← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (قل الله) ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] اكتفى بالرد بهذه الآية فقط؛ إذ لا سبيل إلى المرية أو الشك أو المنازعة في هذا، لا يوجد أحد يستطيع أن يقول: إن أحداً مع الله شريك في السماوات والأرض، والدليل على ذلك: أن كل من يدَّعي ملك شيء يترك هذا الملك، فبيتك هذا تقول: بيتي. طَيِّبٌ! لا تقل: بيتي، قل: بيت الورثة؛ بعد سنة أو سنتين إذا بك نازل على رأسك وقد كنت تمشي على رجليك، والآن تُنَزَّل منكوساً، إذاً هذا بيتك، أم بيت الناس؟! بيت الناس. تقول: هذه سيارتي. تَرَكْتَها. تقول: هذه زوجتي. تَرَكْتَها. تقول: هذه إدارتي. فصلوك منها. تقول: هذه رتبتي. نزعوها من على كتفك وتركوك. تقول: هذه وزارتي. أحالوك. تقول: هذه مملكتي. متَّ وأخرجوك. إذاً: لمن الملك أصلاً؟! لله. ولهذا يوم القيامة بعد أن يفني الله الكون كله، ينادي ﵎: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟! أين الجبابرة؟! أين القياصرة؟! أين الأكاسرة؟! فلا يجيبه أحد، فيجيب على نفسه ﵎ فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] لا شريك له فهو المالك. ولهذا لَمْ تأت الآية بمزيد توضيح؛ إذ لا مجال للمراء والشك في هذه القضية، فهي قضية من المسلَّمات، ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] لكن العبرة والعظة فيما جاء بعدها: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] سبحانه ما أعظمه! المالك الذي لا ينازَع في ملكه؛ ولكن منه فضلاً ورحمة ومِنَّةً كتب على نفسه الرحمة، مَن ألزمه بأن يكتبها؟! من طلب منه أن يكتبها؟! كتبها ابتداءً منه وفضلاً منه، ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] كتبها بمشيئته وبإرادته، لم يوجبها عليه موجِب، ولم يقترحها عليه مقترح، ولم يقتضها منه مقتضٍ، ولم يطلبها منه طالب؛ ولكنها إرادته المطلقة، وربوبيته الكريمة.

стр. 1437

رحمة الله تعريفها وضابطها

стр. 1438

تعريف الرحمة الرحمة كما يقول العلماء: قاعدة قضائه في خلقه؛ الأصل في كل شيء رحمة الله؛ لسعتها وشمولها، ولأنها مكتوبة؛ كتبها الله بإرادته وفضله، ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]. فالرحمة قاعدة معاملته مع خلقه في الدنيا والآخرة، ولو أن الله يؤاخذ الناس بغير الرحمة ما ترك على ظهرها من دابة، ولأهلك الناس من زمن طويل، ولم يبق أحداً؛ لأن كل واحد يذنب في كل يوم ذنباً؛ لكن ما أعظم رحمة الله ! انظر إلى نفسك أنت كم تخطئ في اليوم الواحد؟! وكم تقترف من الذنوب والمعاصي؟! ففي هذا اليوم من الصباح إلى المغرب كم نظرت إلى النساء؟! هل سمعت منكراً؟! هل تكلمت في محذور؟! هل فكرت في حرام؟! هل صليت في المسجد؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء؟! هل عملتَ خيراً؟! تصدقت؟! أصلحت؟! أمرت بمعروف، نهيت عن منكر؟! كل هذه الأسئلة يجب أن تدور في ذهنك وستجد في المقابل الثاني معاصٍ، فلو أخذك الله بالمعاصي لأهلكك اليوم، وأهلك أهل أمس، وما بقي أحد؛ ولكن القاعدة الأصلية في تعامل الله مع خلقه، ويعاملهم به في الدنيا وفي الآخرة هي: رحمته فله الفضل والمنة، وله الشكر على هذه النعمة.

стр. 1439

مقتضى رحمة الله لعباده هذه -أيها الإخوة- تقتضي مِنَّا أن نكون مؤدبين مع الله؛ فعندما نعلم أنه واسع الرحمة يجب أن نكون كثيري الطاعة، لا المعصية معتمدين على سعة الرحمة، كما يقول الحسن البصري: [إن قوماً غرَّهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل]. مثال: ولله المثل الأعلى؛ إذا وُجد مدير إدارة، ذو خلق كريم، وشهم يقدر الرجال، يؤدي العمل ويحترمه، ويحترم الأفراد العاملين معه، ويراعي ظروفهم، ويحقق مصالحهم، ويهيئ لهم كل فرص تحسين الوضع، وإذا وقع لأحد العاملين ظرفاً ساعده وفزع له ويعطيه إجازة، وإذا حصل عليه شيء يجمع له، المهم رجل شهم بمعنى الكلمة، كيف يتعامل الناس مع هذا المدير؟! على رجلين: الأول: موظف شهم فاضل؛ فيتعامل معه من هذا المنطلق، فتجده من أحسن الناس أداء، ودواماً، وإتقاناً؛ لماذا؟ لأنه يحترم المدير، يقول: هذا المدير رجل فاضل، نستحي والله أن نتأخر، أو أن نؤخر العمل عندنا، أو أننا نغلط معه، هذا رجلٌ أَكْرَمَنا وغطَّانا بفضله، كيف نتعامل معه؟! هذا هو منطق الأخلاق؛ أن تتعامل مع المدير بمثل ما يتعامل معك به. الثاني: موظف سافل لا خير فيه، ولا خُلُق، استغلَّ طيبة المدير وخلقه وكرامته وشهامته؛ فضيَّع العمل ما رأيكم في هذا الإنسان؟! بماذا سيتعامل معه المدير؟! هل بنفس الأسلوب أم يغيره له، ويقلب له ظهر المجن، تجد المدير هذا الذي هو أحسن واحد، يصير أشرس واحد، لماذا؟ يقول: هذا لا يستحق التعامل الحسن. ولله المثل الأعلى! إن سعة رحمة الله يجب أن لا تطمعنا في معصيته، وتجرِّئنا على مخالفة أمره، وهذا مذهب المرجئة، يقول فيهم زيد بن علي: " إني أبرأ إلى الله من المرجئة؛ فإنهم أطمع الفسَّاق في رحمة الله، وأجرؤهم على معصية الله. " ولكن هناك توازن في التعامل مع الله، فتطمع في رحمته وتشفق من عقوبته، فتحملك معرفتك برحمته على الرجاء، وتحملك معرفتك بعقوبته وشدة بأسه على الخوف، فتعيش متوازناً بين الخوف والرجاء، هذه هي مسألة المؤمن؛ فالمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء إلى أن يموت، وفي ساعات الموت ماذا يفعل؟ يدع الخوف ويُغَلِّب الرجاء، لماذا؟ لأنه لم يعد هناك مجال للعمل؛ أي: لم يعد معك إلا ما تحسن به الظن، ويضرب العلماء في هذا مثالاً: الطالب وهو يذاكر أثناء العام الدراسي يعمل بين الخوف والرجاء، الخوف من نتائج الامتحان والأسئلة التي سوف يضعها الأستاذ، والرجاء لأنه والحمد لله مذاكر وذكي وفاهم للمادة، وأيضاً الأستاذ يعرف كيف يصحح الأسئلة والإجابات الصحيحة، هذا خوف ورجاء؛ لكن إذا دخل الصالة، ماذا يُغَلِّب؟! ووقع الورقة وكتبها وخرج إلى الخارج وقرأ الأسئلة وقارنها لم يعد عنده خوف، بل يصير عنده رجاء؛ رجاء في عطف الأستاذ ورحمته، ورجاء في اللجنة التي يسمونها لجنة الشفقة -لجنة الرحمة- التي تنظر في الأوراق إذا بقيت نصف علامة أو علامة ونصف فتضيفها. وأنت كذلك يجب عليك في هذه الحياة أن تعيش متوازناً بين الرجاء والخوف؛ ولكن تغلِّب في الدنيا جانب الخوف لكي تنحجز عن المعاصي وتمشي في الطاعات، فإذا كنت مودعاً للدنيا إلى الآخرة تغلب جانب الرجاء، يقول ﵊: (لا يموت أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله)، وإحسان الظن كما يقول ابن القيم: يقتضي إحسان العمل، فمن أحسن الظن بالله أحسن العمل في التعامل مع الله .

стр. 1440

مظاهر رحمة الله تعالى إنَّ رحمة الله هي الأساس والأصل في تعامل الله مع العباد، وهذه الرحمة لها مظاهر وصور، وما من لحظة من لحظات الحياة إلا وهي رحمة الله ظاهرة فيها، بل لو تخلت عنك رحمة الله لحظة واحدة لهلكت. تصور والله يجري لك النفس الذي تستنشقه من الهواء، فيدخل إلى الرئتان، وتنقله الرئتين إلى القلب والدم، ويؤكسد الدم وينظفه ويصعد، لو حُبست عنك هذه اللحظات -أي: لو حبس النفس لحظة واحدة- ومنع الله منك رحمة الهواء، كيف تعيش؟! ولو سقطت قطرة من قطرات الماء التي تشربها ونزلت في البلعوم الخاص بالهواء، ماذا يحصل؟ تسمى: شَرْقَة، والشَّرْقَة هي: نزول الماء أو الغذاء في البلعوم، لأن في الرقبة قصبتين: الأولى: المريء، وهي قصبة من الفم إلى فم المعدة، وهذه القصبة فيها عضلة، فإذا دخلت اللقمة تضرب العضلة فيها، وتعصرها حتى تنزلها إلى تحت، وبعد ذلك تنطبق ولا تسمح بخروج شيء، ولهذا ترى الواحد إذا انتكس على رأسه يمارس الرياضة، لا ينزل الذي في بطنه؛ لأنها تُقْفَل؛ لكن من هنا مفتوحة، أي شيء ينزل ولا يصعد. الثانية: بجانبها قصبة ثانية، اسمها: البلعوم، وهذه قصبة غضروفية مفتوحة باستمرار، وتوصل إلى الرئة. وبين القصبتين -بين المريء وبين البلعوم- جندي واقف يسمح بمرور الطعام والهواء بالتناوب، تسمى عندنا في الجنوب: (الطُّرَّاعة)، وتُسمى في بعض الأماكن: (اللهاة)، واسمها في العلم: (لسان المزمار)، وهي لحمة موجودة، إذا تكلم الواحد سدت الفتحة الخاصة بالطعام؛ لأنه يتكلم بالهواء؛ وإذا أراد أن يأكل سدت الفتحة الخاصة بالهواء، فإذا تكلم وهو يأكل ماذا يصير؟ يصدر أمراً إلى هذه اللحمة أن افتحي هنا وافتحي هنا، فتدخل حبة أرز أو قطرة ماء في القصبة الخاصة بالهواء، فيحس الإنسان بشَرْقَة، هذه الشَّرْقَة كفيلة بأن تجعلك تموت، من يخرج الحبة من رئتك إذا دخلت؟! من ينزل قصبة تخرج القطرة التي نزلت إلى رئتك، رئتك لا تقبل قطرة ماء، ولا تقبل حبة أرز؛ لكن رحمة الله تدركك، فتصدر إشارات من المخ إلى الرئة أنه يوجد جسم غريب دخل، اطردوه، فتقوم الرئة تطلق صفارات الإنذار على الدفاع الداخلي ويحدث السعال، وإذا طُرِدَت النقطة قال: الحمد لله، كنت سأموت! وترى عينيه ترقرقت بالدمع، من أجل قطرة تموت؟ ما أضعفك! ما أحقرك أيها الإنسان! من أجل قطرة، لو أن الله ما طرد منك هذه القطرة لكنتَ متَّ؛ لكن رحمة الله تدركك. هذه الرحمة -أيها الإخوة- لها صور، ولها مظاهر كثيرة جداً، ولو تكلم عنها الإنسان ساعات طوال ما أدركها ولا أحاط بها؛ لكن سنتكلم عن بعضها، وعن أشملها وأظهرها:

стр. 1441

إنزال القرآن الكريم أنزل الله القرآن رحمة للعالمين، وتصوروا -أيها الإخوة- لو أننا نعيش بغير قرآن، كيف ستكون حياتنا؟! إنها والله حياة بهيمية، إن أسوأ حياة يعيشها الإنسان يوم يعيش مقطوعاً عن الله، لا تتصوروا أن أصحاب الحضارة الغربية والشرقية التي قامت بتقديس المادة، وتدنيس وتدمير الإنسان أنهم في سعادة، لا والله! هم في الحقيقة في سعادة مادية؛ لكنهم في عذاب داخلي، ويعرف هذا عقلاؤهم؛ يقررون ويكتبون ويتوقعون معضلات تحصل بسببه، وما حصل بسببه الآن فهو معروف: الانتحار المخدرات الأمراض النفسية التحلل الأسري التفكك الاجتماعي الجنون المسرحي الجنون الكروي كل هذه مظاهر، جاءت بسبب انقطاع الناس عن وحي السماء؛ يعيشون بغير قرآن، يعيشون كما تعيش البهائم والأنعام، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، كما تأكل البهائم؛ لكن ليسوا بهائم في الأصل، هم أناس، خلقهم الله للعبادة، فعطلوا هذه الوظيفة واشتغلوا بما اشتغلت به البهائم، فقصروا أرواحهم على عيشة ما خلقت لها، عيشهم يجب أن يكون على دين؛ لكنهم جعلوها حيوانية، ولهذا هم يعذبون أنفسهم، فهم الآن في عذاب لا يعلمه إلا الله، من أين جاء هذا العذاب؟ بسبب حرمانهم من وحي السماء. والله سمَّى القرآن رحمة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ [يونس:٥٧]، ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:٥٧] وهو القرآن، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] ما هو الذي في الصدور؟ القلوب، إن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي﴾ [الحج:٤٦] أين؟ ﴿فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وليس المقصود هذا الذي يضخ الدم، لا. هذا القلب مادي، لكن القلب المعنوي: هو القلب الذي يفقه عن الله ما الذي يشفيه، ويجعله حياً يخاف من الله ومقبل إليه؟ هنا القلب القرآن شفاء له؛ لكن كيف يأتيك الشفاء وأنت معرض عن القرآن؟! الأمة الآن مريضة؛ لأن القرآن ليس في حياتها، إذا مرَّ الواحد على القرآن في الإذاعة أقفله، وإذا مرَّ على الأغنية قام يلعب ويرقص، كيف يأتي الشفاء؟ هذه مصيبة الأمة، فالشفاء في كتاب الله تعالى، قال : ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ [يونس:٥٨] أي: بإنزاله القرآن، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس:٥٨] أي: بالقرآن، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] إن كان عندك هذه الرحمة والفضل والقرآن فلتفرح، وإن كنت محروماً من هذا الفضل والقرآن فلا تفرح؛ لأنك ضيعت الشيء الذي بسببه تحصل الفرحة: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. ويقول : ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٥٢]. ويقول : ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: لا أَظْلَمَ، إذا سمعتَ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: لا يوجد أحد أظلم من صاحب هذا الظلم وهذا الفعل ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: أعرض عن آيات الله المقروءة أو المنظورة؛ المقروءة في القرآن أو المنظورة في الكون، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: تعامى وأعرض عنها، ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام:١٥٧] أي: يعرضون ﴿عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام:١٥٧]. فنزول القرآن رحمة. اسأل نفسك: كم نصيبك من هذه الرحمة؟ كم تحفظ من القرآن؟ تحفظه كاملاً؟ إذن عندك (١٠٠%) رحمة. تحفظ نصفه؟ إذن عندك (٥٠%) رحمة. تحفظ عشرة أجزاء؟ إذن عندك (٣٣%) وهكذا، وإن كنت لا تحفظ شيئاً فعندك (٠%). بعض الناس لا يحفظ حتى آية، لكنه يحفظ مليون أغنية! هذا عنده (١٠٠%) عذاب بدلاً من الرحمة. خلقك الله لتعمل بكتابه؛ من أجل أن تقرأ وتعمل بالقرآن الكريم هذا رحمة، كم عندك؟! اسأل نفسك: كم عند زوجتك من القرآن؟! كم عكست ما عندك إلى أهلك؛ عند بنتك وولدك وجماعتك؟! لأنه الرحمة، فيجب أن يستفيد الناس من الرحمة التي فيك؛ لكن الذي ما عنده رحمة في نفسه كيف يكون في الناس رحمة له وقد حرم نفسه من الرحمة العظيمة التي أنزلها الله رحمة للعالمين، وهي هذا الكتاب الكريم؟! فنزول القرآن رحمة من الله، كما قال الله ﵎: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].

стр. 1442

بعثة الرسول ﷺ رحمة يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ [الأنبياء:١٠٧] لمن؟ للناس؟! لا. بل: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] وكل ما سوى الله فهو عالَم، رحمة للسماوات وللأرض، ولليل وللنهار، وللأشجار وللبحار، وللإنسان وللحيوان، وللنبات وللجماد كل شيء، لقد شملت هذه الرسالة وعمَّت رحمتها كل شيء، حتى المطر إذا نزل على أرضٍ فيها صلاح ودين يصير رحمة، وإذا كان فيها معاصٍ يصير عذاباً وتدميراً، لماذا؟ لأنه في الأصل رحمة، وأحياناً لا يكون هؤلاء أهلاً للرحمة فينزل عليهم عذاباً -والعياذ بالله-. فبعثة النبي ﷺ رحمة، وتصوروا أيها الإخوة، لو لم يكن لنا رسول، فمن يكون قدوتنا في الحياة؟! إن المؤمن ليطمئن وتهدأ نفسه حينما يعلم أنه يتلقى تعليماته وقدوته وأوامره ويسير في حياته على منهج أكرم بشر، وعلى طريقة أفضل مخلوق، وهو رسول الله ﷺ ، شرف عظيم لك أن يكون قدوتك رسول الله ﷺ ؛ لكن إذا كنتَ بغير قدوة ورسالة ما حالك؟ انظروا إلى التائهين الضالين، يربي له (زنَّارة). ماذا به؟! قال: هذا خُنْفُس. هذا قدوته الخُنْفُس. وآخر حلق رأسه إلى أن صار رأسه مثل البطاطا تماماً. ماذا به؟! قال: هناك جماعة في أوروبا اسمهم: جماعة الأرانب، أنا من أعضاء جمعية الأرانب. هذا خُنْفُس وهذا أرنب! وآخر يلبس بنطالاً ضيقاً على استه حتى يخنقها، ثم يوسع على رجله ويجعله متراً من تحت. ما به؟ قال: هذا (شارل استون). ما هذا؟! من قدوة هؤلاء الضالين الضائعين -والعياذ بالله-؟! رأيت مسابقات يجرونها الآن في العالم تُضْحِك، قبل أيام سمعنا واحداً أُجريت له مسابقة، وحقق رقماً قياسياً في الضحك، مكث ساعة يضحك، حتى آلم فمه وهو يضحك وإذا وقف، قالوا: اضحك أو اخرج من المسابقة. أهولاء يعيشون في سعادة؟! وآخر أجريت له مسابقة في أطول شنب؛ مكث طول حياته ليس همه إلا أن يمسح شنبه، ويسقيه بالمواد الكيماوية، ويسحبه، ويهتم به، حتى كبر، أتدرون كم كبر؟! مترين وأربعين سنتيمتر شنب ملفوف! ليس لهم قدوة هؤلاء ضالون ضائعون، لكن أنت مربوط بالسماء، وموجَّه إلى شخص كريم، اختاره الله واصطفاه، وجعله رسولاً، وقال للناس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فتطلق لحيتك وتعفيها؛ ليس لأنها قضية شعر، ولا ديكور، لا؛ ولكن لأن الرسول أمر بها، وقال: (قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى) ولذا هي كريمة عندك، لا لكرامة الشعر، ولكن لكرامة الآمر بها والذي حثك عليها، وتموت وتُقطع رقبتك ولا تقطعها، لماذا؟ لحبك لمن أمر بها صلوات الله وسلامه عليه؛ لكن حينما تهون محبة الرسول في قلبك تهون لحيتك عليك، وتحلقها بنقود عليها، وتدع الحلاَّق يَرْصَعها وعينك تنظر، بل بعضهم يحلق في الحمام، وتذهب لحيته مع الكرسي! أين كرامة الإنسان؟! أين كرامة الرسول ﷺ في قلوبنا؟! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] إن أعظم ما رحم الله به العباد هو: بعثة هذا الرسول، وإنزال هذا الكتاب الكريم.

стр. 1443

صرف السيئات عن عباده المؤمنين وتوفيقهم للطاعات ومن مظاهر رحمته ﵎ بالأمة، وبالمؤمن على وجه الخصوص: أن يصرف الله عنك السيئات، بحيث يوفقك للطاعة، ويصرف عنك السيئة. ويجعل عينك هذه عيناً طاهرة؛ إذا رأت المرأةَ تغُضُّ. ويجعل أذنك أذناً نظيفة؛ إذا سَمِعَتِ الأغنيةَ تغلقُ. ويجعل لسانك لساناً طاهراً؛ لا يتكلم إلا بذكر الله، وبالعمل الصالح، وبالكلمة الطيبة، لا يلعن، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يغتاب، ولا يكذب، ولا يحلف، ولا، لسانك لا يقول إلا خيراً. ويجعل يدك هذه نظيفة عفيفة؛ لا تمتد إلا إلى الفضائل ومعالي الأمور. ويجل رجلك هذه طاهرة؛ لا تحملك إلا إلى المسجد والطاعة والعمل الصالح. ويجعل فرجك طاهراً نظيفاً؛ لا يقع إلا فيما أحل الله له. ويجعل بطنك هذه نظيفة؛ لا يدخله إلا ما أحل الله. ويجعلك كلك من أولك إلى آخرك على الطاعات، ويمنعك من السيئات، هذه رحمة أم ليست رحمة؟! نعم رحمة. اسمعوا ماذا يقول الله عن الملائكة: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] هؤلاء الملائكة في السماء، وأنت جالس هنا، وهم يستغفرون لك في السماء فاغفر لمن؟ لمن توفرت فيهم صفتين: ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] وبعد التوبة؟ ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ثم تقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٧ - ٩] تطلب الملائكة من الله أن يقيك السيئات، وأن يصرف عنك المعاصي والذنوب: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩]. هذا هو الفوز العظيم، أن يقيك الله السيئات، وتصبح آلِيَّ العبادة والطاعة، كأنك مركب على أزرار؛ من بيتك إلى مسجدك إلى عملك، إذا رأيت معصية تهرب منها، وإذا رأيت طاعة تقبل إليها، فأنت من رحمك الله، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩] أي: الذي ما وقاه الله السيئات ما ﵀، وما ناله نصيب من رحمة الله، فمن الناس من لا يعرف الطاعات أصلاً، ولا يتعرض للطاعات، وإنما هو واقع في المعاصي والسيئات منذ أن تستيقظ عينه حتى تنام، فهو يستيقظ على معصية الله، وينام على معصية الله؛ يستيقظ ويده على السيجارة، يحسب الباكت، يبحث عنه وهو ما زال مُغْمِضاً عينيه، من أجل أن يشعل الدخان، ويستيقظ ويده على مؤشر الراديو لكي يستفتح النهار بأغنية، أو على الشريط، وعندما يركب السيارة يشغل الأغنية، فيذهب إلى العمل على الباطل، ويمشي في الشارع على الباطل حياته كلها معاص في معاص؛ لأنه حُرِم من رحمة الله . إذاً: يا أخي الكريم: تعرَّض لرحمة الله عن طريق فعل الطاعات وترك السيئات، وهذه تقتضي منك مجاهدة؛ لأنك إذا جاهدت نفسك في ترك المعاصي، والابتعاد عن السيئات، وممارسة الطاعات، فكأنك تستمطر رحمة الله؛ يا ربِّ هات رحمة منك، وأنت مأمور بهذا، لكن عندما تأتي الطاعة إليك فتقول: لا، وتُعْرَض عليك المعصية فتقول: هيا، فكأنك ترد رحمة الله، وتستمطر غضب الله ولعنته وسخطه في الدنيا والآخرة. كما قال الله ﵎: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢].

стр. 1444

من مظاهر رحمة الله: سماع القرآن الكريم أيضاً: من مظاهرها: سماع القرآن:- ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]. فإذا سمعت القرآن فأنت مُعَرَّض لرحمة الله ﵎. رحمة الله ليست مختصة بفئة؛ ولكنها على عباده تسعهم، وبها يقوم وجودهم وكيانهم، وهي تتجلَّى في كل مظهر من مظاهر حياتهم ومن مظاهر وجودهم على هذه الحياة:

стр. 1445

من مظاهر رحمة الله: مجازاة الله تتجلى أيها الإخوة أولاً في: مجازاة الله : أي: أنه يضع لك على السيئة سيئة، وعلى الحسنة عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. هذه رحمة أم ليست برحمة؟! مقتضى العدل: السيئة بسيئة، والحسنة بحسنة؛ لكن لا إله إلا الله! سيئة بواحدة، وحسنة بعشر، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة. وعندما تريد أن تعمل سيئة فيحجزك منها خوف الله، ماذا تُكْتَب لك؟ حسنة. فعندما تهم بصدقة أو حسنة، لكن لا تقدر عليها، تُسَجَّل لك حسنة. وتمر على فقير في الشارع تراه يمد يده، فتدخل يدك في جيبك تبحث عن ريال فلا تجد ريالاً؛ لن يضيع لك ربك هذه النية الحسنة، يقول: سجلوا له ريالاً، كأنه عمل حسنة. هذه مظاهر رحمة الله .

стр. 1446

من مظاهر رحمة الله: تجاوزه تعالى عن عباده أيضاً من مظاهر رحمة الله ﵎: تجاوز الله وتوبته عن العبد إذا تاب قبل الموت بل أشمل من تجاوزه: تبديل سيئاته حسنات، رجل كان مسرفاً في المعاصي، وعاش حياته كلها على الذنوب، ثم تاب، وقد سُجِّل في دواوين سيئاته ملايين السيئات، ثم تاب وحسنت توبته، والله ﵎ من فضله ورحمته يمحو هذه السيئات ثم يثبت بعددها حسنات، كأنه كان يعمل حسنات، هذا فضل ورحمة، أم لا؟! يقول الله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، والقصة يذكرها ابن كثير نقلاً عن ابن أبي حاتم، يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد سقط حاجباه على وجهه، من كثرة طول سنه، وتقدم عمره، فقال: (يا رسول الله! رجلٌ غدر وفجر، ولم أدع حاجة ولا داجةً إلا اقترفتها، ذنوب لو قسمت على أهل الأرض لأهلكتهم، فهل لي توبة؟ قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم، قال: اذهب، فإن الله قد كتب لك بكل سيئة حسنة، قال الرجل: وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟! -يعني: الكبار، التي ما يُتَصَوَّر أن يغفرها الله تعالى- قال: وغدراتك وفجراتك. فولى الرجل وهو يقول: لا إله إلا الله! سبحان الله!). فما أعظم فضل الله، وهذا الكلام نوجهه لأنفسنا وللمسرفين في الذنوب، والذين عندهم ذنوب كثيرة، ويقولون: ربنا لن يقبلنا لا والله، مهما كان ذنبك، فإن رحمة الله أوسع من ذنبك، فقط غيِّر الوجهة: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وبعد ذلك: ﴿وَأَنِيبُوا﴾ [الزمر:٥٤] بعضهم يأخذ آخر الآية ويترك أولها، يقول: إن الله غفور رحيم، لكن أين ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] أي: توبوا وأسرعوا، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]. فلا بد من التوبة والإنابة والرجوع إلى الله. أما التوبة بعد فوات الأوان لا تنفع ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] لم تعد تنفع: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء:١٨]، وقبلها يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧]. فأنت عليك أن تتوب الآن. ولا داعي -أيها الإخوة- للمجازفة في قضية التوبة، فإن المجازفة في التوبة مجازفة خاسرة؛ لأنه إذا كان الإنسان يعصي الله فتقول له: الآن هل أنت راضٍ عن وضعك وعن معصيتك، أم لا؟! سيقول لك: لا، أنا ليست براضٍ. هل قرَّرتَ أن تتوب إلى الله، أم لا؟! سيقول: قرَّرتُ أن أتوب. متى تتوب؟! حدد لي يوماً معيناً. سيقول: فيما بعد. متى بعد سنة؟ سيقول: لستُ أدري. بعد شهر؟ سيقول: لستُ أدري. إذاً: أنت كذابٌ، لا تريد أن تتوب، لو أنك تريد أن تتوب فلا بد أن تحدد. وإذا قال: أحدِّد، بعد سنة. نقول: هل عندك ضمان أنك تعيش إلى بعد سنة. فإذا قال: ليس عندي ضمان. قلنا: إذاًَ: لماذا تؤخر على غير ضمان، إذاًَ: يلزمك أن تتوب الآن، فإنك إن تبت الآن، ومدَّ الله في عمرك، كانت حياتك كلها طاعة، وسلمت من سوء الخاتمة، وإن لم تتب الآن، ومد الله في عمرك وأنت عاصٍ، كانت حياتك كلها وبال عليك، وكنت عرضةً لسوء الخاتمة، فربما تموت الليلة، أو غداًَ على سوء الخاتمة. إذاً: الخيار الأفضل لك أيها الإنسان ولي ولكل مسلم هو التوبة؛ ولهذا جاء في الحديث عن الأغر المزني يقول: (كان رسول الله ﷺ يستغفر في المجلس الواحد مائة مرة). وفي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ يقول: (توبوا إلى الله يا عباد الله! إنه ليُغان على قلبي فأتوب إلى الله سبعين مرة) ما هو الغَيْن؟ قالوا: يُغان على قلب الرسول يعني: طبقة خفيفة من الغفلة، وإلا فإن الرسول لا يغفل عن الله، فالرسول مِن أَذْكَر عباد الله ومن أخشى الناس لله ومع هذا يقول: يُغان، لم يقل: يَغْفُل؛ لأن الغَين: يعني: طبقة خفيفة سريعة تأتي على القلب فيستغفر منها الرسول سبعين مرة، ونحن لا نستغفر! نستغفر الله الذي لا إله إلا هو ونتوب إليه، نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه. فمجازاة الله للعباد قائمة على الرحمة، ولهذا إذا تاب الإنسان مسح الله كل ذنوبه، وهذا من أعظم ما يمكن أن نصف به مظاهر رحمة الله ﵎.

стр. 1447

دخول الجنة برحمته تعالى أيضاً: من مظاهر رحمته: أنه لا أحد لا يدخل الجنة بعمله، وهذا يبين لنا عظمة الجنة، وأنها لا توازي العمل، قال ﵊: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). إذاً: كيف عبادتنا قياساً على عبادة الرسول ﷺ ؟! أنا أعطيكم نماذج ونتفاً من عبادة النبي ﷺ : أولاً: من عبادته: - في الصوم: كان يصوم ويواصل، أتدرون ما معنى الوصال؟ الوصال أنه يصوم من الصباح -أي: يتسحر ويصوم- ويأتي المغرب فلا يفطر، ويأتي السحور فلا يتسحر، ويواصل اليوم الثاني، ويأتي المغرب فلا يفطر، ويأتي اليوم الثاني فلا يتسحر، وكان يواصل اليوم واليومين والثلاثة والأكثر من ذلك، ولهذا قال له الصحابة: يا رسول الله! أنت تواصل، ألسنا مثلك؟ لا بد أن نواصل، قال: (إنكم لستم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) والحديث في البخاري، قال ابن حجر وهو يعلق على هذا الحديث: كيف يكون الرسول ﷺ مواصلاً وهو يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، لو أنه يُطْعَم ويُسْقََى من طعام الدنيا ما كان هذا وصالاً؛ لكن ليس من طعام الدنيا؛ يطعمه ويسقيه بما يفضي على قلبه من شآبيب رحمته، فيعوضه هذا عن الطعام والشراب في الدنيا، لا إله إلا الله! هذا في صيامه من منا يصوم هذا الصيام؟! - قيامه ﷺ : وقيامه ﷺ توضحه الأحاديث:- تقول عائشة ﵂: (كان ﷺ يقوم الليل حتى تفطرت أقدامه) رجلاه من كثرة الوقوف تشققت، ونحن تشققت أقدامنا من اللهث وراء الدنيا! أقدامنا مُشَقَّقَة من الدنيا؛ لا من الطاعة. ثانياً: الجهاد: حياته كلها منذ أن بُعث إلى أن مات جهاد، صلوات ربي وسلامه عليه. ثالثاً: شجاعة الرسول ﷺ ، وهي مضرب المثل: يقول علي، وهو من الشجعان، يقول: [كنا إذا حَمي الوطيس، واحمرَّت الحُدُق ندلق بظهر الرسول ﷺ ، فلا يُرى أقرب منه للعدو]. وفي غزوة حنين لما انكشف ظهر المسلمين، وقف يرتجز على البغلة الشهباء، وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) يقول: انظروني، موجود، تعالوا، وما ثبت إلا هو، ومعه مائة من أهل الشجرة، حتى أنزل الله جنوداً قلبوا كفة الميزان لصالح المؤمنين. رابعاً: كرمه ﷺ وبذله وعطاؤه: ما كان أجود منه ﷺ في الأرض، كان أجود من الريح، وكان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر. جاءه رجلٌ أعرابي يكفيه أنه يعطيه شاة أو نحوها، فأعطاه غنماً بين الجبلين جاءت من الفيء، وادٍ مليء قال: خذ، هذه لك، فرجع الرجل إلى قومه، قال: أسلموا، والله هذا رجل يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر؛ فجاءت القبيلة كلها تسلم. اللهم صل وسلِّم عليه. ادخر له بلال تمراً قليلاً حتى إذا جاع الرسول أعطاه له، فسأله يوماً: (أعندك شيء؟ قال: لا يا رسول الله! إلا تمرات ادَّخرتُها لك، قال: هاتها يا بلال، أنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً) هذا رسول، لو أنه ليس رسولاً والله ما يفعل هذا؛ لكن هذا نبي، اللهم صل وسلِّم عليه. وفي حديث عقبة بن نافع في صحيح البخاري يقول: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ العصر، فانفتل من الصلاة، فقام من ساعة أن انفتل -دخل حجرته- ثم رجع، فقلنا: يا رسول الله ما لك؟! قال: ذكرتُ في صلاتي شيئاً من تِبْر -يعني: ذهباً- عندي، كرهت أن أقعد حتى أنفقه، فقسَّمتُه ورجعت إليكم) هذا رسول، اللهم صل وسلِّم وبارك عليه. خامساً: حلمه: دائماًَ الذي عنده عَظَمَه يكون عنده حلم عظيم، وعظمة الرسول ﷺ تتجلَّى في كل جزئية من جزئيات حياته. حلمه: يأتي الأعرابي ويجذبه جذبة عنيفة، أثرت في عاتقه الشريف، والصحابة وقوف والسيوف في أيديهم -ما كانوا يقدرون على رفع أبصارهم إليه، وهذا الأعرابي يأتي ويشده ويقول: أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مالك ولا من مال أبيك، فالصحابة كل واحد منهم بيده سيفه يريد أن يأخذ به رأسَه؛ قال لهم: دعوه، دعوه، وجاء بالعطية وأعطاه، قال: صدق، ليس مالي، هو مال الله، وتركه يذهب، اللهم صل وسلِّم على رسول الله ﷺ . إنه رحمة صلوات الله وسلامه عليه: ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، حتى في المعارك، ففي غزوة بدر لما انتهت المعركة، وجيء بالأسرى -أسرى المشركين- استشار الرسول ﷺ أصحابه في هؤلاء، ماذا يصنع فيهم؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أبناؤك وإخوانك وأبناء عمك، اعفُ عنهم، قال عمر: لا يا رسول الله! أعداؤك وأعداء كتابك وأعداء دينك، أخرجوك وحاربوك، اقتلهم، فماذا صنع ﷺ ؟ مال إلى الرأي الأول رأي الرحمة وعفا عنهم، ثم جاء القرآن من السماء يصحح رأي عمر، ويقول: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] فقال ﷺ : (لو نزلت نار من السماء لأحرقت أهل الوادي، ولما نجا منها إلا عمر) لكن رحمة الرسول ﷺ عظيمة. ولما نزل من الطائف، وقال له ملك الجبال: (أأطبق عليهم الأخشبان؟ -لو كان واحد منا لقال: هؤلاء ما فيهم خير، يا رب دمِّرهم- فقال ﷺ : لا. إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون!). ولما ذهب الطفيل بن عمرو إلى بلاد زهران، ودعا قومه طردوه، وسبوه، وشرَّدوه، فإذا به يرجع، فقال: (يا رسول الله! هلك الدَّوس، قال: ما أهلكها؟ قال: أدعوهم إلى الله فيكذبونك، ادعُ عليهم، قال: ارفع يديك، فرفع الطفيل يديه، والرسول رفع يديه، يريد أن يدعو، قال: اللهم اهدِ دَوساً، وائت بهم جميعاً، قال: يا رسول الله! ما دعوتَ عليهم، قال: اذهب وانظر)، وعندما ذهب إذا به يجد دَوساً كلها قد أسلمت، وجاءت سبعون بيتاً من دَوس، ولا يزال لقبيلة زهران وقبيلة دَوس الفضل بدعوة الرسول إلى يومنا هذا، هاهي كتب التاريخ والسير والمسانيد والأحاديث تبين لنا أن من هذه القبيلة مشاهير الصحابة، يكفيهم أنَّ منهم: عبد الرحمن بن صخر الدوسي (أبو هريرة) ﵁، الذي روى أكثر من خمسة آلاف حديث، فالدين أغلبه جاءنا من طريق أبي هريرة ﵁ وأرضاه، ببركة دعوة النبي ﷺ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. وما يبلغ أحد فعل النبي ﷺ وعمله ومع هذا العمل كله لا يؤهله لدخول الجنة، ولهذا الصحابة استغربوا، (قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) فإذا كان الرسول لا يدخل الجنة بعمله، فهل أدخل أنا وإياك بعملنا؟! ما هو عملنا يا إخواني؟! ماذا نعمل؟! والله لو عُرض على زبَّال لرفضه، فصلاتنا نصفها وساوس وأفكار، وكذلك صيامنا! وصدقاتنا الله المستعان! نشكو أمرنا إلى الله؛ لكن نسأل الله أن يدخلنا في واسع رحمته. اللهم أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، ربنا لا تؤآخذنا بما فعلنا، ولا بما فعل السفهاء منا، ربنا أدخلنا في رحمتك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

стр. 1448

من مظاهر رحمة الله: إنزاله لرحمة يتراحم بها الخلق في الدنيا أيها الإخوة: هذه الرحمة ضرب لها النبي ﷺ أمثلة وقربها إلى القلوب حتى تُفهم، وهذا شأنه ﷺ في حياته الدعوية أنه كان يقرب المفاهيم والمعاني إلى قلوب الناس بالأمثلة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. أخرج البخاري ومسلم حديثاً عنه ﷺ أنه قال: (جعل الله الرحمة مائة رحمة، أمسك عنده تسعاً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً من المائة، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) بسبب هذه الرحمة! وتصور جزءاً واحداً العالم كله يتراحم به الآن، فتجد الناس في قلوبهم رحمة؛ إذا مَرَّوا على طفل صغير يبكي يأخذونه، ولو لم يكن ولدهم، وإذا رأوه مريضاً واقعاً في الأرض يسعفونه، ولو أنهم لا يعرفونه، إذا رأوه جائعاً يرحمونه، كم؟ كل الناس يرحمون. حتى الكفار في قلوبهم رحمة؛ توجد عندهم جمعيات: الرفق بالحيوان، وجمعيات الإغاثة، وجمعيات المنكوبين، وجمعيات اللاجئين هذه الجمعيات سببها ماذا؟ وجود رحمة. والبهائم فيها رحمة؛ فالدجاجة وهي دجاجة صغيرة، ترحم فرخها وتحن عليه، وتمتنع من الطعام والشراب، وإذا قط يريد أن يأكله، ماذا تفعل الدجاجة؟ تستسلم وتهرب من القط، والقط عدوها يأكلها؟ لا، تتحول الدجاجة إلى مصارع وعدو، تأخذ جناحيها وتفعل بطرفيها هكذا، وتقفز إلى ظهره، وتنقره في عينه -لماذا تأتي على فراخي- ما الذي أعطاها هذا؟ الرحمة، رحمة الله ﵎. والتبيع الصغير يخرج من بطن أمه ويقع في الأرض لا يوجد مستشفى يؤخذ إليه، ولا ولادة، ولا حفائظ ولا أي شيء، تقوم الأم البقرة بالمهمة فتخرج لسانها وتمسحه، إلى أن تنظفه وتجعله مثل الوَدَعَة، من علَّم البقرة أن تعمل هذا العمل؟ والحديث يقول: (وبها ترفع الدابة حافرها) ما أدرَى الدابة أن هذا يستحق الرحمة الآن، إذ لو رَصَعَتْه مات. القطة تضع أولادها الصغار ثم تأخذهم من مكان إلى مكان، تراها آخذة ابنها، تمسكه من رقبته من هنا، وتأتي به، وتضعه هناك، وترضعه، وتصيح إذا لم يتركها أحدٌ ترضعه من؟ إنه الرحيم الرحمن ﵎. وهذا التمثيل يقرب للإدراك البشري تصور سعة هذه الرحمة. وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه ذلك، يقول عمر ﵁: قُدِمَ إلى رسول الله ﷺ بسبي، فكانت فيه امرأة من السبي، تسعى وقد تحلَّب ثدياها، مرضع ضاع منها ولدها، ولمَّا سُبيت وجدت ثدييها تدرَّان باللبن، وإذا بعينيها تزوغ، تبحث عن ولدها في أي مكان، يقول: ثم نظرت، فإذا صبيها موجود، فأسرعت إليه، واحتملته، وألصقته بصدرها، ثم حنت عليه، وأرضعته، فقال ﷺ للصحابة: (أترون هذه مُلْقِيَةً بولدها في النار وهي تقدر؟ قالوا: لا، قال: والله إن الله أرحم بعباده من رحمة هذه بولدها) اللهم أدخلنا برحمتك يا أرحم الراحمين. يا إخواني: والله كل هذه الأحاديث وكل هذا الكلام يجعل الواحد منا يخجل أن يعمل معصية مع الرحيم المتعالي؛ لكن ما ظنكم بواحد يسمع بالرحمة ويقول: سأظل عاصياً لكي يرحمني. كذَّاب. لا يرحمك وأنت عاص: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف:٥٦] مِن مَن؟ ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] يرحمك إذا تعرَّضتَ له، أما إذا عاندته وعصيته وشاققته وتوليت عنه وهربت وحاربته، كيف يرحمك؟! ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]. فلا بد -أيها الإخوة- أن نفهم هذه المفاهيم حتى لا يغلظ علينا جانب ونقول: أن الله غفور رحيم؛ ما دام الله يرحمنا إذاًَ نجلس كلنا في المعاصي، ويرحمنا الله. لا، بل نتعرض لهذه الرحمة حتى يرحمنا الله ﵎.

стр. 1449

الراحمون يرحمهم الرحمن يقول ﵊، فيما أخرجه أبو داود: (الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وأخرج البخاري عن جرير قال: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) إذا أردت أن تكون أهلاً لرحمة الله فربِّ نفسك على رحمة الناس ارحم عاملك الذي يعمل عندك، وخادمك الذي يخدم عندك، والموظف الذي يعمل عندك في الوظيفة، ارحم جارك، وزوجتك، وولدك، وابنتك، والحيوان، والبهيمة وارحم كل شيء، واجعل الرحمة مدراراً في قلبك على الناس؛ لكن الذي لا يرحم لا يرحمه الله، فالرجلُ الفَظُّ العُتُلُّ الجعظريُّ المتحجرُ الشديد قوي على زوجته وأولاده وجيرانه وأمه وأبيه، فهذا نزع الله الرحمة من قلبه، فلا يستحق أن يكون مرحوماً من قبل الله . يروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن الحسن بن علي دخل على النبي ﷺ ، والأقرع بن حابس عنده -رجل من كبار العرب- فقام ﷺ وقبَّل الحسن فقال: يا رسول الله، أتقبلون صبيانكم؟! -يقول: تقبلون الأولاد؟! - إن لي عشرة من الولد، ما قبَّلتُ منهم واحداً، فقال ﷺ وقد نظر إليه: مَن لا يَرحم لا يُرحم، ما أفعل لك إن كان الله قد نزع منك الرحمة) قطع النبي ﷺ الخطبة يوم الجمعة لما دخل الحسن وجعل يتعثر في ثوبه فقطع الخطبة ونزل من المنبر وذهب فأخذه، ثم أكمل الخطبة وهو في يده. بعض الناس إذا جاء ليصلي ومر ولده من أمامه صَفَعَه كفَّاً، وبهذا لن يحب الولدُ الصلاة، ولن يصلي مدى الحياة، يقول: لماذا صفعتني؟! يا أخي دع الطفل يمر؛ هذا لأنه لا يقطع صلاتك، لكن هذا الأب يحافظ على الدِّين، يقول: يا ولد! فيصفعه؛ لأنه مرَّ من بين يديه. وقد صح عن النبي ﷺ أنه سجد فركب على ظهره الحسن، فأطال السجود ﷺ ، والصحابة لا يسبحون له، لماذا؟ لأنهم يخافون أن يكون فعله تشريع، وأحياناً ينسى لبشريته؛ لكن لا يسبحون حتى يعرفون، فأطال فلما انتهت الصلاة، قال: (لعلكم أدركتم طول سجودي، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إن ابني هذا ارتحلني -يقول: ركب عليَّ- فكرهتُ أن أنزله حتى نزل) هذا سيد البشر وأكرم خلق الله، راحلة للحسن، اللهم صل وسلِّم على عبدك ورسولك محمد. ويصور النبي ﷺ الرحمة في مشهد عجيب جداً يخرجه البخاري ومسلم، يقول ﵊: (بينما رجل يمشي اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها وشرب، ثم خرج، وإذا بكلب يطوف بالبئر، يأكل الثرى من العطش -قد مدَّ لسانه على الأرض، لا يقدر أن ينزل، ولا عنده دلو يُنَزِّله، وهو فوق، والماء في البئر- فرآه الرجل فأشفق عليه وقال: والله لقد بلغ العطش من هذا الكلب مثلما بلغ بي، ثم نزل البئر فملأ خفه -الخف: الحذاء، ليس عنده إناء ولا شيء إلا خفه- ثم أمسكه بفمه -وضع حذاءه بفمه، وهو مليء بالماء- ورقى حتى صعد البئر، وسقى الكلب، قال: فشكر الله له، وغفر له، وأدخله الجنة) رواه البخاري ومسلم. هذا كلب رحمه فأدخله الله الجنة، كيف إذا رحمتَ غيرَك؟! إذا رحمتَ مسلماً؟! إذا رحمتَ زوجتَك؟! ولا نتصور أن الرحمة أننا نسقي ونغذِّي، إذا رحمتَ زوجتك بأن حُلتَ بينها وبين العذاب؛ دعوتها إلى الله، أبعدتَ من بين يديها وسائل الفساد، ليس راحماً من يجلب لزوجته وسائل الفساد ويركِّب فوق بيته دُشَّاً، هذا رَحِم زوجتَه أم عذَّب زوجتَه؟! والله عذَّبها وعذَّب أولادَه، إن من يدخل في بيته هذا الداء يسبب كارثة لا يعلمها إلا الله؛ كأنه يعطي تأشيرة خروج للدين من بيته، وللفضيلة، وللرحمة، وللخير، فلا يبقى خيراً، كيف يأتي الخير -يا إخواني- وفوق رأسه أربعون قناة تصب بشرورها على رأسه؟! من أين يأتيه الخير؟! وبعضهم يبست عيونهم في الليل؛ إذا جاء ليرقد لن تُغْمِض عيناه، إذا انتهت قناة، انتقل إلى الثانية، فإذا انتهت انتقل إلى الثالثة، وإذا جاء ليرقد أبت عيناه أن تنطبقا، قد نشفت عيناه مما نظر في هذا الشر -والعياذ بالله- وصلاة الفجر هذه الله يحسن فيها الختام، وأحسن الله العزاء فيها، والله لا يصلُّونها ولا يعرفونها، ولا يقوم بعضهم إلا الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، ويذهب إلى الدوام، حتى إنه لا يصلي، وإن صلى فصلاة المنافق: (يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً). إذاًَ: رحمة لزوجتك: أبْعِدْ هذا الفساد، ارحمها من عذاب الله. وبعضهم يقول: أنا رحمت المرأة ورحمت الأطفال. ماذا هناك؟ قال: الأولاد مساكين، جالسين هكذا، فرحمتهم وأتيت لهم بجهاز فقط، لكي يشاهدوا كراتين. يرحمهم! انظروا انقلبت الرحمة! هذا يعذِّب أولاده، والله ما رحمتَهم، بل عذَّبتهم، وأهلكتهم وأحرقتهم بالنار، هؤلاء أمانة في عنقك، الله سائلك يوم القيامة عنهم، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] ارحموهم من النار، أما كونهم يصيحون يريدون شيئاً، فهل أنت مَعْبراً هنا فقط! كل ما طلبوا تأتي به، حتى لو طلبوا النار تأتي لهم بالنار؟! لا حول ولا قوة إلا بالله! لا يجوز أيها الإخوة. وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم أيضاً: (أن امرأة بغيَّاً زانية من بني إسرائيل رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع -أي: أخرج- لسانه، فنزعت موقها -أي: خفها- وسقته، فغفر الله لها بهذا العمل). وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ﵃ أجمعين قال: (كنا مع النبي ﷺ -والحديث أخرجه أبو داود - قال: فرأينا قُمَّرَة -نوع من الطيور- معها فرخان، فأخذناهما -أخذوا الفروخ- والقُمَّرَة ليست موجودة، فجاءت القُمَّرَة ما وجدت الفروخ، فجاءت تعرِّش بجناحيها، وترخيها، وتُدْني، وتصعد، وتَنْزِل على رأس النبي ﷺ ، فلما رآها الرسول -وهذا من إعجازه، ومن دلائل نبوته أنه عرف ماذا تريد عن طريق الوحي- قال: من فجع هذه بولَدَيْها؟! فقال الصحابة: نحن يا رسول الله! فقال: ردوهما عليها) فأخذوا الفرخان وردوهما في وكرها. وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: (قَرَصَتْ نملةٌ نبياً من الأنبياء فأحرق الأمة كلها، فأوحى الله إليه: أن قَرَصَتْكَ نملةٌ، فأحرقتَ أمة، فهَلاَّ نملة؟) يعني: إذا كان لا بد من القصاص، وقرصتك نملة فابحث عن النملة هذه واحرقها؛ لكن تحرق الأمة كلها من أجل نملة؟! لكن العلماء يقولون: إذا كان النمل في مكان خاص في الصحراء، وأنت جئت إليها، وأخذت تتمشى، وقَرَصَتْك، فقمتَ لتحرقها؛ لأنك ذهبت لتتمشى وقَرَصَتْك هذا حرام، من الذي قال لك أن تأتي النمل؟! فأنت تستحق القرص؛ لكن لو جاء النمل إلى بيتك، ودخل في مطبخك، وأفسد عليك طعامك وآذاك، يجوز لك أن تقضي عليه؛ لكن بغير الإحراق؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا الله، يجوز لك أن تهلك وأن تقضي على هذه الحشرات والزواحف بالوسائل الحشرية المبيدة، كأن تضع مسحوقاً أو فليتاً أو أي شيء، بشرط أن يكون عليك منها ضرر؛ لأن الضرر والصائل مأمور بدفع صولته، وإبعاد ضرره، أما من غير سبب، تذهب وتضع السم وتطارد، مثل مَن يطارد القطط الآن، بعض الناس إذا رأى قطة في الشارع لَفَّ عليها بالسيارة معركة مع القطط. ماذا هناك؟ قال: قتلتها. لِمَ يا أخي تقاتل القطط؟! لكن إذا هي تعمدتك ودخلت عليك، وما دريتَ، فما عليك شيء؛ لكن أن تقتلها عمداً هكذا. (امرأة دخلت النار في هرة، حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها ولا أطلقتها تأكل من خشاش الأرض). وفي النهاية يقول الله ﵎: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] ثم قال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام:١٢] وهذا مشهد آخر من مشاهد رحمة الله وهو: أن الله سوف يجمعنا يوم القيامة. وكيف يكون هذا اليوم رحمة؟! قالوا: لأن العاصي يرى جزاءه، والمؤمن يرى ثوابه، فيطمئن قلب المؤمن، ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣] لكن لو أن الله يجمعنا يوم القيامة، ويدخل العاصي والكافر النار، ويدخل المؤمن الجنة، والمؤمنون قد حرموا أنفسهم من المعاصي والذنوب، وذاك قد تمتع بالذنوب والمعاصي، يصبح من الظلم ألا يدخل هذا النار، وألا يجد هذا جزاءه الجنة، فمن كمال رحمة الله أن يدخل الناس الذين عملوا بطاعته في الجنة، ويدخل الكفار الذين عملوا بمخالفاته وخالفوا شرائعه وأنبياءه النار، قال الله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام:١٢] والإشارة إلى جمع الله الناس يوم القيامة جاءت مؤكدة بعدة مؤكدات: ((لَيَجْمَعَنَّكُمْ)) [الأنعام:١٢] لام التوكيد، ونون التوكيد المثقَّلة الشديدة، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام:١٢] بيانها، وبعد ذلك: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢] توكيد ثالث، ثم قال بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:١٢] في ذلك اليوم تظهر الموازين وتنكشف الحسابات، فيخسر الناس الذين ضيعوا أنفسهم في هذه الدنيا من طاعة الله، يخسرون أنفسهم بدخولهم النار، فهم لا يؤمنون في هذه الدنيا، ويحصل لهم بعدم الإيمان في هذه الدنيا خسارة الدارين في الدنيا والآخرة. ثم يقول ﵎ في لفتة أخرى: ﴿وَلَهُ مَا

стр. 1450

الأسئلة

стр. 1451

نبذة عن مؤسسة الحرمين الخيرية السؤال نرجو أن تذكر لنا نبذة عن مؤسسة الحرمين الخيرية؟ الجواب الخير في هذه الأمة -أيها الإخوة- لا ينقطع والحمد لله، والهيئات واللجان والجمعيات التي تقوم في هذا البلد المبارك وفي غيره من بلاد المسلمين، هذه وسائل عظيمة من أجل إيصال الخير إلى أهله، فهي بمنزلة الجسور الممتدة بين المحسنين والمحتاجين، فإن كثيراً من المسلمين يود أن يحسن، وعنده خير؛ لكنه لا يجد من يوصل هذا الخير إلى أهله، وليس عنده إمكانية، فقامت هذه الهيئات، ومن ضمنها: مؤسسة الحرمين التي يقوم عليها مجموعة من الرجال الفضلاء، الذين هم موضع ثقة في دينهم وأمانتهم، وفي توجهاتهم، ويحملون تزكيات من أصحاب الفضيلة، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، وقد أثنى في كتاب له هنا وقال: سرَّني كثيراً ما تقوم به المؤسسة من الأعمال الطيبة في سائر أنحاء المعمورة من النشاط في الدعوة إلى الله، ومساعدة ذوي الحاجات، فالحمد لله على ذلك، وأسأل الله أن يوفق القائمين عليها لكل خير، وأوصي الجميع بالإخلاص لله في العمل. لأن المسلمين في كل مكان بحاجة إلى من يعينهم على الخير، ويشجعهم عليه، وعلى الثبات عليه، كما أن غير المسلمين في حاجة إلى الدعوة والتوجيه والتأليف. وفقكم الله جميعاً، ونفع بكم عباده. - هذا الكتاب موجه إلى مدير عام المؤسسة فضيلة الشيخ/ عقيل بن عبد العزيز العقيل. وهذه المؤسسة لها أعمال خيرية كثيرة جداً منها: ١/ الدعوية: في ترسيخ العقيدة، والتركيز على تعليم السنة. ٢/ الإغاثية: في إغاثة المسلمين، عند نزول الكوارث، وعند حلول المشاكل والنكبات. ٣/ التعليمية: كبناء المدارس. ٤/ الصحية: كبناء المستشفيات، والمستوصفات. ٥/ حفر الآبار إلخ. كل هذه الأعمال تقوم بها هذه المؤسسة، وهي قائمة على المحسنين، ولها صناديق الآن موجودة في هذا المسجد، ولا أظن أنك تبخل على نفسك بأن يكون لك دور ومشاركة ولو شيئاً يسيراً، فإن الله ﵎ يربي للمتصدق صدقته، حتى تكون يوم القيامة كالجبل، فضَع شيئاً في هذا الصندوق: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ [محمد:٣٨] والله لا يضيع صدقة أحد، وليس الإنسان ينفق من ماله بل من مال الله، يقول الله ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]. فأسأل الله أن يوفقني وإياكم للإنفاق في كل مجال، ومن ضمن المجالات، مجال هذه الجمعية المباركة التي هي مؤسسة الحرمين، ولها صناديق، وعليها بعض الإخوة، وموجودة عند أبواب المسجد.

стр. 1452

توبة من يخشى العوائق الاجتماعية السؤال أريد أن أتوب إلى الله، ولكن يمنعني من ذلك أشياء: منها: المجتمع، وإخواني، وأصدقائي وأقربائي، وعلاقاتي الرجاء إجابتي عن هذه المشاكل، وكيف أتغلب عليها؟ الجواب تذكر -يا أخي- وأنت تريد أن تتوب وتمنعك هذه الموانع، أن هذه الموانع لا تمنعك من عذاب الله، ولا يمنعونك من الموت، ما رأيك إذا جاءك الموت، هل يمنعك المجتمع وإخوانك وقرابتك وزملاؤك وأصدقاؤك من الموت؟! لا. وما داموا لا يمنعونك من الموت فيجب ألا يمنعونك من التوبة. سارع يا أخي إلى التوبة، ولا تلتفت إلى المجتمع، فإنك عبد الله لا عبد المجتمع، ولا تلتفت إلى الأصدقاء ولا القرابة، وإنما ضع أمامك هماً واحداً وهو: هم الله، ضع توجهك توجهاً واحداً وهو: إلى الله، وتذكر العذاب، والخسارة العظمى التي تجنيها يوم أن تموت وأنت غير تائب إلى الله من المعاصي، وقد تقول: إن التوبة لها ضغط وشدة، والمعاصي لها طعم ولذة، نقول: صدقت، إن التوبة لها تعب؛ ولكن الأتعب منها الاستمرار في المعصية، فإن تعب التوبة لا يُقاس بألم وتعب المعصية؛ تعب التوبة محدود ينتهي بمعاناة بسيطة، ثم يقبلك الله ويجعلك من التائبين؛ لكن تعب المعصية غير محدود، يشملك في الدنيا ثم ينتقل معك في القبر، ثم ينتقل معك في عرصات القيامة، ثم يوردك النار، إذ لا خيار لك في التوبة. وأسأل الله أن يتوب علينا وعليك وعلى جميع المسلمين.

стр. 1453

حكم استقدام الخادمة بدون محرم ومعاكستها السؤال ما رأيك في من يترك زوجته ويتجه إلى معاكسة الشغالة، وزوجته تعرف ذلك وتتجاهله؟ الجواب أولاًَ: لا يوجد أحد يأتي بشغالة إلا من أجل امرأته؛ لأن المرأة هي التي تطلب الشغالة، فإذا جاءت بالشغالة، ثم توجه الرجل إلى الشغالة وتركها، فعلى نفسها جنت براقش، هي التي تستحق، من قال لها أن تأتي بشغالة؟! أصبحت دَغَّالة لم تعد شغالة، ولهذا ننصح بأن لا يأتي أحدٌ بشغالة بأي حال من الأحوال، ويحاول أن يحرص ألا يأتي بها، لماذا؟ لأنها امرأة أجنبية في بيتك فلا بد أن يجرك الشيطان إليها، لاسيما مع ضعف إيماننا، وقلة ديننا ضع النار بجانب البارود وقل: لا تشتعل. لا بد أن تشعل النار البارود، والرسول ﷺ يقول: (ما تركتُ على أمتي فتنة أضر من النساء على الرجال، ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). لكن قد يضطر الإنسان إليها اضطراراً، فإذا اضطُرَّ إليها اضطراراً فبالقواعد الشرعية، متى الضرورة؟ كأن تكون زوجتك معلِّمة، وعندها أطفال، ولا يمكن أن تدع أطفالك في البيت بدون أحد، وليس لك أقارب تضع أطفالك معهم، ولا يمكن أن تأخذ أولادها هي إلى المدرسة تدرِّس بهم، هل تضيِّع أولادك؟! لا، هل تفصل زوجتك من العمل التعليمي، وتجلس في البيت تربي أولادك، وتترك تربية أهل المسلمين؟! لا، هذه نظرة قاصرة؛ لأن زوجتك الصالحة إذا جلست في البيت، وأنت الصالح جلست في البيت، وأولادنا نوصلهم ليدرسوا، فمن يبقى في المدارس؟ يبقى الفاسدات، إذاً كأننا نقدم بناتنا وفلذات أكبادنا للسوء في المدارس، ونقعد زوجاتنا عن العمل العام الذي فيه تصحيح، وتربية، ودعوة، فيقعدن يربين، بدل أن تربي زوجتك الصالحة ثلاثمائة طالبة، تربي ثلاثة أطفال. ماذا نصنع؟! الجواب: نرتكب أقلَّ الضررين؛ نحن بين مفسدتين، نأخذ أقلها، ما هي الأقل؟ نأتي بشغالة؛ لكن بشروط شرعية: أولاً: أن تكون مسلمة: فلا تأتي بكافرة، يحرم عليك أن تأتي بكافرة؛ لأنها تربي ولدك على الكفر، وهناك طفل في الرياض عندما جاءوا به في سنة أولى ابتدائي، في أول مواد الدرس: قال الأستاذ: لا إله إلا الله. قال: لا. يا أستاذ، الله ثالث ثلاثة. فلما رجعوا، وجدوا النصرانية الخادمة قد علَّمته أن الآلهة ثلاثة. وطفل آخر يصيح حتى مات، ثم اكتشفوا، وإذا في رأسه دبُّوس، غرزته الشغالة في رأسه حتى مات. وطفل ثانٍ وجدوا أن الشغالة عندما تكون أمه في المدرسة وهي في البيت إذا بكى أعطته إصبع رجلها الكبيرة ليرضع، طول اليوم يرضع إصبع رجلها. وأخرى تضع بولها على السلطة في الغداء (خَل) ويستحق هذا من يأتي بالكافرة، وما أدراك أنها وضعت ليمون أو بولاً؟! وهي كلها أملاح ومواد حامضة، هل أنت جالس في المطبخ؟! الشغالة في المطبخ وأنت في العمل، وصنعت هي السلطة ووضعت عليها فنجان بول، وجاء ذاك ليأكل، ويتأدم ببول الكافرة. لا تأتي بكافرة، وإذا كانت عندك كافرة فاعمل لها خروجاً بلا عودة الآن، لا تمسي الكافرة في بيتك. هذه أولاً؛ أن تكون مسلمة. ثانياً: أن يكون معها زوجها؛ لكي تأتي بمحرم إذا قدرت، ليكون هو سائق للأسرة والبيت، وهي زوجته، فتضمن أن زوجته معه، لا تنظر إليك، ولا تنظر إليها أنت. ثالثاً: أن تكون كبيرة السن: فلا تأتي بواحدة في العشرين أو الخامسة عشرة، بعضهم يذهب إلى هناك، كأنه يريد أن يتزوج، ويستعرضها وينظر، ويأخذ واحدة عبارة عن وجه، ما هذا؟! هذه خادمة؟! هذه ليست بخادمة، بل نأخذ واحدة كبيرة السن. رابعاً: أن تكون غير ملفتة للنظر: شوهاء، إذا نظرتَ إليها صُدَّ عنها، أما أن تأتي بواحدة أجمل من زوجتك! هناك خادمات أجمل من الزوجات، وهنا تقول المرأة: ما رأيكم، والزوجة تعرف، ما شاء الله! أتعرف الزوجة؟! إذاً كيف ترضين بها أن تقعد في بيتك؟! لا حول ولا قوة إلا بالله. خامساً: أن تفرض عليها الحجاب: تلزمها بالحجاب، وأن لا تكشف عليك. الشرط السادس: أن لا تخلو بها: زوجتك في العمل، وأنت في العمل، لا تذهب إلى البيت وتدخل البيت وهي موجودة لوحدها، ولو كنتَ مثل ثابت البناني في العبادة، لماذا؟ (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وتصور! لو كان قلبك نظيفاًَ هل يكون قلبها نظيف؟! ولو كان قلبها نظيف هل يكون قلب الثالث الذي بينكما -وهو الشيطان- نظيف؟! فلا تخلو. إذا جئت والمرأة ليست في البيت، فاجلس في الخارج في الشارع، أو اذهب إلى المسجد، أو اجلس في السيارة إلى أن تأتي زوجتك، ولا تتساهل في هذه القضية؛ لأنك قد يجرك الشيطان إلى الثقة في نفسك، ثم تسقط لحظة، فتنظر، ثم تسقط الثانية، ثم يسحبك إبليس على أنفك إلى أن يوصلك النار، وهي بدأت بخطوة، كن حذراً جداً في هذه الجوانب. ونقول لأختنا هذه: إن كنتِ لستِ موظفة وما عندك أطفال، فلا داعي للشغالة؛ لأن بعض النساء ليست موظفة، ولا عندها أطفال، ولكن تقول: ليس عندي شغالة، وكل النساء معهن شغالات. لماذا الشغالة؟ قالت: لكي ترد على التليفون، وتأخذ الحقيبة لي وأنا ماشية. عجيب! أصبحت المسألة مظهراً من مظاهر (الفخفخة) فيعاقبها الله ويضع لها شغالة تغير قلب زوجها، وتتمنى أنها ما عرفت الشغالات. اشتغلي أنتِ في بيتكِ، إن مسئولية المرأة في بيتها كبيرة، وما أصيب النساء بالأمراض وبالسكر وبالترهل في الجسم وبالسمنة وبالأمراض -والعياذ بالله- إلا بسبب عدم القيام بواجبات المنزل، المرأة إذا قامت في منزلها، وقامت تشتغل من الصباح كالغزال، تكنس وتطبخ وتغسل هذه حركة رياضية، تجد بطنها لاصقة في ظهرها، وليس عندها مرض، لكن إذا رقدت من الصباح إلى الظهر، وقامت ووجهها مثل أنفها، مثل الكرة، لا تدري أين رأسها من عَفاسها، وسمنت، وسمنت ثم جاءها السكر، أو جلطة، أو سمنة، أو سكتة، بأسباب ماذا؟! لأنها نائمة، لماذا إذاً؟! قومي أنتِ بالخدمة في بيتِك، ألست تشعرين بأن خدمتك لزوجك شرف وعبادة تتقربين بها إلى الله؟! خدمتك لأولادك وغسيلك لهم خدمة تتشرفين بها وتمارسينها بلذة من خدمكِ أنتِ؟ يوم أن كنتِ صغيرة عند أمكِ، متى جاءونا بفكرة الخدامات هؤلاء يا إخواني؟! والله ما أحدٌ عرفها إلا قريباً، وإلا فكل واحدة تخدم وتغسل وترى النساء الأُوْلَيات ما شاء الله مثل الغزال، تكنس وتطبخ وتغسل وترضع، حتى إن بعضهن تتجاوز مهامها خارج البيت، تجدها تحطب وتأتي بالغنم وما شاء الله، لا تمرض، وتحبل سنة وترضع سنة، أما الآن من يوم أن ينزل الولد من بطنها وإذا الحليب قد جف من ثديها. ماذا بكِ؟! قالت: والله لا أريد الحليب. لماذا؟! قالت: من أجل الرشاقة. فيبتليها الله بسرطان الثدي، سرطان الثدي هذا مرض يصيب المرأة التي لا ترضع أولادها؛ لأن الحليب هذا ينحبس فيها، ويصير فيه بلاء، ويتكون إلى سرطان، ولهذا نسبة علمية تقول: إن أكثر شيء هو في اللاتي لا يرضعن أولادهن، فبدل أن تريد الرشاقة إذا بها لم يعد لديها أثداء، قد قُطِع، لماذا؟ لأنها ليست هي التي تشتغل في بيتها.

стр. 1454

علاج من عجز قلبه عن الطاعات السؤال ما هو علاج من مرض قلبها، مع العلم بأنها كانت صاحبة قلب حي وسليم ويقظ ومرتبط بالله؛ ولكن أغواها الشيطان بما أمرض قلبها، وقضى عليها، ومضى عليها عام كامل، وهي تحاول العودة؛ ولكن دون جدوى، وكلما حاولت الاستقامة عادت كما كانت، فما هو المنهج العملي للعلاج؟ الجواب المنهج العملي للعلاج: علاج وقائي وعلاجي: الوقاية: أولاًَ: تمتنع من قرناء السوء وقرينات السوء. ثانياً: إن كان الشر الذي يأتيها عن طريق الهاتف تقطع الهاتف. ثالثاً: وإن كان عن طريق المجلة ترمي المجلة. رابعاً: وإن كان عن طريق الفيديو لا تنظر إلى الفيديو. هذه يسمونها: وقايات، حجْر إيماني عليها. العلاج:- أولاً: تجعل لها ورداً يومياً من كتاب الله، لا يقل عن جزء، وصفحة تقرأ تفسيرها. ثانياً: تجعل لها ورداً يومياً من حديث النبي ﷺ لا يقل عن حديث واحد تقرأه وتحفظه، ويتم تفسيره. ثالثاً: تحافظ على الطاعات والفرائض محافظة دقيقة جداً. رابعاً: تنتهي عن المعاصي والذنوب كلها، كبيرها وصغيرها، ودقيقها وجليلها. خامساً: تبحث لها عن رفقة صالحة، امرأة طيبة فيها خير، لكي تعينها. سادساً: تكثر من ذكر الله. سابعاً: تسمع الشريط الإسلامي. ثامناً: تقرأ الكتاب الإسلامي. تاسعاً: تحضر مجالس الذكر. عاشراً: تجاهد نفسها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 1455

حكم بقاء الزوجة مع زوج لا يصلي ألبتة آخر سؤال أيضاً من الأخوات، ونحن نعطي أهمية للأسئلة التي تأتي من الأخوات؛ لأن الإخوة الذين لا يجدون جواباًَ على أسئلتهم يمكنهم أن يسألوا مشافهة؛ لكن الأخت التي لا تجد جواباً كيف تعلم؟ ليس معها إلا الورقة، فنحن نعطيها أولوية، وليس معنى هذا: عدم الاهتمام بالأسئلة الأخرى، بل الأسئلة الأخرى ستكون محط عناية مكتب مركز الدعوة إن شاء الله؛ بحيث يُتاح لها الفرصة إن شاء الله في مناسبة قادمة. السؤال هناك أم لستة أطفال، والدهم لا يصلي، فما حكم معاشرتها لهذا الزوج، وقد سألت هذه الأم شيخاً، ونهاها أن تعيش معه؛ ولكنها عطفت على أولادها، وحنَّت عليهم، واستمرت في حياتها مع زوجها، على الرغم من إجابة الشيخ لها، واستمرت في تربية أبنائها متوكلة على الله، فهل من ذنب عليها؟ الجواب نعم. عليها ذنب عظيم، إذ أنها استمرت في معاشرة رجل كافر، وقد أجمع أهل العلم على كفر تارك الصلاة، وما دام هذا الزوج لا يصلي، فإنه يحرم عليها، ولو عليها مائة ولد وليس ستة فقط، ولو وراءها قبيلة، فلا تحن ولا تشفق عليهم، وإنما تشفق على نفسها أولاًَ من أن تستمر في بيت الكافر، فهذا الرجل الذي لا يصلي تمسكه، وتقول له: أنت إنما استحللتني بكلمة الله؛ لأنك مسلم، والآن لا تصلي، فأنا أخيرك بين أن تصلي فأنا زوجتك، وأم أبنائك، ومعك على درب الإيمان إن شاء الله، أو لا تصلي فأنا لستُ منك، ولستَ مني، ولستُ أنا لك، ولستَ لي، سأذهبُ إلى بيت أهلي. إن كان لها بيت أهل تذهب إليه، وإن لم يكن لها بيت أهل وأولادها معها، ولا تريد أن تتركهم، فإنها تجلس في هذا البيت؛ لكن تحتجب عنه، لا تراه، ولا تمكنه من نفسها وإن غُلِبَت على أمرها ولم تستطع، تخرج من البيت، ولو أن تعيش على الرصيف، فلها والله أن تعيش وتنام على الأرض، ولا تنام ليلة في النار. أسأل الله أن يهدي هذا الرجل، وأن يوفق هذه المرأة، ويثبتها على الإيمان، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1456

فوربك لنسألنهم أجمعين (١، ٢) إن الله لم يخلقنا عبثاً، وإنما خلقنا لعبادته وحده، وأوجدنا في هذه الحياة، لنغتنمها بما يعود علينا بالنفع في الآخرة، فنحن مسئولون عن كل عمل نعمله في هذه الدنيا، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فلنعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً؛ لننقذ أنفسنا من عذاب الله، وذلك بلزوم الاستقامة على شرع الله، فلزوم الاستقامة كرامة، والميل عنها خزي وندامة.

стр. 1457

السؤال الأول: (عما كانوا يعملون) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن من أوجب الواجبات، ومن أعظم مسئوليات المسلم في هذه الحياة، أن يستغل فرصتها، وأن يغتنم فترتها، ليتعلم كيف يجيب على السؤالين الهامين، اللذين أخبر الله في كتابه الكريم، أنهما سيقدمان إلى كل مكلف في هذه الدنيا؛ لأن بمقدار قدرته على الإجابة الصحيحة على هذين السؤالين، يكون مقدار فوزه وسعادته، أو هلاكه وخسارته -والعياذ بالله- وانشغال الناس الآن، وبذل القسط الأوفر والجزء الأكبر من حياتهم، لشيءٍ لا ينفعهم في الآخرة، هذا من نقص عقولهم، ولذا يوم القيامة حينما تنكشف لهم الحقائق وحينما تزول الحجب ويرون الأمور على حقائقها يعترفون بأنهم لم يكونوا عقلاء، قال : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. أي يقولون: والله لو عندنا عقول وأسماع، ما تورطنا هذه الورطة، ولا تركنا هذه الفرصة، وما كنا بضلالنا وجهالتنا وإعراضنا وانشغالنا بما لا ينفعنا، ما كنا في أصحاب السعير، ولكن الذي جعلهم -والعياذ بالله- في السعير؛ أنهم ما كانوا يسمعون، ولا كانوا يعقلون، فلم يكونوا يسمعون عن الله، ولم يعقلوا دين الله، لكنهم يسمعون شيئاً لا يريده الله منهم، ويعقلون ويتفكرون ويبدعون، لكن في غير الميدان الطبيعي الذي خلقهم الله له، فإذا زالت الحُجب ورأوا أن جهدهم ضياع وعمرهم هباء قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. ما هذان السؤالان؟ ورد السؤال الأول في كتاب الله ، يقول الله فيه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] هذا هو السؤال الأول، والخطاب موجه للنبي ﷺ ، والله يقسم بنفسه ﵎ في هذا الأمر الهام، والذي يتأمل الأقسام القرآنية كما يقول ابن القيم في كتاب مخصص اسمه أقسام القرآن: يعني بهذه الأشياء التي أقسم بها الله ، فلا يقسم الله بذاته إلا في الأشياء المهمة، مثل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] ومثل: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]. وفي هذه الآية يقول الله : ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ [الحجر:٩٢] يا محمد ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر:٩٢] وجاء الأمر بعدة مؤكدات: لام التوكيد، ونون التوكيد الثقيلة ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢] توكيد لفظي ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٣] و (ما) هنا: اسم موصول تعم العاقل وغيره، تعم كل شيء، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].

стр. 1458

تذكرة الآخرة وأحوال أهل النار قل لي يا أخي! بربك إذا وقفت ذلك الموقف الرهيب، تصور -يا أخي- ولا تعش في الخيالات ولا تلغِ عقلك. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعائبٌ قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور يخاف، يقول الله: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] كيف أنا وأنت ذلك اليوم؟ الأمر أصعب من ذلك، بم تجيب إذا سُئلت هذا السؤال؟ ماذا كنت تعمل؟ ماذا تقول؟ أعد من الآن الجواب. وأنت الآن في الدنيا إذا مت وفارقت الحياة عند القبر، وقيل لك: ماذا كنت تعمل؟ وقلت لهم: كنت مديراً، هل ينفعك هذا؟ كنت ملازماً، طبيباً، وزيراً، أميراً، ملكاً، رياضياً، نجماً، روائياً، مطرباً، كل هذه لا تنفعك، عندك شيء ثانٍ، ابحث عن غير هذه الوظائف، هذه كلها تنفعك هنا في الدنيا، لكنها عند الموت لا تسقي صاحبها شربة ماء. يقولون: ماذا كنت؟ كنت مصلياً، قواماً في الليل، صواماً، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، تالياً لكتاب الله. هل كانت مخافة الله بين عينيك، فترى عذاب الله دائماً، كأنما لا يعذب في الدنيا إلا أنت، أم أنك تقتحم الذنوب والمعاصي كأنك ضد النار. فالذي يرى أعمال بعض العباد يقول: إما أن هؤلاء ضد النار أو أنهم مكذبون بالنار، فإن كانوا هم ضد النار فليجربوا وليأخذوا عود كبريت، لا نقول: يأخذوا جمرة، ولا تنوراً كبيراً، ولا النار الكبيرة التي يقول فيها النبي ﷺ ، وقد سمع وجبةً وهو مع بعض أصحابه فقال: (أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذا حجر ألقي من شفير جهنم منذ سبعين خريفاً والآن وصل). ولما نزل قول الله : ﴿النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] قال رجلٌ: (يا رسول الله! أحجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ -أي: مثل الجبال هذه- قال: والذي نفس محمد بيده! لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا بأسرها) ويذكر الإمام السيوطي في صحيح الجامع حديثاً يقول فيه النبي ﷺ : (إن مقعد الكافر في النار كما بين مكة والمدينة - أربعمائة وعشرون كيلو متراً، هذا الكرسي للكافر في جهنم، وهذا ذكره في صحيح الجامع -: وإن ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد) وهذا الضرس! فكيف بالرأس الذي فيه اثنان وثلاثون ضرساً. والجسم له سبعة جلود؛ لأن الله يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] لأن وسائل الإحساس في الجلد، فلو احترق هذا الجلد وما بُدل فلن يحس بالنار، فالله يبدل الجلود، لكي يستمر الإحساس بعذاب النار، وأنت عندما تدخل الإبرة في جلدك، تحس بها في أول الوخزة؛ لكن بعدها لا تحس؛ لأن وسائل الإحساس جعلها الله في خارج الجسد، حتى يحمى الجلد، بحيث تحس بأي شيء، لكن إذا لم يوجد إحساس فإنه يمكن لشخص أن يؤذيك، ويخرج دمك، وأنت لم تحس، وهذه من حكمة الله. سبعة جلود ما بين الجلد والجلد مسيرة ثلاثة أيام، وغلظ الجلد مسيرة ثلاثة أيام، ومن شدة الإحراق تبدل في كل يوم أربعمائة مرة، فستسأل في ذلك اليوم: ماذا كنت تعمل؟ وهناك: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ما لم يكن يخطر في باله من العذاب، شيء لا يتصوره العقل إذا سقطوا في الإجابة على هذا السؤال. فمن الآن صحح المسار، واضبَّط العمل، واعرف أنك عن كل شيء مسئول، والله يقول: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ [الصافات:٢٤] أي: قفوهم في عرصات القيامة: ﴿إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] أي: مناقشون ومحاسبون: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٥ - ٢٦] فليس هناك أنصار، ولا شيع، ولا أحزاب، ولا قوميات، ولا معسكر شرقي، ولا معسكر غربي، إنما بعضهم يلعن بعضاً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨] إذا تجمعوا: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] فكل جماعة تقول: هؤلاء الذين أضلونا لينالوا ضعف نصيبهم لكن: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] نعوذ بالله وإياكم من النار. فأعد لهذا السؤال جواباً، واجعل هذا السؤال بين عينيك: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٣] فإذا أردت أن تسهر في الليل، فاسأل نفسك: هل هذا العمل ستجيب عليه ورأسك مرفوع، أم منكوس؟ فإن كان مما تفخر به بين يدي الله فاعمله، وإن كان مما تخجل منه بين يدي الله فكف عنه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].

стр. 1459

النفس بين المجاهدة والدعة النفس أيها الإخوة! تحب الدعة، وتكره القيود، تحب اللعب والغفلة، وأنت تعرف نفسك إذا أعطيتها لعبة، فإنك تبذل فيها أربع أو خمس ساعات لا تمل ولا تكل، لكن أعطها كتاب علم أو آية أو حديثاً تضيق، لكن ما هو موقفك أنت أمام نفسك؟ هل الانهزام أم السيطرة؟ اسمعوا لهذه الآية الكريمة: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] وماذا؟ ﴿وَنَهَى﴾ [النازعات:٤٠] لم يستسلم ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] الهوى هو: الكيف الذي يقولون الآن: أنا على كيفي، وأنا على هواي، وأنا حر. أنت حر لكن سوف تندم فيما بعد، وعلى هواك الآن وعلى كيفك، لكن إذا دخلت الحفرة فأنقذ نفسك هناك، والله ستذهب الحرية والكيف والهوى، وتتمنى لو ترجع كي تلغي كيفك، وتشطب على هواك، وتبعد حريتك، وتعلن عبوديتك وخضوعك لربك فتستسلم؛ لكن لا تجاب إلى هذا، وهل أجيب إنسان على هذا الطلب؟! يا إخواني! لماذا لا نستقرئ التاريخ، فمنذ آدم ﵇ إلى يومنا هذا، هل وجد شخص طلب الرجعة وأرجعه الله؟ لا. إذاً لماذا نماطل في العمل، حتى يصير الإنسان إلى هذا المصير الأسود؟ -أعوذ بالله وإياكم منه- فالنفس تحب الدعة، ليكن موقفك من نفسك السيطرة، والحديث صحيح في سنن الترمذي: (الكيس من دان نفسه) دانها أي: غلبها وسيطر عليها؛ لأن النفس مثل الحصان، إن ركبته قادك، وإن أطلقته داسك ثم ركب عليك، وكثير من الناس الآن هو مطية نفسه، نفسي تقول لي! عقلي يقول لي! كيفي يقول لي! لكن عندما يكون عبداً لمولاه وخالقه، فنفسه تمشي مثل الحمار تحته، فيأمر نفسه بالصلاة فتنصاع له، وتدغدغه للدخان فينهاها؛ لكن الذي نفسه ركبته، فإذا رأى (سيجارة) قام إليها متلهفاً، وإذا سمع الأغنية أصغى لها، وإذا رأى فتاة ضيع دينه؛ لماذا؟ لأن نفسه مسيطرة. أما المؤمن المسيطر على نفسه فلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] نسأل الله وإياكم من فضله: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) الكيس في اللغة: العاقل الفطن اللبيب، صاحب العقل والنظرة البعيدة، ومن سيطر وقهر وغلب نفسه، وعمل لما بعد الموت، فالدنيا في يده والدين في قلبه، والآمر هو الدين، والدنيا هي المأمورة، ولذا تمشي كلها في طاعة الله، يأتيه المنصب يقبله لكنه يسخره في دين الله، تأتيه الأموال يأخذها لكنه ينفقها في سبيل الله، يأتيه الأولاد يقبلهم لكنه يربيهم على طاعة الله، الزوجات كذلك يربيهن على طاعة الله، كل شيء في حياته يسخره في هذا الاتجاه؛ لماذا؟ لأن الآمر هنا (عمل لما بعد الموت) رفع نظره وعلا ببصره إلى ما بعد هذه الحياة. والخامل العاجز الكاسل الفاشل من أتبع نفسه هواها، والشيطان يأخذه من زبالة إلى زبالة، من زبالة الغناء إلى زبالة الزنا، إلى زبالة اللواط، هذه زبالات وقاذورات من تلطخ بها هنا فلا تنظفها إلا النار، إلا من كان يتنظف منها هنا، لكن من توسخ بهذه القاذورات، ثم لقي الله وهو ملطخ بها فأين نغسله؟ لا يوجد في الآخرة إلا مغسلة واحدة، اسمها: جهنم ينظف فيها، فإن كانت الأوساخ عالقة -أي: سطحية- نظف بقدرها، ثم يخرج جوهرة، ويذهب إلى الجنة إن كان موحداً، وإن كانت هذه الأقذار والأوساخ عميقة داخلة في قلبه من كفر ونفاق -والعياذ بالله- يخرجه من الدين، فهذا لا يطهره شيء وإنما يقعد فيها حتى أبد الآبدين. والعاجز -والتعبير عنه بالعاجز يدل على أنه إنسانٌ شهواني، ضعيف الإرادة، خسيس النفس، عاجز الهمة، لا يصلح للجنة- إنما نظر بعينه الهابطة، فلم يرفع نظره، ولو رفعه لرأى الحور العين، وعندما يرى الحور العين يقول: تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر فهو عندما يرفع نظره، ويرى الحور العين، ويرى القصور العالية والأنهار الجارية، والثمار الدانية، ويتذكر أنه في يوم من الأيام سوف يدخل هذه الجنة، وفي يوم من الأيام سوف يدعى إلى سوق المزيد، وفي يوم من الأيام سوف يدعى للمحادثة مع الله ، والمكالمة مع ربه، كما جاء في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة النصف لا تضامون في رؤيته) وكما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (ما منكم إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) هذا المؤمن، أما العاجز فلا يستطيع؛ لأنه أَتْبَع نفسه هواها، ومع عجزه وضعفه وخسته ودناءة نفسه -أيضاً- يتمنى على الله الأماني، ويقول: أريد الجنة، تريد الجنة! الجنة لها طلاب، والطريق شاق. يقول ابن القيم في الجواب الكافي وفي الفوائد: يا مخنث العزم! الطريق شاق، والعقبة كئود، قذف فيه في النار إبراهيم، وعرض فيه على السكين إسماعيل، وألقي فيه في الماء يونس، وشج فيه وجه النبي ﷺ ، وبنيت عليه جماجم الشهداء، لو عرف من قتل في سبيل الله لسالت منه الجبال رءوسهم. وهذا على المعاصي أربعة وعشرين ساعة، وهو يقول: الله غفور رحيم، إن شاء الله نحن على خير، يحسن الظن بربه ويسيء العمل مع الله. يقول الحسن البصري في هذا: [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم -يقولون: نحسن الظن بالله- كذبوا والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل] لكنهم أساءوا الظن بالله، وظنوا أن الله يجزي الجنة على المعاصي فأساءوا العمل وهذا من سوء الظن بالله، أن تظن أن ربك يعطيك على السيئة حسنة، وهو يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠]. فمن الآن يا أخي! لا تستسهل شيئاً ولا تستبسطه، تقول: لا أريد الدخان؛ لكن أريد الشيشة أخف منه، فليس هناك خيارات، ولا يوجد بدائل ولا أنصاف حلول، هناك إيمان وكفر، هناك إسلام، وهناك معاصٍ ونفاق، فأنقذ نفسك يا أخي! من الغيبة والنميمة والورق واللعب والمنكرات، وكن عبداً ربانياً، والتحق بربك، ولا تعمل عملاً يسوؤك غداً أن تراه. يقول الحسن البصري ﵀: [اكنز ما تود وتحب أن تراه] أما أن تكنز عقارب وحيات وجمراً فهذا لا ينبغي، بل لا بد أن تكون من أهل الإيمان، الذين يعرفون كيف يغتنمون هذه الحياة، ولا يفرطون في شيء، محافظين على أمر الله ، هذا هو السؤال الأول.

стр. 1460

السؤال الثاني: (ماذا أجبتم المرسلين) السؤال الثاني: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] أرسلت لكم الرسل، وأنزلت عليهم الكتب، وأمرتهم بتبليغكم ديني وشرعي، بينوا لكم الحرام، وأمروكم بالابتعاد عنه، وبينوا لكم الحلال وأمروكم بالسير فيه، فماذا أجبتموهم؟ قال الله : ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص:٦٦] عميت عليهم لماذا؟ لأنهم ما أجابوا المرسلين، عميت عليهم الأخبار، وضاعت منهم الحجج، وفقدوا القدرة على الإجابة؛ لأنه بأي شيء يجيبون؟ هل يقولون: أجبنا المرسلين بالأغاني! أجبنا بالزنا! أجبنا باللعب واللهو! هل هذه إجابة؟ ليست هذه إجابة. والأنبياء المرسلون هم نماذج بشرية، كانت تؤدي الدين وتنفذ الرسالات، في واقع العمل كقدوة، يقول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] وخاتمهم وأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ ، وعندما تأتي لتتأمل سيرة كل نبي تجد أن كل نبي، كان على القمة في كل شيء، ثم تجمعت صفات كل الأنبياء كلها في رسول الله ﷺ ، ولهذا أعطاه الله الشهادة العليا فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] خلق عظيم من كل الناس، ليس هناك خلق في الأولين والآخرين إلا وفي رسول الله ﷺ القدر الأعلى منه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1461

الرسول ﷺ يدعو قومه كان ﷺ يقوم الليل، بعد أن نزل قول الله : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] الله أكبر! ما هذا الضمان؟ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١] وفي الأخير قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] كان وقوف النبي ﷺ في الليل، ليس وقوفاً كوقوفنا اليوم، القائم منا إذا وقف عشر دقائق أو ربع ساعة قال: أنا أقوم الليل، وهذا كثر الله خيره، على الأقل تشبه بالصالحين، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: (صففت مع رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل فقرأ بالبقرة فقلت: يركع في المائة الأولى، يقول: فلم يركع، فقلت: يركع بالمائة الثانية فلم يركع، فقلت: يركع في آخر السورة، -انظروا البقرة ننتهي منها في مسجدنا في التراويح في الليلة السابعة ويعتبروننا مطولين، وهو في ركعة واحدة انتهى من البقرة- فقلت: يركع في آخر السورة فلم يركع، ثم افتتح بالنساء، فقلت: يركع في المائة الأولى فلم يركع، فقلت: يركع في نهايتها فلم يركع، ثم افتتح بآل عمران، فقلت: لعله يركع، يقول: فلم يركع إلا في نهاية سورة آل عمران) هذه أكثر من خمسة أو ستة أجزاء. هذا الوقوف الطويل ماذا يفعل بقدم النبي ﷺ ؟ تتفطر، لأنه ثقل عليها، جسم وطول قيام حتى تشققت، ونحن اليوم تشققت أرجلنا من أمر آخر، الذين تشققت أقدامهم في المزارع والمعامل واللعب؛ لكن نحن لا. أقدامنا مثل قوالب الصابون. لقد استغربت عائشة هذا الوضع وقالت: (يا رسول الله! أليس قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ -عندك شهادة وضمانة أنك من أهل الجنة؛ لأن الله غفر لك ذنبك كله، فبماذا تنفعك الصلاة؟ - قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) أي: إذا غفر لي ربي هل يعني هذا أن أترك؟ لا؛ بل أزيد شكراً لله على مغفرته لي فصلوات الله وسلامه عليه. وفي ليلةً من الليالي وبعد أن قطع الرسول ﷺ الطريق من مكة إلى الطائف هارباً بدينه، ينشر دين الله ويريد أن يبلغه في الأرض، وصل إلى سوق عكاظ، وسوق عكاظ سوق كان الناس يجتمعون فيه، وكان مهرجاناً يتبادل فيه الشعراء قصائدَهم، وتقام فيه المدائح والأخبار، فاستغله النبي ﷺ ، وهذا شأن الداعية أن يستغل مكان التجمع، ولا يقول: والله هؤلاء ليس فيهم خير، كما نسمع بعض الناس اليوم، إذا قلت له: تعال اجلس مع الشباب وألق عليهم موعظة، واجلس معهم، قال: لا يا شيخ! دعنا منهم، هؤلاء ليس فيهم خير. سبحان الله! من هم هؤلاء الذين في النادي؟ إنهم أبناء المسلمين، يا أخي! فيهم خير، استغل وجودهم وتجمعهم وازرع فيهم الخير، لكن تجعل بينك وبينهم هوةً وحاجزاً وتتركهم ولا تدعوهم، هذا ليس من أسلوب الدعوة، ولا من شأن الأنبياء، فكان ﷺ يستغل كل تجمعٍ لنشر دعوة الله، وإبلاغ دينه، فجاء إلى سوق عكاظ وصعد على حجر وقام وقال: (يا أيها الناس! فاجتمع الناس حوله فقال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) والناس يعرفون أنه صادق ولا يكذب، وهو لا يكذب على الناس فضلاً عن أن يكذب على ربه، وكيف يكذب وهم يلقبونه بالصادق الأمين. ولكن اللعين أبا لهب عليه لعائن الله المتتابعة تبعه من مكة يطارده، ويوم رآه على الحجر واقفاً، قام بجانبه، وقال: من هذا الذي تكلم؟ قالوا: ابن أخيك، قال: لو كان صادقاً لصدقته، إنه كذاب. قالوا: عمه أعرف الناس به، فمادام عمه مكذبه فنحن كذلك مكذبوه، فكذبوه كلهم وطردوه، بل أغروا به السفهاء، وأمروهم برجمه بالحجارة؛ حتى سال الدم من عقبه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وخرج من الطائف، وجلس عند حائط ببستان من البساتين، ونادى بدعاء قال فيه: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس) (ضعف قوتي) ليس له قوة، (وقلة حيلتي) لم يعد عندي شيء، فماذا أعمل؟ طرقت كل باب، وسلكت كل وسيلة، وجئت إلى كل مجتمع، وتكلمت بكل بيان، ولم يعد عندي شيء يا رب؟! لكن لم يبق إلا أن أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، وأيضاً- ليس لي وضع اجتماعي يحميني، لدرجة أن الذي يرجمني الأطفال وليس الكبار فقط: (إلى من تكلني، أنت رب المستضعفين، إلى قويٍ ملكته أمري، أم إلى بعيدٍ يتجهمني، إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك). فيقول ﷺ إن كان ما يأتيني من التكذيب والإهانة ناتجاً عن شيء غير غضبك فلا أبالي، المهم ألا يكون ذلك عن غضبٍ عليَّ يا ربِّ! فكان يخاف من غضب الله، وهو في المعاناة الداخلية النفسية، وبعض الشباب أو الدعاة اليوم يقول له بعض الناس كلمة فقط، تجده ينفعل ويثور ويضارب، أنا على الحق، سبحان الله! ما دام سرت في طريق الهداية لم يعد لك عرض، ولا نفس، ولا كرامة، قدمها قرباناً إلى الله. ومع هذا ما انتقم لنفسه ﷺ ، فيرسل الله له ملك الجبال، ومعه جبريل، ويقول جبريل: (السلام يقرؤك السلام يا محمد! ويقول: هذا ملك الجبال إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين -الجبلين فتبلعهم الأرض- فقال: لا. لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله) الله أكبر! هذه تكشف لك نفسية النبي ﷺ وأنه رسول حق. والله لو كان شخص منا، فسيقول: نعم فهؤلاء ليس فيهم خير.

стр. 1462

صبر نوح ﵇ على دعوة قومه لقد بذل نوح ﵇ وسائل عديدة من أجل الدعوة، لا يستطيع أن يبذلها أحد، وظل تسعمائة وخمسين عاماً يدعونه، وبعض الناس يقول: والله يا شيخ! إن لي معه شهراً وأنا أدعوه، والله ليس فيه خير، فنوح جلس تسعمائة وخمسين سنة، وبعد ذلك عدّد جميع أساليب ووسائل الدعوة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح:٥ - ٧] إذا قام يحدث وضعوا أيديهم في أذانهم، فمن يحدث وهم قد وضعوا أيديهم في أذانهم؟ وأنتم لو تخليتم عني، سأقول: بما أنهم لا يريدون الذكر فليذهبوا في داهية. لكن نوحاً لم يقل هذا، إنما قام يحدث وهم جالسون وهو يعرف أنهم لا يسمعون، ولكنهم يرونه، فقال: لعلهم إذا رأوني وأنا أتحدث يرحموني، فيسمعون كلام لله ، فماذا يعملون؟ يستغشون ثيابهم، كل شخص يغطي وجهه، ويقولون: لا نسمعك ولا نراك: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٧ - ٩] دعوة فردية وجماعية، ودعوة سرية وعلنية: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح:١٠] لفت نظرهم إلى قدرة الله وعظمته ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ [نوح:١٠ - ١١]. لكن بعد أن يئس وعرف أن بيئتهم غير صالحة، قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] وكان مسوغاً في دين نوح أن يدعو عليهم؛ لأنه ليس خاتم الأنبياء، لكن ليس مسوغاً في دين نبينا ﷺ أن يدعو على أحد، ولهذا لا يدعو ولا تهلك هذه الأمة باستئصال، لماذا؟ لا بد من بقاء هذا الدين وهذه الرسالة إلى يوم القيامة. قال: (إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده) فأخرج الله من أصلابهم من يعبده، وحقق الله لرسوله ﷺ وعده، وأمله، وأمنيته، فأخرج الله من أصلاب الكفار: العاص بن وائل أخرج من صلبه عمرو بن العاص، والوليد بن المغيرة أخرج من صلبه خالد بن الوليد، وأبو جهل أخرج الله من صلبه عكرمة بن أبي جهل، وهكذا. ف السؤال ﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] هؤلاء رسل اطلعوا على ما لم تطلعوا عليه، وعلموا ما لم تعلموا، وأدوا هذا الدين في واقع الحياة -الواقع العملي- كنماذج بشرية تطيق تطبيق هذا الدين فماذا أجبتموهم؟ هذا رسول الله ﷺ كما قلت لكم، هذا وضعه وصلته بربه مغفوراً له، ونوح ﵇ لما ركب الفلك وقال للناس: اركبوا وركب مع أهل الإيمان وكان قد سمع من وعد الله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] فظن نوح أن الأهلية هنا هي: أهلية النسب، فقال للناس: اركبوا وقال لولده: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود:٤٢] لأنه من أهله: ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فرفض، وقبل أن يغرق توسط نوح إلى ربه لولده: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥] وأنت قد قلت: أركبهم، ولكن أبى أن يركب، أريدك يا رب أن تنجيه، فقال الله له مصححاً النظرة في كلمة أهلك: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] رغم أنه ولده، لكن الله يقول: ليس من أهلك، إن أهلك أهل عقيدتك، ولو كان من غير صلبك، وإن أهلك من هو على مثل ما أنت عليه من الدين، أما ولدك وإن كان من صلبك، فلا تربطك به رابطة إذا كان على غير دينك: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. فمستحيل أن تجد شخصاً عنده إيمان بالله واليوم الآخر، وعنده مودة لمن يحاد الله ورسوله، ثم قال الله : ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] مهما كانت قرابتهم: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] ومن كتب الله في قلبه الإيمان فلا يمحوه أحد: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] مثبتون ومؤيدون من الله، قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] الله أكبر! هذا الكلام لنبي من أولي العزم، يقول الله له على هذه الكلمة فقط: (إن ابني من أهلي) ولم يقل: يا رب! نجه، وإنما أذكرك يا رب بوعدك: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦] هذا كلام من الله يوجه لنوح، انظروا كيف البراءة من الذنب والعودة إلى الله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]. وقيل بعد هذا: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود:٤٨] فهذا موقف نوح مع الله.

стр. 1463

نماذج أخرى من الرسل ودعوتهم هذا موسى ﵇ لما خرج من مصر خائفاً يترقب، وجاء إلى الماء: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣] أي: تردان غنمهما عن الماء فسألهما قال: لم لا تسقون، ما خطبكما؟: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣] فقالتا: لا نزاحم الرجال، فكأنه يقول لهما: بما أنكما لا تزاحمان الرجال، فلماذا تخرجون أنتما، ولا يخرج غيركم؟ فبينّا العذر: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] ونحن ننتهز الفرص التي ليس فيها تجمعات، حين يصدر الناس، ونأتي لنسقي، فهو رأى أن من الإحسان والبر، أن يسقي لمثل هاتين الفتاتين الطاهرتين العفيفتين، فسقى لهما بدون أجر، ثم تولى إلى ظل شجرة، وماذا قال وهو يدعو ربه وهو بوضع نفسي متعب ومطارد ومحكوم عليه بالإعدام وليس عنده شيء؟ ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]. وإبراهيم ﵇ يقول: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] كيف يخزيك ربي يا إبراهيم، وأنت أبو الموحدين؟ يقول: لا تخزني يوم القيامة، ولم يقل: أدخلني الجنة، وإنما قال: ولا تخزني: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. وهذا عيسى ﵇ يقول الله له يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] والله يعلم أن عيسى لم يقل ذلك؛ لكن ليقرره في عالم الواقع، أما الكفرة الذين اتخذوه إلهاً وأمه من دون الله فإنهم عملوا شيئاً لم يأمر الله به، فيقول له: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] ثم قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧] هؤلاء الأنبياء مغفور لهم، مجتبين مصطفين أخيار، وهم الذين طبقوا الدين، ونحن الذين بعدهم نسأل عنهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].

стр. 1464

البصر والسمع في ميزان إجابة الرسول ﷺ لقد أمرك الله وأمرك رسوله ﷺ بغض بصرك، فهل أجبت؟: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وغض البصر يا إخواني! كما أقول باستمرار: والله راحة لقلبك في الدنيا، وقد كنت أسير أنا وأحد الإخوة ونحن خارجان من المسجد ذاهبان إلى بيتي بعد صلاة العصر، وإذا بامرأتين مقبلتين، وأنا أراقبه أريد أن أرى ماذا يفعل، هل سيلتفت إليهن أم ماذا؟ وأنا -أسأل الله أن يثبتني وإياكم- أجاهد نفسي كأي إنسان لكنه شاب، وأنا كبير في العمر، فنظرت إليه، وإذا به يغض بصره فجزاه الله خيراً، فلما تجاوزناهما، قلت: ما رأيك في غض البصر، هل هو أريح أم النظر؟ قال: والله يا أخي! إن غض البصر أريح. قلت: لماذا؟ قال: لو أني نظرت ربما رأيت شيئاً قد لا يكون جيداً، وقد يشغلني، لكن غض البصر أريح. فغض البصر راحة لقلبك؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] لماذا؟ ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] ذلك أفضل لكم؛ لأن العيون الدانية الهابطة التي دائماً تتلصص على المحارم ترسل نيراناً إلى القلب، ويبقى القلب تحت وطأة النظر في عذاب مستمر، فكلما رأى امرأة جاءته طعنة، والنظر يفعل في القلوب فعل السهام بلا قوس ولا وتر، فما دام أنك تطعن قلبك بنفسك لماذا لا تُسلم قلبك وتحميه، والناظم يقول: وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابر ويقول الآخر: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل ويقول: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت المراد فلا ترم بما تصب يقول: لا. أنت المراد فلا ترمِ نفسك، ارفعها لا تصب عمرك، لا تحدد النظرة فإن النظرة في قلبك، فالله أمرك ورسوله أمرك بغض البصر، هل أجبت المرسلين؟ إن شاء الله. الله أمرك بأن تحصن سمعك وتحفظه ولا تسمع به حراماً لا غناءً، ولا غيبةً ولا نميمةً، ولا كلاماً ساقطاً، وإنما اجعل أذنك أذناً ربانية، لا تستمع إلا إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، هل عملت هذا؟ إن شاء الله أجبت المرسلين، وقس على هذا كل شيء. بعض الناس يقول: نعم أجبت المرسلين، وهو عاكف على الأغاني والمنكرات، والدخان و (الجيراك) و (الشمة) وقطع الصلاة، وشراء المجلات العارية، وقراءة القصص الهابطة، ومرافقة السيئين، والسهرات القاتلة -والعياذ بالله-. فهو يعيش في وادٍ بعيد عن الدين، ويظن أنه أجاب المرسلين، لا والله ما أجبت المرسلين، فهذا تعمى عليه الأنباء يوم القيامة، ويسقط سقطة لا يقوم منها -والعياذ بالله-. قال الله : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٥ - ٦٦] فلا يتساءلون، وإنما كل إنسان يفكر في الإجابة. وأنا أضرب لكم على هذا مثالاً واقعياً، باعتبار أن أكثركم من الطلاب، فالطالب حينما يبدأ عامه الدراسي بالجد فينتبه لشروح المدرس ويسجل في مذكراته التعليقات الهامة والبارزة التي يتوقع أنها يمكن أن تكون موضع سؤال خصوصاً في الدراسات الجامعية، المدرس الجامعي يعيد مواداً قد أخذها الطالب في الثانوية وفي المتوسطة، وفي الابتدائي فالفاعل الآن يدرس في كلية اللغة العربية وفي كلية الشريعة في سنة ثانية، ونحن درسناه في صف خامس ابتدائي: اسم مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، لكن الفاعل هناك له صفات؛ عمدة وركن وغيرها، وهذا الفاعل يعاد درسه؛ لكن بطريقة متوسعة ودقيقة، فتتمدد إلى أكثر من جزئية، ثم يأتي المدرس أو الدكتور من أجل التمييز بين الطالب المجتهد والمتابع، وبين الطالب المايع، وبين الطالب المنتظم والملتزم، وهو يسجل الأشياء المهمة في المحاضرات، والدكتور عندما يضع الامتحان، يضع من هذه التعريفات وهذه الألفاظ، ليميز بها بين من كان عقله موجوداً، ومن كان يلعب إلى آخر السنة، ويقول: والله أنا سأصور المذكرات، وأحفظها في البيت، ولن ينجح إلا ذاك المتابع من أول السنة، لأنه أولٌ بأول، فإذا دخل الصالة للامتحان في آخر العام، دخل والمادة مكتوبة في رأسه كأنها بين عينيه، فإذا أعطوه الورقة لم يلتفت لا يميناً ولا يساراً، ولكن ينظر في دفتره وباسم الله، مثل السيل السائل، والبحر يتدفق علماً، ويقلب الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة ويغلق، راجع، قال: لا يحتاج مراجعة، المسألة مضبوطة، فهذا الذي ينتفع في حياته الدنيا، وإن شاء الله في الآخرة ينتفع أكثر. لكن ما رأيكم في طالب مهمل ما أجاب المدرسين، ولا تابع (الدكاترة) ويوم جاء جدول الامتحان، لم يأخذ الجدول، وإن أخذ الجدول، قال: الامتحان بعد أسبوعين، أول مادة عندنا لغة عربية، ذاكِرْها، قال: يا شيخ! الجدول هذا يعقدني، أرجوك دعها إلى ذلك اليوم إن شاء الله يفتح عليَّ، إن شاء الله! رئيس اللجنة يرحمني، إن شاء الله يجعل ربي بجانبي زميل طيب، يعطيني بعض الكلمات، ويتمنى على الله الأماني، وبعد ذلك دخل صالة الامتحان وجيء بالأسئلة وقسمت عليه، وأخذ الأسئلة وقام يقرأ: السؤال الأول الثاني الثالث، وبعد ذلك تلفت وقال بيده كذا، وبعينه في السماء يريد أحداً يأتيه من السماء، ويعصر مخه، والله ليس معك إلا الذي معك، ولا أحد ينفع، وبعد ذلك قال: طيب. السؤال الأول هذا صعب وأخاف أني أفشل فيه، آخذ السؤال الثاني، ويكتب الإجابة على السؤال ويقعد يضبطها؛ لأن هذه إضافية ما عليها درجات، وينسخها ويجعل لها هامشاً من اليمين، وهامشاً من اليسار ويجعل ترقيماً بالأحمر، أي: يضبطه منها يريد أن يخدع الدكتور؛ لكن لا تمشي على الدكاترة هذه، ولا تمشي على المدرسين نريد علماً، هل عندك شيء اكتبه؟ لكن ليس عنده شيء، وبعدها يتذكر ماذا درس في الثانوية؟ وماذا درس في الكفاءة؟ وماذا درس في الابتدائية؟ وأتى بمعلومات من الشارع ليست من الجامعة، فرق بين طالب الجامعة، وطالب الشارع الذي يأتي لك بأي كلام، طالب الجامعة مركز، يأتي بالمسألة من الحديث، هذا الحديث رواه فلان، وخرجه فلان، وفي سنده فلان، وبعد ذلك ذكر فيه أهل العلم كذا وكذا، اختلفت أقوال العلماء فيه، قيل فيه سبعة أقوال: القول الأول للشافعية ودليلهم كذا، القول الثاني للهادوية ودليلهم كذا، القول الثالث للحنابلة ودليلهم كذا، ثم بعد ذلك يراجع، ثم يقلب، ثم يعلق، ثم يقدم ويؤخر، ويأتي الدكتور فيجد علماً فيقول: خذ الدرجة كاملة. أما ذاك فيقول: اختلف فيه العلماء على سبعة أقوال: الأول نسيت، والثاني والله لم أدر به، والثالث إن شاء الله أذكره بعد قليل، فما رأيكم في هذا؟ ما عرف إلا سبعة أقوال. ويقول لك: سبعة أصفار مكعبة على طرفك، وبعد ذلك يخرج من المادة عميت عليه الأخبار قال الله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص:٦٦] أولاً هل يقدم الورقة؟ ينظر يقول: يمكن يغفل الأستاذ ويتلفت، لعله يجد فرصة للغش، ما ينفع هذا كله، فيضطر أن يسلم الورقة للدكتور، وفي الخارج يسأل الطلاب: ماذا قلتم في السؤال الأول؟ وفي السؤال الثاني؟ لكن مع ذلك يأتي أمل قال: يمكن تنزل عليه الرحمة والشفقة، يمكن الدكتور يكون منبسطاً في ذلك اليوم، ورأى كلامي فيه بركة؛ وإن جاءت النتائج، جاء مع الناس مع الأول، ماذا تريد؟ قال: أريد النتيجة، النتيجة ألست تعرفها من أول؛ لكنه مغفل يضحك على نفسه. يوجد طلاب أعرفهم والله عندما كنا ندرس في الجامعة كانوا لا يسألون عن النتيجة، ماذا يسألون؟ يقولون: لا نريد النتيجة هذا شيء في الجيب، بل نريد الأول والثاني والثالث والرابع، وواحد من إخواننا، يقول: أريد أنجح بالمقبول، وآخرون يقولون: لا نريد مقبولاً ولا جيداً، نريد ممتازاً. لنا الصدر دون العالمين أو القبر هذا في مجالات وامتحانات الدنيا، لكن امتحانات الآخرة يقول الله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص:٦٥ - ٦٦]. فيا إخواني في الله: لا بد أن نتفكر، وأن نعرف كيف نجيب المرسلين، بمراجعة الأوامر والنواهي، ومعرفة الطلب الذي طلبه منا الرسول ﷺ ، وكيف أجبناه، حتى نأتي يوم القيامة مثل ذلك الطالب الذي أعطى ما في رأسه، وخرج يذاكر مادة ثانية، نأتي يوم القيامة وقد أجبنا المرسلين، ماذا كنت تقول في هذا الرسول؟ صدقت به وآمنت وشهدت أنه رسول الله ﷺ ، فيقال في القبر: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، أما ذاك الذي ما علم شيئاً يقول: هاه هاه -مثل ذلك الذي ما عنده شيء- هاه هاه لا أدري، فيقال له في القبر: لا دريت ولا تليت، أي: جعلك الله لا تدري، فيضرب عند رأسه بمطرقة فيكون طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه، هذا يضربه الفتان؛ فتان القبر هذا موكل بفتنة الكفار في القبور، وهذا أصم أبكم أعمى، أصم فلا يسمع بكاء، أعمى فلا ينظره حتى يرحمه، أبكم فلا يتخاطب وعنده مرزبة، ويضرب في الرأس، لماذا كنت عاصياً، فاجراً، عدواً لله! لكن يا أخي! ليس لك في الورطة هذه كلها يا أخي! امش في الخط، اضبط المسار على هدي النبي ﷺ -والله- تكسب الدنيا والآخرة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو؛ أن يلهمني وإياكم الحجة وأن يقيمنا وإياكم على الطريق الصحيح، وأن يثبتنا وإياكم على الإيمان حتى نلقاه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

стр. 1465

مصير من يهجر القرآن هجر القرآن سبب من أسباب عذاب القبر، ففي صحيح البخاري، من حديث سمرة بن جندب ﵁، في حديث الرؤيا الطويل، الذي قال فيه الرسول ﷺ : (إنه أتياه رجلان فقالا له: انطلق انطلق فانطلق بهما ومر على أناس يعذبون في البرزخ، ومن ضمنهم أنه رأى رجلاً مستلقٍ على ظهره وآخر على رأسه بحجر يرضخ رأسه ثم يتدحرج الحجر، فلا يعود له ويأخذه إلا وقد أعاد الله ذاك كما كان، فيرضخه، وكلما ذهب الحجر أتى به ورضخه، فقال لجبريل ولمن معه: ما هذا؟ فقال له: هذا الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة) رأس مليء بالنفاق، أخذ القرآن وحفظه ثم رفضه. والله بعض الحفظة الآن يمر عليه الشهر والشهران لا يقرأ آية، وهو قد حفظ القرآن، هذا وعيد شديد على من هذا فعله، لا حول ولا قوة إلا بالله! أنار الله بصيرته، وقذف الله القرآن في قلبه، وجعله مستودعاً وقمطراً للعلم. كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول وتجد بعضهم قد استعاض عنه بالأغاني والمسلسلات، والصحف والمجلات، واللهو واللعب، وترك القرآن، هذا ثقل رأسه عن القرآن، فتولد عنه الإعراض عن القرآن، تثاقله عن الصلاة المكتوبة؛ لأن القرآن هو الذي يبعث فيك الإيمان، فإذا هجرت القرآن وثقل رأسك عنه فإن النتيجة حتمية أن يثقل رأسك عن الصلاة، فلا تقوم إلى الصلاة، ولا بد لكل رأس خربان من دواء، ودواء هذا الرأس الخربان أن يرضخ في القبر بحجارة. يا إخواني! والله ما تتحمل العي، إذا كان عندك قدرة فخذ حجراً صغيراً ودق بها أُصبعك، فكيف إذا رضخت بها على رأسك؟ -والعياذ بالله-. وسوف -إن شاء الله- نتكلم بشيء من الإسهاب، وجمع للأدلة على هجر القرآن؛ وأنه كبيرة ومعصية من المعاصي الكبيرة، وعلى نسيان القرآن، وعلى المراء في القرآن، وعلى عدم التحاكم إلى القرآن، وتدبر القرآن، وقراءة القرآن؛ لأنه نور أراد الله لهذه الأمة أن تعيش به، ونفخ فيها الحياة به فجعله روحاً لها، قال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً﴾ [الشورى:٥٢] هو روح للأمة بمعنى: الذي ليس عنده قرآن، جسده ميت لا حياة فيه: ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].

стр. 1466

الأسئلة

стр. 1467

درجة حديث (من استمع إلى مغن) من حيث الصحة والضعف السؤال أرجو منك يا شيخ! أن تبين مدى صحة هذا الحديث: (من استمع إلى مغنٍ أو مغنية صب الله في أذنيه الرصاص المذاب). الجواب هذا الحديث ضعيف، ولم يخرجه أهل السنن ولا الصحاح، وإنما ذكر في بعض الكتب التي تورد الضعاف، ولكن وردت أحاديث صحيحة، مثل حديث البخاري: (يأتي على الناس زمان يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف) هذا في صحيح البخاري، المعازف أي: الأغاني، والحديث الآخر الصحيح: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة) والحديث الآخر الصحيح حديث عبد الله بن عمر (حينما كان مع النبي ﷺ فسمعا راعياً ينفخ بوقاً، فأدخل ﷺ إصبعيه في أذنيه، وكان يسدهما حتى مشى، ثم قال لـ ابن عمر: أكنت تسمع؟ حتى قال: ما عدت أسمع فأخرج يده). أجاب العلماء على سماع ابن عمر، أنه كان صغيراً غير مكلف، ولا يؤذيه ذلك، وإلا لم يكن ليرخص له النبي ﷺ لو كان مكلفاً؛ ولأن هذا الناي أو العود لا يصل إلى درجة الفتنة التي تفتنه، ولكن خشية الرسول ﷺ على نفسه، باعتباره وعاء العلم، ومبلغ عن الله، مما جعله لا يستمع لهذا الشيء، هذا بالنسبة لهذه الأحاديث.

стр. 1468

حكم التعزية في الإسلام وكيفيتها السؤال ما حكم التعزية في الإسلام؟ لأنني سمعت رجلاً يقول: إنها بدعة وهو من أهل العلم وطلبته، وهي غير واردة في الدين وأن الرسول ﷺ ما عزى أحداً؟ الجواب هذا الكلام فيه نوع من التجني على الدين، كون الشخص يصف شيئاً أنه بدعة، وهو وارد وله أصل في الدين، وهي باتفاق أهل العلم أنها مستحبة ليست بدعة ولا مباحة، بل مستحبة؛ لورود الأدلة التي أثبتت فضيلة التعزية، وأن رسول الله ﷺ عزى ابنته حينما أخبروه بوفاة ابن ابنته قال: (مروها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى) هذه من التعزية، وأيضاً ذكر ابن ماجة والبيهقي بسند حسن عن عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة). وعند الترمذي بسندٍ فيه لين قال رسول الله ﷺ : (من عزى مصاباً فله مثل أجره) ذكر هذا الكلام الشيخ ابن قدامة في المغني، ومدة العزاء ثلاثة أيام ما لم يكن المعزى غائباً، فليس هناك داعٍ لأن تذهب إليه، أما إذا كان قريباً منك، ويمكن أن تتصل به وتعزيه، فإن هذا سنة ومستحب، والسنة أن يعزى أقارب الميت في أي مكان، في البيت، في الشارع، في المسجد، في الطريق، وليس من السنة أن يجلس صاحب العزاء في البيت، كما يصنع الآن في مجتمعاتنا، هذا ليس من السنة في شيء، وأظن الأخ الذي قال بهذا الكلام، يعني به هذا الوضع، لا يعني به مطلق التعزية، فليس من السنة أن يجلس للعزاء في البيت، فقد روى جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: [كنا نعد الجلوس للعزاء نوعاً من النياحة].

стр. 1469

تعريف النياحة وبدع العزاء السؤال ما هي النياحة؟ الجواب النياحة هي: إظهار أي مظهر يعترض فيه على قضاء الله وقدره؛ إما بشق جيب، أو بلطم خد، أو بنتف شعر، أو برفع صوت، أو بالتجمهر مثل ما يفعل الآن في القرى، إذا مات شخص يعلنون كلهم الإضراب عن العمل، منهم موظفون وطلاب ومزارعون يأخذون إجازات ويجلسون كلهم في بيت العزاء، وكلما دخل شخص قاموا: لا هان من جاء، وجلس وأفلح، ولمن العزاء، لكم أنتم؟! المفروض أنكم أتيتم تعزون، فتعزون في المقبرة وذهب كل واحد إلى عمله. أما الجلوس للعزاء من قبل الجماعة، أو من أهل البيت فليس هذا من السنة، والأدهى والأمر أنهم يجلسون ويعطلون أعمالهم، ثم يحولون العزاء إلى فرح، فتذبح الخرفان ويتقاسمونها بينهم، قال فلان: الفطور عندي هذا اليوم، قال الثاني: والغداء عندي، قال الثالث: والعشاء عندي، الله أكبر والكرم! ولو قيل لهم: هاتوا الخرفان هذه لنجعلها في سبيل الله، ونرسلها لإخواننا المجاهدين، الذين يأكلون الخبز الناشف، الذي يدقونه بالحجارة، قال: والله لا أُسلم ريالاً. لكن عند مراد الله يفنى كميتٍ وعند مراد النفس يسجي ويلجمُ يوم أن صارت رياءً ونفاقاً وكذباً، فهي ليست لله ولا ترضي الله، قد يصل الذبح عند البعض في العزاء إلى مائة خروف، أربعة غداء، وأربعة عشاء، وأربعة فطور حنيذ، حتى فرح بعض الناس فتراهم يقولون: اللهم اجعل كل يوم ميتاً؛ ما دام أن فيها عزائم وأكلات، لا حول ولا قوة إلا بالله! لا يجوز الجلوس، ولا يجوز الأكل في بيت الميت، والذي يجوز هو أن يعزى هذا الرجل في أي مكان، فإن لم تجده في أي مكان وأنت تعرف أنه لن يخرج، فلا مانع من أن تصله في بيته، لكن تعزيه وتمشي، أما أن تأكل أو تجلس أو تأتي بأكل أو طعام، لا. يجوز أن يضع الجيران طعاماً لأهل الميت فقط، أما أن يأتي بطعام لا يكفيهم؛ ويحضر الرز واللحم في قدور ويأكلونه ويرسلون بالعظام والصحون للنساء ليقمن بغسل الصحون فهذا ليس من الدين في شيء.

стр. 1470

حكم نقض الشعر عند الغسل بالنسبة للحائض السؤال امرأة حائض ورأسها مشدود وطَهُرت من الحيض، فهل يجب عليها أن تنقض شعرها وتفكه، أم تغتسل بدون نقض؟ الجواب هذا النوع فيه تفصيل: إن كان الغسل من جنابة، فلا تنقضه، وإنما تروي أصوله، ولا يلزمها أن تنقضه شعرة شعرة، وهذا باتفاق إن كان الغسل من جنابة. أما إن كان الغسل من حيض، فاختلفت فيه أقوال العلماء على قولين: القول الأول: وهو للحسن وطاوس: أنها تنقضه، لحديث عائشة وهو في صحيح البخاري عندما شكت إلى النبي ﷺ فقال: (انقضي رأسك وامتشطي). البخاري (١/ ١٢٠) دار اليمامة. وقال بعض العلماء: لا يجب النقض، وحملوا هذا الدليل على الاستحباب، قالوا: إن الأمر هنا للاستحباب وليس للوجوب، ولكن الأولى للمسلمة أنها تنقضه بعد الحيض، ولا تنقضه من الجنابة.

стр. 1471

حكم من واقع زوجته في صيام التطوع السؤال بالنسبة لصيام التطوع -الإثنين أو الخميس- إذا وقع الرجل على زوجته في ذلك اليوم، فما الحكم؟ هل عليه قضاء أم كفارة أم لا؟ الجواب إذا كان صيام نافلة تطوعاً؛ فإنه يجوز للرجل أن يأتي زوجته، ولو كانت صائمة صياماً تطوعاً؛ لأنه لا يجوز لها في الأصل أن تصوم إلا بإذنه إذا كان شاهداً، فإذا أذن لها؛ لزمه أن يتم إذنه، لكن لو غُلب على أمره وأراد زوجته وهي صائمة صيام تطوعٍ، جاز له أن يأتيها ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر.

стр. 1472

ما يجوز للرجل الذي عقد على امرأة ولم يدخل بها السؤال ما هي الأشياء الجائزة التي يستطيع الرجل عملها مع زوجته التي عقد قرانه عليها ولم يدخل بها، هل تكشف له؟ هل يصافحها؟ هل يسلم عليها؟ هل يذهب بها إلى المستشفى أو المدرسة أو غير ذلك؟ الجواب أول شيء: بارك الله لك في زوجتك التي عقدت عليها، والحمد لله الآن الشيك في جيبك، ولو لم يكن إلا المكالمة منها، فإنك لا تتكلم إلا على شيء قد أصبح لك، والرباط أصبح في يدك، أنت رجل ممتاز، لكن الذي يعيش على الخيالات والأوهام، ويتلفت ويكلم، وليس معه إلا التراب في يده، هذا خاسر -والعياذ بالله- فنقول: بارك الله لك في زوجتك، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو! أن يهيئ قلب أبيها وأبيك، بأن يعجلوا لك بالزواج، أما ما يحل لك فبمجرد عقدك عليها أصبحت زوجتك، يجوز لك منها كل شيء، حتى جماعها يجوز لك، لكن بشرط أن يعلم أهلها وأهلك؛ وذلك لسد الذريعة، خشية أن يحصل شيء بعد ذلك، ثم يقول لها أهلها ويقول أهلك: من أين جاء هذا الشيء؟ لا. إذا كنت مستعجلاً فاذهب إلى أهلها، وقل لهم: أنتم واعدتمونا في السنة القادمة، وأنا لن أصبر، هذه زوجتي وأريد أن أنام معها هذه الليلة، فإذا قالوا: تفضل، والذبائح والعرس في وقت آخر، فلا بأس، وأخبر أهلك، وهذه زوجتك، بارك الله لك فيها إن شاء الله، لكن لا تطمع أكثر من اللازم.

стр. 1473

حكم فرقعة الأصابع في الصلاة وتشبيكها السؤال ما حكم طقطقة الأصابع في الصلاة وتشبيكها؟ الجواب طقطقة الأصابع وفرقعتها مكروه ومنهيٌ عنه، في حديث ابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال لرجلٍ: (لا تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة) وأيضاً روى ابن ماجة في السنن عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ رأى رجلاً في المجلس يشبك أصابعه، قال له: (فرج بين أصابعك) والسبب في النهي عن التشبيك كما يقول العلماء: إنه يحول بينه وبين التسبيح؛ لأنه إذا جلس وشبك عطل هذه الوسائل، فالأولى أنك لا تشبكها من أجل أن تشتغل بالتسبيح بها إن شاء الله، والحكمة إن لم تكن هذه فالحكم تعبدي، المهم أنك منهي عن الفرقعة والتشبيك.

стр. 1474

صيام الأيام البيض السؤال هل الثلاثة الأيام التي تصام في الشهر التي أمر بها النبي ﷺ هي البيض: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، أم من أي أيام الشهر شاء؟ الجواب الأيام البيض التي جاء الأمر بها هي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لحديث أبي ذر ﵁ وهو عند النسائي وصححه ابن حبان ووافقه الذهبي، قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر الثلاثة الأيام البيض) يعني: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي كصوم الدهر، ولكن لو لم تصم، وفاتتك البيض، يجوز لك أن تصوم ثلاثة أيام من الشهر غيرهن إن شاء الله.

стр. 1475

حكم قضاء السنن الرواتب السؤال السنن الراتبة التي تفوت الإنسان مثل سنة ما قبل الظهر أو بعده، إذا فاتت الإنسان فهل يقضيها؟ الجواب نعم يقضيها؛ لأنه ثبت أن رسول الله ﷺ قضى نافلةً فاتته في الظهر بعد العصر، واستدل العلماءُ بذلك على أنه يجوز قضاء النافلة، حتى في وقت النهي؛ لأنها ذاتُ سبب، وسببها فواتها وليست نافلة مطلقة، فتقضيها إن شاء الله.
следующие страницы →