Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً
إن الله خلق الإنسان لغاية عظيمة ولهدف جليل ألا وهو عبادة الله وإفراده بالتوحيد والعبودية، وأمر بذلك وأنزل الكتب وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فمن أقر لله بالعبودية وأفرده بالتوحيد نال ما بشره الله به، ومن خالف وعصى نال ما توعده الله به، فعلى الإنسان في هذه الدنيا أن يعمر أوقاته بما يعود عليه بالعاقبة الحميدة في الآخرة.
стр. 1227
الغاية من خلق الإنسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: عباد الله: ما هذه الحياة؟ وما حقيقتها؟ ولماذا جاء إليها هذا الإنسان؟ ومتى سينقل منها بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؟ وما هو المصير الذي ينتظره بعد أن يخرج رغم أنفه منها؟
الموت باب وكل الناس داخله يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
الدار جنة عدن إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار
هما طريقان ما للمرء غيرهما فاختر لنفسك أي الدار تختار
أيها الإخوة في الله: هذه الحياة لغزٌ محير، حارت في فهمه العقول في القديم والحديث، وعجزت كل الفلسفات البشرية أن تحل هذا اللغز أو تقدم الإجابة الصحيحة على هذه التساؤلات، وضل الإنسان، وشقي وحار، واضطرب وتاه، وبقي سعفة في مهب الرياح في صحراء هذه الحياة، لا يدري من أين جاء، ولا يدري لماذا جاء، ولا يدري إلى أين يصير بعد هذه الحياة.
إن حصول الشقاء لهذا الإنسان هو لقاء إعراضه عن مولاه، وتحقيق لقول الله فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧].
ضل الإنسان؛ لأنه لم يتعلم من الله الذي خلقه.
إن حكمة الخلق لا يمكن أن يتعرف عليها الإنسان من عندياته، فلابد أن يتعلم هذه الحكمة من الذي خلقه، وأنت أيها الإنسان لم تخلق نفسك، قال الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] إن خالق الإنسان وخالق الكون هو الله الذي لا إله إلا هو: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٢ - ٦٣] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيراً * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ [الإنسان:٢ - ٥].
الأبرار: أي المستجيبين لله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦] ليسوا عباد الشهوات، ولا عباد الذنوب والمعاصي والمنكرات، ولكنهم عباد الله، أخضعوا أنفسهم في هذه الدنيا لأوامر الله، واستسلموا لشريعة الله، وآمنوا بالله، رضوا به رباً، وبدينه ديناً، وبنبيه نبياً، فعاشوا على نورٍ من الله وبرهان: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٦ - ٧].
تعلموا هذه الحقيقة من الله، أنهم ما خلقوا عبثاً؛ لأن العبث محال على الله، بل العبث غير لائق بك أيها الإنسان! لو بنيت جداراً في بيتك، أو صممت عملاً في محيط اختصاصك، ثم سألك أحد الناس، وقال لك: لمَ هذا؟ فقلت: عبثاً، أليس نقصاً في رجولتك؟ أليس قدحاً في عقليتك أن تعمل شيئاً عبثاً بدون حكمة؟ نعم.
والمحال الأعظم أن يخلق الله هذا الكون وهذه العوالم، سماوات وأرض، وبحار، ونجوم، وجبال وشجر، ودوابٌ وأنعام، وليلٌ ونهار محال أن يخلقها الله عبثاً.
يقول الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى وتقدس أن يخلق شيئاً عبثاً: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨].
ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
إن الله ما خلقك عبثاً، بل خلقك لحكمة، هذه الحكمة تعرفها من قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذه حكمة خلقك، وهذا سبب وجودك: أن تعمر هذه الحياة بعبادة الله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
الرزق مكفول، والعمر محدود، والإمكانات موفرة، والمنهج واضح، والطريق مستقيم، وأنت مأمورٌ أن تسير على هذا المنهج، وأن تواصل السير على هذا الطريق المستقيم، وألا تلتف أو تنحرف؛ فإنك إن انحرفت عن هدي الله وعن طريق الله، كان المصير دماراً وعذاباً في الدنيا، ودماراً وبواراً في النار: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يعني: في الدنيا معيشة ضنكاً، والله ولو امتطى أحدث الموديلات، ولو امتلك ملايين الريالات، ولو نكح أجمل الزوجات، ولو سكن أرفع العمارات، ولو احتل أحلى وأعلى الرتب والمناصب، وقلبه بعيدٌ عن الله، فإن هذه كلها لا تزيده إلا عذاباً.
стр. 1228
السعادة في ظل الإيمان
في ظل الإيمان بالله، وفي ظل الدين يعيش الإنسان سعيداً ولو سكن كوخاً، ولو أكل رغيفاً، ولو لم يتزوج زوجةً، ولو لم يحتل منصباً، ولو لم يملك ريالاً واحداً؛ لأن الله جعل السعادة في دينه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] فالمنهج والحكمة التي خلقك الله من أجلها هي العبادة، والذي يعيش على غير هذه الحكمة، يعيش ضالاً ضائعاً منحرفاً.
يقول شاعرهم:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري؟ ولماذا لست أدري؟ لست أدري؟
ووالله إن هذا لمنتهى العذاب، أن يعيش الإنسان وهو لا يدري لماذا يعيش، وهذا السبب هو الداء الذي تعاني منه البشرية اليوم، رغم أنها استطاعت أن تحقق من الإنجاز العلمي في المجال المادي ما يبهر العقول، ولكنها في الجانب الروحي والإيماني تعيش في فقرٍ روحيٍ وخواءٍ إيماني؛ فسبب لها هذا الشقاء، فتجدهم -الآن- في الغرب ينتحرون وتزعزعهم وتقلقهم الأمراض النفسية.
والطب النفسي لم يكن موجوداً، والأمراض النفسية سببها عدم القرب من الله، سببها التفكير في هذه الحياة، يفكر الواحد يقول: أنا لماذا أعيش؟ فيقول: أعيش لآكل، فيقول: حسناً! وأنا آكل لماذا؟ فيكون
الجواب
إنك تأكل لتعيش، وتعيش لتأكل، وتأكل لتعيش، وهكذا تبقى في حلقة مفرغة، تأكل لتعيش، وتعيش لتأكل وبعد ذلك يجب أن تجيب بالجواب الحتمي: ثم أموت، تموت رغم أنفك، فلا يبقى لك منصب، ولا تبقى لك رتبة، إذ لو بقيت لغيرك ما وصلت إليك، ولا يبقى لك شباب إذ أن شباب هذه الدنيا إلى هرم، وعافيتها إلى سقم، وحياتها إلى موت، وقصورها إلى قبور، ونورها إلى ظلام.
стр. 1229
دعوة إلى المحاسبة والاستدراك قبل الرحيل
هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا أين العزائم أرضيتم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا وإن خطيئة الأحرار لا كالخطايا قضية الزمان لا كالقضايا! ملك الموت لا يعرف الوساطة ولا يقبل الهدايا
أيها الشاب! ستسأل عن شبابك أيها الكهل! تأهب لعتابك أيها الشيخ! تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ اشك فوات النصيب
لذ بالجناب ذليلاً وقف على الباب طويلاً فأنت بداء التفريط والتسويف عليلا
يا من عليه نذر الموت تدور يا من هو مستأنسٌ في المنازل والدور لا بد من الرحيل إلى دار القبور والتخلي عما أنت به مغرور غرك والله الغرور بفنون الخداع والغرور يا مظلم القلب وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما ينظر إلى البواطن لا إلى الظهور لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت عين العين منك تدور
يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه يا معتقداً صحته فيما هو سقمه يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا طويل الأمل وقد تيقن أن اللحد عما قليلٍ يضمه استدرك العمر قبل رحيله فكيف نعظ من قد نام قلبه لا عينه وجسمه
قال الفضيل بن عياض ﵀: [إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، كبلتك خطيئتك].
فيا عباد الله! الحكمة التي خلقكم الله من أجلها هي العبادة، والذي لا يسير في هذه الحكمة ولا يمشي في هذا الخط سيعيش في عذاب، شاء أم أبى، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧].
بالإيمان تعيش سعيداً، وبالإيمان تموت سعيداً حينما يأتيك الطلب الذي لا يستطيع أن ينجو منه أحد الموت قاهر الجبابرة قاهر العظماء لا يمتنع منه أحدٌ لا ملك بملكه ولا أميرٌ بإمارته ولا تاجرٌ بتجارته ولا قوي بعضلاته ولا عالمٌ بمعارفه لكن الكل يموتون: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وهذه القضية عبر الاستطراد والاستقراء للتاريخ ما علمنا أن أحداً شذ عنها، هل سمعتم بأن إنساناً استطاع أن ينجو من الموت؟ لا.
стр. 1230
البعث والنشور
هذه قضية ثانية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦] فما دام أن الأولى حصلت وهي أن الموت سنة جارية على الكبير والصغير، فلابد أن تحصل الثانية وهي البعث، إذ لو تخلفت الأولى؛ لجاز أن نقول: تتخلف الثانية، وعندما يأتي الموت لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
عند الموت لا تحاسب ولا تعامل على ضوء منزلتك الاجتماعية، ولا رتبك الوظيفية، ولا أرصدتك المالية، ولا وضعك الرياضي، ولا شهاداتك العلمية، كل هذه نفعتك في الدنيا؛ لكن عند الموت يوجد مؤهلات أخرى إذا جئت بها نلت الكرامة وإذا لم تأت بها ليس لك عند الله قيمة.
ما هي مؤهلاتك في الآخرة؟ التوحيد الخالص الصلاة الخاشعة في جماعة المسلمين الزكاة المدفوعة الصيام الزاكي الحج المبرور بر الوالدين صلة الأرحام الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف النهي عن المنكر العيش لهذا الإسلام الدفاع عن هذا الدين الحب في الله البغض في الله هذه مؤهلات تنفعك عند الموت ولو كنت في أقل رتبة، ولو كنت لا تملك ريالاً واحداً، لكن لو عندك أعلى رتبة وأعظم مال ولا تملك هذه المؤهلات فليس لك عند الله قيمة: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] هذه موازين الدنيا، لكن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا.
مر رجلٌ على رسول الله ﷺ في طمرين -طمرين يعني: ملابس رثة- باليين، وحالة رثة، وهيئة ضعيفة، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (ما ترون في هذا -يعني: ما رأيكم في هذه الشخصية- قالوا: هذا رجل ضعيف، جدير إذا خطب ألا ينكح، وإذا تكلم ألا يسمع له، وإذا دخل ألا يقام له -يعني: ليس له قيمة في المجتمع- فهز ﷺ رأسه، ثم مر رجلٌ آخر على حصان -شخصية بارزة- عليه ثيابٌ عظيمة، وفي يده سيفٌ مصلت، يمتطي جواداً عظيماً، قال: وما رأيكم في هذا؟ قالوا: هذا حري إذا خطب أن يزوج - لا أحد يرده- وإذا تكلم أن يسمع له، وإذا دخل أن يقام له، فقال ﵊: والذي نفس محمدٍ بيده إن الأول أفضل عند الله من ملئ الأرض من مثل هذا) لماذا؟ لأن الموازين هي موازين ربانية، فعند الموت لا تعامل على ضوء شيء من هذه الماديات، فانتبه لنفسك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] جئت إلى الدنيا واستقبلوك في خرقة، وعشت على ظهر الدنيا حتى تموت، ثم يخرجونك منها في خرقة ثانية، وأنت لما بين الخرقتين.
هل سمعتم أن إنساناً دفن في قبره ومعه دفتر الشيكات؟ أو دفن في قبره وعليه البدلة الرسمية ذات الرتب العالية؟ أو دخل في قبره ومعه أولاده أو أمواله أو أزواجه؟ لا والله ما سمعنا بهذا، بل يخرج الإنسان من الدنيا كما تخرج الشعرة من العجين، ويلف في الكفن، ويفرد في قبره، ويوضع معه العمل، فإن كان قد تعرف على العمل وعمل صالحاً؛ فأنعم به وأكرم، وإن كان غافلاً، ضالاً، تائهاً، يشبع بالشهوات ويلهو في المعاصي والمنكرات، ولا يؤدي الفرائض ولا الواجبات، لا يعرف مسجداً، ولا يقرأ قرآناً، ولا يحني رأسه لدين الله؛ فهذا إذا ضرب رأسه في القبر انتبه مثل النائم السكران، وقد أخبر الله عنه بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا؟ تقول له الملائكة لماذا ترجع؟ قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فلماذا لا تعمل من الآن؟ ما الذي غرك؟ تؤجل العمل حتى تدخل القبر ثم تقول ردوني أعمل صالحاً؟! كلا.
لن يردوك، لم يعد هناك فرصة، فاعمل الآن قبل غد.
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
قال الله: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وكلا: أداة زجر وردع وتوبيخ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] هذا المتلاعب، هذا المهمل يريد الشيء على ما يريد، ومثله كمثل طالب في المدرسة أو في الجامعة، أخذ المقررات الدراسية، وعرف الواجبات، ولكنه أهمل ولم يحضر حصةً، ولم يصغ لدرسٍ، ولم يحل واجباً، ولم يحضر المدرسة، وفي آخر العام الدراسي عُلق جدول الامتحان وقال له زملاؤه: بقي معك فرصة الامتحان بعد عشرين يوماً، أو بعد خمسة عشر يوماً، فذاكر واجتهد.
قال: بلا امتحانات بلا تعقيد، دعوني أعيش بلا هم، هذا الامتحان يُعَقدني، ولما جاءت الامتحانات دعاه أبوه وجاء به غصباً ليمتحن، فدخل قاعة الامتحان، ولما قدمت له أوراق الأسئلة نظر إليها، ورأى أنه لا يعرف منها حرفاً واحداً، فقام وقال: أريد رئيس لجنة الامتحان.
فسألوه: ما بك؟ قال: أريد رئيس اللجنة، فلما حضر قال له: يا أستاذ! أرجو منك أن تعطيني خمس دقائق أو عشر دقائق لأخرج خارج القاعة أراجع هذه المواد ثم أعود وأختبر.
ما رأيكم هل يعطونه ذلك؟ لا يعطونه ذلك أبداً، يقولون: اذهب يا دجال، أنت كذاب لعاب، طيلة العام جالس على اللعب وبعد ذلك تريد أن تنجح مثل هؤلاء المجتهدين؟ لا.
فليس معك إلا الذي معك، فالذي في رأسك اكتبه، إن كان صواباً تنجح، وإن كان خطأ تسقط وترسب.
أيها الأحبة: هذه امتحانات الدنيا، وكذلك امتحانات الآخرة فذاكر من الآن، لا تهمل أوامر الله، ليس لديك إلا فرصة واحدة، وليس لديك إلا دور واحد، جنةٌ أو نار، لا يوجد بعدها فرصة أخرى، أما الدنيا إذا سقطت في الدور الأول تنجح في الدور الثاني، وإذا لم تنجح هذه السنة تنجح في السنة الثانية، وإذا لم تدرس أصلاً تعيش ولو بغير وظيفة أو بغير دراسة، لكن ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، ومؤهلات الجنة هي الأعمال الصالحة، تنفعك في الدنيا، وتنفعك عند القبر وعلى الصراط، وتنفعك بين يدي الله .
أما من يرفض الدين ويستمر سادراً في غيه، عبداً لشهواته؛ فهذا ما سنبين جزاءه في الخطبة الثانية.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1231
الجزاء المترتب على عدم الاستجابة لداعي الله
الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد: عباد الله: قد علمتم جزاء الذين يستجيبون لداعي الله، يقول الله : ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد:١٨] الحسنى: هي الجنة، والذين لم يستجيبوا؟ ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد:١٨].
إذا كان الشخص لا يريد طريق الله يُترك؛ لأن الله يقول: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ويقول الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] ويقول: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان:٢٣].
الذي لا يريد السير على الطريق الصحيح سوف يندم، ويعضُّ على يديه وليس على أصابعه، يأكل يديه أكلاً، كما ذكر الله القصة في سورة الفرقان، يقول : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] الظالم لنفسه بالمعاصي؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧].
يقول: ليتني اتبعت طريق النبي وسنته وسرت على هديه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] (فلان) نكرة، فلان خليل من فلان؟ فمن الممكن أن يكون زميلاً، أو شريطاً، أو كتاباً، ومن الممكن أن يكون ريالاً أو درهماً أو ديناراً، ومن الممكن أن يكون منصباً أو جاهاً، ومن الممكن أن يكون زوجة أو والداً أضله عن الله، يقول الله: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩] حرفني عن طريق الله بعد أن هداني الله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩].
يعض الرجل على يديه من الحسرة والندامة، حين يرى أهل الإيمان يقادون إلى الجنان، وهو يقاد إلى النيران، يُسحب على وجهه، يقول الله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨] ويقول الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء:٩٧].
قالوا: (كيف يا رسول الله يمشي على وجهه؟! قال: أليس الذي أمشاه في الدنيا على قدمين قادر أن يمشيه في الآخرة على وجه؟ قالوا: بلى) الآن نرى حيوانات وزواحف تمشي على وجوهها كالسلحفاة، والحية، والعقرب، والثعبان كلها تمشي على وجهها، ويوم القيامة يُبعث الكافر يمشي مثلما تمشي الحية، يزحف على وجهه إلى النار، ويُسحب، وكذلك الفاجر والعاصي: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩].
ولا يوجد شيء عبثاً، الله خلقك وخلق فيك العينين، والشفتين، واللسان، والأذنين، واليدين، والرجلين، والقلب، والفؤاد من أجل ماذا؟ من أجل أن تأكل وتشرب وتلعب وتنام وتداوم؟! فقط من أجل هذا؟ لا.
فهذه عمل الحيوان، فلو سألت الحمار أو البقرة أو الثور ماذا يفعل؟! ليس له إلا أن يأكل ويشرب وينكح ويرقد، وأنت تريد أن تصير مثله، هؤلاء الملاحدة والكفار الذين يقولون: نحرر الإنسان من الدين، وهم في الحقيقة ينزلونه إلى مرتبة الحيوان، يجعلونه كالكلب والخنزير، والقرد والحمار.
стр. 1232
الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات
إن الفارق بين جميع المخلوقات وبينك أيها الإنسان! هو هذا الدين وهذا الإيمان، والذي ليس له دين ليس له -والعياذ بالله- قيمة في هذه الحياة، والله يقول فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
لديه عقل لكنه لم يستعمله في طاعة الله، استعمله في المنكر والباطل وأمور الدنيا، وله عين لكنه ما استعملها في النظر إلى ملكوت الله، وإلى كتاب الله وسنة رسول الله، بل استعملها في النظر إلى النساء، ومتابعة الحرام، فيحرق قلبه ويُغضب ربه، وله أذن ما استعملها في سماع آيات الله، وبعض الناس يمر عليه الشهر ولم يسمع فيه آية من القرآن، وبعض الناس يدخل عليه الشهر ويخرج ولم يقرأ فيه من المصحف حرفاً واحداً، وإذا حمل المصحف في يوم جمعة أو في صلاة من الصلوات، قرأ من أي مكان، من غير تدبر ولا تمعن، والآن كلكم دخلتم قبل الخطبة وقرأتم القرآن، وبعد الصلاة لو وقف واحد على الباب وسأل كل واحد ماذا قرأت؟ وما هي السورة التي قرأت؟ يمكن أن تعرف السورة، ولكن ما هي المواضيع التي طرقها القرآن في قراءتك له؟ ما هي الأوامر الموجهة لك؟ ما هي النواهي المنهي عنها؟ ما هي الأخبار التي جاءت في القرآن الذي قرأت؟ يمكن لا ينجح (١%) قرأ القرآن من وقت دخوله وهو يتمتم، لكنه لا يدري ماذا يقول، فكيف تأتي الهداية؟ فالحسرة والندامة تقطع قلب الإنسان وهو يُقاد إلى النار، حينما يرى أهل الإيمان يقادون إلى الجنة، وفي الدنيا يعيش في عذاب، يعيش الإنسان في هذه الدنيا قبل الآخرة في عذاب، إذا لم يكن مسلح بالإيمان، ولذا يغالط الإنسان نفسه؛ بأن يضفي على حياته أشياء كثيرة من المسليات والملهيات، من أجل أن ينتقل من واقعه المرير؛ ليعيش في بعدٍ عن الله، إذا اشترى مجلة أول شيء يقرأه فيها الصفحة الضاحكة، يريد أن يضحك، وإذا اشترى جريدة فأول شيء يبحث عنه نكتة اليوم، وإذا علم عن فلم سارع بشرائه ليضحك، وإذا سمع بمسرحية يريدها لكي يضحك، فلماذا؟ لأن هذا الإنسان داخله في عذاب، ويريد أن يسلي نفسه عن هذا العذاب بهذه الأشياء؛ فيزيد الطين بلة، (يريد أن يكحلها فيعميها) إذا أراد أن يبعد ما في نفسه من العذاب فعليه بكتاب الله وبالتوبة إلى الله، وبالرجعة إلى دين الله، ينزع الله من قلبه القلق والحيرة والاضطراب، ويزرع الله في قلبه الأمن والطمأنينة والأمان؛ لأن هذه من ثمار الدين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 1233
حال المؤمن عند الموت
إن العبد المؤمن إذا جاءه ملك الموت تأتيه البشارات من الله، تبشره الملائكة وهو عند أهله، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠].
الله أكبر! قالوا: ربنا الله، ثم برهنوا على هذا الادعاء بالاستقامة.
ما هي الاستقامة؟ هي السير على الطريق الصحيح، وأنتم تعرفون عندما يقال: فلان رجل مستقيم، أي: يمشي على الطريق الصحيح، وفلان منحرف، أي: مائل عن الطريق، يقع في الزنا في الغناء في الربا في الرشى في الكبر في الغلط وذاك مستقيم من بيته إلى مسجده إلى عمله إلى مسئولياته، فلا تراه إلا في الحق، ولا تجده إلا فيما يرضي الله، فقدمه لا تحمله إلى منكر ويده لا تمتد إلى منكر وعينه لا تمتد إلى حرام وأذنه لا تسمع لحرام ولسانه لا يتكلم بحرام وبطنه لا يمكن أن يسقط فيها شيء من الحرام وفرجه لا يمكن أن يطأ الحرام والاستقامة -كما يقول الرياضيون في تعريف الخط المستقيم: إن الخط المستقيم هو أقرب الطريق بين نقطتين- وهي نقطة الدنيا ونقطة الآخرة، وأقرب طريق موصل لها الخط المستقيم.
لكن الخط المنحرف فيه منعطفات، وهذه المنعطفات توصل الإنسان إلى النار، فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ماذا يحصل لهم في الدنيا؟ قال الله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] أي: عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على من خلفكم، أمان على الماضي والمستقبل، فالمستقبل: لا تخف، والماضي: لا تحزن، والحاضر: قال: ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ [فصلت:٣٠] هذا الحاضر: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] وكأن الواحد يقول: لماذا هذا الاستقبال؟ ولماذا هذه البشرى؟ ولماذا هذه الطمأنة؟ قالوا: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١].
لما كنتم أولياء لله في الدنيا؛ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولو كنتم أولياء للشيطان، تطيعونه وتعبدونه وتسيرون في خطه، لكنا لكم أعداء؛ لأن الله سمى هؤلاء أعداء: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ [فصلت:١٩] أولياء الشيطان هم أعداء الله، وأولياء الله هم أعداء الشيطان، فالذي يوالي الله تواليه الملائكة، والذي يعادي الله تعاديه الملائكة، فتقول الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١].
كنا في الدنيا معكم نثبتكم على الإيمان، وفي الآخرة معكم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت:٣١] لأنكم حجزتم أنفسكم في الدنيا عن الشهوات، يمر الشاب المسلم على الأغنية وهي تقطع قلبه مما كان يحبها في الماضي، لكنه يقارن ويوازن بين غضب الله وسخطه وبين هذه الأغنية، فيؤثر رضا الله ويترك الأغنية وقلبه يتقطع يريد أن يغني، هل تتصورون أن المهتدي والملتزم أنه لا يحب الأغاني؟ لا.
بل يحبها، مثلما تحبها أنت، يمر على المرأة ويراها جميلة تؤشر له بعينها أو بيدها؛ ولكنه يغض بصره خوفاً من الله، ونوازع الشهوة في قلبه تحترق؛ لكنه يقهرها خوفاً من الله؛ فيصبر والعاقبة للصابرين.
يقوم في الليل ليصلي، ويقوم إلى المسجد في الفجر ليؤدي الصلاة، والبرد قارص، والظلام دامس، والنوم جميل، والفراش دافئ، والزوجة جميلة؛ ولكنه يسمع: الله أكبر! فيترك كل شيء ويقوم إلى الله أكبر، هذه فيها تعب؛ ولكنه أرغم نفسه على هذا، يقول الله يوم القيامة: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت:٣١].
يبدلك الله بالزوجة اثنتين وسبعين زوجة، وبالأغنية -كما جاء في الحديث- تركب مزامير من مزامير آل داود على أوراق الجنة، ثم تعزف تلك المزامير بعد أن تهب عليها ريحٌ من تحت العرش، يقال لها: المثيرة، فتعزف بألحانٍ ما سمعت بمثلها الآذان، تغني معها الحور العين على ضفاف حضيرة القدس، يسبحن الله بالعشي والإبكار، هذا السماع العظيم، بدلاً من (يا ليل يا عين)، تركت هذا من أجل ذاك، فنلت الدنيا والآخرة.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] أي: ما ترغبون وما تريدون، هذا جزاء المؤمنين، وذاك الذي لا يريد نقول له: اصبر وانتظر، يقول الله : ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥٩] ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠] ويقول: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
стр. 1234
حال الكافر والعاصي عند الموت
إن الكافر يعيش هذه الدنيا في عذاب، ويوم يموت تأتيه ملائكة العذاب، وتقول: يا أيتها الروح الخبيثة! أخرجي إلى سخطٍ من الله وغضب، فتخرج روحه ثم لا يدعوها طرفة عين حتى يضعونها في مسوح من النار، ويصعدون بها إلى السماء، ولها ريحٌ كأنتن ريحِ جيفةٍ وجد على وجه الأرض، ثم يدعى بأسوأ الأسماء التي كان يعرف بها في الدنيا، فإذا بلغ بها السماء واستفتح لها، غلقت أبواب السماء دونها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٤٠] لا يدخلون الجنة، ولا تفتح لهم أبواب السماء.
لماذا؟ لأنهم استكبروا، والكبرياء خطيرة، الكبرياء هي منزلة للشيطان، تكبر فماذا حصل؟ يعني: صاحب الشهوة والمعصية يرجى له توبة، لكن صاحب الكبرياء يُخاف عليه من اللعنة، لأن آدم عصى مشتهياً فتاب وتاب الله عليه، وإبليس عصى مستكبراً، لما قال الله له اسجد: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] فكتبت عليه اللعنة، ونحن أكثر ما نخشى من الكبر، خصوصاً على أصحاب الرتب، فأصحاب الرتب يأتيهم الشيطان ويزين لهم الكبرياء والتعالي والتعاظم على من هو دونهم في الرتب، فيحصل لهم من هذا ضلالٌ لا يعلمه إلا الله، فتواضع لله يرفعك في الدنيا والآخرة؛ لأن من تواضع لله رفعه الله، ومن تعاظم على الله، وضعه الله.
تجد مثلاً المدير أو القائد أو الزعيم أو اللواء أو الأمير، إذا تواضع (وبش) وسلَّم ورقَّ واحترم وقدر الناس، هؤلاء يحترمونه من قلوبهم.
وإذا أحيل على المعاش والتقاعد بعد ذلك فلا تذهب منزلته من قلوبهم، تبقى منزلته في قلوبهم إلى أن يموت، ويوم أن يموت ويذكر يقولون: (الله يذكره بالخير)، لكن المتكبر المتعاظم يُحترم لكن بالقوة، فإذا زالت عنه الرتبة والله لا يسلمون عليه في الشارع، لا يقولون له: السلام عليكم، لماذا؟ لأنه كان يفرض عليهم بالقوة؛ لكن لو أنه أعطاهم الاحترام بالقدوة، وانتزع منهم الحب بالتواضع؛ لتغير ذلك نحوه، فمن تواضع لله رفعه، والذين يستكبرون كما جاء في الحديث والحديث في صحيح مسلم قال: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) هذا مثقال ذرة فكيف بالذي عنده قنطار من كبر؟ يمشي وإذا مشى كأن أنفه معلق في السماء، لا يمشي وعينه في الأرض، لا.
هكذا لماذا تتكبر؟ وبماذا تتكبر؟: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] لماذا تتكبر؟! ارجع إلى أصلك، يا بن الأربعين سنة! أين كنت قبل أربعين سنة؟ كنت نطفة مذرة، خرجت من مجرى البول مرتين، الأولى: من ذكر أبيك، والثانية: من فرج أمك، وأنت بين هذا وذاك تحمل في بطنك العذرة، ثم نهايتك جيفة قذرة، لماذا تتعاظم على الله؟ تستكبر بمالك تستكبر برتبتك تستكبر بعضلاتك المال مال الله والرتبة من الله العضلات من الله العافية من الله الجمال من الله الشباب من الله لماذا تتعاظم على عباد الله بما هو لله وليس منك في شيء؟! عيب عليك هذا، تواضع لخالقك، يرفعك خالقك في الدنيا والآخرة، وإذا أبى إلا أن يتكبر، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف:٤٠] بعض الناس تقول له: صلِ في المسجد، قال: لا يا شيخ! أنا أصلي في مكتبي، لماذا؟ قال: إذا صليت في المسجد يأتي بجانبي صاحب الرتبة الضعيفة، وأنا لا أريد أن يسقط اعتباري، أريد أن أصلي لوحدي ولا يصلي بجانبي إلا واحد مثلي، لا إله إلا الله! يسقط اعتبارك إذا أتيت في الصف الأول؟! يسقط اعتبارك إذا أتى بجانبك الجندي؟! والله يعلو اعتبارك، ووالله ترتفع منزلتك، لماذا؟ لأنك تتواضع لخالقك الذي بيده مقاليد الأمور، من الذي قلدك هذا المنصب، من الذي أعطاك هذه الرتبة؟! إنه الله، ليس أنت، إنه خالقك ابتلاك بهذا من أجل أن تتواضع له، وتتواضع لعباده، فإذا تعاليت وتعاظمت؛ وضعك الله واحتقرك في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠].
إذا دخل البعير في خرق الإبرة؛ دخلوا الجنة، وهذا يسمونه العلماء تعليق على المستحيل، يعني: مستحيل أن يدخل الجمل في خرق الإبرة، وهؤلاء من المستحيل دخولهم الجنة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١].
ثم في القبر يذله الله، وفي النار يهلكه الله، من أجل ماذا؟ من أجل ارتكابه معصية الله، وتركه طاعة الله.
بالله يا إخواني في الله! يا أهل العقول الرشيدة! هل يسوغ لنا العقل هذا أن نضيع سعادة الدنيا والآخرة، وأن نقع في خزي الدنيا والآخرة من أجل المعصية؟! لا والله لا خيار لنا، إن الخيار الأمثل، والبديل الأفضل أن نسير في طاعة الله، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] الخيار الصحيح لك: الدين.
الكفر والمعاصي والمنكرات ليست بخيار، شبعنا والله شبعنا، لعب الناس حتى تعبوا، ورقصوا حتى انثنوا، وغنوا حتى ملوا، ثم يأتي المغني (ونمططه ونراقصة ونلاعبه) فيخرج المغني والرقاص من الدنيا وليس معه شيء، لكن إذا تعبت في طاعة الله تخرج ومعك ذهب أحمر، تخرج ومعك عمل، يقول الله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠].
стр. 1235
كل نفس بما كسبت رهينة
عبد الله أنت الآن في سوق الدنيا، وسوف تصدر منها إلى الآخرة محملاً بما عملت، يقول الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] إذا سابقت في هذا السوق وجمعت لك حسنات، وجمعت العمل الصالح ورجعت إلى الله، قال الله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] عاش في الدنيا يجمع السيئات والعياذ بالله، ويلقط الجمر بعينه: فينظر إلى الحرام وبأذنه يسمع الغناء وبلسانه يتكلم بالغيبة والنميمة واللعن والسب والشتم، ويمشي إلى الحرام، جاء بالسيئة، ليته ما جاء.
مثله كمثل رجل غاب عن أهله، جلس في العسكرية عشر سنوات وهو غائب يجمع المال، ثم رجع إلى أهله وليس معه إلا (مشعاب وباكت دخان) وليس معه شيء، ويوم دخل؛ أين نقودك يا ولدي؟! أنت عشر سنوات وأنت غائب، ماذا معك؟! قال: لا شيء، والله لا يوجد غير الراتب كنا نأخذه ونأكله، فما رأيكم في أهله هل يفرحون به؟ والله لا.
فقد لا يصنعون له العشاء، ويطردونه من نفس البيت، (الله لا يكثر خيرك، ولا يجمل حالك) إن كنت تغيب عشر سنوات ثم تأتي بباكت الدخان، هذا لا نريده، وإذا قال: يريد أن يتزوج، لا أحد يزوجه؟! والله لا يزوجونه قط، لماذا؟ لأنه ضايع لا يحفظها.
لكن ما رأيكم في رجل غاب عشر سنوات ويجمع الريال على الريال، ولما أكمل المدة، أخذ إجازة وجاء إلى أهله محمل سيارة كاملة، الفرش، والأثاث، والثلاجة، والغسالة، والأدوات المنزلية، والهدايا، كسا أهل القرية من أولهم إلى آخرهم، ما ترك رجلاً ولا امرأة إلا أهدى له غترة أو شيلة أو ثوباً، أو بشتاً، ثم دخل على أهله وأخرج الفلوس يعطي أمه، ويعطي أباه، ويعطي إخوانه، ويعطي أنسابه، ما رأيكم في هذا؟ كيف يبيت الليلة؟ كل واحد يسلم على رأسه، وكل واحد يسلم على يده، ويذبحون الذبائح له، ويأخذه أهل القرية من طرفهم إلى طرفهم، عزائم كل يوم، وإذا تكلم، وقال: أريد فلانة؟ قالوا: الذي تريد مع الذي تريد، الله يحييك (ومرحباً ألف).
وأنت الآن خذ رجولتك من الدنيا، لا تأت إلى الآخرة بالمنكرات، لا تأت بقطع صلاة وقلة دين، بل جئ بإيمان وعمل صالح، يزوجك الله بالحور العين، يقول الله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠].
стр. 1236
أهمية المحافظة على الصلاة
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته، وأول ما نوصيكم به: التوحيد الخالص والمحافظة على هذه الصلوات، فإنها عمود هذا الدين، فأنتم درع هذه الأمة، وأنتم حماة دينها وقوة دفاعها عن مقدساتها، فإذا ما تمسكتم بطاعة الله، وتمسكتم بدين الله، وحرصتم على أمر الله، وإلا فإن الدرع مكسور، والوقاية مخروقة، ولا ينفع درع وهو خربان، عليكم مسئولية، إن جاز للناس أن يتهاونوا في الدين فلا يجوز أن تتهاونوا به أنتم؛ لأنكم مرابطون على ثغور الإسلام: (رباط يوم في سبيل الله أعظم من صيام سنة).
إن متم؛ متم شهداء، وإن عشتم؛ عشتم سعداء، تعيشون عيشة الرجال، وتقفون مواقف الأبطال، تذودون عن حماكم، وعن مقدسات المسلمين، وتقفون بنحوركم على ثغور المسلمين، ولكن صححوا وضعكم مع الله، واحذروا من الذنوب والمعاصي؛ فإنها حجابٌ بين العبد وبين الله، احذر من الذنب فإنك لا تقاتل العدو، إلا بدين وإيمان ونصرة من الله، فإذا استويت أنت والعدو هو عاصٍ وأنت عاصٍ، هو زان وأنت زان، هو فاجر وأنت فاجر، إذاً: هنا تكون الغلبة للسلاح، والسلاح يمكن عنده أكثر منك، لكن السلاح الفتاك والقوة التي لا تُقهر والعدد الذي لا ينقص هو الإيمان، ووالله إن رجلاً من المؤمنين ليعدل آلاف من الكفار.
لما استنفر قادة المسلمين أرسلوا لـ عمر بن الخطاب يطلبون نصرة ونجدة، فأرسل لهم القعقاع بن عمرو، وقال: إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم، عده العلماء بألف رجل، ألف رجل لكن القعقاع يضعهم على جنب، بماذا؟ ما كان قوياً في جسمه، لكن قوي في قلبه، عنده قلب أقوى من الجبال، السلاح الذي يحمله قلبٌ ضعيف هذا سلاح خربان.
والله إذا وجدة قوة في قلب قوي وقلب مؤمن واثق بالله لو ما عنده إلا عصا؛ فإن عصاه أفتك من المدفعية التي مع الإنسان الجبان الذي لا يريد الله ولا الدار الآخرة.
فنقول لكم أيها العسكريون: أنتم في بلاد الإسلام، وفي مهد الإسلام، وفي ظل دولة الإسلام، تحكمكم شريعة الله، تذودون عن حمى الله، تذودون عن مقدسات المسلمين، واجبكم عظيم تجاه دينكم، والحرص على مقدساتكم، بحفظ ما بينكم وبين الله ﵎.
ألا وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك مولاكم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وعلى الخلفاء الراشدين وعلى الصحابة أجمعين، وعن التابعين وعن تابع التابعين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر الكفرة واليهود والملحدين وأعداء الدين، اللهم أنزل عليهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل عملهم في رضاك، اللهم اهدهم إلى هداك، اللهم من أرادهم أو أرادنا في هذه الديار أو غيرنا من ديار المسلمين بسوءٍ أو شرٍ أو كيدٍ أو مكر، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، واجعلهم عوناً لك ولعبادك على طاعة الله، ناصرين لدين الله، اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على القوم الكافرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر عبادك المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك في الأفغان وفي فلسطين، وفي جميع بقاع المسلمين، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم قوِ قلوبهم، اللهم مدهم بعونك وتأييدك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، واجعل أعداءهم غنيمة للمسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم نوِّر على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم فرج هم المكروبين، واشفِ مرضى المسلمين، واقضِ الدين عن المدينين، واكتب الصحة والسلامة والعافية لنا ولكافة عبادك المؤمنين، في برك وبحرك أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا، وغيث المطر في بلادنا وأوطاننا، اللهم إن بالبلاد والعباد من اللأواء والشدة والضيق ما لا نشكوه إلا إليك، فلا تحرمنا يا مولانا من فضلك، ولا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، إنك أنت أرحم الراحمين.
стр. 1237
فيم يفكر المسلم ؟
يقول : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فدلنا على التفكر والنظر والتأمل، مبيناً أن من أعظم ما يفكر فيه العبد ويتأمله هو خلقه، متذكراً أنه خلق من ماء مهين، ثم يتفكر في كتاب ربه ، والأمر الذي خُلق الإنسان من أجله، والنعم الكبرى التي وهبه الله إياها كالرزق والأولاد وغير ذلك.
стр. 1238
كلام ابن مسفر عن أهمية التفكر في كلام الله ومجالاته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: الفكر والنظر والتأمل والاعتبار هو الخطوة الأولى التي تسبق قيام الإنسان بأي عمل في هذه الحياة، وعلى ضوء سلامة الفكر تتحدد سلامة الخطوات التي يخطوها الإنسان في هذه الدنيا، وهو شيء أمرنا الله به، أمرنا بالنظر فقال الله : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٦ - ٨] إلى آخر الآيات، وأمرنا بالتفكير، فيقول : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] وفكر المسلم فكر نير لا يسير ولا يتجه إلا في الاتجاه الصحيح، يفكر في شيء مهم: كيف ينجو من عذاب الله؟ كيف يفوز بجنة رب العالمين؟ كيف يدخل الجنة؟ كيف ينجو من النار؟ يفكر في كل خطوة يخطوها، يفكر في كل نظرة ينظرها، يفكر في كل كلمة يتلفظ بها، يفكر في كل تصرف يتصرف به، وأثره عليه؛ أثره عليه في هذه الدار، وأثره عليه عند الموت، وأثره عليه في القبر، وأثره عليه في أرض الحشر، وأثره عليه في الجنة أو النار، هذا الفكر فكر نير، فكر رباني، وهو يأتي نتيجة فهم الإنسان لحقيقة الحياة، من فهم الحياة فهماً حقيقياً منبعثاً من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كان تفكيره سليماً، أما من فهم الحياة فهماً مغلوطاً، فهماً بهيمياً، فهم منها ما تفهمه الحيوانات والبهائم والأنعام، فحصر اهتماماته وتفكيره في شهواته، كيف يأكل؟ كيف يشبع؟ كيف ينكح؟ كيف يلبس؟ كيف ينام؟ كيف يسكن؟ كيف يتوظف؟ كيف يركب؟ هذه مُتع، هذه أفكار بهيمية لا تعدو هذه الحياة.
أما المؤمن المسلم فإنه يفكر تفكيراً يختلف عن هذا.
أجل فيم يفكر المسلم؟ يفكر أيها الإخوة -كما يقول الشيخ ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه البديع: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي - ويقول قبله: إن على المسلم إذا أراد النجاة أن يحفظ أربعة أشياء: أولاً: الفكر أي: الأفكار.
ثانياً: النظر.
ثالثاً: اللفظ.
رابعاً: الخُطا.
فإن هذه هي المسارات التي يسلك بها الإنسان طريقه إما إلى الجنة وإما إلى النار، فمن حفظ أفكاره فلم يفكر إلا في خير، وحفظ نظراته فلم ينظر إلا في حلال، وحفظ ألفاظه فلم يلفظ إلا في حلال، وحفظ خطواته فلم تحمله خطواته إلا فيما يرضي الله، فهذا اكتب له السعادة وادع له بالجنة بإذن الله.
أما من ضيع أفكاره يهيم بها في كل واد، وضيع نظراته ينظر بها إلى كل جميل ولو كان حراماً، وضيع ألفاظه يخوض بها في كل ميدان، وضيع خطواته يخطو بها إلى كل مكان، هذا ضائع ضال، وسوف يعض على يديه يوم القيامة ويقول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:١ - ٢].
فيا أخي: من الآن حدد خطواتك ونظراتك وألفاظك، وحدد فكرك واهتماماتك.
ثم يقول: إن فكر المسلم لا يعدو خمسة أشياء سوف نتحدث عنها إن شاء الله بشيء من الاقتضاب والاقتصار؛ لأن كل عنصر يحتاج إلى محاضرة: - الفكر الأول: التفكر في كلام الله، في القرآن الكريم، الكلام العظيم الذي هو هداية ونور، يقول الله فيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
تفكير المسلم يحتل جانباً كبيراً منه القرآن الكريم، ولهذا الصحابة لما نزل عليهم القرآن أطار النوم من أعينهم، لم يعد إلا التفكر في الآخرة التفكر في الجنة التفكر في النار، التفكر في الوعد، التفكر في الوعيد، التفكر في الخبر، التفكر في الحكم، كلٌ مع القرآن، ولهذا لم يَبْقَ في حياة المسلم فراغ لغير القرآن، يقول أحد السلف: آيات القرآن أطرن النوم من عيني.
ولكن ما مجال الفكر في القرآن؟ كثير من الناس يريد أن يعتبر ويتدبر القرآن لكنه لا يدري ما المجالات والطرق والمسارات التي توصله إلى الفكر القرآني، الله دعانا إلى التفكر، يقول الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
ويقول : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
هذا هو السبب على القلوب الآن أقفال، ما يدخل الفكر القرآني في القلوب، أقفال ماذا؟ أقفال الدنيا، أقفال الشهوات، أقفال الشبهات، أقفال الغفلة، أقفال نسيان الآخرة.
أما إذا انفتح القلب والله ما يسأم من كلام الله، يقول ابن القيم: والله لو صحت منا القلوب ما شبعت من كلام الرحمن.
مسارات ومجالات التدبر لكتاب الله كثيرة:
стр. 1239
المجال الأول: التفكير في دلالة القرآن على صدق الرسالة
أول مسار: أن تتفكر في كون هذا القرآن دليلاً واضحاً وبرهاناً ساطعاً على أن هذا هو محمد بن عبد الله رسول من عند الله، الله جعل القرآن للرسول ﷺ معجزة ودلالة وبرهاناً على أنه نبي، وما من نبي يبعث إلا ويؤيد بمعجزات، وكانت معجزة النبي ﷺ الخالدة هي القرآن الكريم، يقول الله فيها: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: ما كفاهم دليل على نبوته إنزال القرآن الكريم؟! هذا الكتاب الكريم معجز في كل شيء: معجز في بلاغته معجز في فصاحته معجز في بيانه معجز في تشريعاته معجز في أحكامه معجز في الاقتصاد معجز في السياسة معجز في الاجتماع معجز في الحدود معجز في الأخلاق معجز في الآداب وفي كل شيء، تلبس الإعجاز في كل كلمة من القرآن الكريم، وهل يمكن أن يأتي بهذا القرآن بشر؟! لا والله، والله ما فيه حرف إلا من الله ﵎، ولهذا تكفل الله بحفظه وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وهاهو محفوظ بأمر الله منذ نزل إلى أن تقوم القيامة، ما يزاد فيه حرف، ولا ينقص منه حرف، لماذا؟ لأنه كلام الله.
إذاً كلام النبي ﷺ -الحديث النبوي- لفظه من الرسول ومعناه من الله؛ لأن الرسول لا ينطق عن الهوى، لا ينطق إلا بوحي من الله ، لكن كلامه الذي ينطقه هو بوحي من الله معنىً، ولفظه من الرسول يسمى حديثاً، بينما كلامه الذي ينطقه عن الله ﵎ قرآناً هذا كلام الله.
استطاع الكذابون والوضاعون أن يضيفوا أحاديث إلى النبي ﷺ ، سمعتم بهذا؟ طلبة العلم يعرفون هذا الأمر، وكتب الموضوعات كثيرة، ما معنى موضوع؟ أي: كذاب عدو للإسلام والمسلمين يضع حديثاً ويقول: قاله الرسول ﷺ ؛ وتَقَبَّله بعض الأمة وهو مكذوب وموضوع، إلى أن قيض للأمة ولدين الله من يحفظه بتمحيص وتفريق وتنقية الباطل من الحق، حتى بقي دين الله محفوظاً، لكن يوجد أناس تقولوا وكذبوا، لكن لا يوجد شخص كذب على الله وأضاف حرفاً واحداً في القرآن الكريم.
حتى مسيلمة، مسليمة من؟ من يعرف أباه؟ لا يوجد شخص في الدنيا إلا يعرف باسم أبيه إلا مسيلمة، إذا قيل مسيلمة قالوا: الكذاب، وهو اسمه: مسيلمة بن حبيب الكذاب، هذا ادعى النبوة لكن ما استطاع أن يضيف في القرآن، كتب للنبي ﷺ وقال: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أُشركت معك، فلك نصف الأرض ولي نصفها.
يحسب أنها ذبيحة! يقسم الأرض! فرد عليه النبي ﷺ جواباً، انظروا جواب النبوة! قال: (من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده).
من على وجه الأرض، هل يوجد في الدنيا الآن كم يشهد أن مسيلمة رسول الله؟ لا أحد، حتى عياله الذين من صلبه يقولون: مسيلمة الكذاب، لكن على وجه الأرض الآن أكثر من مليار مسلم يشهدون أن محمداً رسول الله، دين الحق دين عظيم، فهذا الكتاب الكريم يشهد شهادة بأعلى صوت ومن أعلى منبر أنه كلام الله، وأنه من عند الله، وبالتالي تطمئن نفسك إذا قرأت القرآن ورأيت إعجاز القرآن، تسكن نفسك وتسير في الخط؛ لأنك على يقين، تعبد الله على نور، تعرف أنك على الحق، والله الذي لا إله إلا هو أن من على وجه الأرض كلهم على باطل إن لم يسلموا.
اليهود على باطل، النصارى على باطل، الملاحدة على باطل، الهندوس على باطل، البوذيون على باطل، كل هؤلاء إلى النار، من الذي على الحق؟ المسلم، وما نقول هذا من عاطفة أو من حماس أو من اندفاع أو من تعصب؛ لأننا مسلمون، لا.
نقوله من منطق الحق عندنا وثيقة، ما هي وثيقتنا في هذا الكلام؟ القرآن الكريم.
هل يمكن أن يكون هذا القرآن كلام بشر؟ لو كان كلام بشر لكان بإمكان البشر أن يأتي بمثل هذا الكلام، لكن لما عجز البشر أن يأتوا بمثل هذا الكلام يقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] لماذا؟ لأنه كلام الله، ولا يمكن أن يأتي البشر بكلام الخالق، خالق البشر ﵎، فأنت حينما تقرأ القرآن وتتدبر، وتمر عليك آيات ومعجزات، يزداد قلبك إيماناً، وهذا مجال عظيم، يثبت فيه قلبك على الإيمان والدين.
стр. 1240
المجال الثاني: مجال النظر في أوامر الله
المجال الثاني من مجالات التأمل والتدبر للقرآن الكريم: مجال النظر في أوامر الله وما جرت عليه من صلاح، كل الأوامر، أمر الله بالتوحيد والعقيدة، أمر الله بالصلاة، أمر الله بالزكاة، أمر الله بالحج، أمر الله بالصوم، أمر الله ببر الوالدين، أمر الله بصلة الأرحام، أمر الله بالدعوة إليه، أمر الله بالجهاد، كل أوامر الله ما إن تعمل الفكر فيها وتفكر إلا وتجد أن في مشروعيتها وفي أمر الله بها خيراً عظيماً لهذه الأمة.
هذه الصلاة يقول الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] الصلاة هذه لها مصلحة عظيمة، لماذا؟ لأنك تستحي أن ترى منكراً وستصلي بعد قليل أو كنت تصلي قبل قليل، هذه زاد وقوت لك، كأنها تمدك بطاقة من أجل أن تصارع الحياة وعندك إيمان تتزود به في كل يوم خمس مرات.
ويقول الله في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] هل تدري أنك إذا دفعت الزكاة أنك تطهرت وزكوت؟ وما معنى تطهرت؟ أي: انتصرت، كنت متنجساً بنجاسات المادة التي يمكن أن تجذبك وتجعلك أرضياً، لا.
زكيت نفسك وطهرتها ارتفعت بها، علوت على المادة، انتصرت على النفس، أخرجت المال، وهو تحت قدمك، وصرت أنت سيد المال، لكن لما تبخل أنت على المال ولم تخرج زكاته تصير أنت عبد المال وعبد الدنيا.
الصوم يقول النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
الحج، يقول ﵊: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
هذه الأحكام الشرعية التي أمر الله بها، والأوامر كلها مصالح للعباد، أمر الله ببر الوالدين، بصلة الأرحام، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لمصلحة العباد، فما من جزئية من أوامر الله إلا وفيها مصلحة، هذا مجال ثانٍ.
стр. 1241
المجال الثالث: النظر والتأمل في المحرمات التي حرمها الله في كتابه
المجال الثالث من مجال التأمل: هو مجال النظر والتأمل في المحرمات التي حرمها الله، ما من محرم حرمه الله إلا وفي تحريمه مصلحة، جاءت الشرائع كلها وفي نهايتها الشرع الإسلامي بحفظ الكليات الخمس لصالح العباد: الدين العقل المال النفس العرض.
فحفظ الدين بقتل المرتد: (من بدل دينه فاقتلوه) حفظ الله العقل بتحريم الخمور، وحفظ الله المال بقطع يد السارق، وحفظ الله الأنفس بقتل القاتل، حفظ الله الأعراض برجم الزاني أو جلده إن كان بكراً، كل هذه أوامر الله، لولا تقييم الشرائع والشريعة الإسلامية لهذه الأحكام لضاعت أديان العباد وأموالهم وأعراضهم، وضاعت أنفس العباد وعقولهم، وإذا ضاعت هذه الكليات هل يبقى حياة؟ تصبح الحياة حياة بهائم، شريعة الغاب، فما من شيء أَمر الله به أو نهى الله عنه إلا وفيه مصلحة، يعرفها الإنسان وقد لا يعرفها، لكن بالتدبر والتأمل، لما تسمع قول الله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أمر من الله أنك تغض بصرك وتحفظ فرجك، يقول الله بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
ذلك أفضل لك، والله! ما يعرف هذه الآية إلا من طبقها، أهل الإيمان لما طبقوها عاشوا في راحة وسعادة، تجد المؤمن كلما رأى منظراً صرف عينه إن كان حراماً، لكن الذي ما عنده إيمان كلما رأى امرأة أطال نظره إليها، الله يقول: غضوا وهو يقول: لا.
وبعد ذلك ماذا يحصل بعد هذا؟ يرجع إلى البيت مريضاً، فهو قد رأى منظراً، ثم منظراً ثانياً، وآخر أحسن، وكم سوف تنظر، وكم تقدر عليه؟ حتى لو أردت أن تتزوج لا يحل لك إلا أربع في الشرع، لكن إذا نظرت إلى أربعمائة في الشارع تقدر تتزوج بهن كلهن؟ ما تستطيع، أجل، ما هناك حل إلا أن تغض بصرك، قال الله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
أفضل وأريح لقلبك، وأتقى لربك، وأهنأ لنفسك أنك تغض بصرك من أجل أنك لا ترى إلا زوجتك، لكن لما تنظر إلى فلانة وفلانة وعلانة، تنظر إلى أشكال غريبة يزينها الشيطان، وترجع إلى البيت مريضاً، بعض الشباب -وقد ذكرت هذا الكلام- يخرج من بيته وما في قلبه مشكلة، ويرجع وهو مطعون القلب، يقول له أبوه: تعشَ يا ولد قال: ما أريد العشاء، ماذا فيك؟ قال: آه! الزفرة تقض صدره، لماذا؟ ماذا حصل؟ حريق في الصدر، من أين هذا الحريق؟ من نظرة واحدة فقط:
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
لكن غض بصرك يسترح قلبك، يقول المثل: (نافذة يأتيك منها ريح أغلقها واستريح).
لكن تفتح عينك على الناس تفتح عينك على العذاب وعلى النار -والعياذ بالله- هذا المجال الثالث من مجالات النظر وهو أن تعرف أن في كل نهي وفي كل شيء حرمه الله مصلحة لك أيها الإنسان ليس قيداً، بعض الناس يقول: هذه قيود، هذه حدود من شخصيتي، هذا كبت، لا.
هذه مصلحة لك، لولا القيود لكنت متفلتاً، تقيد الآن من أجل أن تنفلت عند الموت وتدخل الجنة، ترى كل شيء، وتنظر إلى وجه الله في الدار الآخرة، تنظر إلى الحور العين، تنظر إلى وجه المصطفى ﷺ ، تنظر إلى وجوه الأنبياء كلهم، تنظر إلى وجوه الصحابة كلهم، لكن تفتح عيونك الآن في وجوه الزانيات المومسات يقفل الله بصرك عن نظرك إليه يوم القيامة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
لا ترى الله يوم القيامة، من يرى البعيدُ والعياذ بالله؟ يرى فرعون وهامان وقارون وإبليس في النار، فيكمل معهم والعياذ بالله، هذا مجال ثالث.
стр. 1242
المجال الرابع: التفكر في قصص القرآن والأمثال
المجال الرابع: أن تتفكر في قصص القرآن، الله قص في القرآن علينا قصصاً، هذه القصص الهدف منها العبرة، يقول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] ليس حديثاً يفترى، وليس أساطير ولا روايات، ولا مسرحيات تكتب، هذه قصص حق: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣] فإذا مر عليك قصص القرآن قف عنده وتأمل وانظر وتدبر، انظر قصة يوسف وما بها من عبر، انظر قصة إبراهيم وما فيها من عبر، انظر قصة نوح وما فيها من العبر، كلما وجدت قصة خذ منها عبرة، وتصور أنك تستفيد من هذه القصص.
وتفكر في أمثال القرآن الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] يضرب الله لك مثل القرآن الكريم، يقول: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر:٢١].
لو خاطب الله بالقرآن الجبال الصم الرواسي لرأيتها خاشعة متصدعة، وقلبك أقسى من الجبل ما يخشع لكلام الله! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ [يونس:٦٧] سبحان الله! عبرة لكن من يعتبر؟ صاحب القلب السليم الأمثال هذه مجال نظره.
стр. 1243
المجال الخامس: التفكر فيما أعده الله للمؤمنين
وأيضاً من مجالات الاعتبار بالقرآن الكريم: أن تتفكر فيما أعد الله للمؤمنين في الجنة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها، وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين- تنظر لما أعد الله في الجنة للمؤمنين، حتى قال الله في القرآن: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] وفي الحديث الصحيح يقول ابن مسعود: [إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يعطى قدر الدنيا منذ خلقها إلى يوم يفنيها وعشرة أمثالها] قال راوي الحديث: انظر إلى ما يقول ابن أم عبد، عن أدنى رجل فكيف بأعلى رجل؟ قال: [ذاك ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر].
هذا الملك العظيم يدلك على عظمة الثمن، ليس برخيص: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) عندما تعرف أنك لك اثنتين وسبعين حورية في الجنة، الواحدة منهن -من نساء الجنة- لو أشرفت على الأرض لطمس نورها ضوء الشمس والقمر، ولو أنها في المشرق ورجل مزكوم في المغرب لشم رائحتها، تخرق أنفه على بُعد المشرق والمغرب: (نصيفها -أي: شيلتها على رأسها- خير من الدنيا وما عليها) اثنتين وسبعين حورية تريدهن مجاناً؟! الآن امرأة واحدة ما لقيتها إلا بعد قَلْعِ ضرسك، لكن هذه حورية، كبدها مرآتك، وكبدك مرآتها، عليها سبعين حلة، ترى مخ ساقها من وراء الحلل، تريدها مجاناً؟!! بعض الناس يريدها وهو ينام عن صلاة الفجر، ويريدها وهو يغني، ويريدها وهو يدخن، يقال له: اترك الدخان، قال: والله يا شيخ أريد أن أتركه لكن ما استطعت، اجلس يا عبد السيجارة على ما أنت عليه! لا حول ولا قوة إلا بالله! فعندما تعرف ما أعد الله لأهل الإيمان في الجنة تقول: والله هذه السلعة غالية، والله تحتاج إلى تعب، ولقد قال ﵊: (ألا هل من مشمر للجنة؟ إن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وقصر مشيد، وريحانة تهتز، قال الصحابة: نحن المشمرون يا رسول الله! قال: قولوا: إن شاء الله).
وشمروا ﵃ وصدقوا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 1244
المجال السادس: التفكر فيما أعده الله للكافرين
وإذا نظرت في المقابل إلى ما أعد الله لأهل النار في النار، -أعاذنا الله وإياكم من النار- يقول الله في القرآن الكريم عن النار: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
النار وما أعد الله فيها من السلاسل والأغلال والأنكال، ومن الحميم والزقوم واليحموم، ومن العذاب الذي لا يتصوره العقل ولا يخطر في بال الإنسان، تعرف أن المعصية عليها أثر كبير في النار فتوقف، الله لا يتوعد بهذا الوعيد الشديد إلا لعظمة الكفر، ولعظمة المعاصي؛ لأن الله لا يُعصى، إذا كان الله أخرج إبليس قال الله للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر:٣٤].
وأخرج أبوينا من الجنة بذنب واحد، قال الله لآدم: كل من الجنة إلا هذه الشجرة، جاء إبليس قال: كل منها، فلما أكل منها، قال تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ [طه:١٢٣] وأنت ما زلت في الخلاء وتريد أن تدخل الجنة وعندك مليون ذنب، كيف المسألة؟! ما هي سهلة يا إخواني! نسأل الله يتغمدنا برحمته.
والله صعبة جداً جداً، ولكن نحن نتكل على عفو الله ورحمته، ونتوب دائماً، ونرجع ونصحح الوضع مع الله ﵎، فهذه مجالات التفكير في كتاب الله باختصار، أعيدها مرة ثانية: أولاً: مجال النظر في كونه دليلاً من دلائل نبوة النبي ﷺ .
ثانياً: مجال النظر في كون أحكامه التي أمر الله بها ذات مصالح عظيمة على الأمة.
ثالثا: مجال النظر في كون الحرام والمحرمات التي حرمها الله في تحريمها مصالح للمسلمين.
رابعاً: مجال النظر في الأمثال وفي قصص القرآن وفيما أعد الله لأهل الجنة في الجنة -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها- وفيما أعد الله لأهل النار من العذاب -أسأل الله أن يحرم أجسادنا ورقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا عليها- إنه على كل شيء قدير.
أما المجال الثاني من مجالات التفكير: أن تتفكر أيها المسلم في مخلوقات الله ، فيما بث الله من الآيات الدالة على عظمته في السموات وفي الأرض، وهذا العنصر يتكلم فيه بشيء من التفصيل والدقة أخي فضيلة الشيخ: ناصر بن مسفر الزهراني شاعر الدعوة وخطيب جامع الحارثي في مكة المكرمة، والمحاضر بجامعة أم القرى، فليتفضل حفظه الله، وأرجو منه ألا يطيل، ويختصر من أجل أن يبقى لي بعض الوقت.
стр. 1245
التفكر في خلق الإنسان
الشيخ: ناصر بن مسفر الزهراني الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها الإخوة المؤمنون: نزولاً عند رغبة فضيلة الشيخ وبعض الإخوة في أن أشارك في هذه الليلة الطيبة، استجبت لهذه الرغبة سائلاً الله تعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول وما نسمع إنه على كل شيء قدير، وإن كان هذا المطلب وهذا العنصر بالذات الذي طلب فضيلة الشيخ أن أتحدث عنه هو أمر صعب وشاق، فمن هو الذي يستطيع أن يتحدث عن مخلوقات الله تعالى، وأن يلم بها، وأن يبين أسرارها، ومواطن الإعجاز فيها.
مخلوقات الله تعالى أعظم وأجل وأكبر من أن تحصى ومن أن يحيط بها إنسان:
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
عن أي شيء نتحدث أيها الأحبة! من مخلوقات الله تعالى؟ إن القرآن الكريم قد حثنا على التفكر في مخلوقات الله تعالى، وقد حثنا على التفكر في شيء يسير منها، لكي نستدل بهذا الجزء وبهذا القليل على الكثير الباقي من مخلوقات الله تعالى، فكان الحديث في القرآن الكريم عن أشياء وعن مخلوقات هي من أهم المخلوقات ومن أجلها ومن أعظمها، حثنا القرآن الكريم على التفكر في خلق السموات والأرض، وكم فيها من عبر؟! وكم فيها من أسرار من عظمة الله تعالى؟ وكم فيها من مواطن الإعجاز؟ أمرنا أن نتفكر في الشمس والقمر والليل والنهار والأرض والجبال، وفي مخلوقات الله تعالى للكائنات الحية، أمرنا أن نتفكر في الإبل، أمرنا أن نتفكر في أنفسنا، أشياء وأشياء كثيرة من مخلوقات الله تعالى حثنا القرآن على التفكر فيها.
لكن أيها الأحبة! -كما ذكرت- ما دمنا لن نستطيع الحديث عنها، فيكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، سنتحدث عن أمر واحد من مخلوقات الله تعالى لكنه من أعظم تلك المخلوقات، وأشدها تعقيداً، وإعجازاً، نتبين من خلاله سر العظمة والإعجاز، نتبين من خلاله عظمة الواحد الأحد ؛ لأن التفكير ليس أمراً مقصوداً في ذاته، إنما الغرض من هذا التفكير أن نصل إلى الغاية، وهي معرفة الله ، معرفة عظمة الله تعالى، معرفة هذا الخالق العظيم ، لذلك سنتحدث عن أمر وهو قريب منا جداً، سنتحدث عن أمر نعرفه جميعاً، أتدرون عن أي شيء سنتحدث؟ سنتحدث عنا نحن، عن أنفسنا، عن خلقنا، عن الإنسان، استجابة لأمر الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] إنه حديث موجز وسريع ومقتضب، أشارك به في هذه الليلة في الحديث عن سر الإعجاز في خلق الإنسان، وحينما يتأمل الإنسان الآيات القرآنية التي تكلمت عن خلق الإنسان والله يجد العجب العجاب، ويجد فعلاً عظمة الله تعالى في خلق هذا الإنسان، هذا المخلوق العجيب، من يتصور أيها الأحبة! أننا نحن هذا الكائن الغريب؟! هذه الأجسام العظيمة، هذه العقول، هؤلاء البشر الذين يمشون على الأرض من يتصور أن أصل هؤلاء جميعاً هو من نطفة؟! بل من نطفة قذرة يتقزز الإنسان منها لو رآها على ثوبه، لو وقعت على ملابسه لتقزز الإنسان منها، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨].
بل حتى القرآن أحياناً يذكر هذه الحقيقة على استحياء: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج:٣٩].
أدرى بنفسك، تعرف ماضيك، تعرف حقيقتك، (إنا خلقناهم مما يعلمون).
стр. 1246
مراحل خلق الإنسان في القرآن الكريم
وتعالوا بنا أيها الأحبة! قبل أن نعرج على ذكر شيء من أسباب العظمة، ومن أسرار الإعجاز الرباني في خلق الإنسان، نتأمل بعض الآيات القرآنية، آية أو آيتين، نتبين من خلالها حديث الرب عن خلقنا نحن، عن تكويننا، عن نشأتنا، عن سر الإعجاز في وجودنا، يقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧].
ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤].
أيها الإخوة المؤمنون: من خلية واحدة، من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل تتحد ببويضة المرأة في الرحم، ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب، وهو من أعجب الكائنات الحية، الخلية هي الحجر الأساس في بناء الإنسان، ومنها يبدأ سر الحياة، هذه الخلية التي لا ترى إلا بالمجاهر الضخمة فهي على صغرها عبارة عن بحر متلاطم مليء بالحيوانات المختلفة، وهي مليئة بالعناصر فيها حوالي ثمانية عشر عنصراً من الأكسجين والفحم والكبريت والكلس والفسفور، في جسم الإنسان من هذه الخلايا ألف مليون مليون خلية، ويستهلك الجسم في الدقيقة الواحدة من خلاياه سبعة آلف وخمسمائة مليون خلية، من يصدق أن هذه النقطة الصغيرة المتعلقة بجدار الرحم تكمن فيها جميع خصائص هذا الإنسان المقبل من صفاته الجسدية وسماته من طول وقصر وضخامة وضآلة، وقبح ووسامة، وآفة وصحة، كما تكمن فيها صفاته العصبية والعقلية والنفسية، وأن هذه النقطة الصغيرة الضئيلة في هذا الإنسان المعقد المركب الذي يختلف كل فرد من جنسه عن الآخر فلا يتماثل اثنان في هذه الأرض على الإطلاق، وهذه من أعجب الأشياء، هذه النقطة الصغيرة كل البشر لا يمكن أن يأتي اثنان متشابهان في كل الأشياء، مستحيل.
قد يتشابه اثنان مثلاً في لون الوجه، في لون العينين، في بعض الملامح البارزة لكن لا يمكن أن يتفق على وجه الأرض منذ فجر الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يمكن أن ترى اثنين يتشابهان في كل الأمور، وفي كل الصفات، وفي المزاج، وفي التفكير، وفي الطبائع، لا يمكن، بل اللمحة العجيبة في ذلك أن الإبهام لا يمكن أن يتشابه فيه اثنان على وجه الأرض أبداً، تدرون متى يمكن أن يتشابه إبهامان على وجه الأرض، يقول العلماء: يحتمل أنه في حوالي أربعة وستين ملياراً من البشر، يمكن أن يتشابه إبهام اثنين من الناس، أي: لو وجد عندنا من البشر أربعة وستون ملياراً لعل اثنين منهم يتشابهون في الإبهام ولا يمكن أن يتشابه اثنان في الإبهام، وانظر إلى هذه العظمة ولذلك بعض العلماء يقول: هذه المعجزة لها إشارة في كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] قالوا: هذا هو المقصود.
﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ فقلنا: لو أن في أربعة وستين ملياراً من البشر يمكن أن يتشابه فيهم اثنان، مع أن البشرية كلها على آخر الإحصاءات يمكن ما تصل إلى أربعة مليارات، ليس أربعاً وستين ملياراً، هذا المخلوق، هذه النطفة الصغيرة أيها الأحبة! من يصدق أنه سيتشكل منها ذلك المخلوق الكامل الذي هيأه الله وخلقه فأحسن صورته، انظر إلى هذا الإنسان كم فيه من بدائع صنع الله تعالى، كم فيه من الإعجاز، انظر إلى البصر، انظر إلى العين وما فيها من الإعجاز، انظر إلى السمع وما فيه من تعرجات تحفظها، انظر إلى السائل المر في الأذن، انظر إلى العين كيف جعل الله تعالى فيها سائلاً مالحاً؟! انظر كيف جعل الله تعالى الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتسقلها وتدفع عنها الأقذاء، وجعل شعر الأجفان أسود ليساعد على استقبال الرؤية، وجعل كما ذكر ماء العين مالحاً وماء الأذن مراً وماء الفم حلواً؟! ولو أن ماء الفم على غير هذا الطعم، ما استطاع الإنسان أن يتلذذ بشراب على الإطلاق، وأعذب ماء في البدن الذي هو في الفم.
стр. 1247
إحصائيات علمية تبين عظمة خلق الإنسان
ثم انظروا -أيها الأحبة- إلى هذه الإحصائيات السريعة الموجزة في خلقنا نحن؛ لتروا عظمة الله وبديع صنعه في خلق هذا الإنسان! وفي حفظه منذ بدايته حتى ينزل إلى هذه الأرض ويفارقها! سبحان الله! ما أعظم خلق الله تعالى! نحن -أيها الأحبة- ما نتفكر في أنفسنا، الإنسان منا ينام لكن ما يفكر في ليلة من الليالي كيف ينام، الإنسان يفكر ويحتفظ في عقله بالصور العظيمة العجيبة ما يفكر في هذا العقل، ما يفكر في اليد، ما يفكر في بديع خلق الله تعالى فيها، ما يفكر في نفسه، ما يتأمل خلق الله .
دعونا نقف لحظات قصيرة جداً لنتأمل بعض سر الإعجاز في خلق الله تعالى للإنسان: وزن القلب حوالي ثلاثمائة واثني عشر جراماً، ينبض بمعدل سبعين نبضة في الدقيقة، أي: بمعدل مائة ألف مرة يومياً، هذا القلب، ينبض القلب الواحد في العام حوالي أربعين مليون مرة، تصور هذا الجهاز من حفظه، أي جهاز في الدنيا لا يمكن أن يعيش هذه المدة الطويلة بهذا الحفظ وبهذا الصون، مَنْ حفظه؟! وفي كل نبضة يدخل حوالي ربع رطل من الدم، ويضخ في يوم واحد اثنين وعشرين ألف جالون من الدم! -قد تستغربون، تقولون: هذا الشخص يمكن اليوم أتى بأشياء حلمها في الليل، هذا العلم أثبت هذه الأشياء، ليس من كيسي هذا العلم، هذا الطب، هذه الحقائق أتت حتى من غير المسلمين، هذا طب يفرض نفسه، ما هي اجتهادات ولا تخيلات، هذا علم- اثنين وعشرين ألف جالون من الدم، وحوالي ستة وخمسين مليون جالون على مدى حياة كاملة، يضخها القلب، فأي محرك يستطيع القيام بمثل هذا العمل الشاق؟! الدم الذاهب إلى الدماغ يعود إلى القلب في ثمان ثواني، بينما يعود الدم الذاهب إلى أصابع القدم في ثمانية عشر ثانية، وفي الدم خمسة ملايين كرية حمراء، في كل ملي متر مكعب واحد من الدم، خمسة ملايين كرية حمراء أي: تبلغ في مجموع الدم العام حوالي خمسة وعشرين مليون كرية حمراء.
وتفرش هذه الكريات سطحاً مقداره ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسين متر مربع، وإذا صفت كريات الدم الحمر التي في بدن واحد بجانب بعضها البعض، أي: لو أتينا إلى الكريات الحمر في إنسان وصففناها بجانب بعضها البعض كم تتصورون أنها تمتد؟ كم يكون طولها؟ لو صفت بجانب بعضها البعض فإن مجموع هذه الكريات ينشئ طولاً يغلف الكرة الأرضية ستة أو سبع مرات، وتمشي الكرية الحمراء في رحلتها لنقل الأكسجين ألف ومائة وخمسين كيلو متر في عروق البدن، يحوي الجسم البشري أكثر من ستمائة عضلة، وأكثر من مائتي عظم، وتحوي العضلة المتوسطة الحجم على عشرة ملايين ليف عضلي، في كل يوم يتنفس الإنسان خمسة وعشرين ألف مرة، يسحب فيها مائة وثمانين متر مكعب من الهواء، يتسرب منها ستة أمتار ونصف متر مكعب من الأكسجين إلى الدم، عمل العضلات مجتمعة في اليوم يساوي ما حمولته عشرون طناً -عمل عضلات جسم الإنسان الواحد يساوي ما حمولته عشرون طناً- في المعدة حوالي خمسة وثلاثين مليون غدة للإفراز، في الدماغ ثلاثة عشر مليار خلية عصبية، ومائة مليار خلية دبقية استنادية تشكل سداً منيعاً لحراسة الخلايا العصبية من التأثر بأية مادة، في العين الواحدة حوالي مائة وأربعين مليون مستقبل للضوء، في العضو الذي يمثل شبكية الأذن حوالي ثلاثين ألف خلية سمعية لنقل كافة أنواع الأصوات، وهذا إعجاز أيضاً، لو تسمع ألف صوت من أول ما يكلمك الشخص تعرف صوته، من الذي أعطاك هذا التمييز تعرف صوت هذا من صوت هذا؟! في الدم الكامل خمسة وعشرين مليون مليون كرية لنقل الأكسجين، وخمسة وعشرين مليار كرية بيضاء لمقاومة الجراثيم ومناعة البدن، ومليون مليون صفيحة دموية لحفظ الدم ضد النزف وإيجاد التخثر في أي عرق نازف.
ومما يذكر هنا أن الكريات الحمر تقوم بنقل ستمائة لتر من الأكسجين لخلايا الجسم كل أربع وعشرين ساعة، يعتبر الكبد أكبر غدد البدن، ويزن ألف وخمسمائة غرام، وفيه من الخلايا ثلاثمائة مليار خلية، في الكبد وحده! يمكن أن تتجدد هذه الثلاثمائة مليار كلياً خلال أربعة أشهر، الكلية تزن مائة وخمسين غراماً فيها مليون وحدة وظيفية لتصفية الدم، ويرد إلى الكلية في مدة أربعٍ وعشرين ساعة ألف وثمانمائة لتر من الدم، يضخ القلب حوالي ثمانية آلاف لتر من الدم، داخل الجملة الدورانية التي تمتد في جسم الإنسان حوالي مائة وخمسين كيلو متر.
هذه أيها الأحبة! حقائق عظيمة، وكما ذكرت قد يستغرب الإنسان ومن يتصور أن هذا جزء يسير؟! والله ما أتيت إلا بغيض من فيض، وهذه الأشياء يسيرة جداً، وإلا فهذا المخلوق مخلوق عظيم عجيب، من يتصور أن هذا كله موجود في هذا الكائن الحي، في هذا الإنسان؟ فمتى تفكرنا -أيها الأحبة! - في بديع صنع الله تعالى، وفي عظمة خلق الله تعالى لنا؟ إن التفكر في الإنسان -أن يتفكر في نفسه- من أعظم الأشياء التي تقوده إلى معرفة الخالق، وإلى توحيد الله تعالى، وإلى إجلال الله تعالى، وإلى زرع مهابة الله تعالى في قلب الإنسان وفي صدره:
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى عالم أكبر
فمن الأمور التي يفكر فيها المسلم أن يتفكر في نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
وإلى غير ذلك من الآيات العظيمة، وأنا في الحقيقة أعلم أنكم ما أتيتم إلا حباً في الشيخ؛ لذلك اعتذر إن كُنت أخذت شيئاً من وقته ووقتكم، وأسأل الله العلي القدير أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأترك المجال إلى الشيخ سعيد حفظه الله، فليواصل مشكوراً مأجوراً.
стр. 1248
التفكر في نعم الله على العبد
الشيخ/ سعيد بن مسفر شكر الله لك، وأثابك الله، ونسأل الله أن يجعل في هذه الإحصاءات ما يقوي إيماننا بالله ، وهذا أمر شرعي ندب إليه القرآن، يقول الله : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥].
لأن نظرتك هذه تبعد عنك الخيلاء والكبرياء، وتعرف أصلك أيها الإنسان، ثم نظرتك في خلق الله، وكيف خلق الإنسان: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢١ - ٢٢].
هذه تجعلك تؤمن عن يقين وتقول في ثقة: أشهد أن لا إله إلا الله، وإلا فمن خلقك؟ إن لم يكن ربك الذي خلق كل شيء من خلقك؟ الملاحدة ينسبون خلقك إلى الطبيعة، ما هي الطبيعة؟ الأرض التي تدوسها بقدمك تخلق؟! الأرض الصماء البكماء العمياء تمنحك السمع والبصر والعقل؟! لا والله، ما خلقنا إلا الله .
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
فنشهد أن لا إله إلا الله شهادة من أعماق قلوبنا، ونشهد أن محمداً رسول الله، ونشهد أن هذا هو الحق، وأن الدين هو الحق، وأن البعث هو الحق، وأن كلما جاء به كتاب الله حق، وهذه نتيجة كما سمعتم في سورة الحج في آية البعث، يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧] هذا هو مجال النظر في مخلوقات الله.
التفكير الثالث: التفكير في نعم الله عليك أيها الإنسان، وهذه ضرورة؛ لأنك إذا ذكرت نعم الله حصلت لك المحبة لله، فالذي ينعم عليك هو الله، وما من نعمة تمر عليك إلا والله مجليها ومسديها: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:٥٣ - ١٨].
نعمة الخلق والإيجاد، نعمة الرزق والإمداد نعمة العافية والإسعاد نعمة الإيمان، كل النعم من الله ﵎، فإذا تفكرت فيها، وعرفت هذه النعم، حصل لك حب منعمها ومسديها، وطريق النظر أن تنظر إلى من هو دونك، طريق معرفة نعم الله عليك أن تعرف وتنظر إلى من هو دونك في النعمة، لحديث النبي ﷺ : (انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أحرى ألا تزدروا نعمة الله).
إذا كنت في بيت متواضع فانظر إلى الذين يستأجرون، وإذا كنت تركب سيارة فانظر إلى الذين يمشون، وإذا كنت معافى فانظر إلى المرضى، وإذا كنت طليقاً في حرية فانظر إلى السجناء، وإذا كنت في وظيفة فانظر إلى العاطلين، المهم أنك تنظر إلى نعم الله التي تحل بك وحرمها غيرك، مثلاً إذا معك سيارة طراز (٩٠) لا تنظر إلى سيارة طراز (٩٣)؛ لأنك تقول: سيارتي قديمة، لكن طالع في الذي معه (٨٣) أو (٧٠)، تقول: والله سيارتي أحسن من غيري، فأنت أحسن من غيرك؛ لأن الناس يتفاضلون في النعم من أجل عمارة الكون، يقول الله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] هذا المجال الثالث وهو النظر في نعم الله.
стр. 1249
التفكر في النفس البشرية
المجال الرابع من مجال الفكر: النظر في النفس البشرية، ودناءتها كما يقول ابن القيم: النفس دنيئة وطبيعتها أنها أمارة بالسوء، ما هي آمرة، بل أمارة، وأمارة هنا صيغة من صيغ المبالغة، لا تأمر مرة، بل تأمر باستمرار، فإذا عرفت طبيعة نفسك كثفت جهدك لمحاربة نفسك، النفس تكره القيود، النفس تحب الدعة، تحب الخمول، ما تحب الالتزام في شيء، انظر إلى نفسك الآن إذا وقفت في الصلاة لمدة عشر دقائق كيف تشعر بضيق وقلق، لكن إذا خرجت السوق وجلست أربع ساعات تجوب الأسواق ما تشعر بتعب، أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن هذا قيد وهذا فيه (فلتة).
انظر إذا جلست في محاضرة ساعة، عينك كل قليل في الساعة، متى تكمل هذه المحاضرة، لكن انظر إلى اللاعبين والمشاهدين لملاعب الكرة، إذا انتهى الوقت الرسمي للمباراة يتمنون أن يكون تعادلاً؛ من أجل أنه يكون تمديد للمباراة ووقت إضافي، خاصة إذا كانت المباريات بالخروج المغلوب؛ وأنا أعرف هذا الكلام قد عشت فيه سنين، يقولون: نريد نصف ساعة، ويتمنون أيضاً أنه ينتهي الوقت الإضافي بالتساوي من أجل ركلات الجزاء، يريدون أن يطول الوقت، لماذا؟ لأنه (كلام فاضي) إنما الجد التي تعيشه النفس في محاضرة أو في سماع شيء طيب في حصة دراسية، والحصة الدراسية (٤٥) دقيقة وعين الطالب كل وقت في الساعة، وكذلك المدرس، وكل واحد ينتظر متى يسمع الصفارة؛ لأنها قيد في مصلحة، لكن لو كان لعباً، لا أحد يريد أن يقوم، يجلسون على الورق من بعد صلاة العشاء إلى الفجر ولا يحسون بتعب، هذه النفس هكذا! ما مسئوليتك؟ مسئوليتك أن تفكر كيف تؤدب هذه النفس؟ كيف تسوقها إلى الله في بساط الخوف من الله؟ كيف تأخذ عليها؟ لأن نفسك إما أن تسيطر عليها أو تسيطر عليك، إن أرغمت نفسك وسخرتها، ولهذا جاء في الحديث: (الكيس من دان نفسه) إذا سخرتها بقوة الشرع حملتك إلى طريق الله، أما إذا سيطرت عليك هي وأصبح البعيد حمار نفسه، هذا تقوده نفسه إلى النار، ولهذا يقول الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
ويقول : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: نفسه ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] ما هناك نظر، لا يوجد اعتبار، أنت إذا أردت أن تصلي صلاة الفجر تأتيك النفس تحدثك: ارقد بقي وقت، تقول لها: لا.
كلما أوحت إليك نفسك بتأخر عن طاعة أو بتحفزٍ إلى معصية فاعلم أنها من النفس الأمارة بالسوء، جاهدها، كم يستمر جهاد النفس؟ يستمر جهاد النفس فترة إلى أن تشعر نفسك أنه ليس لها سيطرة عليك، وأنك رجل راجح العقل، ما تطيعها أبداً، تقوم تنتقل إلى مرتبة ثانية اسمها اللوامة، ثم بعد ذلك تسوقها إلى أن تصبح نفسك مطمئنة، تطمئن أي تسكن إلى الله، لا تريد إلا طاعة الله، ما تريد إلا الصلاة، ما تريد إلا المسجد.
فإذا جاهد الإنسان نفسه حتى تطمئن على طاعة الله، وتصبح طاعة الله قرة عين الإنسان، ويحبب الله إليه الإيمان، كما قال ﵊ في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) هناك يستمر على هذا حتى ينتهي أجله، ثم يدعى الدعاء الخالد، الدعاء الرباني، المبشر بالجنة، والذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] راضية في ذاتها، مرضي عنها من قبل خالقها وبارئها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٩ - ٣٠].
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
فهذه النفس يا أخي الكريم! لا بد أن تقف منها موقفاً جاداً، احذر أن تلعب عليك نفسك، أو أن تخدعك، أو أن تزين لك الباطل، أو أن تكرهك في الحق، قاومها إلى أن يسهل عليك قودها.
يقول ابن القيم: إن النفس كالجواد.
والجواد حينما تريد أن تدربه لا بد أن تأخذه بقوة إلى أن يمشي، أما إذا أخذته من غير عسف فإنه سوف يرميك، ولا بد أن يعسف الجواد، يعسف أي: يدرب على المشي والسباق، وهذه النفس لابد أن تدربها على السير في طاعة الله.
стр. 1250
مقطوعة شعرية يلقيها الزهراني
حقيقة إنه لا بد من الاستعداد؛ لأن هذا شيء معروف، فالشعر له في النفوس منزلة كبيرة وما أذكر أني وقفت موقفاً إلا طلب مني شعر، وهذا لا يستغرب؛ لأن أمة العرب كما يقولون: أمة شاعرة، والعربي لا يخلو من رجلين اثنين: إما أن يكون شاعراً، أو متذوقاً للشعر، وجدت في جيبي مقطوعة من آخر القصائد أسمعكم إياها، وأسمعكم جزءاً من قصيدة أخرى.
أما المقطوعة فكانت في أمسية شعرية في مكة المكرمة في ثانوية أبي زيد الأنصاري لتحفيظ القرآن الكريم، فكتبت مجموعة أبيات سميتها رسالة إلى أبي زيد الأنصاري وهو من حفاظ القرآن الكريم وممن جمع القرآن:
طاب اللقاء بين أحباب وسمارِ وآن لي أن أبث اليوم أشعارِ
يا فتية الحق أنتم فجر نهضتنا أنتم لأمتنا كالكوكب الساري
يا من وعيتم كتاب الله طاب لكم أنساً وفخراً ونلتم خير تذكارِ
أنتم فخار لنا أنتم سعادتنا وليس أصحاب طنبور ومزمارِ
أمجادنا بـ أبي زيد وحنظلة بـ مصعبٍ وابن مسعودٍ وعمارِ
كم من وسام أبا زيد ظفرت به مجاهد، حافظ، والفرع أنصاري
نلت الهدى من رسول الله فزت به غضاً طرياً كمثل السلسل الجاري
إن بات غيرك في غيٍّ وعربدة وفي خمول فأنت الساجد القاري
نم يا أبا زيد مسرور الفؤاد فما زالت جحافلنا تمضي بإصرار
هم فتية عشقوا نشر الهدى وأتوا من قرب مسرى رسول الله والغار
ساروا على نهجه الميمون في ثقة وأعرضوا عن طريق الذل والعار
وهذه قصيدة عن العميان نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المبصرين في الدنيا والآخرة، كنت في اجتماع لبعض الأطباء عن مكافحة العمى في العالم الإسلامي، فطلبوا مشاركة فقدمت هذه القصيدة، بدأتها طبعاً بذكر بعض أخبار العمى، ثم آخر القصيدة حول الموضوع الذي كانت حوله تلك الندوة وذلك اللقاء، لكن لضيق الوقت أقتصر بمقطع من أول القصيدة على حسب ما أحفظ منها:
قالوا بلا بصر يمشي فقلت لهم عمى البصيرة أقوى من عمى البصرِ
إن العمى أن ترى النهج القويم فلا تمشي إليه وتبقى حائر الفكرِ
إن العمى أن يعيش القلب في شُبَهٍ كظلمة الليل في غيٍ وفي نكرِ
إن العمى أن ترى الإنسان مظلمة حياته عاش بين الكأس والوترِ
إن العمى أن ترى العينين مبصرة لكنها من هدى الباري بلا بصرِ
وانظر عماية من ضلوا وما انتفعوا بأعين ماثلتها أعين البقرِ
عين ترى كل ما في الأرض وامتنعت من نور خالقها يا خيبة النظرِ
ليس التقى مظهراً أو حسن هندمة وليس في أعين فتانة الحَوَرِ
إن التقى أن يعيش القلب ممتلئاً بنور مولاه يأبى ظلمة الخَوَرِ
وأفضل الناس عند الله أعظمهم تقوى فما قيمة الأشكال والصورِ
قد عاتب الله خير الناس في رجل أعمى وخلده في الآي والسورِ
وكم إمام لنا قد كان ذا ضرر في أول العمر أو في آخر العمرِ
كان ابن عباس أعمى وهو عالمنا وترجمان الهدى فاسأل عن القمر
قتادة وعطاء سادة النجب والترمذي الذي قد ساد في الأثر
والعكبري وأبو حيان والذهبي والشاطبي الذي قد جاء بالدرر
وذو المصنف فانظر في مصنفه لهو ابن حنبل كم يلتذ بالسفر
أئمةٌ كثرٌ لم يحصهم قلمي وجف عن ذكر أمجاد لهم حبري
وانظر لباز التقى والعلم تبصره بدون عينين قد أربى على البشر
عبد العزيز الذي تهفوا النفوس له وتشتري نظرة في وجهه النَّضِر
كالبحر في علمه السامي وذو خلق كالمسك كالعنبر الفواح كالزَهَر
وقبله ابن حميد فارس بطل مضى وسيرته من أطيب السير
أنار بالعلم أنحاء الديار وما حال الـ ـعمى دون حسن الرأي والفكر
رأى بنور الهدى ما غاب عن مقل النور للقلب ليس النور للبصر
فرحمة يا إماماً عاملاً ورضاً يغشاك يا طيب الأنفاس والأثر
إن كنت فارقتنا جسماً فما برحت روح التقى والهدى معطاءة الثمر
ما مات من خلف الأبطال قد نهلوا من حسن تأديبهم من منهل عطر
وقبلهم شيخهم مفتي الديار فهم مثل النجوم وذاك الشيخ كالقمر
الشيخ ابن إبراهيم ﵀، هؤلاء كلهم عمي، لكنهم أُسُوْد، عمي لكنهم أبصروا بنور الله تعالى.
وقبلهم شيخهم مفتي الديار فهم مثل النجوم وذاك الشيخ كالقمر
ذاك الهزبر إذا ما صال صولته رأيت أعداء دين الله كالهرر
شيخ أبي قوي في مبادئه وكل زيف وضعف فهو منه بري
انظر فتاوى التقى ما كان يصدرها ممزوجة بانهزام النفس والخدر
أئمة صبروا بالعلم واشتهروا ما ردهم ضرر عن قمة الظفر
الطيب معدنهم والنصح ديدنهم نعم الرجال فهم فخر لمفتخر
بشرى لمن عاش والقرآن قائده يمشي به في دروب الخير والظفر
يا أمة غفلت عن درب عزتها ما بالها انغمست في الوحل والمدر
يجدُّ أعداؤنا في دعم باطلهم ويبذلون ملاييناً بلا حذر
حتى عمى العين نالوا منه بغيتهم بموفد بثياب الرفق مستتر
الرفق ظاهرهم والمكر مبدؤهم أحفاد نقفور كلب الروم والتتر
يعالجون عمى العينين كي يصلوا إلى عمى القلب يا للمبدأ القذر
كم أدمغ غسلوا كم درهم بذلوا وهم وما بذلوا في أمهم سقر
وأكتفي بهذا القدر والقصيدة موجودة ومسجلة، وحتى إن الإخوة أحرجوني أن أسجلها بصوتي، فهي مسجلة وموجودة في أمسية جديدة هي في طريقها إليكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1251
ماذا أجبتم المرسلين ؟
إن الله خلق العباد لمقصد نبيل، وغاية كريمة، ألا وهو عبادة الله سبحانه، ولذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبناء على ما قدم في حياته توجه إليه الأسئلة وهو ما زال في قبره، ثم يوم القيامة يسأل مرة أخرى وبشكل مفصل عن كل ما عمل وقدم، فإن كان خيراً بشر به عند الموت، وذاق بعض نعيمه في حياة البرزخ، وإن كان عمله شراً بشر به عند الموت وذاق بعض عقابه في حياة البرزخ، ولذلك وجب على العباد الفرار إلى الله سبحانه، والتوبة إليه.
стр. 1252
طريقك نحو العلم والدعوة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله! أنفاس هذه الحياة معدودة، وساعاتها محدودة، ونفس يذهب فلا يعود، وساعة تمشي ولا ترجع، وأهوال تنتظرك -أيها الإنسان- يوم القيامة:
يوم عبوس قمطرير هوله فيه تشيب مفارق الولدان
فاتقوا ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٧ - ١٨] وهناك أسئلة واختبارات صعبة جداً لا ينجح فيها إلا من ثبته الله ، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المثبتين في الدنيا والآخرة.
والناس في هذا الزمان -وفي كل زمان- الكثير منهم شغلوا أنفسهم أو تشاغلوا بما لا ينفعهم في الآخرة، وهذا من الفضول أن تشتغل بشيء لا ينفعك دنيا ولا آخرة، ويسميها العلماء علوم الفضلة التي الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع، إن علمت بها لم تنتفع، وإن جهلت بها لم يحصل عليك ضرر، وغالب الخلق في هذا الزمان ضالون بناءً على كيد من الشيطان ومكرٍ منه واستدراجه؛ لأنه العدو اللدود الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين، وأن يقعد لهم صراط الله المستقيم، وأن يأتيهم من بين أيدهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.
هذا الشيطان سول للناس وأملى لهم، وزين لهم قضية تضييع الأوقات في ما لا ينفع، وهناك أمثلة كثيرة مما يضيق الوقت عن الحديث عنه، ولكن مثال واحد وهو ما تعود الناس أن يقرءوه في كثير من الصحف والمجلات ما يسمونه بالكلمات المتقاطعة، في جريدة أو مجلة يتعب الإنسان عقله ويجهد فكره في البحث عن هذه الكلمة أفقية كانت أو رأسية، وثم الكلمات التي توضع في هذه المربعات كلها مما لا ينفع بل ربما العلم بها يضر عندما يأتيك ستة مربعات ويقول: النصف الأول من اسم مغنٍ أمريكي مشهور، فما يهمك من اسم كافر ينعق في أقصى أرض الله؟! فتجهد نفسك على هذا السؤال الفارغ على أن تتعرف على أسماء المغنيين الأمريكيين حتى تصبح عندك أرصدة كبيرة من الثقافة بحيث إذا سئلت عن النصف الأول من اسم هذا المغني الكافر عرفته، وبعضهم يقيس ثقافته على مقدار قدرته على حل هذه الكلمات المتقاطعة، وإذا استطاع في النهاية حلها رفع رأسه تيهاً وعجباً وفخراً أنه استطاع أن يحلها، ولو سألته عن آية في كتاب الله أو حديث من أحاديث رسول الله ﷺ أو مسألة علمية من مسائل الفقه الإسلامي لوجدته أجهل من حمار أهله، ولكنه في الكلمات المتقاطعة يفهم، هذه الكلمات المتقاطعة الجهل بها لا يضر والعلم بها لا ينفع.
والله قد أخبرنا عن الأسئلة التي ستكون لنا حتى نستعد لأدائها والإجابة عليها يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] هذا هو السؤال الهام: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص:٦٦] عميت عليهم، اسودت في وجوههم، أظلمت أفكارهم؛ لأنها أخبار عجيبة، أخبار كانوا في غاية من الضلال عنها، لم يكونوا يرفعون بها رأساًَ، وما كانوا يحاولون أن يتعرفوا عليها بل كان همهم في غيرها، فهنا أصبحوا عمياً عنها، لما كانوا عمياً عنها في دين الله في الدنيا قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] وأيضاً يقول : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] فالسؤالان هما: ماذا أجبت المرسَل؟ أي الرسول ﷺ ، وماذا كنت تعمل؟ وجواب الأول هو: متابعة النبي ﷺ بتجريد المتابعة له، وجواب الثاني وهو ماذا كنتم تعملون؟ بتجريد عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
وهناك سؤال ثالث يقول الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤] تسألون عن هذا الذكر أي: القرآن، تسألون عن هذا الكتاب الكريم الذي أنزله الله نوراً وهداية للعالمين، تسألون عنه: عن حلاله وحرامه، وعن آياته وحدوده، وعن كل ما أمر الله به، وعن كل ما نهى الله عنه، وعن كل ما قص الله من خبر، وكل ما جاء فيه من حقائق: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
فستُسأل -يا أخي- عمن كنت تعبد؟ وماذا أجبت الرسول ﷺ ؟ وعن هذا القرآن الكريم؟ والناس -وخصوصاً بعض الشباب- الذين وفقهم الله وهداهم وأقامهم على الصراط المستقيم ونور بصائرهم يشعرون ببعض الفراغ، وأيضاً لديهم حماس وتطلعات لخدمة الدين، ويريدون أن يقفزوا قفزاً، وأن يتجاوزوا أكثر من أحجامهم فيصبحون (كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).
стр. 1253
البداية في تعلم العلم الشرعي
يشكو عليَّ أحدهم فيقول: ثم ماذا يا شيخ؟! أنا كل يوم في ندوة، فمرة عند الشيخ عائض القرني وليلة أخرى في ندوة المسجد هذا، وأسمع المواعظ ثم ماذا أعمل؟ قلت له: هل حفظت القرآن؟ قال: لا.
قلت: وهل عرفت شيئاً! وأنت تجلس عند الشيخ القرني طوال سنة ونصف؟ وهل حفظت حديثاً بسنده وبجميع تفاصيله وأقوال العلماء فيه وشروحه وأحكامه ومستنبطاته؟ فقال: لا.
قلت: أنت الآن تريد أن تتجاوز أكثر من وضعك، أول شيء في مراحل التكوين الإيماني للمؤمن هو التدعيم بقوى العلم، وأنتم تعرفون عندما تقرءون سير السلف من صحابة النبي ﷺ ومن التابعين وتابعي التابعين، ومن الصالحين، ومن أئمة الدين إلى يومنا هذا، أول ما يبدأ الإنسان في بناء نفسه عن طريق العلم فيحفظ القرآن كله، ولا نريد حفظاً كما يحصل الآن في بعض مدارس تحفيظ القرآن الكريم يحفظون في المدارس الرسمية أو المدارس الخيرية وينسون، مثل القربة تصب فيها من الأعلى وهي مخروقة من الأسفل، فلو جلست تصب فيها من يوم خُلقت إلى أن تَموتَ لا تجد فيها قطرة؛ لأنها مخروقة.
فكثير من الناس يحفظون وينسون، لكن الجد كل الجد في أن تحفظ وتحتفظ، تحفظ السورة وتحتفظ بها، ولا تحتفظ بالسورة إلا إذا داومت عليها وأكثرت مراجعتها وكررتها، ثم بعد أن تكمل القرآن تظل باستمرار الحال مرتحلاً؛ ترتحل من آخر القرآن وتحل في أوله، وما دمت على هذا الوضع مع القرآن، يزداد إيمانك، وتتنور بصيرتك، ويثبت الله قدمك، ويجعل الله لك مجالاً في دين الله لا يمكن أن تتصوره إلا عن طريق القرآن الكريم، أما أن تسأل وتقول: وبعد ذلك ماذا أعمل؟! وأنت ما حفظت ولا جزءاً واحداً من القرآن الكريم؟ فهذا دليل على أنك ما فهمت إلى الآن ما هي مقومات بنائك الإسلامي.
ابدأ! أولاً: إن كنت قد حفظت القرآن ممن يسر الله لك الحفظ في مدارس تحفيظ القرآن الكريم فراجع محفوظاتك، وإن كنت لم تحفظ القرآن فابدأ بحفظ المفصل من سورة (ق) إلى سورة الناس، ابدأ بحفظ المفصل حفظاً جيداً واستوعبه حتى تهضمه بحيث يكون زادك الذي تقرأ به في كل مناسبة؛ لأن بعض الشباب تقول له: صل بالناس في صلاة الفجر يقول: لا أدري ما أقرأ، لا يدري ماذا يقرأ من القرآن! وإن كان قد حفظ فليس حفظاً متقناً وما حفظه ينساه.
فلا بد أن تستوعب المفصل كاملاً، ثم بعد ذلك تراجع تفسيره في أشهر التفاسير وأيسرها ومختصرها بحيث تعرف أحكامه، وتعرف أسباب نزوله، وتعرف مكيه من مدنيه، وتعرف الآيات التي تدل على أحداث معينة، بعد ذلك إذا أردت المزيد وكان عندك طاقة أكبر خذ البقرة وآل عمران، ثم انتق من السور، ألا تستطيع أن تحفظ مثل سورة الكهف والإسراء ومريم وطه وغافر ويس والصافات والدخان وجميع السور التي وردت فيها فضائل معينة؟ احفظها، فإذا حفظت كل هذه السور بقي عليك عملية تربيط بينها، بحيث السورة التي حفظتها هنا وهذه ما حفظتها تربط بينها بسورة واسطة وبعد فترة من الفترات ستجد نفسك بعد سنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس سنوات وإذا بك حافظ للقرآن الكريم عن ظهر قلب، لكن إن بقيت على الوضع هذا بدون محاولات ستمر عليك عشرات السنين وأنت على عهدك ما تغيرت ولا حفظت شيئاً، ومرت عليك السنون، وضيعت عمرك في غير فائدة، هذا بالنسبة للقرآن الكريم.
стр. 1254
البداية في تعلم السنة
أما بالنسبة للسنة المطهرة: ابدأ بالحفظ فيها، وأول ما تبدأ في حفظ الصحاح لتكون ثقافتك مبنية على صحيح كلام النبي ﷺ ، بحيث تثق من نفسك بأنك تتكلم في أي موطن أو أنك تستشهد بأي حديث أنك لا تستشهد إلا بالحديث الصحيح، والصحيحان قد جمعا في كتاب واحد من مجلدات ثلاثة اسمه: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، والمؤلف ﵀ اقتصر على رواية مسلم؛ لأن كل حديث عند البخاري وعند مسلم يأتي بعدة روايات إما عند مسلم رواية أو روايتان أو عند البخاري رواية أو روايتان أو ثلاث أو أربع مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ورد فيه عدة روايات، لكن المؤلف ﵀ الذي ألف هذا الكتاب ألفه واقتصر على الرواية المشهورة المتكاملة بأشهر الروايات وجاء بها، وذكر لك الباب والكتاب في الصحيحين بحيث إذا أردت أن تراجع في الفتح أو في شرح مسلم أو أن تراجع في أي كتاب من كتب الحديث فإنه يسهل عليك، فابدأ في حفظ كتاب اللؤلؤ والمرجان، واجعل لنفسك برنامجاً معيناً كأن تحفظ في كل يوم حديثاً واحداً وتراجعه، فيكون في الأسبوع سبعة أحاديث، في يوم الجمعة تراجعها جميعها، يصبح في الشهر ثلاثين حديثاً وفي آخر يوم من الشهر تراجع الثلاثين حديثاً.
تجد نفسك بعد شهر وإذا بك عالم من علماء الأمة الإسلامية، ينصر الله بك الدين، ويفتح الله بك القلوب وينور بك الأبصار؛ لأنك أصبحت إنساناً معبأً بالثقافة الإيمانية الممثلة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، وبهذا تعرف كيف تقضي وقتك ولا تشعر في يوم من الأيام بأنك في فراغ أو أنك تحتاج إلى من يقول لك: ثم ماذا؟ لأن هذا الذي يقول: ثم ماذا؟ مشى إلى أن وصل في منقطع أو في فلاة ولم يعلم أين يتجه، فهذا أخطر شيء على الإنسان، كأنه في مفترق طرق أو أنه في دويرة لا يعرف أين اتجاهه، الذي يقف تائهاً يسهل على أي شخص أن يقتنصه يقول: تعال من هنا، لكن عندما يكون منوراً بالقرآن ومنوراً بالسنة وبالثقافة الإسلامية الأصيلة المقتبسة من كتاب الله ومن سنة رسول الله يتضح له الطريق؛ لحديث النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) ويقول: (تركتكم على المحجة البيضاء -أي: الطريق الواضحة التي ليس فيها غبش- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
هذه مقدمة أردت أن أجيب عليها إجابة عامة على السؤال الذي ذكره لي أحد الإخوة لتكون الفائدة عامة أسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.
стр. 1255
ثبوت عذاب القبر ونعيمه
عذاب القبر ونعيمه: الإيمان به جزء من عقيدة المؤمن، فعقيدة أهل السنة قائمة على الإيمان به، وأنه حق، والأحاديث الواردة فيه متواترة عن النبي ﷺ .
يقول ابن أبي العز في كتابه شرح الطحاوية: تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لهذا أهلاً أو لذاك أهلاً نسأل الله أن ينجينا من عذابه وأن يجعلنا من أهل رحمته ورضوانه.
وأيضاً سؤال الملكين: هذا ثابت بالأحاديث المتواترة، فيجب على المسلم المؤمن اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به والجزم والقطع به، ولا يتكلم في الكيفية، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له، وليس مما يلاحظ بالجوارح والحواس في هذه الدار، والشرع لا يأتي أبداً بما يستحيل على العقل، بل إن الشرع يأتي بما تحار به العقول أما تحيره فلا، فإن عودة الروح إلى الجسد بعد مغادرتها له عودة ليست كالعودة المعهودة لها في الدنيا، بل تعاد إليه إعادة تختلف كل الاختلاف عن الإعادة المألوفة في هذه الدار.
стр. 1256
اختلاف خروج الروح عند النوم عن خروجها حال الموت
فالروح تخرج من الإنسان مرتين: مرة عند النوم ومرة عند الموت، فتخرج من الإنسان عند النوم ولكنها لا تذهب بعيدة بل تكون قريبة بحيث إذا أردتها تأتي.
أما الخروج النهائي فهو عند الموت تخرج ولا تعود في هذه الدار، تعود في مرحلة ثانية من مراحل هذه الحياة وهي بعد الموت في القبر، وعودتها هناك تختلف عن عودتها في الدنيا، يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] أي: والتي لم يقض الله عليها بالموت يتوفاها أيضاً في منامها: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ويقول الإنسان عندما يستيقظ من نومه: (الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور).
ويقول أحد العلماء وهو يمثل لهذه القضية: إن الروح في خروجها عند النوم وفي خروجها عند الموت مثلها مثل الموظف الذي يترك العمل في إجازة والذي يترك العمل في استقالة وطي الكشف، فالذي يترك العمل في إجازة يترك عنوانه عند العمل بحيث إذا حصلت طوارئ أو حالة استدعاء عاجلة يتصلون به فيأتي؛ لأنه لا زال في العمل ولا زالت رابطة الوظيفة قائمة بينه وبين إدارة عمله، ولذا إذا أرادوه أن يأتي ولو كان في إجازة يقطعون إجازته، ولو كان في عمل لا يستطيع أن يقول: لا، بل يجب عليه أن يأتي؛ لأنها إدارته، أما المفصول نهائياً أو المطوي قيده تنتهي صلته بالوظيفة، ويستلم حقوقه، وينهي جميع التزاماته في هذه الوظيفة، ولو دعوه بعد ذلك يقول: ليس لي علاقة بكم! فالإنسان إذا نام تخرج روحه وتجلس قريباً من جسده، لماذا تخرج؟ قال العلماء: تخرج الروح ليرتاح الجسد؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يرتاح إلا بغياب الروح، ولو بقيت الروح مع الإنسان ولم ينم فإنه لا يرتاح، ولذا الإنسان إذا أراد أن ينام وأتى من عمل أو دوام أو سفر وهو متعب ومنهك ومحطم القوى ويريد أن ينام، فإنه لا بد من خروج روحه في النوم حتى بعد ساعتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو ست ساعات حسب ساعات النوم توقظه، وإذا به مرتاح جداً ولم يعد هناك أي تعب ولا ألم ولا شيء.
لكن! إذا أردت أن يرتاح على السرير ليس خمس ساعات بل عشرين ساعة، ولكن بدون نوم كلما نام أيقظته هل يرتاح؟ تقول له: حسناً! استرح لكن لا تنام! هل يرتاح؟ بل يتعذب رغم أنه مستلقٍ على السرير وجسمه مرتاح، ولا يؤدي أي دور لكن الروح موجودة، الراكب موجود على المركوب، والمركوب لا يستطيع أن يرتاح والراكب عليه، هل تستطيع إذا سافرت في سفر ومعك حمار أو جمل ثم أردت أن تنام فهل تنام على ظهر الحمار؟ لا يمكن -أبداً- بل يجب عليك أن تنزل من على ظهر الحمار، وتنزل العفش لكي يرتاح الحمار أو الجمل، ليمكنك السفر عليه مرة ثانية، والناس هكذا كلهم.
في القديم إذا سافروا ووصلوا إلى مكان معين فإنهم ينزلون وينزلون عفشهم من على دوابهم من أجل أن ترتاح دوابهم.
كذلك سيارتك هذه عندما تصل في مكان معين وتريد أن تنزل فهل تجعلها شغالة أم تطفئها؟ تطفئها، لكن إذا وقفت سيارتك وذهبت تنام وجعلتها شغالة إلى الصباح تأتي وقد انتهى الوقود وانفجر المحرك.
стр. 1257
ثبوت عذاب القبر ونعيمه بالدليل العقلي
وكذلك هذا الإنسان لا يمكن أن يرتاح جسده إلا في ظل غياب روحه، فخروج الروح من الجسد إلى القبر أو إلى النوم يختلف هذا عن هذا فهذا اختلاف جوهري كلي؛ لأن الاختلاف هنا شيء غير معتاد على ما ألفت عليه الروح في هذه الدنيا.
وقال صاحب الطحاوية في موضع آخر: اعلم أن عذاب القبر هو عذاب الفترة البرزخية الواقعة بين موت الإنسان وبعثه منذ أن يموت إلى أن يبعث.
هذه فترة اسمها البرزخ فترة حياة القبور، وكل من مات وهو يستحق عذاباً ناله نصيبه من العذاب، أو كان يستحق نعيماً ناله نصيبه من النعيم قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً، ولو نسف في الهواء أو صلب على الأخشاب أو عُلق في المشانق أو غرق في البحار وأكلته الحيتان أو كان في أي مكان فإن العذاب يصل إلى روحه وإلى بدنه كما يصل إلى الإنسان المقبور في القبر كيف؟ لا ندري، هذا عالم آخر اسمه (عالم البرزخ) لا نعرف حقيقته، ولكن يجب علينا الإيمان بحقائقه التي تواترت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، والذي يريد أن يعرف حقائق ما بعد هذه الحياة فإنه إنسان يريد أن يحمل عقله ما لا يتحمل، كعقل الطفل الذي في بطن أمه ويريد أن يعرف حقائق الحياة وهو لا زال في بطن أمه، لا يمكن حتى يخرج إلى الحياة ويكبر وينمو ويبلغ سن التكليف ويعرف الكثير في الدنيا.
كذلك الإنسان لا يعرف ما في القبور إلا إذا دخلها، يعرف هل فيها نعيم أو جحيم -نعوذ بالله وإياكم من الجحيم- وما ورد من السؤال في القبر، وما ورد من الاختلاف للأضلاع والضغطة للميت كل ذلك حق يجب الإيمان به، ولو لم يدفن الإنسان في القبر ولو نسفته الريح وأكلته السباع والحيتان، فإن الله يجمعه وينال جسده من العذاب أو من النعيم ما يناله صاحب القبر، يجب أن يفهم هذا كله على مراد الله ومراد رسوله ﷺ من غير غلو ولا تقصير.
وقد أنكرت الملاحدة أصحاب العقول المادية المتحجرة التي لا تؤمن إلا بما ترى بعينها أنكروا حياة البرزخ وذهبوا إلى مذاهب بعيدة من الفلسفة والتمنطق وقالوا: ليس ذلك بحقيقة، وأولئك كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقد ظن أولئك أن أبصارهم الضعيفة يمكن أن ترى كل شيء، وأن أسماعهم يمكن أن تسمع كل شيء، ونحن اليوم نعلم من أسرار الكون ما كانت أسماعنا وأبصارنا عاجزة عن سماعه ورؤيته رغم وجوده.
الموجات الصوتية المنبعثة والمنتشرة في جميع أجواء الأرض هذا المسجد الآن ممتلئ بملايين الموجات، لكن لا نراها بأعيننا، ولا نسمعها بآذاننا، ولا نمسها بأيدينا، ولا نتذوقها بألسنتنا، ولا نشمها بأنوفنا، ولا يستطيع كتاب أن يأتي بها، وإنما يستطيع أن يلتقطها جهاز صغير هو (الراديو) ففيه وسيلة استقبال هذه الموجات والتقاطها من الأجواء وترجمتها، وإذا بك تفتحها فتسمع موجة آتية من جدة، فتحولها فتأتي موجة من الرياض، وتحولها فتأتي موجة من أمريكا ومن لندن ومن أقصى الأرض، من التقط هذه الموجات رغم أنك لا تراها وهي موجودة؟ التقطها (الراديو).
الجاذبية الموجودة الآن وهي قانون من قوانين الكون أن الله جل وعلا جعل كل ما على الأرض مجذوباً إليها، وهذه حكمة منه؛ لأنه لو لم يجعل الجاذبية في خصائص الأرض لكان أي واحد يرتفع لن يستطيع أن ينزل إلا إذا ربطوه.
يعني: إذا خرج أحدهم من السيارة وأراد أن ينزل فلا يستطيع أن يصل إلى الأرض إلا إذا أتى آخر وجذبه إلى الأرض، لماذا؟ لأنه لا يوجد جاذبية، ولكن الله وضع هذا القانون وهو أن كل ما على الأرض يجذب إليها، أين الجاذبية؟ هل نراها بأعيننا؟ هل رأينا حبالها وهي تربط الإنسان وتسحبه؟ موجودة لكننا لا نراها، وليس كل ما لا نراه غير موجود.
الكهرباء الآن تسري في السلك الكهربائي ولا نراها، رغم أن السلك الكهربائي هذا والكهرباء موجودة منذ خلق الله الأرض، لكن ما اكتشفت إلا على سبيل الصدفة والمصادفة، اخترعها شخص مخترع وهو يدير جهازاً عبر تحويله فإذا به يحس شيئاً في يده، فقوى السلك وخرجت كهرباء، وطورها الإنسان حتى أصبحت عماداً من أعمدة الحضارة الحديثة.
فكثير من الأشياء لا يمكن أن نراها ولا أن نلمسها بجوارحنا بالرغم من وجودها.
стр. 1258
الأدلة الشرعية في إثبات عذاب القبر ونعيمه
أما الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على ثبوت عذاب القبر ونعيمه فقد ترجم البخاري في كتابه: الصحيح في كتاب الجنائز لعذاب القبر فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قبل الحديث قول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣] وقال : ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
فالآية الأولى ساقها الإمام البخاري مستشهداً بها في تعذيب الملائكة للكفار في حال الاحتضار، والآية الثانية استدل بها على أن هناك عذابين يصيبان المنافقين قبل عذاب الآخرة: العذاب الأول ما يصيبهم في الدنيا على أيدي المؤمنين، والثاني ما يصيبهم في القبر على أيدي ملائكة عذاب القبر، قال الحسن البصري في قوله : ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٠١] قال: [عذاب الدنيا وعذاب القبر].
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] فـ (ثم) هنا تفيد الترتيب مع التراخي، كأن العذاب المرتين هذا قبل عذاب يوم القيامة، مرتان في الدنيا يكون العذاب: وهو ما ينال الكافر والمنافق والعاصي والظالم والفاجر من ظلمة في قلبه وقسوة، ومن ضيق وحرج، ومن اضطراب وقلق، ومن تبرم -والعياذ بالله- وظلام في عقله، هذا والله إنه أعظم عذاب، عذاب لروحه عذاب لنفسه عذاب لقلبه، وبالتالي يندرج هذا العذاب على كل جوارحه، ثم العذاب الثاني ما يناله في القبر، وهذا من عظيم استشهاد العلماء ﵏ واستنتاجهم لأحكام القرآن: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٠١] قال: الأولى في الدنيا والثانية في القبر، وقال الطبري في كتابه تفسير ابن جرير التفسير الذي كل الأئمة عالة على ابن جرير فيه، يقول: والأغلب أن إحدى المرتين هي عذاب القبر والأخرى تحتمل أحد ما تقدم إما من الجوع أو من السبي أو من القتل أو من الإذلال أو من القلق أو من الحيرة التي تحصل للإنسان البعيد عن الله في هذه الدنيا.
أما الآية الثالثة وهي قوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فهي حجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لـ أهل السنة على إثبات عذاب القبر، فإن الله ﵎ قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، وهذا قبل يوم القيامة، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] والعياذ بالله.
قال القرطبي في كتابه أحكام القرآن: يقول: الجمهور على أن هذا العرض يكون قبل يوم القيامة يعني في البرزخ وهو حجة في تثبيت وتدليل الناس على عذاب القبر.
ومن الإشارات القرآنية الدالة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه قوله ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] وفي حديث البراء بن عازب الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند وأخرجه الإمام أبو داود في السنن وهو صحيح أنه ﷺ قال: (إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) [إبراهيم:٢٧]) نزلت هذه في عذاب القبر.
وقد روت لنا أم المؤمنين عائشة ﵂، والحديث عنها عظيم جداً أم المؤمنين حب رسول الله ﷺ ، الصديقة بنت الصديق أبي بكر الصديق ﵁، اسمه أبو بكر بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عويمر، أول من أسلم على يد رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين في الغار، وخليفته صلوات الله وسلامه عليه، وضجيعه في القبر في غرفة عائشة ﵂، وهي زوج النبي ﷺ ، وأفقه نساء الأمة على الإطلاق، وكانت فقيهة عالمة بكل أمور الأمة في الدين، في الفقه وفي التفسير وفي الحديث وفي اللغة وفي الشعر وفي الطب حتى الطب كانت طبيبة، وسألها عروة بن الزبير ابن أختها فقال: [يا أماه! من أين تعلمت الطب؟ فقالت: كان الناس يأتون النبي ﷺ فيسألونه فأعي ذلك] عندها علم عظيم ﵂ وأرضاها، أمها أم رومان بنت عامر ﵂ وأرضاها، تزوجها النبي ﷺ قبل الهجرة بعد وفاة خديجة؛ لأنه ما تزوج على خديجة حتى ماتت، وأيضاً دخل بها في المدينة بعد غزوة بدر، تزوج بها وعمرها ست، ودخل بها وعمرها تسع سنوات، روت علماً كثيراً مباركاً، أكثر من ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، لم يتزوج النبي ﷺ بكراً غيرها، ولم يحب من أزواجه مثلها، وكانت تفخر بذلك ﵂.
يروي البخاري ومسلم في الصحيحين قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (أريتك في المنام ثلاث ليالٍ -قبل أن يتزوجها ورؤيا الأنبياء وحي- جاء بك الملك -أي جبريل- في قطعة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا خيراً يمضيه الله) وفعلاً تزوجت رسول الله ﷺ .
وكان يُظهر حبها للناس كلهم، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضاً عن عمرو بن العاص ﵁: أنه سأل النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فهي حب رسول الله، وأبوها حب رسول الله ﷺ .
وكان الصحابة يعرفون ذلك فكانوا يتحرون بهداياهم يومها، فإذا كان عندها في اليوم الذي هو فيه يرسلوا الهدايا؛ لأنهم يعلمون أنه يحب أن يهدى إليه في بيتها ﵂ وأرضاها، يروي البخاري ومسلم أيضاً أن عائشة قالت: (كان الناس يتحرون بهداياهم يومي وليلتي فاجتمعن صواحبي -يعني: أمهات المؤمنين- إلى أم سلمة ﵂ فقلن: إن الناس يتحرون هداياهم في يوم عائشة وإنا لنريد من الخير مثل ما تريد، فقولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس أن يهدوا إليه في أي بيت من بيوته) لا ينتظرون في ليلة عائشة ويأتون بالهدية، انظروا كيف النساء بطبيعتهن رغم جلالة قدرهن وعلو منزلتهن وأنهن أمهات المؤمنين، لكنهن بشر يخضعن لما يخضع له البشر ويحببن ما يحبه البشر من هدية أو كرامة.
(فجاءت أم سلمة إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فسكت ولم يرد عليها -أول مرة- ثم جاءت ثانية فذكرت ذلك فلم يرد عليها، ثم جاءت ثالثة فذكرت ذلك فقال لها: يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة فإنه -والله- ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها) صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنها وأرضاها.
يقول: لا تؤذيني فيها، لا تبلغن منزلتها، ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة أي: مع امرأة منكن غير عائشة ﵂، وهذا يبين عظم مكانتها ومنزلتها ويكفيها أنها الطاهرة المطهرة المبرأة من فوق سبع سماوات، نزلت براءتها من الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وسمى الله الحديث الذي دار حولها وحول عرضها سماه (إفكاً) والإفك: هو أكذب شيء في الكلام وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] وحذر الناس من هذا الإفك فقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥ - ١٦] هذا كذب عظيم لا يمكن أن يكون، لكن دار هذا الكلام وأشاعه المنافقون الذين يصطادون في الماء العكر، ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات، يكفيها هذا شرفاً وفضلاً ﵂.
وورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة ينت خويلد وقاطمة ينت محمد وفضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) الثريد: هو الخبز المقطع مع اللحم المقطع، هذا أفضل أكلة كانت في زمنهم! من يأكل لحماً ويأكل خبزاً معاً؟ في ذلك الزمن ما كان يأكل هذا إلا الم
стр. 1259
سماع النبي ﷺ لأصوات المعذبين في القبور
هل سُمِعت أصوات للمعذبين في القبور؟ نعم سمعت.
أولاً: سمعت بالأحاديث الثابتة من قِبَلِ رسول الله ﷺ فقد أطلعه الله وأسمعه وأعطاه القدرة على سماع عذاب أهل القبور أعطاه الله القدرة ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ في حائط -بستان، والحائط يطلق على البستان الذي يكون فيه العنب- لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ جفلت به فكادت أن تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة).
أقبر: جمع قبر، والقبر على وزن (فَعْل) مما يجوز جمعه على وجهين: على وجه أَفْعُل وفُعٌوْل فتستطيع أن تقول: قبر وقُبُور، أو قَبْر وأقَبْرُ، وعلى وزنه مثل شَهْر فتقول أَشْهُر وتقول شُهُور فالله ذكرها في موضعين فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة:٣٦] وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦] فتجمع قَبْر على أَقْبْرُ وعلى قُبُور، ويجمع شَهْر على أَشْهُر وعلى شُهُور، فهنا جمعه النبي ﷺ على وزن أَفْعُل.
فقال: (إذا ستة أَقْبُر أو خمسة أو أربعة قال: من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟ فقال رجل: أنا أعرفها يا رسول الله! فقال: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الجاهلية قبل الإسلام، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ولولا ألا تدافنوا -يعني: لو سمعتم صيحة معذب لمتم ولما وجد بعضكم من يدفن بعضاً من الخوف والهلع- لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) رواه مسلم في صحيحه من رواية زيد بن ثابت ﵁، وزيد هذا ترجمته من أعذب التراجم وسيرته من أعظم السير، فهو زيد بن ثابت بن الضحاك الخزرجي البدري ﵁ وأرضاه الصحابي الجليل شيخ المقرئين وإمام الفرضيين وكاتب وحي النبي ﷺ ، وقد كان من كتبة الوحي وأعلم الناس بالفرائض، قال: (أعلمكم بالحلال والحرام علي وأفرضكم زيد) حتى قال بعضهم: لو مات زيد لما علمت الأمة كيف تقسم الفريضة، وهذا العلم أعظم علم وهو أول ما يفقد من الأرض؛ لأن (العلم إما آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك ففضل) والفرائض علم عظيم يتخصص به زيد وله مذاهب فيه، والذي درس الفرائض في الكلية يعرف مذاهب زيد في بعض أقواله التي تميز وانفرد بها من سائر الصحابة، هذا الصحابي الجليل حدث عن النبي ﷺ وقرأ عليه القرآن، وتلا عليه ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي، وهما من القراء الذين قرءوا على زيد بن ثابت ﵃، وهو الذي تولى قسمة الغنائم يوم اليرموك، زوجته اسمها أم سعد بنت سعد بن الربيع ﵂، وسعد بن الربيع صحابي أنصاري قتل في غزوة أحد، وهو الذي قال: [والله! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد] وما عرف إلا ببنانه عرفته أخته بأنملة ليس في جسمه مكان إلا وفيه ضربة، بنته هي زوجة زيد بن ثابت ﵁، ولد له اثنا عشر ولداً منهم وهو الكبير خارجة بن زيد وهو صحابي، وزيد بن ثابت أمره النبي ﷺ أن يتعلم لغة اليهود لما قدم المدينة وكان اليهود يكتبون ويكاتبون فخشي رسول الله ﷺ أن يمكروا فأمره أن يتعلم لغتهم العبرية، قال: [فتعلمتها في خمسة عشر يوماً] أتقن لغة اليهود وهي لغة كبيرة جداً في خمسة عشر يوماً ﵁ وأرضاه، قدم مرة على ابن عباس ابن عم رسول الله ﷺ وحبر الأمة وترجمان القرآن؛ فأخذ بركاب حصانه فقال له زيد: [تنحَ عني يا بن عم رسول الله! فقال له ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا].
هذا ابن عم النبي ﷺ ينزل ويمسك بركاب حصان زيد وذاك يقول: تنح لا تمسكه يا بن عم رسول الله! أنت أفضل مني! أنت أقرب! أنت من بيت النبوة! فيقول: [هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا].
كلف أبو بكر الصديق ﵁ زيداً بكلفة عظيمة وبجهد كبير؛ حفظ الله به الدين إلى يوم القيامة، كلفه أن يجمع القرآن بعد غزوة اليمامة ومقتل سبعين صحابياً من أهل القرآن، أشار عمر بن الخطاب ﵁ على أبي بكر أن يجمع القرآن، فقال أبو بكر: [كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟] لأن الرسول لم يأمر بجمع القرآن، وإنما كان يأمر بحفظه، وما كان يأمر بتدوينه! فقال عمر: [إني أرى الموت قد استحر في الصحابة، وأكثر الذين يموتون أهل القرآن، فإن أردت أن تأمر فليحفظ وليكتب، قال عمر: فما زلت به حتى شرح الله صدره بما شرح به صدري، فجاء إلى زيد بن ثابت وكلفه بهذه المهمة، يقول زيد: والله! لحمل الجبال أسهل عليَّ من هذه المهمة -لأنه جهد، وليس بالسهل- فقال له: يا زيد! إنك شاب عاقل ولا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فقلت له: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: والله إنه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله صدره وصدر عمر ﵃، فكنت أتتبع القرآن من اللخاف والرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال] وقد بقيت هذه الصحف عند الصديق، ثم عند الفاروق عمر، ثم عند حفصة بعد موت عمر، ثم أرسلت به إلى عثمان فلما أخذه عثمان، أمر زيد بن ثابت وأمر مجموعة من كبار الصحابة أن يكتبوا المصحف العثماني الذي هو موجود بين أيدينا، وسيبقى موجوداً إلى يوم القيامة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أليس هذا جهداً عظيماً؟ من كلف به؟! من نال شرفه؟! من قام بمسئوليته؟! هذا الرجل موقفه هذا يعدل مواقف الأمم كلها إلى يوم القيامة إنه موقف عظيم ﵁ وأرضاه، كان من فقهه ﵁ -وهذا يجب أن يكون شأن طلبة العلم والدعاة إذا سئلوا- كان إذا سئل عن أمر قال: أوقع؟ فإن قيل: نعم وقع؛ أفتى فيه بما يعلم، وإن قيل: لا.
ما وقع لكن لعله يقع، قال: دعوه حتى يقع؛ لأن بعض الناس يفترض أشياء ليست موجودة ولا وقعت ويورط العالم أو الداعية أو المفتي في أنه يقول كلاماً لقضية لم تقع أصلاً، فيكون قول القائل ليس له مبرر، فهذا من فقهه ﵁.
بعض الناس يسأل يقول: يا شيخ! في شخص عمل كذا؟ فأقول: من الشخص هذا؟ فيقول: شخص، فأقول: دعه يتكلم هو؛ لأنه إذا كان يهتم بأمر دينه يأتي يسأل بنفسه؛ لنعلم ماذا قال لزوجته بالنص بالحرف؛ لأن الحكم فرع عن الكلام الذي يصدر من السائل (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) فقد تسأل سؤالاً بأسلوب يكون حكمه غير الحكم الآخر فيما لو سأله إنسان آخر بأسلوب آخر، فكان ﵁ من فقهه أنه إذا سئل يقول للسائل: أوقع الأمر هذا التي تسأل عنه؟ فإن قال: وقع، أجاب بما يعلم، وإن لم يكن قد وقع يقول له: اتركه حتى يقع، وكان من ألطف الناس وأكرمهم, ومن أحسنهم خلقاً ولكن مع مَن؟ مع أهله في بيته يكون متواضعاً بسيطاً لطيفاً مزاجاً كثير التلطف، ولكن كان من أشد الناس توقراً واحتراماً مع الناس، كان وقوراً يهابه الناس إذا رأوه، لكن إذا دخل بيته يضع هذه الهيبة؛ وهذا من هدي الكريم ﷺ .
بعض الناس تجده في خارج البيت صاحب أخلاق ما شاء الله! ولكن إذا دخل بيته يكون سيء الخلق مع أهله -والعياذ بالله- دخل الأقرع بن حابس على رسول الله ﷺ وإذا به يقبل الحسن والحسين، فقال: (يا رسول الله! إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال: ما أصنع لرجل قد نزع الله الرحمة من قلبه؟!).
لا يا أخي! يجب عليك إذا دخلت بيتك أن تتواضع، إذا كان رسول الله ﷺ يرتحله الحسن والحسين ويقول: (نِعْم المطية لكما).
وفي يوم من الأيام أبطأ الرسول ﷺ في السجود حتى كاد الناس يسبحون وهو ساجد فظن الصحابة أنه نسي أو قبض فلما انتهى من الصلاة قال: (إن ابني هذا ارتحلني وأنا ساجد، فكرهت أن أزعجه).
وكان ﷺ يخطب على المنبر فدخل الحسن من الباب فجعل يتعثر من ردائه ويسقط ويقوم؛ فقطع الخطبة ونزل، حتى إذا جاء إليه حمله وأكمل الخطبة، هذه رحمة عظيمة منه صلوات الله وسلامه عليه، فيجب أن تكون أنت في بيتك رحيماً، إذا دخلت بيتك قَبّل أولادك قَبّل بناتك، لاعبهم، داعبهم، تواضع معهم، ادخل المطبخ وشارك المرأة؛ هذه الأمور تحببك إليهم وتجعلهم يألفونك، لكن إذا كنت غليظاً من يأتي يلطفهم؟ من تتصور أنه يقوم بهذا الدور؟ تتصور الجماعة يدخلوا يلاطفوا زوجتك؟ تتصور الجيران؟ لكن من الناس من إذا طرق عليهم أبوهم الباب وكأن الشيطان الرجيم دخل عليهم! يقال لأحدهم: أنت كيف تعمل إذا دخلت البيت؟ قال: إذا دخلت سكت المتكلم، واستيقظ النائم، وقعد القائم، طوارئ! دخل الغول! دخل العملاق الذي يسيطر! لكن هذا الغول إذا خرج إلى الخارج أذل من الدجاجة.
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافرِ
أي: عنده هنا بطولة على المرأة الضعيفة، وفي الخ
стр. 1260
الأسئلة
стр. 1261
كيفية نصيحة من لم يحضر صلاة الجماعة
السؤال
وجهت بعض النصيحة لبعض الشباب في المحافظة على الصلاة في الجماعة في المسجد فقال لي: لست بمسئول عني أنا أصلي في المنزل -والله غفور رحيم- فماذا أعمل له؟
الجواب
استمر في نصحه وتهدي له بعض الكتب الإسلامية والأشرطة الدينية لعل الله أن يهديه؛ لأنه إذا صلى في غير المسجد أو في البيت من غير عذر شرعي؛ فإن بعض أهل العلم قد قالوا بعدم قبول صلاته، وبعضهم قال بعدم صحتها، وبعضهم قال: إنه ارتكب إثماً من أعظم الآثام؛ لأنه ترك واجباً دلت عليه الأحاديث والآيات من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ .
والصلاة جماعة في المسجد شيء معلوم من الدين بالضرورة، حافظ عليها رسول الله ﷺ في حياته، وحافظ عليها أصحابه من بعده، وحافظ عليها سلف الأمة، وهو ديدن المؤمنين، وهو عنوان أهل الإيمان، ولا يصلي في بيته إلا منافق كما قال ابن مسعود: [من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] نسأل الله أن يهدي هذا الشاب لكي يصلي في المسجد حتى ينمو إيمانه إن شاء الله.
стр. 1262
حكم معاكسة النساء وعمل قوم لوط
السؤال
بين لنا حكم معاكسة النساء؟ وحكم من يعمل عمل قوم لوط؟ والعياذ بالله!
الجواب
أما معاكسة النساء والاتصال بهن سواء كانت هذه المعاكسة عن طريق الهاتف، أو عن طريق المراسلة، أو عن طريق المتابعة بالسيارات، أو عن طريق النظر إلى النوافذ والبيوت فكل هذا محرم في شريعة الله ، وهو ليس من أخلاق أهل الإيمان، بل هو من أخلاق السفلة عباد الشهوات الذي يمتلئ الإنسان منهم من رأسه إلى قدمه شهوة محرمة -والعياذ بالله- ولا يقيم لله أمراً، ولا يخاف من الله عقوبة، ولا يراقب الله ويعلم أن الله يراه في هذه اللحظات، فهذا عبد شهوته، هذا مثله مثل العير -والعياذ بالله- فإنه إذا رأى أنثى فإنه يرفع مسامعه ويطردها، لكن العاقل المؤمن إذا رأى شيئاً من هذا فإنه يخاف الله ويغض بصره ويذكر أن الله يراه.
يقول الحسن البصري لما قيل له: [كيف نستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك ويقينك أن نظر الله إليك أسرع من نظرك للمرأة التي تنظر لها]
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
استشعر مراقبة الله ، واعلم بأن الله يراك ﵎ ويعلم ما في قلبك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] فإذا كنت في الليل لا تقتحم على المسلمين بيوتهم ولا تنتهك حرماتهم، ولا تستعمل هذه الآلة وهذا الجهاز (الهاتف) الذي هو وسيلة من الوسائل الطيبة التي أتاحها الله للناس في هذا الزمان ليقضوا أغراضهم لا تستعملها استعمالاً سيئاً -والعياذ بالله- فتقتحم على الأسر وتعاكس النساء، ماذا تستفيد بهذا؟ ماذا تكسب؟ تكسب سخط الله، تكسب إحراق قلبك، تكسب إحراق دينك ويقينك، تكسب خدش عرض أخيك المسلم؛ وكل هذه التبعات والمسئوليات تكتب عليك إن لم تتب إلى الله أو عوقبت عليها، ووالله! لتعاقبن على كل نغمة، ويوم القيامة تكون هذه تلوى عليك في النار إن لم تتب إلى الله ، لا تعاكس أحداً، وإذا كانت لك رغبة في المكالمة والمحادثة مع النساء فسارع في الزواج وتزوج؛ لأن المكالمات لا تحل إشكالك، بل تُذكِّي النار وتُشِبُّ الجحيم في قلبك؛ لأنك إذا كلمت امرأة لا تحل لك وأنت في أرض وهي في أرض احترق قلبك، فمن الذي سوف يجعلك تركب مع ابنته أو تقعد مع ابنته، وهب أنك استطعت أن تصل إلى الحرام فهل وصولك إلى الحرام يحل مشكلتك معها؟ لا.
سيبقى الحرام يزيد ويزيد، لا يحل مشكلتك مع النساء إلا زوجة حلال، تتزوج بها وتستحلها بكلمة الله، ثم حدثها من الشروق إلى الغروب لا تنام، وكلمها بالهاتف، فهذه زوجتك وحلالك.
أما عمل قوم لوط فهو محرم -والعياذ بالله- يقول عبد الملك بن مروان: [والله لو أن الله ما حدثنا في القرآن عن عمل قوم لوط والله ما صدقت أن ذكراً يركب ذكراً] لأن هذا غير موجود في الحيوانات لا يوجد حمار يركب حماراً، الحمار أعقل من الذي يعمل هذا العمل، القرود والخنازير والكلاب من أشد الحيوانات جنساً، ولهذا يضرب بها المثل في النذالة والخسة والحقارة لكنها -وهي أشد شيء في ذلك- لا يركب الذكر الذكر مستحيل أبداً، لا يركب قرد كلبة ولا يركب كلب حمارةً أبداً، وإنما من جنسه، لكن اللوطي -والعياذ بالله- لا يتورع أن يركب رجلاً، ولا يتورع أن يركب كلباً، ولا يتورع أن يركب حتى حمارة، لماذا؟ أقذر إنسان على وجه الأرض بل أقذر مخلوق -والعياذ بالله- ولهذا قال ﵊: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وحكم الصحابة فيه التحريق بالنار، وحكمهم فيه أنه يحمل إلى أعلى مكان في المدينة ثم يرمى ويتبع بالحجارة أخذاً من عمل الله بقوم لوط الذين قال الله فيهم: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣].
وقد ورد في بعض الآثار أنه (إذا ركب الذكر الذكر اهتزت السماوات والأرض لغضب الله فتمسك الملائكة بأطراف السماء وتقرأ سورة الإخلاص حتى يسكن غضب الرب، ولولا البهائم الرتع والشيوخ الركع والأطفال الرضع لصب الله العذاب على أهل الأرض صباً بسبب هذا العمل) فالله يقول: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] إن هذا هو غاية المسخ للإنسانية، وغاية الشذوذ وإخراج الإنسان من إنسانيته أن يتحول إلى أن يكون أقذر من الكلاب والقردة والخنازير -والعياذ بالله- فلا يعمل، والنبي ﷺ قال: (لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط).
أما عذابهم في الآخرة فلا يتصوره العقل نعوذ بالله وإياكم منه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1263
مداخل الشيطان [٢،١]
إن الشيطان هو عدو الإنسان الأول منذ خلق الله آدم ﵇، وقد جعل هذا العدو مهمته في هذه الحياة إغواء بني آدم بشتى الطرق والوسائل؛ ليعرض عن الله ويتنكب طريق النجاة.
وقد اتبع الشيطان في سبيل تحقيق هذه الغاية وسائل متعددة، ومداخل مختلفة، وهذه المداخل هي التي تناولتها هذه المادة في معرض التحذير منها.
стр. 1264
النعمة الحقيقية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته ومستقر رحمته، اللهم آمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وبعد: أولاً: أشكر شباب هذه البلدة المباركة، الذين وفقهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم، وأدركوا المسئولية الملقاة على عاتقهم تجاه ذويهم وأهليهم، فبادروا إلى مثل هذه الندوات الإيمانية، والجلسات العلمية التي تحيي القلوب، وتبارك النفوس، وترضي الله ﵎، وهذا من توفيق الله لهم ولأهل هذه المنطقة الذين أحسبهم صالحين يستحقون مثل هذا الخير وهذا الفضل، فإن النعمة الكبرى على الناس ليست نعمة الأكل والشرب، ولا نعمة المال والوظائف، والسيارات، هذه نعم لكنها نعم تزول، إن النعمة الكبرى هي نعمة الإيمان، نعمة الدين، فمن أوتي الدين فقد أنعم الله عليه بأعظم نعمة على وجه الأرض، يقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] أي: ديني، ويقول : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:١ - ٢] أي: دينه، فليس بمنعم على من يتقلب في النعم المادية وهو عدو لله ، ليس بُمنعم عليه من يتوعده الله بأن يسجنه في نار جهنم إذا مات وهو على طريق الشيطان، هذا ليس في نعمة، ولهذا يقول الله للرسول ﷺ : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥] لا تتصور أن من عنده مال وأولاد وبيوت ومساكن ومؤسسات ومزارع ولكنه بعيد عن الله، وعدو لله؛ هاجرٌ لكتاب الله هاجرٌ لبيوت الله قاطعٌ لرحمه عاقٌ لوالديه والعياذ بالله سبَّاب شتَّام مغتاب نمام شاهد زور حالف فجور عدو لله لا تجده في موقع إلا وهو في الشر، وعنده ثراء ونعمة ولكنها ملغمة بسم، متى تنفجر؟ يوم أن يموت، وإذا بها تقطعه قطعة قطعة في جهنم، فيتمنى أنه ما عرف هذه النعم، يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
فالنعمة الحقيقية -أيها الإخوة في الله- في مثل هذه المجالس، ووالله! للحظة يقضيها الإنسان في هذه الندوات، وساعة يقضيها في هذه الأماكن خير من الدنيا وما عليها وسوف يموت، وسوف يجد يوم القيامة الساعات والدقائق مسجلة، إما في ديوان الحسنات وإما في ديوان السيئات، ويتمنى أنه قضى كل حياته في مثل هذه المجالس، فهنيئاً لكم، وبارك الله فيكم، وبارك الله في شبابكم، ونطلب منكم المزيد، ونطلب منكم العون والتأييد، والدعم والجلوس معهم؛ لأنهم إذا وجدوا الإقبال ووجدوا الانصباب والانكباب على العلم استطاعوا أن يذهبوا إلى العلماء، وإلى الدعاة، وأن يجلبوهم لكم، فهم أطباء القلوب.
لكن إذا رأوا الإعراض، فيأتي الداعية أو العالم ولا يجد أحداً من يكلم؟! يقول: كفى الله المستعان! وهنا تحصل النكبة، ويحصل الدمار والإعراض عن الله، ومن أعرض عنه الله دمره الله في الدنيا والآخرة، ومن أقبل على الله بقلبه وقالبه، فإن الله يبارك له في حياته وماله، ورزقه وأولاده، وزوجاته وفي كل شئونه.
стр. 1265
حال المقبل على الدنيا المعرض عن الآخرة
قال النبي ﷺ : (من أصبح والدنيا همه) ككثير من الناس، ينسى الموت وينسى الآخرة، وكأنه لن يموت؛ قلبه مفتوح على مصراعيه للدنيا والعياذ بالله، (من أصبح والدنيا همه، فرق الله عليه شمله) فالعمل الواحد يصبح مائة عمل، أي: بدل أن يجمعها ربي يفرقها، ولا تتجمع في أي حالة من الأحوال (فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه) ولا يرى إلا الفقر ولو كان معه عشرون مليوناً، فالملايين في البنك لكن الفقر أمام عينيه، فكلما تلفت إذا بالفقر بين عينيه والعياذ بالله! فيطرد ولا يلحق، مثل شارب البحر: كلما ازداد شربه ازداد عطشه والعياذ بالله، حتى لو أتيت تسأله وهو ثري وغني وفي خير، كيف أنت؟ كيف الأمور؟ قال: والله! الأمور صعبة هذه الأيام، الأمور تعبانة، والميزانية متدهورة، والسيولة النقدية غير متوفرة، والأزمات قائمة، والعياذ بالله! كأنه لا يملك ريالاً لماذا؟! الفقر بين عينيه؛ الأموال وراء ظهره والفقر بين عينيه، فلا يرى إلا الفقر، فقير حتى على نفسه، فقير حتى على أولاده، وجماعته، ما منه خير والعياذ بالله! (جعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)؛ المكتوب له لا بد أن يأتي ولا يحول دونه أحد.
ثم يقول ﵊: (ومن أصبح والآخرة همه)؛ أصبح وهو يفكر في يوم الآخرة: يفكر في القبر وضغطته، واللحد وظلمته، والصراط وحِدَّته، والموقف وشدته يفكر في عمله يفكر في صلاته وقراءته للقرآن، ورضا والديه عليه؛ هل أصبحا يدعوان له أم يدعوان عليه يفكر في رحمه؛ هل أصبحت رحمه راضية عنه فهي تدعو له؛ كلما ذكرته قالت: مدَّ الله في أجله، الله يوفقه، الله يوسع له في رزقه، أم أنها تقطعه وهو يقطعها وهي تدعو عليه؛ تقول: الله يقطعه كما قطعني، ألهب الله عظامه فكثير من الناس موجه ظهره إلى الدنيا بل قامت العداوة بينه وبين جميع أقاربه وأرحامه من أجل الدنيا، والعياذ بالله! وتسبب في نكبة نفسه بلعنة الله وسخطه في الدنيا والآخرة فيفكر المؤمن في هذا وبعد ذلك يصحح الغلطات، كلما رأى في نفسه قصوراً أو خللاً تاب واستغفر ورجع وأصلح حاله مع الله .
(ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله) أي: يسر الله أموره، كلما أراد شيئاً إذا به يتيسر؛ إن جاء ليراجع تسهلت، وإن جاء ليشتري اتسعت، وإذا أراد أي شيء إذا به ميسر؛ يرى اليسر في كل طريق؛ لأن الله يسر له الموقف (جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه) وليس فقره بين عينيه؛ غناه في قلبه ولو كان فقيراً تجده غنياً، لو لم يكن عنده شيء، كيف أنت؟ قال: الحمد لله؛ في ألف نعمة، أبشرك، آمنين سالمين آكلين شاربين راكبين ساكنين مستورين، من هو الذي في مثل نعمتنا في هذا الزمان، كيف كنا نتمنى قبل خمسين سنة، لو أتينا بالآباء والأجداد وقلنا لهم: تمنوا النعم كلها، لانتهت بهم الأماني دون أن يبلغوا ما نحن فيه من النعم، من كان يحلم أننا نعيش فيما نحن فيه اليوم، تغير كل شيء في حياتنا: تغيرت المساكن، والملابس، والمآكل والمشارب والمراكب والأواني، وتغير كل شيء هل بقي شي من الماضي في بيوتنا الآن؟ ما بقي شيء، أين هي؟ في المتاحف والآثار، إذا دخلت الآثار، يقولون: هذه آثار الماضي، وما هي؟ الملحف والنطع، والجاعد، والجلة، والفنجان الحيسي، والبرمة، والقدر ذاك، كل هذه آثار، آثار من؟ قال: هذه من العصور القديمة، وما عرف أنها من قبل ثلاثين سنة.
أبي وأبوك وجدي وجدك عاشوا عليها وغير الله حالتنا كلها؛ تدخل على الرجل الآن في بيته فتجد المفارش والملابس والأشياء التي لم يحلم بها، يقول الواحد منا: أنا في الدنيا أم في الجنة؟ كان الناس في الماضي إذا جاء مطر وجاءت السيول، يخافون من المطر في الليل؛ لأنهم يخشون من (الغادي) من يستطيع أن يصعد ليسد تسرب الماء من السقف في الليل، فيتجمعون ويضعون الأواني تحت هذا (الغادي) كأس هنا، وتحت ذاك صحن، وتحت ذاك قدر، وتحت ذاك فنجال، وتبدأ النواقيط، طن طن تسمعها مثل الموسيقى طوال الليل، وأحياناً لا يبقى في البيت مكان، فيتجمعون في زاوية أو في ركن أو في (الريشة)، ويضعون عليهم (نطعاً) أو ملحفاً حتى لا يأتيهم (الغادي).
واليوم من هو الذي لا يفرح بالمطر في الليل؟ وبيوتنا مسلح، لو يهطل بالليل والنهار لا نشعر به.
وسياراتنا وجميع نعمنا، هذه نعم! فإذا أصبح الإنسان فيها آمناً وشعر بنعمة الله، وقيل له: كيف أنت؟ قال: الحمد لله، أنا في نعمة ما بعدها نعمة، قال ﵊: (وجعل غناه في قلبه).
следующие страницы →