنزل الله به من سلطان، وهذه اللوحات والشعارات والدعايات هي التي تقسم المسلمين، ليس عندنا شعار ولا لوحة إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما عندنا إلا كتاب الله وسنة محمد ﷺ ، من سار عليها فهو من أهلها ومن اجتنبها فهو عدوها. أما أن أحمل شعاراً معيناً: أنا سلفي! أنا إخواني! أنا تبليغي! من أين جئنا بهذه الأسماء؟ ومن أين جاءت هذه المسميات؟!! يقول ﷺ : (كلها في النار إلا واحدة، قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). فلا ينبغي لنا أيها الإخوة! أن نقسم المسلمين شيعاً وأحزاباً وجماعات، ولا أن نتناحر ونتطاحن فيما بيننا وأعداؤنا يتربصون بنا، بل نسير في الطريق الإسلامي الموحد طريق الكتاب والسنة فقط، وهو واضح والحمد لله.

стр. 1162

حكم لعب الورق والبالوت السؤال نحن في هذه المحاضرة وكأن على رءوسنا الطير، ولكن بعد ذلك نجتمع على لعب الورق والبلوت لنتسلى ونقضي الوقت، نريد أن توضح لنا هل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب تتسلى، تتسلى والنار أمامك، تتسلى والقبر في انتظارك، تتسلى والصراط مضروب أمامك، كيف تتسلى يا أخي؟! عجبت للنار كيف ينام هاربها! وعجبت للجنة كيف ينام طالبها! كان سلفك يا أخي! قليلاً من الليل ما يهجعون، ما ينامون الليل ويراوحون بين ركبهم وجباههم يصلون وبالأسحار هم يستغفرون، وأنت تتسلى، كونك تتسلى ما عرفت حقيقة نفسك وتقول: تقضي وقتاً، لو سألتك يا من تقضي الوقت: هل حفظت القرآن كله؟ تقول: لا. هل تحفظ جزء عم؟ لا. هل تعرف تفسير: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣] ما هو الغاسق إذا وقب؟ تقول: ما أدري! وتقول: تريد تقضي وقتاً، وما تعرف تفسير سورة من كلام الله، وما تعرف حديثاً من أحاديث رسول الله، وما تعرف سنة من سنن رسول الله وتلعب الورق، فالله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون! يا أخي: ما عندك وقت الآن، وقتك كله يجب أن تملأه؛ لأن الوقت هو عمرك، فاملأه بطاعة الله وبذكره، وبطلب العلم، وبما ينفعك في الدنيا والآخرة. أما الساعات التي تقضيها في البالوت فقد جاء في الحديث: (ما من ساعة تمر على ابن آدم لا يذكر الله فيها إلا كانت عليه حسرة وندامة يوم القيامة) (وما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله تعالى فيه إلا تفرقوا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم هذا المجلس ترة) يعني: عهدة ومسئولية. فما هناك مجال نلعب يا إخواني! نحن أمة السيف والجهاد والقرآن والعلم والعمل، أما اللعب فليس هو لنا، اللعب للأمم التي تعيش في غير ميادينها الطبيعية، أما ميداننا فهو ميدان شريف جدي، ميدان عمل للدنيا وللآخرة، وبعضهم يلعب البالوت وإذا قالت له المرأة: أحضر لنا حليباً للولد، قال: لا. لا أستطيع أن أذهب؛ لأني مشغول بالبالوت، يدع ولده يبكي طوال الليل من أجل أن لا يقطع اللعب. وبعضهم عنده مسكة البالوت وما عنده غاز، تقول المرأة: ما عندنا غاز، قال: غداً، لا. يا أخي! خدمتك لزوجتك وقضاؤك لأهلك لوازمهم عبادة، لكن البالوت هذا أفيون هذا الزمان، وهو سحر عقول الناس، ثم لو فكرت فيه بعقلك تجد أنه لا يليق بك، ورق مصبغ (وولد وبنت وشايب وشريه وهاف وسبيد وديمن) وغيره هذه من أرشيف الماضي، وبعد ذلك تمر الساعة والساعتان والثلاث والأربع والوقت يمر؛ لأنه في طاعة الشيطان، بل بعضهم والله لا يريد يقوم إلا الفجر، وبعضهم يذهب يدق على الناس وهم لا يريدونه، لكنه يجلس؛ لأنه مخمور بعقله في البالوت، ثم يقوم اثنان ويأتي اثنان وهو جالس لا أحد يقول له: تفضل، ثم إذا مر الليل قال: أنا أريد قسمي معكم، أعوذ بالله من خسة النفس ودناءتها، وبعضهم تراه رجل عاقل أمامك مدير إدارة في رتبة ومنزلة ويأتيك بيده يخبط الأرض الله أكبر! ثم في آخر الجلسة يجب أن يتخاصموا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] قولوا: إن شاء الله انتهينا. كان هناك مدير إدارة عندنا في الجنوب يلعب البالوت وكان يعلمني بنفسه وقد تاب الله عليه، يقول: الذي اشترى زميلي واللعب علي، فلازم أعطيه طلبه من أجل أن يمسك اللعب هو بالولد والتسعة والباقيات كلها، يقول: فأنا ما انتبهت عليه يريدني أنظر إليه ماذا يريد، يقول: ما نظرت ونزلت قطعة في غير يده، يقول: فغضب وقال لي -وهذا مدير إدارة كبير- قال له: أصلك بقرة! بعضهم ربما تقول له: بقرة فيقول: صدقت ما انتبهت لك، ما مديت لساني، لكن هذا حر أبي عنده شهامة فأوقف اللعب، وقال: إلى هذا الحد يا فلان، نزلت الآداب إلى أن أصبحت أنا بقرة، قال: يا أخي! ما رفعت رأسك أعلمك ما أريد، قال: هذا آخر عهدها، والله ما ألعبها مدى الحياة، وتاب الله عليه، هو ليس ببقرة، ولكن بعض الناس لا. والله المستعان!!

стр. 1163

وصف الجنة والنار في أبيات من الشعر السؤال أنا أحبك في الله، أرجو منكم أن تعطينا قصيدة في وصف الجنة والنار؟ الجواب أحسن ما قيل في الجنة ما قاله ابن القيم في النونية الشافية الكافية ﵀ يقول: فاسمع إذاً أوصافها وصفاتها تيك المنازل ربة الإحسان هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باق وليس بفان أوما سمعت بأنه سبحانه حقاً يكلم حزبه بعيان ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يرى القمران أعظم نعيم على أهل الجنة أنهم يرون الله، يقول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [يونس:٢٦ - ٢٧] ماذا لهم؟ ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧] تريد هؤلاء أم هؤلاء؟ يقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ يعني: الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ يعني: النظر إلى وجه الله، فما أعطي المؤمنون في الجنة أعظم من النظر إلى وجه الله، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٦] واحد كسب السيئات واشتغل في الدنيا على المعاصي بالنظر والغناء والكلام والسب وضيَّع الطاعات، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ ما جزاء هذا، أنعطيه الجنة؟! لا. ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٧] يسود وجه العاصي حتى يصبح مثل الليل الأسود. تشد أقدامهم إلى النواصي وتسود وجوههم من ظلمة المعاصي وينادون من جنابها بكياً من ترادف عذابها يا مالك قد أفقرنا الحديد يا مالك قد نضجت منا الجلود يا مالك قد تقطعت منا الكبود يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود يا مالك العدم والله خير من هذا الوجود أما الأبيات في ذكر النار فكثيرة جداً منها: جهنمٌ ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيم ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حر مستعر لهم مقامع للتعذيب مرصدة وكل كسر لديهم غير منجبر نعوذ بالله وإياكم من النار.

стр. 1164

حكم شراء العملة الأجنبية بعملة محلية السؤال ما حكم شراء العملة الأجنبية بالعملة السعودية، بقصد التجارة حتى يرتفع سعرها ثم يبيعها ويصرفها عملة سعودية؟ الجواب لا يوجد محذور، (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم) كما جاء في الحديث، تشتري دولاراً بريال سعودي، وتجعله عندك، وإذا ارتفع الدولار أو انخفض استبدلت العملة بكيفك، هذا يسمونه سوق العملة أو البورصة، ولكن بشرط التقابض، أما أن تشتري شيئاً بدون التقابض فلا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) لازم تدفع مائة ريال وتأخذ بها ثلاثين دولاراً، أما أن تدفع فلوساً ولا تأخذ شيئاً (دين أو في شيك أو في البنك فهذا لا يجوز).

стр. 1165

حكم لبس البرقع السؤال فضيلة الشيخ ما حكم لبس البراقع؟ الجواب البراقع أسلوب من أساليب الشيطان في التبرج يوهم المرأة أنها محجبة وهي متبرجة؛ لأن البرقع يكشف أعلى شيء وأغلى وأجمل في المرأة وهو عينها، يقول الناظم: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا وإذا أردت أن تتزوج امرأة أين تنظر؟ في أرجلها أم في أعينها؟ وإذا كانت غير جميلة، تقول: الله أكبر عليكِ! ما ترى الفم والأنف. لا ترى إلا العيون؛ لأن العيون التي فيها السهام، والرماح والمدافع، فما نريد حجاباً كهذا، وإنما حجاب ساتر؛ لأن بعض النساء تأخذ لها شيئاً خفيفاً، لا. نريد حجاباً قاتماً كالليل الأسود لا ترى خلفه شيئاً، وحجاب في يديها قلامس؛ لأن اليد إذا كشفت، يأتي الشيطان يقول: انظر إلى جمال اليد، أما المغطى، فلا. إذا خرجت امرأتك خليها تخرج من رأسها إلى قدميها ملبسة، على أرجلها جوارب سوداء وتلبس عباءة فضفاضة، وإذا دخلت بيتك تريد أن تتمتع ما في مانع، لكن لك لحالك، أما أن تخرج وتري الناس فيشاركونك في عرضك لا.

стр. 1166

حكم إلزام أحد الناس بالزواج ممن لا يريد السؤال هل يجوز هذا العمل في الإسلام كمن يقول: ابنة عمي لي ولا تخرج لرجل غيري أي: لا تتزوج غيري. وهذه العادة شائعة في هذا الزمان أرجو إبداء النصيحة؟ الجواب هذه عادة الجاهلية جاء الإسلام فأبطلها وحرمها ونهى عنها، وقال: نهى أن يرث الرجل المرأة ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْها﴾ [النساء:١٩] كانت المرأة في الماضي تورث واليوم أيضاً تورث لابن عمها، لا يجوز؛ لأن النكاح نكاح رغبة ومحبة وود، وينبغي أن يقام على رضا وتفاهم وقناعة من الزوجة، أما أن تقصر على ابن عمها ولو كانت لا تريده فلا، أما إذا كانت تريده وهو يريدها فلا يوجد مانع، لكن إذا قالت: لا أريده، وقال أبوها: والله ما تعرفين إلا هو (لو تخلفي العصا يدك) فهذا حرام، سبحان الله تغصبها على طعام لا تريده، لا يجوز لك يا أخي! أو يأتون عند الولد ويقولون: بنت عمك لا تفوتك، قال: ما أريدها، قالوا: والله ما نرضى إلا أن تتزوج بها، تريد له واحدة لا يريدها، هذا لا يجوز، لا بد أن يتزوج الإنسان من يحب، الله يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] يعني: ما أحببتم، ولا يجوز الهجر ولا الحجر ولا يجوز الشغار، والشغار: أن تزوج الرجل بأختك على شرط أن يزوجك بأخته، أو تزوجه بابنتك حتى يزوج بنته لولدك هذا نكاح محرم وهو باطل والعقد فاسد، وإذا حصل فهو يفسد من الآن ولا يحتاج إلى طلاق؛ لأنه ليس هناك عقد، إنما يفرق بين الزوج والزوجة، والأولاد يلحقون بأبيهم إلحاقاً شرعياً، ولا يجوز الشغار ولا التحليل، شُبه المحلل في الحديث بالتيس المستعار، الذي يطلق زوجته ثم يأتي إلى رجل آخر فيقول: تزوجها وطلقها وحللها لي، افعل خيراً، هذا يفعل شراً؛ لأنه ملعون: (لعن الله المحلل والمحلل له) وإذا علمت المرأة فهي ملعونة، وإذا علم العاقد فهو ملعون، وإذا علم الشهود فهم ملعونون.

стр. 1167

درجة حديث: (أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه) السؤال ما صحة هذا الحديث الذي معناه: بأن (أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمة تحت الكعبة أو تحت أستار الكعبة). حيث إن كثيراً من الناس يعارضون ويقولون: إن هذا الحديث غير صحيح؟ الجواب الحديث ذكره الإمام ابن ماجة في السنن والحديث فيه مقال، وهو يدور بين الضعف والحسن، ولكنه يستشهد به لما يعضده من الأدلة الصحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ .

стр. 1168

حكم خروج المرأة إلى السوق بدون محرم السؤال أنا امرأة ملتزمة بطاعة الله، ولكني أخرج من المنزل إلى السوق وقد استأذنت من زوجي ولكن ليس معي محرم ويكون معي بعض النساء؟ الجواب ما دمت ملتزمة أيتها الأخت! بطاعة الله، فإن مقتضى الالتزام ألا تخرجي إلى السوق، لا لوحدك ولا مع زوجك؛ لأن السوق فيه رايات الشيطان، ويعرضك للفتنة برؤية الرجال الأجانب، والله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ولا ينبغي للمرأة المؤمنة أن تنزل السوق بأي حال من الأحوال إلا على سبيل الاضطرار، وكيف يكون هذا الاضطرار؟ كأن تريد سلعة لا يستطيع زوجها أن يأتي بها لأنه لا يعرفها، ولو كان هذا الأمر نحن نقوله للناس ولا نعمل به، أنا أولادي والله ما يدخلون السوق، وما أرضى أبداً، وأي شيء يريدونه آتي به، أتعب نفسي ولا أتعب ديني وعرضي، أي شيء يريدونه أذهب أحضره وأشترط عليه أن يصلح أو أرجعه، وأحياناً والله أرجع ثلاث أربع مرات لكن هذا عندي أهون من أن أدخلها على الرجال وتشوفه ويشوفها، ما رأيكم تعب الأجساد أم تعب القلب والدين! أطلع وأنزل وأطلع وأنزل وعرضي مرفوع أحسن من أن آخذها معي وأدخلها الدكان وتشوف الرجل ويشوفها، فلا يجوز، لكن عند الاضطرار نقول: لا بأس مع الزوج وفي وقت لا يكون فيه تجمعات للرجال، ومن أقرب دكان، لا تجلس تستعرض المعرض من أول الدنيا إلى آخرها، كلما دخلت دكاناً قالت: ليس بجميل، والثاني ليس بجميل، وذاك مثل التيس وراءها؛ لأن بعض النساء تدخل المعرض هذا، وتقول: كل أقمشته ليست جميلة، ويوجد ألف لون أمامها وتقول: ليس بجميل! ما ترضى جعلكِ لا ترضين! اختاري من الدكان الذي جنبه، ثم يجب أن تكون متحجبة حجاباً كاملاً، ثم لا تكشف أمام الرجل ولا تكلمه ولا تفاوضه ولا تساعره، المرأة إذا دخلت لوحدها عند صاحب الدكان وفرده لها وقال: هذا يا عسكري! فك الإشارة، فيه أسماء للأغاني يحطونه على القماش، قالت: ألله أيش هذا القماش بكم هذا؟ قال: ستين، قالت: لا تكفي ضحكت له، قال: على شان خاطرك بخمسين، هذا الضحكة في عرضك، لا. لا تبايع المرأة ولا تشاري، اشتر أنت وبع لأهلك وهم في البيت وأحضر الفاتورة والألوان، إذا اضطررت لغرض لا بد من رأيها فيه، مثل شراء موكيت للبيت قطعة دولاب، قماش يخصها تدخلها في مكان واحد تأخذ منه وترجع، وهي مثل السارقة. أما أن يتجمعن ثلاث أربع نسوة ويركبن السيارة ويذهبن والرجال في الدوام، وأنا استأذنت، فهذا لا يرضي الله يا أختي المسلمة!

стр. 1169

دعوى الالتزام مع ملازمة سماع الأغاني السؤال أنا شاب أبلغ من العمر عشرين عاماً ومغرم جداً بسماع الأغاني وأرى فيها ترويحاً عن نفسي وحلاً لمشاكلي، وأريد أن ألتزم وأتوب ولكن لا أستطيع فبم تنصحني؟ الجواب يبدو أنك عبد شهوة، وجنس، ومن كان عبد شهوة وجنس لا يصلح أن يكون عبداً لله، الذي يريد أن يسمع خطاب الرحمن لا يصلح أن يكون سامعاً لخطاب الشيطان. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس إذا كنت تريد طاعة الله حقيقة، فتب إلى الله من الأغاني أول شيء، فإنها تحرق إيمانك ودينك كما تحرق النار الحطب، إذ لا يجتمع حب القرآن والغناء في قلب عبد مؤمن، يقول ابن القيم في النونية: حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان لا يجتمعان أبداً، وأما كيف تعمل فبعزيمة الرجال وتصميم الأبطال، أحضر المسجل أو الشريط أو أي شيء عندك من الأغاني وضع عليها ناراً وأحرقها، وبعد ذلك قل: والله ما أسمع مهما كانت الظروف والأحوال، وهو نوع من الجهاد، جاهد نفسك وسوف يقبلك الله وسوف تمر عليك لحظة تجد نفسك أن الأغنية إذا سمعتها كأنما هي رصاصة دخلت من أذنك، وهذا شأن المؤمنين الآن، أهل الإيمان الآن إذا سمع أي نغمة يصيح، صك صك صك، لماذا؟ قلبه حي، أذنه ربانية مؤمنة. فأنت يا من تقول: إنها تدخل عليك السرور، جاهد نفسك واسأل الله أن يقبلك، ثم كلما جاءك هذا الشعور بأن تسمع الأغاني فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وفي الليل قم فصلِّ ركعتين واسجد، وفي السجود اطلب من الله أن يتوب عليك، وأن يعصم قلبك من الشيطان والأغاني وابك، فإن بكيت فاعلم أنك صادق، وإن لم تبك فاعلم أنك ما تبت إلى الآن، علامة قبول توبتك البكاء، ابك وحاول تعصر قلبك غصباً يبكي من خشية الله، قل: يا رب! يا ذا الجلال والإكرام! يا من بيده ملكوت كل شيء! اعصم قلبي من الأغاني والشيطان، يا رب! لا قدرة لي على النار، يا رب! أذني لا تتحمل الرصاص المذاب، (من استمع إلى مغنٍ أو مغنية صب الله في أذنيه يوم القيامة الرصاص المذاب) وابك واسأل الله أن يتوب عليك، وهذا إن شاء الله سبب من أسباب الهداية بإذن الله. ثانياً: يذكرني الأخ بأن نجعل بديلاً وهو بديل طيب وهو القصائد والأناشيد الإسلامية، فهناك أناشيد يرددها بعض الشباب المؤمن، قصائد إسلامية ترفع الروح وتحث على الجهاد والبر والإحسان، فهذه طيبة، ولكن لا يكثر منها مثل الملح في الطعام؛ لأن بعض الشباب لم يعد يقرأ القرآن وإنما يغني وينشد، طوال يومه أناشيد وأناشيد وأناشيد، قلت: أين المواعظ؟ قال: يا شيخ نتسلى، قلت: طيب، نريدك تبكي أيضاً، خذ موعظة تبكيك وخذ نشيداً يسليك، لكن تريد نشداً طوال اليوم فلا يصلح، لابد أن يكون في حياتك نوع من التكامل والتجانس. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1170

ولو ترى إذ وقفوا على النار إن المتأمل لنصوص الوعيد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجد مشاهد مفزعة، وأهوالاً عظيمة، مما أعد الله فيها من ألوان العذاب والنكال للكفار والمنافقين. وفي هذا الدرس عرض الشيخ مواقف لأهل النار في عذابهم، وأصناف هذا العذاب من أكلهم، وشربهم، وملابسهم، وأليم عقابهم على أفعالهم، وطبقاتهم في النار.

стр. 1171

تصوير قرآني لمشاهد من العذاب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فيا أيها الأحبة في الله! هذا الدرس يأتي ضمن سلسلة الدروس الشهرية بعنوان: تأملات قرآنية) وهو يلقى في مدينة جدة في مسجد الحارثي بحي الإسكان الجنوبي، بعد مغرب يوم السبت الموافق (٢٩ ذي القعدة ١٤١٥ للهجرة) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. وعنوان تأملاتنا هذه الليلة قول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار﴾ [الأنعام:٢٧] واختياري لهذا العنوان؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق تأملاتنا لسورة الأنعام. وذكر النار -أيها الإخوة- مطلوبٌ خصوصاً في هذه الأزمان التي شردت فيها القلوب عن الله، وغفلت النفوس عن تذكر الآخرة، حتى لكأن الذي يرانا يجزم بأننا إما أننا لا نؤمن بالنار، أو لا نعرف النار؛ لأن السلوك والأعمال والتصرفات توحي بهذا، فمن يعرف النار ومدى قدرته ومقاومته لها، ويؤمن بحقيقة وجود النار، ثم يسلك تلك المسالك ويتصرف تلك التصرفات، لا يمكن أن يصدق العقل هذا، لذا كان لا بد من ذكرها وما أعد الله فيها، وما توعد الله الكفار والمنافقين والعصاة والفسقة من ألوان العذاب الذي لا يتصوره العقل. يقول الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. كل ما يمكن أن يخطر في بال الإنسان من ضخامة وأصناف العذاب، فإن هذا الذي يخطر في البال لا يمكن أن يصل إلى جزء من حقائق ما سيكون في النار، ويكفينا قول الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].

стр. 1172

مشاهد ورود أهل النار على النار يقول الله في سورة الأنعام وهو يصف لنا مشهداً من مشاهد العذاب يوم القيامة، وهذا المشهد هو: أخذ أهل النار وحبسهم على النار قبل إلقائهم فيها؛ لأنهم يساقون إليها، ويسحبون على وجوههم إليها، ويدفعون من ظهورهم دفعاً إليها، لا يأتون إلى النار باختيارهم، ولكن جاء وصف مجيئهم في ثلاث آيات: المشهد الأول: قال الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١] سوق الإهانة والتهديد والعذاب الشديد ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] تقول لهم الملائكة: أما جاءكم رسل ينذرونكم لقاء هذا اليوم ويحذرونكم من النار؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] بلى يعترفون ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢]. المشهد الثاني: قال الله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨]. المشهد الثالث: قال الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧]. المشهد الرابع قال فيه : ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ [الطور:١٣] أي: يدفعون إليها دفعاً ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤] ثم يحبسون على النار، والله يخبرنا عن هذا ويقول للنبي ﷺ : لو ترى يا محمد! ولو تشهد هذا المشهد، انقل هذه الصورة إلى الأمة، بلّغ خلق الله هذا المشهد لعلهم أن ينزجروا أو يرتدعون، فيعملوا الصالحات قبل أن يصيروا إلى هذا المصير.

стр. 1173

توضيح لقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨]، يحبسون على النار، ويوقفون عليها، فيرون المزلة والغبن والحسرة والندامة، فيقولون: ((يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ)) يا ليتنا نعطى فرصة ثانية ونرجع إلى الدار الخالية، فنعمل فيها عملاً صالحاً؛ من أجل أن نفوز بالجنة وننجو من النار ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]. قال الله : إن هؤلاء لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه؛ لأن الذي ينقصهم ليس الدليل؛ الآن الذي ينقص العاصي والفاجر والكافر هل هو الدليل على أن الله أرسل رسولاً صادقاً، وأنزل كتابَ حقٍ، وشرع دينَ حقٍ؟ لا. الله يخبرنا في القرآن أنهم لا يكذبون الرسول، قال الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ويقول عن فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤]. فالأدلة قائمة، لكن ما الذي يجعل الواحد -والدليل قائم، والبرهان ساطع، والحق واضح- يأبى؟ بسبب طبيعة التكذيب في نفسه، وطبيعة الانهزام والشر والعناد والرغبة في الباطل، وعدم الرغبة في الخير، ولهذا حتى لو أدخله الله النار ثم أخرجه منها سوف يعود في المعاصي، كيف أيعقل هذا؟! نعم يعقل. وقد كنت أقول وأتأمل سبحان الله! كيف يكون هذا؟! حتى علمت من رجل وقع في ترويج المخدرات، وقبض عليه، وأودع في السجون، وفصل من وظيفته، وأسقط اعتباره، وصدرت عليه المحكوميات الطويلة، وعانى ما عانى من الهوان، وضاعت أسرته، وتشتت شمله، وضاعت أمواله، وفي يوم من الأيام قمت بزيارته ونصحته في السجن، وقلت له: هل لذة ومتعة المخدرات تساوي كل ما نالك من هذا العذاب في الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]؟ فصلت وكنت في مركزٍ مرموق، وبددت ثرواتك، وضيعت أسرتك، وشتت شملك، وأسقط اعتبارك غداً تخرج من السجن فلا يلقاك في الشارع أحد يسلم عليك، وإذا أردت أن تتوظف ما أحد يوظفك، وإذا أردت أن تتزوج ما أحد يزوجك، وإذا دخلت في مجلس ما أحد يقوم لك، وإذا سلمت ما أحد يرد عليك السلام؛ لأنك شوهت سمعتك، وأسقطت نفسك، ما الذي ألجأك إلى هذا؟! فقال لي: يا شيخ سعيد! يكفي لا تلمني. قلت: لن ألومك، لكن ماذا تنوي أن تفعل في المستقبل؟ هل أخذت درساً من هذا الوضع؟ قال لي: قد عضضت أصابع الندم يقول: عضيت على العشر وتبت إلى الله، وأعاهدك أنني إن شاء الله إن أخرجني الله سأسير سيراً حسناً، وسأسلك مسلكاً رشيداً، ولن تراني إن شاء الله على سوء بعد اليوم. ومرت السنون والأعوام، وقضى في السجن سنين تهد الجبال، وخرج من السجن وزرته بعدها، وذكرته بوعده، وقلت له: خلاص الآن أعاد الله لك حريتك وأصبحت الآن طليقاً، فاسلك سبيل الهدى والرشاد واستقم على طريق الخير، ووضعت له منهجاً وبرنامجاً، ومرت الأيام ثم يحيط به قرناء السوء من جديد ولا أسمع إلا وهو يسجن من جديد، ويبلغني الخبر، قالوا: ليس في قضية ترويج فقط، بل ترويج وتهريب؛ لأن الترويج عقوبته في المرة الأولى السجن، والمرة الثانية نسف الرأس، فهذا يكفيه يوم روج المخدرات أنه يقتل، لكن لا، يريد يروج وتعاقد على تهريب وهرَّب المخدرات وكشفه الله، وأودع السجن، وبعدها ذهبت أزوره، قلت: أين عهدك يا فلان؟ قال: الشيطان! قرناء السوء! قلت: سبحان الله! صدق الله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] الآن ما عاد معك فرصة تخرج، ومضت عليه أيام وليالي وصدرت المحكوميات وإذا به يعلن وأنا أسمع في الإذاعة أنه قد أقيم عليه حد المحاربة لله بقطع رقبته وضربها بالسيف، وخسر كل شيء، هو روج المخدرات يريد أن يتاجر، وهربها يريد أن يربح، فخسر رقبته ونفسه وحياته، ولا أعلم كيف سيكون مصيره عند الله . إذاً يا أخي! هذا المشهد لأهل النار يقول الله فيه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨] ما الذي كان يخفيه الكفار من قبل؟ قال العلماء: بدا لهم ما كانوا يخفون من الإيمان والفطرة والتصديق بالله، فإن الله فطر النفوس على الإيمان به، يقول الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهي الدين ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة:٣٦] ولكن يأتي الإنسان فيغطي الفطرة من أجل شهواته وملذاته، فإذا بعث، قال الله : ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾، بل هنا حصل لهم ما كانوا يخفون من الإيمان والفطرة، ولكن هؤلاء طبيعتهم التكذيب، ولو خرجوا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. هذه النار التي توعد الله بها الكفار والفجرة والمنافقين والعصاة وحذر منها أهل الإيمان وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].

стр. 1174

تكرار مشاهد النار في القرآن تأكيد لقيام الحجة أيها الإخوة! كان يكفي في القرآن والسنة أن تذكر النار ويهدد بها مرة واحدة، ومن عصى فالنار، ولكن لقيام الحجة ذكر الله النار في القرآن في مواطن كثيرة، ومواضع عديدة، وبأحوال متعددة، ذكرها وذكر جميع ما فيها؛ حرارتها، شدتها، أبوابها، طباقها، عذابها، حياتها، عقاربها، ماؤها، هواؤها، طعامها، شرابها، ولا تمر عليك في القرآن صفحة أو صفحتان إلا وذكر النار أمامك لماذا؟ هل هذا عبث؟ لا. لكن لقطع الحجة على الناس، وحتى لا يأتي أحد يوم القيامة يقول: ما أعرف النار يا رب! ثم جعل الله لنا أيضاً نموذجاً من النار مصغراً، حتى لا يقول أحد: يا رب! تحدثنا بالنار، ما ندري أن النار حارة، نحسب أن النار تمشية، أو نزهة، أو أكلة، وما أعطيتنا منها طرفاً، قال الله: لا. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * الجواب =٦٠٠٥٠٥١> نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣]. جعل الله هذه النار تذكرة بالنار الأخرى، وإلا ما هي منها، وليست في درجتها، هذه جزء من سبعين جزءاً، يقول أحد الصحابة: [والله إنها كافية]. وأنا أقول: والله إنها كافية، والله لو تهددنا ربي أن يسجننا في حمام لكان هذا كافياً فكيف إذا سجننا في النار، وليست هذه النار بل ضعفها بتسعة وستين جزءاً، أي: إذا كانت درجة حرارة هذه النار مائة درجة فتلك حرارتها سبعمائة ألف، أين هذا أيها الإخوان؟! لا إله إلا الله!! يا أخي! أجارنا الله وإياك من النار؛ النار دار عذاب، أعدها الله وهيأها لعقوبة ونيل من يخالف أمره، ويعصيه ويرتكب محارمه ويترك فرائضه، وأعد الله فيها من العذاب بما يتلاءم مع ضخامة المعصية، فإن الله لا يحب أن يعصى، فالله لما أمر إبليس أن يسجد وما سجد طرده من الجنة، ونهى آدم أن يأكل من الشجرة وأبى إلا أن يأكل؛ أخرجه من الجنة، وكذلك أنا وأنت -يا أخي- لا ينبغي أن نعصي الله؛ لأننا إن عصينا الله فقد تهددنا بأن يدخلنا النار ويحرمنا من الجنة، ولقد حذر الله منها كثيراً كما ذكرت لكم.

стр. 1175

وجوب وقاية النفس والأهل من النار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] إن مسئوليتك تجاه نفسك وأهلك: زوجتك وأولادك وبناتك أن تقِهم، ماذا؟ ما قال: قِهم الجوع! أو البرد! أو الحر! أو المرض! هذه مسئوليات ثانوية، لكن قِهم أول شيء النار. لكن من الناس من يحمي ولده من الجوع فيطعمه، ومن البرد فيدفئه، ومن المرض فيعالجه، ويحمي ولده وبناته وزوجته من الحر؛ فيورد لهم المكيفات، ثم لا يحميهم من النار، بل يقذفهم بنفسه إلى النار، ويشتري لهم وسائل الإفساد إلى النار، وأنا أسأل من عنده عقل: من يشتري (دشاً) ليركبه فوق بيته: هل هذا يقي نفسه وأهله النار، أم يقحم أهله ونفسه في النار؟ ويجلس الواحد على الأريكة وأمامه الجهاز وفي يده (الريمونت) ماذا؟ قال: أنتقل، من أين تنتقل: من روضة من رياض الجنة إلى روضة من رياض الجنة؟ من آية كريمة إلى حديث شريف؟ لا. بل من فيلم إلى فيلم، ومن منظر خبيث إلى منظرٍ أخبث، ومن مسلسل إلى مسلسل، ومن شريط إجرامي إلى ألعن، ومن مباراة إلى أسوأ، ومن مصارعة وعورات مكشوفة إلى أشر، وهو جالس والمرأة والبنت والأولاد من حوله، ولماذا يا أخي المسلم؟! قال: لا أريدهم أن يخرجوا فيفسدوا في الخارج، أريد أن أفسدهم أنا بنفسي، يريد أن يتولى إهلاكهم هو بنفسه، سبحان الله العظيم ما أضل هذه العقول!! يا أخي! ولدك إذا فسد في الخارج فليس عليك ذنب إذا حرصت على ولدك ولكنه خرج من يدك وذهب إلى الشر احرص أيضاً لكن الله لا يسألك يوم القيامة عنه؛ لأنك ربيته على الدين وأبى إلا الشر، لكن إذا أوردته الشر أنت بنفسك وأقحمته في النار، ماذا سيكون عذرك أمام الله يوم القيامة، لا إله إلا الله! يقول لي أحد الناس وقد كان عنده هذا الجهاز وأخرجه يقول: والله إنني أنام وزوجتي بجواري، ثم أستغرق وأنقلب فلا أجدها، أقوم أبحث أين أولادي وآتي وإذا بها في الغرفة تنظر إلى مسلسل، وأولادي كذلك، يقول: أرقدهم من أجل المدارس، يقول: ثم أذهب وإذا بهم قد وضعوا المخدات فوق الفرش؛ حتى يوهموني أنهم ناموا، فأزيل الفراش وأنظر وإذا ما هو ولد بل مخدة راقدة، أين الولد؟ جالس ينظر إلى المسلسل الساعة الثالثة أو الرابعة قبل الفجر، ويذهب الولد إلى المدرسة وهو نائم. ويشكي المدرسون الآن من نوم التلاميذ في الفصول، يضع الطالب رأسه على الطاولة وينام، ولا واجبات ولا دروس، لماذا؟ من أين جاء هذا الشر يا إخوان؟! من الشر الذي ركب على البيوت، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦]. المسئولون عن إدارتها والمشرفون على التعذيب فيها ملائكة غلاظ في الخِلقة، شداد في التعامل. ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] إذا قال الله لهم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] تصوروا كم يقوم لتنفيذ أمر الله؟! سبعون ألف ملك، والمأخوذ واحد فقط، لكن الذين يقومون لتنفيذ أمر الله سبعون ألف ملك، ما هو حجم الواحد منهم؟ قال في الحديث: (إن الملك الواحد ليلقي بيده سبعين ألفاً في النار) لا حول ولا قوة إلا بالله!! والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]. يؤتى بهذه النار يوم القيامة تقاد ولها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ويمسكونها، ولو تركت لأتت على كل برٍ وفاجر. يقول عمر لـ كعب الأحبار: [يا كعب! خوفنا بالله، قال: يا أمير المؤمنين! اعمل عملاً وجلاً -أي: خائفاً- فوالذي نفسي بيده! لو جئت يوم القيامة بعمل سبعين نبياً إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو من عذاب الله يوم القيامة ثم قال: إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى معها ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر على ركبتيه جاثياً] خوفاً من النار، ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤] تغيظ مما فيها من غيظ على أعداء الله المقتحمين لحرمات الله، المضيعين لأوامر الله وفرائضه (وزفيراً) تزفر وتشهق كما تشهق البغلة على شعيرها، وكما يزفر العدو على عدوه؛ لأن هذا عدو، يقول الله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان:٦٥] (غراماً) مثلما يمسك الغريم بغريمه، وغريمتهم هنا النار؛ لأنهم تمردوا على أوامر الواحد القهار. يقول الله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦] ويقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢].

стр. 1176

طبقات جهنم بحسب أعمال أهلها واعلم يا أخي! أن النار سبع طبقات، كل طبقة فيها عذاب أشد من الأخرى، وإن كان لكل طبقة من العذاب ما هو أعظم مما يتصوره العقل، يقول الله : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣ - ٤٤]، هذه الطباق وهذه الأبواب الضخمة سبعة، جهنم طبقة أولى -أعاذنا الله وإياكم منها- ولظى طبقة ثانية، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيمٌ ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حر مستعر ولقد ذكر الله لنا بعض الأعمال التي توصل إلى كل طبقة من هذه الطباق -والعياذ بالله-.

стр. 1177

أولاً: جهنم وهذه أسوأ شيء -والعياذ بالله- قال : ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٢] وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١].

стр. 1178

ثانياً: لظى وهذه أخبر الله أنها للذين لا يشكرون الله عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، ويمنعون حق المال، ويعرض بعضهم عن الحق، فقال في القرآن الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج:١٥] أي: النار ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٦] الشوى: أي: الفؤاد والقلب، إذا سمع بها الواحد ينتزع فؤاده من قلبه ويطير قلبه من داخله من الخوف ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٧ - ٢٢] جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 1179

ثالثاً: الحطمة ثالثاً: الحطمة: وهذه ذكر الله أنها مسكن أهل الغيبة والنميمة وتجميع الأموال من غير حقها، قال : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] يهمز ويلمز، أي: يغتاب وينم ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة:٢] يجمع أموالاً، وعدده: أي: شكله ونوعه، وقيل: أي: يعده، فلا ينبسط ولا يرقد حتى يعده، صوت الدراهم بين يديه أعظم من التسبيح، لها لذة إذا صار يعدعدها ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣] (كلا) ما يخلد بهذا المال ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة:٤] والنبذ: هو إلقاء الشيء بإهانة، تقول: نبذت النواة، أي: رميتها، ينبذ هذا في النار، لكن أين ينبذ؟ ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة:٤ - ٥] أما تعرفها يا محمد؟! إنها نار الله التي أوقد عليها ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٦ - ٧] أي: يصل عذابها إلى الفؤاد ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] أي: مغلقة ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٩] في سلاسل وأغلال.

стр. 1180

رابعاً: السعير وهو مسكن المكذب بيوم القيامة: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾ [الفرقان:١١] ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥].

стр. 1181

خامساً: سقر وقد ذكر الله عدة أعمال توجب دخول سقر، وهي أربعة: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] الذي لا يصلي: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] الذي لا يتصدق: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥] الذي ليس له اتجاه معين يخوض فيه، إن جلس مع الطيبين طيب، وإن جلس مع الفسقة فألعن منهم. ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦]، والذي يكذب بيوم القيامة. قال الله : ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٣٩ - ٤٧] يعني: حتى جاءهم الموت.

стр. 1182

سادساً: الجحيم وهذه للمتكبرين، يقول الله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٧ - ٤٨] لماذا؟ قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] كنت متكبراً على الله، لا تأتي إلى بيوت الله ولا تصلي مع عباد الله، وتشعر أنك أكبر منهم، وأن حجمك أضخم منهم، منفوخ بالمال؛ وبالمنصب وبالعافية وبالجنس وباللون وبالشباب، هذا ضعوه في الجحيم: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان:٤٧] والعتل قال العلماء: هو الأخذ بقوة، خذوه بعتل وبقوة وبشدة، اسحبه على وجهه ﴿فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] ما معنى سواء الجحيم؟ قالوا: وسط الجحيم، ما هو على الطرف؛ لأن الذي على الطرف قد يخرج لكن ضعوه في الوسط، أي: لن يخرج، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] الماء المغلي صبوا فوق رأسه منه. يقول الله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠] يحرق الجلد ويصهر البطن، كيف؟ قالوا: بمجرد أن يوضع على الرأس يخرق طبقة الرأس؛ لأن له حرارة شديدة ما يسيل فقط، يسيل ويخرق الرأس ويصل إلى البدن، لا حول ولا قوة إلا بالله!!

стр. 1183

سابعاً: الهاوية طبقة أهل النفاق وهي أسفل طبقات النار، وهي للمنافقين -أعاذنا الله وإياكم منهم- يقول الله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] واختار الله لهم هذه الطبقة مع شدة عذابها ونكالها؛ لأنهم كانوا يخدعون أهل الإيمان، ويخادعون الله ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]. يقول الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، قلوبهم قلوب أهل الإيمان، وأعمالهم أعمال أهل الكفر والشياطين -والعياذ بالله- فالله يقول فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩]، وفي الحقيقة ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] وهو مرض النفاق -والعياذ بالله- علامات النفاق معروفة؛ لأن النفاق ينقسم إلى قسمين: ١ - نفاق اعتقادي. ٢ - نفاق عملي. فالنفاق الاعتقادي يخرج الإنسان من الملة -والعياذ بالله- ويخلده في النار. والنفاق العملي يجعل فيه خصلة من خصال النفاق ولكن لا يخرجه بالكلية من الدين. فالنفاق الاعتقادي هو: بغض الإسلام، وبغض الله والرسول ﷺ ، وكره تكاليف الشرع، حتى ولو مارسها وأداها وهو يبغضها فهذا نفاق؛ لأن المنافقين كانوا يؤدونها، يقول الله : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] كانوا يزكون لكن بالغصب، ويصلون لكن بكسل، فالله سماهم كفاراً، لا بد أن تصلي وأنت مرح مسرور، مبسوط القلب، منشرح الصدر أنك تؤدي صلاتك وتقف بين يدي مولاك وخالقك، وإذا أخرجت زكاةً فتفرح أن جعل الله يدك العليا، وجعل في مالك حقاً للفقير المسكين، وجعلك صاحب مال وثراء، كان بالإمكان أن تنقلب المسألة وأن تكون فقيراً تطلب، لكن الله جعلك من أصحاب اليد العليا، وهم خيرٌ من اليد السفلى. فتفرح بهذا، أجل بغض الإسلام، أو بغض شيء من الدين، أو كراهية انتصار المسلمين، أو الفرح بانتصار الكفار، أو التشفي من أهل الإيمان؛ هذا نفاق اعتقادي. النفاق العملي: لا يخرج من الدين ولكنه له خصال وهي خمس علامات: ١ - إذا وعد أخلف. ٢ - إذا حدث كذب. ٣ - إذا اؤتمن خان. ٤ - إذا عاهد غدر. ٥ - إذا خاصم فجر. (فمن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) هكذا يقول رسول الله ﷺ . والله يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨] أي: من الإيمان وما عنده دين، ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] أي: مكانه هاوية، وهؤلاء هم المنافقون الذين كانوا يتصورون أن معهم شيء من العمل بناءً على كلامهم الكاذب، لكنهم في الحقيقة كانوا يخادعون الله فليس لهم شيء، وموازينهم خفيفة وطائشة، ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٩ - ١١] والعياذ بالله. هذه -أيها الإخوة- بعض أوصاف وصفات أهل هذه الطباق السبع.

стр. 1184

ذكر حر النار وبعيد قعرها أما عن حر النار وعمقها فإن: [حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد] كما قال عمر بن الخطاب ﵁. يروي الإمام أحمد وأصحاب السنن حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : (إن ناركم التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إنها كانت لكافية، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وتسعون جزءاً كلها مثل حرها). أنت الآن لو حاولت أن تقيس درجة حرارة النار، وأن تعرف مقاومة جسمك لحرارة النار، لعرفت أنك لا تستطيع الصبر على النار، لا تحاول أن تأخذ جمرة لكن خذ ماءً حاراً؛ إذا قدم لك الشاي وهو حار لا تقدر أن تشربه، وإذا أكلت طعاماً حاراً أحرق لسانك، وكوى بطنك، فكيف بمن يأكل ويشرب ناراً؟! وما هو حر نارنا هذه بالنسبة إلى تلك النار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، والحديث صحيح. ويروي الإمام مالك والترمذي بسندٍ صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (أوقد على النار ألف عامٍ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عامٍ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة). ويروي البخاري ومسلم حديثاً في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لي بنفسين، فأذن لها بنفسين: نفسٌ في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير والبرد). قال تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. أما عمق النار إذا ألقوا فيها، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، فسمع وجبة -أي: هزة ورجة- فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذا حجراً رمي في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن) كم تتصور عمق النار؟ لا إله إلا الله!! بمعنى: أن من نزل فيها لا خروج له، من أين يتسلق؟ أطول سجن في الدنيا جداره عشرة أمتار فكيف الذي مسافة النزول فيه سبعين سنة، والحجر نزل ووصل في تلك اللحظة التي أخبرهم بها النبي ﷺ . وقال في حديث آخر عند الترمذي: (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم تهوي سبعين عاماً ما تفضي إلى قرارها) أي: ما تصل إلى قعرها، ويروي الترمذي حديثاً آخر قال: قال رسول الله ﷺ : (ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعون خريفاً قبل أن يبلغ إلى قعره) هذا ويل، ولكن تلك تحته والعياذ بالله. أما كيف يردها الناس فقد ذكرت أن ورود الناس على أربعة أقسام: ١ - ناس يساقون سوقاً. ٢ - وناس يسحبون على وجوههم. ٣ - وناس يدعون على وجوههم. ٤ - وناس -والعياذ بالله- يحشرون على وجوههم عمياً وبكماًَ وصماً. ويساقون إلى النار جماعات وزمراً.

стр. 1185

أحوال أهل النار يقول الله : ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم:٤٩] مقرنين في الأصفاد كما تقرن البقر في الأضماد، كل ثلاثة أربعة في صفد واحد ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] سرابيلهم أي: ثيابهم ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] يأخذه الملك من الملائكة بناصية رأسه مع رجله ثم يرمى به في النار -والعياذ بالله- ينبذ في النار، وهكذا تأخذهم الملائكة بهذا العذاب ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. يقول في الحديث: (لو أن حلقة من السلسلة وضعت على جبال الدنيا لرضتها) أين؟ اسلكوه، أي: تدخل من فمه وتخرج من دبره، قالوا: لماذا؟ قالوا: ليشوى في النار كما تشوى الدجاجة في الشواية ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣].

стр. 1186

صفة ثياب أهل النار ما هي ثياب أهل النار؟ الثياب صفائح من النار، يقول الله : ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] وتصور ثوباً من نار!! أنت الآن لا تقبل ثوباً من كيس خيش، لو فصلنا لك وأعطيناك على جلدك وقلنا: ارقد في هذا الثوب. هل تتحمله؟ تقول: لا. والله لا أتحمله، لماذا؟ جلدك رقيق ناعم لا يتحمل كيساً ولا صوفاً ولا يتحمل إلا (فلينة) داخلية من القطن الملبد من الداخل، لكن ثياب أهل النار من نار، الثوب نفسه صفائح من النحاس المحمي الذي هو نار أحمر، ويلبس الثوب. يقول الله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]-نعوذ بالله وإياكم من النار- بعد ذلك: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] هذه الثياب.

стр. 1187

صفة طعام أهل النار وشرابهم ماذا يأكل أهل النار؟ لا إله إلا الله!! العذاب من كل شيء، يقول الله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]. أما الطعام فقد ذكر الله أنه الزقوم والضريع، يقول الله : ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥] أول الأمر ينشف في الحلق، فإذا نشف لا يطلع ولا يخرج وهو نار، فيتذكر أنه كان يجيز الغصة بالماء، قال الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] فيدخل الماء الحار مع الزقوم، فإذا جاء هنا قال الله : ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٥ - ٤٦] مثلما يغلي الماء -والعياذ بالله- وبعدها يقول الله : ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٣] فتنة أي: عذاباً ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]. وتصوروا شجرة تنبت في النار كيف تكون؟! المعروف أن النار تحرق الشجر، لكن هذه ضد النار، بل تنبت في أصل النار: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] ﴿طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٥] ثمرها وفاكهتها كيف؟ قال: ﴿كَأَنَّهُ رُءوُسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] قال المفسرون: وكيف تكون رءوس الشياطين؟ هل يعرف أحد رأس الشيطان؟ لا. لكن قالوا: على سبيل التمثيل، فإن أسوأ صورة وأسوأ شكل هو رأس الشيطان، هل تتصور أن رأس الشيطان جميل؟ لا. رأس الشيطان قبيح ومنظره كريه، وطلع الشجرة مثل رءوس الشياطين، قال الله : ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ [الصافات:٦٦] من هذه الشجرة: الزقوم. وبعدها لن يأكل لقمة وانتهى الأمر، بل يأكل حتى يشبع، فهو لا يريد أن يأكل، لكنه مجبر عليه، فإذا جاء الطعام إليه وهو لا يريده أجبر على الأكل منه. قال الله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ﴾ [الحج:٢١] فتضربه الملائكة بالمقمعة فيعود يأكل خوفاً من المقمعة، وإذا أكل أول لقمة لا يريد الثانية ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦]. ثم يقول الله : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٦] ما قال: يشربه، قال: (يسقى) يبنى هنا الفعل المجهول يشرب يسقى يغصب عليه ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قيح ودم يتجرعه، لماذا يتجرعه؟ بالقوة ﴿وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٧] ما يقدر يشربه، من الذي يشرب قيحاً ودماً؟ والله لو وضع أمامك كوباً قد ملئ قيحاً ودماً وواحد على رقبتك بالسيف يقول: اشرب أو السيف، والله تنقطع رقبتك ولا تشرب، لماذا؟ لأنك لو حاولت، وأخذت أول شربة كادت تخرج كبدك ورئتك وقلبك وتموت، فكيف بثانية وثالثة ورابعة؟ فكيف بالذي يشرب طوال حياته قيحاً ودماً وصديداً في النار؟ هل بلغ في تصورنا هذا -يا إخواني- أم أننا نتكلم عن أساطير، والله إنه كلام الله، فلا نقول كلاماً من عندنا، أين عقولنا؟! هل آمنا حقيقة بالجنة والنار؟! والله لو آمنا بالنار حقيقة ما كان هذا وضعنا، الذين آمنوا بالنار حقيقة حتى رأوها رأي العين حتى تغيرت حياتهم، يدخل الواحد في الإسلام ويتغير كل شيء في حياته، يقلب حياته رأساً على عقب على منهج الله، أما الدين البارد والإحساس المتبلد بحيث يسمع قرع وعذاب النار ولا يهمه، وكأن النار أعدت لغيره، لا. ما أعدت إلا لنا للناس ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ [التحريم:٦] لا البقر ولا الشجر، لا حول ولا قوة إلا بالله!! وهناك نوع آخر اسمه الضريع، يقول الله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] وما هذا؟ هذا -والعياذ بالله- ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] كلما أكل وإذا به جائع، أنت تأكل من أجل ماذا؟ من أجل الألم والحرقة التي تعاني منها في بطنك، فتأكل طعاماً فتسكت المعدة، لكن هذا الطعام إذا دخل في البطن لا يغني من جوع، ولا يسمنك، ولا تنتظر منه فائدة، ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٦ - ٧] ما هو الضريع؟ الضريع: هو شجر من شوك تأكله الإبل، نسميه نحن في الجنوب (شبرم) لا أدري ماذا تسمونه أنتم هنا، شجر ينبت في الصحراء ولكن فيه دوائر كبيرة، وهذه الدوائر مزروعة شوكاً لا يقدر أحد أن يقرب منه ولا حتى من شوكة واحدة منه، لكن الإبل أعطاها الله قدرة عليه، يأتي البعير يفتح فمه ويأكله؛ لأن فم البعير من الداخل شديد الجلد، يكسر الشوك ويمضغه، كذلك هذا الضريع، لكن هنا أخضر وهناك من نار وفيه شوك، إذا أكل لا يسمن ولا يغني من جوع، نعوذ بالله وإياكم منه. أما الشراب، فقد ذكرناه وهو الحميم والصديد والغسلين؛ والغسلين هو: ما يخرج من فروج الزانيات والزناة، يجمع في أواني من نار ويقدم شراباً لأهل جهنم، والعياذ بالله. ثم ذكر الله الطعام والشراب بقوله : ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] ذا غصة: لا ينزل إذا وصل للحلق يبس. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] يغاثوا بماء: أي: كالقيح والدم، يشوي الوجوه: إذا وصل الإناء إلى فمه سقطت فروة وجهه في الإناء ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. ويقول: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧] ويقول: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] والعياذ بالله.

стр. 1188

ضخامة جسم الكافر في النار اعلم يا أخي! أن الكفار في النار لا يبقون على وضعهم في الدنيا، وإنما تضخم أجسادهم ويزاد في طولهم وعرضهم، ورد في الحديث: (ما بين منكبي الرجل من أهل النار مسيرة ثلاثة أيام)، وورد عند مسلم والترمذي قال ﵊: (ضرس الكافر مثل جبل أحد). إذا كان هذا الضرس! إذاً فكيف الرأس؟!! الذي فيه الرأس اثنان وثلاثون ضرساً، فإذا كان الواحد مثل الجبل كيف الرأس؟ ثلاثون جبل هذا في الرأس والرقبة، والمقعد جاء في الحديث قال: (مقعد الكافر في النار كما بين مكة والمدينة) (٤٢٠كم)، هذا الكرسي الذي يجلس عليه في النار، لماذا؟ من أجل الإحراق؛ لأنه لو ترك هكذا تأكله النار على مسافة آلاف الأميال، لكن يضخم كي تأخذه النار ويبقى فيها. ثم جلده مسيرة ثلاثة أيام، وتبدل الجلود كل يوم أربعمائة مرة من شدة الإحراق، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] لماذا؟ قال: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] لا إله إلا الله! نستغفر الله ونتوب إليه، ونعوذ بالله من هذا المصير. والنار محكمة مطبقة مؤصدة محيطة من شمال وجنوب، ومن شرق وغرب، من فوق وتحت فلا مفر ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١١ - ١٢] يقول الكافر: أين المفر؟ أين نذهب ونهرب؟ قال الله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] أي: مغلقة مطبقة محكمة -والعياذ بالله- ويقول: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] أي: أسوارها وحصونها ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. كم غلظ الجدار؟ ورد حديث في الترمذي يقول ﵊: (لسرادق النار أربع جدر -أي: الأسوار أربعة أسوار- كل جدارٍ مسيرة أربعين سنة) من يبني جداراً يجعله (٢٠ أو ٥٠ سم) إن كان صبة، أما في النار فهو مسيرة أربعين سنة، هذا جدار وبعده جدار وبعده جدار حتى لا يخرج، ومن يخرج من النار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله! ويقول: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥] ويقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]. أما وسائل التعذيب في النار -والعياذ بالله- فشديدة، ومن أشدها وأبعدها -أعاذنا الله وإياكم منها- الحيات والعقارب، حيات كالجمال وعقارب كالبغال إذا لدغت الواحد يسري سمها في جسده أربعين سنة وهو يجد ألم اللدغة.

стр. 1189

صراخ أهل النار وتلاعنهم وتلاومهم فيما بينهم لأهل النار صراخ وصياح وعويل ومجادلات وتكذيب وملاعنة ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يتلاعنون في النار ويصيحون ويصطرخون، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون:١٠٧] لكن لن يخرج أحد منها، ويزفرون في النار، وبعضهم يرد على بعض: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ [ص:٥٩] قال أولئك: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ﴾ [ص:٦٠ - ٦١] أي: بعضهم يدعو على بعض، وهذا واقع الآن في الدنيا، لو مسكوا مجموعة من أهل جريمة لتلاعنوا وما دخلوا السجن، وتضاربوا قال: أنت، بل أنت، بل أنت، وهو سجن فيه أكل وشرب ونوم، كيف سجن النار لا حول ولا قوة إلا بالله؟! ثم يحصل في النار نوع من التلاوم، فيقولون كما أخبر الله عنهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] يلوم نفسه أنه لم يطع الله، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨] ويتحاجون أيضاً يقول الله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨] يقول: نحن كنا نتبعكم, ونمشي على منهجكم وطريقتكم فعلى الأقل احملوا عنا أكثر مما نحمل نحن، قالوا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨].

стр. 1190

استغاثة الكفار في النار بمالك ثم بخزنة جهنم ويخبر الله أنهم لا يخرجون منها ولا يموتون ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] ويسألون عن المسئول؟ من صاحب الكلمة؟ فيقال لهم: هذا المسئول الأول. مالك، فيدعونه ويقولون كما قال الله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] لا يطلبون الخروج؛ لأنهم يعلمون أنه ليس هناك خروج، لكن يطلبون الموت، اطلب من الله يا مالك! أن يقضي علينا، فيقول لهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨]. وبعد أن ييئسوا من مالك يطلبون من خزنة جهنم التخفيف ولو إجازة يوم، يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] يريدون إجازة ليوم واحد في العمر الطويل الأبدي، يريدون يوماً واحداً يذوقون فيه برد النوم؛ لأنه لا نوم في النار، ولا في الجنة؛ لأنك تنام في الدنيا من أجل أن ترتاح، وأنت في الجنة مرتاح طوال حياتك، لماذا تنام؟ فالنوم يقطعك عن أنك تتمتع بالزوجات وبالمناظر، وبالأكلات في الجنة، وأيضاً النوم في النار متى ترتاح؟ فلا أحد ينام، يقول الله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٤] إلا عذاباً وشقاء. وتصور شخصاً يريد النوم، وكلما رقد ضربته، كيف تكون حالته، رجاء تعبان من العمل وقال: أريد أرقد قلت له: ما عليك ارقد وارتاح لكن لا تغمض عينك، قال: أريد أرقد نصف ساعة، قلت: لا ما في نوم، وكلما أغمض عينيه (صفعته) ما رأيك في هذا العذاب من أجل ساعة أو ساعتين بعد سهر يوم أو يومين، هؤلاء ساهرون طوال الحياة -والعياذ بالله- ما في نوم في النار يقول : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠] إن الله أدخلكم النار وقد أعذركم ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠].

стр. 1191

استغاثة الكفار بالله بعد يأسهم من خزنة جهنم بعد هذا يطلبون من الله، قالوا: ما نفعنا مالك ولا نفعونا خزنة النار، ادعوا الله فيدعون الله ويقولون: ﴿رَبَّنَا﴾ هذا الصوت جاء في النار، لو قالوا في الدنيا: ربنا. لقال الله لهم: لبيكم، لكن ربهم في الدنيا الهوى والشيطان ولما دخلوا النار ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨]، فبعدها يقولون كما قال الله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] ما لنا مهرب من العذاب سواء صبرنا أم جزعنا؛ فيبكون حتى يجف الدمع. ثم يبكون حتى تنقطع الدماء، ثم تسيل مجاري في خدودهم من كثرة الدماء، تسيل أخاديد خد الواحد ورأسه كبير رأسه مثل ثلاثين جبل من جبل أحد، والدموع والدماء تنزل من كثرة الصراخ والعويل والعذاب الشديد يصير في الخد نهر ويصير أخدود من كثرة العذاب والبكاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! وهكذا -يا أخي في الله- يخلدون في النار في عذابٍ متواصل، لا يفتر عنهم يقول الله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥] والإبلاس هو اليأس، ولهذا سمي إبليس إبليس؛ لأنه قد يئس من رحمة الله، والله قال له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر:٣٤ - ٣٥].

стр. 1192

صفات المؤمن الناجي من النار أخي في الله! كل ما سمعت من العذاب والنكال والأهوال إنما أعدها الله للكفار والمنافقين، ولم يعدها لأهل لا إله إلا الله، لم يعدها لأهل الإسلام، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من قلبه، وجرد لا إله إلا الله بالتوحيد، وجرد محمداً رسول الله بالمتابعة والاتباع، وأقام الصلوات الخمس حيث ينادى بهن في المساجد ومع جماعة المسلمين، وبكمال الطهارة والخضوع والخشوع وحضور القلب، وأدى الزكاة إذا توفر المال وتوفرت فيه شروطه، وصام رمضان، وحج بيت الله الحرام، وبر والديه، ووصل رحمه، وقرأ كتاب ربه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأحب في الله وأبغض في الله، وجاهد في سبيل الله بقدر ما يستطيع من الجهد، وبذل ما يستطيع من الإمكان، جهاد الكلمة واللسان والمال والنفس، كل هذا من الجهاد. ثم امتنع وابتعد وانزجر عما حرم الله من الكبائر؛ فحفظ عينه مما حرم الله، وحفظ أذنه، ولسانه، وفرجه، ورجله، وبطنه، وكف يده، إذا قام بهذا فإنه -أيها الإخوة- بعيدٌ من هذا العذاب كله. المؤمن سالم بإذن الله لا يأتيه شيء من هذا كله إلا مبرة القسم؛ لأن الله قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] بل إن النار تصيح تقول: يا مؤمن! جز -أي: امش- فقد أطفأ نورك ناري. نور المؤمن يؤثر على إخماد النار، فلا تصل إليه لتحرقه، وإنما هو يطفئها ويمر من عليها. أهل الكفر والنفاق هم أهل النار، أما أهل الإيمان، وأهل لا إله إلا الله، والاستقامة على دين الله، والحب في الله والبغض في الله، الذين صبغوا حياتهم بصبغة لا إله إلا الله، وصاغوا أمورهم على أحكام لا إله إلا الله، وساروا خاضعين خاشعين مستسلمين مذعنين منقادين لأوامر الله، لا يرفعون رءوسهم على أمر الله، ولا يشاقون الله ولا رسول الله، وإنما سمعنا وأطعنا، يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦]. قال عبد الله بن سلام: [والله لو أمرنا بقتل نفوسنا لفعلنا] ﵃ وأرضاهم، الله ما جعل علينا في الدين من حرج -أيها الإخوة- بل شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، ونزع منا الحرج، وما كلفنا إلا بما نستطيع، هل في تكاليف الشرع علينا مشقة أيها الإخوة؟! لا والله، نحن عبيد، كان بالإمكان أن نعبد الله ليل نهار مثل الملائكة، فرض الله علينا بداية خمسين صلاة، ولو صلينا خمسين صلاة كنا كل نصف ساعة في صلاة، لكن الله برحمته ﵎، وبسبب مراجعة رسول الله له بإشارة من موسى ﵇ له نزلها من خمسين إلى خمس، فبقيت خمس في الأداء لكنها خمسون في الثواب، صلِّ خمساً وخذ خمسين ثواباً، وتضيع الخمس كذلك، إذاً ماذا تريد بعدها؟ لم تعد تريد الدين، من ضيع خمس صلوات إذاً لم يعد يبقى له دين، تقعد من بعد الفجر تصلي الفجر الآن (٤. ٣٠)، وتقعد إلى (١٢. ٣٠) كم جلست ساعات بدون صلاة؟ ثمان ساعات -يا إخواني- بدون صلاة، لا إله إلا الله! ما هذه النعمة! ثم تصلي الظهر (١٢. ٣٠) وتقعد ثلاث ساعات ونصف، ثم تصلي العصر وتقعد إلى المغرب ساعتين ونصف، ثم إلى العشاء وتصلي وترقد إلى الفجر، ما هذه النعمة يا إخواني؟ ما علينا مشقة في الدين.

стр. 1193

حرمة الزنا ومذهب أهل السنة في أهل الكبائر حرم الله الزنا وأباح لنا ما هو أطهر وأنظف وهو: الزواج، والزواج والزنا سواء في العملية الجنسية، لكن الزواج نظيف والزنا خبيث، ما يكلف مسئولية ولا يجعل لك مسئولية على ولد، ويفسد الأنساب، ويحلل الأسر، ويهتك الأعراض، ويجعل الحياة بهيمية، الحيوانات ما عندها زواج، هل سمعت أن حماراً تزوج بحمارة؟ أو عقد ثور على بقرة؟ أو تيس على عنزة؟! لا. هذه حيوانات، كذلك الإنسان بغير الدين حيوان، ولهذا في أوروبا والغرب والشرق ما عندهم هذا، صحيح يقترن بزوجة رسمية، لكن الزنا شيء عادي، الزوجة واحدة ومائة صديقة وزانية والعياذ بالله. فالله ما جعل علينا في الدين من حرج، بل شرع لنا ديناً عظيماً سهلاً هيناً وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فإذا رفض الواحد شيئاً من الدين وكفر فالنار، وإذا أطاع فالجنة. أما صاحب الكبيرة والمعصية والذنب فهو مسلم إن حافظ على الصلوات وقام بالأركان ولكن تزل قدمه، قال العلماء: صاحب الكبيرة فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، خلافاً للخوارج والمعتزلة. فـ الخوارج قالوا: صاحب الكبيرة كافر في الدنيا وهو مخلد في النار. والمعتزلة قالوا: في الدنيا لا كافر ولا مسلم، بل منزلة بين المنزلتين، لكنه في الآخرة كافر في النار مخلد. وهذا خطأ ومعارض للأدلة، والصحيح هو مذهب أهل السنة والجماعة: أنه مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. ولا يعني هذا -أيها الإخوة- أن نقلل من أهمية المعاصي، فإن المعاصي صعبة، ولا تستطيع أيها المسلم! أن تتحمل لحظة واحدة في النار، فلا تجعل لك -يا أخي- خيارات، ولا تأتي وأنت على خطر، بل تب إلى الله من كل ذنب، واستقم على منهج الله دائماً، حتى تلقى الله وأنت مسلم؛ فيحلك دار الكرامة، وينجيك من دار الهوان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، إنه على كل شيء قدير. يمكث أهل الكبائر في النار بقدر ذنب كل واحد منهم، الذي معه ذنوب يقعد أكثر من غيره، والذي أقل ذنوباً يجلس أقل، بقدر الجريمة، فإذا خرجوا وما بقي أحد إلا أهل الكفر، تمنى الكفار أنهم كانوا مسلمين، يقول الله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعرفنا الله ولو بشيء بسيط؛ لأن أهل الكبائر خرجوا من النار.

стр. 1194

ذبح الموت وحسرة أهل النار بعد خروج العصاة -أيها الإخوة- ودخول أهل الجنة الجنة واستكمالهم فيها، يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوضع بين الجنة والنار ويذبح ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، والحديث في الصحيحين يقول ﵊: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً ونعيماً، ويزداد أهل النار حزناً وعذاباً أليماً) لأن عندهم أمل أنهم في أن يخرجوا أو يموتوا، لكن إذا قيل لهم: خلود فلا موت، فهؤلاء يحزنون، وأهل الجنة خلود فلا موت يفرحون، لماذا؟ لأن أي واحد يأتي إلى مكان يخاف ألا يخرج منه إن كان جيداً ويريد أن يقعد دائماً، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار خالدون فيها أبداً، وبعدها تسود وجوههم، يقول الله : ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]. إلهي لست للفردوس أهلاً ولا أقوى على نار الجحيم فهب لي توبة واغفر ذنوبي فإنك غافر الذنب العظيم اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا ما سلف منا وكان من الذنوب، اللهم اغفر لنا وطهرنا بالتوبة يا رب العالمين! واستعملنا فيما يرضيك، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الجريمة وقلوبنا من النفاق، وجوارحنا من المعاصي، وارحمنا يا رب العالمين! واهدنا إلى سواء السبيل. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1195

الأسئلة
следующие страницы →