← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

كيفية نصيحة من لم يحضر صلاة الجماعة السؤال وجهت بعض النصيحة لبعض الشباب في المحافظة على الصلاة في الجماعة في المسجد فقال لي: لست بمسئول عني أنا أصلي في المنزل -والله غفور رحيم- فماذا أعمل له؟ الجواب استمر في نصحه وتهدي له بعض الكتب الإسلامية والأشرطة الدينية لعل الله أن يهديه؛ لأنه إذا صلى في غير المسجد أو في البيت من غير عذر شرعي؛ فإن بعض أهل العلم قد قالوا بعدم قبول صلاته، وبعضهم قال بعدم صحتها، وبعضهم قال: إنه ارتكب إثماً من أعظم الآثام؛ لأنه ترك واجباً دلت عليه الأحاديث والآيات من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ . والصلاة جماعة في المسجد شيء معلوم من الدين بالضرورة، حافظ عليها رسول الله ﷺ في حياته، وحافظ عليها أصحابه من بعده، وحافظ عليها سلف الأمة، وهو ديدن المؤمنين، وهو عنوان أهل الإيمان، ولا يصلي في بيته إلا منافق كما قال ابن مسعود: [من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] نسأل الله أن يهدي هذا الشاب لكي يصلي في المسجد حتى ينمو إيمانه إن شاء الله.

стр. 1262

حكم معاكسة النساء وعمل قوم لوط السؤال بين لنا حكم معاكسة النساء؟ وحكم من يعمل عمل قوم لوط؟ والعياذ بالله! الجواب أما معاكسة النساء والاتصال بهن سواء كانت هذه المعاكسة عن طريق الهاتف، أو عن طريق المراسلة، أو عن طريق المتابعة بالسيارات، أو عن طريق النظر إلى النوافذ والبيوت فكل هذا محرم في شريعة الله ، وهو ليس من أخلاق أهل الإيمان، بل هو من أخلاق السفلة عباد الشهوات الذي يمتلئ الإنسان منهم من رأسه إلى قدمه شهوة محرمة -والعياذ بالله- ولا يقيم لله أمراً، ولا يخاف من الله عقوبة، ولا يراقب الله ويعلم أن الله يراه في هذه اللحظات، فهذا عبد شهوته، هذا مثله مثل العير -والعياذ بالله- فإنه إذا رأى أنثى فإنه يرفع مسامعه ويطردها، لكن العاقل المؤمن إذا رأى شيئاً من هذا فإنه يخاف الله ويغض بصره ويذكر أن الله يراه. يقول الحسن البصري لما قيل له: [كيف نستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك ويقينك أن نظر الله إليك أسرع من نظرك للمرأة التي تنظر لها] وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني استشعر مراقبة الله ، واعلم بأن الله يراك ﵎ ويعلم ما في قلبك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] فإذا كنت في الليل لا تقتحم على المسلمين بيوتهم ولا تنتهك حرماتهم، ولا تستعمل هذه الآلة وهذا الجهاز (الهاتف) الذي هو وسيلة من الوسائل الطيبة التي أتاحها الله للناس في هذا الزمان ليقضوا أغراضهم لا تستعملها استعمالاً سيئاً -والعياذ بالله- فتقتحم على الأسر وتعاكس النساء، ماذا تستفيد بهذا؟ ماذا تكسب؟ تكسب سخط الله، تكسب إحراق قلبك، تكسب إحراق دينك ويقينك، تكسب خدش عرض أخيك المسلم؛ وكل هذه التبعات والمسئوليات تكتب عليك إن لم تتب إلى الله أو عوقبت عليها، ووالله! لتعاقبن على كل نغمة، ويوم القيامة تكون هذه تلوى عليك في النار إن لم تتب إلى الله ، لا تعاكس أحداً، وإذا كانت لك رغبة في المكالمة والمحادثة مع النساء فسارع في الزواج وتزوج؛ لأن المكالمات لا تحل إشكالك، بل تُذكِّي النار وتُشِبُّ الجحيم في قلبك؛ لأنك إذا كلمت امرأة لا تحل لك وأنت في أرض وهي في أرض احترق قلبك، فمن الذي سوف يجعلك تركب مع ابنته أو تقعد مع ابنته، وهب أنك استطعت أن تصل إلى الحرام فهل وصولك إلى الحرام يحل مشكلتك معها؟ لا. سيبقى الحرام يزيد ويزيد، لا يحل مشكلتك مع النساء إلا زوجة حلال، تتزوج بها وتستحلها بكلمة الله، ثم حدثها من الشروق إلى الغروب لا تنام، وكلمها بالهاتف، فهذه زوجتك وحلالك. أما عمل قوم لوط فهو محرم -والعياذ بالله- يقول عبد الملك بن مروان: [والله لو أن الله ما حدثنا في القرآن عن عمل قوم لوط والله ما صدقت أن ذكراً يركب ذكراً] لأن هذا غير موجود في الحيوانات لا يوجد حمار يركب حماراً، الحمار أعقل من الذي يعمل هذا العمل، القرود والخنازير والكلاب من أشد الحيوانات جنساً، ولهذا يضرب بها المثل في النذالة والخسة والحقارة لكنها -وهي أشد شيء في ذلك- لا يركب الذكر الذكر مستحيل أبداً، لا يركب قرد كلبة ولا يركب كلب حمارةً أبداً، وإنما من جنسه، لكن اللوطي -والعياذ بالله- لا يتورع أن يركب رجلاً، ولا يتورع أن يركب كلباً، ولا يتورع أن يركب حتى حمارة، لماذا؟ أقذر إنسان على وجه الأرض بل أقذر مخلوق -والعياذ بالله- ولهذا قال ﵊: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وحكم الصحابة فيه التحريق بالنار، وحكمهم فيه أنه يحمل إلى أعلى مكان في المدينة ثم يرمى ويتبع بالحجارة أخذاً من عمل الله بقوم لوط الذين قال الله فيهم: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣]. وقد ورد في بعض الآثار أنه (إذا ركب الذكر الذكر اهتزت السماوات والأرض لغضب الله فتمسك الملائكة بأطراف السماء وتقرأ سورة الإخلاص حتى يسكن غضب الرب، ولولا البهائم الرتع والشيوخ الركع والأطفال الرضع لصب الله العذاب على أهل الأرض صباً بسبب هذا العمل) فالله يقول: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] إن هذا هو غاية المسخ للإنسانية، وغاية الشذوذ وإخراج الإنسان من إنسانيته أن يتحول إلى أن يكون أقذر من الكلاب والقردة والخنازير -والعياذ بالله- فلا يعمل، والنبي ﷺ قال: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط). أما عذابهم في الآخرة فلا يتصوره العقل نعوذ بالله وإياكم منه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1263

مداخل الشيطان [٢،١] إن الشيطان هو عدو الإنسان الأول منذ خلق الله آدم ﵇، وقد جعل هذا العدو مهمته في هذه الحياة إغواء بني آدم بشتى الطرق والوسائل؛ ليعرض عن الله ويتنكب طريق النجاة. وقد اتبع الشيطان في سبيل تحقيق هذه الغاية وسائل متعددة، ومداخل مختلفة، وهذه المداخل هي التي تناولتها هذه المادة في معرض التحذير منها.

стр. 1264

النعمة الحقيقية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته، اللهم آمين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وبعد: أولاً: أشكر شباب هذه البلدة المباركة، الذين وفقهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم، وأدركوا المسئولية الملقاة على عاتقهم تجاه ذويهم وأهليهم، فبادروا إلى مثل هذه الندوات الإيمانية، والجلسات العلمية التي تحيي القلوب، وتبارك النفوس، وترضي الله ﵎، وهذا من توفيق الله لهم ولأهل هذه المنطقة الذين أحسبهم صالحين يستحقون مثل هذا الخير وهذا الفضل، فإن النعمة الكبرى على الناس ليست نعمة الأكل والشرب، ولا نعمة المال والوظائف، والسيارات، هذه نعم لكنها نعم تزول، إن النعمة الكبرى هي نعمة الإيمان، نعمة الدين، فمن أوتي الدين فقد أنعم الله عليه بأعظم نعمة على وجه الأرض، يقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] أي: ديني، ويقول : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:١ - ٢] أي: دينه، فليس بمنعم على من يتقلب في النعم المادية وهو عدو لله ، ليس بُمنعم عليه من يتوعده الله بأن يسجنه في نار جهنم إذا مات وهو على طريق الشيطان، هذا ليس في نعمة، ولهذا يقول الله للرسول ﷺ : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥] لا تتصور أن من عنده مال وأولاد وبيوت ومساكن ومؤسسات ومزارع ولكنه بعيد عن الله، وعدو لله؛ هاجرٌ لكتاب الله هاجرٌ لبيوت الله قاطعٌ لرحمه عاقٌ لوالديه والعياذ بالله سبَّاب شتَّام مغتاب نمام شاهد زور حالف فجور عدو لله لا تجده في موقع إلا وهو في الشر، وعنده ثراء ونعمة ولكنها ملغمة بسم، متى تنفجر؟ يوم أن يموت، وإذا بها تقطعه قطعة قطعة في جهنم، فيتمنى أنه ما عرف هذه النعم، يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]. فالنعمة الحقيقية -أيها الإخوة في الله- في مثل هذه المجالس، ووالله! للحظة يقضيها الإنسان في هذه الندوات، وساعة يقضيها في هذه الأماكن خير من الدنيا وما عليها وسوف يموت، وسوف يجد يوم القيامة الساعات والدقائق مسجلة، إما في ديوان الحسنات وإما في ديوان السيئات، ويتمنى أنه قضى كل حياته في مثل هذه المجالس، فهنيئاً لكم، وبارك الله فيكم، وبارك الله في شبابكم، ونطلب منكم المزيد، ونطلب منكم العون والتأييد، والدعم والجلوس معهم؛ لأنهم إذا وجدوا الإقبال ووجدوا الانصباب والانكباب على العلم استطاعوا أن يذهبوا إلى العلماء، وإلى الدعاة، وأن يجلبوهم لكم، فهم أطباء القلوب. لكن إذا رأوا الإعراض، فيأتي الداعية أو العالم ولا يجد أحداً من يكلم؟! يقول: كفى الله المستعان! وهنا تحصل النكبة، ويحصل الدمار والإعراض عن الله، ومن أعرض عنه الله دمره الله في الدنيا والآخرة، ومن أقبل على الله بقلبه وقالبه، فإن الله يبارك له في حياته وماله، ورزقه وأولاده، وزوجاته وفي كل شئونه.

стр. 1265

حال المقبل على الدنيا المعرض عن الآخرة قال النبي ﷺ : (من أصبح والدنيا همه) ككثير من الناس، ينسى الموت وينسى الآخرة، وكأنه لن يموت؛ قلبه مفتوح على مصراعيه للدنيا والعياذ بالله، (من أصبح والدنيا همه، فرق الله عليه شمله) فالعمل الواحد يصبح مائة عمل، أي: بدل أن يجمعها ربي يفرقها، ولا تتجمع في أي حالة من الأحوال (فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه) ولا يرى إلا الفقر ولو كان معه عشرون مليوناً، فالملايين في البنك لكن الفقر أمام عينيه، فكلما تلفت إذا بالفقر بين عينيه والعياذ بالله! فيطرد ولا يلحق، مثل شارب البحر: كلما ازداد شربه ازداد عطشه والعياذ بالله، حتى لو أتيت تسأله وهو ثري وغني وفي خير، كيف أنت؟ كيف الأمور؟ قال: والله! الأمور صعبة هذه الأيام، الأمور تعبانة، والميزانية متدهورة، والسيولة النقدية غير متوفرة، والأزمات قائمة، والعياذ بالله! كأنه لا يملك ريالاً لماذا؟! الفقر بين عينيه؛ الأموال وراء ظهره والفقر بين عينيه، فلا يرى إلا الفقر، فقير حتى على نفسه، فقير حتى على أولاده، وجماعته، ما منه خير والعياذ بالله! (جعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)؛ المكتوب له لا بد أن يأتي ولا يحول دونه أحد. ثم يقول ﵊: (ومن أصبح والآخرة همه)؛ أصبح وهو يفكر في يوم الآخرة: يفكر في القبر وضغطته، واللحد وظلمته، والصراط وحِدَّته، والموقف وشدته يفكر في عمله يفكر في صلاته وقراءته للقرآن، ورضا والديه عليه؛ هل أصبحا يدعوان له أم يدعوان عليه يفكر في رحمه؛ هل أصبحت رحمه راضية عنه فهي تدعو له؛ كلما ذكرته قالت: مدَّ الله في أجله، الله يوفقه، الله يوسع له في رزقه، أم أنها تقطعه وهو يقطعها وهي تدعو عليه؛ تقول: الله يقطعه كما قطعني، ألهب الله عظامه فكثير من الناس موجه ظهره إلى الدنيا بل قامت العداوة بينه وبين جميع أقاربه وأرحامه من أجل الدنيا، والعياذ بالله! وتسبب في نكبة نفسه بلعنة الله وسخطه في الدنيا والآخرة فيفكر المؤمن في هذا وبعد ذلك يصحح الغلطات، كلما رأى في نفسه قصوراً أو خللاً تاب واستغفر ورجع وأصلح حاله مع الله . (ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله) أي: يسر الله أموره، كلما أراد شيئاً إذا به يتيسر؛ إن جاء ليراجع تسهلت، وإن جاء ليشتري اتسعت، وإذا أراد أي شيء إذا به ميسر؛ يرى اليسر في كل طريق؛ لأن الله يسر له الموقف (جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه) وليس فقره بين عينيه؛ غناه في قلبه ولو كان فقيراً تجده غنياً، لو لم يكن عنده شيء، كيف أنت؟ قال: الحمد لله؛ في ألف نعمة، أبشرك، آمنين سالمين آكلين شاربين راكبين ساكنين مستورين، من هو الذي في مثل نعمتنا في هذا الزمان، كيف كنا نتمنى قبل خمسين سنة، لو أتينا بالآباء والأجداد وقلنا لهم: تمنوا النعم كلها، لانتهت بهم الأماني دون أن يبلغوا ما نحن فيه من النعم، من كان يحلم أننا نعيش فيما نحن فيه اليوم، تغير كل شيء في حياتنا: تغيرت المساكن، والملابس، والمآكل والمشارب والمراكب والأواني، وتغير كل شيء هل بقي شي من الماضي في بيوتنا الآن؟ ما بقي شيء، أين هي؟ في المتاحف والآثار، إذا دخلت الآثار، يقولون: هذه آثار الماضي، وما هي؟ الملحف والنطع، والجاعد، والجلة، والفنجان الحيسي، والبرمة، والقدر ذاك، كل هذه آثار، آثار من؟ قال: هذه من العصور القديمة، وما عرف أنها من قبل ثلاثين سنة. أبي وأبوك وجدي وجدك عاشوا عليها وغير الله حالتنا كلها؛ تدخل على الرجل الآن في بيته فتجد المفارش والملابس والأشياء التي لم يحلم بها، يقول الواحد منا: أنا في الدنيا أم في الجنة؟ كان الناس في الماضي إذا جاء مطر وجاءت السيول، يخافون من المطر في الليل؛ لأنهم يخشون من (الغادي) من يستطيع أن يصعد ليسد تسرب الماء من السقف في الليل، فيتجمعون ويضعون الأواني تحت هذا (الغادي) كأس هنا، وتحت ذاك صحن، وتحت ذاك قدر، وتحت ذاك فنجال، وتبدأ النواقيط، طن طن تسمعها مثل الموسيقى طوال الليل، وأحياناً لا يبقى في البيت مكان، فيتجمعون في زاوية أو في ركن أو في (الريشة)، ويضعون عليهم (نطعاً) أو ملحفاً حتى لا يأتيهم (الغادي). واليوم من هو الذي لا يفرح بالمطر في الليل؟ وبيوتنا مسلح، لو يهطل بالليل والنهار لا نشعر به. وسياراتنا وجميع نعمنا، هذه نعم! فإذا أصبح الإنسان فيها آمناً وشعر بنعمة الله، وقيل له: كيف أنت؟ قال: الحمد لله، أنا في نعمة ما بعدها نعمة، قال ﵊: (وجعل غناه في قلبه).

стр. 1266

توفر الدروس الوعظية نعمة وحجة فأنتم أيها الإخوة! في جميع النعم؛ النعم المادية، والنعم الدينية؛ المادية هي ما تعرفون، والدينية هي هذه الندوة، هذه الجلسة، لا يوجد في كل قرى عسير وشهران وقحطان مثل هذا الدرس، ففي المدن نعم؛ في أبها والخميس، لكن البلدان الأخرى لا يوجد، ويسر الله لكم من أبنائكم من يأتون ويطلبون من العلماء، ووالله لقد خجلت كثيراً من كثرة إلحاحهم عليّ حتى خفت من الله، وأنا لا أرفض المجيء لأني مستغن عن الله؛ ولكن لأني مشغول ومرتبط كثيراً، حتى إن صوتي انقطع في بعض الظروف، ولكن من خجلي من هؤلاء الشباب وهم يأتون، كأنه يطلبني صدقة! يلح عليّ يقول: اتق الله، اتق الله، لابد أن تأتي فأخجل وآتي، وأقول: بارك الله في هؤلاء الشباب، وجزاهم الله عنا وعنكم وعن الإسلام خيراً، ونسأل الله أن يزيدهم؛ لأنهم نور، هؤلاء أنوار في قريتكم، والنور ما يسير بعده إلا النور. لكن ما ظنكم لو أن هؤلاء الشباب في المخدرات، أو في الزنا والخمور واللواط وفي الشرور، وجلبوا عليكم الشر والفساد، وأصبح الواحد في المجلس إذا جلس لا يريد أن يقال له: يا أبا فلان، لماذا؟ لأن فلاناً في السجن والمخدرات أو خمار، أو زاني، أو قليل دين، والآن كثير منكم يفرح إذا كان في المجلس، وقالوا: يا أبا فلان، قال: نعم. لماذا؟ لأن ولده كان على المنبر يخطب، ويدعو إلى الله، يبشر بدين الله، ما من هداية تحصل على يد هذا الولد إلا وكما هي في ديوان ولده فهي في ديوان أبيه مثله، لماذا؟ لأنه سبب فيه ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] قال العلماء: إن الولد من سعي أبيه، وإن جميع حسنات الولد مثلها لأبيه إذا رباه على الدين، فلتفرحوا بهذا الخير، ولتؤيدوهم وتناصروهم وتأتون، ماذا يوجد من المغرب إلى العشاء؟ ماذا نعمل في البيوت إذا لم نأت؟ بعض الناس يقول: أقعد من المغرب إلى العشاء؟! وأين تذهب، إذا لم تجلس هنا أين تذهب؟ ما الذي يشغلك؟ لقد أراحك الله يا أخي! كان الناس في الماضي فعلاً لا يدخلون بيوتهم بعد المغرب إلا وقد تكسروا؛ الذي يرعى من وقت شروق الشمس إلى غروبها، أو على البئر من شروق الشمس إلى غروبها، أو يقطع أو يحطب، والآن ماذا معك من شغل؟ نائم من وقت شروق الشمس إلى غروبها، وإذا كنت موظفاً تأتيك النقود من الدولة وأنت جالس على كرسي، إذا تعبت وقعت وانصرفت. بعض الناس يقول: متعب، من ماذا؟! قال: من التوقيع، أو من كتابة معاملة، ويلف الورق ويضعها فوق بعضها، وبعضهم ريحه الله بأولاد صالحين وموظفين وليس عنده وظيفة فيأتونه بالخيرات وهو راقد، لا يرعى ولا يعمر ولا أي شيء؛ بل جالس، لماذا لا تستغل هذه النعمة؟ وإذا رأيت أنه يوجد درس مثل هذا الدرس وكان حتى في القرية الثانية فاذهب إليه، فكيف وقد جاء الله به إليك وأنت تترك ولا تأتي، هذا إعراض يا إخواني! الذي لا يأتي إلى مجالس الذكر خصوصاً مجلس الذكر في القرية فهو معرض، يجب أن تخصص هذا اليوم؛ ليلة الأحد من كل أسبوع لله، لا تعزم فيها ولا تنعزم، ولا تسافر فيها، ولو أن أحداً عزمك فقل له: معزوم، عند من؟ عند رب العزة والجلال، عند رب السماوات والأرض. إذا أردت أن تعزم أحداً، لا والله! إن كنتم ستأتون فلتأتوا بعد العشاء؛ لأن عندنا ندوة، وإذا ربطت نفسك ببيت الله وبالذكر خلال حياتك -كل أسبوع تأتي هنا لتسمع- فاعلم بأن هذه حياة قلبك بإذن الله، لكن إذا أعرضت عن الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] أتتك آيتنا إلى قريتك، وجئناك بالعلماء من كل وادٍ ومن كل مدينة، شرفوهم طلابكم ثم تركتم المجيء، ما ظنكم لو جاء أمر في ليلة الإثنين أن من حضر الندوة يصرف له بعدها مائة ريال، هل أحد يترك ولا يأتي؟! والله إنهم سيأتون من العصر، والذي لا يستطيع فسيأتي بالعصا، كل يدق الثاني: أنا الأول أنا الأول لماذا؟ لأن الصرف بالصف الأول؛ مائة ريال. لكن ليس فيها مائة ريال، هل تدرون ماذا يوجد في هذه الجلسة؟ أعطيكم حديثاً في البخاري، يقول ﵊: (إن لله ملائكة سيارة -أي: متجولة، تطوف حلق الذكر، أي: مهمتها البحث عن أماكن الذكر- فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله -مثل جلستكم هذه- حفوهم إلى عنان السماء، ثم يصعدون إلى الله فيسألهم الله وهو أعلم: كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يذكرونك ويسبحونك ويهللونك ويحمدونك، فيقول الله: ما وجدتموهم يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة) نسأل الله وإياكم الجنة، والآن، ماذا تريدون في هذا المجلس؟ ما تريدون إلا رضا الله، من الذي قادكم بالعصا، أو أخذكم بالقوة، ومن الذي سيعطيكم نقوداً بعد هذه الجلسة؟ ما جئتم إلا لله، وعملكم بإذن الله خالص لوجه الله، ترجون رحمة الله وتخشون عذابه، كل منكم يقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. (فيقول الله: وهل رأوا الجنة؟ قالوا: لا، ما رأوها، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لكانوا لها أشد طلباً وفيها رغبة، فقال الله: فما وجدتموهم يستعيذون بي، قالوا: وجدناهم يستعيذون بك من النار، فيقول الله: وهل رأوها؟ -هل رأوا النار وما فيها من الأغلال والأنكال والسلاسل والحميم والسموم واليحموم- هل رأوا ما بها من العذاب؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً ولها خوفاً، قال الله : أشهدكم أني قد غفرت لهم) اللهم إني أسألك من فضلك في هذه الساعة أن تغفر لنا ذنوبنا وذنوب آبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين. يا إخواني: إن الله لا يعجزه شيء؛ الله كريم وفضله عظيم الله يقول في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فطلبوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) إذا أدخلت الإبرة في البحر وأخرجتها كم ينقص البحر؟ أينقص شيء؟ هل يدري البحر أنك أخرجت الإبرة؟ اذهب من طرفه وانظر ما نقص هذا البحر إن خزائن رحمة الله واسعة! فنحن إذا طلبنا الله في مجلس يقول الله -والحديث في صحيح البخاري: (أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال أحد الملائكة: رب! فيهم فلان بن فلان كثير الذنوب والمعاصي -ليس منهم؛ ليس من الصالحين والذاكرين لله- ولكن مر لحاجة فجلس، عرض قلبه لذكر الله- قال: رب! فيهم عبدك الفلاني ليس منهم، ولكن أتى لحاجة فجلس، قال الله : وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) حتى هذا الذي ليس من أهل الذكر، لكن لما لان قلبه لذكر الله وجلس غفر الله له، فهنيئاً لكم، وأرجو الله ﵎ أن يوفقكم للمحافظة والمداومة وأن يوفق شبابكم للمداومة ولو لم يجلس معهم أحد، ليس ضرورياً أن يمتلئ المسجد، حتى لا يقول أحد: ما جاء أحد، اجلس ولو لم يجلس معك إلا الأربعة العمدان هذه، اجلس واذكر الله في هذه الليلة، لو لم تكونوا إلا أربعة أو خمسة من الشباب، افتحوا كتاب رياض الصالحين، وتفسير ابن كثير، وصحيح البخاري، أو اقرءوا من سيرة النبي ﷺ ، وكتب الفقه الإسلامي، تعلموا أمور دينكم ليلة في الأسبوع من بعد المغرب إلى العشاء، هذه ساعة تضيع على أكثر الناس، وكثير من الناس يضيعها في غير مصلحة؛ إما في كلام، أو علوم، أو جلسة، أو منادمة مع المرأة، أو عشاء، أو مشاهدة ما لا يرضي الله، أو سماع شيء مما لا يرضي الله لكن ساعة تقضيها في بيت من بيوت الله، وتخرج وقد غفر الله ذنبك، ورفع درجتك، وأعلى منزلتك خير لك من الدنيا وما فيها، هذه مقدمة.

стр. 1267

الشيطان مكره وخطواته أما موضوع المحاضرة فهو بعنوان: (مداخل الشيطان) نعوذ بالله جميعاً من الشيطان. الشيطان العدو اللدود لهذا الإنسان، والعداوة قديمة قدم التاريخ، ضاربة في جذور الزمن، فمنذ بدء الخليقة حصلت العداوة بين الشيطان وبين أبينا آدم، وهي معركة ضارية، قامت وستستمر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهناك تنتهي، فريق في الجنة وفريق في السعير، هذه العداوة بدأت بدافع الحقد والحسد والاستكبار والإباء، وهي من أمراض إبليس. لما خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، اعتبر إبليس هذا تكريماً أكثر من اللازم، ونظر إلى عنصره ومادة تكوينه فوجد بعقله المقلوب أنه أحسن حالاً من آدم، فرفض السجود، قال الله حينما قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢] قال الله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص:٧٣].

стр. 1268

امتثال الملائكة لأمر الله إن الملائكة لا تعصي الله؛ الملائكة الغلاظ الشداد لا يعصون الله ما أمرهم، يقول ﵊ والحديث في صحيح الجامع: (أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام) هذه رقبته، يا أيها الإنسان! وتعصي ربك، وهذا من حملة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] رقبته مسيرة سبعمائة عام، وفي بعض ألفاظ الحديث: (خفق الطير) أي: سرعة الطير، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦] وإسرافيل؛ نافخ الصور، يقول فيه النبي ﷺ : (كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور، وأصغى ليتاً) أي: أنصت بأذنيه لأمر الله، رجلاه تحت تخوم الأرض السابعة، وركبتاه في السماء السابعة، ورقبته ملوية تحت العرش، والعرش على كاهله. جبريل ﵇ له ستمائة جناح، لما أوحي إلى النبي ﷺ يقول: (فرد اثنين من أجنحته فسد ما بين الخافقين) ما بين المشرق والمغرب، اثنين! وكم بقي؟ خمسمائة وثمانية وتسعون جناحاً، أرسل الله جبريل مع الملائكة على قوم لوط، الذين كانوا يعملون باللوطية، وهو أن يأتي الذكر الذكر، وهذه معصية ما عملها أحد من العالمين إلا قوم لوط ومن سار على شاكلتهم، حتى الحمير والكلاب والقردة والخنازير لا تعملها؛ ما رأينا كلباً يركب كلباً، ولا حماراً يركب حماراً، ولا خنزيراً يركب خنزيراً، لكن سمعنا أن هناك من البشر من هو ألعن من الخنازير والكلاب والقردة والحمير، يركب الرجل الرجل، فعذب الله هذه الأمة بأن أرسل عليهم جبريل، قال: فغرس جناحه إلى أن بلغ تخوم الأرض ثم قلبها عليهم وكانوا أربع مدن، في كل مدينة أربعمائة ألف نسمة، وما هو بقليل، أربعمائة ألف نسمة؛ نصف مليون إلا قليلاً، قال: ثم حملهم على جناحه، جبالهم وزروعهم وثمارهم ودوابهم وبيوتهم وذكورهم وإناثهم، كلهم سواء، إلى أن سمعت الملائكة في السماء عواء الكلاب ونواء القطط! رفعهم إلى السماء، ثم قلبها عليهم، قال الله : ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣] هذا جبريل، ملك من الملائكة، وهذا خلقه وهذا شأنه وهذا تكوين الله لخلقته، يطيعه ولا يعصيه. وكذلك كل الملائكة، قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [ص:٧٤] ولهذا فالعاصي قدوته إبليس، أتريد أن تكون كإبليس؟ أتريد أن تكون شيطاناً رجيماً ولا تكون من الملائكة؟ تخلَّق بأخلاق الملائكة وأطع الله ولا تعصه، فلا يعصي الله إلا إبليس ومن سار على دربه واتبع طريقته من ذريته؛ أعوان الشياطين -والعياذ بالله- فهم الذين يعصون الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٤].

стр. 1269

خطوات الشيطان في إخراج آدم من الجنة لما سأله الله تعالى: لماذا لا تسجد يا إبليس؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦] وهذا خطأ، فإنه كان يتصور أن النار أفضل من الطين، وهذا خطأ، إذ الطين أفضل من النار؛ لأن النار وسيلة إحراق وتدمير، والطين وسيلة حياة وتعمير، إذ كيف تخرج حياة الناس كلها إلا من الطين؛ الثمار، والفواكه، والخيرات كلها من الطين، فغير صحيح أن النار أفضل من الطين، قال الله بعدها: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨]. نعم. لعنه الله، وطرده وقال لآدم وهو في الجنة: ﴿يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] بين الله له، كشف الله له الأمر: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧] انتبه! اجلس في الجنة، لا تطع عدوك ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩] نعيم في نعيم، وبعد ذلك: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] هذه الشجرة يقول عنها المفسرون: إن جميع ثمار الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كانت كافية لكل مطامع آدم، لكن هذه الشجرة؛ لأن كل من أكل من ثمار الجنة يخرج منه مسك؛ العرق ريحته ريحة المسك إلا هذه الشجرة، من أكل منها يخرج منه أذى، وما في الجنة مكان للأذى، فالله حرمها عليه وقال: لا تأكل من هذه الشجرة، وجاء الشيطان إلى آدم ليخرجه من الجنة، بعد أن بين الله له عداوته وقال: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] انتبه. لا تطعه. وجاء إليه بالمكر والحيلة، وقال له: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] وهذه الشجرة في الحقيقة هي شجرة الخروج؛ الذي يأكلها يخرج من الجنة، لكن جاءه بغير الموضوع وقال له: (شجرة الخلد) أي: الذي يأكلها يصير خالداً في الجنة، وهذه هي لغة الشيطان وأعوانه، وكثير من الشباب الآن يقع في حبائل الشر والفتن والجرائم عن طريق المكر؛ يأتي واحد ويقول: تريد أن تذهب إلى خارج البلد وتذهب عنك الهموم وترى مصر وأنت هنا؟ قال: نعم. قال: دخن واحدة فقط، فتبدأ السقطة بدخانة تريد أن ترتاح وتذهب منك المشاكل؟ تريد أن تذاكر الدروس وأنت منبسط؟ قال: نعم، قال: خذ حبة من المخدرات، فيبدأ الانزلاق بأول حبة تريد أن ينشرح صدرك؟ ابحث فقط عن فتاة تتكلم معها في التلفون، أو ترسل لها رسالة، أو تقابلها في مكان، أو أي شيء. حتى يورطه في جريمة الزنا والعياذ بالله، من أين هذه الأفكار؟ من الشيطان، كما أضل آدم يريد أن يضل أبناءه إلى يوم القيامة، فجاء إلى أبينا آدم وقال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] لأن آدم كما يقول المفسرون: ليس من أهل الجنة في الأصالة، أهل الجنة بالأصالة هم الملائكة، أما آدم هو من أهل الجنة بالتبعية، أي: أصله من الأرض وجاء به الله ، فهو ليس من أهل الجنة بالأصالة؛ فهو خائف، ودائماً الغريب الذي يقيم في أرض طيبة أرض أمن أرض خيرات وهو ليس من أهل هذه الأرض، يخاف أن يخرج منها، فهو يريد أن يحصل على إقامة دائمة، لا يخرج منها، من أجل ما في هذه الجنة، فجاءه إبليس من هذا الجانب وقال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] يقول: إذا أكلتما من هذه الشجرة سوف تصبحان من الملائكة، وتصبحان من الخالدين في الجنة، ثم قال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] حلف لهم بالله إنه لهم ناصح وهو كذاب، ولهذا لا تصدق الذي ينصحك بالباطل ولو حلف لك، لا تصدقه، فإن الشيطان قد حلف لأبينا آدم، وأخرجه من الجنة وهو كذاب، قال الله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: دلاهما بكيد ومكر ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف:٢٢] بمجرد أن أكل الشجرة أبونا آدم ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]. أوجد الله لهما مخارج لهذا الأذى ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] بدءوا يتسترون ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] قال الله : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣] أخرج الله آدم، وأخرج الله إبليس، أخرجهم إلى الأرض ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ [طه:١٢٣] يا آدم ويا إبليس كلكم ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣] انتبه، لا تتخذ الشيطان صديقاً لك ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:١١٩]. سمعتم الآية: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] يقول ابن عباس: [تكفل الله لمن اتبع القرآن والسنة ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة] لكن من أعرض عن الدين والقرآن وسنة النبي ﷺ ، قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤] يتولاه الشيطان رأساً ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧].

стр. 1270

عداوة الشيطان وحزبه للإسلام بين الله عداوة الشيطان لنا وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] هل في الدنيا أحد يريد أن ينصح عدوه بخير؟ لا أحد أبداً، فعدوك لا يمكن أبداً أن يأمرك بخير، أو يدلك على خير، عدوك عدوك؛ الآن اليهود أليسوا أعداء العرب؟ إسرائيل عدوة العرب الآن، وعدوة المسلمين الأولى، هل يمكن أن نثق في إسرائيل؟ هل يمكن أن تعطينا شيئاً فيه خير؟ لا، لماذا؟ لأنها عدوة، فإذا وثقنا فيها وصدقناها وأخذنا صادراتها، وتعاملنا معها، هل يمكن أن تدلنا على خير؟ لا. كثير من الناس الآن يقول الله تعالى لهم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] لكن اتخذوه ولياً، وصادقوه، وصادقوا جماعته وربعه، يرقص وهو في الجيب! وكثير من الناس أبغض شيء عنده بيت الله، يداوم كل يوم ولكن لا يدخل إلى المسجد إلا يوم الجمعة، يستمع الأغاني في الصباح والمساء وفي السيارة والمكتب وفي كل مكان، ولا يمكن أن يفتح المصحف إلا في رمضان، أو يوم الجمعة إن كان نشيطاً، هذا عدو لله ولي للشيطان؛ لأن القرآن كلام الله، والأغاني كلام الشياطين، وكثير من الناس الآن كرسيه محجوز في القهوة، كل ليلة وهو يخرج من بيته، يترك زوجته وأولاده، وأين تذهب؟ قال: أذهب أعمّر، ماذا تعمر؟ يعمر شيشة وهو يدمر ولا يعمر -والعياذ بالله- يدمر نفسه وأخلاقه وماله، يخرج ويترك زوجته وأولاده ويأتي ليقرقر، كما يقول أحد الإخوة، يقول: إن المقاهي مساجد الشيطان، وبعد ذلك المؤذنون فيها هم المغنون، وما دخلت أبداً ولا سمعت عن قهوة إلا وفيها سماعات ومسجلة وأشرطة وأغاني، هل سمعتم مقهى قرآن أو موعظة؟ هل دخل أحد مقهى وسمع فيها شريطاً للشيخ ابن باز أو للشيخ محمد بن عثيمين أو للشيخ عائض القرني؟ لا. ليس فيها إلا أشرطة الشياطين والمغنين، وبعد ذلك المرجانة -أي: الشيشة- مجالس إبليس! وكل واحد عند رأسه مرجانة وفي رأس المرجانة نار، النار هي نار الشيطان؛ لأنه مخلوق من النار، ولا تتزين شيشته إلا بالنار، يقرقرون ويكبرون للشيطان فإذا انتهى مسحها وأعطاها لزميله، وخرج بريحته الكريهة، إذا مررت من عنده تكاد تتقيأ من ريحة فمه والعياذ بالله! ورجع إلى بيته بريحته هذا عبد للشيطان، يقول الله : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠] بئس أن تستبدل ربك بالشيطان الرجيم، بئس للظالمين بدلا، ربك الذي خلقك ورزقك وغذاك ورباك وسترك وهداك ووفقك، تتركه وتأخذ عدوك الذي أخرجك وطردك ولعنك ويريد أن يوصلك جهنم، أتطيعه؟! أين عقلك أيها الإنسان؟!

стр. 1271

الشيطان وتخويفه للإنسان بالفقر وبعد ذلك يسير كثير من الناس في ركاب الشيطان، كيف؟ بعض الناس يقول: كيف يدخل الواحد في ركاب الشيطان؟ نقول له: إن الله قد بين ذلك في القرآن، يقول الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. كل أمر تجده في نفسك رغبة في الشر فاعلم أنه من الشيطان، وكل أمر تجده في نفسك تقاعساً عن الخير فاعلم أنه من الشيطان؛ فإذا جئت لتخرج من جيبك نقوداً لتتصدق بها، اعتراك نوع البخل فمن هو الذي أمرك بهذا؟ الشيطان؛ لأنه يعدك الفقر، يقول: اغلق الشنطة!! تخرج منها خمسة أو عشرة!! فيغلق الشنطة، لكن قيمة الدخان! إذا جئت لتشتري دخاناً، يقول الشيطان لك: اشترِ هذا. ريال الدخان مخلوف، يقول إبليس: الذي يقع في يد الشيطان مخلوف، ولو جاءك فقير في صباح يوم من الأيام وطرقت عليك الباب امرأة وقالت المرأة: انقطعت بي السبل، ولم أجد بلاغاً إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رزقك أن تعطيني خمسة ريالات لآخذ لأولادي شيئاً، أبونا ميت وأنا في حالة من الفقر، أريد بريال خبزاً وبريالين جبناً وبريالين طحينية، أفطر أولادي، أسألك بالله الذي رزقك! ربما يحن قلبك عليها وتقول: تفضلي هذه خمسة ريالات، ثم في اليوم الثاني جاءت، ودقت الباب: قالت: أسألك بالله، خمسة ريالات ثانية، فستقول لها: أنت جئت بالأمس؟ نعم جئت بالأمس، ما معي إلا الله ثم أنت، قال: طيب إن شاء الله، وإذا جاءت اليوم الثالث: هل تعطيها؟ ستغلق الباب، وإذا دقت الجرس تقول للمرأة: انظري فإن كانت تلك فاطرديها، أنا حكومة هنا كل يوم خمسة ريالات؟! وإذا خرجت عليها رأيتها وأصرت إلا أن تدق الباب فربما تأخذها بالعصا، وتقول: أعطيناك خمسة وثاني مرة خمسة وكل يوم خمسة خمسة، مائة وخمسين في الشهر، والله لا أفتح لك الباب، فلو أعطيتها خمسة، ففي الشهر ماذا يكون رصيدك عند الله يوم القيامة، ورد في الحديث: (إن الصدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وإن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) ويأتي الرجل يوم القيامة فيجد حسنات كأمثال الجبال، يقول: يا رب! من أين هذه؟ ليس عندي شيء، قال: هذه صدقاتك رباها الله وضاعفها لأن الله تعالى يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]. خمسة ريالات قدرت عليها، وفي اليوم الثالث تطردها، لكن أربعة ريالات قيمة الدخان؟ هل جاءك الشيطان وثبطك عن شراء الدخان؟ وبعضهم يستلفها، ولو يجعل أولاده يموتون جوعاً، وبعض الرجال ليس عنده أو عند أولاده نقود ويشتري دخاناً، لماذا؟ لأنه حق الشيطان، لمن يدعها؟ هذه مسواك إبليس؛ لأن الشيطان مخلوق من النار أليس كذلك؟ ومسواكه من أين؟ من النار، ولهذا أبى الشيطان إلا أن يمسوك أتباعه وأصحابه بمسواكه، إن مسواك النبي ﷺ ثمنه ريال، يكفيك من يوم الجمعة إلى الجمعة، وقد يستمر معك جمعتين، وبعد ذلك (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، يقول ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) والحديث في الصحيحين، ويقول الإمام الصنعاني في كتابه سبل السلام: يا عجباً لأمة تضيع سنة يقول فيها نبيها أكثر من مائة حديث. ورد في فضل السواك أكثر من مائة حديث، وجاء الشيطان عند أهل الدخان وأقنعهم بمسواك آخر من النار، ما هو؟ من الدخان، وبعد ذلك كم؟ هذا يكفيك عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً بريال، ومرضاة للرب ومطهرة للفم، ومن أعظم شيء يتقرب به العبد إلى الله، فجاء الشيطان إلى الناس، وأقنعهم بترك السواك، وأخذ سواكاً آخر لكن من مادة الشيطان، من خلق وتكوين وتركيب الشيطان، وبعد ذلك كم؟ مسواك يكفي في الأسبوع؟ لا. في اليوم عشرون مسواكاً (باكت) وبعد ذلك من مسواك إلى مسواك، وبعضهم أربعين مسواكاً. وهذا المسواك يطيب فم الإنسان أم يخبثه؟ يخبثه، فلو مررت من عند شارب الدخان وشممت رائحة فمه كأنك تشم رائحة بيارة والعياذ بالله، حتى إن من الرجال من يعذب امرأته؛ مدخن ويريد أن يسلم على امرأته وهي تتمنى أن تسلم عليه، لكن إذا قرب منها جاءت الريحة إليها، فغمضت، أو قبلته قبلة واحدة بسرعة ولفت، لماذا؟ لأنها لا تريد أن تشم رائحته والعياذ بالله! لقد أكرم الله الإنسان بفتحة طاهرة عليا وهي الفم، فجاء الشيطان وحول الفتحة العليا إلى رائحة كريهة والعياذ بالله، حتى إن بعض المدخنين إذا كان في إدارة حكومية أو محكمة أو مع رجال فيهم خير، ويريد أن يدخن لا يعرف أين يدخن، ممنوع التدخين في الدوائر الحكومية، فأين يدخن؟ في الحمام؛ فتجتمع له رائحتان فينبسط! والله لو أنه ليس في الدخان إلا هذا، هل سمعتم أن واحداً يستطيع أن يأكل سندويتشاً في الحمام؟ يستطيع أن يشرب شاياً في الحمام؟ لماذا؟ لأنه ليس مكانها لا تطيب لي نفس أن آكل في الحمام حتى ولو كنت في حد الموت. لكن يقدر أن يشرب الواحد الدخان في الحمام، لماذا؟ لأنه المكان الصحيح للدخان، لكن يشربه في المسجد، يشربه بين يدي العلماء؟ لا يقدر؛ لأنه خبيث، ولذا يا إخواني! نقول لشارب الدخان: اتق الله في نفسك، اتق الله، راجع نفسك من الآن وقرر، إذا كنت رجلاً وشهماً وصاحب إرادة قوية قرر من الآن التوبة، لتكون طيباً، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦]. هل الدخان طيب أم خبيث؟ خبيث، والذي يدخن كذلك، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] هل ترضى أن يقال لك خبيث يا شارب الدخان؟ لماذا تقبل الخبيث؟ لماذا تضعه في فمك؟ لماذا تشربه؟ لماذا تنفخه؟ لماذا تضعه في جيبك؟ لماذا تشتريه؟ لماذا تبيعه؟ لماذا تروجه؟ إنه خبيث، وقد حرم الله الخبيث وقال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].

стр. 1272

أقسام العمل من حيث الخير والشر كثير من الناس سار في ركاب الشيطان، وأطاع الشيطان وترك الله ، وطبيعي أن من عاش مع الشيطان أهلكه الله في الدنيا والآخرة، ثم يموتون كلهم، أولياء الله وأولياء الشيطان، ويقابلون ربهم على ضوء الأعمال التي سلكوها، والأعمال عملان: عمل صالح، وعمل سيئ. العمل الصالح: ما أمر الله به، وما أمر به رسوله ﷺ . والعمل السيئ: ما أمر الشيطان به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] كل سوء وكل شر هو من الشيطان الرجيم، وتجد حساباتك عند الموت، ويقدم لك كشف الحساب، يقال لك: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. هذا كتابك، اقرأ كتابك، اقرأ ملفك، هذه درجاتك وعلاماتك التي كنت عملتها في الدنيا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٤ - ١٥]. ويقوم الناس من قبورهم بعد أن يكون أهل الإيمان وعباد الرحمن، ليسوا عباد الشيطان والشهوات، بل عباد الله الذين نزعوا أيديهم من الشيطان وسلموا أنفسهم لله؛ سلموا أعينهم لله فلا ينظرون بها إلى حرام، وسلموا آذانهم لله فلا يستمعون بها إلى حرام، وسلموا ألسنتهم لله فلا يتكلمون بها في غيبة أو نميمة أو لعن أو سب أو شتم أو شهادة زور أو يمين فجور أو حرام، وسلموا أيديهم لله فلا يمدونها إلا إلى ما أحبه الله، وسلموا أرجلهم إلى الله فلا تحملهم ولا يسيرون عليها خطوة واحدة إلا فيما يرضي الله، وسلموا فروجهم فلا يمكن أن يطئوا بها إلا فيما أباح الله، وسلموا بطونهم فلا يمكن أن ينزل بها لقمة إلا مما أحل الله هؤلاء هم عباد الرحمن؛ رضخوا لله، وأذعنوا لشريعة الله، هؤلاء يوم القيامة يموتون ويقال لهم عند الموت: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وفي القبر يثبتهم الله، يقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ويحول القبر إلى روضة من رياض الجنة، وتأتيهم أعمالهم على أحسن عمل، أنا عملك الصالح حفظتني حفظك الله، ويوم القيامة يبعثون من قبورهم ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]. يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، يأخذون كتبهم بأيمانهم، هذه شهادتك: ناجح، يردون الحوض فيشربون شربة واحدة، من شرب منه شربة واحد لم يظمأ بعدها أبداً، يوزنون وإذا بهم موازينهم راجحة ثقيلة، عمل صالح وتقوى، وخوف من الله ورجاء ودعوة وبر وقرآن. لكن ذلك ماذا عنده: دخان، وأغان، وحلق لحية، ومشعاب، وكذب، ومسجل، ويا ليل ويا عين هذه رجولته، وإذا خرج لعنه الله وطرده على أساس هذا العمل، والعياذ بالله! فالمؤمن له ميزان وله ثقل عند الله، وبعد ذلك يدخل الجنة، يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧١]. أما أتباع الشيطان، عبيد إبليس؛ لأن الله ﵎ سماهم عبيداً للشيطان؛ لأن العبودية ليست سجوداً وركوعاً، بل العبودية طاعة، فإذا أطعت الله فأنت عبد الله، وإذا أطعت الشيطان فأنت عبد الشيطان، ولهذا فهؤلاء يعيشون في الدنيا على طاعة الشيطان.

стр. 1273

حرص الشيطان ومقابلته لأوامر الله بأوامره واعلموا أيها الإخوة! أنه ما من أمر لله إلا ويقابله أمر للشيطان، فمن وقع في أمر الله فهو عبد الله، ومن ترك أمر الله وقع في أمر الشيطان شاء أم أبى؛ أمر الله بالصلاة والشيطان أمر بالنوم، فإذا كنت مع الله فإنك تقوم لتصلي، وإذا كنت مع الشيطان راقداً على الفراش في صلاة الفجر، هذا ميزانك؛ أمر بالصلاة في ذلك الوقت والشيطان أمر بالنوم في ذلك الوقت، أنت مع من؟ الله أمر بالقرآن، والشيطان أمر بالأغاني، أنت مع من؟ الله أمر بالنظر إلى الحلال، والشيطان أمر بالنظر إلى الحرام، أنت مع من؟ الله أمر بأكل الحلال، والشيطان أمر بأكل الحرام، الله أمر بالبيع والشيطان أمر بالربا، أين أنت؟ الله أمر بالعسل والطيبات والشيطان أمر بالدخان والخبائث والخمر والمخدرات، أين أنت؟ لا يمكن أن تقع بأمر لله إلا وأنت متحرر من أمر الشيطان، ولا يمكن أن تقع في أمر من الشيطان إلا وأنت متحرر من أوامر الله، شئت أم أبيت، وقد يقول واحد من الناس: أنا لا أطيع الله ولا أطيع الشيطان، معقول؟! أنت لابد أن تنظر، وليس هناك شخص لا ينظر، لكن هناك من ينظر فيما يحبه الله ويرضاه، وآخر يتلفت إلى النساء، هذا عبد للشيطان، ولابد أن تسمع، فهناك من يسمع القرآن وآخر يسمع الأغاني، لا يوجد أحد يقول: لا والله، أنا لن أتلفت وسأغلق عيني. ولا أسمع، فسوف أسد مسامعي، ولا آكل ولا أشرب، ولا أقوم ولا أجلس، ولا أخرج ولا أجلس، من هذا؟ هذا الميت الذي مات، هذا نذهب به إلى القبر. أما الحي فلابد أن يسمع ويتلفت، وينظر ويتكلم، ولكن إما بما يرضي الله فهو عبد الله، أو بما يرضي الشيطان فهو عبد للشيطان. وهؤلاء الذين يعيشون في الدنيا على هذا الوضع هم عند الموت خبثاء، جاء في الحديث تقول لهم الملائكة: (يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب) اخرجي الآن للحساب، كنت خبيثة ومفلوتة، والآن اخرجي للحساب، إلى سخط من الله وغضب، وفي القبر يسأل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يقول: هاه، هاه، هاه، لا أدري؛ لأن الله يضله، يقول: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وبعد ذلك يأتي عمله على أخس صورة، عمله دخان، وقطع لرحمه، وعقوق لوالديه، وإساءة لجيرانه وجماعته ومشاكله وتحريشه، وغيبته ونميمته، وإفساده، مثل قطة أبو عريش، فقد أحرقت أبو عريش بذيلها، احترق ذيلها في عشة وخرجت وذهبت إلى العشة الثانية وخرجت وأحرقت الثالثة، حتى أحرقت مدينة. وكذلك من الناس من دوره مثل دور قطة أبو عريش، يحرق القرية كلها بلسانه، يأتي عند فلان، ويقول: هاه سمعت ماذا قال فلان؟ قال: والله يقول: فيك وفيك، وأعطى وأخذ منه كلاماً، وراح عند ذاك حتى يفسد، يشعل النار والفتنة بين الجماعة والعياذ بالله.

стр. 1274

العاصي وحاله يوم القيامة فالإنسان العاصي يوم يموت ويجد عمله يأتي عمله على أشوه صورة، وعلى أخس شكل، يقول له: (أنا عملك السيئ ضيعتني ضيعك الله) وبعد ذلك يبيت في قبره إلى يوم القيامة على العذاب، ثم إذا بعث من في القبور وخرج من قبره وإذا به يرى النكبات، لا إله إلا الله!! يقول الله : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٧ - ٨] يوم صعب والله. يوم عبوس قمطرير هوله فيه تشيب مفارق الولدان مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور الله أكبر! ما أعظم الأحداث، يخرج الإنسان وهو خائف وجل ليس عنده شيء، مفلس ما عنده عمل، وبعد ذلك يأتي على الصراط فيسقط، فيأتي ليأخذ كتبه في اليمين فتضرب يمينه على كتبه فتسقط يمينه، ما معه يمين، فيأخذها بشماله -رغماً عنه- لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] ليس الأمر على ما يريده المرء، وبعد ذلك يأتي ليوزن عمله، فيخف ميزانه ليس عنده شيء، قال الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] وما هو وزن تارك الصلاة وما معه من قيمة؟ ليس له وزن في الدنيا حتى يكون له وزن في الآخرة، فالذي ليس له وزن هنا ليس له وزن عند الله ﵎. وبعد ذلك يأتي ليشرب من الحوض فيطرد، يطرد كما يطرد الكلب! يذاد عنه، تطرده الملائكة، تقول: ما شربت من سنة النبي ﷺ ؛ ما شربت دينه، ما عشت عليه حتى تشرب من هديه، وتشرب من حوضه ﷺ ، وبعد ذلك يسحب على وجهه إلى النار، قال الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧]؛ أصم أعمى أبكم، يسحب على وجهه! وأعز شيء فيك يا رجل وجهك، لأن تسحب على ظهرك وعلى رجليك وعلى ركبتيك وعلى كل عضو أهون من أن توضع على وجهك فيسحب وجهك على الطين والحجارة! هذا أسوء منظر أهل النار، يقول الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾ [الإسراء:٩٧]؛ لأنه كان أعمى هنا عن الدين، كانت عيونه مفتحة لكن في الحرام، لا يستريح إلا إذا جلس مع النساء؛ يتكلم، ويأخذ ويعطي، مسرور، لكن بعد هذا السرور لعنة، يقول: (يا آكل الشحمة تخرجها شيئاً آخر) لا تنشرح نفسك بالمعصية الآن، خف من ربك الآن حتى يعوضك الله في الجنة، قد تجد معاناة؛ كون الإنسان لا يجلس مع النساء ولا يستمع الأغاني، ويتمسك بدين الله، قد يكون في ذلك نوع من المعاناة والصعوبة، لكنها لا تعدل شيئاً بالنسبة لمعاناة الآخرة، وبعد ذلك إذا جلست مع النساء في الدنيا بالحرام، وتفكهت معهن، أضعت على نفسك نعيماً عظيماً في الجنة، بينما إذا غضضت بصرك عن النساء هنا، يعطيك الله في الجنة نعيماً ليس بعده نعيم، من ضمنها اثنتان وسبعون حورية، يقول فيها النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لو أشرفت إحداهن -من حوريات أهل الجنة على الأرض- لآمن من على ظهرها بالله الواحد الديان) كلهم يقولون: لا إله إلا الله! ما هذا الجمال! نصيفها -شيلتها- على رأسها خير من الدنيا وما عليها، لو أنها في المشرق وواحد في المغرب لشم ريحها؛ رائحتها وهي في المغرب تشمها وأنت في المشرق، بعض النساء رائحتها إذا شممتها تنفر منها من شدة الرائحة العفنة والعياذ بالله! فمن ابتعد عن دين الله ليس له قيمة، وليس له وزن عند الله ، كان أعمى عن دين الله فيحشره الله أعمى أصم، قال تعالى: ﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧] أبكم عن الدين لا يقول كلمة خير، كلامه كله غيبة ونميمة وسب وشتم واستهزاء وسخرية، فلان كذا وفلان كذا فهل أنت الذي خلقته؟ من عاب الصنعة فقد عاب الصانع، لو أن أحداً يفصل نفسه لكان فصل على أحسن مقاس، لكن ربي هو الصانع، فلان الأسود، فلان الأبيض، فلان المتين، فلان الضعيف، فلان الأعور، فيقطع لحوم المسلمين، يأكل من لحومهم، ولكن يأكل دماً يوم القيامة، والعياذ بالله! لسانه أبكم عن ذكر الله، يغني يضرب: يا ليل، يا ليالي، في كل سمرة هو الأول، ولكن في كل ندوة لا تراه، أبكم عن الحق، والدين، والقرآن، لسانه يشتغل في الباطل، قال الله : ﴿عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧] أصم عن دين الله، لكن منفتح على كل شر: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء:٩٧] أي: كلما انطفأت وتنازلت: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧]. نعوذ بالله من ذلك! ويصلون في النار، والنار -أجارنا الله وإياكم من النار- حرها شديد، وقعرها بعيد، وعذابها أكيد، وطعام أهلها الزقوم، وشرابها المهل والقيح والدم والصديد، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمات المعاصي ينادون من شعابها بكياً من ترادف عذابها: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! قد تقطعت منا الكبود، يا مالك! العدم والله خير من هذا الوجود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود. يقولون: أطلقنا نرجع نعمل عملاً صالحاً من أجل أن نتوب، قال الله : ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] لا خروج أبداً من النار، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ [المؤمنون:١١٠] كثير من العصاة يضحكون على المتدينين، فلان مطوع، ماذا تكون أنت يا أبا السيجارة، اضحك على نفسك، ابك على نفسك، يا ضال، يا منحرف، يا عبد الشيطان! تضحك على عباد الله وأهل القرآن، والدعوة، والصلاة، والدين، والعفة، والشهامة، والمروءة، والطهارة، وأنت على الزنا والغناء وعلى قلة الدين، لا إله إلا الله! ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠ - ١١١] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الفائزين. في تلك اللحظات وهو في النار، يتدبرون ويتفكرون في هذا العذاب العظيم الذي ما بعده عذاب، ويعيدون شريط الذكرى، لماذا نحن هنا؟ من الذي ورطنا هنا؟ فيجلس بعضهم مع بعض، ويقولون: الشيطان الشيطان. إنك لو جئت في درس على مجموعة من السجناء في السجن، وقلت لكل واحد: تعال، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ من الذي ورطك في القتل؟ ماذا سوف يقول؟ يقول: الشيطان، وأنت ما الذي ورطك في الزنا؟ قال: الشيطان، وأنت ما الذي ورطك في السرقة؟ قال: الشيطان، كل واحد يقول: الشيطان ورطهم وتركهم في السجن. كثير من الناس ورطهم الشيطان وكأنهم ليسوا مسئولين، لكن إن لم يتوبوا فسوف يسجنون في سجن ما منه خروج، وهو سجن جهنم، وإذا جئت في يوم من الأيام تقول: ما الذي أتى بك في النار؟ قال: الشيطان، الشيطان أتى بي هنا، ﴿أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٩] يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] يأكل من هنا إلى هنا، إنك إذا اشتريت سلعة بخمسة في السوق ووجدتها في دكان آخر بريال، ماذا يصير في قلبك؟ الندم، أم لا؟ وهي بريال، لكن أخذتها بخمسة من دكان، تقول: الله! كيف هذا الكلام، بخمسة وهي بريال، كنت سآخذ خمس حبات، لماذا آخذها؟ أين عقلي؟ أين تفكيري؟ لماذا لا أبحث في السوق؟ وتبقى في قلبك نقطة وحرقة لا تنساها. فإذا جئت يوم القيامة وقد اشترى أهل الإيمان الجنة وأنت شريت النار، قال الله : ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] غبن يقطع القلوب، وقد ورد في الحديث: (إن أهل النار يؤخذون إلى أن يؤتى بهم إلى الجنة، فتفتح الجنة على مصارعها، فيقال لهم: هذه الجنة، قالوا: نعم، قالوا: هذه قد أعدها الله لكم لو أنكم أطعتم الله ورسوله) فيرون شيئاً لا يتصوره العقل، (ولكن لما عصيتم الله ورسوله بدلكم الله بدار ثانية فيؤخذون فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع بها الأولون والآخرون) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. ويعيدون شريط الذاكرة إلى أن سبب نكبتهم في هذه النار هو الشيطان، فيلعنون الشيطان، ويتبرءون من الشيطان، لكن لا ينفع! أحد الناس جئته في السجن وأنا ألقي درساً عليهم وبينت لهم في جريمة القتل، ولما خرجنا أمسكني رجل مسن، قال: يا شيخ! أين هذا الكلام قبل أن آتي إلى هنا؟ قلت: ما قضيتك؟ قال: القتل، أنا أنتظر السيف في الغداة والعشي، يقول: والله لو أني سمعت هذا الكلام ما دخلت السجن، يضربني أو يذبحني، لكن لا أدري! الشيطان ورطني في مسائله، لكن لا أدري كيف أرقعها الآن؟ أحييه من الموت؟ لا. ليست إلا موت رقبتي. وما يدري ما عليه عند الله يوم القيامة، من الذي ورطه في هذا؟ الشيطان، فالشيطان يورط كثيراً من الناس في مثل هذه الأعمال، ثم يو

стр. 1275

مداخل الشيطان ولكن ما هي مداخل الشيطان؟ وهذا موضوع المحاضرة. مداخل الشيطان كثيرة، نذكر منها فقط مدخلين رئيسين، بوابتين كبيرتين، يدخل الشيطان منها إلى قلوب كثير من أهل النار، وما أضل الشيطان الناس إلا من هذين البابين، يقول ابن القيم ﵀: ما أهلك البشر إلا شبهة أورثت شكاً في دين الله، أو شهوة أورثت تقديم الهوى على محبة الله. هذان البابان: شبهات، وشهوات.

стр. 1276

مدخل الشبهات ما هي الشبهات؟ ما يلقيه الشيطان في عقل الإنسان من الأفكار الخبيثة: شبهة الكفر، شبهة وجود الله أو عدمه، شبهة أن الرسول صادق أو غير صادق؟! شبهة هل هذا الدين حق، أو ليس بحق؟ شبهة هل في القبر عذاب أم لا؟ شبهة هل في الآخرة نار وجنة أم لا يوجد؟ من يورد هذه الأفكار؟ الشيطان، قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١٢٠]. شبهة حب الزنا وتزيينه، شبهة حب الربا وأنه أحسن شيء لتنمية الأموال، وتكثير الأرصدة في البنوك، شبهة الاعتداء والعدوان، هذه اسمها شبهات، ترد على الإنسان. ومحاربتها عن طريق تعميق قضايا الإيمان في النفس البشرية، وقطع دابر الشيطان بالقطع اليقيني وبالجزم الإيماني على أن كل حقائق الإيمان حق، لا يخالطك فيها شك، تزول الجبال ولا تزول عقيدتك في الله ، وأدلة هذا مبثوثة في الكون كله: ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ويقول الله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [محمد:١٠] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] والكون مبثوث فيه جميع الآيات الكونية التي تدلك على الله ﵎، بل السماء والأرض، والليل والنهار، والشجر، والجبال، والدواب والأنهار، والثمار، كل هذه إذا تفكرت فيها تجد أن آثار القدرة الإلهية فيها، تدلك على الله الذي لا إله إلا هو، يقول الشاعر: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاهدات بأن الله ليس له شريك وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ﵎، فحينما تتأمل وتتفكر تقطع الطريق على الشيطان وتقول: لا إله إلا الله، الله حق والشيطان يخسأ، قاتله الله، تفكر في نفسك أنت يا أخي، وفي خلقك وتركيبك وفي خلياتك وجزئياتك، وفي أكبر شيء فيك، في كل جزئية منك آية تدل على الله، وسوف أتكلم معكم فقط عن جزئية أو جزئيتين من خلقك أيها الإنسان أولها: القلب. القلب: مضخة أوجدها الله في الجسم، وهي مضخة حساسة ولها أهمية كبيرة، بحيث تشتغل مدى الحياة، وإذا توقفت لحظة ما الذي سوف يحصل؟ يموت الإنسان، إذا توقف القلب لحظة واحدة يموت الإنسان، يسمونها جلطة، أو السكتة القلبية، أي: سكت القلب فمات الإنسان، هذه العضلة يقول العلماء: تضخ في كل دقيقة ثمانين ضخة، هي عضلة، هذه الضخة ماذا تصنع؟ ترسل الدماء، مثل المكينة؛ تسحب الدم وتذهب به إلى العروق والجسد، وإذا توقفت هذه المضخة فإن الإنسان يموت مباشرة، فهي تضخ ثمانين ضخة في كل دقيقة، أي: في اليوم الواحد أكثر من مائة ألف ضخة، وفي عشرة أيام مليون ضخة، وفي شهر ثلاثة ملايين ضخة، وفي عشرة أشهر ثلاثين مليون ضخة، وفي عشر سنوات ثلاثمائة مليون ضخة، وأي جهاز وأي مكينة تقوم بهذا العمل ولا تخرب ولا تتوقف؟! لا إله إلا الله! من الذي يجري لها صيانة؟ من يزيتها؟ من يعرف عنها شيئاً؟ لا إله إلا الله! هذه المضخة العظيمة، التي هي آية من آيات الله ﵎، تضخ بعضلة لا إرادية، أي: عضلة أوتماتيكية من عند رب العالمين، فما لك فيها علاقة أنت، لكن عضلة يدك بعضلة إرادية، هذه عضلة وهذه عضلة، عندما تريد أن قبض يديك تقبضها، أو تمد عضلة رجلك تقوم وتقعد وبكل عضلاتك، لكن قلبك بعضلة تشتغل بدون إرادة منك؛ لأنها لو توقفت لتوقفت حياتك، فالله خلقها عضلة أوتماتيكية، فما ظنكم لو أن عضلة القلب إرادية، بحيث من أراد أن يعيش يحرك عضلة قلبه، والذي لا يريد أن يعيش يوقف عضلة قلبه ويموت، هل كان أحد سوف يشتغل بغير قلبه؟ لا أحد يعمل عملاً إلا وقلبه ينبض حتى لا يموت؛ لأنه إذا وقف مات، وبالتالي كيف يعيش الإنسان؟ كيف يعمر؟ كيف يبني؟ كيف يشتغل؟ كيف يكتب؟ كيف يعمل أي شيء، بل كيف ينام؟ إذا جاء لينام يدعو امرأته، يقول: تعالي، أنا سوف أنام قليلاً، ضعي يدك على قلبي ويدك الثانية على قلبك، لكن لا تغفلي، سوف نموت كلنا، فيرقد له ساعة وبعد ذلك إذا أرادت أن تنام قامت ترمحه برجلها، قم شغِّل قلبي وقلبك، أريد أن أرقد ساعة، لكنك نائم وقلبك يعمل -يا أخي- ثمان ساعات وقلبك يشتغل! وزوجتك راقدة وقلبها يعمل، وأبناؤك راقدون وقلوبهم تعمل! من الذي شغل هذه العضلة؟! لا إله إلا الله! وبعد ذلك من أسرار الخلق أن الله جعل في كل آدمي من الأعضاء النافعة اثنين اثنين، والأعضاء الضارة واحداً واحداً، إلا القلب عضلة نافعة وهو واحد، فيوجد سر؛ العين منها اثنتان، لماذا؟ لأنها نافعة، فقد يصاب الإنسان بمرض بعينه أو عور أو ألم أو إصابة، فيكون معه عين ثانية، أليس كذلك؟ وكثير من الناس الآن عيونهم مفتحة لكن لا يرى إلا بعين واحدة، وواحدة فيها ماء، وكثير من الناس تصيبهم حوادث وتعمى عيونهم، فإذا تعطلت واحدة إذا بالثانية تعمل. وهناك أذنان، حتى إذا أصيبت واحدة بالصمم إذا بالثانية تعمل، وكثير من الناس لا يسمعون إلا بأذن، لماذا؟ انخرقت الطبلة؛ ما رأيكم لو كان له أذن واحدة؟ كانت مصيبة. وبعد ذلك جعل الله يدين، تنقطع واحدة وإذا بالثانية شغالة، وجعل الله رجلين، وجعل الله كليتين، والناس الآن يعيشون بكلية واحدة، فترى أنه لا يشتغل الآن عندك إلا واحدة، تشتغل الاثنتين لكن بالتناوب، لكن إذا ذهبت واحدة تقوم واحدة مدى الحياة بالعمل، فأعطاك الله صفايتين، لماذا؟ من أجل ألا تخرب واحدة فتموت فوراً، وإذا بالثانية تعمل، أو تتبرع لأحد أقربائك فتعطيه كليتك، من ركب هذه الكلية؟! لا إله إلا الله! وهناك رئتان، إذا خربت واحدة إذا بالثانية شغالة، لكن الأشياء الضارة، واحدة واحدة، عضلة اللسان واحدة، وفرج واحد، ما رأيك لو أن معك لسانين، واحداً هنا وواحداً هنا، أنت الآن ما نجحت مع لسان، ما أمسكته، أفسدت الدنيا بلسانك، ولا نجحت في الدنيا بفرج واحد، ولو كان معك فرجان، كان ذلك هماً عليك كبيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فجعل الله لك من النافع اثنين ومن الضار واحداً إلا القلب جعله واحد وهو نافع، لماذا؟ قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] لماذا؟ لو أن معك قلبين، والقلب هو مركز الإحساس، لكان قلب يريد أن يرقد، وقلب يريد أن يذهب للعمل، وقلب يحب فلاناً، وقلب يكرهه، وقلب يريد أرزاً وقلب يريد عصيدة ومرقاً، وقلب يريد أن يواصل الدراسة، وقلب يقول: لا والله، لا أواصل، فمن تطيع منهم الآن؟ فهذا لا يصلح، إنه لا يصلح إلا قلب واحد: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. هذه آية من آيات الله، في كل جزئية منك! ورأسك، من رقبتك إلى فوق، تجد أن الله أجرى في هذا الرأس أربعة أنهار: نهر في العين مالح، ونهر في الأذن مر، ونهر في الفم عذب، ونهر في الأنف مخاطي مالح، من الذي أفرز الأنهار هذه كلها والمادة كلها واحدة، مالح في عينك، لماذا؟ لأن عينك شحمة، لو لم يكن فيها مادة مالحة لتعفنت ودودت وظهر الدود من عينك، ومر في أذنك، لأن أذنك مجرى للسمع، فلو ما جعل الله هذه المادة الصمغية المرة موجودة لقمت في الصباح ومسمعك مليء بالبراغيث أو بالقمل، ودخلت في رأسك، فمن الذي سوف يخرجها من رأسك؟ لكن الله جعل هذه المادة السامة المرة، بمجرد وأنت نائم تأتي الحشرات إلى مسمعك، ثم تهرب ولا تدخل مسمعك من الذي قام في يوم من الأيام وقال: والله في مسمعي حشرات؟ لا تستطيع أن تدخل؛ لأنه يوجد مادة ضدها. وفمك جعل الله فيه اللعاب، اللعاب حلو ومذاقه طيب، لماذا؟ من أجل أن تهضم به الطعام وتمضغه، وتقطع وتكسر وبعد ذلك تنزل! وجعل الله المادة المخاطية في أنفك، لماذا؟ لتمتص وتحجز الأتربة والغبار الذي يدخل رأسك، ولو كنت الآن في المزرعة من الصباح إلى الظهر ثم جئت تتوضأ وتستنثر، أما تلاحظ أنه يخرج من الاستنثار تراب؟ أين كان هذا التراب؟ لقد أمسكته الأغشية التي في الأنف، ولولاها لدخلت إلى رأسك ودخل غداً مثلها وتتكون في رأسك كوم طين من يخرجها من رأسك؟ وما ظنك لو أن الله ﵎ جعل المادة التي في أذنك تفرز من فمك، فكيف تأكل؟! أو جعل الله المادة التي في أنفك تخرج من فمك؛ المخاط، كيف تصنع؟! أو جعل الله المادة الملحية تخرج من فمك، كيف تصنع؟ لكن من عَلَّم العين أن تفرز مادة ملحية؟ من علم الأذن أن تفرز مادة صمغية مرة؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو. لا إله إلا الله نقولها ونقطع بها دابر الشيطان ونرد الشيطان، هذا في إيمانك في الله. أما في إيمانك برسول الله ﷺ ، فتؤمن به إيماناً جازماً ليس فيه شك؛ لأنه الصادق المصدوق، بعثه الله بالهدى ودين الحق، وأيده بالمعجزات الخالدات، أعظم معجزة على وجه الأرض القرآن، يقول الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] ثم أيده الله بمعجزات كثيرة، قال العلماء: إنها أكثر من ألف معجزة، كلها أدلة قائمة وبراهين على أنه نبي، منها: أذكر لكم أمثلة بسيطة وليس هذا مقام الحصر ولكنه مثال، وإلا فمعجزات النبي ﷺ ما ورد في السنة من الأحاديث الكثيرة، منها: حنين الجدع. كان ﷺ يخطب على جذع من نخل، وجاءت امرأة من بني النجار، وأمرت علامها فصنع له منبراً من ثلاث درجات، فلما جاء يوم الجمعة، صعد المنبر وترك الجذع، فبدأ الجذع يحن عليه كما تحن الناقة على فصيلها حتى سمع الصحابة كلهم حنين الجذع، فقطع الخطبة ونزل من المنبر، وجاء إلى الجذع، وضمه على صدره وجعل يسكته كما تسكت الأم طفلها حتى سكت، صلوات الله وسلامه عليه. منها: إيمان الضب؛ فقد كان رجل من بني سليم يكره النبي ﷺ كراهية شديدة. يقول: دخلت مكة فإذا الناس مجتمعون على الرسول صلى الله عل

стр. 1277

مدخل الشهوات هذا الباب الأول؛ باب الشبهات. الباب الثاني وهو باب عظيم، ويقع كثير من الناس فيه؛ يقودهم الشيطان إلى النار عن طريق باب الشهوات، وفيه خمسة مسارات: - الشهوة الأولى: شهوة الفرج. وأكثر ما يدخل الناس النار الفرج والفم، ويتم هذا عن طريق الزنا ودواعيه وأسبابه، وهذه الشهوة استطاع الشيطان أن يستغلها أسوأ استغلال؛ لأن الله ركبها في الإنسان؛ شهوة الجنس وحُب النساء غريزة، خلق الله الإنسان وركبها فيه، لماذا؟ ليبقى الجنس البشري، حتى يكون عند الرجل ميل إلى المرأة، وعند المرأة ميل إلى الرجل، فيلتقيان عند نقطة شرعية اسمها الزواج، ويحصل من هذا اللقاء ذرية، وبالتالي يستمر النسل البشري، وتعمر الأرض بعبادة الله. لكن لو أن الله خلق الرجل لا يريد المرأة، وخلق المرأة لا تريد الرجل، وعاش الرجل لوحده، والمرأة لوحدها، ومات وماتت، ماذا بقي؟! تفنى الأرض أليس كذلك؟ وجعل الله هذا الميل من أجل عمارة الأرض لمن يعيش فيها، ولكن جاء الشيطان ودمر الإنسانية عن طريق استغلال شهوة الميل عند الرجل وعند المرأة عن طريق اللقاء في غير النقطة الشرعية؛ في غير الزواج، عن طريق الزنا، فحصل بالزنا الدمار والوبال والشر المستطير والعياذ بالله، والله حرمه، وحرم كل دواعيه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ما قال: لا تزنوا، بل قال: لا تقربوا، كل ما يوصل إلى الزنا، فهو حرام. ما هو أول ما يوصل إلى الزنا؟ أول نافذة: النظر، هل يزني أحد دون أن يرى؟ الذي يغض بصره هل يزني؟ لا يزني؛ لأنه يغض بصره أصلاً، لكن أول شيء في طريق الزنا هو النظر، يقول الشاعر: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر يضر خاطره ما سر ناظره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر ولهذا أمر الله بسد هذه النافذة وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]. وأمر النساء أيضاً بنفس الأمر وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآيات. فهنا الأمر بغض البصر، وأنت مأمور يا عبد الله! بغض بصرك؛ لأنك يوم أن تتمادى في النظر إلى الحرام، تقع في الشرور حتى تصل والعياذ بالله إلى الزنا، يقول أحدهم: نظرة فخطرة فسلام فكلام فموعد فلقاء فزنا فجهنم. بدأت بالنظر وانتهت بالنار، لا حول ولا قوة إلا بالله! وكما يقال: نافذة يأتيك منها ريح، سدها واسترح. هذه النافذة يأتيك منها ريح الزنا إذا فتحتها على النساء، سدها وغطها واسترح، وإذا غطيتها أرحت قلبك وأرضيت ربك، وأيضاً أحببت زوجتك؛ لأن الذي يتلفت في النساء يكره امرأته؛ لأنه يرى موديلات وأشكالاً عجيبة وغريبة؛ يذهب إلى زوجته يتفحصها، وإذا لم يجد الذي في النساء كلها، يكرهها، فإذا دخل لا يسلم عليها، قال: (الله أكبر عليك يا ذي الجنية) قالت: (وأنت الله أكبر عليك يا ذا العفريت)؛ لأنها رأت أحسن من بعلها، فيكرهها وتكرهه ويتضاربون وتصير المشاكل، لكن الذي يغض بصره، ولا يرى غيرها، إذا دخلت قال: ما هذه الجميلة! ولو كانت غير جميلة؛ لكن لأنه ما رأى غيرها، يقول: هذه ملكة جمال العالم ما رأى غيرها! وكذلك المرأة التي لا ترى إلا بعلها من يوم أن تراه تقول: ما شاء الله، الله يوفقك يا فلان، لماذا؟ لأنها ما رأت غيره، لكن إذا كانت مختلطة ومشتركة، وكل واحد يتلفت، يرى هذه عيناها جميلتان، وتلك أنفها جميل، وتلك فمها أجمل، وتلك خدودها فاتنة، وجبينها كذا وتلك خصرها كذا، ويتلفت في امرأته فقد تكون عيناها جميلة، لكن أنفها ليس جميلاً، أو قامتها غير جذابة، من أين تجمع لك واحدة مفصلة فيها حسن جميع نساء العالمين؟ ليس هناك واحدة كاملة، الذي يريد كاملة ففي الجنة، الكاملة هي الحورية ونساء الجنة. أما نساء الدنيا فلابد من النقص، وأنت تتلفت في النساء، ولذا فالذي يتلفت في النساء، يكره زوجته، وبالتالي تسوء عشرته، ويغضب ربه، ويطمس بصيرته، ويعمي الله قلبه عن الدين في الدنيا والآخرة. لا يمكن أن يفتح الله قلبك وأنت تنظر في النساء. أحد الشباب قال لي: كيف أتوجه للدين؟ قلت: غض بصرك فقط، أعظم شيء، قال: كيف أغض؟ قلت: إذا دعاك الشيطان إلى النظر فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه شهوة الزنا عن طريق النظر، هذه باب إلى الحرام، وعن طريق الاختلاط والتبرج والمجالس المشتركة وهذه والحمد لله بدأت تتلاشى في مجتمعاتنا المسلمة والحمد لله. كان الناس في الماضي يختلطون ويجلسون، لكن اليوم سمعنا أن كثيراً من المؤمنين وقفوا وهداهم الله، وقالوا: إلى متى ونحن ضالون؟ إلى متى ونحن مع الشيطان؟ قد أخطأنا كثيراً، تبنا إلى الله، وفرضوا الحجاب والحمد لله. إن البادرة الآن تأتي من النساء أكثر من الرجال، يتصل بي تلفونياً المئات من النساء، يقلن: بعلي يريد أن أكشف على أخيه، أو أكشف على ولد عمه، أأطيعه أم لا. أقول: لا تطيعيه، قالت: يقول: سيطلقني، قلت: يطلقك، طلاقك وتدخلين إلى الجنة خير من أن تجلسي معه ويذهب بك إلى النار، لا يجوز أن تطيعيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإني لأعجب كثيراً والله من رجل يأمر زوجته بالتبرج، هي صالحة ومتدينة، يقول: لا. تلفتي في الجماعة كلهم، أعوذ بالله من الدياثة، هذه جزء من الدياثة، إن الله جعل المرأة خاصة بك، من أجل ألا ترى غيرها ولا ترى غيرك، تستأنس بها وتستأنس بك، وتسكن إليها وتسكن إليك. فالتبرج والاختلاط والتكشف والمجالس المشتركة، هذه مما حرمه الله في دين الله ؛ لأنه يؤدي إلى الزنا؛ ولأن البيوت النظيفة دائماً هي التي لا يوجد فيها أبداً اختلاطات، وقد يقول بعض الناس: ما عندنا زنا ونحن نتبرج، صحيح، ليس عندك زنا كبير، لكن عندك الزنا الأصغر؛ لأن زنا العينين النظر، وزنا اللسان الكلام، وزنا الأذن السماع، وزنا اليد البطش والغمزة والدقة، وزنا الأرجل المشي في ظلام الليل، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، هذه هي، تريد أن تجلس إلى أن تقع في الكبيرة؟! بعض الناس يقعد ويقعد إلى أن يقع فيها، وهو يمشي في طريق الزنا خطوة خطوة والعياذ بالله! بل سدها من أول خطوة، وحجب أهلك، وحجب زوجتك، وحجب أخواتك، وحجب أمك، وارض بما أمرك الله به؛ لأن الله شرع القرآن وشرع الحجاب في القرآن. الأمر بالصلاة في القرآن، لكن أين التفصيل؟ هل في القرآن صلاة ظهر وعصر ومغرب، وأربع ركعات وثلاث ركعات، لا توجد، ولكن توجد في السنة النبوية، والزكاة أمرها في القرآن وتفصيل الأنصبة في السنة، والحج أمره في القرآن والتفصيل في السنة، والصيام أمره في القرآن والتفصيل في السنة، لكن الحجاب أمره في القرآن، والتفصيل في القرآن! في سورة النور يقول الله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والبعل في الشريعة واحد. ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والأب في الشرع واحد، لكن بعض البنات تسلم على الشيبان كلهم: أبي محمد، وأبي علي، وأبي عبد الله، وأبي زعطان، وأبي فلتان، وتسلم على رأسه ويسلم على رأسها، وبعض كبار السن يحب هذا السلام، ولو كان مسناً ولكن ما زال في قلبه (أخضر) والعياذ بالله! ويدخل على البنات ويقول: تعرفين أني كالأب، والله أنت أبوها وأنت تنظر إليها لا حول ولا قوة إلا بالله! ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبو بعلها أي: عمها؛ لأنه لا يجوز أن ينكحها بعد ولده. ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولدها. ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد بعلها من غيرها وهي عمته، لأنه لا يجوز له أن يتزوجها بعد أبيه. ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أخوها من النسب أو من الرضاع. ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أولاد أخيها وهي عمتهم. ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أختها وهي خالتهم، يكفي إلى هنا، يبقى كثير من الأقارب؛ باقي ابن العم، وابن الخال. وخال الزوج، وعم الزوج بالنسبة للمرأة. وعندما سألوا الرسول قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ القريب الذي ما جاء أمر به، قال: (الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت) ونحن اليوم نحجب عن البعيد، ونكشف على الموت، هذا المتدين الملتزم أما المفلوت فهو يكشف على الموت وغيره، لكن من الناس من عنده دين وعنده غيره، لكنه يقول: والله لا أقدر أن أحجب امرأتي عن أخي. سبحان الله! وبعض الإخوان يغضب إذا حجب أخوه زوجته عليه، إذا جاء ليحجب زوجته قال: الله! تشك فيّ وأنا أخوك، وهل معنى الحجاب أنه شك؟ لا يا أخي، أنا لا أشك فيك، لكني أطيع الله ، ولا أشك في امرأتي، لو أني أشك في امرأتي ما أبقيتها في بيتي، ولو أشك فيك يا أخي ما آخيتك، ولكن أطيع الله وأمتثل أمر الله في الحجاب، أترون الذي يقول: أنا لا أحجب امرأتي على أخي؛ لأني لا أشك فيها، مثله مثل شخص جاء رمضان وبعد ذلك أكل في الظهر حتى شبع، ويوم قلنا له: ما لك؟ قال: يا جماعة الخير اتركوني، أنا والله أطيع الله ورسوله، وأحب الصوم، لكن لماذا أعذب نفسي؟! أتغدى الآن والصوم في القلوب! ما رأيكم فيه؟ هذا مثل الذي يقول: الحجاب في القلوب، وآخر قيل له: صل، قال: الصلاة هذه تعب؛ أقوم أصلي وبرد وطلعة ونزلة والله إني لأحب الله ورسوله ولو لم أصل! ما رأيكم فيه صادق أم كذاب؟ فكذلك آية الحجاب مثل آية الصلاة وآية الصوم. والذي يقول: لا والله. إن الحجاب في القلوب وإن قلبي طاهر؛ ولكن لن أحجب عائلتي، لماذا تؤمن بآيات القرآن في الصلاة والصوم ولا تؤمن بآية الحجاب؟!! يقول

стр. 1278

حالات الاستعاذة من الشيطان وأقول لكم في النهاية، ما الحل بالنسبة للإنسان الذي يريد ألا يقع في حبائل الشيطان؟ الحل: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كيف؟ تستعيذ بالله في ثلاث حالات: - الحالة الأولى: عند ورود أمر الله عليك؛ إذا كنت نائماً وسمعت المؤذن يؤذن في أذان الفجر، فهناك: أمر بأن تصلي، وأمر آخر من الشيطان بأن ترقد. أما يجد الإنسان نوعاً من هذا؟ كلنا نجد رغبة في النوم والكسل والتثاقل من الذي يثقلك ويكسلك؟ الشيطان، والذي يدعوك هو الله، من تطيع؟ الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واقفز كالحصان، واذهب توضأ؛ لأنه جاء في الحديث: (إن الشيطان يعقد على ناصية ابن آدم إذا نام ثلاث عقد: فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت الثانية، وإذا صلى انحلت الثالثة، فأصبح طيب النفس نشيطاً، أما إذا رقد بال الشيطان في أذنيه وقال: نم، عليك ليل طويل) ويحدثني أحد الإخوة، يقول: عنده ولد فأيقظه وأخذه من الفراش (ودفدفه) إلى أن دخل الحمام، ويوم صلى وسلموا، تلفت يميناً ما رآه، وتلفت شمالاً ما رآه، وتلفت في الصفوف التي خلفه ما رآه، قال: عجيب، أقومه إلى الحمام ولا يأتي، فرجع الرجل وهو يشتعل غضباً والمشعاب في يده، قال: والله لأغلقن عليه وأضربه حتى يموت! هذا الرجل بطل، ما يضع البطانية عليه، ويقول: أرقد. الله يطول عمرك ويبارك فيك، خاصة إذا معه راتب، ما يريد أن يكسر خاطره، لكن يُغضب الله، ما يريد أن يغضب ولده، ويقول: أكسر خاطره ويذهب ويتركني! دعه يذهب ويخليك؛ لأن الذي يرزقك هو الله من قبل، هو الذي يلقي الرزق عليك، أتتخذه ولياً من دون الله، والله ما في حياته بركة، ولا في راتبه بركة، والله إنه يقودك إلى جهنم، أخرجه وتبرأ منه ولو تأكل الطين، والله إنه أفضل من أن تأكل من راتب هذا العدو لله، القاطع للصلاة، الهاجر لبيوت الله ، فالرجل دخل عليه بالصميل ويوم أن جاء إلى الفراش يبحث عنه وإذا به غير موجود في الفراش، وتلفت من الشباك لينظر السيارة فلعله صلى في مسجد آخر، وإذا بالسيارة واقفة! ليس بالمسجد أو بالفراش أين هو؟ تلفت وتلفت، وإذا به يرى نوراً من تحت الباب في الحمام، فاقترب ليسمع شيئاً فلم يجد حركة، دق باب الحمام ودق وإذا به ينتبه قال: نعم نعم، ففتح الباب، قال: ما بك؟ قال: رقدت فوق الكرسي، لا إله إلا الله! مسكين، ما استعاذ بالله من الشيطان الرجيم. في بيت الشيطان راح يصلي لإبليس، نعم؛ لأن الحمامات بيوت الشياطين والعياذ بالله. استعذ بالله كلما ورد أمر لله، فلو علمت أن هناك ندوة في مسجد في ليلة جمعة وبعد ذلك أردت أن تأتي، وبعد ذلك أتاك شعور تقول: برد، قد طبخت المرأة العشاء، من أجل أن نتعشى قبل العشاء ونرقد بعد العشاء، والعيال مسرورون لا، تعال. هذا من الشيطان، تعال اجلس، كلما أمرك الله بأمر ووجدت فيه مانعاً من الأمر فهذا من الشيطان، اذهب واستعذ بالله. الحالة الثانية: عند ورود نهي، إذا عرضت عليك معصية؛ مررت بالشارع ورأيت امرأة متبرجة، فنظرت إليها، هذا من الشيطان غض بصرك، إذا لم يتركك الشيطان فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا سمعت أغنية وأنت تبحث عن الأخبار أو تقلب الراديو فأغلقها وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكلما ورد عليك نهي من الله فاستعذ بالله. الحالة الثالثة: عند الغضب؛ لأن الغضب من الشيطان، أما ترون أن الإنسان إذا غضب كيف يتغير؛ أول شي ينتفض؛ لأن الشيطان اشتغل في عروقه، ثانياً: تخرج عروقه وقرينته تتحرك؛ الأوداج الكبار هذه، وبعد ذلك تبرز عيونه، وبعد ذلك تنتصب العروق في جبينه، وبعد ذلك تتصرف تصرفات خبل، إذا صورت تلك الحركات ورآها بعد ذلك تقول: انظر، قال: الله أكبر على إبليس، ما هو أنا، وفعلاً ما هو أنت بل الشيطان. أما ترى الذي يطلق زوجته وهو غضبان، ثم يندم إذا تذكر بعد ذلك، يذهب يطرق أبواب القضاء والعلماء، من واد إلى واد ومن أرض إلى أرض، يريد فتوى، يقتل هو غضبان ثم يندم، يضرب أولاده ويلاعنهم، ويخاصم جيرانه وهو غضبان. أخبرني أحد الإخوة اليوم في العمل، يقول: حضرت قصة؛ لأنه سمع شريطاً فيه من هذا الكلام، يقول: قصة والله أنا حضرتها بنفسي بين رجلين في قرية من القرى، رجل كبير السن ورجل شاب، يقول: وعندنا أن الشباب يحترمون الشيبان؛ في الماضي ما كان يستطيع الشاب أن يفتح فمه على شايب، لكن في قلة الدين وغمرة الدنيا أصبح لسان الشاب -والعياذ بالله- على كتفه؛ يسب الشيبان ولا يقدر كبيراً ولا يقدر أبداً شيبة، يقول: فجلس في المجلس، يقول: حضرت معهم وإذا بالشاب هذا منفلت بلسانه ومتعنت، يعطي الشايب هذا، أنت يا شيبة، يا يا، يقول: لما رأيت الرجل بلغ منه الغضب، قمت إليه، وقلت له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: لم يرض أن يتعوذ بالله من الشيطان، وبدأ يسب ويشتم، فما عرفت ماذا أفعل، وذاك الشايب بدأ يتكلم، فذهبت إلى الشايب فقلت: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الشايب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فبرد وسكت، ورجعت إلى ذاك: قل: أعوذ بالله، قل أعوذ بالله لم يقل، لكن يقول: كررتها عليه، حتى قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يقول: فلما قالها جلس، ويوم أن جلس قال: جزاكم الله خيراً، يقول: وهدأ وصلح والحمد لله. فعليك إذا جاءك الغضب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. أما ترى الإنسان الآن إذا غضب، ثم قلت له: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لا يقولها؛ لأن الشيطان معه في تلك اللحظات، ولو قالها لبرد، ولذهب الشيطان: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] والله تعالى يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحمينا وإياكم من همزات الشيطان، وأن يحفظنا وإياكم من السوء والشرور والفساد والإعراض عن الله ﵎، وأستسمحكم العذر في الإطالة عليكم، أشير إشارة إلى أسئلة وردت هنا فقط.

стр. 1279

الأسئلة

стр. 1280

فضل الإنفاق في سبيل الله السؤال يوجد في المسجد مندوب هيئة الإغاثة الإسلامية فنرجو التنويه بفضل الإنفاق في سبيل الله، وإغاثة إخواننا المسلمين الفقراء في مشارق الأرض ومغاربها، الذين يموتون جوعاً ويموتون من البرد ويحتاجون إلى قيمة الغذاء والدواء والكساء في أفغانستان وفي فلسطين وفي أفريقيا؟ الجواب نعم. نحن في نعمة من الله، ومن المفترض علينا إذا أردنا أن نحفظ هذه النعمة أن نخرج منها، تريدون أن تبقى النعم؟ ما يبقيها إلا طاعة الله، فلنخرج من حقنا، قد كنا فقراء فأغنانا الله، وكنا عالة فأعطانا الله ، فنريد إن شاء الله أن يقوم الأخ الكريم المندوب معه كرتون عند الباب، وأخرج من جيبك، ولا تخرج من المسجد إلا بشيء، ولا تعمد إلى الدنيا ولا تأخذ خمسة أو عشرة، خذ أعلى شيء، لماذا؟ من تعطي؟ تعطي العرب؟ تعطي نفسك؟ ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] أنت تضع المائة أو الخمسين، والله إنك تربح، والحديث صحيح تقول عائشة وقد ذبحوا ذبيحة قال الرسول ﷺ : (هل بقي منها شيء؟ قالت: ذهب كلها إلا كتفها -أنفقوها كلها إلا الكتف- قال: لا. قولي: بقي كلها إلا كتفها) الذي ذهب هو الباقي والذي عندنا هو التالف، يقول الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].

стр. 1281

عاقبة عقوق الوالدين وقطيعة الرحم السؤال يقول: ما عاقبة عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام؟ الجواب عقوق الوالدين حرام، ومن عق والديه عقه أولاده، ويزيدون له قليلاً؛ لأنها كبيرة من كبائر الذنوب، يقول النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر -والحديث في الصحيحين - فقال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) ويقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول ﵎: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] ويقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] إذاً ما هو العقوق؟ العقوق أن تقول لهم: أف، وأن ترفع صوتك عليهم، وتخالف أمرهم، وتتمرد عليهم، لو يقولون: دق مخ ساقك هنا، قل: حاضر، يقولون: قم نصف الليل، قل: حاضر، تعرفون الرجل الذي أخبر به النبي ﷺ في الصحيحين، جاء من المرعى -كان طوال يومه يرعى- وجاء وإذا بأبيه وأمه قد رقدوا، وحلب لهم وجلس بالقدح على رءوسهم وامرأته وأولاده يتضورون جوعاً عنده، قال: والله لا تشربون حتى يشرب أبي وأمي، والله لا أقومهم حتى يقوموا، فما قاموا حتى أتى الفجر، وهو واقف! طوال اليوم يرعى ثم يقف طوال الليل بالقدح، أين هذا يا إخواني؟ بعض الأولاد ليس فيه خير لا لنفسه ولا لأبيه والعياذ بالله. وأما الأرحام فكذلك؛ فإن قطيعة الرحم مما يقطع الله به الرزق، والله يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] فالذين يقطعون أرحامهم عليهم من الله اللعنة، وأيضاً يصم الله آذانهم ويعمي أبصارهم، لماذا؟ لا يرون الحق؛ عندما تقول له: أختك -قريبتك- قطعتها، قال: ما أدري عنها، ليست مني، إنها ذهبت مع بعلها وتركتني، إنها إنها هذا أصم، ما يسمع كلام الله، وأعمى الله بصيرته، فهذا والعياذ بالله (من قطع رحمه قطعه الله و) (لا يدخل الجنة قاطع رحم) (ليس الواصل بالمكافئ، الواصل الذي إذا قطعته رحمه وصلها) والحديث صحيح في مسلم، قال رجل للنبي ﷺ : (إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويحرمونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، قال: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل). صل ولو أنك قد أخطأت، يا رجل (السماح رباح) إلى متى وأنت غضبان، وأختك غضبانة، أو قريبك أو جارك. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1282

مفهوم العبادة العبادة ليست شعاراً يرفع، بل هي هدف سام مرتبط بالعلم والعمل، وبدون العمل بالعلم، يصير العلم وبالاً على صاحبه، وكذلك العبادة بدون علم. والأمة تعيش في جاهلية جهلاء، ولن يخرجها من جاهليتها إلا الاهتمام بالعلم الشرعي، ونشره في جميع الأماكن، وعلى مختلف الفئات الموجودة في المجتمع، حتى يتسنى لها عبادة الله العبادة الصحيحة كما يريدها ربها.

стр. 1283

سبيل استقامة القلوب وحياتها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله! إن حاجة الإنسان إلى سماع العلم والذكر أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث، فإن ذكر الله والعلم الشرعي هو غيث القلوب، وكما أن المطر هو غيث الأرض، فإذا انحبس المطر عن الأرض اغبرت، وأُجدبت وانقطع خيرها، وتغير لونها، وانعدمت فيها الحياة، وإذا نزل فيها المطر اخضرت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج، وتغير لونها، وطابت الحياة فيها. كذلك قلوب الناس، إذا نزل عليها الذكر، والعلم الشرعي، لانت وانقادت وصلحت واستقامت، وطابت حياتها، بل الحياة الحقيقية في قلوب الناس إنما تنبع من مقدار استجابة الناس لهذا الدين، ليست حياة الناس كحياة البهائم، إن الحياة المماثلة لحياة الحشرات والبهائم حياة مشتركة، لكن للإنسان حياة أخرى غير تلك الحياة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].

стр. 1284

الإيمان والعمل الصالح ما الذي يحيينا؟ الإيمان بالله، والاستقامة، والعمل الصالح وفق هذا الدين، هذا الذي يحيينا، بمعنى: أن الذي لم يستجب ليس بحي، هو حي لكن حياة البهائم، ويقول : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. قال العلماء: كيف يكون من عمل صالحاً وهو مؤمن؟ يقول الله أنه سوف يحييه حياةً طيبة، وهو حي أولاً، فكيف يحييه ربي؟ قالوا: كان حياً، لكن كان في حياة خبيثة، بهيمية، يشاطره فيها الحيوان، إنما بالإيمان يحيا حياة سماها الله طيبة. ما هي الحياة الطيبة؟ هي حياة الجسد؟ لا. حياة الأكل الشرب الملابس المساكن المراكب المناصب الرتب الوظائف؟ لا. حياة الزوجات الأولاد إنها حياة القلوب. ولهذا قال الله بعد هذه الآية التي قرأتها أولاً: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] إذا لم تستجب حال الله بينك وبين قلبك، وإذا حال الله بينك وبين قلبك فماذا تفعل له؟ يصبح كل عملك ضد نفسك، ولهذا يقول : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] يصبح الإنسان عدوَّ نفسه، ينظر بعينه إلى ما يضره، ويسمع بأذنه ما يضره، ويمشي بقدمه إلى ما يضره، يمد يده إلى ما يضره، ويأكل ويطأ ما يضره، وكل ضرر يترتب على نفسه يحرص عليه. وبعد ذلك! الأشياء المفيدة له يرفضها الصلاة تنفعه لا يريدها، لماذا؟ لأنها تنفع، هل هناك شخص في الدنيا يستطيع أن يقول: إن الصلاة تضر؟ لا يوجد. هل هناك شخص في الدنيا يقول: إن قراءة القرآن تضر؟! لا يوجد، لكن لا يريدها لأنه عدو نفسه، لكن قراءة المجلات يريدها، هل هناك شخص يستطيع أن يقول: إن دخول المساجد يضر؟! وهل رأيتم شخصاً دخل المسجد يوماً من الأيام، وقيل له وهو على باب المسجد: ادفع أجرة الدخول؟! لا. إن طاعة الله ليس فيها خسارة، بينما معصية الله تلحق ضرراً بالنفس والمال. هل هناك شخص يدخل دور السينما أو ملاعب الكرة أو يشتري مجلة بدون مقابل؟ إن الواحد ليدخل النار بماله، يدفع المال على نفسه حتى يصل بها إلى النار -والعياذ بالله-.

стр. 1285

العلم الشرعي وذكر الله يقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] فلا تحيا القلوب حياة حقيقية إلا بالعلم والذكر، وما يعانيه الناس اليوم من جفاف في الروح، وقسوة في القلب، وتحجر في العين، وكسل في الجوارح عن العبادة، ورغبة في الشر، وتوازن وكسل في الخير، سببه الأول والأخير نقص العلم. بعضهم يمر عليه شهر لم يقرأ القرآن، وبعضهم تمر عليه سنة لم يحمل المصحف، ولا سمع كلمة الله، ولهذا أكد الله على هذه الأمور تأكيداً عظيماً، حتى تستمر حياة القلب، ويضمن استمرارية حياة القلب، أَما أمرنا الله بالذكر، وشرع لنا أذكاراً في الصباح والمساء، وخطبة يوم الجمعة كوجبة أسبوعية للقلب، وأكد على ضرورة الإنصات فيها، لدرجة المنع من مس الحصى، تجلس والحصى بجانبك فلا تمد يدك عليه، والرجل بجانبك يتكلم لا تقول له: اسكت، وهذا أمر بالمعروف، لكن إذا قلت: اسكت فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، لماذا؟ لكي تستمر في التركيز الذهني على سماع الخطيب. لكن ما الذي يحصل اليوم عند المسلمين، إلا من رحم الله؟ لا يخرجون إلى الجمعة إلا بعد أن يخرج الخطيب، فإذا بدأ الخطيب يخطب قام صاحبنا من النوم، واغتسل ولبس، وركب السيارة، وذهب إلى المسجد مع انتهاء الخطبة، ثم صلى ركعتين في الخانة، ثم رجع فتراه يقول: صليت الجمعة، إنه مسكين!! لم يعرف قدر الجمعة، أخي! لماذا لا تأتي من الصباح؟ كان السلف يخرجون في الساعة الأولى، ففي الحديث الصحيح: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) بعد خمس ساعات، الساعة الأولى من أول النهار، إن الذي يأتي بعد ذلك الوقت لم يقرب شيئاً؛ تطوى الصحف بما سجل. لأنه إذا دخل الإمام طويت الصحف، والذي يأتي بعد دخول الإمام، لا يسجل من السابقين، يعني: أجزأته الجمعة؛ لكن هل هو من أهل الفضل والسبق، والعمل الصالح؟! إن الذي يأتي من أجل أن يباشر هذه العبادة، فإنه يقرأ القرآن، ويصلي ما شاء الله، ثم يهيء نفسه للاستماع للخطبة، وتلقي هذه البيانات الربانية. ماذا يقول الخطيب؟ يبلغ عن الله أمره، ويقول للناس: اتقوا الله، ويبدأ بالحمد لله، ويشهد أن لا إله إلا الله، ويبين أوامر الدين، وأنت معني بهذه الأوامر، أجل هذه وجبة لك ولروحك، لكن وجبة الروح الآن ضائعة عند كثيرٍ من المسلمين، وترتب على هذا الضياع فراغ في حياة الناس، مُلئ هذا الفراغ بالأشياء الأخرى الضارة، مُلئ بالسهرات وبالأفلام والمسلسلات وبمتابعة للكرة والمباريات وبالجرائد والمجلات وبالنزهات والخروجات وو. كأن الأمة لم تخلق للدين، إن حياة الأمة فراغ لكل شيء إلا الله! وإن في ترتيبات المسلم كل شيء إلا الله! وماذا يحصل بعد ذلك؟ يموت القلب، وإذا مات القلب -والعياذ بالله- انعدمت الحياة الحقيقية عند الإنسان، يقول الله ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] بالدين، ويقول : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢١] ثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]. الذي في قبره وهو ميت جسده لا يسمع، الآن تعال إلى صاحب قبر واقعد بجانبه، هل يسمعك؟ كذلك هناك ناس الآن مدفونون؛ لكن ليسو مدفونين في الأرض، إنهم مدفونون في أجسامهم يقول الشاعر: وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسادهم قبل القبور قبور إنه مقبور، إنه قبر يمشي على رجلين، قلبه ميت لا يذكر الله، لا يحب الله لا يحب رسول الله لا يذكر الجنة ولا النار ولا القبر ولا العذاب، كل شيء في ذهنه إلا هذه الأمور، وهو يعلم أنه سوف يموت، ولكن إذا مات ورأى الأمور على حقائقها حضر عقله، فيقول كما قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] فتسأله الملائكة: لماذا تريد أن ترجع؟ فيبين لماذا يريد أن يرجع، فلا يقول: لأرى أولادي، أو وظيفتي، أو عمارتي، أو المزرعة أسقيها، أو السيارة أسير بها، لا. لا. هذا كلام لا يريده كله، عرف أنه كان مشغولاً بما لا فائدة فيه، وإنما يقول: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون:١٠٠]. حسناً اعمل الآن، ما الذي يضرك لِمَ لا تعمل، تضيع العمل الصالح، وتستمر في المعاصي والذنوب والغفلة عن الله، وتترك الطاعة، إلى أن يضرب رأسك في القبر، ثم تقول: ردوني أعمل صالحاً، من يجيبه؟ أتدرون ما مثل هذا أيها الإخوان، مثله مثل طالب مهمل من أول العام إلى آخره لم يحضر ولا حصة، ولا فتح كتاباً ولا يعرف حرفاً، ويوم جاء الامتحان دخل مع الطلاب لكي يمتحن معهم في القاعة، وأعطي ورقة الإجابة، فلما قرأها لم يعرف شيئاً، لأنه لم يدرس شيئاً أصلاً، لو أنه ذهب إلى مدير اللجنة وقال: يا أستاذ، قال: نعم، قال: من فضلك نصف ساعة، أذهب لأرى الإجابة ثم أرجع فأكتبها، ما رأيكم هل يوافقونه على طلبه؟ لا. لا يوافقونه. لو وافقوه هل يسمى هذا امتحان؟ سيقول له رئيس اللجنة: اقعد على رأسك، إن كان عندك شيء فاكتبه وإذا لم يكن عندك شيء فهذا نتيجة إهمالك، وهذا هو نفس الوضع، لو أن شخصاً يعيش طوال حياته على المعاصي، وإذا مات دخل القبر فقال: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].

стр. 1286

أهمية العلم الشرعي لماذا أيها الإخوة جفت الأرواح، وتحجرت العيون، وقست القلوب، واشتغلت الجوارح بالمعاصي، وكسلت عن الطاعات، كل ذلك بسبب نقص العلم الشرعي عند الأمة. ولهذا فإن الله ﵎ أول ما أنزل من كتابه الأمر بالقراءة قال: اقرأ! والرسول أمي لا يقرأ، وأمية الرسول ﷺ دليل من دلائل نبوته، إن الله لم يجعله نبياً متعلماً، لماذا؟ لأنه لو كان متعلماً وكاتباً وقارئاً لقال الكفار: هذا من بنات أفكاره، هذا القرآن من عنده ومن تأليفه، ولهذا قال الله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ لو قرأت وكتبت ﴿إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ولحصل الشك. قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، فالرسول ﷺ أمي، ويأتيه ملك الوحي، والحديث في صحيح البخاري، وهو جالس في غار حراء، وقد حبب إليه الخلاء صلوات الله وسلامه عليه، كان يخرج من مكة ويذهب إلى جبل النور، ويجلس في غار حراء الليلة والليالي ذوات العدد، وكان يتزود بالزاد معه، يجلس يومين أو ثلاثة أو أربعة أو أسبوعاً أو عشرة أيام وهو يتفكر لأنه ما كان يقر بعبادة الأوثان، وما كان يقر ما عليه قومه من الشرك، والكفر، والزنا، والخمر، والميسر، والقتل، كل هذه لم يقرها؛ لأن الله رباه تربية خاصة، فكان يجلس في الغار، فجاءه جبريل فضمه، يقول: (فغطني حتى نال مني الجهد -حتى بلغت نهاية التحمل- ثم أرسلني، ثم غطني، ثم أرسلني، ثلاث مرات، ثم قال لي: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ -الرسول ليس بقارئ، ماذا يقرأ؟ - قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ ثلاث مرات، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ -لكن قراءة خاصة قراءة ربانية- ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]) إذن! الإنسان بغير القراءة والعلم لا قيمة له، الآن من منا يخفى عليه شئون الطعام أو قيادة السيارة أو الملابس؟ يعني: متخصصون في هذه الأشياء، لكن عندما تأتي إلى الناحية الشرعية الدينية، التي هي الهدف الرئيسي من خلقنا، أصبحت ثقافة الناس الآن ثقافة موبوءة، فلو طُلِبَ الإجابة على سؤال، وقيل مثلاً للحاضرين في أي مجتمع كان، لو نعزف لكم الآن طرفاً من أغنية، ونطلب من الذي يسمع العزف أن يبين لنا من المغني؟ ومن وضع الكلمات؟ والملحن؟ تجد مئات الأصابع ترتفع، كل واحد يقول: أنا أعرف، إنها أغنية فلان، ولحنها فلان، لماذا؟ ثقافة موسيقية ضخمة، لأنه منكب على الأغاني ليلاً ونهاراً، مشغل جهاز الصوت في السيارة على الأغنية، ويدخل البيت على الأغنية، وينام على الأغنية، ويستيقظ ويقوم عليها، حتى أصبح رأسه أغنية، حتى إن بعضهم لا يكتفي أن يغني هو، لا. بل يريد أن تغني الدنيا كلها. وقد ذكرت هذا مرة، كنت مرة في أبها ووقفت عند إشارة مرور، وإذا بشخص بجانبي صاحب سيارة منذ أن وقف شعرت أن سيارتي تهتز، أصبحت ترقص، فطالعت كذا، فإذا بالرجل مركب في سيارته استريو على الأبواب، وفي المقدمة والخلف، ويرفع الصوت على آخر شيء، فكأن السيارة كلها تهتز، وسيارتي كأنها أصيبت بالعدوى؛ لأنها معه على أرضية واحدة، فأنزلت الزجاج وسلمت عليه، فطبعاً رآني ورأى شكلي، استحيا فخفض الصوت، قلت له: ما هذا الضجيج، قال: أيش، قلت: سيارتك ترقص كلها، يعني: لم تكتف بأن ترقص أنت، حتى الحديد تريده يرقص، بل رقصتني وأنا جالس بجانبك يا أخي! قال: يا شيخ! والله إنك تعرف الشباب، قلت: لا يا أخي! يعني شباب للنار، اتق الله، الأمة نضجت، الأمة شبعت من الأغاني، ما ضيعنا القدس إلا بالأغاني، وما حاربتنا إسرائيل إلا بجيش من المغنين والمغنيات، نحن أمة الجهاد، والدعوة، والكتاب والسنة رائدة قائدة، لسنا أمة مغنية وتافهة رخيصة، فلما قلت له هذا الكلام قال: جزاك الله خيراً، ثم أعطيته أشرطة إسلامية. الشاهد في الموضوع: أن ثقافة الناس مثل هذه النوعية، لكن لو تأتي بآية وتقول له: هذه الآية في أي سورة من كتاب الله؟ من يعرف؟ يتلفتون ولا يعرف أحد منهم، ابحثوا لنا عن مطوع يعرفها، وأنت؟! يعني: الدين خاص بالمطوع فقط؟ لو سألناك: أيش ديانتك؟ تقول: مسلم، حسناً هذه السورة من الإسلام، هذه من كتاب الله، هذا دينك، لكن للأسف لا يحفظ من كتاب الله شيئاً، وإنما يحفظ الأغاني، والرذائل، والحكايات، والعلوم، وأسماء المغنيين، وأسماء اللاعبين، وكل شيء إلا الكتاب، فلا يحفظ منه شيئاً، كيف يأتيه الدين أيها الإخوة؟!

стр. 1287

الداعية واغتنام الفرص يقول أحد الإخوة -وقد كان في قاعة أفراح- يقول: دخلت قاعة الأفراح، وإذا هي مملوءة بالرجال، وكل واحد يتكلم مع الذي بجواره، وهم ينتظرون العشاء، يقول: فتدخلت، وقلت: هذا وقت ضائع يستفاد منه في الدين، فقال للناس وهم جلوس: يا جماعة الخير، الآن نعيش هذا الوقت في انتظار العشاء، فما رأيكم لو استفدنا من هذا الوقت؟ قالوا: جزاك الله خيراً، قال: كلكم والحمد لله مسلمون، وسمعتم من الخطب، والمواعظ، والمحاضرات، والدروس الشيء الكثير، منذ خلقنا الله ونحن نسمع، الآن أطلب منكم شيئاً واحداً، قالوا: ما هو؟ قال: أريد من كل واحد منكم أن يأتي بحديث مما يعرف من أحاديث الرسول ﷺ ، فقط حديث واحد، هل أنتم مستعدون؟ قالوا: مستعدون، قال: ونبدأ الآن من جهة اليمين. وبدأنا بشخص من جهة اليمين، من غير ترتيب، هذا الشخص طبعاً يبحث ويبحث، قال: يا شيخ! فاجأتني الآن لا أعرف حديثاً واحداً، يمكن عنده لكن حين فاجأه لم يتذكر، قال: تدري يا شيخ، قال: ماذا. قال: انقل السؤال للذي خلفي، فنقل السؤال للذي وراءه، قال: هل عندك حديث؟ ظل يفكر، ثم قال: الذي ورائي، والذي خلفه قفز وهرب كي لا يلحقه السؤال، وكل شخص بدأ يتهرب ويبحث، وفجأة الذي بعده وجد حديثاً واحداً بعد ساعة، حسناً هذه أمة الإسلام لا تعرف أحاديث النبي ﷺ ؟

стр. 1288

ضرورة نشر العلم بين جميع فئات المجتمع أين تجلس الأمة؟ ألا يوجد في البيت حلقات علم ألا يوجد في العمل حلقات علم، ألا يوجد في المسجد حلقات علم، قولوا لي أيها إخوة: من هو المسلم الذي في كل ليلة بمجرد أن ينتهي من العشاء، ينادي زوجته وأولاده وبناته، ثم يقول: اجلسوا، وقام بإحضار كتاب رياض الصالحين، ليعرفوا ماذا قال النبي ﷺ ، فقرأ عليهم الحديث الأول وقال لهم: احفظوه كلكم بالشرح، قالوا: ننام على الحديث، أين هم هؤلاء أيها الإخوة؟ إن شاء الله يكن لهم وجود ولكنهم قلة، نحن لا نريدهم قلة بل نريدهم أغلبية، نريد حلقات العلم تنتشر في كل صقع، وبقعة، وبيت، ودار، وعمل، أين الزميل الذي يرفع السماعة على زميله: السلام عليكم، صبحك الله بالخير، كيف حالك يا أخي، يا أخي والله البارحة قرأت حديثاً للنبي ﷺ ، إنه حديث عظيم، اسمع هذا الحديث ثم يقرأه عليه، وذاك يسمعه ويسجله، ويرفع السماعة لشخص آخر ويسمعه الحديث. لكن للأسف فإن الذي يحصل الآن السلام عليكم، هل رأيت الفيلم ليلة أمس؟ الله! نهاية حزينة للبنت، مسكينة، والله يا أخي لقد توترت أعصابي، وما جاءني نوم ليلة أمس، والمرأة والأولاد يبكون، هذا والفيلم كله كذب في كذب، أصل المسلسل هذا تمثيل، ما معنى تمثيل؟ يعني: كذب، عندما آتيك وأتظاهر لك بأني معوق. تقول: ما بك إنك تمثل، وتضحك عليَّ، أنا أعرفك ليس فيك شيء، فكذلك هذا الممثل، يضحك على عقول الناس، ويجلس الواحد مشدود الأعصاب طوال الليلة. إنه كاتب روائي كذاب فعل القصة، وأتى بكذابين، وقال: طبقوها في الواقع، وظلوا شهرين يتدربوا عليها وجاءوا يضحكون على الناس، أفتكون ثقافتنا إلى هذه الدرجة الهزيلة؟ وهل أتتلمذ على هؤلاء؟! مصيبة أيها الإخوة!! فبدلاً من المسلسل الذي تجلس تنظر إليه، قم بإحضار رياض الصالحين، فإذا انتهيت من رياض الصالحين أو قبل ذلك تناول الكتاب الكريم، ثم قل: تعال يا ولدي اقرأ لنا من قول الله : ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣]. هذه السورة احفظ منها ثلاث آيات، وأنا أحفظ منها ثلاث آيات، ثم قم بإحضار تفسير ابن كثير، أو إحضار أيسر التفاسير للجزائري، وتأمل ماذا يقول الله في هذه الآيات؟ ما معنى: (والفجر)؟ معناها: يقسم الله بالفجر. ما هي الليالي العشر: أهي العشر من ذي الحجة، أم العشر الأخيرة من رمضان؟ (والشفع والوتر) ما هو الشفع والوتر؟ لو تسأل الآن أطرف شخص من المسلمين تقول: ما معنى قول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣] كم قد قرأنا هذه السورة؟ قرأناها آلاف المرات، ما معنى غاسق إذا وقب؟ من يدري ما معنى غاسق، وما معنى وقب، لماذا؟ لكن لو سأله عن أي سؤال آخر فإنه قد يجيب، أفيليق هذا -أيها الإخوة- بالأمة، أمة الإسلام والإيمان، الله ﵎ سيسألنا عن هذا الدين، الله يقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]. ويقول في آية ثانية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦] ويقول : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] سيسألنا الله عن هذا الدين، وسيشكونا الرسول ﷺ إلى الله يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] القرآن مهجور في قلوب الناس وحياتهم، مهجور هجر تلاوة، وتطبيق، وعمل، واستشفاء، والتحاكم والرجوع إليه، وموجود هناك في البيوت من أجل البركة، وإذا قرأ الواحد في المسجد قرأ قراءة لا يدري ما أولها وما آخرها. تدخل يوم الجمعة المسجد، تجد الناس يقرءون، لكن قف عند واحد وأغلق المصحف، وقل له: السلام عليكم كيف الحال؟ أنت تقرأ جزاك الله خيراً، فإني سائلك ماذا أمرك الله به، من حين بدأت القراءة إلى الآن ما هي الأوامر التي أمرك الله بها في الآيات التي قرأتها؟ يقول: لا أدري. ما الذي نهاك الله عنه؟ ما الذي أخبرك الله به؟ لأن القرآن ثلاثة أشياء لا يخرج عنها: إما أمر، أو نهي، أو خبر. أما أمر الله فمثل قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢]. أو نهي: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء:٣٢]. أو خبر: يخبرك الله عن الجنة، أو النار، أو الأمم، أو الرسل، أو الأنبياء. هذه أخبار الله. فمقتضى الأمر الاستجابة، ومقتضى النهي الابتعاد والانزجار، ومقتضى الخبر التصديق، فأنت تقرأ كلام الله، وفيه أمر الله لكن لا تعلم ما الذي أمرك به، لماذا؟ لأنك تقرأ بدون قلب، الواحد يقرأ وهمه آخر السورة متى ينتهي منها، يعد الورق، ليس همه أن يعلم ويتعلم، همه آخر الجزء، هذه الأمور أيها الإخوة! أمور خطيرة جداً، لا بد أن نراجع حياتنا وحساباتنا، وكيف نتعلم العلم الشرعي، حتى تحيا به هذه القلوب.

стр. 1289

تعدد وسائل نشر العلم الشرعي عند إعادة الحلقات، والثقافة الإسلامية، فإنه قد هيأ الله ﵎ للناس من الفرص والإمكانيات ما لم يكن مهيئاً في الماضي، الآن أساليب طلب العلم الشرعي معك، تشتري الشريط بأربعة أو خمسة ريالات، وتذهب إلى البيت وتشغله. يشتغل ما لم تغلقه، ما يغضب عليك، ولا تعشيه ولا تغديه ولا ترحب به ولا شيء. من يمكن يدرس أهلك في البيت بخمسة ريالات، لو أخذت عالماً تقول: والله يا شيخ! تعال أريدك، فإنه يشغلك: يريد عشاءً، ومبيتاً، ويجلس يتكلم مع المرأة، وإذا أسكته غضب منك، لكن لا! شريط بخمسة من الريالات، فيه محاضرة تسمعها أنت وأهلك، ومتى تسمع؟ إذا لم تتمكن من الاستماع في البيت، وذلك لوجود بعض الموانع، فخذ زوجتك معك في السيارة وأسمعها الشريط؛ لأنها لا تستطيع أن تستمع مع وجود الأطفال. وتشتري الكتيب! الآن الكتيبات هذه يسمونها الوجبات السريعة، لأن عصرنا هذا عصر السرعة، لأنه لا يستطيع أحد أن يقرأ في المجلدات، ولذلك فقد قام العلماء وطلبة العلم باختصار هذه المواضيع، وتقديمها كتيبات للناس، عندما تدخل المكتبة تخرج مالاً من جيبك، وتشتري مجموعة من الكتب في جميع الفنون بمائة، تبني مكتبة بقيمة كبش، الكبش بأربعمائة ريال، لكن لم تشغلنا إلا بطوننا. أنا سألت أحد الأشخاص قلت له: يا أخي كم مضى عليك من حين اشتريت شريطاً؟ قال: من العام الماضي، معه شريط بخمسة خلال سنة، لعله سمعه مرة ورماه. قلت: حسناً واللبن متى اشتريتم؟ -اللبن بأربعة ريالات- قال: أشتري كل ليلة علبتين بثمانية ريالات، يشتري لبناً كل يوم بينما في السنة شريطاً واحداً بأربعة ريالات، كم أعطينا للروح وكم أعطينا للجسد؟ للجسد تسعة وتسعون في المائة من الراتب، وللروح واحد في المائة، وليته يصفى حتى الواحد في المائة. إن من النافع والمفيد أن نستمع إلى الشريط الإسلامي، ونقرأ الكتاب الإسلامي، ونسمع إذاعة القرآن الكريم، وقد هيأ الله في بلدنا المبارك هذا إذاعة متخصصة في نشر الدين الإسلامي، اسمها (إذاعة القرآن الكريم)، تفتتح برامجها الساعة السادسة صباحاً، وتختتم برامجها الساعة الثانية عشر مساءً، ثمانية عشر ساعة، تبث بدون توقف لا تبث كلمة فيها شر. حتى الموسيقى التي تأتي قبل الأخبار، ممنوعة فيها فلا توجد، ليس هناك إلا قال الله، قال رسوله، وبرامج إسلامية، هذه اعتبرها مدرسة في البيت بل كما قال ابن باز ﵀: إنها جامعة. لكن هذه المدرسة نسميها الإذاعة اليتيمة، لا أحد يحبها إلا من رحم الله، وإذا جاء المؤشر على إذاعة القرآن، تراه يحرك المؤشر على إذاعة أخرى، تبث الأغاني والموسيقى. أمة هزيلة مريضة، المريض لو تعطيه الشحم لا يأكل منه؛ لأنه مريض لكن لو كان صحيحاً، لكان مثل البعير، يأكل الأخضر واليابس، الأمة يوم أن كانت حية، كانت تقبل على القرآن والسنة والعلم، لكن لما مرضت، ذهبت نحو الأطعمة السامة، أقبلت على الأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والخزعبلات، وإذا جيء لها بالقرآن وبالسنة أعرضت عنهما، والسبب في ذلك أمراض القلوب، التي تؤدي عند الاستمرارية إلى موت القلوب -والعياذ بالله-. فيا إخوتي في الله! أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجزي خيراً من سعى إلى إنجاح هذا المجلس، وهم الإخوة القائمون على التوعية الإسلامية في سلاح الحدود، والمسئولون عنها، هؤلاء يدركون أهمية هذه الدورس، ويعرفون قيمة الدعوة، وضرورة حياة القلوب عن طريق العلم الشرعي.

стр. 1290

الطريق إلى السعادة الحقيقية وأنا أقول لكم أيها الإخوة: إذا أراد الإنسان منا أن يحيا الحياة الإيمانية الحياة الحقيقية الحياة التي تكسبه السعادة في الدنيا والآخرة يسعد في هذه الدنيا بالإيمان ويسعد عند الموت حينما يموت وهو يقول: لا إله إلا الله ويسعد حينما يدخل القبر، ويجيب على الأسئلة؛ لأنه تعلم الإجابة في الدنيا فإذا قيل له: من ربك؟ فإنه قد عرف من هو الله، ما دينك؟ من نبيك؟ فتراه يجيب، هنالك يقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ويكون من السعداء يوم تقوم الساعة، ويخرج من قبره، والملائكة تطمئنه، وتقول له: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٩٨ - ٧٢]. ليس بما كنتم تلعبون وتسهرون، إنه لمن العبث -يا أخي- أن تضيع عمرك في السهر على الورق، بعضهم يمضي أربع أو خمس ساعات من بعد العشاء إلى الفجر، وهو يلعب الورق، والنهاية ماذا؟ قال: والله خسرت، هل هذا كلام؟؟ لو رأيت أولادك يلعبونها مع أنهم أصحاب قيم، وأصحاب مبادئ، وأصحاب مراتب، وأصحاب رتب فماذا تقول لهم؟ تقول: والله كنت أحسب أنكم رجال، لكن وجدتكم أطفالاً، يا أخي! هذه ليست لكم، هذه مكعبات، الغرض منها إلهاء الأولاد؛ لأن الولد لا يستطيع أن يبني بيتاً كبيراً، فتراه يبني له بيتاً صغيراً على قدر عقله ومعرفته، لكن أنت أيها العاقل! لماذا لا تشتغل بحفظ كتاب الله؟ والله إنه لمن العار على الواحد أن يكون عمره أربعين أو خمسين سنة ولا يحفظ جزء عمّ، وإذا قدم للصلاة خبط في الآيات، أين أنت طول حياتك؟ لماذا لم تحفظ كتاب ربك؟ ما الذي أشغلك عن الله ﵎؟ ولكي نحيا الحياة الحقيقية، ونسعد السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، علينا بالرجوع إلى العلم، وطلبه، والعمل والتطبيق، فيما نتعلم من شريعة الله . وحتى يمكن وضع برنامج، أو تصور بسيط لطلب العلم، نبدأ بالبدايات البسيطة:

стр. 1291

حفظ كتاب الله وتفسيره أولاً: يبدأ الإنسان بحفظ جزء عمَّ، من سورة الناس إلى عمَّ يتساءلون، وهذا بإمكان الإنسان أن يحفظه خلال شهرين، ولا يتم الحفظ إلا على يد من لديه القدرة على ضبط قواعد التجويد، يعني: ليس هناك مانع، من أن يجتمع ثلاثة أو أربعة من الزملاء يتعارف بعضهم على بعض، وبعد ذلك يحددون لهم جلسة، إما في سكن أو بيت، وكل ليلة يجلسون عند واحد، وليس بالضروري كل ليلة، بل حتى ليلة في الأسبوع، أو ليلتين في الأسبوع، ويجلسون على كتاب الله. من خلال جلوسهم مع بعضهم، يتعرفون على المتقن منهم، فيكون هو الذي يصحح لهم التلاوة ويبدأ كل واحد منهم الحفظ، ويسمعون لبعضهم البعض ما حفظوه، الله أكبر! (ما جلس قومٌ في مجلسٍ يقرءون القرآن ويتذاكرونه إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) لكن: (ما جلس قومٌ في مجلسٍ لم يذكروا الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم هذا المجلس ترة ومسئولية يوم القيامة). فكم من مجلس نجلسه الآن نقوم منه عن مثل جيفة حمار؟ وكم من مجلس نقوم منه وقد حفتنا الملائكة؟ فأول شيء حفظ جزء عمَّ، بعد حفظ جزء عمَّ، مراجعته بالتفسير، وأحسن كتاب أدلكم عليه هو كتاب في خمسة مجلدات للشيخ أبو بكر بن جابر الجزائري اسمه أيسر التفاسير، وهذا الكتاب ألف بطريقة حديثة، ومختصر من جميع كتب التفاسير، ومبوَّب بطريقة منظمة، يأتي بالآيات، ثم يشرح المفردات، ثم المعنى الإجمالي، ثم يأتي بالأحكام والهدايات التي هدت إليها هذه الآية، إنه عظيم من أعظم ما أُلف في التفسير، تقرأ الآية وتقرأ تفسيرها وانتهى الموضوع. أكملت جزء عمَّ، انتقل إلى جزء تبارك، أكملت جزء تبارك، انتقل إلى جزء قد سمع، انتهيت من قد سمع، أكمل حفظ المفصل إلى سورة ق، ما شاء الله، أصبح عندك المفصل حفظاً وتفسيراً، إنك بهذا تصبح عالماً إن من يحفظ المفصل وتفسيره، يصير عالماً، هذا في القرآن الكريم.

стр. 1292

حفظ الأحاديث النبوية ترجع بعد ذلك إلى كتب السنة، وأحسن كتاب ندل الناس عليه هو كتاب رياض الصالحين، وله شرح في مجلدين، اسمه نزهة المتقين لشرح رياض الصالحين، أيضاً مؤلف عصري، ألفه مجموعة من الدكاترة، من أصحاب العقيدة السليمة، تأخذ الحديث وتجد فيه نفس الأسلوب، شرح المفردات والشرح الإجمالي والأحكام. وكل يوم تقرأ الحديث مع إخوانك، وزوجتك، وبعد ذلك أخذت اليوم حديثاً، وليكن الحديث الأول قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا في الصحيحين عن عائشة ﵂، تعرف على معنى الحديث ثم قم بترديده، ترجع إلى البيت فتعلم زوجتك، اجعل ولدك يردده، ما يمر عليك اليوم الثاني إلا وقد قلته عشرين أو ثلاثين مرة، وبعد ذلك يكون قد انطبع في ذهنك، ثم الحديث التالي ثم التالي وهكذا. لكن بعضنا الآن تمر عليه السنة، وما حفظ فيها حديثاً واحداً، لكن لو أنك كل يوم تحفظ حديثاً، كم ستحفظ في السنة؟ ستحفظ ثلاثمائة وخمسين حديثاً، رياض الصالحين فيه من الأحاديث ألف وتسعمائة، يعني خلال أربع سنوات نحفظ رياض الصالحين، إذا حفظنا كل يوم حديثاً، الآن من الكبار لم يحفظوا إلا رياض الصالحين، وبلوغ المرام، فإذا حفظوا هذين الكتابين، بلوغ المرام في أدلة الأحكام، ورياض الصالحين في فضائل الأعمال، لم يبق شيء في الدين، كل الدين محفوظ، فما عليك إلا أن تحفظ يومياً حديثاً مع شرحه.

стр. 1293

التفقه في دين الله ترجع بعد ذلك إلى كتب الفقه الإسلامي من أجل أن تعرف كيف تعبد الله؟ كيف تصلي وتصوم وتحج وتتصدق وتتعامل؟ لا بد من فقه، هناك كتاب اسمه: السلسبيل في معرفة الدليل، هذا الكتاب يشرح أدلة زاد المستقنع، وهو مختصر في فقه الحنابلة، ومقرر على الطلاب في المعاهد العلمية، وشرحه الروض المربع المقرر على الطلاب في كلية الشريعة، لكنه مشروح بتوسع، فالشيخ الذي ألف الكتاب هذا رجل صالح. ألفه بالدليل، يأتي بالمسألة، والدليل عليها كذا وكذا، ثم يأتي بأحاديث النبي ﷺ ، هذا ما شاء الله! فلو أنك أخذت كل يوم صفحة مع نفسك، مبتدئاً بباب الطهارة وأقسام الماء، فإنك تجد أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، ما هو الطاهر؟ ما هو الطهور؟ ما هو النجس؟ متى يتنجس الماء؟ هذه أحكام فقهية، يجب أن نعرفها، بعض الناس يا إخواني! زوجته معه منذ عشر سنوات، ومع ذلك لا تعرف كيف تغتسل من الجنابة!! ولا تعرف أحكام الحيض!! وإذا جاءها الحيض تقعد بعد الحيض يومين أو ثلاثة لا تصلي، وهي لا تدري، وإذا تركت صلاة واحدة كفرت، من ترك صلاة واحدة من غير عذر فقد برئت منه ذمة الله، لكن لا تدري، تقول لها: لماذا لا تصلين؟ قالت: أريد أن أطهر، وهي قد طهرت منذ أسبوع، لكنها تريد أن تهرب من الصلاة، وزوجها لا يدري، لكن لو يدري أنها لم تصلح الغداء في يوم من الأيام كسر ظهرها؛ لأنه يريدها تطبخ له، لكن تتعلم الدين هذا لا يهمه، لأننا ما يهمنا إلا الأمور المادية -والعياذ بالله- هذا الكتاب الثالث اسمه السلسبيل في معرفة الدليل.

стр. 1294

العلم بعقيدة أهل السنة والجماعة والسيرة النبوية الرابع: كتاب في العقائد، لكي تكون عقيدتك قوية، وأحسن كتاب ندل عليه الناس الآن، كتاب اسمه: معارج القبول في شرح سلم الوصول للشيخ/ حافظ الحكمي، عالم من علماء المملكة توفي رحمة الله عليه، وهو من أهل المنطقة الجنوبية، من أهل جيزان، عالم عظيم، ألف رسالة اسمها سلم الوصول، ثم قام بعد ذلك بشرحها في مجلدين وهو موجود في الأسواق، أو في ثلاثة مجلدات كما في بعض الطبعات، تأخذ منه عقيدة أهل السنة والجماعة. أيضاً كتاب خامس، ينبغي أن يكون عندك، وهو في سيرة النبي ﷺ ، كتاب اسمه مختصر سيرة الرسول ﷺ للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، هذا مختصر سيرة الرسول، يأتيك بجميع أحداث السيرة وأسرارها، والمعاني المقتبسة منها، تضع هذه الخمسة الكتب عند رأسك. وتأخذ بعض الكتب الأخرى مثل: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم لأنه علاج القلوب، يبين لك أسباب المعاصي، وعقوبات المعاصي، وزاد المعاد في هدي خير العباد لـ ابن القيم يبين لك هدي النبي ﷺ ، يعني أنا أضمن أن تشتري هذه الكتب كلها بما لا يزيد عن مائتي ريال، يعني: بقيمة نصف كبش، تكوِّن مكتبة إسلامية عند رأسك، وتتعلم وتعلم زوجتك، وأولادك، وينور الله بصيرتك، ويحيي الله قلبك، وتصبح إنساناً مرموقاً، تصبح لك أهمية، تصبح ثقافتك ثقافة إيمانية، لك قيمة، ووضع، ومعنى في الحياة. لكن بغير العلم والدين ما هي قيمة الإنسان؟ والله ليس له قيمة، ولا له أي معنى، لماذا؟ لأنه تافه، لأن اهتماماته تافهة، وأمانيه تافهة، اهتماماته كلها، أن يأكل ويشرب ويتزوج ويرقد، هذه اهتمامات الكفار التي يعملونها ويسعون لتحقيقها، لكن عندما تكون اهتماماتك من النوع الإيماني، أن تعبد الله، وتدعو إلى الله، وتستقيم على منهج الله، وتربي أهلك على طاعة الله، وتربي أولادك لتخرج للمجتمع رجالاً فضلاء ينفعون الناس. لكن بعض الآباء لا. لا يهمه إلا أن يأكل ويشرب، بل يخون الأمانة، ويورد على أهله الشر، وبلغ الناس مبلغاً لا يتصوره العقل، لا يمكن أن رجلاً عاقلاً يخاف الله، ويؤمن به يشتري صحناً للاستقبال، والبعض يسميه طبقاً، وفعلاً هو طبق الشيطان، أحضر الشيطان في هذا الطبق، جميع الشرور الموجودة في العالم، وأفلام الجنس والمسلسلات الخليعة التي تبث في العالم كله يجمعها هذا الطبق، طبق الشيطان. ويحضرها لأولاده وزوجته فتراهم يتنقلون عبر الموجات عن طريق الزر، ينتقلون عبر هذه القنوات فلا يجدون إلا الشرور، يقول شخص من الناس: أدخلته إلى البيت فأفسد عليَّ الأسرة في شهرٍ واحد، ولدي والله كان ترتيبه الأول، بعد إدخال هذا الصحن الخبيث وبعد شهر، صار ترتيبه الحادي عشر، والشهر الثاني يطردونه من المدرسة، يقول: آمره بالنوم فيتناوم، وبعد ذلك أذهب كي أنام، وإذا به يقوم ولا ينام، أراقبه في الصباح فإذا به عند التلفاز، بل يقول: أنام أنا بنفسي، وزوجتي بجانبي وأعلم أنها بجانبي، يقول: وأقوم نصف الليل، وأتلفت ولا أجد زوجتي، ذهبت لمشاهدة الفيلم، هربت وذهبت تنظر إلى المسلسل. مصيبة يا إخواني! أليس هذا من خيانة الإنسان لدينه وتضييعه لأمانته؟ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] كيف تقيهم النار؟ بتعليمهم الشرع والدين: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ليست حطباً ولا خشباً، بل هي حجارة؛ حجارة النار من الكبريت، لما سئل النبي ﵊: (يا رسول الله! أحجارة النار مثل حجارة الدنيا؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيده! لصخرة من صخر النار أعظم من جبال الدنيا بأسرها) هذه التي تشتعل على الكافر في النار، والفاسق والعاصي، عليها ملائكة موكلون بالتعذيب، من هم؟ ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦]. غلاظٌ في التعامل، شداد في الخلقة، يقول: لو أخرج واحد وجهه على أهل الأرض لماتوا من تشويه خلقته، وليس عندهم مجاملات ولا حسابات: هذا من الجماعة، ولا ينفع هاتف، ولا شيء: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. تورد أهلك النار؟ الله يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] وأنت تورد نفسك وأهلك النار، وتشتري ما يقودك إلى النار؟ قولوا لي بربكم أيها الإخوة: هل الذي يعرض في هذه الأطباق والصحون خير أم شر؟ شر. وهل نحن بحاجة إلى شر حتى نستورد الشر، لا والله، نحن نحتاج إلى الخير، ولا نحتاج إلى الشر. هذا وأسال الله الذي لا إله إلا هو، أن يجزي من كان سبباً في إقامة هذا المجلس خيراً، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يحيي قلوبنا بنور العلم والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1295

علامات الساعة المتبقية [١] تحدث الشيخ في أول المحاضرة عن محبة الله وكيفية حصولها، وذكر الأعمال المؤدية إليها من ترك المعاصي والقيام بالأوامر، وضرب على ذلك أمثله من بعض الأعمال، ثم بدأ بالحديث عن علامات الساعة المتبقية، وذكر منها عودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وانتفاخ الأهله، وتكليم السباع والجمادات للناس، وإخراج الأرض لكنوزها.

стр. 1296

أسباب محبة الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. نعمة تحبيب الإيمان وتزيينه في قلب المؤمن وتبغيض الكفر والفسق والعصيان، وكون الإنسان راشداً في كل تصرفاته، وفي كل ما يأتي ويذر هذه النعمة على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه ذكرها الله، في سورة الحجرات، فيقول ربنا : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]. وهذا التحبيب للإيمان والتزيين له في قلب المؤمن، والتبغيض للكفر، يقابله في الجانب الآخر في قلب الكافر والفاسق والمنافق والعياذ بالله أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويكره الإيمان ويبغض طريقه وأهله، وهذا هو الضلال بعينه. وحتى تكون ممن حبب إليه الإيمان، وزين في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؛ لا بد من أشياء تسبق هذا الأمر، ولا بد من سلوك تسلكه، وطريق تسير فيه، وجهود تبذلها، وأسباب تتعاطاها، فإذا علم الله منك صدق الإخلاص، وقوة الطلب، وحسن المتابعة؛ قذف بعد ذلك النور في قلبك وهو معنى حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم. فهذا لا يأتي مباشرة من الباب، فلابد أن تبذل جهداً كبيراً حتى يصل هذا الأمر إلى قلبك، ومعنى هذا الأمر جاء صريحاً وواضحاً في الحديث القدسي الذي يرويه الرسول ﷺ عن ربه تعالى، والحديث في صحيح البخاري: (ما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) فالله يحب منك شيئاً وهو الفريضة، وأيضاً حتى يحبك لا بد أن تأتي بالنافلة. فهو يحب منك العمل وهو الفريضة، ولكنه لا يحبك أنت إلا إذا تقربت إليه بالنوافل: (فإذا أحببته -إذا تقرب إليَّ بالفرائض ثم تقرب إلي بالنوافل، ثم حصلت له المحبة من الله- كنت سمعه الذي يسمع به) لا إله إلا الله! أي تكريم أعظم من هذا أن تسمع بالله، وأن يكون سمعك مسدداً، فلا تسمع إلا ما يرضي الله، ويكون سمعك ربانياً لا يمكن أن يستسيغ أو يستمرئ شيئاً يغضب الله، فتكون موفقاً في السمع؛ فلا ترضى ولا ترتاح إلى سماع كلمة تغضب الله، ولكنك تطمئن وتسكن وترتاح إذا سمعت كلاماً يحبه الله؛ لأنك تسمع بالله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) أي: أن يكون موفقاً، ومسدداً، ومحاطاً بالعناية الإلهية في بصره؛ فلا يمكن أن يقع ببصره في شيء يغضب الله، هل يمكن أن يبصر بالله إلى ما يبغض الله؟ لا. إن الذي يبصر بالله يبصر على أمر الله، وعلى ضوء إرشاد الله، ولا يمكن أن يقع بصره على شيء يغضب الله. من ذا الذي يسمع بالشيطان، ويبصر بالشيطان؟ إنه الذي يقع بعينه ويسمع بأذنه ما يبغضه الله، ولا يحب ما يحبه الله، بل يحب عكس ما يحب الله؛ لأنه لا يسمع ولا يبصر بالله، بل يسمع ويبصر بالشيطان، فيقع بسمع الشيطان وبصره فيما يغضب الله. (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه) بلغت الدرجة فيما بينه وبين الله أنه بمجرد أن يسأل الله يعطيه، فهو عبد يعيش مع الله (كنت سمعه الذي يسمع به) فكل تصرفاته وحركاته، وبطشه، وسيره كلها بالله وعلى منهج الله، وبعد ذلك يحصل له من الله كرامة؛ فتزول بينه وبين الله الحجب، ولم يعد هناك إلا اتصالاً مباشراً: (ولئن سألني لأعطينه) لأعطينه: هنا مؤكدة بتوكيدين، النون المشددة الثقيلة واللام، لم يقل: أعطيه بل قال: (لأعطينه). (وإن استعاذني لأُعيذنه) وفي بعض روايات الحديث خارج صحيح البخاري، وهي زيادة في السنن: (وما ترددت بشيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) وهذا معنى الرشد، وهو أن تكون راشداً في كل تصرفاتك، ليس هناك غواية؛ لأن هناك رشد وهناك ضلال وغواية، فالراشد الذي يسير في طريق الراشدين مسترشداً بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ .

стр. 1297

الأعمال المؤدية إلى تحقق الإيمان في قلب العبد سألني أحد الشباب وقال لي: إنه التزم، واهتدى، ولكن يقول: بأي ضوابط وموازين أستطيع أن أعرف هل أنا مؤمن أم لا؟ يقول: أنا في قلبي خوف، وعندي أمل، لكن لا أعلم، أريد شيئاً أمسكه بيدي وأرى أني عليه، وأعلم إن شاء الله أني من المقبولين عند الله . فقلت له: يا أخي الكريم! هذا من أبسط الأمور والحمد لله أننا نعبد الله في طريق واضح، ومحجة ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ليس في ديننا أسرار، ولا خيالات، ولا معميات ومتاهات، بل ديننا دين الوضوح، وموازيننا ثابتة، وضوابطنا واضحة، قلت له: إذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أم لا؛ فاعرض نفسك على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لتعرف أين موقعك ومن أنت؟ فإن وجدت أنك مع الأوامر فتأتيها، ومع النواهي فتذرها، ومع الأخبار فتصدق بها؛ فاعلم أنك مؤمن، وكن على يقينٍ أن الله لا يضيع عملك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠].

стр. 1298

اتباع الأوامر والحرص عليها قال الرجل الشاب وهو جالس معي: وكيف أعرف ذلك من نفسي؟ قلت: سأعطيك أمثلة: هل تصلي صلاة الفجر في المسجد؟ قال: لا. قلت: لماذا؟ قال: نومي ثقيل والطقس بارد وأنا أسهر لأذاكر مع زملائي. قلت له: إذن كيف وصفت نفسك بأنك ملتزم؟ كيف عرفت؟ قال: الحمد لله أنا أحب الخير. قلت: هذه دعوى، فكل واحد يقول: أنا أحب الخير، ولكنها دعوى لا تثبت إلا بدليلها، فدليل حبك للخير هو الانقياد والإذعان لأوامر الله، والذي لا يصلي الفجر في المسجد هذا يعلن عدم إيمانه بالله، لماذا؟ للحديث الصحيح في البخاري ومسلم، يقول ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر) فهي أثقل من الجبال على المنافق (ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) أي: لو يعلمون بعظم الثواب وعظم الدرجة والمنزلة العظيمة التي يتبوؤها صاحب صلاة الفجر. فهذا المنافق الذي يعيش في بيته ويسحب البطانية على رأسه ويستمر في نومه رغم أنه سمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، وسمع الصلاة خير من النوم، والله لو كان يعلم معنى الإيمان حقيقةً لقام واستجاب وأتى ولو حبواً على ركبتيه ويديه، لكنه لا يعلم، يعني أن الإيمان عنده فاسد. (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) وفي بعض ألفاظ الحديث: (ولو أن أحدهم يعلم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهد الجماعة) والمرماة هي: الضلع، والنبي ﷺ يمثل بما هو في أذهان الناس، فإن في أذهانهم في ذلك الزمان الجوع والفقر، وعدم وجود شيء من الطعام، والضلع الواحد بما عليه من اللحم يشكل أكبر كرامة، ولو يعلم الشخص أن في المسجد ضلعين بلحمتها، (حسنتين) يعني عليها لحمة وشحمة لشهد الجماعة. واليوم الناس أتخمت بطونهم من اللحوم، ولو علموا أن هناك طعاماً فلن يأتوا، لكن نقول لهم بما يحبون: فلو قيل لكم من يشهد صلاة الفجر في جماعة يأخذ رقماً من البلدية ويأخذ منحة أرضية، والذي يأتي الأول يأخذ الأول، ويأخذ المواقع الجيدة على الشوارع الجيدة، ما رأيكم هل أحد ينام ذاك اليوم؟ بل والله ينامون في المسجد، ويتنازعون على الصف الأول والثاني، وكل واحد ينام في مكانه، وكل ذلك من أجل حب الأراضي والدرهم والدينار الذي دخل في قلوبنا. لكن حب الله وحب رسول الله ﷺ ، فيحاول. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، ولذا لا يقوم الإنسان المنافق لصلاة الفجر، ربما يصلي المغرب؛ لأنه آتٍ من التمشية، وربما يصلي الظهر؛ لأنه أدركه في الدوام، وهي فرصة للتخلص من العمل قليلاً، يعني: يمضي وقتاً، لكن العور يظهر في صلاة العصر وصلاة الفجر، ولذا رتب النبي ﷺ عليهما الجنة، فقال: (من صلى البردين دخل الجنة) والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم، والبردين برد النهار: العصر، وبرد الليل: الفجر، وقد جاء الأمر بهاتين الصلاتين في القرآن على وجه الخصوص، ففي العصر يقول الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] رغم أن الوسطى من الصلوات لكن التأكيد عليها لوحدها لدليل أهميتها، ويقول في الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] ويقول ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي) ومعنى في ذمة الله: أي في عهد الله وأمانته، بمعنى أنك إذا مت في ذلك اليوم وأنت في ذمة الله لا يدخلك الله النار. كيف يعذبك وأنت في ذمته؟ (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح، ومن مشى في ظلمة الليل إلى المساجد لقي الله بنور ساطعٍ يوم القيامة) (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ونعرف هذا في واقعنا الآن، تجد مسجداً في أحد الأحياء يصلون صلاة المغرب ستة صفوف، أو سبعة وفي الفجر يصلون صفاً، ما بالهم؟ قد يقول أحد الناس نوم، نقول: لا. ليس نوماً، ما بالهم في رمضان لا ينامون؟ أفي رمضان ينامون عن السحور؟ والذي ما عنده ساعة ألا يذهب ويشتري ساعة؟ والذي ما عنده منبه تراه طول الليل يتقلب وعينه على الساعة، متى سوف تأتي الساعة الثالثة والنصف ويقوم يتسحر، لماذا؟ يخاف أن يصبح دون طعام، فيصوم بدون سحور، وتعتبر كارثة عند الشخص، إذا طلع عليه النهار ذلك اليوم ولم يتسحر، يقوم كأن الدنيا قد خربت، ما بالك؟ قال: طلع النهار علينا، وما أكلنا، ويذهب إلى الدوام مهموماً، وزوجته مهمومة، وأهله مهمومون، لكن هل يحصل له هذا الشعور إذا قام يوماً من الأيام ولم يصلِ الفجر في الجماعة؟ أبداً. طبيعي، لا يفكر أن يصلي في المسجد جماعة، ولهذا كانت الفجر مقياساً وضابطاً من ضوابط الإيمان. صلاة العشاء والفجر في جماعة المسلمين في استمرار لا يوفق لها إلا مؤمن، ولا يحرمها ويتكاسل عنها إلا منافق، أعوذ بالله وإياكم من النفاق. فقلت للأخ الكريم هذا ضابط، قال: عرفت أنني لست بمؤمن ولهذا إن شاء الله من غدٍ، أصلي الفجر؟

стр. 1299

اجتناب المنهيات والبعد عن أسبابها قلت: نعم. لكن بقي شيء. إذا نظرت إلى امرأة وهي تسير في الشارع تنظر لها أو تغض بصرك؟ قال: والله أتلفت، قلت: أين الإيمان؟ مسكين أنت ما عرفت الإيمان، أنت تتصور أن الإيمان أشياء ذهنية، وأشكال ظاهرية، ولكن الإيمان يشمل الشكل الظاهري، والمعنى الباطني والذهني والسلوك العملي، الإيمان في تعريف أهل السنة والجماعة هو: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وتطبيق بالجوارح والأركان، هذا هو الإيمان، يزيد بالطاعات، وينقص بالعصيان، كيف تنظر إلى امرأة والله قد قال لك في القرآن في سورة النور ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]؟! إن الذي ينظر إلى النساء كأنه يقول: يا رب! أنا لست منهم، فالذي ينظر في الحرام وفي النساء ويمتع عينه بالحرام كأنه يقول: إنك يا ربِّ أمرت رسولك أن يوجه الأمر للمؤمنين، وأنا لست من المؤمنين. فالذي يرضى أن يكون من غير المؤمنين؛ ينظر أين يكون إن لم يكن منهم؟ أعوذ بالله وإياكم من النفاق: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] فلا توجد قوة في الأرض تستطيع أن تسيطر على بصرك إلا قوة الله بفعل إيمانك، تستطيع أن تضحك على الناس، وأن تنظر في بيت شخص وعينك على زوجته في الشباك، فإذا جاءك وقال: لماذا تنظر في عيالي؟ تقول له: وما عيالك؟ قال: أراها في الشباك، وأراك تنظر إليها، فتقول: سبحان الله! أنت نظرتك سيئة -يا أخي- أنا أنظر في نوع الألمنيوم للشباك يعجبني هذا المنظر ولهذا سوف أذهب لأعمل مثله، لكن الله يعلم أين تنظر أنت، فتستطيع أن تضحك على الرجل وتقول: إني لا أنظر في بيتك بل أنظر في العمارة أو الشكل الخارجي للمبنى، لكن الله يقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ولذا ورد في بعض الأحاديث في السنن: (من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله إيماناً في قلبه يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) أي: ليس فيها رياء، ربما يدخل الرياء كل شيء إلا هذه المسألة لا يدخلها رياء؛ لأنك تغض بصرك ولا أحد يستطيع أن يضبطك إلا الله. قلت له: هل تسمع الأغاني؟ قال: نعم. قلت: ما أبقيت من الدين شيئاً، ما هو الالتزام في نظرك؟ قال: وماذا هناك في الأغاني؟ قلت: أما سمعت قول الله وهو يصف أهل الإيمان في سورة المؤمنون فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] أي: قد فازوا ونجحوا وحصلت لهم السعادة في الدنيا والآخرة بفوزهم في الدنيا بالإيمان، وبإنزالهم في الآخرة في الجنان: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٣] فالمؤمن يترفع ويتنزه عن هذه القذارات، فالأغاني أوساخ وكلام ساقط، وألحان هابطة، لو فكرت فيه بعقلك وليس بشهوتك -انتبه! إذا فكرت بشهوتك في الأغاني لقمت ترقص، لكن إذا فكرت بعقلك في الكلمات والألحان والبداية والشكل والمضمون- لتقيأت ورفضت هذا الكلام وترفعت عنه، وقلت: هذا كلام لا يصلح، ما خلقني الله لهذا، ثم اسأل نفسك: أتكون هذه الأغاني في ميزان الحق أو في ميزان الباطل يوم القيامة؟! من يقول: إنها في ميزان الحق؟ كل شخص يقول: إنها في ميزان الباطل، ولما سئل الإمام أحمد عن الأغاني. سألهم وقال: أحق هو؟ قالوا: لا. قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال، ما دام ليس حقاً أين يكون؟ يكون في الضلال، فلماذا تعيش مع الضلال، فلا تسمع الأغاني وكن معرضاً عنها؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] إذا أتى في مجلس وسمعهم يغنون؛ يقول: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، وإذا أتى في حفل زواج ورآهم يرقصون؛ يقول: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، إذا أتى في مجلس فيه نميمة يقوم وينكر بالرفض والتحدي لماذا؟ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] هذه صفات أهل الإيمان، فكيف تسمع الأغاني وتنظر إلى الحرام، ولا تصلي الفجر في المسجد ومع هذا تقول: إني مؤمن؟ قس نفسك على هذا. ولو ذهبنا نستقصي الآيات والأحاديث لطال المقام جداً، لكني أتيت بها كمقدمة.

стр. 1300

أعمال تنافي الإيمان وأذكر بعض ما ينافي الإيمان على سبيل الاختصار: الكذب: الكذاب ليس بمؤمن الذي يكذب على مديره، أو موظفيه، أو زوجته، أو أولاده، أو إخوانه، هذا الكذاب يقول الله فيه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥]، كان النبي ﷺ عند امرأة فقالت لولدها: تعال أعطيك تمرة، فجاءها فأعطته تمرة، فقال رسول الله ﷺ : (أما إنك لو لم تعطه لكتبت عليكِ كذبة) ليس هناك داع للكذب، لماذا تكذب أصلاً؟ لو احترقت الدنيا كلها لا تكذب، وكن واضحاً، فإذا جئت متأخراً في الدوام، وسئلت: لماذا؟ فقل: نمت ولا تقل: بنشر إطار السيارة،. فتبنشر على جسر جهنم؛ لأنك خفت هذا وما خفت الله. وبعضهم يخرج من الدوام ويأتي المدير يبحث عنه أثناء الدوام فيسأله: أين كنت؟ يقول: في الحمام تريدني أستأذن منك حتى في الحمام؟ وهو قد كان في السوق يتبضع يوم الثلاثاء ويريد أن يأخذ قسمه من السوق، ثم مرت الأيام وبعد يومين أو ثلاثة وإذا بواحد من زوار المدير أو من زملائه أو من جلسائه في مجلس من المجالس، قال: أما زال فلان عندكم؟ قال: نعم. قال: ما شاء الله، كنت أظنه قد استقال. قال: لماذا وما يدريك به؟ قال: رأيته أمس في السوق، يتبضع الله يوفقنا وإياه. قال: متى رأيته؟ قال: الساعة الحادية عشرة. قال: أمس الساعة الحادية عشرة كان في الحمام. ويدعوه المدير في اليوم التالي، ويقول: تعال يا فلان! أين كنت أمس، في الحمام أو في سوق الثلاثاء. قال: والله الذي لا إله إلا هو إني كنت في الحمام. فماذا تقولون لهذا؟ وإذا أتت الصلاة ذهب ليصلي، فهذا مستهتر بالله كذاب، والكذاب ليس فيه خير، لكن ما عليك إذا خرجت بدون إذن ورجعت إلى المدير ودعاك، وقال: أين كنت؟ قلت: والله كنت في السوق. فيقول: لماذا تخرج بدون إذن، هل العمل فوضى؟! فتقول: لا والله ما هو فوضى، لكن استحيت منك وخفت أن أطلبك فترفض، وإذا رفضت وخرجت بعد الرفض تصير العقوبة عقوبتين، فقلت: سأنزل، فإن رجعت ولم تعلم بخروجي سلامات والحمد لله، وإن كشفتني فالله يعينني على الجزاء، فهذه أبسط والله مليون مرة من أن تقول له: والله الذي لا إله إلا هو إنني ما خرجت، لماذا؟ لأنه باليمين سيصدقك، لكن من داخل قلبه يكذبك، ويقول: فلان صادق ليس له مصلحة في أن يخبرني عنك، وبعدها تسقط من عينيه إلى يوم القيامة عرف أنك كذاب، لو تأتي غداً بخبر صادق مائة بالمائة لقال: كذاب؛ لأنه قد جرب عليك كذباً، لا تخاف الله، ولا تحترم أوامر الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥] ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] فالغش مُنافٍ للإيمان، يقول ﷺ في الحديث، والحديث في السنن: (يطبع المؤمن على كل شيء إلا الكذب والخيانة) فيمكن أن يكون جباناً، أو بخيلاً، أو عنده بعض صفات النقص؛ فالكمال لله، لكن يستحيل أن تجد في المؤمن خصلتان هما: الكذب والخيانة، فلا يعقل أن يخونك سواء علمت أو لم تعلم؛ لأن الخيانة مضادة لصفات المؤمنين، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] وفي الحديث يذكر ﷺ صفات المنافقين والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم فيقول: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). كذلك الوعد: فوعد المؤمن صادق، وإذا أرغم على إخلافه كان ذلك بمبررٍ شرعي وبعذر مقبول، وقبله يستبيحه، أما أن يقول: طيب ولا يأتي، لا. فإنه يسهل عليك ألف مرة أن تقول: لا. قبل الموعد ولا تخلف بعد الموعد، فإنك تستطيع أن لا تلزم نفسك، فتقول لأخيك لا أستطيع يا أخي! أتريدني أن أقول: حسناً ثم أكذب؟ لا. أقول لك: لا. أحسن مما أشغلك وأشغل نفسي. فهذا أحسن لك وأحسن للناس. ذكر الله من علامات المؤمنين، الخوف من الله عند ذكره، فقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. هذه مجمل صفات الإيمان وإلا فهي كثيرة جداً جداً، وما عليك -يا أخي- إلا أنك كلما مررت بصفات المؤمنين تقف عندها وتراجع نفسك وتسأل أين أنت من هذه الصفات؟ فإن وجدت أنك معها وأنك تدور في فلكها؛ فاعلم أنك مؤمن ولا يخالطك شك، وكن فقط في حالة من الخوف والرجاء خوف أن لا يقبل الله منك، ورجاء أن يقبل الله منك، وإلا فإن الله لا يضيع عملك، يقول الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] ويقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]. فلسنا والحمد لله في حاجة إلى أن يعيش الإنسان في أوهام، وإنما عليه أن يثق بعدل الله، ويثق برحمة الله، ويتعرض للأسباب التي توصله إلى هذه العدالة، وهذه الرحمة، التي نسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
следующие страницы →