Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
القرآن والسنة الصحيحة لا يخالفان الإثباتات العلمية
السؤال
بعد أن تطرقت للأرض والشمس أريد أن أعرف موقف المسلمين ومشايخنا من دوران الأرض، وقد سمعت أن بعضهم لا يؤيد ذلك، فما رأيك فيما أثبته العلم والأقمار الصناعية؟
الجواب
نقول -يا أخي- إن هذا من فضلة القول والحديث؛ لأن الله لن يسألنا يوم القيامة: لماذا لم تؤمنوا بأن الأرض تدور؟ يسألنا الله : ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] هذا السؤال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].
الله يسألك عن هذا ولا يسألك عن الأرض تدور أو لا.
إنما الذي ثبت والذي هو حقيقة ثابتة للعيان بالأقمار الصناعية وبالتصوير الصناعي أن الأرض كروية وأنها تدور، وقد أثبت القرآن في مفاهيمه وفي مضامينه أنها تدور؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
عندما تدور الأرض وأنت لا تشعر بها طبيعي، أنت الآن عندما تكون راكب في السيارة، والسيارة تمشي، هل معنى هذا أن تنتقل من كرسيك إلى كرسي آخر، الطائرة تسير بسرعة ثمانمائة ميل في الساعة وأنت على الكرسي وما تحس بها، فدوران الأرض وعدم الإحساس بها لا يعني أنها ما تدور، ومادام ثبت بالعلم فليس في الدين ما يعارض ذلك، وعلماؤنا ومشايخنا يثبتون ذلك؛ لأنه لا يتعارض مع نص شرعي من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولهذا لا يراد من الإنسان أن يدخل نفسه في هذه المعاني حتى يكذب الله ورسوله، خمس من الغيب استأثر الله بعملها، وما عداها فالله يقول: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١].
أمر الله البشر أن يسيروا في الأرض، وينظروا، ويتأملوا في خلق الله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت:٢٠] فإذا توصلنا بواسطة العلم التجريبي إلى حقيقة من حقائق القوم وأثبتها العلم، فلا يمكن أن يختلف القرآن مع حقيقة علمية؛ لأن صانع الكون ومنزل القرآن هو الله ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1402
قاعدة في مخالفة أهل الكتاب وغيرهم
السؤال
إن أحد المدرسين يقول: إن الرسول ﷺ يقول: (خالفوا اليهود والنصارى، قصوا الشوارب واعفوا اللحى) يقول: فالآن اليهود والنصارى يعفون اللحى فنحن نخالفهم فنحلقها؟
الجواب
الله أكبر! يا هذا الفقيه! أعطيكم قاعدة من أجل أن تسيروا عليها، نحن أمة الإسلام أصل والأمم كلها لها تبع، ما رأيكم الآن إذا اليهود والنصارى يصدقون، ماذا نفعل نحن؟ نكذب من أجل أن نخالفهم، ماذا؟ إذا صدق اليهود والنصارى في مواعيدهم أنخلف الوعد؟ أنا سأخلف الميعاد معك، وإذا جئت تسألني لماذا تخلف الميعاد؟ قلت: لأن اليهود والنصارى يصدقون في مواعيدهم والرسول قال: (خالفوا اليهود والمشركين) فأنا أكذب، ما رأيكم في هذا الكلام؟ هذا مجنون صاحبه، نحن أصلاً عندنا دين، ما جاءنا من الله نعمل به، وبعد ذلك إذا اليهود والنصارى أخذوا صفة من صفاتنا فلا ينبغي أن نتركها من أجل أن نخالفهم.
نحن نعمل بديننا كأمر تلقيناه من الله، ونصدق في المعاملات، فإذا اليهود والنصارى صدقوا في المعاملات فهي صفة كمال نفخر بها أن اقتبسها اليهود والنصارى منا، نحن لا نخلف المواعيد، فإذا اليهود والنصارى لا يخلفون المواعيد، نحن نقول: صفة كمال في اليهود، أخذوها منا، لا نغش في البيع والشراء، وإذا هم لا يغشون لا نغش نحن حتى نخالفهم، ولكن نتمسك نحن بعدم الغش ونقول صفة كمال كانت فينا واقتبسها اليهود منا، كذلك إذا اليهود والنصارى أطلقوا لحاهم وأصبحوا باللحى، لا نحلق لحانا ونقول: صفة كمال فينا، وشيء من ديننا، وهو إطلاق اللحى، وهم اقتبسوه منا؛ لأننا نحن أصل وهم فرع، نحن أصل وهم تبع لنا، أما أن نكون تبعاً، إذا حلقوا اللحى خليناها وإذا خلوها نحلقها، نصير نحن الذيل لهم، هذه القاعدة مفهومة -يا إخوان- بارك الله فيكم ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
стр. 1403
خلود الكافرين في النار
السؤال
هل هذا قول صحيح: أن الكافرين يعذبون بنار جهنم، ثم يرحمهم الله، ويدخلهم الجنة؟
الجواب
لا.
الله يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] الذين يخرجون من النار بعد أن يمحصهم الله هم أهل التوحيد، الذين ماتوا وهم يوحدون الله ولا يشركوا به شيئاً، ولكنهم كانوا ملمين بشيء من الذنوب والآثام والمعاصي، هؤلاء في الدار الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة بدون عذاب في النار ببركة توحيد الله، وإن شاء عذبهم في النار بقدر أعمالهم السيئة؛ لكن خاتمتهم إلى الجنة؛ لأنه كما جاء في الحديث (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) أي من توحيد.
أما الكافر فهو خالد فيها، يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦ - ٧] نسأل الله من فضله ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [البينة:٨] الأولى ليس فيها أبداً، الأبدية في سورة الأحزاب يقول الله ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥] وفي سورة البقرة (آية ١٦٧) ذكر الأبدية، وقد بوب ابن القيم ﵀ في كتاب له عظيم اسمه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في آخر الكتاب تكلم بكلام عظيم حول الجدل القائم بين أبدية النار وبين فنائها، ورجح هو فيما رجح، أنها تفنى؛ ولكن مذهب أهل السنة والجماعة أنها أبدية، وأنها لا تفنى، بالأدلة الشرعية، منها قول الله (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
ومنها قوله : ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧] ومنها أن الله أخبر أن أهل النار لو خرجوا من النار لعادوا إلى الدنيا وكفروا، قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] لأن نية الكفر متجددة في نفوسهم؛ فالله جدد لهم العذاب وأبقاه أبد الآبدين: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٣ - ٢٤] نعوذ بالله وإياكم من النار.
стр. 1404
حكم إمامة المسبل ثيابه
السؤال
هل تصح الصلاة خلف المسبل؟
الجواب
نعم الصلاة صحيحة ولكن المسبل آثم، والمسبل: هو الذي يرخي ثوبه أو (بشته) أو سرواله، أو بنطلونه، أو إزاره، وقد ورد فيها حديث، ومن أراد أن يراجع ذلك ففي رياض الصالحين، فسيجد عشرة أحاديث كلها صحيحة، منها قوله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب عظيم، المسبل إزاره، والمنان في عطائه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ومنها قوله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ومنها قوله ﵊ (ما أسفل من الكعبين ففي النار) ويعجبني أحد المشايخ يقول: إن شخصاً مر على شخص يسحب ثيابه في الأرض، فأمسكه بيده وسلم عليه وقال له: النار في أرجلك، ذاك مسكين خاف يحسب أن فيها ناراً، وإذا هو يرى قال: أين النار؟ قال: النار في ثيابك؟ قال: ليس هناك نار، قال: بلى.
الرسول ﷺ أليس بصادق؟ قال: نعم.
قال: يقول الرسول: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) والله أنت بما أسفل من الكعبين ثوبك في النار لكن ما تحس به الآن، تحس به إذا مت ودخلت القبر، أحرق الله ما تحت كعبيك، فالرجل رأساً ارتعد وذهب وقص ثوبه مباشرة.
أزرة المسلم إلى نصف الساق، فإن أرخاه إلى الكعب فما تحت الكعب ففي النار، وحديث خزيمة الأسدي ﵁ وقد قال ﵊ (نعم خزيمة الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره، فلما سمع عمد إلى جمته فقصها، وإلى إزاره فقطعه) وقال ﵊: (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل).
وقد قال العلماء: إن هذا خرج مخرج التهديد، وإلا فإن الصلاة في الدنيا مقبولة ولكن تحت نظر الله يوم القيامة، يقبلها أو يردها، لكن في الدنيا يسقط عنك سيف الإسلام، وأما سيف الآخرة فلا يسقطه عنك إلا اتباع النبي ﷺ ، فنقول للذي ثوبه مسبل: عليك أن تقص ثوبك، وقد رأى عمر وهو مطعون شاباً يمشي وهو مسبل إزاره قال: [ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك، وأنقى وأبقى لثوبك] انظروا إلى الذي ثوبه طويل أول ما يتسخ من عند أرجله؛ لأنه يسحبه، ترى شكله قبيح والعياذ بالله.
لكن الثوب المرتفع نظيف وطيب، وإذا صلى تجوز الصلاة خلفه، لحديث النبي ﷺ : (صلوا خلف كل بر وفاجر، فإن أحسن فله ولكم، وإن أساء فعليه ولكم) أي: تصح الصلاة خلف المسلم حتى ولو كان فاسقاً أو فيه معصية، لكنه يأثم، والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1405
تأملات قرآنية في سورة الأنعام [١]
اختص الله الإنسان من بين كل المخلوقات بخصائص كثيرة، ومن هذه الخصائص والصفات التي وهبها الله إياه ملكة التأمل في كل ما يحيط به، وذلك حتى يتسنى له الإطلاع على حقائق الأشياء، ومن ثم الاقتناع بها دون حيرة أو شك.
ومن أجلِّ ما يُمكن للإنسان تدبره القرآن الكريم بما فيه من الحقائق الواضحات، والآيات الباهرات.
وقد تناولت سورة الأنعام الكثير من القضايا التي يجدر بالمرء التوقف عندها، ومن أهم هذه القضايا قضية الإيمان والعقيدة الصحيحة، حيث تناولت السورة مناقشة هذه القضية مع عقل الإنسان، طارحة له الأدلة والبراهين التي لا يسعه أمامها إلا التوقف والتسليم.
стр. 1406
ضرورة التدبر لمعاني آيات القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبقِ فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، وارزقنا تلاوته، والتأمل والنظر فيه، والعمل بأحكامه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، يا أرحم الرحمين! هذا الدرس يلقى في مدينة جدة بمسجد (الأمير متعب) في مساء يوم السبت، الموافق: (٢٣/جمادي الثاني/١٤١٥هـ)، وهو بعنوان: (تأملات قرآنية)، ليس تفسيراً، وإنما هو وقفات وتأملات ونظرات، تتبعتُها وجمعتُها من كلام بعض المفسرين، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينفعني وإياكم بها، وأن يرزقنا النظر والتأمل والتفكر والاعتبار في هذا القرآن العظيم.
إن من أعظم المصائب التي مُنِيت بها الأمة أيها الإخوة: أن حيل بينها وبين كتاب ربها، تقرأه ولكنها لا تعيه ولا تفهمه، تجد الرجل يقبل على القرآن ويتناول المصحف ويهذُّه هَذَّ الشعر، وينثره نثر الدَّقْل، وينتهي من آخر سورة، وتسأله: ما الذي فهمت من خلال هذه القراءة؟! فلا تكاد تجد أنه قذفهم شيئاً، وإنما يقرأ وهمه آخر السورة.
إن القرآن ما أنزل لهذا أيها الإخوة! لقد طلب الله منَّا أن نتأمل القرآن ونتدبره، قال ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
إذا وجدت أنك لا تعي ولا تتدبر ولا تتأمل ولا تعتبر فلتعرف أنَّ على قلبك قفلاً أو أقفالاً، فحاول أن تفتح هذه الأقفال، وأن تزيلها حتى تدخل في ميدان النظر والتأمل في كتاب الله ، إنَّ على القلوب أقفالاً كثيرة أيها الإخوة؛ أقفال الشبهات، والشهوات، والماديات، والمشاغل كلها تحول بين الإنسان وبين فهم كلام الله ؛ ولكن إذا أزال الإنسان هذه المعوقات، وأبعد هذه الحواجز، ودخل بنية خالصة لوجه الله ليقرأ وليتأمل كلام الله، وليشعر مَن هو هذا المتكلم بهذا الكلامَ؟ وما هو هذا الكلام؟ أي عظمة لك يا أخي! أن يخاطبك الله من فوق سبع سماوات؟ أي عزة أن ينزل الله عليك قرآناً؟ أي كرامة أن تخاطَب من الملك الجليل ﵎؟ إنه فخرٌ عظيم، ومقامٌ جليل، لكن لمن عرفه وقدره.
والتأملات في هذه الدروس إن شاء الله ستكون من خلال النظر في سورة الأنعام.
стр. 1407
سورة الأنعام وما تحتويه من معالم عقدية سامية
سورة الأنعام من السور المكية التي نزلت على النبي ﷺ وهو في مكة المكرمة، وهي كغيرها من السور المكية تحمل معاني غرس العقيدة في قلوب ذلك الرعيل الأول.
стр. 1408
الاهتمام ببناء العقيدة بناءً صحيحاً وقوياً
إن القرآن الذي نزل في مكة المكرمة في أول بعثة النبي ﷺ كان يعالج قضايا العقيدة كان يهتم ويركز ويؤسس ويبني القضايا الهامة في الدين، وهي بمنزلة القواعد.
إذا أراد إنسانٌ أن يقيم عمارةً فإن تركيزه يكون على: على دراسة التربة أولاً.
ومعرفة قوة تحملها.
ثم معرفة حجم الأساسات.
ويبذل جهده ويركزه ويخسر كثيراً في سبيل تأسيس العمارة.
وكلما فكر في أن يزيد أدوار العمارة ويرتفع بها إلى أعلى؛ كلما كان التفكير في التأسيس مناسباً لارتفاع العمارة.
وبناء وعمارة الدين الإسلامي، بناء شامل، وعمارة ضاربة في جذور الزمن، وممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكان لا بد أن يكون لها أساس قوي لا تُبنى على جرف هار حتى تنهار، ولا تبنى على تصورات واندفاعات وحماسات وخيالات وتذوقات، إنما تبنى على عقيدة في الله، توحي وتفسر كل ما هو حول الإنسان في هذه الحياة، مقتبسة من الوحي الرباني، والهدي النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
فكانت هذه المدة الطويلة -ثلاث عشرة سنة- من عمر الدعوة وهي تُصْرف في تثبيت هذه العقيدة قبل تلقي أي شيء من الأحكام، فلما ثبتت العقيدة، واستقرت حقائق الإيمان في النفوس، جاءت التكاليف الشرعية، فجاءت سهلة، بل طلبها الناس قبل مجيئها، طلبوا القتال قبل أن يؤذن لهم فيه، جاءت الصلاة فباشروها، والزكاة فدفعوها، والصيام فصاموا، والحج فحجوا، وتحريم الخمر فحرموه دفعة واحدة، منهم من كان الكوب في يده فرماه، ومنهم من كان في فمه فوالله ما شرب الشربة تلك ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]؟! مباشرة: قالوا: انتهينا انتهينا، لماذا؟! لأن القاعدة قوية، والأساس سليم، ابنِ ما شئت، حَمِّل هذه القاعدة ما شئت؛ لكن يوم أن يُبنى البناء على قاعدة هشة لا تتحمل شيئاً، ولو كانت الطلاءات جميلة، والجدران مزخرفة، والنوافذ من الألمونيوم، والأبواب من الخشب، والفُرُش ضخمة؛ لكن الأساس فاسد، ولذا لا تعجب من دين إنسان مهما بلغ دينه مهما بلغت عبادته وأذكاره، انظر إلى التوحيد؛ فإن كان متيناً، وعقيدته قوية؛ فابن عليه، لماذا؟ لأنه أسِّس على رضوان من الله ﵎، وعلى هدى، وإن كان شيئاً فارغاً من غير عقيدة ولا دين فإن هذا سينهار إما في الدنيا وإما في الآخرة.
стр. 1409
معالجة سورة الأنعام لقضايا العقيدة الأساسية
هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية: قضية الربوبية أولاً.
ثم قضية الألوهية.
ثم قضية الأسماء والصفات.
وهذه الأشياء الثلاثة هي أقسام التوحيد.
واهتمام بعض الناس بالألوهية، والأسماء والصفات، وإغفال جانب الربوبية خطأ في الدعوة، لا بد أن نعمق توحيد الربوبية في قلوب الناس؛ لأنهم إذا عرفوا الرب وحَّدوه، لماذا يحصل الشرك في حياة الناس؟ لعدم معرفتهم بالرب ﵎، أو يعرف معرفة ذهنية صورية؛ لكن نريد معرفة حقيقية، ولذا الذين عرفوا الله وحَّدوه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [فاطر:٢٨] مَنْ؟! ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: إنما تقع الخشية والخوف لله من العلماء، العلماء يخشون الله؛ لأن مَن كان بالله أعْرَف كان منه أخْوَف.
стр. 1410
توحيد الربوبية في سورة الأنعام
بث الله في كتابه الكريم الآيات العظيمة التي تدلِّل وتعمِّق وتؤسِّس في قلوب البشر توحيد الربوبية: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، هذه ربوبية.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ [المؤمنون:٨٤].
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢].
قل قل قل في القرآن الكريم وفي سورة الأنعام بالذات تأكيدٌ أكيدٌ وشديدٌ على قضية الربوبية.
وعندما يحصل عند الإنسان قناعة ويقين على أنَّ الله هو خالق الكون لا يسعه إلا أن يوحِّد خالق الكون، يوحِّده بفعله؛ لأن توحيد الربوبية هو: توحيد الرب بفعل الرب، فلا تجعل لله شريكاً فيما فعل، فتعتقد أنه الخالق، والرازق، والمحيي والمميت، والمعطي والمانع، والمدبِّر، والمسيِّر لهذا الكون، لا ينازعه بهذا أحد، وهذا أقرَّ به المشركون؛ لكن يأتي نتيجةً لتوحيد الربوبية التوحيدُ الآخر وهو: توحيد الألوهية، وهو: توحيد الرب بفعل العبد.
стр. 1411
توحيد الألوهية في سورة الأنعام
أنت عبد، والعبد من شأنه أن يكون عبداً وعابداً لله ، وهذه العبودية يجب أن تنصبَّ كلها في مسار التوحيد لله وحده، فكما وحَّدت الله بفعله، ولم تزعم بأن مع الله خالقاً، فلا بد أن توحِّد الله بفعلك، فلا تصرف لغير الله شيئاً من عبادتك، وهو: توحيد الألوهية؛ أن توحِّد الله بفعلك: فلا تعبد إلا الله.
ولا تدعُ إلا الله.
ولا تذبح إلا لله.
ولا تنذر إلا لله.
ولا تستغث إلا بالله.
ولا تستعن إلا بالله.
ولا تتوكل إلا على الله.
ولا ترجُ إلا الله.
ولا تخَف إلا من الله.
ما رأيك إذا استقرَّت هذه القضايا في قلب الإنسان كيف سيكون توحيده؟! لا نعني بالاستقرار هنا الاستقرار الذهني، لا، بل الاستقرار اليقيني.
إذا عرفتَ أن الحياة بيد الله، ماذا بقي عندك من خوف؟! إذا عرفتَ أن الرزق بيد الله، ماذا بقي عندك من الخوف من الفقر؟! من يبيع الدخان في دكانه إذا قيل له: لا تبع الدخان، هذا حرام، لا يجوز لك.
قال: الدخان يجلب الزبون، إذا لم يوجد دخان يأتي الزبون يقول: هل يوجد دخان؟ فأقول: لا، فيذهب، ولا يشتري مني، لكن عندما يكون الدخان موجوداً فإنه يشتري مع الدخان جريدة وسكراً وأرزاً، يا هذا ليس الدخان هو الرزاق؛ لكن هذه عقيدته، مسكين! لم يوحد الله، لم يعرف توحيد الألوهية إلى الآن، هل الرزاق هو الدخان أم الرحمن؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات:٥٨] هو الذي يجلب المشتري، ويجعله يقف على دكانك، ويشتري منك غير الدخان.
أنت أيها الزبون عندما تشتري من السوق، لماذا تقف عند هذا وتصرف نفسك عن هذا؟ هل هذا أعطاك شيئاً أو دعاك، أو ذاك طردك؟! لا؛ لكن الرزاق جعل في مالك رزقاً لهذا فساقك إليه، ولم يجعل في مالك رزقاً لهذا فصرفك عنه فلماذا تعتقد أيها البائع في سيجارة أنها ترزق؟! لا إله إلا الله!! هذا خلل، ينبغي أن تراجع فيه نفسك وحساباتك، فتكون عابداً بكل تصوراتك وأحوالك.
стр. 1412
قضية الأسماء والصفات وتبسيطها للناس
تأتي السورة لتعالج أيضاً قضية توحيد الأسماء والصفات، وهذا بأبسط الطرق وبمفهوم العوام -حتى لا ندخل في متاهات علماء الكلام- وليكن بفهم الصحابة ﵃ وأرضاهم والسلف الصالح؛ فإنهم فهموا توحيد الأسماء والصفات فهماً شرعياً بسيطاً منطقياً، فالله سمَّى نفسه بأسماء، ووصف نفسه بصفات، ورسول الله ﷺ سمَّى الله بأسماء، ووصف الله بصفات، فما موقفنا من هذه الأسماء والصفات التي جاءت عن الله وعن رسوله إلا أن نثبتها ونقرها، ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، بل نؤمن بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكما أنَّ لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذلك له صفات لا تشبه الصفات.
ولهذا يقول ربيعة لما جاءه الرجل المبتدع قال: كيف استوى الله؟ يريد أن يسأل عن الاستواء، والاستواء قضية ضلَّت فيها أممٌ حتى عطَّلوا الله عن الاستواء الذي أثبته الله في القرآن في سبع آيات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فعطلوا هذه الصفة، لماذا تعطلونها؟ قالوا: لتنزيه الله.
فذهبوا إلى التنزيه فوقعوا في التعطيل.
فجاء المبتدع يسأل ربيعة: كيف استوى؟! فقال له ربيعة الرأي -شيخ الإمام مالك -: كيف الله؟! قلب السؤال عليه، يعني: كيف ذات الله؟! قال المبتدع: لا أدري قال: وكذلك الصفة فرع عن الذات، فكما أن الله لا يُكَيَّف، فأيضاً الصفات لا تُكَيَّف.
لا تقل كيف استوى كيف النزولْ أنت لا تعرف من أنت ولا كيف تبولْ!
ولما جاء الرجل يسأل الإمام مالك عن الاستواء قال له: الاستواء معلوم -يعني: معناه الشرعي واللغوي عندنا معلوم- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم طرده، وقال: اخرج إنك مبتدع.
فلا تسأل عن الصفة، وإنما تؤمن كما قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] بمعنى: أنك لا تستطيع أن تكيِّف الصفة، (الكاف) هنا للتشبيه، ليس مِن شبيهٍ مثل الله، ليس كمثل الله شيء ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فنؤمن بجميع الأسماء والصفات، وهذه العقيدة أيها الإخوان! هي عقيدة السلف، والذين ضلوا من الأشاعرة والجهمية والمعتزلة وأهل الكلام والكَرَّامية؛ ضلوا لأنهم دخلوا بعقولهم البسيطة في هذه القضايا، فضاعوا وتاهوا، وتمنوا وهم يموتون أنهم ما تاهوا في هذه الضلالات، حتى قال واحد منهم اسمه الخونجي: ها أنا أموت وليتني أموت على عقيدة جدتي أو أمي.
وهو عالم من علماء الكلام.
والآخر يقول:
نهاية إقدام العقول عِقالُ وآكثر سعي العالمين ضلالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لكن اترك القيل والقال، واسمع مقال الملك المتعال قال الله، وقال رسوله ﷺ ، والذي يقتصر على الوحيين: الكتاب والسنة بفهم السلف؛ فهذا طريق النجاة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]
стр. 1413
معرفة الله بآياته وأسمائه وصفاته
هذه السورة تعالج هذه القضايا لتعريف العباد برب العباد: من هو؟! ما مصدر هذا الخلق؟! ماذا وراءه من أسرار وألغاز؟! كيف تعرف؟! مَن يخبرك؟! يخبرك الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وستبقى ضالاً وتائهاً حائراً إذا لم تتعلم مَن الذي خلق الكون والحياة، فجاءت السورة لتخبرك: مَن هو الله عن طريق عرض بيان أسمائه وصفاته: مَن هو الخالق لهذا الكون؟! ما وراء هذا الكون؟! ثم مَن هم العباد؟! مَن الذي جاء بهم إلى هذا الوجود؟! مَن أنشأهم؟! مَن الذي يطعمهم؟! مَن الذي يكفلهم؟! مَن الذي يدبر أمورهم؟! مَن الذي يقلِّب أفئدتهم وأبصارهم؟! مَن الذي يقلِّب ليلهم ونهارهم؟! مَن الذي يبدئهم، ثم يفنيهم، ثم يعيدهم؟! ولأي شيء خلقهم؟! عبثاً؟ لا.
إن الله مُنَزَّهٌ عن العبث، والله قد أبطل هذه الفِرْية التي عند الناس، وتوعد من قال بها بالويل في النار، يقول : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦] يعني: عبثاً، ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨]، لهم الويل بما يصفون الله بأنه خلق هذه الدنيا عبثاً.
ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص:٢٧] أي: عبثاً، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
الآن البشرية كلها مِن أولها إلى آخرها كثير ممن هم على وجه الأرض -إلا الموحِّد المسلم- يقولون: إن الدنيا خلقت عبثاً، فقط.
وإذا سئل: لماذا خُلِقْتَ؟ قال: لنأكل، ونشرب، ونتمتع؛ ولذا يقضون ليلهم ونهارهم في التنافس والإكثار من الشهوات، لماذا؟ مستعجلون؟ لأنهم يعرفون أنهم سيموتون، فيريدون أن يشبعوا ويحصلوا أكبر قدر منها؛ لأنهم لم يعرفوا من الدنيا إلا هذا، ولهذا يسميهم الله بهائم، حيوانات يقول : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢].
إذاًَ: ما دام أن الله لم يخلقك عبثاً فلا بد أن يكون هناك حكمة من خلقك، من أين تعرفها؟ مِن عندك؟ لا؛ لأنك لست أنت الذي خلقت نفسك، لو أنك خلقت نفسك لعرفت حكمة خلقك؛ لكن أنت خُلِقت رغم إرادتك، إذاً: الذي خلقك هو الذي يعرف لماذا خلقك.
فمن الذي خلق الناس؟! الله.
ولأي شيء خلقهم؟! وإلى أي أجلٍ أجَّلهم؟ وإلى أي مصيرٍ يُسْلِمهم؟ هذه الحياة المبثوثة في كل مكان في الأرض من يبثها ويوجدها بعد الموت؟! هذا الماء الهاطل، والنبات النابت، والحب المتراكب، والنجم الثاقب، والصبح البازغ، والليل الداجي، والضحى الساجي، والفلك الدوار، والقمر المنير، والشمس المضيئة، والكون كله، مَنْ وراءه؟! وماذا وراءه؟! وما هو خبره؟! الناس يموتون فلماذا يموتون؟! وإلى أين يذهبون؟! وأناس يولدون، لماذا يولدون؟! لماذا لم يستمر أولئك في الحياة ويأتِ أناسٌ جُدُد؟! لكن هذا يمشي رغماً عنه وهذا يموت، وهذا يولد رغماً عنه وهذا يمشي، هذا يؤدي دوراً، وذاك يؤدي نفس الدور، ويختلف معه بحسب سلوكه للسبيل السَّوِي أو السبيل الغَوِي! أسرار مجاهيل! هذه الأمم: أمة تباد، وأمة تحيا.
هذه القرون: تذهب، وتجيء غيرها، وتُهلك.
وأمم تُسْتَخْلف، مَن الذي يستخلف الأمم؟! ومن الذي يهلك الأمم؟! ولماذا يدركها البوار؟! وماذا بعد الاستخلاف والابتلاء؟! وماذا بعد الوفاة من مصير وحساب وجزاء؟!
стр. 1414
ما تهدف إليه سورة الأنعام
تطوف هذه السورة بالقلب البشري، وتحلق به في الآماد والآفاق، والأغوار والأعماق؛ ولكنها تمضي كلها على منهج القرآن، إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية العقيدة، ولا إلى جدل يشغل الذهن والفكر؛ ولكن تهدف إلى تقرير حقيقة إلى تعريف الناس بربهم الحق؛ لتصل بهم من خلال هذا التعريف إلى العبودية الحقة لربهم الحق، فلا يعبدون الهوى، ولا الشهوات، ولا الأهواء والنفعيات، وإنما يعبدون الله يعبدونه بضمائرهم، وقلوبهم، وأرواحهم، يعبدونه بسعيهم وحركتهم، يعبدونه بشعائرهم، يعبدونه في واقعهم، فكله لله؛ لأنه السلطان الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء، هذا هو هدف السورة.
ويكاد اتجاه السورة يمضي إلى هذا الهدف من أولها إلى آخرها: الله هو الخالق، وتلمس هذه القضية من أول آية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١] وماذا بعد ذلك؟ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] جعل الظلمات ثم جمعها ووحد النور، النور واحد، والظلمات كثيرة: ظلمات الكفر، والنفاق، والشُّبَه، والضلالات، والأهواء، والشهوات كثيرة؛ لكن طريق الله واحد، ولهذا يقول الله : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] أي: الظلمات الكثيرة، ﴿إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧].
فمِن أول وهلة وأنت تقرأ السورة تجد ثناءً على الله.
لِمَ هذا الثناء؟! لأنه أهل الثناء والمجد؛ لأنه الخالق.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١]، وليس الحمد لِهُبَل، ولا للشيطان، ولا لِلاَّت، ولا للنفس، ولا للرغبات، بل لله، لماذا؟! ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] نور تكشف به.
يقول العلماء: إن النور مهما كان ضئيلاً يبدِّد الظلمات مهما كانت معتمة، إذا دخلت مجلساً أو صالة وقد انطفأت الكهرباء وخيَّم الظلام حتى لا ترى يدك، وأردت أن تبدد الظلمة من هذا المكان، ماذا تصنع لتبديد الظلام؟ تأخذ العصا؟! تلاكم؟! تضارب؟! لا، لا تفعل شيئاً، عليك أن تشعل النور، أي نور كان، مهما كانت نسبته، ولو صفراً، هذه (السهَّارية) نور، لو أن القوة فيها صفر أو (٥) وات، أو (٥) شمعات، لو أنرتها فإن الظلام الذي يملأ الغرفة أين يذهب؟! سوف يخرج من الباب، ولن يبقى، لماذا؟! لأنه دخل الذي يخرجه، وهو النور.
فإذا كان في قلبك ظلمة فكيف تخرجها؟! أشعل النور، بعض الناس في قلبه ظلمة، فيحاول إخراج الظلمة فيضيف ظلمة، عنده هم وغم فيقال له: أنت غضبان؟ فيقول: نعم.
فيقال: هيا نتمشى، نرى منظراً جميلاً.
فيخرج إلى السوق ليرى منظراً محرماً فتزداد الظلمات في قلبه.
أو يقول: هيا لنشتري شريطاً فيه أغنية، فيسمع الأغنية من أجل أن يزيل الظلمة، فيزيدها ظلمة على ظلمة.
أو يشتري شريط فيديو، أو يركِّب فوق سطح بيته صحناً فضائياً من أجل أن تنصبَّ عليه حمم الظلمات من كل أرض، ما عاد يريد ظلمة واحدة، بل يريد ظلمات العالم كله فوق رأسه، تخرخر على رأسه وامرأته وعياله، وكلما انتهت ظلمة انتقل إلى ظلمة، يعيش على الظلمات، هذا مظلم -والعياذ بالله- ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
والذي يعيش في ظلمات هنا يموت وهو مظلم القلب، ويتحول قبره إلى ظلمات، ويُحشر يوم القيامة في الظلمات.
стр. 1415
بين نور الإيمان وظلمات الكفر
يقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد:١٢] ما هو نورهم؟! كهرباء؟! كشاف؟! إنه نور القرآن، والإيمان، والدين، واليقين، معك نور في الدنيا، وكذلك عند الموت والقبر والصراط فالنور ملازم لك، وفي دار الأنوار النور كله، ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢]، أما أهل الظلمات، الذين كانوا في ظلمات الدنيا، وما تعرفوا على أنوار الله، وما حاولوا أن يدخلوا هذا النور في قلوبهم؛ فإنهم أدخَلوا كلَّ أنوار الدنيا إلا نور الله، وسمعوا كل كلام الناس إلا كلام الله ما سمعوه، وقرءوا كل كتب وجرائد الناس ولم يقرءوا كتاب الله، واهتدوا بكل هدي، ولم يهتدوا بهدي رسول الله، فعاشوا في الظلمات، تركوا مصدر النور؛ لأن القرآن سماه الله نوراً، يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤].
وسَمَّى رسوله نوراً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
وسمى الله نفسه نوراً ﵎، ومن أسمائه الحسنى: النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥].
فإذا اكتسبت الأنوار من عبوديتك للجبار، وقراءتك لكلام الله، ومن الرسول ﷺ عشت في النور، ولهذا يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨] ماذا؟! ﴿نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨].
ويقول الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] وهل هذا مثل هذا؟! ما رأيكم برجل في ليلة مظلمة كُلِّف أن يعبر الطريق من قرية إلى قرية، وليس معه شيء، فكيف يصل هذا المسكين؟! لن يصل إلا وقد جرحته الحجارة، وأصابته الأشواك، وربما يقع في الحفر، ويسقط ويتعثر في (المطبات)، ويصطدم في الجدران، مسكين، ليس عنده نور.
وآخر كُلِّف بالمشي في نفس الطريق، وقالوا له: خذ (الكشاف)، ثم مشى، إذا رأى حفرة أو جداراً تجنبه، وإذا رأى شوكة تعداها، ويصل إلى المكان الذي قصده سليماً يسألونه: ماذا رأيتَ؟! لا شيء.
لماذا؟ معي نور؛ الحمد لله.
وهذه الدنيا هكذا، أنت مكلف أن تعبر هذه الدار إلى الله، وتمر وتجوز من هذه الدنيا إما إلى الجنة وإما إلى النار، فكيف تمشي بدون نور؟ إذا كانت الرحلة ساعة أو ساعتين فإنك تتعثر فيها إذا كنت بغير نور، فكيف تعيش ستين سنة بدون نور؟! أين هذا النور؟! تذهب إلى شركة الكهرباء؟! لا، هذا نور الدنيا، ينوِّر لك البيت فقط؛ لكن تريد نوراً ينور لك الدنيا والآخرة فبتمسكك بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ تحصل على النور.
стр. 1416
من ظلمات النفاق في أرض المحشر
فهؤلاء الذين لم يكن لديهم نور الإيمان، وكانوا يعيشون في الظلمات، يقولون وهم يرون أصحاب الأنوار الربانية يمشون على الصراط: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣].
يقول المفسرون: ﴿انظرونا﴾ [الحديد:١٣] لها معنيان: أي انظروا إلينا؛ لكي تنعكس أنوار وجوهكم علينا فنرى الطريق.
وقيل: ﴿انظرونا﴾ [الحديد:١٣] يعني: انتظروننا، كشخص عنده نور وهو ماشٍ بسيارته، وأنت ليس عندك نور وتطارده، وتمشي على نوره، وفرَّ وتركك، فتقول: على مهلك، دعنا نرى الطريق معك، فيقول لك: إي نعم هذا في الدنيا.
يقولون: فررتم وتركتمونا، انتظرونا نقتبس من نوركم.
﴿قِيلَ﴾ [الحديد:١٣] هنا فعلٌ ماضٍ مبني للمجهول بنى الله الفعل للمجهول لماذا؟ قال العلماء: لجهالة المخاطَبين، هؤلاء المنافقون مجهولون عند الله، ولذا لا يستحقون أن يقول الله لهم إلا هكذا، ولا يستحقون أن تقول لهم الملائكة إلا هكذا، ولا يستحقون أن يقول لهم المؤمنون إلا هكذا، وإنما (قيل) من القائل؟! مجهول، ﴿قِيلَ ارْجِعُوا﴾ [الحديد:١٣] ابحثوا لكم عن نور من الوراء، ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ [الحديد:١٣] اذهبوا إلى الدنيا، هذا نورنا تزودنا به من دار العمل، ارجعوا وراءكم، ابحثوا لكم عن نور، يقول العلماء: إن في هذا نوعاً من التهكم بأهل النار والمنافقين؛ لأنهم يحوِّلونهم إلى المستحيل، ﴿ارْجِعُوا﴾ [الحديد:١٣] وهم يعلمون أن الرجعة مستحيلة.
وقيل: إن في هذا لفت نظرهم إلى النار؛ لأن النار من ورائهم، يقولون: ابحثوا لكم عن نور من النار، والنار ليس فيها نور، نار الدنيا فيها نور؛ لكن نار الآخرة لا نور فيها؛ لأنها مظلمة؛ أوقد الله عليها ثلاثة آلاف سنة، ألف سنة حتى احمرَّت، ثم ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم ألف سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة كالليل البهيم، نعوذ بالله وإياكم من النار.
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] يفصل الله بين أهل النور وهم المؤمنون -جعلنا الله وإياكم منهم- وبين أهل الظلمة -نعوذ بالله وإياكم منهم- وأنت هل تريد النور، أو الظلمة؟! لا بد أن تعلم من الآن، بعض الناس يقول: أريد أن أكون مع المؤمنين؛ لكن لا أعمل، مثلاً: شخص بنى عمارة وقال: أريد أن أدخل الكهرباء، ماذا يتطلب الموضوع منه؟! شخص يريد الكهرباء ولم يضعه في المخطط، عندما جاء المخطط الكهربائي قال: لا، لا نريد، وقال للمقاول: انتبه! نحن لا نريد الكهرباء، ثم لما اكتملت العمارة قالوا له: أدخل الكهرباء.
قال: لا.
ودخل في العمارة، هل يستأجرها أحد منه، أو يسكن فيها، لا يريد كهرباء من أساسها؛ لكن نحن حينما نضع مخطط العمارة هناك لوحة اسمها: المخطط الكهربائي، ثم نختار أحسن مخطط، وأحسن منفذ، وإذا انتهى نختار أحسن أسلاك، ومفاتيح، و (أفياش)، وإذا انتهينا ذهبنا لنقدِّم الطلب: هات ملفاً، اعمل، ادفع، قل حاضر، تفضل، خذ.
ارتفعت التسعيرة لا يهم، بسيط، هي كهرباء، لا نقدر أن نعيش من غير كهرباء لماذا وهي نور الدنيا، ونور ستين سنة.
إذاً: نور القبر ما رأيك فيه؟!
стр. 1417
مواضع التماس الإيمان في الدنيا
أتريد أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟! تريد أن يكون معك نور في القبر يضيء لك، وهي الصلاة، كما قال ﷺ : (الصلاة نور) فأنت إذا أردت هذا النور اشغل نفسك به، راجع محطات النور هذه المساجد هي محطات النور الربانية، اجعل لك علاقة بها، بحيث أنك لا تغادرها في اليوم خمس مرات، في الفجر والظهر والعصر وأنت الأول، تكتسب الأنوار من محطة النور، ثم اجعل لك ورداً مع القرآن الكريم، اجعل لك ورداً مع السنة المطهرة، اجعل لك موعداً مع العلماء، الآن جلستكم في هذا المجلس هي نور لكم، ليس مني هذا النور؛ ولكنه من الله؛ لأنكم ما جلستم تريدون مالاً، ولا ثَمَّ عشاء بعد الجلسة، وإنما جلستم من أجل الله، والله ما أتى بكم إلا الله ﵎، ولا نزكي على الله أحداً، هذه الجلسة نور، وستشعرون وأنتم تخرجون من المجلس كيف هي قلوبكم؟! هل هي مثلما دخلت، أم أنها ازدادت نوراً، إن شاء الله تزداد نوراً.
عندما تجلس في محطات النور، وتجلس عند العلماء والدعاة يزيدك الله ﵎ نوراً، إي نعم، ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد:١٣] الذي من جهة أهل الإيمان -اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين- وما أفقرنا أيها الإخوان! وما أحوجنا إلى رحمة الله في الدنيا والآخرة -اللهم ارحمنا برحمتك في الدنيا والآخرة.
الملائكة تدعوا لكم يا إخواني! وأنتم في هذا المجلس، ملائكة الرحمن، وحملة العرش، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] أي: لكم ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ﴾ [غافر:٧] لأهل صفتين: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] ثم ماذا؟ ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧].
أول شيء: التوبة، بعض الناس يتبع سبيل الله وهو على المعاصي، ما نَصَح؛ لأنه يبني ويهدم، تراه يصلي ويذهب ليغني، يصلي ويذهب ليطارد النساء في الشارع، يصلي ويذهب ليدخن عند باب المسجد هذا ما تاب.
أول شيء: (التَّخْلِية) كما يسميها العلماء، إذا كان عندك كوب مملوء بالتراب، وأردت أن تشرب في هذا الكوب لبناً أو ماءً فماذا تعمل؟ وماذا ينبغي لك أن تفعله؟! العقل يقول لك: صُب التراب من الكوب، ونظِّفه، ثم ضع فيه ماءً أو حليباً واشرب؛ لكن لو قال لك واحد: اغسل كوبك من التراب؛ لكي نصب لك فيه حليباً أو ماءً، فقلتَ: لا، ما يهمك، يصلح، ضع الحليب على التراب، ماذا يحصل؟! هل تشرب بعد ذلك؟! هل تنتفع بالحليب؟! لا، رغم أنه حليب؛ لكن وضعته على تراب، كذلك بعض الناس يضع طاعةً، وصياماً، وصلاةً؛ لكن يضعها على تراب في قلبه، قلبه مملوء بالزيغ والضلال، نظف قلبك، ولهذا الملائكة تقول: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] أي: أقلعوا عن الذنوب ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٧ - ٩] هذه دعوة من الملائكة، اللهم استجبها يا رب! فينا وفي إخواننا المسلمين، تدعوا لك الملائكة أن الله يقيك السيئات، أي: يحميك من الذنوب، ثم قالت: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩] أنت تعرف الآن هل أنت ممن رحمك الله، أم لا؟ إذا رأيت نفسك وعرضتها على المعاصي والسيئات، فإن كنت صرفت نفسك، أعانك الله، فقد رحمك الله، وإن كنت وقعت فمسكين، ابحث عن رحمة الله، وهذه في يديك، وأنت تمر على مؤشر المذياع على أغنية سيئة، إذا أبعدتها فقد رحمك، وقاك السيئة ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩].
هذا هو الفوز، هذه هي العزة، هذا هو الانتصار أن تنتصر على نفسك وشهوتك، وإن من ينتصر على نفسه سيكون حرياً بالنصر في كل ميدان؛ لكن المهزوم داخل نفسه كيف ينتصر على غيره؟! ولهذا تجد بعض الناس مهزوماً أمام سيجارة، أو منظر امرأة، يقف في الشوارع والطرقات، ويخرج إلى الأسواق ويتلصص بعين سقيمة مريضة إلى محارم الله، تراه مثل الكلب يُشَمْشِم، هذا مهزوم، لا يصلح؛ لكن ذاك المنتصر إذا رأى امرأة يقول: صحيحٌ أنه منظرٌ جميل، لكن طاعة الله أحلى، عذاب الله أقوى، أنا أقارن بين لذة المعصية وبين عقوبتها فأجد أن لذتها بسيطة، وعقوبتها طويلة عظيمة، إذا كان (مَن ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله مِن جمر جهنم) و (من استمع إلى الغناء صبَّ الله في أذنيه يوم القيامة الآنك -أي: الرصاص المذاب-) إذاً كيف تعمل؟! صعب جداً عليك أيها الإنسان.
إذاً: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩] اللهم قنا السيئات يا رب العالمين.
هكذا أيها الإخوة: السورة من أولها إلى آخرها تبدأ وتطوف وتحدد هذه المعاني العظيمة: فأولها: يدلك على الخالق: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١] وهو الرازق، ﴿يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] رزق العباد كلهم عليه، نفقة العباد كلهم عليه، ثم إنه مالِك؛ صاحب قدرة، الناس كلهم في قبضته، مَن الذي يستطيع أن يخرج عن قبضة الله؟! مَن الذي يستطيع أن يمتنع عن الله؟! والله لا غني يمتنع بغناه، ولا قوي يمتنع بقوته، ولا ملك يمتنع بمُلكه، ولا صاحب مال يمتنع بماله، وإنما الناس كلهم ضعفاء أمام قوته، فهو المالك المتصرف في الكون ومن فيه، بيده مقاليد الليل والنهار، بيده ملكوت السماوات والأرض، ﴿يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦] وهو العليم بالغيوب والأسرار، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] لا إله إلا الله! ولو كانت ورقة من شجرة في صحراء تنزل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام:٥٩] لا إله إلا الله! هل يُعْصى هذا الرب؟! أين أنت يا إنسان؟! إذا كانت الملائكة لا تعصي الله لأنها عرفت الله، عرفته المعرفة الحقيقية، يقول ﵊: (أطَّت السماء -أي: احدودبت وانحنت- وحُقَّ لها أن تئط، فما فيها موضع قدم إلا وملك راكع أو ساجد، يسبحون الليل والنهار) مِن الملائكة مَن هو راكع من يوم أن خلقه الله إلى يوم القيامة، وإذا بُعِثَ ونُفِخ في الصور بُعِث وهو يسبح ويقول: سبحانك! ما عبدتك حق عبادتك.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، يقول ﷺ ، وهو يتحدث عن ملك من حملة العرش، والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه الألباني، يقول: (أُذِنَ لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقة مسيرة سبعمائة عام) هذا رقبة الملك وما بين شحمة الأذن إلى العاتق مسيرة سبعمائة سنة، إذاً: كيف الباقي؟ لا يعلمه إلا الله.
وجاء في الحديث الصحيح عن وصف جبريل أنه: (جاء إلى النبي ﷺ وقد فَرَد اثنين من أجنحته، فسَدَّ ما بين الخافقين) ما بين المشرق والمغرب، اثنان فقط، بقي بعدهما خمسمائة وثمانية وتسعون جناحاً، له ستمائة جناح، اثنان سَدَّا ما بين المشرق والمغرب.
стр. 1418
العلم بالله يورث الخشية والتأدب مع الله
فهذه الملائكة رآها الرسول ﷺ ، رأى جبريلَ عند العرش وهو كالحِلْس البالي من خشية الله ومخافته، ومن الذين عرفوا الله: الأنبياء؛ الأنبياء عرفوا ربهم معرفة حقيقية، ولهذا يتأدبون معه، لا يعصونه، وحتى في الخطاب عندما تسمع وتتأمل في القرآن الكريم، تجد خطابات الأنبياء لله ﵎ عظيمة جداً.
стр. 1419
أدب عيسى ﵇ مع ربه وخشيته منه
هذا عيسى ﵇ يقول له الله يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٧ - ١١٨].
يقول العلماء: كيف يسأل الله ﵎ عيسى ﵇ وهو يعلم أنه ما قال هذا الكلام؟! قالوا: ليقطع العذر على عُبَّاد عيسى، يعني: عُبَّاد عيسى قد يقولون يوم القيامة: إنَّا عبدناه لأنه قال لنا، فالله بدأ بعيسى: أنت قلت لهم يعبدونك وأمك من دوني؟ قال: ما قلت لهم.
فلا يأتي واحد منهم يقول: يا رب! إنَّا عبدناه لأنه قال لنا، انتهى لقد قطع الطريق عليهم من أول شيء؛ لكن انظروا أدب الخطاب مع الله.
стр. 1420
أدب يوسف ﵇ مع ربه وتواضعه له
وهذا يوسف ﵇ يقول: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
يقول: أنا لستُ منهم؛ لكن ألحقني بالصالحين، وهو العابد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وسائر الأنبياء.
стр. 1421
أدب موسى ﵇ مع ربه وافتقاره إليه
وهذا موسى ﵇: لما خرج إلى مدين وجاء إلى الظل ورأى الناس يسقون جَلَسَ، ولم يطلب من أحد شيئاً إلا من الله وبأدب جم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، يقول: الذي يأتي منك يا رب! أنا محتاج له؛ أنا أقبله.
стр. 1422
أدب أيوب ﵇ مع ربه وحياؤه منه
وهذا أيوب ﵇: (١٨) سنة وهو مريض ما قال: يا رب! أريد العافية، يستحي، ولما قالت له رحمة بنت يوسف: أنت نبي مستجاب الدعوة، اطلب من الله أن يعافيك.
قال: منذ متى وأنا مريض؟ قالت: منذ ثماني عشرة سنة.
قال: وكم مكثت متعافٍ من قبل؟ قالت: ثمانون سنة.
قال: إني أستحي أن أطلب العافية حتى تبلغ مدة مرضي مدة عافيتي.
يقول: إذا أكملنا ثمانين سنة أخبريني أو أعلميني حتى أطلب من ربي أن يعافيني.
هؤلاء هم الذين يعرفون الله.
ثم لما دخلت دودة في قلبه، ودودة أخرى في لسانه، وبدأت تقرص، لم يبق هناك لحم، لم يبق إلا العظم، وحمى الله لسانه بالذكر، وحمى الله قلبه بالشكر، فلما أن جاءت الدودة تبحث وأرادت لسانه، صاح، وقال: ربِّ ﴿إنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣] ولم يقل: فعافني، وإنما قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، إن كنت تريد أن تعافيني يا ربِّ، أو تميتني، أو تتركني فأنت أرحم الراحمين، رحمتك أختارها، انظروا إلى الأنبياء!! يقول العلماء: إن الضر الذي مس أيوب ليس ضر الألم، فقد مسه الضر منذ ثماني عشرة سنة؛ لكنه ضر التعطيل عن ذكر الله وشكره، هؤلاء هم الأنبياء.
стр. 1423
أدب النبي ﷺ مع ربه وتحمله لأذى قومه
وهذا محمد ﷺ لما رجع من الطائف وقد رجمه أهلها، وأغروا به السفهاء، وأدموا عقبيه، وطردوه، وبعد أن طردوه صار يمشي في طريق وعرة، يطلع جبلاً، وينزل وادياً، حتى يصل إلى وادي نخلة، وإذا به في الطريق ينزل عليه ملك الجبال بعد أن قال هذا الدعاء: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني-إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس بسبب غضبٍ منك يا رب! فلا أبالي (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة؛ أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى) هذا هو الدعاء العظيم.
فالذين يعرفون الله ﵎؛ الملائكة، والأنبياء، والصالحون، يعرفون الله فلا يعصونه، وإذا وقعوا في معصية رجعوا إلى الله ﵎.
فالله هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار، هو الحاكم في الكون، الأمر أمرُه، والنهي نهيُه، والشرع شرعُه، والحكم حكمُه، لا تحليل لما حرم، ولا تحريم لما أحل، هذا كله من خصائص الرب وخصائص الإله، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ما دام أنه الخالق لوحده فلا بد أن يكون هو الآمر لوحده، ولا يجوز أن يمارس أحدٌ هذه الأشياء مع الله ﵎، أو مِن دون الله؛ لأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يمنح ولا يمنع إلا الله، فلا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف ينافس الله في خصائص الألوهية، ما دام أن كل هذه الخصائص لله إذاً فله الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
стр. 1424
عظمة سورة الأنعام ومكانتها
هذه السورة لما نزلت لم تنزل كغيرها من السور، وإنما نزلت بهيئة عظيمة، يروي ابن مردويه بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نزلت سورت الأنعام ومعها موكبٌ من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض ترتج بهم، ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم) نزلت هذه السورة ومعها موكب من الملائكة نزل مع السورة عددهم سبعون ألف ملك، لهم زجل؛ ولهم صوت بالتسبيح، والأرض بهم ترتج من عظمة هذا الشيء الذي نزل، ورسول الله ﷺ يقول: (سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم!) ينزه الله ﵎.
هذا الموكب من الملائكة، وهذا الارتجاج في الأرض واضح في السورة، كما يقول بعض المفسرين: إنها هي نفسها ذات موكب، وموكبها ترتج له النفس، ويهتز له القلب، إنها مملوءة بالمواقف، وبالإيحاءات، وبالمشاهد، وبالمعاني، فما جاء في هيئة الملائكة من المعاني موجود فيها.
وتبدأ السورة بمواجهة المشركين؛ الذين يتخذون آلهة ويسوونها بالله، ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يسوون، حتى إنهم من فرط جهلهم ساوموا النبي ﷺ ، وقالوا: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، يعني: مبادلة، القضية تجارية، سنة بسنة، فقال الله حاسماً للقضية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، دينكم باطل فكيف أتبعه، آلهتكم مزيفة باطلة لا تملك، لا تخلق، لا تعطي، لا جزاء عندها، ولا جنة، ولا نار، فكيف أعبدها، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] مفاصلة؛ ولذا جاءت السورة: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] يتخذون آلهة من دون الله، بينما دلائل التوحيد تجبههم وتواجههم وتحيط بهم في الآفاق، والسماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، بل تلامسهم في أنفسهم وكل ما حولهم، وكل ذرة من ذراتهم، وكل خلية من خلاياهم شاهدة على أن الله واحد
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحدُ
ولكن ما الذي يحملهم على الشرك؟! إنه الجحود والإنكار، ولهذا يقول الله في السورة: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
تبدأ السورة بثلاث سمات ترسم الوضع كاملاً: أول سمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] وفي هذه اللحظة تبدأ تعرض: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١ - ٢] أعندكم شك بعد كل هذه الآيات؟! ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣] ثلاث آيات تغطي الوجود الكوني كله.
الأولى: في خلق السماوات.
الثانية: في الوجود الإنساني كله.
الثالثة: في إحاطة معاني الألوهية كلها.
أي إعجازٍ وأي روعة في كلام الله !! إنه كلام الله، لا يمكن ولا يتصور أن هذا الكلام كلام بشر، إنه كلام الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
ثم تعرض السورة بعد ذلك موقف المكذبين الذين يرون آيات الله مبثوثة في الكون والحياة مِن حولهم، بل مع أنفسهم، ومع هذا العرض ينكرون، فيأتي التهديد بعرض مصارع الأمم التي كذَّبت، ويتجلى السلطان القاهر الذي أوقع بهم هذه المصارع والقوارع، فيبدوا عجباً موقف هؤلاء المنكرين، ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤]، والآية هنا تعني: العلامة والدلالة، ما تأتيهم دلالة، ولا حجة، ولا علامة مِن العلامات التي تدلهم على الله ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤] فماذا ينفع فيهم هؤلاء؟! قال الله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:٥] هؤلاء الذين كذبوا بالحق المنزل على رسول الله ﷺ واستهزءوا بالحق الذي جاء به الرسول ﷺ سوف يأتيهم الخبر.
تروي كتب السنة أن رسول الله ﷺ وقف يوم بدر على أهل القليب، وفيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، ومجموعة من صناديد قريش، ثم قال لهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ ثم سكت، ثم قال: أمَّا أنا فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً) قال الصحابة: يا رسول الله! كيف تخاطب قوماً قد جيَّفوا؟! -كفار ماتوا، وانتفخت بطونهم، كيف تكلمهم؟! - قال: (والذي نفس محمدٍ بيده! إنهم أَسْمَع لكلامي منكم) يسمعون كلام الرسول ﷺ أكثر مما يسمعه هؤلاء؛ فهو على سبيل التقريع والتوبيخ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ [الأنعام:٥] إذا قال الله: سوف يأتيهم؛ فمن الذي يرد حكم الله؟! ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا﴾ [الأنعام:٦] أما عندهم نظر؟! أليس هناك تأمُّل؟! ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام:٦] الأمم السالفة مكن الله لهم من القدرات، وأعطاهم من القوى والإمكانات ما ليس لكفار قريش كعاد قوم هود ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧ - ٨] وقوم صالح هم هؤلاء بجانبنا هنا في مدائن صالح، كانوا ينحتون الجبال -بدون جرافات- بأصابعهم، يحفرون الجبال وتحفر لهم، ويبنون في الجبال بيوتاً، ثم يدخلون في الجبل، ويخرِّمونه من الداخل، ويعملون مجالس، وغرفاً، ومستودعات داخل الجبل، ولهذا الذي يمر منها ويراها يبكي، ويمر وهو مسرع -كما جاءت به السنة- لأنها منازل القوم الظالمين، ظلموا أنفسهم، فالله يقول لكفار قريش: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [الأنعام:٦]، أما رأوا هذه الأشياء؟! أما سمعوا بعاد، وثمود، والأمم السالفة الذين أفناهم الله؟! أين هم؟! ألم يأخذوا العبرة منهم؟! أليس الذي أفنى أولئك قادر على أن يفني هؤلاء؟! ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [الأنعام:٦] في هذا لفت نظر قوي: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام:٦] فماذا حصل؟! ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام:٦] وكما أهلكناهم بذنوبهم سوف يهلك الله كل صاحب معصية وذنب ويؤاخذه ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦] عملية تجديد للبشر، يأتي أناس ويذهب آخرون، والذي يذهب يذهب بما عمل، والذي يأتي يأتي ليجد ما يعمل، وكلٌّ يمر واللقاء عند الله ﵎.
стр. 1425
كن مع الله كما يحب؛ يكن الله معك كما تحب
يقول الله ﵎: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل:٨٩] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل:٨٩] مَن عمل في الدنيا حسنات وجاء بها، فله خير من هذه الحسنات، ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل:٩٠] كيف تريد أن يعطيك الله جائزة حسنة وأنت جئت بسيئة؟! ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم:٣١] أي: بالسوء، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] إذا أردت أن يكون الله لك كما تريد، فكن أنت لله كما يريد.
إذا أردت أن يكون الله لك كما تريد: رحيماً.
غفوراً.
ودوداً.
يدخلك الجنة.
ينجيك من النار.
يجعل قبرك روضة من رياض الجنة.
يجعلك في درجات عالية.
يعطيك النعيم؛ فكن أنت له كما يريد.
ماذا يريد منك أن تكون؟ يريدك أن تكون: عبداً.
طائعاً.
تواباً.
منيباً.
خائفاً.
وجلاً.
مشفقاً.
في قلبك مثل النار.
كأن النار ما خلقت إلا لك.
ترى كل حسنة تعملها تقول: ربما لن يقبلها ربي.
ترى أي معصية تعملها كأنها جبل.
هذا هو المؤمن، يرى الحسنات العظيمة يقول: هذه بسيطة، ماذا فعلتُ؟! ويرى السيئة البسيطة يقول: الله! أنا أعملها؟! أأنظر إلى النساء؟! أأسمع أغنية؟! أأنا آكل ريالاًَ حراماً؟! أأنا أنام عن صلاة مفروضة؟! أأنا أعق والدتي؟! أأنا أرفع صوتي على أبي؟! أأنا أقطع رحمي؟! أأنا أخون؟! أأنا أكذب؟! أأنا أغش؟! أأنا ألعن؟! أأنا أغتاب؟! أأنا أنم؟! حاسب نفسك، أنت بهذا الوضع تكون لله كما يريد، فيكون الله لك كما تريد، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [النمل:٨٩] ليس معه إلا الذي جاء به، ماذا تريد من الله أن يعطيك؟ غير الذي جئت به؟! ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠]، الآن كل واحد منا يأتي بشيء، واحد يأتي بذهب، وواحد جاء ببَعَر -أكرم الله السامعين-، ذهب إلى زريبة الغنم وجمع البعر وملأ حقيبته، ونزل إلى السوق، ماذا سيلقى هذا؟! يلقى بَعَراً، وذاك عندما أتى بالذهب فإنه سيلقى ذهباً.
стр. 1426
خبر وتعليق
أريد أن أعلِّق على الدرس الذي أعلن عنه فضيلة الشيخ حامد حفظه الله مدير مركز الدعوة والإرشاد بـ جدة، والذي سيلقيه الشيخ الدكتور أحمد بن عبد اللطيف العبد اللطيف، وموضوع الدرس: الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
هذه أيها الإخوة! بشرى حقيقية لأهل جدة، وهي فضل من الله ورحمة ونعمة؛ أن يأتي العلماء من أماكنهم ليلقوا الدروس عليكم في هذه المدينة الطيبة الطاهرة إن شاء الله، وخصوصاً أصحاب الاختصاص؛ الدكتور أحمد معروف لدى طلبة العلم، ومعروف لديَّ أنا شخصياً، ولا أزكِّي على الله أحداً، معروف بالفضل والعلم والنبوغ، فقد كان أحد المناقشين لي في رسالتي للماجستير، وقد عرفت منه العلم والغزارة والاطلاع والعمق.
وهذه الرسالة رسالة الإمام ابن تيمية كتبها لأهل تدمر، تتحدث في مضمونها عن مجمل اعتقاد السلف؛ العقيدة الصحيحة لسلف هذه الأمة تضمنتها هذه الرسالة، فبناها على ثلاثة أشياء: على مَثَلَين.
وعلى أصْلَين.
وعلى سبع قواعد.
من أدرك المَثَلَين، وعرف الأصْلَين، وعرف السبع القواعد عَرَفَ مجمل اعتقاد السلف.
وهذه الرسالة ليست سهلة، فهي من أصعب الكتب لطالب العلم، وقد مرت بي أنا؛ كانت مقررة علينا في السنة الأولى، في كلية الشريعة، سنة: (١٣٩٦هـ)، يعني: قبل عشرين سنة، لكن الجامعة فيما بعد -جامعة الإمام محمد بن سعود- غيرت المنهج، وجعلتها بعد أن كانت مقررة على السنة الأولى جعلتها مقررة على السنة الرابعة، وكنا نسميها ونحن في السنة الأولى شريعة: إنجليزي الكلية؛ لأنها مثل الطلاسم، مبهمات، ما ندري ماذا يقول الأستاذ؛ لأن ابن تيمية ألَّفها بأسلوب المناطقة، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلام قوي، كأنما يَفْصُل من جبل؛ ولكن إذا وجدتْ هذه الرسالة العالم -ولا نزكي على الله أحداً- مثل الشيخ أحمد، فسيبسطها إن شاء الله وتفهمونها بإذن الله.
ولذا أدعو كل من في المجلس هذا أن يخصص يوم الثلاثاء من كل أسبوع من المغرب إلى العشاء، ساعة لعقيدتك، ساعة لسلامة قلبك من الضلالات، تعرف كيف هي العقيدة، إذا عرفت هذه العقيدة - الرسالة التدمرية - تستطيع أن تقف في أكبر مكان في الدنيا، وأمام أكبر عالم في الدنيا، وتُثْبِت عقيدة السلف؛ لأن عندك قواعد؛ عندك أصلان، ومثلان، وسبع قواعد تبني عليها العقيدة.
أرجو من الإخوة الكرام! طلبة العلم، أن يأخذ كل واحد منهم دفتراً، ويشتري الكتاب -والكتاب موجود في السوق، وله طبعة خرَّجها أحد طلبة العلم، ونال عليها درجة الماجستير- ويحضُر إلى المجلس بعد صلاة المغرب، ثم يعرف أن يوم الثلاثاء هذا اسمه: يوم التدمرية، إن كان معزوماً، فليقل: أنا معزوم من قبل، وإن كان سيسافر، فليجعل السفر يوم الأربعاء، لا يسافر يوم الثلاثاء، مهما كان، استمر مع الشيخ في جلساته، وستجد بإذن الله مصلحة ومنفعة كبيرة، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نسمع وبما نقول.
стр. 1427
الأسئلة
стр. 1428
أهل الكلام وخوضهم في الأسماء والصفات بغير علم
السؤال
صدرتَ كلمتَك بالتعريج على التوحيد، وذكرت في كلمتك: ونترك متاهات العلماء بخصوص الكلام عن التوحيد.
فما المقصود بكلمتك: المتاهات؟ جزاك الله خيراً.
الجواب
المقصود بالمتاهات هو: الخلط في علم الكلام، وعلم الكلام المقصود به كما يعرفه العلماء: هو العلم الذي يتناول قضايا الأسماء والصفات والخوض فيها.
والذي ينصح به العلماء والذي هو معتَقَد أهل السنة والجماعة هو: إثبات الأسماء والصفات بمعانيها ومدلولاتها الشرعية واللغوية أيضاً، من غير تكييف لها ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.
أما الذين خاضوا في الكلام وخرجت بهم أفكارهم عن مدلولات الشرع، وعن نصوص الكتاب والسنة وأخضعوا القضية لعقولهم فقد ضلوا، وما وصلوا إلى شيء، بل -كما ذكرتُ لكم- ماتوا وهم لم يعرفوا شيئاً.
هذا هو المقصود.
стр. 1429
مخالطة الناس ودعوتهم إلى الهداية والصبر عليهم ونصحهم
السؤال
أنا شاب موظف ويوجد لديَّ زملاء هداهم الله ولكنهم يفعلون كثيراً من المعاصي، منها: ترك بعض الصلوات، والتخلف عن الجماعة، وشرب الدخان، والغيبة، والنميمة، وسب العلماء، والاستهزاء بالشباب الملتزمين، فما هي نصيحتكم لي.
هل أبقى معهم أم لا، مع أنني مستمر في نصحهم؟
الجواب
مخالطة الناس، وتغيير وضعهم، والصبر على أذاهم أفضل في نظر الشرع من اعتزالهم؛ لأن الاعتزال عمل سلبي يقدر عليه كل واحد، ولكن الإيجابية في أن تختلط بالناس صعبة، ولكن بشرط: أن تؤثر فيهم بالخير، ولا يؤثرون فيك بالشر، شأنك في ذلك شأن المصلحين، أو الأطباء، فالطبيب إذا دخل بين المرضى أعطاهم الدواء، وامتنع عن أخذ الداء؛ لكن إذا انعزل عن المرضى وقيل له: هنا مرضى، قال: أنا لا أحب المرضى ولا أقدر أن أدخل عليهم، وأنا طبيب سأقعد لوحدي، ابحثوا لي عن أناسٍ أصحاء أجلس معهم، هل هذا يسمى طبيباً؟! لا.
فأنت أيها الرجل الصالح! أيها الأخ الملتزم! ما دام أن عندك زملاء مرضى؛ إما بالمعصية، أو بالفسق، أو بالاستهزاء، وهذا كفر -والعياذ بالله- لأن الاستهزاء بالله يصل بالإنسان إلى درجة الكفر -والعياذ بالله- فأنت مطلوب منك بحكم موقعك وعملك معهم أن تعالج أمراضهم، وأن توجههم، وتستمر في نصحهم، ولا تستعجل منهم الهداية، فإن الله لا يعجل لعجلة أحد، الهداية بيد الله، والله ليس على ما تريد، إي نعم، أنت على مراد الله، عليك الإبلاغ والنصح، والله هو الذي يتولى الهداية، وقد تستمر في النصح شهوراً وسنوات ولا يستجيب الله.
لكن متى يلزمك أن تنتقل من هذا المكان؟! إذا رأيت عليك خطورة منهم، بحيث أنهم أصبحوا يشككونك، أو يؤثرون فيك، أو لا يسمعون كلامك، أو أنت نفسك لم تعد تدعوهم، لا بد لك أن تنجو بجلدك وتفر منهم.
стр. 1430
أهمية العلم ومكانته في مواجهة أهل البدع والخرافات
السؤال
هذا سائل من إحدى البلاد الإسلامية طلب مني أن أكتب له هذين السؤالين، يقول: إنه في ذلك البلد من قبيلة مسلمة ولله الحمد؛ ولكنهم يعملون أعمالاً تتنافى مع العقيدة، مثل: التوسل بأهل القبور، وطلب الأشياء منها، وعدم الصلاة، والذهاب إلى الكهنة والمشعوذين، وما إلى ذلك من الأعمال التي تتنافى مع كمال التوحيد، وأنهم يضغطون عليه، ويسخرون منه؛ لأنه متمسك بدينه، وهو يحاول نصحهم وإرشادهم إلى آخر سؤاله.
ثم يقول: نرجو من سماحتكم نصحه وإرشاده كيف يتعامل معهم، وكذلك نرجو أن تقدموا نصيحة لهؤلاء القوم لأنه يريد أن يعرض هذا الشريط عليهم إن شاء الله؟!
الجواب
أولاً -أيها الإخوة- إن من فضل الله على كثير من إخواننا المسلمين، أن جاءوا إلى هذه البلاد، جاء بعضهم للحج أو للعمرة أو للعمل والتكسب؛ لكن المفروض عليهم والمطلوب منهم أن يتزودوا بالعلم الشرعي المتاح في هذا البلد، وخصوصاً العقيدة الخالصة من شوائب الشرك، والبدع، والخرافة، وقد مَنَّ الله ﵎ على هذه البلاد بالعلماء الربانيين الذين يبيِّنون للأمة أصول دينها، وصحيح عقيدتها، المأخوذة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ .
لا يوجد عالم من العلماء الربانيين يأتيك ويقول لك: هذه عقيدة إلا ويعطيك دليلاً من كتاب أو سنة.
لا يوجد من يقول: قال شيخي، وقال الولي، وقال العارف، لا: بل قال الله، قال رسوله.
فإذا رزقك الله الإقامة هنا فينبغي لك أن تركز على علم العقيدة، ثم إذا ذهبتَ إلى بلدك، فلتحمل معك مع الهدايا، ومع الريالات، تحمل معك هذا العلم، وشيئاً من الكتب الشرعية والأشرطة من أجل أن تبدأ الدعوة هناك، وتبدأ التعليم، ولا شك أنك قبل أن تبدأ بالتعليم يجب أن تكون أيضاً على علم؛ لأنك إذا وقفت هناك وجادلت من عنده علم، وليس عندك علم فلا شك أنك ستكون مفلساً؛ لكن إذا تضلَّعت بالعلوم والأدلة من كتاب الله، ومن سنة النبي ﷺ وواجهتهم، فإنك ستواجههم بقوة وبحزم، ولن يستطيعوا مقاومتك؛ لأنهم يفتقرون إلى الدليل، وأنت عندك النور: الكتاب، والسنة.
ثم لا تتصور أن القضية سهلة؛ لأنهم عاشوا على هذا الفكر أو على هذا الأمر منذ سنين، فسيكون تغييرهم صعباً، فلا بد من الصبر، وابدأ بطلبة العلم، وبمن عنده رغبة في الخير والحق، ولا تأتِ إلى المتصلِّب، والمتعصب، ولا إلى الذي قد امتلأ رأسه من هذا الضلال، دعه واشتغل بغيره من الناشئة، كما صنع النبي ﷺ ، فإنه لما جاء إلى مشركي مكة كان تركيزه على الشباب، أما صناديد قريش لم يكن فيهم مصلحة، يعني: تضييع للوقت معهم، فكان يهتم بالشباب، ويهتم بالضعاف، ويهتم بالموالي، فهؤلاء اهتدوا، وأجرى الله التغيير في الأرض على أيديهم.
فأنت إذا جئت فلا تبدأ بالعلماء الكبار؛ لأنك إذا أتيت بدعوة التوحيد إلى هؤلاء فكأنك تنافسهم أو تزيلهم من مواقعهم، فيتصدون لك؛ لكن دعهم على ضلالهم، وابدأ بمن تستطيع أن تصل إليه.
حتى تتمكن وتنتشر الدعوة ثم ادع الكبار.
أما النصيحة إلى هؤلاء فنقول لهم: اتقوا الله ﵎، واعلموا أنه لن يمنعكم من الله أحدٌ، ولن يقبل الله منكم عبادة، إلا إذا توفر فيها شرطا العبادة الصحيحة: الشرط الأول: أن تكون خالصة لوجه الله.
الشرط الثاني: أن تكون صواباً على هدي رسول الله ﷺ ، فأي عبادة، أو عمل يتقرب به العبد إلى الله إذا لم يكن فيه إخلاص ومتابعة، فهو مردودٌ وباطل، وما نلمسه أو نسمعه من شتى بقاع الأرض من عبادات وأذكار، وطواف بالقبور، وذبح ونذور للأضرحة، كل هذا ليس عليه أمر الله، ولا أمر رسوله ﷺ ، فهو لا يخلو من الشرك أو البدع والخرافة والعياذ بالله.
стр. 1431
الحجاب ستر وعفاف وعبادة
السؤال
مِن أسباب فتنة بعض النساء للرجال: جهلهن بصفة الحجاب الشرعي وحكمه، فنأمل من فضيلتكم بيان ذلك؟
الجواب
الحجاب أيها الإخوة! كما سبق وأن قلنا: هو دين وشريعة، تعبَّد الله المرأة به، كما تعبَّدها بالصلاة وبالزكاة وبالصيام وبالحج، أيضاً تعبَّدها بالحجاب، فالذي شرع الحجاب هو الذي شرع الصلاة، والذي أمر بالحجاب هو الذي أمر بالزكاة، فالمرأة تمارسه لا على أنه عادة، أو أنه تقليد، أو أنه نوع من الكبت، لا، بل تمارسه لأنه مأمور به شرعاً، تلبس الحجاب وهي تستشعر وقوفها بين يدي الله، فإذا استشعرت هذا، وجدت لذة وأنساً وطعماً لهذا الحجاب، الذي تنفِّذ فيه أمر ربها وخالقها.
الحجاب أيها الإخوة! الحجاب ليس جلباباً فحسب، بل الحجاب عقيدة ودين، مَن الذي أمر أيها الإخوة! أيها الأخوات! يا من تسمعون كلامي في المسجد أو في خارج المسجد! مَن الذي أمر بالحجاب؟! إنه رب الأرباب، إنه الله، يقول الله للنساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ﴾ [النور:٣١] بدأ الحجاب هنا ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الخمار هو: الغطاء الذي تغطي به رأسها، تضرب المرأة بخمارها على جيبها ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: مروراً بوجهها، ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ [النور:٣١] لثمانية أصناف من الأقارب، وأربعة من غير الأقارب، ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] البعل، وهل يحتاج الأمر إلى بيان هذا، معروف أن المرأة تبدي زينتها لبعلها؛ لكن لماذا الله يذكرها؟! لبيان أن غيره حرام، ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبوها؟! ينص الله على أنها تكشف وجهها له حتى يكون على غيره حراماً، ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبو بعلها، ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أولادها، ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد زوجها من غيرها، وهي عمَّته، ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إخوتها، ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبناء أخيها، ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبناء أختها، فقط، وقُفِلَ الطريق، لم يعد هناك أحدٌ من الأقارب.
أما ولد العم، وولد الخال، والجماعة؟! لا، (الحمو الموت)، فأخو الزوج هو الموت؛ لأنه أجنبي، لو مات الزوج لتزوجها بعده، ما الذي يمنع؟! فلا يجوز.
أما الأربعة من غير الأقارب ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] المرأة تكشف على المرأة، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] امرأة غنية وعندها عبد مملوك ملك اليمين فهي تكشف عليه؛ لأنها سيدته؛ ولكن لا تكشف عورتها، ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] التابع للزوج، كالخادم، والسائق، والعامل، وأي واحد يتبع الزوج، تحت كفالته، أو تحت سيطرته وهيمنته؛ لكن بشرط أن يكون هذا السائق أو هذا العامل مَخْصِيَّاً، هذا كلام الله، ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ [النور:٣١] ماذا؟! ﴿غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] يعني: مَخْصِيَّاً، ليس معه ما مع الرجال؛ لكن إذا كان السائق ليس مَخْصِيَّاً، وتجعله يوصل المرأة؟! أين الغيرة يا إخواني؟! لا إله إلا الله! إنا لله وإنا إليه راجعون! والله مصيبة! أشهد بالله أنَّا نضحك مما يُبْكى منه يا إخواني! ثم قال بعدها: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور:٣١] الطفل؟! الطفل له قيود؟! نعم، ولو كان طفلاً، بشرط: أن يكون الطفل هذا لم يظهر على عورات النساء، أما لو كان رجلاً بالغاً فهذا ليس فيه خلاف سواءً ظهر أم لم يظهر؛ وإذا كان طفلاً عمره ست سنوات، ويعرف كيف يميز الجميلة من القبيحة فإن المرأة تحتجب منه؛ لأن بعض الأطفال ولو كان عمره خمس سنوات تجده ذكياً مميزاً، يدخل البيت ويرى المرأة ويصورها كلها ماذا بك؟! دخلت البيت وفيه امرأة جميلة.
فهذا يجب أن تحتجب منه؛ لأنه يعرف الجميلة من القبيحة، ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١].
هذا كلام الله يا إخواني! فالمرأة المؤمنة تمارس الحجاب على أنه طاعة، ولذا تلبسه وتهتم به، بأن تغطي كل شعرة، وظفر وبشرة منها، لا يظهر منها شيء، تلبس القفازين في يديها، وتلبس (الشراب الأسود) في رجليها، وتلبس الحذاء العادي الذي ليس بكعبٍ؛ لكي لا يرفع عجيزتها، وتلبس الغطاء المتين الذي لا يصف ولا ينمُّ عن وجهها، وتلبس العباءة المسيطرة والمهيمنة على كل جسمها، ثم إنه ليس هناك عباءة مزركشة، في لبس المرأة المسلمة سمعنا الآن أن هناك -وقد رأينا- عباءات مطرَّزة، هذه لم تعد عباءة، ولم تعد حجاباً، هذا الحجاب أصبح فتنة.
وسمعنا الآن أن نساءً يلبسن كاباً، ما هو الكاب؟! الكاب: مثل ثوب الرجل، ترى صدر وثدي المرأة، وكتفيها، ورقبتها، ومؤخرتها، لا يصلح هذا، لا بد من عباءة من رأسها إلى قدميها، بحيث لا يدري الناس ماذا تحته، فقط يرون شكلاً أسوداً؛ لكن الكاب يفصِّل المرأة، وترى كل شيء في المرأة، بدلاً من أن تلبس الثوب الأحمر، أو الأخضر، فلتلبس الثوب الأسود، هذا هو الأصلح، وبعضهنَّ تلبس شيئاً مثل البِشْت على رقبتها كأنها رجل، لا بد أن تلبس العباءة من فوق رأسها إلى أسفل قدميها وتسحبها؛ لأن بعض النساء الآن بدأن يرفعن العباءات إلى نصف الساق، ونخاف من أن ترتفع إلى الركبة، الرجل يرخي ثوبه، والمرأة ترفع ثوبها، بالعكس، الله يأمرنا بأن نرفع ثيابنا، والنساء تسحب ذيلها؛ لكن نحن بالعكس؛ الرجل يرخي، والمرأة ترفع، لا حول ولا قوة إلا بالله! ولا تتبرج بعطر ولا برائحة، وتلزم جانب الطريق، إذا خرجت المرأة في أي طريق لا تلتفت، لا تطالع إلا في موضع قدمها؛ لأن الالتفات دليل الرغبة في التفات الغير، فإذا رأى الناس واحدةً تتلفت هنا وهنا قالوا: والله إنها تبحث عن شيء؛ لكن عندما يرونها ماشية في الطريق، لا تلتفت لا يميناً ولا يساراً؛ فإن الرجل يعرف أن هذه ماشية مستقيمة، هذه (لا تعرف اللف ولا الدوران).
فلا تلتفت، ثم تلزم جانب الطريق، وتلتصق بالجدار، ولا تسلم على أحد، ولا ترد السلام، لماذا؟ لأن صوتها فتنة.
هذا هو الحجاب الشرعي، وما سوى ذلك فهو مغالطة وكذب.
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1432
تأملات قرآنية في سورة الأنعام [٢]
إن المتأمل لآيات سورة الأنعام يجد أنها ناقشت قضية العقيدة بأسلوب عقلي، وبعد أن انتهت من سرد الحقائق التي لا يسع العقل ردها، بينت أن رحمة الله واسعة لكل من سلم بهذه الحقائق، وأوضحت الأجر الجزيل الذي ينتظر هذه الفئة من الناس.
بعد ذلك تحول الأسلوب إلى أسلوب وعيد وتهديد لكل من حمله عناده على التردد في قبول هذه الحقائق فضلاً عن رفضها بالكلية، وقد جاء في إطار ذل بيان مصارع المكذبين، ومصير المعرضين.
стр. 1433
تفسير آيات الرحمة من سورة الأنعام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: هذا الدرس بعنوان: (تأملات قرآنية) ويأتي ضمن سلسلة الدروس التي هي بهذا العنوان، وتلقى بشكل دوري، مرة في كل شهر، ونتناول فيها بعض المفاهيم والنظرات والوقفات التي تهدي إليها وتدل عليها بعض آيات سورة الأنعام.
والآيات التي سوف نتأملها هذه الليلة هي في سعة رحمة الله ، وقد جاءت في بيان الله أنه كتب على نفسه الرحمة، وجاءت هذه الآية في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء، وما ختم الله به من التهديد المخيف، ومن الوعيد الشديد لأولئك المكذبين والمعرضين، والذين يعدلون بالله غيره من آلهتهم المزعومة، ثم ما جاء به من لفت الأنظار، وتوجيه القلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين من الأمم الغابرة، وأن مصير من يكذب لن يختلف عن مصير أولئك المكذبين.
كما أنها تأتي -هذه الآيات- بعد الحديث الذي عرض حقيقة الألوهية في المجال الكوني والمجال الإنساني، وفي كل مجالات الحياة؛ عرضت حقيقة الألوهية في مجال خلق السماوات والأرض، فافتتح الله السورة بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
ثم لفت النظر من خلال خلق الإنسان من طين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢].
ثم إحاطة علم الله بسر وجهر الناس، وبما يكسبونه: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣].
تأتي هذه الآيات بسؤال يوجهه الله إلى الناس، ويأمر نبيه ﷺ أن يقوله لهم، فيقول ربنا للرسول ﷺ : ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢] ثم يأمره الله بالجواب، فيقول: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] فإنه المالك، ولا يستطيع أحد أن يقول أو يتطاول أو يزعم أن له ما في السماوات وما في الأرض إلا الله، قد يزعم أو يتطاول بعض الناس فيدعي أن له شيئاًَ مما في السماوات والأرض، فقد تقول أنت: هذه أرضي ومزرعتي وعمارتي وشقتي؛ هذه جزئية لك، بقدرك بحسبك، وقد يقول -مثلاًَ- أمير منطقة: هذه منطقتي، ويقول رئيس دولة: هذه بلادي مملكتي دولتي لكن من يجرؤ على أن يقول: الأرض كلها أرضي، والسماء كلها سمائي، وما بينهما وما تحت الثرى لي، وما فوق الأرض والسماء لي؟! من يستطيع إلا الله؟! فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٢ - ١٣].
стр. 1434
تفسير قوله تعالى: (قل لمن ما في السموات والأرض)
هذه المساءلة تأتي لبيان وتقرير، ثم لمفاصلة، ومن ثَمَّ يبدأ التوجيه للنبي ﷺ في هذه المواجهة، مواجهة المشركين الذين يعرفون أن الله هو الخالق، وما كان مشركو العرب ينكرون هذه الحقيقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فما كانوا يشركون في الربوبية، فقد كانوا يعرفون أن الخالق هو الله؛ لكنهم لا يتبعون هذه الحقيقة -حقيقة الربوبية- بالحقيقة الملازمة لها، وهي حقيقة الألوهية، فما دام أنه الرب فإنه المعبود لوحده، لكنهم كانوا يفصلون بينهما، ويعبدون آلهة مع الله.
وبدأت المواجهة بتقرير الربوبية من أجل جعلها لازماً للألوهية، فيقول : ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢] التي لا يجادلون فيها، فيقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] ولقد كان العرب -كما قلت لكم- في جاهليتهم أخف ضلالاً من جاهلية الناس في هذا الزمان، لماذا؟ تلك الجاهلية فيها ضلال وزيغ؛ ولكن الجاهلية الحديثة؛ جاهلية البعد عن الله في أبشع الصور، وهي درجة الإلحاد، هذه لا تؤمن بالحقائق، ولا تعرف حقيقة أن الله هو خالق الكون والحياة، والتي هي متعلقة بفطرة الإنسان وبتكوينه، وأن الله هو الذي خلق الإنسان وفطره على الإيمان به، يقول الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
حتى الفطرة المركبة في الإنسان والتي هي أرضية لاستنبات هذا الدين، مُسخت هذه الفطرة وغُيِّرت، وجُعلت مضادة لما يمكن أن يكون صالحاً لإسعاد هذا الإنسان، إنهم كانوا يعرفون ويقرون أن لله ما في السماوات والأرض؛ ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه القضية نتائجها المنطقية من إفراد الله بالعبودية والحاكمية في الأرض، وبهذا اعتُبروا من المشركين، وسُميت حياتهم بالحياة الجاهلية، فكيف -أيها الإخوة- بمن يخرجون على أمر الله كله، وعلى اختصاص الله كله، ويزاولون هذا بأنفسهم؟! بماذا يوصفون؟! وبماذا يمكن أن توصف به حياتهم؟! لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك؛ إنها الكفر، والظلم، والفسق، كما قررها الله في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
стр. 1435
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله)
يتصور بعض الناس أن هذه الآية فقط مصروفة إلى الحُكَّام والرؤساء الذين لا يحكمون الشرائع، وهي آية عامة تشمل الحاكم والمحكوم، والكبير والصغير، وكلُّ مخاطب بهذه الآية يجب أن يحكم أمر الله فيه.
فعينُك هذه محكومة بأمر الله، أي: أمَر الله فيها بحكم، وقال لك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، هذا حكم الله في عينك، هل أخضعت عينك لحكم الله؟! أم أن عينك متمردة على حكم الله؛ فهي تنظر إلى ما حرم الله؟! وأذنك هذه مأمورة بأمر، فلا تسمع ما حرم الله، فهل حكَّمت فيها أمر الله فمنعتها من استماع الغناء وما حرم الله؟! ولسانك هذا محكوم بأمر الله، فهل أخضعت هذا اللسان لشرع الله، وحكمته بشريعة الله؟! أم أنه محكوم بالهوى والشهوة والعادة والطبيعة؟! وفرجُك، ويدُك، ورجلك، وبيتك، وزوجتك، وعملك، ومؤسستك، وحياتك كلها ما من جزئية من جزئياتك إلا وفيها أمر لله، هل حكمته بأمر الله؟! ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
قال العلماء: كيف تعدد الحكم بين: (كافرون، ظالمون، فاسقون)؟! رغم أن المعصية واحدة.
قالوا: الناس أمام أمر الله ثلاثة أصناف: الأول: صنف يواجهه أمر الله، فلا يؤمن به أصلاً، ويرفضه، ويتصور أن أمره أحسن من أمر الله، فهذا كافر.
الثاني: صنف يواجهه أمر الله وهو ظالم، وأمر الله يأمر بالعدل، فيرى أن أمر الله يرد ظلمه، فيرفضه ليستمر في ظلمه، فهو ظالم.
الثالث: صنف يواجهه أمر الله، ويعرف أن أمر الله حق؛ لكن أمر الله يحول بينه وبين ممارسة فسقه ومعاصيه، وهو إنسان يحب الشهوات، وإذا عرف أن أمر الله ينفذ عليه، فلا يريده من أجل الشهوة، فهذا فاسق.
والذي تتوفر فيه الثلاثة كلها؛ يرفض أمر الله؛ لأنه لا يريده أصلاً، ولا يرى أنه أفضل شيء، ثم هو ظالم، ثم هو فاسق، فتجتمع فيه الصفات كلها -والعياذ بالله-.
стр. 1436
تفسير قوله تعالى: (قل الله)
﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] اكتفى بالرد بهذه الآية فقط؛ إذ لا سبيل إلى المرية أو الشك أو المنازعة في هذا، لا يوجد أحد يستطيع أن يقول: إن أحداً مع الله شريك في السماوات والأرض، والدليل على ذلك: أن كل من يدَّعي ملك شيء يترك هذا الملك، فبيتك هذا تقول: بيتي.
طَيِّبٌ! لا تقل: بيتي، قل: بيت الورثة؛ بعد سنة أو سنتين إذا بك نازل على رأسك وقد كنت تمشي على رجليك، والآن تُنَزَّل منكوساً، إذاً هذا بيتك، أم بيت الناس؟! بيت الناس.
تقول: هذه سيارتي.
تَرَكْتَها.
تقول: هذه زوجتي.
تَرَكْتَها.
تقول: هذه إدارتي.
فصلوك منها.
تقول: هذه رتبتي.
نزعوها من على كتفك وتركوك.
تقول: هذه وزارتي.
أحالوك.
تقول: هذه مملكتي.
متَّ وأخرجوك.
إذاً: لمن الملك أصلاً؟! لله.
ولهذا يوم القيامة بعد أن يفني الله الكون كله، ينادي ﵎: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟! أين الجبابرة؟! أين القياصرة؟! أين الأكاسرة؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على نفسه ﵎ فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] لا شريك له فهو المالك.
ولهذا لَمْ تأت الآية بمزيد توضيح؛ إذ لا مجال للمراء والشك في هذه القضية، فهي قضية من المسلَّمات، ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] لكن العبرة والعظة فيما جاء بعدها: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] سبحانه ما أعظمه! المالك الذي لا ينازَع في ملكه؛ ولكن منه فضلاً ورحمة ومِنَّةً كتب على نفسه الرحمة، مَن ألزمه بأن يكتبها؟! من طلب منه أن يكتبها؟! كتبها ابتداءً منه وفضلاً منه، ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] كتبها بمشيئته وبإرادته، لم يوجبها عليه موجِب، ولم يقترحها عليه مقترح، ولم يقتضها منه مقتضٍ، ولم يطلبها منه طالب؛ ولكنها إرادته المطلقة، وربوبيته الكريمة.
стр. 1437
رحمة الله تعريفها وضابطها
стр. 1438
تعريف الرحمة
الرحمة كما يقول العلماء: قاعدة قضائه في خلقه؛ الأصل في كل شيء رحمة الله؛ لسعتها وشمولها، ولأنها مكتوبة؛ كتبها الله بإرادته وفضله، ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢].
فالرحمة قاعدة معاملته مع خلقه في الدنيا والآخرة، ولو أن الله يؤاخذ الناس بغير الرحمة ما ترك على ظهرها من دابة، ولأهلك الناس من زمن طويل، ولم يبق أحداً؛ لأن كل واحد يذنب في كل يوم ذنباً؛ لكن ما أعظم رحمة الله ! انظر إلى نفسك أنت كم تخطئ في اليوم الواحد؟! وكم تقترف من الذنوب والمعاصي؟! ففي هذا اليوم من الصباح إلى المغرب كم نظرت إلى النساء؟! هل سمعت منكراً؟! هل تكلمت في محذور؟! هل فكرت في حرام؟! هل صليت في المسجد؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء؟! هل عملتَ خيراً؟! تصدقت؟! أصلحت؟! أمرت بمعروف، نهيت عن منكر؟! كل هذه الأسئلة يجب أن تدور في ذهنك وستجد في المقابل الثاني معاصٍ، فلو أخذك الله بالمعاصي لأهلكك اليوم، وأهلك أهل أمس، وما بقي أحد؛ ولكن القاعدة الأصلية في تعامل الله مع خلقه، ويعاملهم به في الدنيا وفي الآخرة هي: رحمته فله الفضل والمنة، وله الشكر على هذه النعمة.
стр. 1439
مقتضى رحمة الله لعباده
هذه -أيها الإخوة- تقتضي مِنَّا أن نكون مؤدبين مع الله؛ فعندما نعلم أنه واسع الرحمة يجب أن نكون كثيري الطاعة، لا المعصية معتمدين على سعة الرحمة، كما يقول الحسن البصري: [إن قوماً غرَّهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل].
مثال: ولله المثل الأعلى؛ إذا وُجد مدير إدارة، ذو خلق كريم، وشهم يقدر الرجال، يؤدي العمل ويحترمه، ويحترم الأفراد العاملين معه، ويراعي ظروفهم، ويحقق مصالحهم، ويهيئ لهم كل فرص تحسين الوضع، وإذا وقع لأحد العاملين ظرفاً ساعده وفزع له ويعطيه إجازة، وإذا حصل عليه شيء يجمع له، المهم رجل شهم بمعنى الكلمة، كيف يتعامل الناس مع هذا المدير؟! على رجلين: الأول: موظف شهم فاضل؛ فيتعامل معه من هذا المنطلق، فتجده من أحسن الناس أداء، ودواماً، وإتقاناً؛ لماذا؟ لأنه يحترم المدير، يقول: هذا المدير رجل فاضل، نستحي والله أن نتأخر، أو أن نؤخر العمل عندنا، أو أننا نغلط معه، هذا رجلٌ أَكْرَمَنا وغطَّانا بفضله، كيف نتعامل معه؟! هذا هو منطق الأخلاق؛ أن تتعامل مع المدير بمثل ما يتعامل معك به.
الثاني: موظف سافل لا خير فيه، ولا خُلُق، استغلَّ طيبة المدير وخلقه وكرامته وشهامته؛ فضيَّع العمل ما رأيكم في هذا الإنسان؟! بماذا سيتعامل معه المدير؟! هل بنفس الأسلوب أم يغيره له، ويقلب له ظهر المجن، تجد المدير هذا الذي هو أحسن واحد، يصير أشرس واحد، لماذا؟ يقول: هذا لا يستحق التعامل الحسن.
ولله المثل الأعلى! إن سعة رحمة الله يجب أن لا تطمعنا في معصيته، وتجرِّئنا على مخالفة أمره، وهذا مذهب المرجئة، يقول فيهم زيد بن علي: " إني أبرأ إلى الله من المرجئة؛ فإنهم أطمع الفسَّاق في رحمة الله، وأجرؤهم على معصية الله.
" ولكن هناك توازن في التعامل مع الله، فتطمع في رحمته وتشفق من عقوبته، فتحملك معرفتك برحمته على الرجاء، وتحملك معرفتك بعقوبته وشدة بأسه على الخوف، فتعيش متوازناً بين الخوف والرجاء، هذه هي مسألة المؤمن؛ فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء إلى أن يموت، وفي ساعات الموت ماذا يفعل؟ يدع الخوف ويُغَلِّب الرجاء، لماذا؟ لأنه لم يعد هناك مجال للعمل؛ أي: لم يعد معك إلا ما تحسن به الظن، ويضرب العلماء في هذا مثالاً: الطالب وهو يذاكر أثناء العام الدراسي يعمل بين الخوف والرجاء، الخوف من نتائج الامتحان والأسئلة التي سوف يضعها الأستاذ، والرجاء لأنه والحمد لله مذاكر وذكي وفاهم للمادة، وأيضاً الأستاذ يعرف كيف يصحح الأسئلة والإجابات الصحيحة، هذا خوف ورجاء؛ لكن إذا دخل الصالة، ماذا يُغَلِّب؟! ووقع الورقة وكتبها وخرج إلى الخارج وقرأ الأسئلة وقارنها لم يعد عنده خوف، بل يصير عنده رجاء؛ رجاء في عطف الأستاذ ورحمته، ورجاء في اللجنة التي يسمونها لجنة الشفقة -لجنة الرحمة- التي تنظر في الأوراق إذا بقيت نصف علامة أو علامة ونصف فتضيفها.
وأنت كذلك يجب عليك في هذه الحياة أن تعيش متوازناً بين الرجاء والخوف؛ ولكن تغلِّب في الدنيا جانب الخوف لكي تنحجز عن المعاصي وتمشي في الطاعات، فإذا كنت مودعاً للدنيا إلى الآخرة تغلب جانب الرجاء، يقول ﵊: (لا يموت أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)، وإحسان الظن كما يقول ابن القيم: يقتضي إحسان العمل، فمن أحسن الظن بالله أحسن العمل في التعامل مع الله .
стр. 1440
مظاهر رحمة الله تعالى
إنَّ رحمة الله هي الأساس والأصل في تعامل الله مع العباد، وهذه الرحمة لها مظاهر وصور، وما من لحظة من لحظات الحياة إلا وهي رحمة الله ظاهرة فيها، بل لو تخلت عنك رحمة الله لحظة واحدة لهلكت.
تصور والله يجري لك النفس الذي تستنشقه من الهواء، فيدخل إلى الرئتان، وتنقله الرئتين إلى القلب والدم، ويؤكسد الدم وينظفه ويصعد، لو حُبست عنك هذه اللحظات -أي: لو حبس النفس لحظة واحدة- ومنع الله منك رحمة الهواء، كيف تعيش؟! ولو سقطت قطرة من قطرات الماء التي تشربها ونزلت في البلعوم الخاص بالهواء، ماذا يحصل؟ تسمى: شَرْقَة، والشَّرْقَة هي: نزول الماء أو الغذاء في البلعوم، لأن في الرقبة قصبتين: الأولى: المريء، وهي قصبة من الفم إلى فم المعدة، وهذه القصبة فيها عضلة، فإذا دخلت اللقمة تضرب العضلة فيها، وتعصرها حتى تنزلها إلى تحت، وبعد ذلك تنطبق ولا تسمح بخروج شيء، ولهذا ترى الواحد إذا انتكس على رأسه يمارس الرياضة، لا ينزل الذي في بطنه؛ لأنها تُقْفَل؛ لكن من هنا مفتوحة، أي شيء ينزل ولا يصعد.
الثانية: بجانبها قصبة ثانية، اسمها: البلعوم، وهذه قصبة غضروفية مفتوحة باستمرار، وتوصل إلى الرئة.
وبين القصبتين -بين المريء وبين البلعوم- جندي واقف يسمح بمرور الطعام والهواء بالتناوب، تسمى عندنا في الجنوب: (الطُّرَّاعة)، وتُسمى في بعض الأماكن: (اللهاة)، واسمها في العلم: (لسان المزمار)، وهي لحمة موجودة، إذا تكلم الواحد سدت الفتحة الخاصة بالطعام؛ لأنه يتكلم بالهواء؛ وإذا أراد أن يأكل سدت الفتحة الخاصة بالهواء، فإذا تكلم وهو يأكل ماذا يصير؟ يصدر أمراً إلى هذه اللحمة أن افتحي هنا وافتحي هنا، فتدخل حبة أرز أو قطرة ماء في القصبة الخاصة بالهواء، فيحس الإنسان بشَرْقَة، هذه الشَّرْقَة كفيلة بأن تجعلك تموت، من يخرج الحبة من رئتك إذا دخلت؟! من ينزل قصبة تخرج القطرة التي نزلت إلى رئتك، رئتك لا تقبل قطرة ماء، ولا تقبل حبة أرز؛ لكن رحمة الله تدركك، فتصدر إشارات من المخ إلى الرئة أنه يوجد جسم غريب دخل، اطردوه، فتقوم الرئة تطلق صفارات الإنذار على الدفاع الداخلي ويحدث السعال، وإذا طُرِدَت النقطة قال: الحمد لله، كنت سأموت! وترى عينيه ترقرقت بالدمع، من أجل قطرة تموت؟ ما أضعفك! ما أحقرك أيها الإنسان! من أجل قطرة، لو أن الله ما طرد منك هذه القطرة لكنتَ متَّ؛ لكن رحمة الله تدركك.
هذه الرحمة -أيها الإخوة- لها صور، ولها مظاهر كثيرة جداً، ولو تكلم عنها الإنسان ساعات طوال ما أدركها ولا أحاط بها؛ لكن سنتكلم عن بعضها، وعن أشملها وأظهرها:
следующие страницы →